المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌أولا: معنى اتخاذ القبور مساجد - الموسوعة العقدية - جـ ٣

[مجموعة من المؤلفين]

فهرس الكتاب

- ‌المبحث الرابع: أول شرك وقع في بني آدم

- ‌المبحث الخامس: وقوع بعض هذه الأمة في الشرك

- ‌المبحث السادس: متى وكيف كانت بداية الشرك في هذه الأمة

- ‌المبحث السابع: شبهة من قال بعدم وقوع الشرك في هذه الأمة وردها

- ‌المبحث الثامن: قبح الشرك وخطره

- ‌تمهيد

- ‌المطلب الأول: تعريفه

- ‌المطلب الثاني: حكمه

- ‌المطلب الثالث: أقسام الشرك الأكبر

- ‌أولاً: تعريف الشرك في الربوبية

- ‌ثانياً: أنواع الشرك في الربوبية والأسماء والصفات

- ‌رابعاً: مظاهر الشرك في الربوبية

- ‌أولاً: تعريف الشرك في الألوهية

- ‌ثانياً: أنواع الشرك في الألوهية

- ‌أولاً: تعريف الشرك في الأسماء والصفات

- ‌ثانياً: من صور الشرك في الأسماء والصفات

- ‌المطلب الأول: تعريف الشرك الأصغر

- ‌المطلب الثاني: حكمه

- ‌المطلب الثالث: الفروق بين نوعي الشرك الأكبر والأصغر

- ‌تمهيد: في أقسام الشرك الأصغر إجمالاً

- ‌المثال الأول: الرياء

- ‌المثال الثاني: إرادة الإنسان بعبادته الدنيا

- ‌المثال الثالث: الاعتماد على الأسباب

- ‌المثال الرابع: التطير

- ‌المثال الأول: الرقى الشركية

- ‌المثال الثاني: التمائم الشركية

- ‌المثال الأول: الحلف بغير الله

- ‌المثال الثاني: التشريك بين الله تعالى وبين أحد من خلقه بـ (الواو)

- ‌المثال الثالث: الاستسقاء بالأنواء

- ‌تمهيد

- ‌الفرع الأول: السحر والشعوذة

- ‌الفرع الثاني: الكهانة

- ‌الفرع الثالث: النشرة

- ‌الفرع الرابع: التنجيم

- ‌تمهيد:

- ‌المطلب الأول: تعريف التوسل

- ‌الفرع الأول: التوسل المشروع

- ‌الفرع الثاني: التوسل الممنوع

- ‌الوجه الأول: التوسل إليه تعالى بذات وشخص المتوسل به

- ‌الوجه الثاني: التوسل إلى الله تعالى بجاه فلان، أو حقه، أو حرمته وما أشبه

- ‌الوجه الثالث: الإقسام على الله جل وعلا بالمتوسل به

- ‌ثانيا: شبهات حول التوسل وردها

- ‌ثالثا: أحاديث وآثار ضعيفة في التوسل

- ‌المطلب الأول: معنى التبرك

- ‌تمهيد

- ‌1 - التبرك بذكر الله

- ‌2 - التبرك بتلاوة القرآن الكريم

- ‌تمهيد:

- ‌نماذج من تبرك الصحابة بالرسول صلى الله عليه وسلم في حياته:

- ‌4 - التبرك بآثاره صلى الله عليه وسلم بعد وفاته:

- ‌أ- نماذج من تبرك الصحابة بآثار الرسول صلى الله عليه وسلم بعد وفاته:

- ‌ب- نماذج من تبرك التابعين بآثار الرسول صلى الله عليه وسلم بعد وفاته:

- ‌ج- هل يوجد شيء من آثار الرسول صلى الله عليه وسلم في العصر الحاضر

- ‌1 - تبرك شركي:

- ‌2 - تبرك بدعي:

- ‌1 - الجهل بالدين

- ‌2 - التشبه بالكفار

- ‌3 - تعظيم الآثار

- ‌ثالثاً: آثار التبرك الممنوع

- ‌أولاً: معنى اتخاذ القبور مساجد

- ‌ثانياً: أدلة تحريم هذا الاتخاذ وحكمه ومذاهب العلماء فيه

- ‌ثالثاً: شبهات حول اتخاذ القبور مساجد وحكم مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌رابعاً: النهي عن اتخاذ قبر النبي صلى الله عليه وسلم عيدا

