الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فِي مصر فقاسى شرف الدّين مِنْهُ شَدَائِد وأنكادا كَثِيرَة وتوجها إِلَى الْحجاز فِي ركاب السُّلْطَان وهما فِي ذَلِك النكد وَالشَّر فَلَمَّا حضرا من الْحجاز أَقَامَ القَاضِي شرف الدّين قَلِيلا وَهُوَ يعْمل عَلَيْهِ إِلَى أَن عزل وَأخرج إِلَى دمشق وَبَقِي الْأَمِير صَلَاح الدّين الْمَذْكُور فِي الدوادارية وَقد استطال على النَّاس أَجْمَعِينَ خُصُوصا الْكتاب فحسنوا للسُّلْطَان أَن يخرج كاشفا الثغور الحلبية فتعلل وَانْقطع فِي بَيته مُدَّة شَهْرَيْن وَلما قَامَ وَدخل إِلَى السُّلْطَان عَزله فِي ثَانِي شهر رَمَضَان سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَسبع مائَة ورسم أَن يتَوَجَّه إِلَى صفد أَمِيرا فَتوجه إِلَيْهَا وَأقَام بهَا قَلِيلا وَنقل إِلَى طرابلس ثمَّ نقل إِلَى حلب وَجعل وَالِي الْبر فِيمَا أَظن ثمَّ إِنَّه حج بَعْدَمَا نقل إِلَى طرابلس وَورد الْخَبَر إِلَى دمشق بوفاته بطرابلس فِي جُمَادَى الأولى سنة خمس وَأَرْبَعين وَسبع مائَة وَكَانَ يكْتب خطا حسنا وَله مُشَاركَة فِي تواريخ وتراجم النَّاس وَكَانَ فِيهِ شح مفرط إِلَّا أَنه وقف دَاره بحلب مدرسة على فُقَهَاء الشَّافِعِيَّة وَالْحَنَفِيَّة والمالكية والحنابلة ووقف كتاب أَيَّام بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّة وَكَانَ يَدعِي النّظم وأنشدت لَهُ // (من الْبَسِيط) //
(مَا اللّعب بالنَّار فِي الميلاد من سفه
…
لكنما هُوَ لِلْإِسْلَامِ مَقْصُود)
(يُرَاد كتب النَّصَارَى أَن رَبهم
…
عِيسَى ابْن مَرْيَم مَخْلُوق ومولود)
أنشدنيها صَلَاح الدّين خَلِيل بن رمتاس بصفد وَقَالَ أنشدنيها وَقَالَ إنَّهُمَا لَهُ واقتنى كتبا كَثِيرَة
ابْن إِسْمَاعِيل
57 -
ابْن اللمغاني الْحَنَفِيّ يُوسُف بن إِسْمَاعِيل بن عبد الرَّحْمَن بن عبد السَّلَام بن الْحسن أَبُو يَعْقُوب اللمغاني الْفَقِيه الْحَنَفِيّ الْبَغْدَادِيّ من أهل بَاب الطاق من بَيت مَشْهُور بالفقه وَالْعَدَالَة تقدم ذكر أَبِيه فِي مَكَانَهُ وتفقه على أَبِيه وَعَمه مُحَمَّد حَتَّى برع فِي الْمَذْهَب وَالْخلاف وقرى كثيرا من مَذْهَب الاعتزال وناظر الْمُتَكَلِّمين فِي إِثْبَات خلق الْقُرْآن وَقَرَأَ عَلَيْهِ جمَاعَة من الْفُضَلَاء وتخرجوا بِهِ وَولي التدريس بِجَامِع السُّلْطَان بعد وَفَاة الْأَمِير السَّيِّد أبي الْحسن عَليّ الْعلوِي وناب فِي التدريس بمشهد الإِمَام أبي حنيفَة وانتهت إِلَيْهِ رئاسة أَصْحَاب الرَّأْي وَكَانَ غزير الْفضل حسن المناظرة ذَا أَخْلَاق لَطِيفَة وكيس وتواضع سمع شَيْئا من الحَدِيث فِي صباه من أبي عبد الله الْحُسَيْن بن الْحسن الْمَقْدِسِي إِمَام مشْهد أبي حنيفَة وَأبي الْمَعَالِي الْمُبَارك بن الْمُبَارك الْبَزَّار وَغَيرهمَا قَالَ ابْن النجار كتبنَا
عَنهُ وَكَانَ صَدُوقًا وَله سنة ثَمَان عشرَة وَخمْس مائَة وَمَات سنة سِتّ وست مائَة
58 -
ابْن نحرير الأسواني يُوسُف بن إِسْمَاعِيل بن سعد الْملك بن نحرير الأسواني قَارِئ الْمُصحف قِرَاءَة حَسَنَة صَحِيحَة وَله صَوت شج وَتُوفِّي بأسوان سنة أَربع عشرَة وَسبع مائَة قَالَ مُحَمَّد بن العريف الأسواني كُنَّا مُجْتَمعين فأورد الْبَيْت الثَّانِي من الأبيات فَقَالَ يصلح أَن يكمل عَلَيْهِ وَيجْعَل لَهُ أَولا وأنشدنا ارتجالا // (من الطَّوِيل) //
(شَكَوْت غليه مَا أُلَاقِي من الْهوى
…
فَمَا حن لي يَوْمًا وَلَا رق للشكوى)
(فَلَو أنني قَاضِي المحبين فِي الْهوى
…
حكمت لمن يهوى على كل)
(فيا مهجتي ذوبي أسى وصبابة
…
وَيَا عاذلي دَعْنِي فَإِنِّي لَا أقوى)
59 -
تَاج الدّين بن العجمي يُوسُف بن إِسْمَاعِيل بن عبد الْكَرِيم بن عُثْمَان الشَّيْخ الْجَلِيل الْمسند تَاج الدّين أَبُو المحاسن بن العجمي الْحلَبِي سمع من الضياء صقر الْحلَبِي وَغَيره وَتُوفِّي رحمه الله بكرَة الْخَمِيس ثامن عشْرين شَوَّال سنة تسع وَعشْرين وَسبع مائَة أجَاز لي بحلب سنة ثَمَان وَعشْرين وَسبع مائَة وَكتب عَنهُ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين مُحَمَّد بن رَافع السلَامِي
60 -
أَبُو يَعْقُوب الْهَمدَانِي الصَّالح يُوسُف بن أَيُّوب بن يُوسُف بن الْحُسَيْن بن وهرة أَبُو يَعْقُوب الْهَمدَانِي الْفَقِيه الْعَالم الزَّاهِد الرباني صَاحب المقامات والكرامات قدم بَغْدَاد فِي صباه بعد السِّتين وَأَرْبع مائَة ولازم الشَّيْخ أَبَا إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ وتفقه عله وبرع فِي الْأُصُول وَالْمذهب وَالْخلاف وَسمع من القَاضِي أبي الْحُسَيْن مُحَمَّد بن عَليّ بن المُهتدي بِاللَّه وَأبي الْغَنَائِم عبد الصَّمد بن عَليّ بن الْمَأْمُون وَأبي جَعْفَر مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْمسلمَة وَأبي مُحَمَّد عبد الله بن الصريفيني وَأبي الْحُسَيْن أَحْمد بن مُحَمَّد بن النقور وَغَيرهم وَسمع بإصبهان وسمرقند وَكتب أَكثر مَا سَمعه ثمَّ إِنَّه زهد فِي ذَلِك ورفضه واشتغل بالزهد وَالْعِبَادَة والرياضة والمجاهدة إِلَى أَن صَار علما من الْأَعْلَام الَّذين يَهْتَدِي بهم
الْخلق وَعقد مجْلِس الْوَعْظ بالنظامية وصادف بهَا قبولا عَظِيما قَالَ ابْن السَّمْعَانِيّ سَمِعت أَبَا الْفضل صافي بن عبد الله الصُّوفِي الشَّيْخ الصَّالح بِبَغْدَاد يَقُول حضرت مجْلِس شَيخنَا يُوسُف الْهَمدَانِي فِي النظامية وَكَانَ قد اجْتمع الْعَالم فَقَامَ فقه يعرف بِابْن السقاء وآذاه وَسَأَلَهُ عَن مَسْأَلَة فَقَالَ لَهُ الإِمَام يُوسُف اجْلِسْ فَإِنِّي أجد من كلامك رَائِحَة الْكفْر ولعلك تَمُوت على غير دين الْإِسْلَام قَالَ أَبُو الْفضل فاتفق أَن بعد هَذَا القَوْل بِمدَّة قدم رَسُول نَصْرَانِيّ من ملك الرّوم إِلَى الْخَلِيفَة فَمضى إِلَيْهِ ابْن السقاء وَسَأَلَهُ أَن يستصحبه وَقَالَ لَهُ يَقع لي أَن أترك دين الْإِسْلَام وَأدْخل فِي دينك فَقبله النَّصْرَانِي وَخرج مَعَه إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة والتحق بِملك الرّوم وَمَات على النَّصْرَانِيَّة قَالَ ابْن النجار سَمِعت أَبَا الْكَرم عبد السَّلَام بن أَحْمد الْمُقْرِئ يَقُول كَانَ ابْن السقا قَارِئًا لِلْقُرْآنِ مجودا فِي تِلَاوَته حَدثنِي بعض من رَآهُ بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ ملقى على دكة مَرِيضا وَبِيَدِهِ خلق مروحة يدْفع بهَا الذُّبَاب عَن وَجهه قَالَ فَسَأَلته قل الْقُرْآن بَاقٍ على حفظك فَقَالَ مَا أذكر إِلَّا آيَة وَاحِدَة {رُبمَا يود الَّذين كفورا لَو كَانُوا مُسلمين} الْحجر 15 / 2 وَالْبَاقِي أنسيته نَعُوذ بِاللَّه من سوء قَضَائِهِ ونزول نعْمَة الْإِسْلَام وَلما مَاتَ الشَّيْخ رحمه الله سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَخمْس مائَة دفن بمرو وَكَانَ قد مَاتَ بِبَعْض قرى هراة ومولده تَقْرِيبًا سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَأَرْبع مائَة
61 -
النَّاصِر صَلَاح الدّين الْكَبِير يُوسُف بن أَيُّوب بن شاذي بن مَرْوَان بن يَعْقُوب السُّلْطَان الْعَادِل الْمُؤَيد الْمُجَاهِد المرابط المثاغر السُّلْطَان الْملك النَّاصِر أَبُو المظفر ابْن الْملك الْأَفْضَل نجم الدّين الدويني دوين بِطرف بِلَاد آذربيجان اخْتلف فِي نسبه فقوم يَقُولُونَ أموي الأَصْل وَقَالَ الصاحب كَمَال الدّين بن العديم فِي كتاب الْإِشْعَار بِمَا للملوك من النَّوَادِر والأشعار ينتسب من الْعَرَب إِلَى مَالك بن طوق صَاحب الرحبة وَقَالَ قوم هُوَ من الأكراد وَهُوَ الصَّحِيح لم يَأْتِ فِي مُلُوك الْإِسْلَام بعد نور الدّين الشَّهِيد مثله فتح الْقُدس الشريف وطهر السواحل من الإفرنج وَكَانَ شَافِعِيّ الْمَذْهَب أشعري العقيدة يلقن عقيدة الْأَشْعَرِيّ لأولاده ويلزمهم بالدرس عَلَيْهَا وَسمع الحَدِيث وأسمعه أَوْلَاده
سمع من السلَفِي الْحَافِظ وَالْإِمَام أبي الْحسن عَليّ بن إِبْرَاهِيم بن الْمُسلم ابْن بنت أبي
سعد وَأبي طَاهِر عون وَعبد الله بن بري والقطب مَسْعُود النَّيْسَابُورِي وَجَمَاعَة وروى الحَدِيث وَملك الْبِلَاد فتوحا
ولد بتكريت وَأَبوهُ واليها سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَخمْس مائَة وَأقَام فِي الْملك أَرْبعا وَعشْرين سنة وَتُوفِّي بقلعة دمشق بعد صَلَاة الصُّبْح من يَوْم الْأَرْبَعَاء سَابِع عشر صفر سنة تسع وَثَمَانِينَ وَخمْس مائَة وَحضر القَاضِي الْفَاضِل وَفَاته وغسله الدولعي وَأخرج فِي تابوته وَصلى عَلَيْهِ القَاضِي محيي الدّين بن الزكي وأعيد إِلَى الدَّار الَّتِي فِي الْبُسْتَان الَّتِي كَانَ فِيهَا مَرِيضا وَدفن فِي الصّفة الغربية مِنْهَا وَصلى عَلَيْهِ النَّاس أَرْسَالًا وتأسف النَّاس عَلَيْهِ حَتَّى الفرنج لما كَانَ من صدقه ووفائه إِذا عاهدهم
وَبنى وَلَده الْأَفْضَل على شمَالي الْجَامِع الْأمَوِي قبَّة وَهِي الَّتِي شباكها قبلي الكلاسية وَنَقله إِلَيْهَا يَوْم عَاشُورَاء سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَخمْس مائَة وَمَشى بَين يَدَيْهِ التابوت وَأَرَادَ الْعلمَاء حمله على رقابهم فَقَالَ الْأَفْضَل يَكْفِيهِ دعاؤكم الصَّالح وَحمله مماليكه وَأخرج إِلَى بَاب الْبَرِيد وَصلي عَلَيْهِ قُدَّام النسْر وَصلى عَلَيْهِ محيي الدّين ابْن الزكي ولحده وَلَده الْأَفْضَل وَخرج وسد الْبَاب وَجلسَ للعزاء ثَلَاثَة أَيَّام
وَفتح الْقُدس والبلاد الساحلية والشامية والفراتية والحصون الفرنجية وَلم يخلف إِلَّا سَبْعَة وَأَرْبَعين درهما ودينارا وَاحِدًا صوريا وَلم يخلف ملكا وَلَا عقارا وَخلف سَبْعَة عشر ولدا ذكرا وَابْنَة صَغِيرَة الْملك الْأَفْضَل عَليّ صَاحب دمشق وَالْملك الْعَزِيز عُثْمَان صَاحب مصر وَالْملك الظَّاهِر غَازِي صَاحب حلب وَالْملك الْمعز فتح الدّين إِسْحَاق وَالْملك الْمُؤَيد نجم الدّين مَسْعُود وَالْملك الْأَعَز شرف الدّين يَعْقُوب وَالْملك الظافر مظفر الدّين خضر وَالْملك الزَّاهِر مجير الدّين دَاوُد وَالْملك الْمفضل قطب الدّين مُوسَى وَالْملك الْأَشْرَف عَزِيز الدّين مُحَمَّد وَالْملك المحسن ظهير الدّين أَحْمد وَالْملك الْمُعظم فَخر الدّين توران شاه والجواد زكي الدّين أَيُّوب وَالْغَالِب نصير الدّين ملكشاه وعماد الدّين شادي ونصرة الدّين مَرْوَان والمنصور أَبَا بكر ومؤنسة زوج الْملك الْكَامِل وَهَؤُلَاء كلهم عاشوا بعده وَكَانَ أَكْثَرهم بحلب عِنْد الظَّاهِر وَآخرهمْ موتا توران شاه توفّي بعد أَخذ حلب فِي قلعتها وَقد تقدم فِي ذكر نجم الدّين أَيُّوب بن شاذي ذكر أصلهم وَسبب اتصالهم بِنور الدّين الشَّهِيد وَتقدم أَيْضا فِي تَرْجَمَة أَسد الدّين شيركوه بن شاذي سَبَب دُخُول شيركوه إِلَى مصر بحده فِي أَيَّام العاضد وَفِي تَرْجَمَة أَيُّوب الْمَذْكُور سَبَب وزارة صَلَاح الدّين يُوسُف الْمَذْكُور للعاضد خَليفَة مصر وَفِي تَرْجَمَة القَاضِي الْفَاضِل عبد الرَّحِيم بن عَليّ طرف من ذَلِك فليكشف جَمِيع ذَلِك فِي أماكنه الْمَذْكُورَة
وَأرْسل العاضد خلع الوزارة إِلَى صَلَاح الدّين وَكَانَت الْعَادة فِي مثل ذَلِك مَا يذكر وَهُوَ عِمَامَة بَيْضَاء تنيسي بطرز ذهب وثوب دبيقي بطرازي ذهب وجبة تحتهَا سقلاطون بطرازي ذهب وطيلسان دبيقي بطراز ذهب رَقِيق وَعقد جَوْهَر قِيمَته عشرَة آلَاف دِينَار وَسيف محلى مجوهر قِيمَته خَمْسَة آلف دِينَار وَفرس حجر صفراء من مراكب العاضد قيمتهَا ثَمَانِيَة آلَاف دِينَار وَلم يكن بالديار المصرية اسبق مِنْهَا وطوق وتخت وسرفسار ذهب مجوهر وَفِي رَقَبَة الْحجر مشدة بَيْضَاء وَفِي رَأسهَا مِائَتَا حَبَّة جَوْهَر وَفِي أَربع قَوَائِم الْفرس أَربع عُقُود جَوْهَر وقصبة ذهب وَفِي رَأسهَا طلعة مجوهرة وَفِي رَأسهَا مشدة بَيْضَاء بأعلام ذهب وَمَعَ الخلعة عدَّة بقج وعدة من الْخَيل وَأَشْيَاء أخر ومنشور الوزارة ملفوف فِي ثوب أطلس أَبيض
