المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

وكما بين عليه السلام المناسك بفعله، وكذلك كل من بالغ - بديع النظام الجامع بين كتاب البزدوي والإحكام = نهاية الوصول - جـ ١

[مظفر الدين ابن الساعاتي]

الفصل: وكما بين عليه السلام المناسك بفعله، وكذلك كل من بالغ

وكما بين عليه السلام المناسك بفعله، وكذلك كل من بالغ في التفهيم أكد قوله بإشارة أو تشكيل. قلنا: والقول أيضا مبين مع أن كثرة الأحكام مستندها الأقوال، ولو تساويا سلمت التراجيح المتقدمة. وإن عم القول فالمتأخر ناسخ مطلقا، وإن جهل فالمختار المختار، وإن دل على تكرره في حقه دون التأسي به، فإن اختص القول بنا فلا معارضة لعدم المزاحمة. أو به أو عم تعارضا في حقه لعدم دليل التأسي، وإن دل على التأسي دون التكرار في حقه فإن اختص القول به وتأخر عن الفعل فلا معارضة مطلقا، وإن تقدم كان الفعل ناسخا في حقه. وإن جهل فعلى ما مر من الخلاف. وإن اختص بنا فلا معارضة في حقه لعدم المزاحمة والمتأخر ناسخ في حقنا، وإن جهل فالمختار المختار. وإن عم وتقدم الفعل فلا تعارض في حقه والقول ناسخ في حقنا، وإن تقدم القول نسخ الفعل مطلقا، وإن جهل فالمختار المختار.

وأما‌

‌ الإجماع:

فالعزم والاتفاق أيضا، وفي الأصول: قيل اتفاق الأمة خاصة على أمر ديني. وليس بسديد، فإن أهل عصر ليسوا كل الأمة، وليس فيه ذكر أهل الحل والعقد ولخروج القضية العقلية والعرفية المتفق عليهما. فالحق: اتفاق جملة أهل الحل والعقد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم في عصر على واقعة. فالاتفاق يعم الأقوال والأفعال والسكوت والتقرير. والقيد الثاني: يخرج اتفاق بعضهم واتفاق العامة، والثالث يخرج اتفاق الأمم السالفة، والرابع يخرج توهم إجماع كلهم في جميع الأعصار. والخامس يعم الإثبات والنفي والأحكام العقلية والشرعية.

مسألة:

ونفاه بعضهم قالوا: إن كان عن دليل قطعي أحالته العادة،

ص: 255

وإلا نقل، أو ظني فآكد، لتباين قرائحهم ودواعيهم المقتضي للاختلاف كما تحيل اتفاقهم على أكل طعام واحد في وقت واحد. قلنا: لم ينقل القاطع لعدم الحاجة، وإنما يكون أن لو لم يكن نفس الإجماع كافيا وفيه النزاع، ولا يمتنع الاتفاق والدليل ظني، فإن أهل الكتابين والفلاسفة والمجوس متفقون على إنكار نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى قدم العالم، والتثنية استنادا إلى شبه تناقضها القواطع، فكيف يمتنع على ظني لا يعارضه قطعي. وخرج ما تمثلوا به لعدم الداعي إليه مع انتقاض ذلك بالواقع من إجماع الكل على أركان الإسلام وغيرها من الأحكام التي لم يكن طريق علمها ضروريا والوقوع دليل الضرورة.

ص: 256

مسألة:

وهو واقع ونفاه بعضهم مصيرا إلى أنه متوقف على السماع من كل من أهل الحل والعقد، أو مشاهدة فعل أو ترك دال عليه وهو متوقف على معرفتهم مع تفرقهم وتنائي أوطانهم وأنه متعذر، ومع الإمكان فقد لا يفيد اليقين بأنه معتقده لجواز الإخبار والفعل على خلاف ما عنده، ولو حصل اليقين فالرجوع ممكن قبل الوصول إلى الباقين. قلنا: باطل بالواقع، فإنا نعلم أن مذهب جميع الحنفية جواز قتل المسلم بالذمي، وأن جميع الشافعية نقيضه مع تلك التشكيكات، فإن قيل مستند إلى معرفة قول الإمامين والباقون مقلدون ولا نص في الإجماع يكون مستندا. قلنا: وإن تم في هذه الصورة فلا يتم في اتفاق أهل الكتابين على إنكار نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يظهر لنا مستندهم من قول متبع يقلدونه.