- ‌خامساً: زيارة القبور

- ‌سادساً: حكم الدعاء عند القبور

- ‌سابعاً: الكلام على الزيارة الشركية

- ‌المبحث الرابع: الغلو في الصالحين

- ‌المبحث الخامس: تقديس الأشخاص والأشياء

- ‌المبحث السادس: الأعياد والاحتفالات البدعية

- ‌الفصل الرابع: حماية النبي صلى الله عليه وسلم للتوحيد بتحريم وسائل الشرك وطرقه

- ‌تمهيد:

- ‌المبحث الأول: معنى الملائكة لغةً

- ‌المبحث الثاني: معنى الملائكة اصطلاحاً

- ‌المبحث الأول: معنى الإيمان بالملائكة

- ‌المبحث الثاني: عقيدة أهل السنة والجماعة في الإيمان بالملائكة

- ‌المبحث الثالث: الملائكة مخلوقات قائمة بنفسها حية ناطقة

- ‌المبحث الرابع: سجود الملائكة لآدم عليه السلام

- ‌المبحث الخامس: ثمرات الإيمان بالملائكة

- ‌المبحث الأول: مادة خلقهم ووقته

- ‌المطلب الأول: أجنحة الملائكة

- ‌المطلب الثاني: جمال الملائكة

- ‌المطلب الثالث: تفاوتهم في الخلق والمقدار

- ‌المطلب الرابع: لا يوصفون بالذكورة والأنوثة

- ‌المطلب الخامس: لا يأكلون ولا يشربون

- ‌المطلب السادس: لا يملّون ولا يتعبون

- ‌المطلب السابع: منازل الملائكة

- ‌المطلب الثامن: أعداد الملائكة

- ‌المطلب التاسع: موت الملائكة

- ‌المبحث الثالث: هل الجن من الملائكة

- ‌المبحث الرابع: هل إبليس من الملائكة

- ‌المبحث الأول: الملائكة كرام بررة

- ‌المبحث الثاني: قدراتهم

- ‌المبحث الثالث: علمهم

- ‌المبحث الرابع: اختصام الملأ الأعلى

- ‌المبحث الخامس: عبادة الملائكة

- ‌تمهيد:

