الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني: التفاضل بين الملائكة والبشر
هذه مسألة كثر الكلام فيها في كتب المتأخرين من أهل العلم أخذاً ورداً، وطال طولاً أخرجها عن فائدتها وحدها، وخلاصة ما قيل فيها أن الناس فيها على مذاهب ثلاثة (1):
الأول: تفضيل الملائكة على البشر مطلقاً، وإليه ذهبت المعتزلة، وبعض الأشعرية، وابن حزم، ومال إليه بعض أهل السنة، وبعض الصوفية، واستدلوا بأدلة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لها وجهها في الدلالة على قولهم، كقوله سبحانه في بني آدم: وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً [الإسراء: 70]. فقال على كثير ولم يقل على كل، ومن عساه أن يكون الخارج من هذا الكثير إلا الملائكة، وبقوله سبحانه: لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلّهِ وَلَا الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ [النساء: 172]. ومثل هذا دال لغة على أن المعطوف أفضل من المعطوف عليه، وبقوله سبحانه: قُل لَاّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ [الأنعام: 50]. والمعنى عندهم أني لا أدعي فوق منزلتي، وبقوله صلى الله عليه وسلم:((يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه)) (2). وهو نص في الأفضلية، وهي أدلة على ما ترى من الدلالة، إلا أن المخالفين ردوا على الاستدلال بها ورد هؤلاء على ردودهم.
الثاني: تفضيل الأنبياء وصالحي البشر على الملائكة: وهو مذهب جمهور أهل السنة والجماعة وكذا جمهور أصحاب الأشعري واستدلوا بأدلة ظاهرة الدلالة على قولهم، كقوله سبحانه: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلَاّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ، والفاضل لا يسجد للمفضول، وقوله سبحانه: وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ [الدخان: 32]. وقوله: إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ [آل عمران: 33]. هذه في الأنبياء، أما في صالح البشر فكقوله سبحانه:
(1)((مقالات الإسلاميين)) (48 و 226 و 439) و ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة)) (7/ 235) و ((الفصل)) (5/ 20 وما بعدها) و ((المحلى)) (1/ 13) و ((أصول الدين)) (166) و ((المواقف)) (367) و ((فتح الباري)) (13/ 386) و ((شرح الطحاوية)) (277) و ((لوامع الأنوار البهية)) (2/ 398) و ((المواهب اللدنية)) (2/ 44) وغيرها.
(2)
رواه البخاري (7405)، ومسلم (2675). من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ [البينة: 7]. وهي أدلة في القوة على ما ترى، إلا أن المخالفين ردوا على الاستدلال بها وعلى الرد رد، ورأى قوم أن الأدلة متكافئة فكان قول ثالث وهو التوقف والسكوت عن التفضيل. وإنا إن ذهبنا نتتبع الأدلة والردود ورد الردود لخرج بنا الموضوع عن حده وطال طولاً لا نستطيع الوقوف عند حد له. وهي مسألة - كما ذكرت - كثر فيها الاختلاف، وتشعبت فيها الاستدلالات، وتشابكت وعظم فيها الجدال حتى خرج بها بعضهم مخرج المنافرة والمفاخرة فأخذ يقول: منا الأنبياء ومنا الأولياء، فرد عليه بأن للملائكة أن تقول: أليس منكم فرعون وهامان؟ أليس منكم من ادعى الربوبية؟ (1) وأساء بعضهم الأدب فقال: كان الملك خادماً للنبي صلى الله عليه وسلم، أو أن بعض الملائكة خدموا بني آدم (2). وهذه المسألة قد قال فيها ابن تيمية رحمه الله:(المسألة على هذا الوجه لست أعلم فيها مقالة سابقة مفسرة، وربما ناظر بعض الناس على تفضيل الملك، وبعضهم على تفضيل البشر، وربما اشتبهت هذه المسألة بمسألة التفضيل بين الصالح وغيره)(3).
وقال ابن كثير: (أكثر ما توجد هذه المسألة في كتب المتكلمين والخلاف فيها مع المعتزلة ومن وافقهم) قال: (أقدم كلام رأيته في هذه المسألة ما ذكره الحافظ ابن عساكر في تاريخه في ترجمة أمية بن سعيد بن العاص أنه حضر مجلساً لعمر بن عبد العزيز وعنده جماعة فقال عمر: ما أحد أكرم على الله من كريم بني آدم) وذكر بقية الواقعة وفيها معارضة أحدهم بتفضيل الملائكة واستدلال كل (4).
ولقد نزع جماعة من أهل العلم إلى أن هذه من فضول المسائل، قال البيهقي في التفاضل بين الملائكة والبشر:(والأمر فيه سهل، وليس فيه من الفائدة إلا معرفة الشيء على ما هو به)(5). وقال شارح الطحاوية: (وكنت ترددت في الكلام على هذه المسألة لقلة ثمرتها، وأنها قريب مما لا يعني، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)(6).
وقال: (وحاصل الكلام أن هذه المسألة من فضول المسائل ولهذا لم يتعرض لها كثير من أهل الأصول)(7).
ونقل عن تاج الدين الفزاري من كتاب له في تفضيل البشر على الملك ما نصه: (اعلم أن هذه المسألة من بدع الكلام التي لم يتكلم فيها الصدر الأول من الأمة ولا من بعدهم من أعلام الأئمة، ولا يتوقف عليها أصل من أصول العقائد، ولا يتعلق بها من الأمور الدينية كبير المقاصد، ولهذا خلا عنها طائفة من مصنفات هذا الشأن، وامتنع عن الكلام فيها جماعة من الأعيان، وكل متكلم فيها من علماء الظاهر بعلمه لم يخل كلامه من ضعف واضطراب)(8).