تنبيه:

إذا تصور الاطلاع عليه فنقل الإجماع السابق إن كان بإجماع كل عصر كان كالحديث

ص: 257

المتواتر، وإن كان بآحاد كقول عبيدة السلماني: ما اجتمع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كإجماعهم على الأربع قبل الظهر والإسفار بالصبح وتحريم الأخت في عدة الأخت. كان كنقل السنة بالآحاد، فهو مقطوع بأصله، مظنون الطريق فيوجب العمل دون العلم. فيقدم على القياس، ومن الفقهاء من أنكر نقله آحادا.

مسألة:

الحق أن الإجماع حجة قاطعة

ص: 258

خلافا للشيعة والخوارج والنظام. لنا {ومن يشاقق الرسول}

ص: 259

الآية. توعد على متابعة غير سبيل المؤمنين، فكان محرما، وجمع بينه وبين المشاقة المحرمة في التوعد، فانتظمتهما الحرمة جميعا {ولا تفرقوا} وخلاف الإجماع تفرق {فإن تنازعتم في شيء فردوه} والمشروط عدم عند عدم شرطه، فالاتفاق كاف، ومن السنة "لا تجتمع أمتي على الضلالة"، "ما رآه

ص: 260

المسلمون حسنا فهو عند الله حسن"، "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق"، "من خرج عن الجماعة فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه" ونحوها مما اجتمع السلف على العمل بها، ولأنهم أجمعوا على القطع بتخطئة المخالف، والعادة تحيل اجتماع العدد الكثير من المحققين على قطع في شرعي من غير قاطع، فوجب تقدير نص فيه، وأيضا أجمعوا على تقديمه على قواطع الأدلة فكان قاطعا، وإلا تعارض الإجماعان لعدم تقديم غير القاطع على القاطع بالإجماع، فإن قيل: مشروط بمشاقة الرسول، سلمنا الانفراد، ولكن سبيل غير المؤمنين الكفر، واللام في المؤمنين للاستغراق، فأين الاختصاص بأهل عصر عصر؟ مع أنه يعم الجاهل. والسبيل مفرد فلا يعم، وإلا لوجب متابعتهم فيما فعلوه مباحا وقد حكموا بإباحته ولوجب اتباعهم في إجماعهم على جواز الاجتهاد في الحكم قبل الاتفاق عليه، واتباعهم في امتناعه بعده، وهو تناقض

ص: 261

فتعين التأويل بمتابعة سبيلهم في اتباع النبي صلى الله عليه وسلم وترك مشاقته. أو في الإيمان وهو أرجح لإعمال اللفظ في زمنه عليه السلام والإجماع خاص بما بعده، وأيضا مشروط بسبق تبين الهدى المعرف باللام المستغرقة لكل هدى حتى إجماعهم على الحكم الشرعي وتبين الهدى بدليله، فلزم تقدم دليل كون الإجماع هدى، وليس هو نفس الإجماع وغيره كاف عنه. سلمنا الإطلاق، لكن المراد الأئمة المعصومون أو من فيهم المعصوم؛ لأن سبيلهم حينئذ حق. على أنه معارض بقوله {تبيانا لكل شيء} {فردوه إلى الله والرسول} {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} والنهي دليل التصور فلا عصمة، وقد سأل عليه السلام معاذا عن الأدلة التي يحكم بها، فلم يذكر الإجماع، وأقره.

ص: 262

وبالأحاديث التي تشهد بخلو العصر عمن تقوم بهم الحجة: "لا ترجعوا بعدي كفارا""حتى إذا اتخذ الناس رؤوسا جهالا""ثم تبقى حثالة كحثالة التمر والشعير لا يعبأ الله بهم" وقوله تعالى: {ولا تفرقوا} أي في الاعتصام، كقولنا:(ادخلوا البلد، ولا تفرقوا)؛ أي في الدخول، فإذا لم يعلم أن الإجماع اعتصام لم يكن التفرق منهيا وإن سلم لكنه مخصوص بما قبل الإجماع، فإن كلا مخاطب بأن يعمل باجتهاده، والآراء مختلفة فالتفرق مأمور به.