وَكَانَت وزارة صَلَاح الدّين فِي يَوْم الِاثْنَيْنِ الْخَامِس وَالْعِشْرين من جُمَادَى الْآخِرَة سنة أَربع وَخمْس مائَة وَجلسَ فِي دَار الوزارة وَحضر الْأُمَرَاء والكبراء ووجوه الْبَلَد وأرباب دولة العاضد وَعم النَّاس جَمِيعهم المصريين والشاميين بالهبات والصلات وَلما وزر صَلَاح الدّين للعاضد شكر نعْمَة الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَتَابَ عَن الْخمر وأقلع عَن اللَّهْو وَأَقْبل على الْجد وَالِاجْتِهَاد وَجرى لَهُ مَعَ العاضد مَا جرى من خلعه وَإِقَامَة الدعْوَة بِمصْر للعباسيين وَلم يزل يَشن الغارات على الفرنج بالكرك والشوبك وبلادهما وَجعل النَّاس يهرعون إِلَيْهِ من كل جَانب وَهُوَ يفِيض عَلَيْهِم سحائب الإنعام إِلَى أَن اشْتهر ذكره وَبعد صيته وَلما اسْتَقر أمره بِمصْر أَخذ نور الدّين الشَّهِيد حمص من نواب أَسد الدّين وَكَانَ نور الدّين يُكَاتب صَلَاح الدّين بالأمير الإسفهسلار وَيكْتب علامته فِي الْكتب تَعْظِيمًا أَن يكْتب اسْمه وَكَانَ لَا يفرده بِكِتَاب بل يكْتب الْأَمِير الإسفهسلار صَلَاح الدّين وكافة الْأُمَرَاء بالديار المصرية يَفْعَلُونَ كَذَا هَذَا قبل موت العاضد
وَالْتمس صَلَاح الدّين من نور الدّين أَن يبْعَث إِلَيْهِ إخْوَته فَلم يرسلهم وَقَالَ أَخَاف أَن يُخَالف أحد مِنْهُم عَلَيْك فتفسد الْبِلَاد ثمَّ إِنَّه جهزهم إِلَيْهِ فَلَمَّا تجمع الفرنج وطلبوا الْمسير إِلَى مصر فَتوجه إِلَيْهِ وَالِده نجم الدّين وَمَعَهُ بَقِيَّة إخْوَته وَفِي ذَلِك يَقُول عمَارَة اليمني من قصيدة // (من الْكَامِل) //
(عجبا لمعجزة أَتَت فِي عصره
…
والدهر ولاد لكل عَجِيب)
(رد الْإِلَه بِهِ قَضِيَّة يُوسُف
…
نسقا على ضرب من التَّقْرِيب)
(جَاءَتْهُ إخْوَته ووالده إِلَى
…
مصر على التدريج وَالتَّرْتِيب)
وَكَانَ وصولهم إِلَيْهِ سنة خمس وَسِتِّينَ وَخمْس مائَة وَلما أَن توجه صَلَاح الدّين مَعَ
عَمه أَسد الدّين شيركوه إِلَى مصر فِي الْمرة الثَّالِثَة قَالَ العرقلة // (من السَّرِيع) //
(أَقُول والأتراك قد أزمعت
…
مصر إِلَى حَرْب الأعاريب)
(رب كَمَا ملكتها يُوسُف
…
الصّديق من أَوْلَاد يَعْقُوب)
(ملكهَا فِي عصرنا يُوسُف
…
الصَّادِق من أَوْلَاد أَيُّوب)
فَكَانَ ذَلِك فألا جرى على لِسَانه
وَلما خلع العاضد وَجرى لَهُ أرسل صَلَاح الدّين إِلَى نور الدّين يعرفهُ ذَلِك فسير نور الدّين إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ المتستضيء يعرفهُ بذلك فَحل عِنْده محلا عَظِيما وسير إِلَى نور الدّين الْخلْع الْكَامِلَة لَهُ ولصلاح الدّين أَيْضا إِلَّا أَنَّهَا أقل من خلع نور الدّين وسيرت الْأَعْلَام السود لتنصب على المنابر ثمَّ إِن الوحشة حصلت بَين نور الدّين وَصَلَاح الدّين لِأَنَّهُ طلب مِنْهُ الْمسير إِلَيْهِ إِلَى الكرك بالعساكر المصرية لحصار الفرنج فَاعْتَذر باختلال الْبِلَاد وَأَنه مَتى سَار بالعساكر خَافَ لبعده عَنْهَا فَلم يقبل نور الدّين عذره وعزم على الدُّخُول إِلَى مصر وَإِخْرَاج صَلَاح الدّين عَنْهَا فَبلغ الْخَبَر صَلَاح الدّين فَجمع أَهله وَفِيهِمْ وَالِده نجم الدّين وخاله شهَاب الدّين الحارمي ومعهما سَائِر الْأُمَرَاء وأعلمهم بِمَا عزم عَلَيْهِ نور الدّين واستشارهم فَلم يجبهُ أحد مِنْهُم وَقَامَ تَقِيّ الدّين عمر ابْن أخي صَلَاح الدّين وَقَالَ إِذا جَاءَ قَاتَلْنَاهُ وصددناه عَن الْبِلَاد وَوَافَقَهُ غَيره من أَهله فشتمهم نجم الدّين أَيُّوب وَأنكر ذَلِك واستعظمه وَكَانَ ذَا رَأْي ومكر وعقل وَقَالَ لتقي الدّين أقعد وسبه وَقَالَ لصلاح الدّين أَنا أَبوك وَهَذَا شهَاب الدّين خَالك أتظن أَن فِي هَؤُلَاءِ من يحبك وَيُرِيد لَك الْخَيْر مثلنَا فَقَالَ لَا فَقَالَ وَالله لَو رَأَيْت أَنا وخالك هَذَا نور الدّين لم يمكنا إِلَّا أَن نترجل لَهُ ونقبل الأَرْض بَين يَدَيْهِ وَلَو أمرنَا أَن نضرب عُنُقك بِالسَّيْفِ لفعلنَا فَإِذا كُنَّا نَحن هَكَذَا فَكيف يكون غَيرنَا وَلَك من ترَاهُ من الْأُمَرَاء والعساكر لَو رأى نور الدّين وَحده لم يتجاسر على الثَّبَات على سَرْجه وَلَا وَسعه إِلَّا النُّزُول وتقبيل الأَرْض بَين يَدَيْهِ وَهَذِه الْبِلَاد لَهُ وَقد أقامك فِيهَا وَإِذا أَرَادَ عزلك فَأَي حَاجَة لَهُ فِي الْمَجِيء يَأْمر بِكِتَاب مَعَ نجاب حَتَّى تقصد خدمته ويولي بِلَاده من يُرِيد وَقَالَ للْجَمَاعَة كلهم قومُوا عَنَّا فَنحْن مماليك نور الدّين وعبيده يفعل مَا يَشَاء بِنَا فترفوا على هَذَا وَكتب بَعضهم بالْخبر إِلَى نور الدّين وَلما خلا أَيُّوب بِابْنِهِ صَلَاح الدّين قَالَ لَهُ أَنْت جَاهِل تجمع هَذَا الْجمع الْكَبِير وتطلعهم على سرك وَإِذا سمع نور الدّين أَنَّك تَمنعهُ بِلَاده جعلك أهم أُمُوره وأولاها بِالْقَصْدِ وَلَو قصدك لم تَرَ مَعَك أحدا من هَذِه العساكر وَكَانُوا أسلموك إِلَيْهِ وَأما الْآن فسيكتبون إِلَيْهِ بِهَذَا الَّذِي جرى وتكتب أَنْت إِلَيْهِ وَتقول لَهُ أَي حَاجَة إِلَى قصدي يَجِيء نجاب يأخذني بِحَبل يَضَعهُ فِي عنقِي فَهُوَ إِذا
بلغه هَذَا رَجَعَ عَن قصدك واشتغل بِمَا هُوَ الأهم عِنْده وَالْأَيَّام تتدرج وَالله {كل يَوْم هُوَ فِي شَأْن} الرَّحْمَن 55 / 29 فَكَانَ الْأَمر كَمَا قَالَ نجم الدّين وَلم يَقْصِدهُ نور الدّين بعد ذَلِك وَتُوفِّي نور الدّين رحمه الله بَعْدَمَا سير إِلَيْهِ موفق الدّين خَالِد بن القيسراني يُطَالِبهُ بِالْمَالِ والحساب على مَا تقدم فِي تَرْجَمته وَكَانَ قد بلغ السُّلْطَان صَلَاح الدّين أَن فِي الْيمن إنْسَانا اسْمه عبد النَّبِي قد استولى عَلَيْهَا وَملك حصونها فَجهز إِلَيْهِ أَخَاهُ توارن شاه فَقتله وَأخذ الْبِلَاد مِنْهُ ثمَّ إِن صَلَاح الدّين علم أَن الصَّالح إِسْمَاعِيل بن نور الدّين الشَّهِيد لَا يسْتَقلّ بِالْأَمر بعد وَالِده فقصد دمشق فِي جَيش كثيف مظْهرا أَنه يتَوَلَّى أَمر الصَّالح فَدخل دمشق بِالتَّسْلِيمِ فِي يَوْم الثُّلَاثَاء سلخ شهر ربيع الأول سنة سبعين وَخمْس مائَة وتسلم قلعتها وَكَانَ أول دُخُوله دَار أَبِيه وَهِي الدَّار الْمَعْرُوفَة بدار العقيقي وَفَرح النَّاس بِهِ واجتمعوا إِلَيْهِ وَأنْفق فِي ذَلِك أَمْوَالًا عَظِيمَة وَسَار إِلَى حلب ونازل حمص وَأخذ الْمَدِينَة فِي جُمَادَى الأولى من السّنة وَهِي الْوَقْعَة الأولى وأنفذ سيف الدّين غَازِي بن قطب الدّين مودود بن عماد الدّين زنكي صَاحب الْموصل عسكرا وافرا وَقدم عَلَيْهِ أَخَاهُ عز الدّين مَسْعُود وَسَارُوا يُرِيدُونَ لِقَاء صَلَاح الدّين ليردوه عَن الْبِلَاد فَلَمَّا بلغه ذَلِك رَحل عَن حلب وَعَاد إِلَى حماه وَرجع إِلَى مصر وَأخذ قلعتها وَوصل مَسْعُود الْمَذْكُور إِلَى حلب وَأخذ عَسْكَر ابْن عَمه الصَّالح ابْن نور الدّين وَخَرجُوا فِي جمع عَظِيم فَلَمَّا علم بذلك صَالح الدّين سَار إِلَيْهِم ووافاهم على قُرُون حماه ثمَّ إِنَّهُم اجتهدوا أَن يصالحوه فَمَا اتّفق بَينهم صلح وتلاقوا فانكسروا بَين يَدَيْهِ وَأسر مِنْهُم جمَاعَة وَمن عَلَيْهِم وَذَلِكَ فِي تَاسِع عشر رَمَضَان الْمُعظم من السّنة وساء عقيب ذَلِك وَنزل على حلب فَصَالَحُوهُ على أَخذ المعرة وَكفر طَابَ وبارين ثمَّ إِنَّه تصاف هُوَ وَسيف الدّين غَازِي على تل السُّلْطَان وانكسرت ميسرَة صَلَاح الدّين ثمَّ انتصر عَلَيْهِم وفروا بَين يَدَيْهِ فَلم يتبعهُم وَنزل خيامهم وَفرق اسطبلاتهم ووهب خزائنهم وَسَار إِلَى منبج وتسلمها وَتوجه إِلَى عزاز وحصارها فِي رَابِع ذِي الْقعدَة سنة إِحْدَى وَسبعين وَخمْس مائَة وَعَلَيْهَا وثب جمَاعَة من الإسماعيلية على صَلَاح الدّين فَنَجَّاهُ الله مِنْهُم وظفر بهم وَملك عزاز فِي رَابِع عشر ذِي الْحجَّة ثمَّ سَار وَنزل حلب فِي سادس عشر الشَّهْر وَأقَام عَلَيْهَا مُدَّة ثمَّ رَحل عَنْهَا وَكَانَ قد أخرجُوا لَهُ ابْنة صَغِيرَة لنُور الدّين سَأَلته عزاز فَوَهَبَهَا لَهَا ثمَّ إِن صَلَاح الدّين عَاد إِلَى مصر فِي شهر ربيع الأول سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَخمْس مائَة وَكَانَ أَخُوهُ توران شاه قد وصل من الْيمن فاستخلفه بِدِمَشْق وتأهب للغزاة وَخرج يطْلب السَّاحِل حَتَّى وافى الفرنج على الرملة وَذَلِكَ فِي أَوَائِل جُمَادَى الأولى سنة ثَلَاث وَسبعين وَخمْس مائَة وَكَانَ الكسرة على الْمُسلمين فطلبوا مصر وَضَلُّوا فِي الطريف وتفرق شملهم وَأسر الفرنج الْفَقِيه عِيسَى الهكاري وَكَانَ ذَلِك وَهنا عَظِيما من الْمُسلمين جبره الله تَعَالَى يَوْم
حطين ثمَّ إِن صَلَاح الدّين أَقَامَ بِمصْر يلم شعثه وبلغه تخبط الشَّام فاهتم بالغزاة فوصل رَسُول قلج أرسلان صَاحب الرّوم يلْتَمس الصُّلْح ويتضور من الأرمن فعزم على قصد بِلَاد ابْن لاوون وَهِي بِلَاد سيس فَدَخلَهَا وَأخذ فِي طَرِيقه حصنا فَسَأَلُوهُ الصُّلْح فَصَالحهُمْ وَرجع عَنْهُم فَدخل عَلَيْهِ قلج أرسلان فِي صلح الشرقيين بأسرهم فَأَجَابَهُ وَحلف صَلَاح الدّين فِي عَاشر جُمَادَى الأولى سنة سِتّ وَسبعين وَخمْس مائَة وَدخل فِي الصُّلْح قلج أرسلان والمواصلة رُوجِعَ بعد ذَلِك إِلَى دمشق وَتوجه مِنْهَا إِلَى مصر وَتُوفِّي الصَّالح ابْن نور الدّين الشَّهِيد واستخلف أُمَرَاء حلب وجندها لِابْنِ عَمه عز الدّين مَسْعُود صَاحب الْموصل فَأتى إِلَيْهَا خوفًا من سبق صَلَاح الدّين إِلَى حلب وَاسْتولى على الحواصل وَتزَوج أم الصَّالح ثمَّ إِنَّه قايض أَخَاهُ عماد الدّين زنكي من حلب إِلَى سنجار وَخرج من حلب ودخلها عماد الدّين زنكي الْمَذْكُور فَجَاءَهُ صَلَاح الدّين وحاصره فِي سادس عشْرين الْمحرم سنة تسع وَسبعين وَخمْس مائَة فَصَالَحُوهُ على سنجار والخابور ونصيبين وسروج وَمَا فِي قلعة حلب من الحواصل وَالْأَمْوَال وَيَأْخُذ صَلَاح الدّين حلب فوافقهم على ذَلِك وَأعْطى الرقة لحسام الدّين طمان لكَونه دخل فِي الصُّلْح وَكَانَ صَلَاح الدّين قد أَخذ سنجار فِي ثَانِي شهر رَمَضَان سنة ثَمَان وَسبعين وَخمْس مائَة وَأَعْطَاهَا لِابْنِ أَخِيه تَقِيّ الدّين عمر ثمَّ إِن صَلَاح الدّين صعد إِلَى قلعة حلب يَوْم الِاثْنَيْنِ سَابِع عشْرين صفر سنة تسع وَسبعين وَخمْس مائَة ورتب أمورها ورحل عَنْهَا فِي ثَانِي عشْرين شهر ربيع الآخر وَجعل فِيهَا وَلَده الظَّاهِر غَازِي وَولي القلعة سيف الدّين يازكوج الْأَسدي وَجعله يرتب مصَالح وَلَده الظَّاهِر غَازِي وَعَاد إِلَى دمشق وَخرج مِنْهَا لقصد الكرك فِي ثَالِث شهر رَجَب من السّنة وسير إِلَى أَخِيه الْعَادِل أبي بكر ليحضر إِلَيْهِ وَكَانَ بِمصْر فَسَار إِلَيْهِ بِجَيْش عَظِيم وحشد الفرنج واجتمعوا وجاؤوا إِلَى الكرك وَخَافَ صَلَاح الدّين على مصر فسير إِلَيْهَا ابْن أَخِيه تَقِيّ الدّين عمر ورحل عَن الكرك فِي سادس عشر شعْبَان من السّنة واستصحب الْعَادِل مَعَه إِلَى الشَّام وَدخل دمشق فِي رَابِع عشْرين شعْبَان من السّنة وَأَعْطَاهُ حلب ودخلها يَوْم الْجُمُعَة ثَانِي عشْرين شهر رَمَضَان وَخرج الظَّاهِر ويازكوج ودخلا دمشق وَقيل إِن الْعَادِل أعطَاهُ على دُخُول حلب ثَلَاث مائَة ألف دِينَار يَسْتَعِين بهَا على الْجِهَاد ثمَّ إِنَّه أعَاد الْعَادِل إِلَى مصر وَالظَّاهِر إِلَى حلب ثمَّ إِنَّه أعْطى الْعَادِل حران والرها وميافارقين ثمَّ كَانَت وقْعَة حطين الْمُبَارَكَة على الْمُسلمين فِي يَوْم السبت رَابِع عشر شهر ربيع الآخر سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَخمْس مائَة وسط النَّهَار يَوْم الْجُمُعَة وَكَانَ كثيرا مَا يقْصد لِقَاء الْعَدو يَوْم الْجُمُعَة عِنْد الصَّلَاة تبركا بِدُعَاء الْمُسلمين والخطيب على الْمِنْبَر وَكَانَ الْعَدو قد اجْتمع بمرج صفورية فَسَار صَلَاح الدّين وَنزل على بحيرة طبرية على سطح الْجَبَل لينْظر قصد الفرنج فَلم يتحركوا فنازل طبرية وَأَخذهَا فِي سَاعَة وَاحِدَة
وَنهب النَّاس مَالهَا وَسبوا وَقتلُوا وحرقوا وَبَقِيَّة القلعة محتمية وَبلغ الْعَدو ذَلِك فرحلوا نَحْوهَا فَترك صَلَاح الدّين على طبرية من يحاصرها والتقى الْعَدو على سطح جبل طبرية الغربي وباتا على مصَاف إِلَى بكرَة الْجُمُعَة وتصادموا والتحم الْقِتَال بِأَرْض قَرْيَة لوبيا وضاق الخناق بالعدو وَحَال اللَّيْل بَينهم فَحملت أطناب الْمُسلمين من سَائِر الجوانب وصاحوا صَيْحَة رجل وَاحِد فَألْقى الله الرعب فِي قُلُوب الفرنج فهرب القومص وَقصد جِهَة صور وَتَبعهُ الْمُسلمُونَ فنجا مِنْهُم وهرب بعض الفرنج فَتَبِعهُمْ طَائِفَة من الْمُسلمين واعتصمت طَائِفَة مِنْهُم بتل حطين فضايقهم الْمُسلمُونَ وأشعلوا حَولهمْ النيرَان فَاشْتَدَّ بهم الْعَطش فَأسر مقدموهم وَقتل الْبَاقُونَ وَكَانَ مِمَّن سلم وَأسر من مقدمي الفرنج الْملك جفري وَأَخُوهُ والبرنس أرناط صَاحب الكرك والشوبك وَابْن الهنفري وَابْن صَاحب طبرية ومقدم الديوية وَصَاحب جبيل ومقدم الاسبتار
قَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد وَلَقَد حكى لي من أَثِق بِهِ أَنه رأى بحوران شخصا وَاحِدًا مَعَه نَيف وَثَلَاثُونَ أَسِيرًا قد ربطهم بطنب خيمة لما وَقع عَلَيْهِم من الخذلان وَأما مقدم الاسبتار والديوية فَإِن السُّلْطَان قَتلهمَا وَقتل من بَقِي من صنفهما حَيا وَأما أرناط الْبُرْنُس فَإِن السُّلْطَان كَانَ قد نذر دَمه لِأَنَّهُ كَانَ قد عبر بِهِ قوم من مصر فِي حَالَة الصُّلْح فغدر بهم وقتلهم فناشدوه الصُّلْح الَّذِي بَينه وَبَين الْمُسلمين فَقَالَ مَا يتَضَمَّن الاستخفاف بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَجَلَسَ فِي دهليز الْخَيْمَة وَعرضت الأسرى عَلَيْهِ وَصَارَ النَّاس يَتَقَرَّبُون إِلَيْهِ بِمن فِي أَيْديهم من الفرنج وَهُوَ يفرح بِمَا فتح الله عَلَيْهِ واستحضر الْملك الْجفْرِي وأخاه الْبُرْنُس أرناط وناول السُّلْطَان الْملك جفري شربة من جلاب وثلج فَشرب مِنْهَا وَكَانَ على أَشد حَال من الْعَطش ثمَّ ناولها للبرنس وَقَالَ السُّلْطَان للترجمان أَنْت الَّذِي سقيته وَإِلَّا أَنا فَمَا سقيته وَكَانَ من جميل عادات الْعَرَب وَجَمِيل أَخْلَاقهم أَن الْأَسير إِذا أكل وَشرب من مَال من أسره أَمن ثمَّ أَمر بمسيرهم إِلَى مَوضِع عينه فَمَضَوْا بهم إِلَيْهِ وأكلوا شَيْئا وعادوا بهم فاستحضرهم وأوقف الْبُرْنُس بَين يَدَيْهِ وَقَالَ هَا أَنا أنتصر لمُحَمد مِنْك ثمَّ عرض عَلَيْهِ الْإِسْلَام فَلم يفعل فسل النيمجاه وضربه بهَا فَحل كتفه وتمم قَتله من حضر فَلَمَّا رأى جفري ذَلِك قَالَ لم تجر عَادَة الْمُلُوك بقتل الْمُلُوك فَقَالَ السُّلْطَان هَذَا تجرأ على الْأَنْبِيَاء وَجَاوَزَ الْحَد ثمَّ نزل على طبرية وَسلم قلعتها ورحل طَالبا عكا وَنزل عَلَيْهَا وقاتلها وَأَخذهَا بكرَة الْخَمِيس مستهل جُمَادَى الأولى سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَخمْس مائَة واستنقذ من كَانَ بهَا من الأسرى وَأخذ مَا كَانَ فِيهَا من الْأَمْوَال وَتَفَرَّقَتْ العساكر إِلَى بِلَاد السَّاحِل فَأخذُوا نابلس وحيفا وقيسارية وصفورية والناصرة وَسَار يطْلب تبنين فَنزل عَلَيْهَا يَوْم الْأَحَد حادي عشر جُمَادَى الأولى فنصب عَلَيْهَا المناجيق وضايقها بالزحف وَكَانَ فِيهَا أبطال معدودون فَقَاتلُوا قتالا شَدِيدا
وَنصر الله السُّلْطَان عَلَيْهِم وتسلمها يَوْم الْأَحَد ثامن عشرَة عنْوَة وَأسر من فِيهَا بعد الْقَتْل ورحل عَنْهَا إِلَى صيدا وتسلمها فِي غَد يَوْم نُزُوله وَهُوَ يَوْم الْأَرْبَعَاء عشرُون يَوْمًا من جُمَادَى الأولى وَسَار إِلَى بيروت ونازلها يَوْم الْخَمِيس تَاسِع عشْرين جُمَادَى الأولى وزحف عَلَيْهَا وتسلمها وتسلم أَصْحَابه جبيل وَلما فرغ من هَذَا الْجَانِب رأى قصد عسقلان وَلم ير الِاشْتِغَال بصور بعد أَن نزل عَلَيْهَا فَأتى عسقلان وَنزل عَلَيْهَا يَوْم الْأَحَد سادس عشر جُمَادَى الْآخِرَة وَسلم فِي طَرِيقه إِلَيْهَا مَوَاضِع كَثِيرَة كالرملة والداروم وَقَاتل عسقلان قتالا عَظِيما وَنصب عَلَيْهَا المناجيق وتسلمها يَوْم السبت سلخ جُمَادَى الْآخِرَة وَأقَام عَلَيْهَا إِلَى أَن تسلم أَصْحَابه غَزَّة وَبَيت جِبْرِيل والنطرون بِغَيْر قتال ثمَّ إِنَّه طلب الْقُدس الشريف وَنزل عَلَيْهِ يَوْم الْأَحَد خَامِس عشر شهر رَجَب سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَخمْس مائَة وَنزل بالجانب الغربي وَقيل إِن الَّذِي كَانَ فِي الْقُدس من الْمُقَاتلَة يزِيدُونَ على سِتِّينَ ألفا خَارِجا عَن النِّسَاء وَالصبيان ثمَّ انْتقل إِلَى الْجَانِب الشمالي وَنصب المناجيق وضايق الْبَلَد وَأخذ النقب فِي السُّور مِمَّا يَلِي وَادي جَهَنَّم فَأخذ أهل الْقُدس فِي الْأمان وتسلمه يَوْم الْجُمُعَة سَابِع عشر رَجَب سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَخمْس مائَة لَيْلَة الْمِعْرَاج وَكَانَ فتحا عَظِيما شهده جمَاعَة من أهل الْعلم وَمن أَرْبَاب الْخرق والزهد وعالم كثير وَصلى الْجُمُعَة فِيهِ يَوْم فَتحه وَكَانَ الصُّلْح وَقع على أَن أهل الْقُدس يزنون عَن كل رجل عشْرين دِينَارا وَعَن كل امْرَأَة خَمْسَة دَنَانِير صورية وَعَن كل صَغِير ذكر أَو أُنْثَى دِينَارا وَاحِدًا فَمن أحضر قطيعته نجى بِنَفسِهِ وَإِلَّا أَخذ أَسِيرًا وَأَفْرج عَن من كَانَ بالقدس من الْأُسَارَى وَكَانُوا خلقا عَظِيما وَأقَام يجمع الْأَمْوَال ويفرقها على الْأُمَرَاء والفقراء وَالْفُقَهَاء وَالْعُلَمَاء والزهاد والوافدين عَلَيْهِ وَكَانَ ذَلِك يُقَارب مِائَتي ألف وَعشْرين ألف دِينَار وَلم يرحل عَن الْقُدس وَمَعَهُ من المَال شَيْء ورحل عَن الْقُدس يَوْم الْجُمُعَة الْخَامِس وَالْعِشْرين من شعْبَان وأتى عكا وَنظر فِي أمورها وَتوجه إِلَى صور وَنزل قَرِيبا مِنْهَا وسير لإحضار آلَات الْحصار فَلَمَّا تكاملت عِنْده نزل عَلَيْهَا فِي ثَانِي عشر شهر رَمَضَان وقاتلها وضايقها عَظِيما واستدعى أسطول مصر وقاتلها فِي الْبر وَالْبَحْر وَخرج أسطول صور على أسطول مصر فِي اللَّيْل وَأخذُوا الْمُقدم والرايس وَخمْس قطع للْمُسلمين وَقتلُوا خلقا كثيرا فِي سَابِع عشْرين الشَّهْر فَضَاقَ صدر السُّلْطَان وَكَانَت الأمطار قد توالت فَرَحل عَن صور طلبا لراحة العساكر وَحمل من آلَات الْحصار مَا أمكنت وحرقوا مَا عجزوا عَن حمله للوحل وَكَانَ رحيلها يَوْم الْأَحَد ثَانِي ذِي الْقعدَة وَتَفَرَّقَتْ العساكر وَأقَام هُوَ وَجَمَاعَة من خواصه بعكا إِلَى أَن دخلت سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَخمْس مائَة وَكَانَ لما نزل على صور قد سير من حاصر هونين فَسلمت فِي الثَّالِث وَالْعِشْرين من شَوَّال سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَخمْس مائَة ثمَّ إِن السُّلْطَان نزل على كَوْكَب فِي أَوَائِل الْمحرم سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَلم يكن مَعَه من الْعَسْكَر إِلَّا
الْقَلِيل وَكَانَ حصنا حصينا وَفِيه الأقوات وَالرِّجَال وَعلم أَنه لَا يُؤْخَذ إِلَّا بعد شَدَائِد فَعَاد إِلَى دمشق ودخلها فِي سادس عشر شهر جُمَادَى الأولى فَأَقَامَ فِي دمشق خَمْسَة أَيَّام فَبَلغهُ أَن الفرنج قصدُوا جبيلا فَخرج مسرعا فَلَمَّا علمُوا بحركته رجعُوا فَصَارَ نَحْو حصن الأكراد وَكَانَ قد وصل إِلَيْهِ عماد الدّين صَاحب سنجار ومظفر الدّين ابْن زين الدّين وعسكر الْموصل فوصل إِلَى أنطرسوس سادس جُمَادَى الأولى فَلَمَّا رَآهَا نزل عَلَيْهَا وَمَا لحق الْعَسْكَر يضْرب الخيم حَتَّى تعلق الْمُسلمُونَ فِي الأسوار وأخذوها بِالسَّيْفِ وغنموا شَيْئا كثيرا وأحرقوها وَأقَام عَلَيْهَا إِلَى رَابِع عشر جُمَادَى الأولى ثمَّ سَار يُرِيد جبلة فوصل إِلَيْهَا وَمَا تمّ نُزُوله إِلَّا أَن ملكهَا وَكَانَ فِيهِ مُسلمُونَ مقيمون وقاض يحكم فيهم وسلمت القلعة بالأمان بعد قتال شَدِيد فِي تَاسِع عشر جُمَادَى الأولى وَأقَام عَلَيْهَا إِلَى الثَّالِث وَالْعِشْرين من الشَّهْر وَسَار إِلَى اللاذقية وَنزل عَلَيْهَا الرَّابِع وَالْعِشْرين من جُمَادَى الأولى وَاشْتَدَّ الْقِتَال إِلَى آخر النَّهَار فَأخذ الْبَلَد دون القلعتين وغنم النَّاس شَيْئا كثيرا وجدوا فِي النقوب إِلَى أَن كَانَ النقب طوله سِتِّينَ ذِرَاعا وَعرضه أَرْبَعَة أَذْرع فَطلب الفرنج الْأمان وَالصُّلْح على سَلامَة نُفُوسهم وذراريهم وَنِسَائِهِمْ وَأَمْوَالهمْ مَا خلا الغلال والذخائر وَالسِّلَاح وآلات الْحَرْب فأجابهم وَأقَام عَلَيْهَا إِلَى سَابِع عشْرين جُمَادَى الأولى ورحل إِلَى صهيون وَنزل عَلَيْهَا تَاسِع عشْرين الشَّهْر فَأَخذهَا يَوْم الْجُمُعَة ثَانِي جُمَادَى الْآخِرَة وَقَاتل القلعة قتالا عَظِيما فَطلب الفرنج الْأمان بِشَرْط أَن يُؤْخَذ من الرجل عشرَة دَنَانِير وَالْمَرْأَة خَمْسَة دَنَانِير وَمن كل صَغِير دِينَارَانِ الذّكر وَالْأُنْثَى سَوَاء ثمَّ إِنَّه أَقَامَ بِهَذِهِ الْجِهَة إِلَى أَن أَخذ عدَّة قلاع مِنْهَا بلاطنس وَغَيرهَا ثمَّ رَحل وأتى بكاس فَنزل عَلَيْهَا سادس جُمَادَى الْآخِرَة وقاتلوا قتالا عَظِيما ثمَّ يسر الله فتحهَا وَقتل أَكثر من بهَا وَأسر الْبَاقُونَ وغنم النَّاس كثيرا ثمَّ إِن قلعة الشغر طلب أَهلهَا الْأمان فِي ثَالِث عشر الشَّهْر الْمَذْكُور وسألوا المهلة ثَلَاثَة أَيَّام وطلع الْعلم السلطاني إِلَيْهَا يَوْم الْجُمُعَة سادس عشر الشَّهْر ثمَّ إِن السُّلْطَان سَار إِلَى برزية فَنزل عَلَيْهَا يَوْم السبت رَابِع عشْرين الشَّهْر ثمَّ أَخذهَا عنْوَة يَوْم الثُّلَاثَاء السَّابِع وَالْعِشْرين من الشَّهْر ثمَّ صَار مِنْهَا إِلَى دربساك وَنزل عَلَيْهَا يَوْم الْجُمُعَة ثامن من رَجَب وتسلمها يَوْم الْجُمُعَة ثَانِي عشْرين الشَّهْر الْمَذْكُور وَأَعْطَاهَا للأمير علم الدّين سُلَيْمَان بن جندر وَسَار عَنْهَا وَنزل على بغراس وتسلمها بعد الْقِتَال فِي ثَانِي شعْبَان وراسله أهل أنطاكية فِي طلب الصُّلْح فَصَالحهُمْ لشدَّة ضجر الْعَسْكَر وَكَانَ شَرط الصُّلْح على أَن يُطلق كل أَسِير عِنْدهم وَالصُّلْح إِلَى سَبْعَة أشهر فَإِن جَاءَهُم من ينصرهم وَإِلَّا سلمُوا الْبَلَد ورحل السُّلْطَان فَسَأَلَهُ وَلَده الظَّاهِر غَازِي أَن يجتاز بِهِ فَأَجَابَهُ وَدخل حلب فِي حادي عشر شعْبَان وَأقَام بالقلعة ثَلَاثَة أَيَّام وَسَار من حلب فاعترضه تَقِيّ الدّين ابْن أَخِيه وأصعده إِلَى قلعة حماه وَعمل لَهُ طَعَاما وسماعا صوفيا وَبَات فِيهَا لَيْلَة
وَاحِدَة وَأَعْطَاهُ جبلة واللاذقية وَسَار على بعلبك وَدخل دمشق قبل شهر رَمَضَان بأيام يسيرَة ثمَّ خرج مِنْهَا يُرِيد مِنْهَا صفد فَنزل عَلَيْهَا وَلم يزل الْقِتَال يعْمل إِلَى أَن تسلمها بالأمان فِي سَابِع عشر شَوَّال وَفِي رَابِع شهر رَمَضَان الْمَذْكُور سلمت الكرك وَسلمهَا نواب صَاحبهَا وخلصوه بذلك من الْأسر فِي نوبَة حطين كَذَا ذكره بَعضهم وَقد تقدم أَن السُّلْطَان قتل الْبُرْنُس صَاحب الكرك بِيَدِهِ ثمَّ إِنَّه سَار إِلَى كَوْكَب وقاتلها قتالا شَدِيدا والأمطار كَثِيرَة والرياح عواصف فَطلب أَهلهَا الْأمان وتسلمها نصف الْقعدَة وَنزل إِلَى الْغَوْر وَأقَام بالمخيم بَقِيَّة الشَّهْر وَأعْطى النَّاس دستورا وَسَار مَعَ أَخِيه الْعَادِل لزيارة الْقُدس وَصلى بِهِ الْعِيد وَتوجه فِي حادي عشر الْحجَّة إِلَى عسقلان وَأَخذهَا من الْعَادِل وعوضه عَنْهَا بالكرك ثمَّ مر على السَّاحِل يتفقد أَحْوَاله وَدخل عكا فَأَقَامَ بهَا مُعظم الْمحرم سنة خمس وَثَمَانِينَ وَخمْس مائَة ورتب بهَا الْأَمِير بهاء الدّين قراقوش واليا وَأمره بعمارة سورها وَعَاد إِلَى دمشق فَدَخلَهَا فِي مستهل صفر سنة خمس وَثَمَانِينَ وَخمْس مائَة وَأقَام بهَا إِلَى شهر ربيع الأول ثمَّ خرج إِلَى شقيف أرنون وَنزل إِلَيْهِ صَاحب الشقيف بِنَفسِهِ وَلم يشْعر بِهِ إِلَّا وَهُوَ قَائِم على بَاب خيمته فَأذن لَهُ وأكرمه واحترمه وَأكل مَعَه الطَّعَام وَذكر لَهُ أَنه يُعْطِيهِ الْمَكَان ويسلمه وَيُعْطِيه مَكَانا يسكنهُ بِدِمَشْق لِأَنَّهُ بعد ذَلِك لَا يقدر على مساكنة الفرنج وَأَن يُعْطِيهِ إقطاعا يقوم بِهِ وبأهله فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِك وَفِي أثْنَاء شهر ربيع الأول جَاءَ الْخَبَر بِتَسْلِيم الشوبك وَكَانَ قد أَقَامَ عَلَيْهِ جمعا يحاصرونه مُدَّة سنة إِلَى أَن نفد زَاد من كَانَ فِيهِ وسلموه بالأمان ثمَّ ظهر للسُّلْطَان أَن جَمِيع مَا قَالَه صَاحب الشقيف كَانَ خديعة فرسم عَلَيْهِ ثمَّ بلغه أَن الْفرج قصدُوا عكا ونزلوا عَلَيْهَا يَوْم الِاثْنَيْنِ ثَالِث عشر شهر رَجَب سنة خمس وَثَمَانِينَ وَفِي ذَلِك الْيَوْم سير صَاحب الشقيف إِلَى دمشق بعد الإهانة الشَّدِيدَة وأتى عكا ودخلها بَغْتَة ليقوي قُلُوب من بهَا واستدعى العساكر فَجَاءَتْهُ من كل نَاحيَة وَكَانَ الْعَدو مِقْدَار ألفي فَارس وَثَلَاثِينَ ألف راجل ثمَّ تكاثر الفرنج واستفحل أَمرهم وَأَحَاطُوا بعكا وَمنعُوا الدَّاخِل وَالْخَارِج فَضَاقَ لذَلِك صدر السُّلْطَان واجتهد فِي حفظ الطَّرِيق ففتحه وَجرى بَين الْفَرِيقَيْنِ مناوشات فِي عدَّة أَيَّام وَتَأَخر النَّاس إِلَى تل العياضية وَبهَا توفّي الْأَمِير حسام الدّين طمان وَكَانَ من الشجعان وَقيل للسُّلْطَان إِن الوخم قد عظم بمرج عكا وَإِن الْمَوْت قد فَشَا بالطائفتين فَأَنْشد السُّلْطَان // (من مجزوء الْخَفِيف) //