- ‌المبحث الأول: الموكل بالوحي

- ‌المبحث الثاني: الموكل بالصُّور

- ‌المبحث الثالث: الموكل بقبض الأرواح

- ‌المبحث الرابع: الموكل بحفظ العبد في حِلّه وارتحاله

- ‌المبحث الخامس: الموكل بحفظ عمل العبد من خير وشر

- ‌المبحث السادس: الموكل بفتنة القبر

- ‌المبحث السابع: خزنة الجنة

- ‌المبحث الثامن: المبشرون للمؤمنين عند وفياتهم، وفي يوم القيامة

- ‌المبحث التاسع: خزنة جهنم

- ‌المبحث العاشر: الموكلون بالنطفة في الرحم

- ‌المبحث الحاي عشر: حملة العرش

- ‌المبحث الثاني عشر: ملائكة سياحون يتبعون مجالس الذكر

- ‌المبحث الثالث عشر: الموكل بالجبال

- ‌المبحث الرابع عشر: زوَّارُ البيت المعمور

- ‌المبحث الخامس عشر: ملائكة صفوف لا يفترون، وقيام لا يركعون

- ‌الفصل الرابع: التفاضل بين الملائكة، وبين الملائكة والبشر

- ‌المبحث الأول: التفاضل بين الملائكة

- ‌المبحث الثاني: التفاضل بين الملائكة والبشر

- ‌الفصل الأول: دور الملائكة تجاه المؤمنين

- ‌الفصل الثاني: واجب المؤمنين تجاه الملائكة

- ‌الفصل الثالث: دور الملائكة تجاه الكفار والفساق

- ‌الكتاب الرابع: الإيمان بالكتب المنزلة

- ‌الفصل الأول: تعريف الإيمان بالكتب

- ‌الفصل الثاني: معنى الإيمان بالكتب

- ‌الفصل الثالث: أهمية الإيمان بالكتب

- ‌الفصل الرابع: حكم الإيمان بالكتب

- ‌الفصل الخامس: حقيقة الإيمان بالكتب

- ‌الفصل السادس: ثمرات الإيمان بالكتب

- ‌الباب الثاني: الإيمان بالقرآن

- ‌الفصل الأول: تعريف القرآن وفضله

- ‌المبحث الأول: معنى القرآن في اللغة

- ‌المبحث الثاني: معنى القرآن في الاصطلاح

- ‌المبحث الثالث: فضل القرآن

- ‌المبحث الأول: حفظ القرآن في عهد النبوة

- ‌المبحث الثاني: حفظ القرآن في عهد الصحابة رضوان الله عليهم

- ‌المبحث الثالث: سلامة القرآن من التحريف

- ‌الفصل الثالث: منزلة القرآن من الكتب المتقدمة

- ‌الفصل الرابع: خصائص القرآن الكريم

- ‌المبحث الأول: الأخبار الغيبية

- ‌المبحث الثاني: إعجازه

- ‌المبحث الثالث: تعدد أسمائه وصفاته

- ‌المبحث الرابع: شفاعته لأهله

- ‌المبحث الخامس: أنه لا ينسب إلا إلى الله تعالى

- ‌المبحث السادس: التعبد بتلاوته

- ‌المبحث السابع: الثواب لقارئه ولمستمعه

- ‌المبحث الثامن: أن الله سبحانه وتعالى تعهد بحفظه

- ‌المبحث التاسع: أنه آخر الكتب المنزلة

- ‌المبحث العاشر: هيمنته على الكتب السابقة

- ‌المبحث الأول: القرآن الكريم كلام الله تعالى

- ‌المبحث الثاني: كلام الله في كتابه هو الحروف والمعاني

- ‌المبحث الثالث: القرآن ليس بمخلوق كما يقوله الزنادقة

- ‌المبحث الرابع: أصل القول بخلق القرآن

- ‌المبحث الخامس: ما قاله أئمة السنة في القرآن، وحكمهم على من قال بخلق القرآن

- ‌تمهيد

- ‌المبحث الأول: الاتحادية

- ‌المبحث الثاني: مذهب الفلاسفة

- ‌المبحث الثالث: مذهب الجهمية

- ‌المبحث الرابع: مذهب الكلابية

- ‌المبحث الخامس: مذهب الأشعري

- ‌المبحث السادس: مذهب الكرامية

- ‌المبحث السابع: مذهب السالمية

- ‌الباب الثالث أهم الكتب المنزلة

- ‌أولا: مواضع الاتفاق

- ‌ثانيا: مواضع الاختلاف

- ‌المبحث الأول تعريف التوراة

- ‌المبحث الثاني: تاريخ التوراة

- ‌تمهيد: وقوع التحريف في الكتب المتقدمة على القرآن

- ‌المطلب الأول: أدلة التحريف من القرآن الكريم والتوراة

- ‌تمهيد:

- ‌الفرع الأول: نقد السند

- ‌تمهيد

- ‌أولاً: الاختلاف في عدد الأسفار

- ‌ثانياً: الاختلاف والتباين بين النسخ في المعلومات المدونة

- ‌ثالثاً: الاختلاف بالمقارنة مع ما ذكروه في مواضع أخرى من كتابهم

- ‌رابعاً: الزيادة والإضافات:

- ‌1 - صفات الله عز وجل في التوراة المحرفة

- ‌2 - وصف اليهود للأنبياء عليهم السلام في التوراة المحرفة

- ‌الفصل الثاني: الإنجيل

- ‌المبحث الأول: إسناد وتاريخ الأناجيل الأربعة

- ‌تمهيد

- ‌المطلب الأول: تاريخ الأناجيل الأربعة إجمالاً

- ‌المطلب الثاني: تاريخ الأناجيل الأربعة وإنجيل برنابا تفصيلاً

- ‌أولاً: إنجيل متى

- ‌ثانياً: إنجيل مرقص

- ‌ثالثاً: إنجيل لوقا

- ‌رابعاً: إنجيل يوحنا

- ‌خامسا: إنجيل برنابا

- ‌تمهيد

- ‌أولا: الاختلافات

- ‌ثانيا: الأغلاط في الأناجيل

- ‌المبحث الأول: تعريف النبي

- ‌المبحث الثاني: تعريف الرسول

- ‌المبحث الثالث: الفرق بين الرسول والنبي

- ‌المبحث الأول: معنى الإيمان بالرسل

- ‌المبحث الثاني: أهمية الإيمان بالرسل

- ‌المبحث الثالث: الصلة بين الإيمان بالله والإيمان بالرسل

- ‌المبحث الرابع: ما يجب علينا نحو الرسل

- ‌المبحث الخامس: وجوب الإيمان بجميع الرسل

- ‌المبحث السادس: ثمرات الإيمان بالرسل

- ‌الفصل الأول: الأنبياء والرسل جمّ غفير

- ‌الفصل الثاني: الأنبياء والرسل المذكورون في القرآن

- ‌الفصل الثالث: أنبياء مذكورون في السنة

- ‌الفصل الرابع: صالحون مختلف في نبوتهم

- ‌الفصل الخامس: لا تثبت النبوة إلاّ بالدليل

- ‌المبحث الأول: التفاضل بين الأنبياء والرسل

- ‌المبحث الثاني: التفاضل بين الرسل

- ‌المطلب الأول: تعيين أولي العزم

- ‌المطلب الثاني: تفاضل أولي العزم

- ‌المطلب الثالث: بعض خصائص أولي العزم

- ‌المبحث الرابع: تفضيل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على جميع الخلائق

- ‌المبحث الخامس: توجيه النهي الوارد في التفضيل بين الأنبياء

- ‌المبحث السادس: الأنبياء أفضل البشر

- ‌المبحث الأول: البلاغ المبين

- ‌تمهيد

- ‌المطلب الأول: دعوة الرّسُل

- ‌المطلب الثاني: دعوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم

- ‌المطلب الثالث: مثال يوضح دور الرسل

- ‌المبحث الثالث: التبشير والإنذار

- ‌المبحث الرابع: إصلاح النفوس وتزكيتها

- ‌المبحث الخامس: تقويم الفكر المنحرف والعقائد الزائفة

- ‌المبحث السادس: إقامة الحجّة

- ‌المبحث السابع: سياسة الأمة

- ‌تمهيد:

- ‌المبحث الأول: كلام ابن القيم في حاجة البشرية إلى الرسل

الفصل: ‌أولا: معنى اتخاذ القبور مساجد

‌أولاً: معنى اتخاذ القبور مساجد

الذي يمكن أن يفهم من هذا الاتخاذ، إنما هو ثلاثة معانٍ:

الأول: الصلاة على القبور، بمعنى: السجود عليها.

الثاني: السجود إليها واستقبالها بالصلاة والدعاء.

الثالث: بناء المساجد عليها، وقصد الصلاة فيها.

أقوال العلماء في معنى الاتخاذ المذكور:

وبكل واحدٍ من هذه المعاني قال طائفة من العلماء، وجاءت بها نصوص صريحة عن سيد الأنبياء صلى الله عليه وسلم.

أما الأول: فقال ابن حجر الهيتمي: واتخاذ القبر مسجداً معناه الصلاة عليه، أو إليه (1).

فهذا نصٌ منه على أنه يفهم الاتخاذ المذكور شاملاً لمعنيين، أحدهما: الصلاة على القبر.

وقال الصنعاني: واتخاذ القبور مساجد أعمّ من أن يكون بمعنى الصلاة إليها، أو بمعنى الصلاة عليها (2).

يعني أنه يعمّ المعنيين كليهما، ويحتمل أنه أراد المعاني الثلاثة، وهو الذي فهمه الإمام الشافعي رحمه الله، وسيأتي نص كلامه في ذلك، ويشهد للمعنى الأول أحاديث:

الأول: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يبنى على القبور، أو يقعد عليها، أو يصلى عليها)) (3).

الثاني: قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا تصلوا إلى قبر ولا تصلوا على قبر)) (4).