ص: 263

وشرط وجوب الرد إلى الكتاب والسنة عند الإجماع إن كان بناء عليهما فهما كافيان. وإلا ففيه تجويز الإجماع من غير دليل، على أن بقاء الشرط ممنوع، فإن الكلام مفروض في نزاع المتأخرين لإجماع من تقدمهم. وأما السنة فآحاد. ولئن سلم التواتر لكن يجوز إرادة عصمتهم عن الكفر من غير تأويل وشبهه، أو عن الخطأ في الشهادة في المعاد أو فيما يوافق المتواتر مع أنه يجوز إرادة كل الأمة، فيخرج كل عصر. ولئن سلم فلم يلزم أن يكون حجة على المجتهدين مع أن كل مجتهد مصيب، وقد أثبتم الإجماع بالإجماع، أو بنص يتوقف على كونه حجة، وهو دور، وإحالة العادة تبتني على التواتر وليس بشرط عندكم.

والجواب: اتباع غير سبيلهم متوعد عليه عند المشاقة ولا جائز أن يكون لغير مفسدة وإلا لما حسن التوعد وما تعلق به من المفسدة إن كانت من جهة المشاقة فذكرها كاف وإن لم تكن لزم التوعد عليه. والسبيل الطريق فلا يخصص بكفر ولا غيره وإلا كان اللفظ مبهما، وهو خلاف الأصل، ولا يصح أن يعم الكل إلى القيامة؛ لأن المؤمنين حقيقة: الأحياء المتصفون به، ومن مات أو لم يوجد ليس بمؤمن حقيقة. على أن المراد الحث على متابعة سبيلهم، والحمل على ذلك يبطله، وكون الجاهل غير مراد مختلف ولئن خرج فالمخصوص حجة لما سيأتي، ويجب عموم لفظ السبيل لما مر، ودفع التناقض أن فعلهم المباح وإن كان سبيلا فحكمهم بجواز الترك سبيل ولا يلزم من مخالفة الآية في وجوب اتباع الفعل مخالفتهم في اتباعهم في اعتقاد جواز الترك، وتلك التأويلات تخصيصات للسبيل من غير ضرورة فلا تقبل. وتبين الهدى شرط التوعد على المشاقة لاختصاص إطلاقه لمن عرف الهدى أولا، وإلا لا يكون

ص: 264

مشاقا، وأيضا فتبين الأحكام الفروعية ليس شرطا في المشاقة، فإن من تبين صدق الرسول وحاد عنه كان مشاقا، وإن جهلها فلا يكون شرطا للوعيد بالاتباع، والحق أن الآية ظاهرة لا قاطعة، وحينئذ لا يصح التمسك به إلا بالإجماع وهو دور. ولا يلزم هذا في القياس المثبت (باعتبروا) لأن الظاهر فيه لم يثبت بالقياس، واشتراط المعصوم ممنوع بما تقرر في الكلام، ولكونه تخصيصا من غير ضرورة. على أن التوعد لاحق باتباع غير سبيلهم، وعندهم باتباع غير سبيل المعصوم وحده وهو خلاف الظاهر. وعن المعارضة: أنه لا تنافي بين ما أثبتناه من كون الإجماع حجة وبين كون الكتاب تبيانا لكل شيء. وعن الثانية: القول بالموجب فإنا لما تنازعنا في كون الإجماع حجة رددناه إلى الكتاب والسنة فأثبتناه بهما، وعن الأخريين أن المراد كل واحد من الأمة، ولا يلزم من جواز المعصية على الأفراد جوازها على المجموع، ولو دل فالجواز عقلي فلا يلزم الوقوع ويكفيك نهيه عليه السلام أن يكون من الجاهلين والكافرين مع العلم بعصمته وبأن من مات ولم يعص علم أن الله تعالى عالم بعصمته لتعلق العلم بذلك مع كونه منهيا عنها. وترك معاذ الإجماع لكونه ليس بحجة حينئذ. على أنه معارض بما يدل على بقاء من تقوم بهم الحجة "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق إلى يوم القيامة" ويجب حمل النهي عن