(اقتلاني ومالكا
…
واقتلا مَالِكًا معي)
ثمَّ إِن الفرنج جَاءَتْهُم الأمداد من دَاخل الْبَحْر واستظهروا على الْمُسلمين بعكا وَكَانَ فيهم الْأَمِير سيف الدّين عَليّ بن أَحْمد المشطوب الهكاري وضايقوهم أَشد مضايقة إِلَى أَن
غلبوا عَن حفظ الْبَلَد فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْجُمُعَة سَابِع عشر جُمَادَى الْآخِرَة سنة سبع وَثَمَانِينَ وَخمْس مائَة خرج رجل عوام وَمَعَهُ كتب من الْمُسلمين يذكرُونَ أَنهم قد أيقنوا بِالْهَلَاكِ وَمَتى أَخذ الْبَلَد عنْوَة ضربت رقابهم وَأَنَّهُمْ صَالحُوا الفرنج على أَن يسلمُوا الْبَلَد وَجَمِيع مَا فِيهِ من الْآلَات وَالْعدَد والأسلحة والمراكب ومائتي ألف دِينَار وَخمْس مائَة أَسِير مَجَاهِيل وَمِائَة أَسِير مُعينين من جهتهم وصليب الصلبوت على أَن يخرجُوا بِأَنْفسِهِم سَالِمين وَمَا مَعَهم من الْأَمْوَال والأقمشة المختصة بهم وذراريهم وَنِسَائِهِمْ سَالِمين ويضمنوا للمركيس لِأَنَّهُ كَانَ الْوَاسِطَة أَرْبَعَة أُلَّاف دِينَار فَلَمَّا وقف السُّلْطَان على ذَلِك عظم ذَلِك عَلَيْهِ وَأنْكرهُ وشاور أهل الرَّأْي وتقسم فكره فَهُوَ فِي ذَلِك وَإِذا أَعْلَام الفنرج قد ارْتَفَعت وصلبانه وَذَلِكَ ظهيرة يَوْم الْجُمُعَة سَابِع عشر جُمَادَى الْآخِرَة وَصَاح الفرنج صَيْحَة وَاحِدَة وعظمت الْمُصِيبَة على الْمُسلمين وَوَقع الْبكاء والعويل ثمَّ إِن الفرنج خَرجُوا من عكا وقصدوا عسقلان وَالسُّلْطَان قبالتهم فِي عسكره ووصولا إِلَى أرسوف فَكَانَ بَينهم قتال عَظِيم ونال الْمُسلمين مِنْهُم وَهن عَظِيم فَأتى السُّلْطَان الرملة وشاور السُّلْطَان أهل مشورته فِي أَمر عسقلان وَهل يخربها فاتفقوا على أَن يكون الْملك الْعَادِل قبالة الْعَدو يتَوَجَّه هُوَ بِنَفسِهِ ويخربها وَأَن حفظ الْقُدس أولى فَسَار إِلَى عسقلان ثامن عشر شعْبَان قَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد وَقد تحدث معي فِي خراب عسقلان بعد أَن تحدث مَعَ وَلَده الْأَفْضَل وَقَالَ لَئِن أفقد وَلَدي جَمِيعهم أحب إِلَيّ من أَن أهدم مِنْهَا حجرا وَلَكِن إِذا قضى الله تَعَالَى ذَلِك وَمَا فِيهِ مصلحَة الْمُسلمين فَمَا الْحِيلَة فِي ذَلِك فَوَقع الخراب فِي عسقلان فِي تَاسِع عشر شهر شعْبَان وَقسم الخراب على النَّاس وحزن النَّاس على خراب عسقلان حزنا عَظِيما وَعظم عويل أَهله لتشتتهم وشرعوا فِي بيع مَا لَا يقدرُونَ على حمله فباعوا مَا يُسَاوِي عشرَة آلَاف بِأَلف وابتيع اثْنَا عشر طير دَجَاج بدرهم وَخرج النَّاس بأهلهم إِلَى المخيم وَوصل من جِهَة الْعَادِل من أخبر أَن الفرنج تحدثُوا مَعَه فِي الصُّلْح وطلبوا جَمِيع الْبِلَاد الساحلية فَرَأى السُّلْطَان ذَلِك مصلحَة لما علم من نفس النَّاس وضجرهم من الْقِتَال وَكَثْرَة مَا عَلَيْهِم من الدُّيُون وَأذن للعادل فِي ذَلِك وفوض الْأَمر إِلَى رَأْيه وَأصْبح يَوْم الْجُمُعَة عشْرين رَمَضَان وَهُوَ مصر على الخراب وأباح النَّاس مَا فِي الهري وأحرق الْبَلَد وأتى الرملة وخربها وَخرب قلعتها وَتَأَخر بِالنَّاسِ إِلَى جِهَة بلد الْخَلِيل عليه السلام وَخرب قلعة النطرون وَطلب الانكتار من الْعَادِل بعد اجْتِمَاعهمَا على مَوَدَّة الِاجْتِمَاع بالسلطان فَقَالَ السُّلْطَان إِذا وَقع الصُّلْح اجْتَمَعنَا ثمَّ إِن الصُّلْح تمّ وَكَانَ يَوْم الْأَرْبَعَاء ثَانِي عشْرين شعْبَان سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَخمْس مائَة ونادى الْمُنَادِي أَن الْبِلَاد الإسلامية والنصرانية وَاحِدَة فِي الْأَمْن والمسالمة من شَاءَ من كل طَائِفَة يتَرَدَّد إِلَى بِلَاد الطَّائِفَة الْأُخْرَى من غير خوف وَلَا مَحْذُور وَكَانَ يَوْمًا مشهودا حصل فِيهِ
السرُور الْعَظِيم لِلْفَرِيقَيْنِ وَقد علم الله أَن ذَلِك بِغَيْر رضى السُّلْطَان وَكَانَت الْمصلحَة فِي ذَلِك لِأَنَّهُ توفّي عقيب ذَلِك ثمَّ إِنَّه أعْطى النجدات دستورا إِلَى بِلَادهمْ
وعزم السُّلْطَان على الْحَج وَأقَام بالقدس يتأهب للمسير إِلَى مصر وَأقَام لعمارة البيمارستان والمدرسة ثمَّ تفقد الْبِلَاد والقلاع البحرية وَدخل دمشق بكرَة الْأَرْبَعَاء سادس عشر شَوَّال وفيهَا أَوْلَاده الْأَفْضَل وَالظَّاهِر والظافر المشمر وَأَوْلَاده الصغار وَجلسَ يَوْم الْخَمِيس سَابِع عشْرين شَوَّال بكرَة النَّهَار وأنشده الشُّعَرَاء وبل النَّاس شوقهم مِنْهُم وَلم يتَخَلَّف أحد من الْخَاص وَلَا الْعَام عَنهُ وكشف مظالم الرعايا وأنعم على النَّاس وَلما كَانَ يَوْم الِاثْنَيْنِ مستهل ذِي الْقعدَة عمل الْأَفْضَل للظَّاهِر دَعْوَة وحضرها السُّلْطَان واحتفل الْأَفْضَل بهَا وَكَانَ يَوْمًا مشهودا
وَعَاد الْعَادِل بَعْدَمَا تصفح أَحْوَال الكرك بِقصد الْبِلَاد الفراتية وَخرج السُّلْطَان إِلَى لِقَائِه ودخلا حادي عشر الْحجَّة إِلَى دمشق وانشرح السُّلْطَان بِدِمَشْق وتفرج بهَا وتصيد وروح بدنه وَقَبله من الْجِهَاد والسهر والتعب وَنسي عزمه إِلَى مصر ثمَّ إِنَّه ركب يتلَقَّى الْحَاج خَامِس عشر صفر سنة تسع وَثَمَانِينَ وَكَانَ ذَلِك آخر ركُوبه فَلَمَّا كَانَ لَيْلَة السبت وجد كسلا وَمَا انتصف اللَّيْل حَتَّى غَشيته حمى صفراوية وَقصد فِي الرَّابِع وَاشْتَدَّ مَرضه وَقلت رطوبات بدنه وَكَانَ يغلب اليبس على مزاجه وَاشْتَدَّ الْمَرَض فِي السَّابِع وَالثَّامِن وَحدث لَهُ غشي فِي التَّاسِع وَامْتنع من المشروب وحقن فِي الْعَاشِر دفعتين ثمَّ إِنَّه اشْتَدَّ بِهِ الْمَرَض وَشرع الْأَفْضَل فِي تَحْلِيف النَّاس لَهُ وَتُوفِّي صَلَاة الصُّبْح يَوْم الْأَرْبَعَاء سَابِع وَعشْرين صفر سنة تسع وَثَمَانِينَ وَخمْس مائَة كَمَا تقدم
قَالَ ابْن الْأَثِير عز الدّين وَمن عَجِيب مَا يحْكى من التطير أَن السُّلْطَان لما برز من الْقَاهِرَة أَقَامَ لتجتمع العساكر وَعِنْده الْأَعْيَان من الدولة وَالْعُلَمَاء والأدباء وَأخذ كل وَاحِد يَقُول شَيْئا فِي الْوَدَاع وَفِي الْفِرَاق وَفِي الْحَاضِرين معلم أَوْلَاده فَأخْرج رَأسه من بَين الْحَاضِرين وَأنْشد // (من الوافر) //
(تمتّع من شميم عرار نجد
…
فَمَا بعد العشية من عرار)
فانقبض السُّلْطَان وَالنَّاس وتطيروا من ذَلِك وَكَانَ الْأَمر كَذَلِك لم يعد إِلَى مصر بعد واشتغل بالبلاد الشرقية وفتوح الْقُدس والساحل رَحمَه الله تَعَالَى وَرَضي عَنهُ
وَكتب القَاضِي الْفَاضِل إِلَى وَلَده الظَّاهِر غَازِي يعزيه بطاقة مضمونها {لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة} الْأَحْزَاب 21 {إِن زَلْزَلَة السَّاعَة شَيْء عَظِيم} الْحَج 1 كتبت إِلَى مَوْلَانَا السُّلْطَان الْملك الظَّاهِر أحسن الله عزاءه وجبر مصابه وَجعل فِيهِ الْخلف فِي السَّاعَة الْمَذْكُورَة وَقد زلزل الْمُسلمُونَ زلزالا شَدِيدا وَقد حفرت الدُّمُوع المحاجر وَقد بلغت الْقُلُوب الْحَنَاجِر وَقد ودعت أَبَاك ومخدومي وداعا لَا تلاقي بعده وقلبت وَجهه عَنْك وعني وأسلمته إِلَى الله تَعَالَى مغلوب الْحِيلَة ضَعِيف الْقُوَّة رَاضِيا عَن الله عز وجل فَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم وبالباب من الْجنُود المجندة والأسلحة الْمعدة مَا لم يدْفع الْبلَاء وَلَا يملك رد الْقَضَاء وتدمع الْعين ويخشع الْقلب وَلَا نقُول إِلَّا مَا يُرْضِي الرب وَإِنَّا عَلَيْك لَمَحْزُونُونَ يَا يُوسُف وَأما الْوَصَايَا فَلَا تحْتَاج إِلَيْهَا والآراء فقد شغلني الْمُصَاب عَنْهَا وَأما لائح الْأَمر فَإِنَّهُ إِن وَقع اتِّفَاق فَمَا عدمتم إِلَّا شخصه الْكَرِيم وَإِن كَانَ غَيره فالمصائب الْمُسْتَقْبلَة أهونها مَوته وَهُوَ الهول الْعَظِيم وَالسَّلَام
وَنقش على صندوق قَبره من كَلَام القَاضِي الْفَاضِل اللَّهُمَّ فارض عَن تِلْكَ الرّوح وَافْتَحْ لَهُ أَبْوَاب الْجنَّة وَهِي آخر مَا كَانَ يرجوه من الْفتُوح وَلما كَانَ الْفَاضِل عِنْده فِي هَذِه المرضة قَالَه لَهُ يَا خوند أَو يَا مَوْلَانَا وَأرى أَن تدفن سَيْفك مَعَك فَإِنَّهُ عكازك إِلَى الْجنَّة
ذكر فتوحاته الديار المصرية فَإِنَّهُ فتحهَا وطهرها من الرَّفْض وَتلك المقالات الردية واليمن ودمشق وحمص وحماه والمعرة وَكفر طَابَ وبارين ومنبج وعزاز وحلب والموصل وسنجار والرقة وجعبر والرحبة والخابور ونصيبين والرها وميافارقين وسروج والكرك والشوبك والقدس وغزة وعسقلان والرملة وطبرية وكوكب وصفد وَالطور وعكا وصيدا وبيروت ونابلس والداروم وحيفا وقيسارية وصفورية والناصرة وتبنين وهونين وجبيل وحصن الأكراد وأنطرسوس واللاذقية وصهيون وبلاطنس وشغر وبكاس وبرزيه وبغراس ودرب ساك وأنطاكية وحارم وخلاط
وَقَالَ وجيه الدّين بن المظفر مَنْصُور بن سليم فِي تَارِيخ إسكندرية وَبعث صَلَاح الدّين ابْن أَخِيه تَقِيّ الدّين إِلَى الْمغرب فَفتح طرابلس وَقَابِس وَأكْثر بِلَاد أفريقية وَبعث شمس الدولة إِلَى الْيمن فَفتح زبيد وَعدم وتعز والجند انْتهى
وَأما أوقافه وَإِن كَانَت غير مَشْهُورَة فَمِنْهَا الْمدرسَة الْمُجَاورَة لضريح الإِمَام الشَّافِعِي رضي الله عنه والمدرسة الَّتِي بجوار مشْهد الْحُسَيْن بن عَليّ رضي الله عنهما بِالْقَاهِرَةِ وَدَار سعيد السعدا خَادِم المصريين وَقفهَا خانقاه وَدَار عَبَّاس والعادل بن سلار مدرسة للحنفية وَهِي السيوفية ومدرسة زين التُّجَّار بِمصْر وَبنى بِالْقَاهِرَةِ دَاخل الْقصر
بييمارستانا وَله بالقدس مدرسة وَله بِمصْر مدرسة للمالكية ووقف بقرية حطين خانقاه ووقف على الغزالية بالجامع الْأمَوِي بِدِمَشْق ومدرسة بِجَانِب البيمارستان النوري بِدِمَشْق تعرف بالصلاحية وَلَا وقف لَهَا وَله بِدِمَشْق مدرسة للمالكية وَهُوَ الَّذِي عمر قلعة الْجَبَل بالديار المصرية وَهُوَ الَّذِي أدَار السُّور على الْقَاهِرَة وَوَصله بِمصْر بتولي بهاء الدّين قراقوش وَقيل إِنَّه أول مَا ولي الوزارة بِمصْر للعاضد جلس فِي الدَّار الَّتِي هِيَ الْآن خانقاه بيبرس المظفر
وَكتب القَاضِي الْفَاضِل رحمه الله مرسوما بِإِسْقَاط مكوس مصر والقاهرة عَن السُّلْطَان صَلَاح الدّين قدس الله روحه وَجُمْلَة ذَلِك فِي كل سنة مائَة ألف دِينَار تَفْصِيل ذَلِك مكس البهار وعمالته ثَلَاثَة وَثَلَاثُونَ ألفا وَثَلَاث مائَة وَأَرْبَعَة وَسِتُّونَ دِينَارا مكس البضائع والقوافل وعمالتها تِسْعَة آلَاف وَثَلَاث مائَة وَخَمْسُونَ دِينَارا منفلت الصِّنَاعَة عَن عكس الْبَز الْوَارِد إِلَيْهَا والنحاس والقصدير والمرجان والمفاضلات خَمْسَة آلَاف وَمِائَة وَثَلَاثَة وَتسْعُونَ دِينَارا الصَّادِر عَن الصِّنَاعَة بِمصْر سِتَّة آلَاف وست مائَة وَسِتَّة وَسِتُّونَ دِينَارا سمسرة التَّمْر ثَلَاثَة مائَة دِينَار الفندق بالمنية عَن عكس البضائع ثَمَان مائَة وَسِتَّة وَخَمْسُونَ دِينَارا رسوم دَار القند ثَلَاثَة آلَاف وَمِائَة وَثَمَانِية دَنَانِير رسوم الْملح والخشب الطَّوِيل سِتّ مائَة وَسِتَّة وَسَبْعُونَ دِينَارا رسوم الْقلب المنسوبة إِلَى بلبيس والبوري الْمَنْسُوب إِلَى قاقوس مائَة دِينَار رسوم التفتيش بالصناعة عَن البهار وَغَيره مِائَتَان وَسَبْعَة عشر دِينَارا ختمة ارمنت عَن الْوَارِد إِلَيْهَا سَبْعَة وَسِتُّونَ دِينَارا فندق الْقطن ألفا دِينَارا سوق الْغنم بِالْقَاهِرَةِ وبمصر والسمسرة وعبور الأغنام بالجيزة ثَلَاثَة آلَاف وَثَلَاث مائَة وَأحد عشر دِينَارا عبور الأغنام والكتان والأبقار بِبَاب القنطرة ألف وَمِائَتَا دِينَار وَاجِب مَا يرد من الْكَتَّان الْحَطب إِلَى الصِّنَاعَة مِائَتَا دِينَار رسوم وَاجِب الغلات كالحبوب الْوَارِدَة إِلَى الصِّنَاعَة والمقس والمنية والجسر والتبانين ومقالب جَزِيرَة الذَّهَب وطموه وبر الدوح سِتَّة آلَاف دِينَار مكس مَا يرد إِلَى الصِّنَاعَة من الأغنام سِتَّة وَثَلَاثُونَ دِينَارا الأغنام البيتوتية اثْنَا عشر دِينَارا الْعَرَصَة والسرسناوي بالجيزة ومكس الأغنام مائَة وَتسْعُونَ دِينَارا منفلت الفيوم عَمَّا يرد من الْكَتَّان من الْقبْلَة من البضائع الْوَارِدَة من الفيوم وَغَيره أَرْبَعَة آلَاف دِينَار وَمِائَة وَسِتُّونَ دِينَارا مكس الْوَرق المجلوب إِلَى الصِّنَاعَة ورسم التفتيش مِائَتَا دِينَار الْجَفْنَة بساحل الْغلَّة والأقوات والرسائل سبع مائَة وَثَمَانِية وَسِتُّونَ دِينَار فَلت العريف بالصناعة الصادرة مِائَتَا دِينَار دَار