الثالث: عن أنس رضي الله عنه: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة إلى القبور)) (5).

الرابع: عن عمرو بن دينار - وسئل عن الصلاة وسط القبور - قال: ذكر لي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((كانت بنو إسرائيل اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد فلعنهم الله تعالى)) (6).

وأما المعنى الثاني: فقال المناوي في (فيض القدير) - حيث شرح الحديث الثالث المتقدم -: أي اتخذوها جهة قبلتهم، مع اعتقادهم الباطل، وأن اتخاذها مساجد لازم لاتخاذ المساجد عليها كعكسه، وهذا بيّن به سبب لعنهم لما فيه من المغالاة في التعظيم. قال القاضي - يعني: البيضاوي -: لما كانت اليهود يسجدون لقبور أنبيائهم تعظيماً لشأنهم، ويجعلونها قبلة، ويتوجهون في الصلاة نحوها، فاتخذوها أوثاناً لعنهم الله، ومنع المسلمين عن مثل ذلك ونهاهم عنه

... وهذا معنى قد جاء النهي الصريح عنه فقال صلى الله عليه وسلم: ((لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها)) (7).

قال الشيخ علي القاري - معللاً النهي -: لما فيه من التعظيم البالغ كأنه من مرتبة المعبود، ولو كان هذا التعظيم حقيقة للقبر أو لصاحبه لكفر المعظِّم، فالتشبه به مكروه، وينبغي أن تكون كراهة تحريم، وفي معناه بل أولى منه الجنازة الموضوعة - يعني قبلة المصلين - وهو مما ابتلي به أهل مكة حيث يضعون الجنازة عند الكعبة ثم يستقبلون إليها (8) ....

(1)((الزواجر عن اقتراف الكبائر)) (1/ 121).

(2)

((سبل السلام)) (1/ 214).

(3)

رواه ابن ماجه مختصرا (1270)، وأبو يعلى في مسنده (2/ 297). قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (3/ 64): رواه أبو يعلى ورجاله ثقات. وقال الألباني في ((تحذير الساجد)) (ص29): إسناده صحيح.

(4)

رواه الطبراني (11/ 376). من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (2/ 27): رواه الطبراني في ((الكبير)) وفيه عبدالله بن كيسان المروزي: ضعّفه أبو حاتم، ووثّقه ابن حبان. وقال الألباني في ((السلسلة الصحيحة)) (1016): الحديث صحيح.

(5)

رواه ابن حبان (6/ 93). وقال الألباني في ((صحيح الجامع)) (6893): صحيح.

(6)

رواه عبدالرزاق (1/ 406)(1591). وقال الألباني في ((تحذير الساجد)) (29): وهو مرسل صحيح الإسناد.

(7)

رواه مسلم (972). من حديث أبي مرثد الغنوي رضي الله عنه.

(8)

انظر: ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) (2/ 372).

ص: 210

ونحو الحديث السابق ما روى ثابت البناني عن أنس رضي الله عنه قال: كنت أصلي قريباً من قبر، فرآني عمر بن الخطاب، فقال: القبر القبر؛ فرفعت بصري إلى السماء وأنا أحسبه يقول: القمر! (1).

وأما المعنى الثالث: فقد قال به الإمام البخاري، فإنه ترجم للحديث الأول بقوله:(باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور)(2).

فقد أشار بذلك إلى أن النهي عن اتخاذ القبور مسجداً يلزم منه النهي عن بناء المساجد عليه، وهذا أمر واضح، وقد صرح به المناوي آنفاً، وقال الحافظ ابن حجر في شرح الحديث: قال الكرماني: مفاد الحديث منع اتخاذ القبر مسجداً، ومدلول الترجمة اتخاذ المسجد على القبر، ومفهومها متغاير، ويجاب بأنهما متلازمان، وإن تغاير المفهوم (3).

وهذا المعنى هو الذي أشارت إليه السيدة عائشة رضي الله عنها بقولها في آخر الحديث الأول: فلولا ذاك أبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً (4).