ص: 265

التفرق على العموم وإلا لأفاد عين ما أفاده الأمر بالاعتصام. والأصل التأسيس دون التأكيد والأمر والنهي إنما هو مع أهل كل عصر بتقدير وجودهم وفهمهم كما سيأتي. وإن كان الإجماع يستدعي دليلا فانحصاره في الكتاب والسنة ممنوع لجواز أن يكون قياسا. والسؤال الثاني مشكل. وأما السنة آحادا إلا أن العلم القطعي حاصل من مجموعها بقصد تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم أمته كما علم جود حاتم وشجاعة علي رضي الله عنه. فكان إجماعهم على قول أو فعل حقا وإلا اجتمعوا على خطأ، ولأنه لا نكير في العمل بها، ولا يقال يحتمل وجود منكر فلا قطع، وفي الاستدلال بها (عليه) دور لثبوتها به؛ لأنا نقول: لو وجد لاشتهر، وليست ثابتة به، بل بإحالة العادة الاحتجاج بما لا صحة له في الأصول، ولا دور فإنا أثبتنا كونه حجة بنص مستفاد عن صورة (من صور) الإجماع بطريق عادي لا بإجماع. وتوقف إحالة العادة على التواتر ممنوع.

مسألة:

لا اعتبار بالكافر فيه؛ لأن أدلة الإجماع لا إشعار لها به

ص: 266

وهو غير مقبول القول فلا اعتبار به في حجة شرعية.

مسألة:

ولا باتفاق جميع الملة إلى القيامة لإفضائه إلى إبطاله، لعدم كمال المجمعين قبلها، وارتفاع التكليف بعدها.

مسألة:

ولا بقول العامي، واعتبره القاضي؛ لأن قول الأمة إنما كان حجة لعصمتهم ولا يمتنع كونها صفة الهيئة الاجتماعية ومخالفة حكم المجموع لحكم الأفراد جائز. لنا: أنه مقلد لهم فلا يعتبر خلافه، ولأنهم من أهل الاستدلال لتثبيت الاحتجاج وليس هو من أهله كالصبي والمجنون، والسلف متفقون على عدم اعتباره.

ص: 267

تنبيه:

من أدخله أدخل الأصولي والفقيه الحافظ بطريق الأولى، ومن منع فمنهم من أدخلهما نظرا إلى تفاوت الرتبة، ومنهم من طرد نظرا إلى عدم أهلية الاجتهاد. وآخر فصل فاعتبر الفقه، ومنهم الأصولي، لكونه أقرب إلى مقصود الاجتهاد.

مسألة:

ولا بقول المجتهد المبتدع الذي لا يكفر ببدعته، ومنهم من اعتبره نظرا إلى دخوله في مفهوم الأمة والحل والعقد، وفسقه به لا يخل بأهلية الاجتهاد مع أن الظاهر صدقه فيما يخبر عن اجتهاده أو بالقرائن.

ص: 268

لنا: أنه ليس من أهل الكرامة فلا يقبل قوله في إخباره فالتحق بالكافر، ولأنه لا يقلد في الفتوى فلا يعتبر خلافه كالصبي.

مسألة:

وليس بمخصوص بإجماع الصحابة، خلافا لداود وأحمد في رواية.

ص: 269

لنا: أن الأدلة غير فاصلة، قالوا: بل خطاب للموجودين {كنتم خير أمة} و {جعلناكم أمة وسطا} ومن لم يوجد غير متصف بالإيمان، فكانوا كل الأمة. ومن بعدهم ليسوا كلهم من دون من تقدمهم، وبموتهم لم يخرجوا من الأمة، ولذلك منع خلاف الواحد منهم اجتماع التابعين، وإذا لم يكونوا كلهم لم ينعقد إجماعهم، ثم إن كان عن إجماع الصحابة رضي الله عنهم فالأول كاف، أو عن قياس وجب اتفاقهم عليه ليكون مناطا، وهذا مختلف بينهم، أو عن نص وجب معرفة الصحابة رضي الله عنهم له؛ لأنهم طريق معرفة التابعين، فلو كان متمسكا به لما تواطؤوا على تركه، والأدلة مخصصة لهم:"أصحابي كالنجوم"