التفاح وَالرّطب بِمصْر والعرصة بِالْقَاهِرَةِ ألف وَسبع مائَة دِينَار ابْن المليجي مِائَتَا دِينَار دَار الْجُبْن ألف دِينَار مشارفة الجزارين مِائَتَان وَأَرْبَعُونَ دِينَارا وَاجِب الْحلِيّ الْوَارِد من الْوَجْه البحري والقطن ألف وَعِشْرُونَ دِينَارا رسم سمسرة الصَّفَا ألف وَمِائَتَا دِينَار منفلت الصَّعِيد مائَة وَأحد وَسِتُّونَ دِينَارا خَاتم الشّرْب والدبيقي ألف وَخمْس مائَة دِينَار مكس الصُّوف مِائَتَا دِينَار نصف الموردة بساحل المقس أَرْبَعَة عشر دِينَار دكة السمسار ثَلَاث مائَة وَخَمْسُونَ دِينَارا منفلت التَّعْرِيف بالصناعة وَجُمْلَة البهار والبضائع مِائَتَان وَسِتَّة عشر دِينَارا الحلفاء الْوَارِدَة من الْقبْلَة مائَة وَخَمْسَة وَثَلَاثُونَ دِينَارا الوتد والشرقية والطعم بدار التفاح ومنفلت الْقبْلَة بالجسر والتبانين خَمْسَة وَثَلَاثُونَ دِينَارا رسوم الصَّفَا والحمراء ورسوم دَار الْكَتَّان سِتُّونَ دِينَارا حماية الغلات بالمقس وَدَار الْجُبْن مائَة وَأَرْبَعُونَ دِينَار الحلفاء الْوَارِدَة على الجسر ومعدية المقياس مائَة دِينَار خمس البرنية بالجيزة عشرُون دِينَارا تل التَّعْرِيف بالصناعة ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ دِينَارا منفلت الغلات بمعدية جَزِيرَة الذَّهَب عشرَة دَنَانِير رسوم الْحمام بساحل الْغلَّة خمس مائَة وَأَرْبَعَة وَثَلَاثُونَ دِينَارا وَاجِب الْحِنَّاء الْوَارِد فِي الْبر ثَمَان مائَة دِينَار وَاجِب الحلفاء والقضاب ثَلَاثَة وَسِتُّونَ دِينَارا مكس مَا يرد من البضائع إِلَى الْمنية مائَة وَأَرْبَعَة وَثَمَانُونَ دِينَارا مسلخة شطنوف البرانية مِائَتَا دِينَار سوق السكريين خَمْسُونَ دِينَارا رسوم سمة الْجمل بالشارع وسوق وردان تِسْعَة عشر دِينَارا وَاجِب الفحم الْوَارِد إِلَى الْقَاهِرَة عشرَة دَنَانِير معدية الجسر بالجيزة مائَة وَعشْرين دِينَارا سمة البقري أَرْبَعُونَ دِينَارا السمة بدار الدّباغ تِسْعَة عشر دِينَارا سمسرة الجبس الجيوشي ثَلَاث مائَة وَاثنا عشر دِينَارا وَكَانَ الدّهن ومعصرة الشيرج والخل الحامض بِالْقَاهِرَةِ خمس مائَة دِينَار الْخلّ الحامض وَمَا مَعَه أَرْبَعمِائَة وَخمْس دَنَانِير بيُوت الْغَزل والمصطبة ثَلَاث مائَة وَخَمْسُونَ دِينَارا وذبائح الدّلَالَة ثَلَاث مائَة دِينَار سمسرة الْكَتَّان ثَلَاث مائَة دِينَار رسوم حماية الصناعيين أَربع مائَة دِينَار مربعة الْعَسَل مِائَتَان وَاثْنَانِ وَثَلَاثُونَ دِينَارا معادي جَزِيرَة الذَّهَب وَغَيرهَا ثَلَاث مائَة دِينَار خَاتم الشمع بِالْقَاهِرَةِ ثَلَاث مائَة وَسِتُّونَ دِينَارا زريبة الذَّبِيحَة سبع مائَة دِينَار معديتا المقياس وانبابة مِائَتَا دِينَار حَملَة السلجم ثَلَاث مائَة وَثَلَاثُونَ دِينَارا مكس دكة الدّباغ ثَمَان مائَة دِينَار سوق الرَّقِيق خمس مائَة دِينَار معمل الطَّبَرِيّ مِائَتَان وَأَرْبَعُونَ دِينَارا سوق منبوبة ثَمَانمِائَة وَأَرْبَعَة وَسِتُّونَ دِينَارا ذَبَائِح الضَّأْن بالجيزة ورسوم سَاحل الصنط عشرَة دَنَانِير نخ السّمك خَمْسَة دَنَانِير تنور الشوي مِائَتَا دِينَار نصف الرطل من مطابخ السكر مائَة وَخَمْسَة وَثَلَاثُونَ دِينَارا خَاتم الْحلِيّ مائَة وَعِشْرُونَ دِينَارا سوق الدَّوَابّ بِالْقَاهِرَةِ ومصر أَربع مائَة دِينَار سوق الْجمال مِائَتَان وَخَمْسُونَ دِينَارا قبان الجناء ثَلَاثُونَ دِينَارا وَاجِب طاقات الْأدم سِتَّة وَثَلَاثُونَ دِينَارا منفلت الخام بالشاشيين ثَلَاثَة
وَثَلَاثُونَ دِينَارا أنولة الْقصار والجير أَرْبَعُونَ دِينَارا أعوان المراكب المنشأة وَالْخضر والحلفا سِتَّة وَثَلَاثُونَ دِينَارا بيُوت الْفروج ثَلَاثُونَ دِينَارا الشّعْر والطارات أَرْبَعَة دَنَانِير رسوم الصَّبْغ وَالْحَرِير ثَلَاث مائَة وَأَرْبَعَة وَثَلَاثُونَ دِينَارا وزن الطِّفْل مائَة وَأَرْبَعُونَ دِينَار معمل المزر أَرْبَعَة وَثَمَانُونَ دِينَارا الفاخوريات بِالْقَاهِرَةِ ومصر مِائَتَا وَسِتَّة وَثَلَاثُونَ دِينَارا
وَقَالَ أَبُو شامة فِي الروضتين نقلا عَن ابْن أبي طي إِن الَّذِي أسْقطه صَلَاح الدّين وَإِن الَّذِي سامح بِهِ لعدة سِنِين مُتَقَدّمَة آخرهَا سنة أَربع وَسِتِّينَ خمس مائَة مبلغه نَيف عَن ألف ألف دِينَار وَألْفي ألف إِرْدَب سامح بذلك وأبطله من الدَّوَاوِين وأسقطه من المعاملين
وَمن كرمه قدس الله روحه أَنه كَانَ يهب الْبِلَاد فضلا عَن الْأَمْوَال وجاد بآمد على ابْن قرا رسْلَان وَكَانَ يُعْطي فِي وَقت الضائقة كَمَا يُعْطي فِي وَقت السعَة وحضره وُفُود بَيت الْمُقَدّس وَلم يكن فِي خزائنه مَا يعطيهم فَبَاعَ قَرْيَة من قرى بَيت المَال وَقضى الثّمن عَلَيْهِم وَكَانَ نواب خزائنه يخفون عَنهُ كثيرا من المَال خوفًا أَن يفرقه وَقَالَ مرّة يُمكن أَن يكون فِي النَّاس من ينظر إِلَى المَال كمن ينظر إِلَى التُّرَاب وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بذلك نَفسه وَلم يقل يَوْمًا أعطينا فلَانا وَلَا زِدْنَا فلَانا وَحصر مَا وهبه بمزج عكا لَا غير من الْخَيل فَكَانَ عشر ة آلَاف فرس وَمن شجاعته أَنه رابط الْعَدو الْمدَّة المديدة بِجمع يتضاعف عَلَيْهِ عدد أعدائه واكن يشارف بِنَفسِهِ تعبئة الصُّفُوف ويخترق العساكر ميمنة وميسرة وَمَعَهُ غُلَام وَاحِد لَا غير وَمَعَهُ جنيب لَهُ وَقُرِئَ عَلَيْهِ جُزْء وَحَدِيث بَين الصفين وَقَالَ فِي نَفسِي أَنه مَتى يسر الله لي فتح بَقِيَّة السَّاحِل قسمت الْبِلَاد وأوصيت وودعت وَركبت الْبَحْر إِلَى جزائره أتتبع الْكفَّار فِيهَا حَتَّى لَا أبقى على وَجه الأر ض من يكفر بِاللَّه أَو أَمُوت
وَقيل إِنَّه كَانَ بحماه فَكتب إِلَى أَخِيه الْعَادِل // (من الطَّوِيل) =
(وَلما جرى العَاصِي وطيع أدمعي
…
لبعدك قَالَ النَّاس أَيهمَا النَّهر)
وَكَانَ الْفَاضِل حَاضرا فَقَالَ // (من الطَّوِيل) =
(وَلما بدا وَجه ابْن أَيُّوب مشرقا
…
مَعَ الْبَدْر قَالَ النَّاس أَيهمَا الْبَدْر)
ومدحه رَحمَه الله تَعَالَى شعراء عصره وَمن أحسن مَا مدح بِهِ قصيدة ابْن سناء الْملك لما فتح حلب وَهِي من أحسن شعره أَيْضا // (من الْبَسِيط) =
(بدولة التّرْك عزت مِلَّة الْعَرَب
…
وبابن أَيُّوب ذلت شيعَة الصلب)
(وَفِي زمَان ابْن أَيُّوب غَدَتْ حلب
…
من أَرض مصر وعادت مصر من حلب)
(وَلابْن أَيُّوب دَانَتْ كل مملكة
…
بالصفح وَالصُّلْح أَو بِالْحَرْبِ وَالْحَرب)
(مظفر النَّصْر مَبْعُوث بهمته
…
إِلَى العزائم مَدْلُول على الغلب)
(والدهر بِالْقدرِ المحتوم يَخْدمه
…
وَالْأَرْض بالخلق والأفلاك بِالشُّهُبِ)
(ويجتلي الْخلق من راياته أبدا
…
مبيضة النَّصْر من مصفرة العذب)
(إِن العواصم كَانَت أَي عَاصِمَة
…
معصومة بتعاليها عَن الرتب)
(مَا دَار قطّ عَلَيْهَا دور دَائِرَة
…
كلا وَلَا واصلتها نوبَة النوب)
(لَو رامها الدَّهْر لم يظفر ببغيته
…
وَلَو رَمَاهَا بقوس الْأُفق لم يصب)
(وَلَو أَتَى أَسد الأبراج منتصرا
…
خارت قوائمه عَنْهَا وَلم يثب)
(جليسه النَّجْم فِي أَعلَى مَنَازِله
…
وطالما غَابَ عَنْهَا وَهِي لم تغب)
(تلقى إِذا عطشت والبرق أرشية
…
كواكب الدَّلْو فِي بِئْر من السحب)
(كل القلاع تروم السحب فِي صعد
…
إِلَّا العواصم تبغي السحب فِي صبب)
(حَتَّى أَتَى من منال النَّجْم مطلبه
…
يَا طَالب النَّجْم قد أوغلت فِي الطّلب)
(من لَو أَبى الْفلك الدوار طَاعَته
…
لصير الرَّأْس مِنْهُ مَوضِع الذَّنب)
(أَتَى إِلَيْهَا يَقُود الْبَحْر ملتطما
…
وَالْبيض كالموج والبيضات كالحبب)
(تبدو الفوارس فِيهَا فِي سوابغها
…
بَين النقيضين من مَاء وَمن هَب)
(مستلئمين وَلَوْلَا أَنهم حفظوا
…
عوائد الْحَرْب لاستغنوا عَن اليلب)
(جمَالهمْ فِي مغازيهم إِذا قَفَلُوا
…
حمالَة السَّبي لَا حمالَة الْحَطب)
(فَطَافَ مِنْهَا بِرُكْن لَا يقبله
…
إِلَّا أسنة أَطْرَاف القنا السَّلب)
(وَحل من حولهَا الْأَقْصَى على فلك
…
وَدَار من برجها الْأَعْلَى على قطب)
(ومانعته كمعشوق تمتعه
…
أشهى من الشهد أَو أحلى من الضَّرْب)
(فَمر عَنْهَا بِلَا غيظ وَلَا حنق
…
وَسَار عَنْهَا بِلَا حقد وَلَا غضب)
(تطوي الْبِلَاد وأهليها كتائبه
…
طيا كَمَا طوت الْكتاب للكتب)
(وافى الْفُرَات فَألْقى فِيهِ ذَا لجب
…
يظل يهزأ من تياره اللجب)
(رمت بِهِ الجرد فِي التيار أَنْفسهَا
…
فعومها فِيهِ كالتقريب والخبب)
(لم ترض بالسفن أَن تَغْدُو حواملها
…
فعزها لَيْسَ يُرْضِي ذلة الْخشب)
(وَكَانَ علمهَا قطع الْفُرَات بِهِ
…
تعلم العوم فِي بَحر الدَّم السرب)
(وجاوزته وَأبقى من فواقعه
…
درا ترصع فَوق الْعرف واللبب)
(إِلَى بِلَاد أجابت قبل أَن دعيت
…
للخاطبين وَلَوْلَا الْخَوْف لم تجب)
(لَو لم تجب يوسفا من قبل دَعوته
…
لعاد عامرها كالجوسق الخرب)
(خَافت وَخَافَ وفر المالكون لَهَا
…
فالمدن فِي رهب وَالْقَوْم فِي حَرْب)
(ثمَّ استجابت فَلَا حصن بممتنع
…
مِنْهَا عَلَيْهِ وَلَا ملك بمحتجب)
(وَأَصْبحُوا مِنْهُ فِي هم وصبحهم
…
وهم سكارى بكأس اللَّهْو والطرب)
(تفرغوا لنعيم الْعَيْش وَاشْتَغلُوا
…
عَن الثغور بلثم الثغر والشنب)
(أَرض الجزيرة لم تظفر ممالكها
…
بِمَالك فطن أَو سائس درب)
(ممالك لم يدبرها مدبرها
…
إِلَّا بِرَأْس خصي أَو بعقل صبي)
(حَتَّى أَتَاهَا صَلَاح الدّين فانصلحت
…
من الْفساد كَمَا صحت من الوصب)
(وَاسْتعْمل الْجد فها غير مكترث
…
بالجد حَتَّى كَأَن الْجد كاللعب)
(وَقد حواها وَأعْطى بَعْضهَا هبة
…
فَهُوَ الَّذِي يهب الدُّنْيَا وَلم يهب)
(يُعْطي الَّذِي أخذت مِنْهُ ممالكه
…
وَقد يمن على المسلوب بالسلب)
(ويمنح المدن فِي الجدوى لسائله
…
كَمَا ترفع فِي الجدوى عَن الذَّهَب)
(ومذ رَأَتْ صده عَن ربعهَا حلب
…
وَوَصله لبلاد حلوة الْحَلب)
(غارت عَلَيْهِ ومدت كف مفتقر
…
مِنْهَا إِلَيْهِ وأبدت وَجه مكتئب)
(واستعطفته فوافتها عواطفه
…
وأكتب الصُّلْح إِذْ نادته عَن كثب)
(وَحل مِنْهَا بأفق غير منخفض
…
للصاعدين وبرج غير مُنْقَلب)
(فتح الْفتُوح بِلَا مين وَصَاحبه
…
ملك الْمُلُوك ومولاها بِلَا كذب)
(ومعجز كم أَتَانَا مِنْهُ مشبهه
…
فَصَارَ لَا عجبا من فَضله الْعجب)
(تهن بِالْفَتْح يَا أولى الْأَنَام بِهِ
…
فالفتح إرثك عَن آبَائِك النجب)
(فافخر ففتحك ذَا فَخر لمفتخر
…
ذخر لمدخر كسب لمكتسب)
(بك العواصم ذَابَتْ بَعْدَمَا خبثت
…
بمالكيها وَلَوْلَا أَنْت لم تطب)
(فليت كل صباح ذَر شارقه
…
فدَاء ليل فَتى الفتيان فِي حلب)
(إِنِّي أحب بلادا أَنْت ساكنها
…
وساكنيها وَلَيْسوا من ذَوي نسب)
(إِلَّا لِأَنَّك قد أَصبَحت مَالِكهَا
…
دون الْأَنَام وَهل حب بِلَا سَبَب)
(فجود كفك ذخري فِي يَدي ويدي
…
وَحب بَيْتك إِرْث عَن أبي وَأبي)
(ألهى مديحك شعري عَن تغزله
…
فجَاء مقتضبا فِي إِثْر مقتضب)
(فَلم أقل فِيهِ لَا إِن الصبابة لي
…
يَوْم الرحيل وَلَا إِن المليحة بِي)
ورثاه لما مَاتَ رحمه الله جمَاعَة مِنْهُم ابْن الساعاتي كتبهَا للْملك الْعَزِيز عُثْمَان بن صَلَاح الدّين يَقُول لَهُ // (من الطَّوِيل) //
(لَئِن كَانَ ليل الْحزن عَمت غياهبه
…
فقد نَاب عَن بدر التَّمام كواكبه)
(وَإِن كَانَ لَيْث الغاب أخلى عرينه
…
وَغَابَ فَهَذَا شبله وكتائبه)
(لَهُ لبد ماذيه ورماحه
…
وبيض ظباه غابه ومخالبه)
(وَإِن فَارق الغمد الْمحلى حسامه
…
فَهَذَا حسام لَا تفل مضاربه)
(وَإِن أفقر الْفسْطَاط مِنْهُ فَإِنَّهُ
…
مَنَازِله مأهولة وملاعبه)
(أَقَامَ عماد الدّين رفع بنائِهِ
…
فَمَا ضل مسعاه وَلَا ذل جَانِبه)
(يرد الْعُيُون الشوس عَنهُ كليلة
…
من الْحق نور لَيْسَ يعدوه لازبه)
(كَأَن شُعَاع الشَّمْس يلقاك دونه
…
وَلم تَرَ ملكا حَاجِب الشَّمْس حَاجِبه)
(وَلَا بُد من شكوى إِلَى الدَّهْر مَحْضَة
…
وَإِن خَابَ من يشكوه أَو من يعاتبه)
(هوى جبل الدّين الحنيف وزعزعت
…
برِيح المنايا العاصفات مناكبه)
(وأغمد سيف الله من كل مارق
…
وسيمت وَكَانَت مُحرمَات قواضبه)
(وَمَا ابتسم الْبَرْق السماوي بعده
…
وَلكنه خلت عَلَيْهِ ذوائبه)
(وَمَا كَانَ عقد المزن إِلَّا منظما
…
وَلَكِن لنار اللوعة انهل ذائبه)
(وَمَا اهتز عطف الدَّهْر إِلَّا كآبة
…
غَدَاة ثوى عَنهُ أَخُوهُ وَصَاحبه)