إذ المعنى فلولا ذاك اللعن الذي استحقه اليهود والنصارى بسبب اتخاذهم القبور مساجد المستلزم البناء عليها، لجعل قبره صلى الله عليه وسلم في أرض بارزة مكشوفة، ولكن الصحابة رضي الله عنهم لم يفعلوا ذلك خشية أن يبنى عليه مسجد من بعض من يأتي بعدهم فتشملهم اللعنة.

ويؤيد هذا ما روى ابن سعد بسند صحيح عن الحسن وهو (البصري) قال: ائتمروا أن يدفنوه صلى الله عليه وسلم في المسجد، فقالت عائشة رضي الله عنها: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان واضعاً رأسه في حجري إذ قال: ((قاتل الله أقواماً اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد))، واجتمع رأيهم أن يدفنوه حيث قبض في بيت عائشة رضي الله عنها (5).

هذه الرواية - على إرسالها - تدل على أمرين اثنين:

أحدهما: أن السيدة عائشة فهمت من الاتخاذ المذكور في الحديث أنه يشمل المسجد الذي قد يدخل فيه القبر، فبالأحرى أن يشمل المسجد الذي بني على القبر.

الثاني: أن الصحابة أقرّوها على هذا الفهم، ولذلك رجعوا إلى رأيها فدفنوه صلى الله عليه وسلم في بيتها.

فهذا يدل على أنه لا فرق بين بناء المسجد على القبر، أو إدخال القبر في المسجد، فالكل حرام لأن المحذور واحد، ولذلك قال الحافظ العراقي: فلو بنى مسجداً يقصد أن يدفن في بعضه دخل في اللعنة، بل يحرم الدفن في المسجد، وإن شرط أن يدفن فيه لم يصح الشرط لمخالفة وقفه مسجداً (6).

وفي هذا إشارة إلى أن المسجد والقبر لا يجتمعان في دين الإسلام

ويشهد لهذا المعنى الحديث الخامس المتقدم بلفظ: ((أولئك قوم إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً

أولئك شرار الخلق

)) (7).

فهو نص صريح في تحريم بناء المسجد على قبور الأنبياء والصالحين؛ لأنه صرح أنه من أسباب كونهم من شرار الخلق عند الله تعالى.

ويؤيده حديث جابر رضي الله عنه قال: ((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه)) (8).

(1) رواه البخاري معلقاً بصيغة الجزم قبل حديث (427)، ورواه موصولاً عبدالرزاق في ((المصنف)) (1/ 404) (1581) وزاد:((إنما أقول القبر: لا تصل إليه)). وقال الألباني في ((النصيحة)) (143): أخرجه البخاري في صحيحه تعليقاً، وهو صحيح. وانظر:((تغليق التعليق)) (2/ 228 - 230) ففيه زيادة فائدة.

(2)

انظر: ((صحيح البخاري)) باب رقم (61).

(3)

انظر: ((فتح الباري)) (3/ 201).

(4)

رواه مسلم (529).

(5)

رواه ابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) (2/ 241). وقال الألباني في ((تحذير الساجد)) - كما في (متن الموسوعة) -: سنده صحيح.

(6)

انظر: ((فيض القدير)) للمناوي (5/ 274).

(7)

رواه البخاري (427)، ومسلم (528). من حديث عائشة رضي الله عنها.

(8)

رواه مسلم (970).

ص: 211

فإنه بعمومه يشمل بناء المسجد على القبر، كما يشمل بناء القبة عليه، بل الأول أولى بالنهي، كما لا يخفى.

فثبت أن هذا المعنى صحيح أيضاً يدل عليه لفظ (الاتخاذ)، وتؤيده الأدلة الأخرى.

أما شمول الأحاديث للنهي عن الصلاة في المساجد المبنيّة على القبور فدلالتها على ذلك أوضح، وذلك لأن النهي عن بناء المساجد على القبور يستلزم النهي عن الصلاة فيها، من باب أن النهي عن الوسيلة يستلزم النهي عن المقصود بها والتوسل بها إليه، مثاله: إذا نهى الشارع عن بيع الخمر، فالنهي عن شربه داخل في ذلك، كما لا يخفى، بل النهي عنه من باب أولى.