(1)((طبقات الحنابلة)) (4/ 207).
(2)
((شرح الطحاوية)) (279).
(3)
((الفتاوى)) (4/ 354).
(4)
((البداية والنهاية)) (1/ 54)((تهذيب تاريخ دمشق)) (3/ 136).
(5)
((شعب الإيمان)) (1/ 182).
(6)
((شرح الطحاوية)) (278).
(7)
((شرح الطحاوية)) (288).
(8)
((شرح الطحاوية)) (297).
ولم تكن المسألة عند السلف موضع نظر وأخذ ورد، ولم تكن لهم بها عناية فائقة بحيث ينصبونها موضوعاً للنظر والاستدلال، ولم يقع بينهم فيها كلام وخلاف، وقد رويت عن الصحابة أحاديث موقوفة ومرفوعة فيها ذكر لهذه المسألة في بعضها تفضيل المؤمن على الملائكة، وبعضها تفضيل المؤمن على بعض الملائكة، وبعضها تفضيل بني آدم على الملائكة، ولكنها أحاديث إما ضعيفة أو موضوعة مثل حديث:((المؤمن أكرم على الله عز وجل من بعض الملائكة)) (1). وحديث: ((أن الملائكة قالت: يا ربنا أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون فيها ويشربون ويلبسون ونحن نسبح بحمدك ولا نأكل ولا نلهو، فكما جعلت لهم الدنيا فأجعل لنا الآخرة فقال: لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان)) (2). وحديث: ((ما من شيء أكرم على الله يوم القيامة من بني آدم، قيل: يا رسول الله، ولا الملائكة؟ قال: الملائكة مجبورون بمنزلة الشمس والقمر)) (3). وكلها ضعيف وموضوع.
وقال ابن تيمية بعد ذكر بعض هذه الأحاديث: (وأقل ما في هذه الآثار أن السلف الأولين كانوا يتناقلون بينهم أن صالحي البشر أفضل من الملائكة من غير نكير منهم لذلك، ولم يخالف أحد منهم في ذلك، إنما ظهر الخلاف بعد تشتت الأهواء بأهلها، وتفرق الآراء، فقد كان ذلك المستقر عندهم)(4). وقال: (قد كان السلف يحدثون الأحاديث المتضمنة فضل صالح البشر على الملائكة، وتروى على رؤوس الناس ولو كان هذا منكراً لأنكروه فدل على اعتقادهم ذلك)(5).
وقد جاء عن الإمام أحمد أنه كان يفضل صالحي المؤمنين على الملائكة، ويخطئ من يفضل الملائكة على بني آدم (6).
وقد فصل ابن تيمية في هذه المسألة تفصيلاً طويلاً، قرر فيه مذهب أهل السنة تفضيل صالح البشر على الملائكة (7). ونقل عنه ابن القيم:(أنه سئل عن صالحي بني آدم والملائكة أيهما أفضل؟ فأجاب بأن صالحي البشر أفضل باعتبار كمال النهاية، والملائكة أفضل باعتبار البداية، فإن الملائكة الآن في الرفيق الأعلى منزهين عما يلابسه بنو آدم، مستغرقون في عبادة الرب، ولا ريب أن هذه الأحوال الآن أكمل من أحوال البشر، وأما يوم القيامة بعد دخول الجنة فيصير حال صالحي البشر أكمل من حال الملائكة) قال: (وبهذا التفصيل يتبين سر التفضيل، وتتفق أدلة الفريقين، ويصالح كل منهم على حقه)(8). مباحث المفاضلة في العقيدة لمحمد بن عبدالرحمن الشظيفي- ص354
(1) رواه ابن ماجه (786)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (1/ 137). من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [فيه أبو المهزم] قال البيهقي: متروك، وقال الزيلعي في ((تخريج الكشاف)) (2/ 278):[فيه] أبو المهزم تركه شعبة وقال البيهقي: متروك وقد روي موقوفاً.
(2)
رواه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (6/ 196)(6173). من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما. قال ابن تيمية في ((بغية المرتاد)) (224): ثابت بالإسناد على شرط الصحيح، وقال ابن القيم في ((مختصر الصواعق المرسلة)) (405): إسناده صحيح وروي مرسلاً، وقال ابن كثير في ((البداية والنهاية)) (1/ 49): مرفوع وهو أصح.
(3)
رواه الطبراني كما في ((مجمع الزوائد)) (1/ 87)، والبيهقي (1/ 174) (153). من حديث ابن عمرو رضي الله عنه. قال البيهقي: تفرد به عبيد الله بن تمام، قال البخارى: عنده عجائب. ورواه غيره عن خالد الحذاء موقوفا على عبد الله بن عمرو، وهو الصحيح، وقال ابن كثير في تفسيره (5/ 98): هذا حديث غريب جداً، وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير وفيه عبيد الله بن تمام وهو ضعيف، وقال الألباني في ((سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة)) (4981): منكر مرفوع.
(4)
((الفتاوى)) (4/ 369).
(5)
((الفتاوى)) (4/ 371).
(6)
((طبقات الحنابلة)) (2/ 279 و 306).
(7)
((مجموع فتاوى ابن تيمية)) (4/ 352).
(8)
((بدائع الفوائد)) (3/ 163).