(لمن تلبس الأطواق ورق خواطب
…
وَقد طويت عَن كل أَرض سحائبه)
(حدتني المنايا أَن أقوم أَمَامه
…
يخاطبني إحسانه وأخاطبه)
(لَو أَن جهادا مفصحا عَن شجونه
…
شجاك من الْبَيْت الْمُقَدّس نادبه)
(لقد أظلمت أبراجه بعد شمسه
…
نعم وانحنت حزنا عَلَيْهِ محاربه)
(عجبت لناعيه تخب جياده
…
وتنجو على طي الموامي ركائبه)
(وينطق فِي النادي فصيحا لِسَانه
…
وَقد رجعت عَنهُ خلاء حقائبه)
(وَمَا زلت للإشفاق إِذْ أستعيده
…
أغالطه عَن قَوْله وأجاذبه)
(وأستفسر الْأَلْفَاظ وَهِي تسوؤني
…
رَجَاء حَدِيث يخلف الظَّن كاذبه)
(لَعَلَّ مقَالا آخرا مثل أول
…
تغذبه فرسانه ونجائبه)
(أخادع دمعي راجيا وأكفه
…
بهدب جفوني جَارِيا وأغالبه)
(تذكر نعمى سافرات وجوهها
…
إِلَيّ وجود باسمات مواهبه)
(فَلَمَّا بدا من تَحت من فِي ضريحه
…
وجمت وقلبي بالوجيب يجاوبه)
(ظللت كَأَن السَّيْف غنى ذبابه
…
وَقدر قصت أحشاؤه وترائبه)
(وَمَا هُوَ إِلَّا الْبَين زمت ركابه
…
وطارت بِهِ فِي الْخَافِقين نواعبه)
(وَمَا اللَّيْل فِي الْآفَاق إِلَّا حداده
…
وَمَا هَذِه الْأَيَّام إِلَّا أشايبه)
(تمادت لَدَيْهِ راجفات رماحه
…
وناحت عَلَيْهِ صاهلات سلاهبه)
(وَشقت جُيُوب الْفضل وجدا وأصبحت
…
أرامل مِنْهُ عينه وكواعبه)
(ونامت عُيُون الرعف بعد سهادها
…
فَمَا راعها من وابل النبل خاضبه)
(كَأَن غديرا سر كل مفاضة
…
تجعد وَهنا بالنسيم جوانبه)
(فَللَّه يَوْمًا أسمع الصم خطبه
…
وَأفهم حَتَّى أفحم الْخلق خاطبه)
(وَمَا خلت أَن الشَّمْس تكسفها يَد
…
وَلَا أَن نجم الْأُفق يخفيه طَالبه)
(خبا بعد مَا عَم الفضاء شهابه
…
وَنور حَتَّى ظلمَة الظُّلم ثاقبه)
(وَلم يَك فِينَا يُوسُف غير يُوسُف
…
لكف زمَان موبقات مساغبه)
(وَقد كَانَ لَا يعْصى وَإِن شقّ أمره
…
مضاء وَلَا تحصى ثَنَاء مناقبه)
(فكم أجل ناء قَضَاهُ حسامه
…
ورق كريم جود كفيه واهبه)
(وجيش حشاه السمهرية والظبا
…
فخطيه تردي الْأسود ثعالبه)
(لقد جلّ قدر الْمَوْت بعد خموله
…
فَكل منيع باذخ فَهُوَ غاصبه)
(أبعد ابْن أَيُّوب يصاغ مديحه
…
وحاشاك أَو عَيْش تساغ مشاربه)
(كَأَن لم يعده عَن كماة عداته
…
وَقد دميت أنيابه ونوائبه)
(وَلَا سَار سير العَبْد تَحت ركابه
…
إِلَى كل ذِي ملك تدب عقاربه)
(عجبت لَهُ لم تغنه سطواته
…
وَلم تثنه آراؤه وتجاربه)
(ويغتاله الْمِقْدَار لَا هُوَ دَافع
…
بوادره عَنهُ وَلَا ذَاك هائبه)
(وَكَيف أَطَاعَته عوائد جَهله
…
إِلَى أَن تخطى سَيْفه وَهُوَ نَائِبه)
(لَهَا لذ طعم الشكل من كل هَالك
…
فَمَا شَاءَ فلتجلب عَلَيْهِ مصائبه)
(فيا مَالك الْأَمْلَاك صبرا وعزمة
…
فبالصبر يدنو من رجائك عازبه)
(تنبه لَهَا عظمى وَلست بهاجع
…
فَإِن جواد الحزم مَا أَنْت رَاكِبه)
(وَمن كَانَ فِي الْمَسْعَى أَبوهُ دَلِيله
…
تدانت لَهُ أَسبَابه وسباسبه)
(فَرب ملم فادح جلّ أمره
…
فَسَاءَتْ مباديه وسرت عواقبه)
(أيسلب خير النَّاس حَيا وَمَيتًا
…
وينجو سليما من سيوفك سالبه)
(وَكَيف تقر الْهَام فِي سكناتها
…
وَهَذَا سَنَام الْمجد قد جب غاربه)
(ثوى بَين أكتاف الشَّام وأصبحت
…
مشارقه مهجورة ومغاربه)
(لقد قر زلزال الفرنجة بعده
…
ونامت عُيُون كن قبل تراقبه)
(وَقد كَانَت الأَرْض البسيطة دَاره
…
وأملاكها عيدانه ومقانبه)
(كَأَن لم يحل جنح الدجى بعجاجه
…
وَلم يحل يَوْمًا كاسف اللَّوْن شاحبه)
(وَلم تشك عين الشَّمْس من هبواته
…
وَقد خَفَقت راياته ومناكبه)
(وَلَا جر فِي أرجائها ذيل جَيْشه
…
وَمن فَوق تيجان الْمُلُوك مساحبه)
(لدان لَهُ من كل مصر شريفه
…
وذل بِهِ من كل حَيّ مصاعبه)
(وهام إِلَى أَعْلَامه كل معقل
…
كَمَا هام وجدا بالمحب حبائبه)
(وَلَو لم يشب للهول صفح حسامه
…
لما غازل الأجفان وَالدَّم خاضبه)
(هُوَ الْبَحْر حدث عَنهُ غير مكذب
…
فَمَا تَنْقَضِي آيَاته وعجائبه)
(وَلم يَك فِي أَوْصَافه مَا يعِيبهُ
…
سوى أَنه خلق إِذا جد عائبه)
(فدام لهَذَا الْملك مِنْك عزيزه
…
فَغير أَبِيك النَّاصِر الْملك غائبه)
(فَلَيْسَ الورى إِلَّا مُطيعًا تثيبه
…
بِحسن بلَاء أَو عصيا تواثبه)
(وعهدك هامات الأعادي طروسه
…
وناقطة الخطي وَالسيف كَاتبه)
62 -
الْبَغْدَادِيّ يُوسُف بن أبي بكر بن أبي الْحسن الأدمِيّ الْبَغْدَادِيّ من أهل السمعية قَالَ ابْن النجار ذكر لنا أَنه سمع من أبي الْوَقْت الصُّوفِي وَأَنه كَانَ يحفظ من كتاب الإفصاح فِي شرح الْأَحَادِيث الصِّحَاح لِابْنِ هُبَيْرَة شَيْئا ويقرؤه على ابْن هُبَيْرَة وَقَرَأَ علينا شَيْئا من ذَلِك من حفظه وَهُوَ فِي عشر الْمِائَة بِلِسَان ذلق وذهن حَاضر مولده سنة أَربع وَخمْس مائَة وَتُوفِّي فِي رَجَب سنة تسع وَثَلَاثِينَ وست مائَة
63 -
ضِيَاء الدّين خطيب بَيت الْأَبَّار يُوسُف بن أبي بكر القَاضِي ضِيَاء الدّين ابْن خطيب بَيت الْآبَار رَئِيس كَبِير وجواد مفضال وَصدر رحيب الباع فِي المكارم أخلاقه ترشف سلافا وطباعه تلين كالغصون انعطافا لم أر فِي عصري وَلَا عاصرت فِي عمري من لَهُ سيادته وَلَا فِيهِ مكارمه أعجب مَا رَأَيْت فِيهِ بعد الْمَرْوَة الزَّائِدَة والجود المفرط أَنه يُعَامل عدوه وَصديقه بمعاملة وَاحِدَة يملك نَفسه وَلَا يتأثر بحادثة تنزل بِهِ وشكله تَامّ وَلما توجه إِلَى مصر لم يجد الشاميون ملْجأ غَيره وَلَا كهفا يأوون إِلَيْهِ سواهُ وَكَانَ فِي ديوَان تنكز يُبَاشر وَله سيادة وداره مألف الضيفان ومأوى الْأَصْحَاب مَتى جَاءَ الْإِنْسَان إِلَى منزله وجد كل مَا يختاره إِن كَانَ هُوَ فِيهِ أَو لم يكن يجد جَمِيع مَا يَدعُوهُ إِلَى أَن يروح وَلما تولى القَاضِي جلال الدّين رحمه الله قَضَاء الْقُضَاة بِالشَّام ولاه نظر الصَّدقَات فضبطها وأجمل مباشرتها فَلَمَّا طلب القَاضِي إِلَى مصر وَتَوَلَّى قَضَاء الْقُضَاة بِالْقَاهِرَةِ طلبه من السُّلْطَان فرسم بإحضاره على الْبَرِيد فَتوجه إِلَيْهَا فِي سنة سبع وَعشْرين وَسبع مائَة وَولي نظر الصَّدقَات والأوقاف بِالْقَاهِرَةِ وساد فِي مصر وَرَأس فِي الْقَاهِرَة وأحبه المصريون لمكارمه وحلمه وولاه السُّلْطَان الْملك النَّاصِر مطابخ السكر وولاه نظر الأهراء مَعَ مَا بِيَدِهِ من القَاضِي جلال الدّين وَتَوَلَّى نظر البيمارستان المنصوري فسلك فِيهِ أحسن سلوك ورافق فِيهِ الْأَمِير جمال الدّين نَائِب الكرك وَبعده الْأَمِير علم الدّين الجاولي ثمَّ الْأَمِير بدر الدّين جنكلي ابْن البابا وَوَقع بَينهمَا وعزل مِنْهُ فِي الْأَيَّام الصالحية ثمَّ تولاه ثَانِيًا ورافق فِيهِ الْأَمِير سيف الدّين أرقطاي وَتَوَلَّى أَيَّام السُّلْطَان الْملك النَّاصِر حسبَة الْقَاهِرَة ومصر وَكَانَ قبلهَا محتسب الْقَاهِرَة مَعَ البيمارستان فَلَمَّا كَانَ الغلاء فِي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَسبع مائَة جمع لَهُ السُّلْطَان بَين الحسبتين وَلما خرج القَاضِي جلال الدّين من الْقَاهِرَة تعصب عَلَيْهِ النشو وَغَيره وَأخذُوا مِنْهُ الحسبتين وَنظر الْأَوْقَاف وَالصَّدقَات وأبقوا عَلَيْهِ البيمارستان فَلَمَّا كَانَ فِي أَيَّام الصَّالح ولاه نظر الدولة مَعَ نظر البيمارستان فباشر ذَلِك مديدة ثمَّ استعفى فأعفاه ثمَّ ولاه الجوالي مَعَ حسبَة الْقَاهِرَة والبيمارستان ثمَّ إِنَّه وَقع بَينه وَبَين الْأَمِير بدر الدّين جنكلي فعزل من الْجَمِيع فِي أَوَاخِر دولة الصَّالح وَلزِمَ بَيته فَلَمَّا كَانَ فِي أَيَّام الْكَامِل وخلع الْكَامِل تولى القَاضِي قَضَاء الدّين نظر البيمارستان والحسبة على عَادَته ثمَّ إِن عَلَاء الدّين ابْن الأطروش نازعه فِي وظائفه مَرَّات وتولاها ثمَّ أُعِيدَت إِلَيْهِ ثمَّ إِن الْأَمِير سيف الدّين صرغتمش اعْتمد عَلَيْهِ فِي الْأَوْقَاف بِمصْر وَالشَّام وَكَانَ يدْخل فِي كل قَلِيل إِلَى السُّلْطَان وَيخرج من عِنْده بتشريف وَزَاد عَظمَة ووجاهة وَبَالغ فِي إكرامه وتقديمه
على أَن النَّاس كلهم وَلما أمسك صرغتمش قبض عَلَيْهِ وعصر وَضرب وَأخذ مِنْهُ شَيْء قَلِيل ثمَّ رسم بتوجهه إِلَى قوص فَتوجه إِلَيْهَا وَأقَام بهَا سنة وَأكْثر ثمَّ رسم بعوده إِلَى الْقَاهِرَة وَأقَام فِي بَيته بطالا إِلَى أَن توفّي رحمه الله فِي ذِي الْحجَّة سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَسبع مائَة تغمده الله بِالرَّحْمَةِ والرضوان وَخرج لَهُ الشَّيْخ شهَاب الدّين الْمُحدث أَحْمد بن أيبك الدمياطي أَرْبَعِينَ حَدِيثا عَن أشياخه الَّذين سمع مِنْهُم صَغِيرا ونظم على أحاديثها ووسع الْعبارَة فِيهَا فَجَاءَت مجلدة جَيِّدَة وجودهَا وَحدث بهَا فِي دَاره بِالْقَاهِرَةِ وَسمعتهَا من لَفظه على القَاضِي ضِيَاء الدّين فِي جملَة من سمع وكتبت أَنا عَلَيْهَا
ووقفت على هَذَا التَّخْرِيج الَّذِي لَا يردهُ نَاظر وَلَا يدْفع أدلته مناظر وَلَا يَسْتَغْنِي عَنهُ مذاكر وَلَا محَاضِر وَلَا يشبه حسنه إِلَّا الرياض النواضر على أَنه لمْعَة من شهَاب وهمعة من سَحَاب وجرعة من شراب ودفعة من عباب لِأَن مخرجه شهَاب الدّين زين ليل الْعلم الداج وبحر أَلْفَاظه دُرَر وفوائده أمواج فَلَو عاصره ابْن عَسَاكِر لم يذاكر أَو الْخَطِيب لما كَانَ يطيب أَو ابْن الْجَوْزِيّ لانكسر قلبه وَذهب لبه أَو ابْن نقطة لغرق فِي بَحر وبله بقطره أَو الْحَاكِم لقضي لَهُ بالتفضيل وَلم ينظر فِي جرح وَلَا تَعْدِيل خرجه لمولى حمل البلدين وَرَئِيس يوضع تَاج سيادته على مفرق الفرقدين // (من الوافر) //
(كريم سَاد بالإفصال حَتَّى
…
غَدا فِي مجده بَادِي السناء)
(لَهُ ذكر يطبق كل أَرض
…
فَيمْلَأ جوها طيب الثَّنَاء)
(فَمَا تخفى علاهُ على بَصِير
…
وَإِن تخفى فذو حسد يرائي)
(وهبني قلت هَذَا الصُّبْح ليلٌ
…
أيعمى الْعَالمُونَ عَن الضياء)
فَلَا أعلم تخريجا أحسن مِنْهُ وَلَا جُزْءا غَيره كل الْفَوَائِد تُؤْخَذ عَنهُ جمع فِيهِ بَين الرِّوَايَة والدراية وَبلغ فِيهِ إِلَى غَايَة تدل على أَنه آيَة فَالله يشْكر سَعْيه ويتولى بِعَيْنِه رعيه بمنه وَكَرمه إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَلما كنت فِي الديار المصرية فِي سنة خمس وَأَرْبَعين وَسبع مائَة فِي أَيَّام السُّلْطَان الْملك الصَّالح إِسْمَاعِيل كتبت لَهُ توقيعا بِنَظَر الجوالي بِالْقَاهِرَةِ ومصر والوجهين قبليا وبحريا ونسخته
الْحَمد لله الَّذِي جمل أيامنا الزاهرة بضيائها وكمل دولتنا الْقَاهِرَة بمحاسن أوليائها وَجعل نعمنا الغامرة تكاثر الْغَمَام بالإبهاء وضوء ممالكنا العامرة بِمن يجمل النّظر فِيمَا يَتَوَلَّاهُ من نَوَاحِيهَا وأرجائها نحمده على نعمه الَّتِي لَا تزَال تجول وتجود وتروم اختصاصنا بالمزيد من كرمها وترود وتؤم حرمنا بأفضالها فتصول بنصول النَّصْر على الْأسود وَتسود
وَترد على حمانا الرحب فتجود بوافر إحسانها على أهل التهائم والنجود ونشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ شَهَادَة ترغم من الْكفَّار معاطسهم وتجذ بحدها منابت بهتانهم ومغارسهم وتحسم بحسامها أبطال باطلهم وفوراسهم وتهدم بِإِقَامَة منار الْإِسْلَام معابد ضلالهم وكنائسهم ونشهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله الَّذِي أعرض عَن مَتَاع الدُّنْيَا وَرغب فِيمَا أعده الله لَهُ فِي الْآخِرَة من الْمقَام الْمَحْمُود والدرجة الْعليا وشغل لِسَانه بِذكر الله تَعَالَى فِي الْيَقَظَة وَقَلبه فِي الرُّؤْيَا وَقَامَ فِي نصْرَة الْحق يسْعَى فَشكر الله لَهُ مقَاما وسعيا صلى الله عليه وسلم وعَلى آله وصبحه الَّذين سلكوا بهداه خير سَبِيل وفازوا لما اتَّبعُوهُ بالفخر الْمُعظم وَالْمجد الأثيل ونصروا الدّين الحنيف بطعن الأسمر المثقف وَضرب الْأَبْيَض الصَّقِيل وَعز جود مثلهم لما ضرب مثلهم فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل صَلَاة لَا يبلغ الْعدَد أمدها وَلَا ينفذ الزَّمن مددها مَا تَبَسم ثغر صباح عَن لعس ظلام وتنسم روض أَرض عَن نفس شيح أَو ريح خزام وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا إِلَى يَوْم الدّين وَبعد فَإِن المناصب تعلو بِمن يَلِي أمرهَا وتشرف على غَيرهَا بِمن يعظم النَّاس لأَجله قدرهَا وتفوق بِمن يطلع فِي ليَالِي التَّمام والكمال بدرها وتكبر بِمن إِذا تحدث فِيهَا أجْرى بالأموال والأمواه بحرها وتفخر بِمن إِذا تولى نظرها جمع نَفعهَا وَمنع ضرها وَنظر الجوالي من الْوَظَائِف الَّتِي فِي المناصب الدِّينِيَّة عدادها وَإِلَى الْقرب السّنيَّة معاجها ومعادها وَإِلَى الشَّرْع الشريف ميلها واستنادها وبسيفنا الَّذِي تجرده مهابتنا انتصارها واعتضادها لِأَنَّهُ اسْتِخْرَاج مَال قد تقرر شرعا وأخصب فِي الْحل مرعى ودر بالبركات ضرعا واتسع بِهِ الْإِسْلَام صَدرا لما ضَاقَ بالْكفْر ذرعا وقرت بِهِ عُيُون الدّين وَكَيف لَا تقر إِذا أخذت الْعُيُون من عدوها وَهُوَ لَا يَسْتَطِيع منعا لَا يدْخل الْحول على ذمِّي إِلَّا جَاءَ إِلَيْهِ من يطْلب الجالية وأحاط بِهِ الذل الَّذِي يَقُول مَعَه {مَا أغْنى عني ماليه} الحاقة 69 / 28 وتجددت لَهُ حَالَة حالكة وَحَال الْإِسْلَام حاليه على أَن أهل الذِّمَّة فِي الذلة مائقون وَتَمام مصيبتهم أَنهم يُعْطون {الْجِزْيَة عَن يَد وهم صاغرون} التَّوْبَة 29 وَكَانَ الْمجْلس العالي القضائي الضيائي أَبُو المحاسن يُوسُف مِمَّن جمل الدولة وأسعفته الْأَيَّام بمراده حَتَّى كَأَنَّهَا لَهُ من جملَة الخول وفخر زَمَانه بِوُجُود مثله وَشهد حَتَّى حساده بوفور فَضله وأجرى الله تَعَالَى نهر ذُريَّته فَكَانَ غير آسن وبهر حسن أَوْصَافه حَتَّى صدق من قَالَ إِن يُوسُف أَبُو المحاسن وَرفع الله خَبره فانتصب تمييزا وَمَضَت لَهُ مُدَّة فِي الشَّام والسعد يَقُول هَذَا فِي مصر يكون عَزِيزًا وخطب إِلَى الديار المصرية المحروسة فوردها وَحل بهَا فَحل الْأُمُور تَصرفا وعقدها وَولي المناصب الْعلية وباشر الْوَظَائِف السّنيَّة أحسن نظره فِي الْأَوْقَاف وأجرى أمورها على أجمل الْأَوْصَاف وَنظر فِي أَمْوَال الْأَيْتَام فنمى حاصلهم وربى وأجمل الْمُعَامَلَة لَهُم فَمَا انْتهى لَهُم سَبَب حَتَّى أتبع سَببا