ومن البيّن جداً أن النهي عن بناء المساجد على القبور ليس مقصوداً بالذات، كما أن الأمر ببناء المساجد في الدور والمحلات ليس مقصوداً بالذات، بل ذلك كله من أجل الصلاة فيها، سلباً أو إيجاباً، يوضح ذلك المثال الآتي: لو أن رجلاً بنى مسجداً في مكان قفر غير مأهول، ولا يأتيه أحد للصلاة فيه،

فليس لهذا الرجل أيّ أجر في بنائه لهذا المسجد، بل هو عندي آثم لإضاعة المال، ووضعه الشيء في غير محله!

فإذا أمر الشارع ببناء المساجد فهو يأمر ضمناً بالصلاة فيها، لأنها هي المقصودة بالبناء، وكذلك إذا نهى عن بناء المساجد على القبور، فهو ينهى ضمناً عن الصلاة فيها؛ لأنها هي المقصودة بالبناء أيضاً، وهذا بيّن لا يخفى على العاقل إن شاء الله تعالى.

ترجيح شمول الحديث للمعاني كلها وقول الشافعي بذلك:

وجملة القول: أن الاتخاذ المذكور في الأحاديث المتقدمة يشمل كل هذه المعاني الثلاثة، فهو من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم، وقد قال بذلك الإمام الشافعي رحمه الله، ففي كتابه (الأم) ما نصه:

وأكره أن يُبنى على القبر مسجد وأن يُسوّى، أو يُصلّى عليه، وهو غير مُسوّى - يعني: أنه ظاهر معروف - أو يُصلى إليه، قال: وإن صلى إليه أجزأه وقد أساء، أخبرنا مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) (1). قال: وأكره هذا للسنة والآثار، وأنه كره - والله تعالى أعلم - أن يُعظّمه أحد من المسلمين، يعني يتخذ قبره مسجداً، ولم تؤمن في ذلك الفتنة والضلال على ما يأتي بعده (2).

فقد استدل بالحديث على المعاني الثلاثة التي ذكرها في سياق كلامه، فهو دليل واضح على أنه يفهم الحديث على عمومه، وكذلك صنع المحقق الشيخ على القارئ نقلاً عن بعض أئمة الحنفية فقال في (مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح): سبب لعنهم: إما لأنهم كانوا يسجدون لقبور أنبيائهم تعظيماً لهم، وذلك هو الشرك الجلي، وإما لأنهم كانوا يتخذون الصلاة لله تعالى في مدافن الأنبياء والسجود على مقابرهم والتوجه إلى قبورهم حالة الصلاة نظراً منهم بذلك إلى عبادة الله والمبالغة في تعظيم الأنبياء، وذلك هو الشرك الخفي لتضمنه ما يرجع إلى تعظيم مخلوق فيما لم يؤذن له، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أمته عن ذلك إما لمشابهة ذلك الفعل سنة اليهود، أو لتضمّنه الشرك الخفي. كذا قاله بعض الشراح من أئمتنا، ويؤيده ما جاء في رواية:((يُحذِّر ما صنعوا)) (3)(4).

والسبب الأول الذي ذكره وهو السجود لقبور الأنبياء تعظيماً لهم وإن كان غير مستبعد حصوله من اليهود والنصارى، فإنه غير متبادر من قوله صلى الله عليه وسلم:((اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) فإن ظاهره أنهم اتخذوها مساجد لعبادة الله فيها على المعاني السابقة تبركاً بمن دُفن فيها من الأنبياء، وإن كان هذا أدى بهم - كما يؤدي بغيرهم - إلى وقوعهم في الشرك الجلي، ذكره الشيخ القارئ. تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد لمحمد ناصر الدين الألباني - ص28

(1) رواه مالك في ((الموطأ)) (2/ 892) مرسلاً. من حديث عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه. ورواه موصولاً البخاري (437)، ومسلم (530) بدون لفظة:(النصارى)، وأحمد (2/ 285) (7818) واللفظ له. من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. قال شعيب الأرناؤوط محقق المسند: إسناده صحيح على شرط الشيخين.

(2)

((الأم)) (ص246).

(3)

رواه البخاري (435، 436)، ومسلم (531). من حديث عائشة وابن عباس رضي الله عنهم.

(4)

((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) (1/ 45).

ص: 212