وَتَوَلَّى نظر البيمارستان المنصوري فغمره بِحسن النّظر وعمره وَأثر فِيهِ بِنَاء تلألأ بالضياء شمسه وقمره وَزَاد أوقافه ريعا وملكا ونظم در تَدْبيره الْجَمِيل سلكا وباشر الْحِسْبَة الشَّرِيفَة فَكَانَت بمعارفه أليق وأشبه وَأصْبح قدرهَا بولايته أقبل وأنبه وروع أَصْحَاب الْغِشّ بمهابته وَمَا لكل محتسب عِنْد النَّاس حسبَة إِلَى غير ذَلِك من نظر الأهراء الَّتِي ملأها حبا وصب الله البركات فِيهَا بنيته الطاهرة صبا وَنظر دَار القنود الَّتِي حلت بحَديثه فِيهَا وتميز ارتفاعها جملا تعجز واصفيها هَذَا إِلَى صدر رحيب وَخلق مَا لَهُ مشاكل وَلَا ضريب وثناء هُوَ فِي الذّكر أَبُو الطّيب وَوجه إِلَى الْقُلُوب حبيب مَكَانَهُ كعبة قصاد ومنزل رواد ومنهل الوراد وحلبة جود سبق فِيهَا حاتما هَذَا الْجواد قد تورع عَن المناصب الدِّينِيَّة وَعرضت عَلَيْهِ أيامنا وَأَيَّام والدنا الشَّهِيد فَلم يكن لَهُ فِيهَا رَغْبَة وَلَا نِيَّة وندبناه لنظر دولتنا الشَّرِيفَة ورقيناه ذرى شرفاتها المنيفة فَجعل نُجُوم أموالها أهلة وأمطر سحائبها المستهلة وَأعْرض عَنْهَا فَمَا بَاشَرَهَا إِلَّا بحلة ولوى جيده عَنْهَا واستعفى ورنق الإهمال فِي ناظره حَتَّى أعفى فأجبنا قَصده وأعفيناه وَعلمنَا تورعه فآثرنا رَاحَته إِلَّا مِمَّا استثنيناه وخبأنا لَهُ عندنَا مَا يُنَاسب مُرَاده ويوافق اجْتِهَاده ويعاضد اعْتِمَاده علما بإعراضه عَن الْعرض الْأَدْنَى وزهده فِيمَا وزره يبْقى وحطامه يفنى فَلذَلِك رسم بِالْأَمر الشريف العالي المولوي السلطاني الملكي الصَّالِحِي الْعِمَادِيّ أَن يُفَوض إِلَيْهِ نظر الجوالي بِمصْر والقاهرة والمحروستين وَالْوَجْه القبلي وَالْوَجْه البحري مُضَافا إِلَى مَا بِيَدِهِ فليباشر مَا فوض إِلَيْهِ مُبَاشرَة عهِدت من حسن اعْتِمَاده وَشهِدت من وافر اجْتِهَاده وَهُوَ بِحَمْد الله غَنِي عَن الْوَصَايَا الَّتِي تُشِير إِلَيْهَا أنامل الأقلام وتخفق بهَا من قعقعة الطروس أَعْلَام فَمَا تعلم عوَانَة فِيهَا خمرة وَلَا تطلع فِي أفق هَذَا التوقيع نجما وَلَو شَاءَ هُوَ أطلع شمس الصَّوَاب وبدره وَلَكِن تقوى الله تَعَالَى ملاك الْوَصَايَا المهمة والأمور الَّتِي إِذا راعها الْإِنْسَان لم يكن أمره عَلَيْهِ غمَّة فليجعلها لعَينه نصبا ولقربه من الله تَعَالَى قربى وَالله تَعَالَى يديم صونه ويجدد فِي كل حَال عونه والخط الشريف أَعْلَاهُ الله تَعَالَى أَعْلَاهُ حجَّة فِي ثُبُوت الْعَمَل بِمَا اقْتَضَاهُ وَالله الْمُوفق بمنه وَكَرمه إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَقلت لما بلغتني وَفَاته بِالْقَاهِرَةِ رَحمَه الله تَعَالَى فِي ذِي الْحجَّة سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَسبع مائَة // (مجزوء الرمل) //
(مَا لنا فِي بؤس علس
…
عمنَا مِنْهُ الشَّقَاء)
(وعَلى الدُّنْيَا ظلام
…
إِثْر مَا مَاتَ الضياء)
64 -
صَاحب مراكش يُوسُف بن تاشفين بِالتَّاءِ ثَالِثَة الْحُرُوف وَألف ثمَّ شين مُعْجمَة وَفَاء وياء آخر الْحُرُوف وَنون السُّلْطَان أَبُو يَعْقُوب اللمتوني المغربي الْبَرْبَرِي الملقب بأمير الْمُسلمين وبأمير الملثمين وبأمير المرابطين وَالْأول هُوَ الَّذِي اسْتَقر كَانَ أحد مُلُوك الْبِلَاد دَانَتْ بِطَاعَتِهِ الْعباد واتسعت ممالكه وَطَالَ عمره وَقل أَن عمر أحد من مُلُوك الْمُسلمين وَالْإِسْلَام كَمَا عمر وَهُوَ الَّذِي بنى مَدِينَة مراكش وَهُوَ الَّذِي أَخذ الأندلس من الْمُعْتَمد بن عباد وواقعته مَعَه مَشْهُورَة وَهُوَ أول من تسمى بأمير الْمُسلمين وَكَانَ يحب الْعَفو والصفح وَفِيه عدل وَخير وَكَانَ معتدل الْقَامَة نحيفا خَفِيف العارضين دَقِيق الصَّوْت حازما سائسا يخْطب لبني الْعَبَّاس
كَانَ بر المغاربة الجنوبي لقبيلة تسمى زناتة برابر فَخرج عَلَيْهِم من جنوب الْمغرب من الْبِلَاد المتاخمة لبلاد السودَان الملثمون يقدمهم أَبُو بكر بن عمر مِنْهُم وَكَانَ رجلا ساذجا خير الطباع موثرا لبلاده على بِلَاد الْمغرب غير ميال إِلَى الرَّفَاهِيَة وَكَانَ وُلَاة الْمغرب من زناتة ضعفاء لم يقاوموا الملثمين فَأخذُوا الْبِلَاد من أَيْديهم من بَاب تلمسان إِلَى سَاحل الْبَحْر الْمُحِيط فَلَمَّا حصلت الْبِلَاد لأبي بكر بن عمر الْمَذْكُور سمع أَن عجوزا فِي بِلَاده ذهبت لَهَا نَاقَة فِي غَارة فَبَكَتْ وَقَالَت لقد ضيعنا أَبُو بكر بن عمر بِدُخُولِهِ إِلَى بِلَاد الْمغرب ف حمله ذَلِك على أَن اسْتخْلف يُوسُف بن تاشفين هَذَا وَرجع إِلَى بِلَاده الجنوبية فاستمر هُنَاكَ وساس النَّاس سياسة حَسَنَة واختط مراكش فِي سنة خمس وَسِتِّينَ وَأَرْبع مائَة وَكَانَ موضعهَا مكمنا للصوص ومراكش بلغَة المصامدة امش مسرعا أَو خوفًا من اللُّصُوص وَكَانَ ملكا لعجوز مصمودية
وَلما تمهدت لَهُ الْبِلَاد تاق إِلَى العبور إِلَى جَزِيرَة الأندلس وَكَانَت مُحصنَة بالبحر فَأَنْشَأَ الشواني والمراكب والمقاتلة فَلَمَّا علم مُلُوك الأندلس بذلك اسْتَعدوا لَهُ وكرهوا إلمامه بجزيرتهم لكِنهمْ كَرهُوا أَن يصبحوا بَين عدوين الفرنج من شماليهم والملثمون من جنوبيهم وَكَانَت الفرنج تشد الْوَطْأَة عَلَيْهِم وَأهل الأندلس ترهبهم بِإِظْهَار مُوالَاة يُوسُف بن تاشفين وَكَانَ لَهُ اسْم كَبِير لنقله دولة زناتة وَملك الْمغرب إِلَيْهِ فِي أسْرع وَقت وَكَانَ قد
ظهر لأبطال الملثمين فِي الحروب ضربات بِالسُّيُوفِ تقذ الْفَارِس وطعنات تنظم الكلى وَكَانَ لَهُ بذلك ناموس ورعب فراسل مُلُوك الأندلس بَعضهم بَعْضًا وفزعوا فِي ذَلِك إِلَى الْمُعْتَمد بن عباد لِأَنَّهُ أَشْجَع الْقَوْم وأكبرهم مملكة فَكتب عَنْهُم كتابا من أهل الأندلس وَهُوَ
أما بعد فَإنَّك إِن أَعرَضت عَنَّا نسبت إِلَى كرم وَلم تنْسب إِلَى عجز وَإِن أجبنا داعيك نسبنا إِلَى عقل وَلم ننسب إِلَى وَهن وَقد اخترنا لأنفسنا أجمل نسبتنا فاختر لنَفسك أكْرم نسبتك فَإنَّك بِالْمحل الَّذِي لَا يجب أَن تسبق فِيهِ إِلَى مكرمَة وَإِن فِي استبقائك ذَوي الْبيُوت من دوَام أَمرك وَثُبُوت ملكك وَالسَّلَام فَلَمَّا جَاءَهُ الْكتاب مَعَ تحف وهدايا وَكَانَ لَا يعرف بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيّ لكنه كَانَ يجيد فهم الْمَقَاصِد وَله كَاتب يعرف باللغة الْعَرَبيَّة والمرابطية فَقَالَ لَهُ أَيهَا الْأَمِير هَذَا الْكتاب من مُلُوك الأندلس يعظمونك فِيهِ ويعرفونك أَنهم أهل دعوتك وَتَحْت طَاعَتك ويلتمسون مِنْك أَنَّك لَا تجعلهم فِي منزلَة الأعادي فَإِنَّهُم مُسلمُونَ وَمن ذَوي الْبيُوت تُعِزَّهُمْ وتكفيهم من وَرَاءَهُمْ من الأعادي الْكفَّار وبلدهم ضيق لَا يحْتَمل العساكر فَأَعْرض عَنْهُم إِعْرَاض من أطاعك من أهل الْمغرب فَقَالَ ابْن تاشفين فَمَا ترى أَنْت فَقَالَ الْكَاتِب أَيهَا الْملك إِن تَاج الْملك وبهجته وَشَاهده الَّذِي لَا يرد بِأَنَّهُ خليق بِمَا حصل فِي يَده من الْملك أَن يعْفُو إِذا استعفي وَأَن يهب إِذا استوهب وَكلما وهب جزيلا كَانَ أعظم لقدره فَإِذا عظم قدره تأصل ملكه وَإِذا تأصل ملكه تشرف النَّاس بِطَاعَتِهِ وَإِذا كَانَت طَاعَته رفا جَاءَهُ النَّاس وَلم يتجشم الْمَشَقَّة إِلَيْهِم وَكَانَ وَارِث الْملك من غير إهلاكه لآخرته وَاعْلَم أَن بعض الْمُلُوك الأكابر والحكماء البصراء بطرِيق تَحْصِيل الْملك قَالَ من جاد سَاد وَمن سَاد قاد وَمن قاد ملك الْبِلَاد فَلَمَّا فهمه بلغته هَذَا الْكَلَام وَعلم أَنه صَحِيح قَالَ أجب الْقَوْم فَكتب
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم من يُوسُف بن تاشفين سَلام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته تَحِيَّة من سالمكم وَسلم إِلَيْكُم وَحكمه النَّصْر والتأييد فِيمَا حكم عَلَيْكُم فَإِن مَا بِأَيْدِيكُمْ من الْملك فِي أوسع باحة مخصوصون منا بأكرم إِيثَار وسماحة فاستديموا وفاءنا بوفائكم واستصلحوا إخاءنا بصلاح إخائكم وَالله ولي التَّوْفِيق لنا وَلكم وَالسَّلَام وقرأه عَلَيْهِ وفهمه ذَلِك بلغته فَاسْتَحْسَنَهُ وجهزه وَقرن بِهِ درقا لِمَطِيَّةٍ مِمَّا لم يكن إِلَّا فِي بِلَاده ولمطة بَلْدَة عِنْد السوس الْأَقْصَى بَينهَا وَبَين سجلماسة عشرُون يَوْمًا وَلما وصل ذَلِك إِلَيْهِم أحبوه وعظموه وفرحوا بِهِ وقويت نُفُوسهم على دفع الإفرنج ثمَّ إِن الأذفونش جاس خلال الأندلس واشتط على مُلُوكهمْ يطْلب الْبِلَاد مِنْهُم وخصوصا الْمُعْتَمد بن عباد فَلَمَّا رأى ابْن عباد طمع
الأذفونش فِيهِ استدعى أَمِير الْمُسلمين يُوسُف بن تاشفين وَقَالَ لِأَن ترعى أَوْلَادنَا جمال الملثمين أحب إِلَيْهِم من أَن يرعوا خنازير الفرنج وَكَانَ ابْن تاشفين على أتم أهبة فَعبر إِلَى الأندلس وَاجْتمعَ إِلَيْهِ مُلُوكهَا واستنفر الأذفونش جَمِيع الفرنج فَخَرجُوا فِي عد لَا يُعلمهُ إِلَّا الله تَعَالَى وَلم تزل الجموع تتزايد وتتواتر إِلَى أَن امْتَلَأت جَزِيرَة الأندلس خيلا ورجلا من الْفَرِيقَيْنِ وَأمر ابْن تاشفين بعبور الْجمال فَعبر مِنْهَا مَا أغص الجزيرة وارتفع رغاؤها إِلَى عنان السَّمَاء وَلم يكن أهل الجزيرة قد رَأَوْا جملا قطّ وَلَا رَأَتْ خيلهم صورها وَلَا سَمِعت أصواتها فَكَانَت تذْعَر مِنْهَا وتقلق وَكَانَ ابْن تاشفين يحدق عسكره بالجمال وَكَانَت خير الفرنج تحجم عَنْهَا ثمَّ ابْن تاشفين قدم بَين يَدي حربه كتابا على مُقْتَضى السّنة يعرض عَلَيْهِ الْإِسْلَام وَالدُّخُول فِيهِ أَو الْحَرْب أَو الْجِزْيَة فَأبى إِلَّا الْقِتَال فَاخْتَارَ ابْن عباد أَن يكون هُوَ المصادم أَولا فَفَعَلُوا ذَلِك وتلاقوا واستحر الْقَتْل فيهم فَلم يفلت من الفرنج غير الأذفونش من دون الثَّلَاثِينَ من أَصْحَابه فغنم الْمُسلمُونَ أثاثهم وخيلهم بِمَا مَلَأت أَيْديهم وَكَانَت الْوَقْعَة فِي الزلاقة خَامِس عشر شهر رَجَب سنة تسع وَسبعين وَأَرْبع مائَة وَقيل فِي الْعشْر الْأَوَاخِر من شهر رَمَضَان من السّنة الْمَذْكُورَة وَحكي أَن موقع المعركة على اتساعه مَا كَانَ فِيهِ مَوضِع قدم إِلَّا على جَسَد أَو دم وأقامت العساكر بالموضع أَرْبَعَة أَيَّام حَتَّى جمعت الْغَنَائِم فَلَمَّا لِأَن حصلت عف عَنْهَا ابْن تاشفين وآثر بهَا مُلُوك الأندلس وَقَالَ إِنَّمَا أَتَيْنَا للغزو لَا للنهب فَلَمَّا رأى ذَلِك مُلُوك الأندلس استكرموه وأحبوه وشكروا لَهُ فَلَمَّا فرغ ابْن تاشفين من الْحَرْب عزم على العودة إِلَى بِلَاده وَكَانَ عِنْد دُخُوله إِلَى الجزيرة تحرى الْمسير بالعراء من غير أَن يمر بِمَدِينَة أَو رستاق فَسَأَلَهُ ابْن عباد أَن يجوز إِلَى بَلَده وَينزل عِنْده فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِك فَلَمَّا انْتهى إِلَى إشبيلية مَدِينَة الْمُعْتَمد وَكَانَت من أجمل المدن وَنظر إِلَى وَضعهَا على نهر عَظِيم مستبحر تجْرِي فِيهِ السفن بالبضائع من بر الْمغرب وحاملة إِلَيْهِ فِي غربيه وَهُوَ رستاق عَظِيم يشْتَمل على الآلاف من الضّيَاع كلهَا تين وعنب وزيتون وَفِي جَانب الْمَدِينَة قُصُور الْمُعْتَمد وَأَبِيهِ المعتضد على غَايَة الْحسن والبهاء فَأنْزل ابْن تاشفين أحد الْقُصُور وَبَالغ فِي خدمته وإكرامه فَأخذ أَصْحَاب ابْن تاشفين فِي إغرائه على اتِّخَاذ مثل تِلْكَ الْمنَازل وَيَقُولُونَ لَهُ إِن فَائِدَة الْملك قطع الْعُمر بالعيش الْمُنعم والتلذذ كَمَا هُوَ الْمُعْتَمد وَأَصْحَابه وَكَانَ ابْن تاشفين مقتصدا فِي أُمُوره غير متطاول وَلَا مبذر وَكَانَ قد أذهب صدر عمره فِي بِلَاد فِي شظف الْعَيْش فَأنْكر على مغريه بذلك الْإِسْرَاف وَقَالَ الَّذِي يلوح من أَمر هَذَا الرجل أَنه مضيع لما فِي يَده من المَال وَالْملك لِأَن هَذِه الْأَمْوَال الَّتِي تعينه فِي هَذِه الْأَحْوَال لَا بُد أَن يكون لَهَا أَرْبَاب وَلَا يُمكن أَخذ هَذَا الْقدر مِنْهُم على وَجهه الْعدْل أبدا فَأَخذه بالظلم وَأخرجه بالترهات وَهَذَا من أفحش الاستهتار وَمن كَانَت
همته فِي هَذَا الْحَد من التَّصَرُّف فِي مَا لَا يعدو الأجوفين مَتى يشحذ همته فِي حفظ بِلَاده وضبطها ثمَّ إِن ابْن تاشفين سَأَلَ عَن حَال الْمُعْتَمد فِي لذاته هَل تخْتَلف فتنقص عَمَّا هِيَ عَلَيْهِ فِي بعض الْأَوْقَات فَقيل لَهُ بل كل زَمَانه على هَذَا قَالَ وكل أَصْحَابه وأنصاره منجدوه على عدوه قَالُوا لَا قَالَ كَيفَ ترَوْنَ رضاهم عَنهُ قَالُوا لَا رضَا لَهُم عَنهُ فَأَطْرَقَ وَسكت وَأقَام عِنْد الْمُعْتَمد أَيَّامًا على تِلْكَ الْحَال
وَاسْتَأْذَنَ رجل على الْمُعْتَمد فَأدْخل وَهُوَ ذُو هَيْئَة رثَّة فَأذن لَهُ فَقَالَ لَهُ أصلحك الله إِن من أوجب الْوَاجِبَات شكر النِّعْمَة وَمن شكر النِّعْمَة إهداء النصائح وَإِنِّي رجل من رعيتك وَمن ذَلِك خبر وَقع فِي أُذُنِي من بعض أَصْحَاب ضيفك يدل على أَنهم يرَوْنَ أنفسهم وملكهم أَحَق بِهَذِهِ النِّعْمَة مِنْك وَقد رَأَيْت رَأيا إِن آثرت الإصغاء إِلَيْهِ قلته قَالَ قل قَالَ رَأَيْت أَن هَذَا الرجل الَّذِي أطلعته على ملكك رجل مستأسد على الْمُلُوك قد حطم ببر العدوة زناتة وَأخذ الْملك مِنْهُم وَلم يبْق على أحد مِنْهُم وَلَا يُؤمن أَن يطمح على الطماعية فِي ملكك بل فِي ملك الجزيرة كلهَا لما قد عاينه من بلهنية عيشك وَأَنه يتخيل أَن كل مُلُوك الأندلس فِي مثل حالك وَأَن لَهُ من الْوَلَد والأقارب من يود أَن يكون فِي عيشه مثل عيشكم وَقد أودى الأذفونش وجيشه واستأصل شأفتهم وأعدمك من هُوَ أقوى نَاصِر عَلَيْهِ لَو احتجت إِلَيْهِ وَبعد إِن فَاتَ الْأَمر لم يفتك الحزم فِيمَا هُوَ مُمكن الْيَوْم قَالَ وَمَا هُوَ قَالَ أَن تجمع أَمرك على قبض ضيفك هَذَا واعتقاله فِي قصرك وتجزم أَنَّك لَا تطلقه حَتَّى يَأْمر كل من بِجَزِيرَة الأندلس من عسكره أَن يرجع من حَيْثُ جَاءَ حَتَّى لَا يبْقى مِنْهُم بالجزيرة طِفْل ثمَّ تنْفق أَنْت وملوك الأندلس على حراسة هَذَا الْبَحْر من سفينة تجْرِي فِيهِ لغزاة لَهُ ثمَّ بعد ذَلِك تستحلفه بأغلظ الْأَيْمَان أَلا يضمر فِي نَفسه عود إِلَى هَذِه الجزيرة إِلَّا بِاتِّفَاق مِنْكُم وَتَأْخُذ مِنْهُ على ذَلِك رهائن فَإِنَّهُ يعطيك من ذَلِك مَا تشَاء فنفسه أعز عَلَيْهِ من جَمِيع مَا تطلبه مِنْهُ ويقنع ببلاده الَّتِي لَا تصلح إِلَّا لَهُ وَتَكون قد استرحت مِنْهُ ويرتفع ذكرك عِنْد مُلُوك الأندلس فَلَمَّا سمع الْمُعْتَمد ذَلِك استصوبه وَجعل يفكر فِي انتهاز الفرصة وَكَانَ للمعتمد ندماء قد انهمكوا مَعَه فِي اللَّذَّات فَقَالَ أحدهم للرجل الناصح مَا كَانَ الْمُعْتَمد بن عباد مِمَّن يُعَامل بالحيف ويغدر بالضيف وَهُوَ إِمَام المكرمات فَقَالَ الرجل إِنَّمَا الْغدر أَخذ الْحق من صَاحبه لَا دفع الرجل الْأَذَى عَن نَفسه إِذا ضَاقَ بِهِ واستدرك الْأَمر وتلافاه فَقَالَ ذَلِك النديم لضيم مَعَ وَفَاء خير من حزم مَعَ جفَاء ثمَّ إِن ذَلِك الرجل استدرك الْأَمر وتلافاه فَشكر لَهُ الْمُعْتَمد وَوَصله واتصل الْخَبَر بِابْن تاشفين فَأصْبح غاديا فَقدم لَهُ الْمُعْتَمد الْهَدَايَا السّنيَّة فقبلها ورحل فَعبر من الجزيرة الخضراء إِلَى سبتة وَلما عبر يُوسُف وَأقَام عسكره بالجزيرة ريثما استراح وتتبع آثَار الأذفونش وتوغل فِي بِلَاده وَمَات الأذفونش
هما وغما وَخلف بِنْتا تحصنت بطليطلة وَجعل الْأَمر إِلَيْهَا وَكسب عَسْكَر ابْن تاشفين مَا لَا يحد وَلَا يُوصف وَكَانَ ابْن تاشفين قد قدم عَلَيْهِم سير بن أبي بكر فَكتب إِ ليه أَنه قد افْتتح معاقل وثغورا وَفتح أَمَاكِن ورتب بهَا المستحفظين وَأَنه لَا يَسْتَقِيم لهَذِهِ الجيوش أَن تقيم بالثغور على ضنك من الْعَيْش تصابح الْعَدو وتماسيه فَكتب إِلَيْهِ بمحاربة مُلُوك الأندلس وَألا ينفس لأحد مِنْهُم ويلجئهم إِلَى الْوُصُول إِلَى العدوة وليبدأ مِنْهُم بمجاوري الثغور وَألا يتَعَرَّض للمعتمد بن عباد مَا لم يستول على الْبِلَاد فابتدأ سير بن أبي بكر بملوك بني هود وتسلم حصن روطه ثمَّ نَازل بني طَاهِر بشرق الأندلس فَسَلمُوا إِلَيْهِ وَلَحِقُوا بالعدوة ثمَّ نَازل بني صمادح بالمرية فَلَمَّا علم المعتصم بن صمادح أَنه مغلوب دخل قصره وأدركه أَسف فَمَاتَ من ليلته وتسلم الْمَدِينَة ثمَّ نَازل المتَوَكل عمر بن الْأَفْطَس وَكَانَ رجلا عَظِيما فَاضلا فخامر عَلَيْهِ أَصْحَابه وقبضوا عَلَيْهِ وعَلى ولديه فَقتلُوا صبرا وَحمل أَوْلَاده الأصاغر إِلَى مراكش وَسَائِر مُلُوك الجزيرة سلمُوا وتحولوا إِلَى بر العدوة إِلَّا مَا كَانَ من الْمُعْتَمد بن عباد فَإِن سير بن أبي بكر لما فرغ من مُلُوك الأندلس كتب إِلَى ابْن تاشفين أَنه لم يبْق من مُلُوك الجزيرة غير ابْن عباد فارسم فِي أمره مَا ترَاهُ فَأمر بِقَصْدِهِ وَأَن يعرض عَلَيْهِ التَّحَوُّل إِلَى بر العودة بأَهْله وَمَاله فَإِن فعل فبها ونعمت وَإِن أَبى فنازله فَعرض ذَلِك عَلَيْهِ فَأبى وحاصره أشهرا ثمَّ دخل عَلَيْهِ الْبَلَد قهرا وَحمله مُقَيّدا إِلَى أغمات كَمَا تقدم فِي تَرْجَمته وَلم يعتقل من مُلُوك الأندلس غَيره وَقيل فِي سَبَب تغير ابْن تاشفين على مُلُوك الجزيرة وَابْن عباد غير هَذَا واستحوذ ابْن تاشفين على ملك الجزيرة وَمَات يَوْم الِاثْنَيْنِ لثلاث خلون من الْمحرم سنة خمس مائَة وعاش تسعين سنة ملك مِنْهَا مُدَّة خمسين سنة وَأوصى بِالْملكِ من بعده لوَلَده أبي الْحسن عَليّ بن يُوسُف وَقد تقدم ذكره فِي مَوْضِعه من حرف الْعين وَتقدم ذكر وَلَده إِسْحَاق بن عَليّ وَذكر وَلَده تاشفين بن عَليّ فِي مكانيهما وانْتهى ملك بني تاشفين
وَكَانَ يُوسُف معتدل الْقَامَة أسمر اللَّوْن نحيف الْجِسْم خَفِيف العارضين دَقِيق الصَّوْت حسن السِّيرَة خيرا عادلا يمِيل إِلَى أهل الْعلم ويكرمهم ويحكمهم فِي بِلَاده ويصدر عَن آرائهم وَكَانَ يحب الْعَفو والصفح عَن الذُّنُوب الْكِبَار قيل إِن ثَلَاثَة نفر اجْتَمعُوا فتمنى أحدهم ألف دِينَار يتجر فِيهَا وَتمنى الآخر عملا يعْمل فِيهِ لأمير الْمُسلمين وَتمنى الآخر زَوجته وَكَانَت أحسن النِّسَاء وَلها الحكم فِي بِلَاده فَبَلغهُ الْخَبَر فأحضرهم وَأعْطى متمني المالي ألف دِينَار وَاسْتعْمل الآخر وَقَالَ للَّذي تمنى زَوجته يَا جَاهِل مَا حملك على تمني الَّذِي لَا تصل إِلَيْهِ ثمَّ أرْسلهُ إِلَيْهَا فتركته فِي خيمة ثَلَاثَة أَيَّام تحمل إِلَيْهِ فِي كل يَوْم طَعَاما وَاحِدًا ثمَّ أحضرته وَقَالَت لَهُ مَا أكلات فِي هَذِه الْأَيَّام قَالَ طَعَاما وَاحِدًا فَقَالَت لَهُ كل النِّسَاء شَيْء وَاحِد وَأمرت لَهُ بِمَال وَكِسْوَة وأطلقته
وأوصل الملثمين أَنهم قوم من حمير بن سبأ وهم أَصْحَاب خيل وإبل وَشاء يسكنون الصحارى الجنوبية وينتقلون من مَاء إِلَى مَاء كالعرب وَبُيُوتهمْ الشّعْر والوبر فَأول من جمعهم وحرضهم على الْقِتَال عبد الله بن ياسين الْفَقِيه وَقتل فِي حَرْب جرت مَعَ برغواطة وَقَامَ مقَامه أَبُو بكر بن عمر الصنهاجي الصحراوي وَمَات فِي حَرْب السودَان ويوسف بن تاشفين هُوَ الَّذِي سمى أَصْحَابه الملثمين لأَنهم يتلثمون وَلَا يكشفون وُجُوههم وَذَلِكَ سنة لَهُم يتوارثونها خلفا عَن سلف وَسبب ذَلِك على مَا قيل أَن حمير كَانَت تتلثم لشدَّة الْحر وَالْبرد يَفْعَله الْخَواص مِنْهُم فَكثر ذَلِك فيهم حَتَّى فعله عوامهم وَقيل إِن سَبَب ذَلِك هُوَ أَن قوما من أعدائهم كَانُوا يقصدون غفلتهم إِذا غَابُوا عَن بُيُوتهم فيطرقون الْحَيّ وَيَأْخُذُونَ المَال والحريم فَأَشَارَ عَلَيْهِم بعض مشايخهم أَن يبعثوا النِّسَاء فِي زِيّ الرِّجَال إِلَى نَاحيَة ويقعدوا فِي الْبيُوت فِي زِيّ النِّسَاء فَإِذا أَتَاهُم الْعَدو وظنوا أَنهم النِّسَاء يخرجُون عَلَيْهِم فَفَعَلُوا ذَلِك وثاروا عَلَيْهِم بِالسُّيُوفِ فَقَتَلُوهُمْ فلزموا اللثام تبركا بِمَا حصل لَهُم من الظفر بالعدو
وَقَالَ عز الدّين بن الْأَثِير رَحمَه الله تَعَالَى سَبَب اللثام أَن طَائِفَة من لمتونة خَرجُوا مغيرين على عدوهم فخالفهم الْعَدو إِلَى بُيُوتهم وَلم يكن بهَا إِلَّا الْمَشَايِخ وَالصبيان وَالنِّسَاء فَلَمَّا تحقق المشائخ أَنهم الْعَدو أمروا النِّسَاء أَن يلبس ثِيَاب الرِّجَال ويتلثمن ويضيقن اللثام حَتَّى لَا يعرفن ويحملن السِّلَاح ففعلن ذَلِك وَتقدم الصّبيان والمشائخ أمامهن واستدار النِّسَاء بِالْبُيُوتِ فَلَمَّا أشرف الْعَدو وَرَأى جمعا عَظِيما فَظَنهُ رجَالًا وَقَالُوا عِنْد حريمهم يُقَاتلُون عَنْهُن قتال الْمَوْت والرأي أَن نسوق النعم ونمضي فَإِن الْقَوْم اتبعونا قاتلناهم خَارِجا عَن حريمهم فَبينا هم فِي جمع النعم من المراعي إِذا أقبل رجال الْحَيّ فَبَقيَ الْعَدو بَينهم وَبَين النِّسَاء فَقتلُوا من الْعَدو وَأَكْثرُوا وَكَانَ من قبل النِّسَاء أَكثر فَمن ذَلِك الْوَقْت جعلُوا اللثام سنة يلازمونه وَلَا يعرف الشَّيْخ من الشَّاب وَلَا يزيلونه لَيْلًا وَلَا نَهَارا
وَمِمَّا قيل فِي اللثام // (من الْكَامِل) //
(قوم لَهُم دَرك العلى فِي حمير
…
وَإِن انتموا صنهاجة فهم هم)
(لما حووا إِحْرَاز كل فَضِيلَة
…
غلب الْحيَاء عَلَيْهِم فتلثموا)
65 -
كَمَال الدّين الأسنائي ابْن الْأُسْتَاذ الشَّافِعِي يُوسُف بن جَعْفَر بن حيدرة بن حسان الأسنائي كَمَال الدّين الشَّافِعِي قَرَأَ على الشَّيْخ بهاء الدّين القفطي وَكَانَ كَرِيمًا
جوادا تولى الحكم بأصفون من بِلَاد قوص والمنشأة من بِلَاد إخميم وَتُوفِّي سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وست مائَة بمنشأة إخميم وَكَانَ لشمس الدّين بن السديد أَخَوان من أَبِيه فماتا واتهم بِقَتْلِهِمَا فهرب كَمَال الدّين وَكتب ورقة فِيهَا وَلما أ؛ س الْمَمْلُوك الربة المستعملة من دم الْأَخَوَيْنِ شرب لَهَا حب الغاريقون وَقَالَ إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون
وَله رسائل وَشعر مِنْهُ قَوْله // (من الْكَامِل) //
(لَا تَطْلُبن من السواقي ثروة
…
يَوْمًا فَمَا لفسادهن صَلَاح)
(فالشد حل والرسوم تراسم
…
وَالْعشر عشر وَالْخَرَاج جراح)
وَمِنْه يمدح موقعا وأجاد // (من الْكَامِل) //
(يَا من إِذا خطّ الْكتاب يَمِينه
…
أهْدى إِلَيْنَا الوشي من صنعاء)
(لم تجر كفك فِي الْبيَاض موقعا
…
إِلَّا تجلت عَن يَد بَيْضَاء)
66 -
ابْن الصيقل يُوسُف بن الْحجَّاج الصيقل يُقَال إِنَّه من ثَقِيف وَقيل هُوَ مَوْلَاهُم ذكر مُحَمَّد بن دَاوُد بن الْجراح أَنه كَانَ يلقب لقُوَّة كَانَ يصحب أَبَا نواس وَيَأْخُذ عَنهُ ويروي لَهُ وَأَبوهُ الْحجَّاج بن يُوسُف مُحدث ثِقَة روى عَنهُ جمَاعَة كَثِيرَة ذكره أَبُو الْفرج فِي كتاب الأغاني وَكَانَ يُوسُف بن الصَّقِيل كَاتب سر بِالْكُوفَةِ أَخذ من الرشيد مَالا كثيرا وَقَالَ ابْن الْجراح كَانَ يُوسُف مبادرا باللواط وَله فِي ذَلِك أشعار كَثِيرَة مِنْهَا قَوْله // (من الْخَفِيف) //
(لَا تنيكن مَا بقيت
…
غُلَاما مكابره)
(لَا تمرن باسته
…
غير دفع المؤامره)
(إِن هَذَا اللواط دين
…
براه الأساوره)
(وهم فِيهِ منصفو
…
محسن المعاشره)
وَقَوله // (من الرمل) //
(ضع كَذَا صدرك لي يَا سَيِّدي
…
وَاتخذ عِنْدِي إِلَى الْحَشْر يدا)
(إِنَّمَا ردفك سرج مَذْهَب
…
كشف البزيون عَنهُ فَبَدَا)
(فأعرنيه وَلَا تبخل بِهِ
…
لَيْسَ يبليه ركوبي أبدا)