ص: 270

"اقتدوا باللذين من بعدي""ثم يفشو الكذب""ثم يبقى حثالة" فوجب الاقتصار عليهم، ولأنهم مجمعون أن كل مسألة خلت عن نص أو إجماع مجتهد فيها، فلو قيل بإجماع التابعين في واقعة خلت عنهما استلزم خرق إجماعهم في أنها اجتهادية، قلنا: يلزم أن يقدح موت الموجود وقت الخطاب في انعقاد إجماع الباقين لخروج بعض المخاطبين، وأن لا يعتد بخلاف من أسلم بعد الخطاب، ويلزم من كون التابعين ليسوا كل الأمة عدم إجماع المتخلفين من الصحابة رضي الله عنهم. فنقول: إذا هم كل الأمة المعتبرين في الإجماع. والدليل كان معلوما للصحابة رضي الله عنهم، غير أن الواقعة مختصة بالتابعين فاختصوا بإثباتها. وأصحابي كالنجوم لا يدل على عدم الاهتداء بغيرهم،

ص: 271

والمفهوم ليس حجة وهذا مفهوم اللقب. وظهور الكذب في الأعصار لا يستلزم عدم من تقوم الحجة بهم من العلماء، ولا يمكن حمل إجماعهم على تجويز الخلاف مطلقا، وإلا لما تصور إجماع التابعين فيها لتعارض الإجماعين، بل لا بد من قيد عدم الإجماع، فارتفع التناقض.

مسألة:

ولا يعتبر إجماع الأكثر مع مخالفة الأقل، خلافا لأحمد في رواية

ص: 272

وللطبري والرازي منا. وبعضهم: إن بلغ الأقل عدد التواتر منع، والجرجاني: إن أجازوا اجتهاد المخالف اعتد به كالعول، وإن أنكروه فلا كالمتعة. لنا: أن أدلة الإجماع متناولة للكل حقيقة فوجب الحمل عليه، ولأن الأكثر سوغوا للواحد الاجتهاد كأبي بكر رضي الله عنه في قتال مانع الزكاة، وابن عباس رضي الله عنهما في العول، وابن مسعود رضي الله عنه في الفرائض إلى غيرهم. ولو كان حجة لأنكروه وإن نقل فإنكار مناظرة. قالوا: يصدق على الأكثر كبني تميم يحمون الجار، و"عليكم بالسواد الأعظم"

ص: 273

ولأن اعتماد الأمة في خلافة أبي بكر الإجماع وقد تخلف قوم.

قلنا: مجاز ولذلك صح نفيه، والسواد الأعظم هو الكل لأنه الأعظم، والتأخر عن البيعة كان لعذر ثم اتفقوا.

مسألة:

ولا إجماع الصحابة رضي الله عنهم مع مخالفة تابعي من أهل الاجتهاد قبل الانعقاد. ومن شرط انقراض العصر اعتبر خلافه مطلقا، وبعض المتكلمين وأحمد

ص: 274

في رواية لا يعتبر أصلا، لنا: عدم صدق إجماع الأمة عند خروج التابعي المجتهد عنهم، وما قيل من أن "الصحابة رضي الله عنهم جوزوا للتابعين الاجتهاد معهم في الوقائع ورجعوا إليهم ولو كان باطلا لما سوغوه" ضعيف؛ لجواز أن يختص التجويز بمواقع الخلاف دون الوفاق، ألا ترى أن قول التابعي إنما يعتبر بعد انقراض عصر الصحابة رضي الله عنهم إذا لم يكن منهم وفاق. احتجوا "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء من بعدي""اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر رضي الله عنهما""أصحابي كالنجوم" ولهم مزية الصحبة وشهود الوحي والتأويل وهم المرضيون فالحق لا يعدوهم، ونقض علي رضي الله عنه حكم شريح في ابني عم أحدهما أخ لأم حين أعطى الأخ الكل. قلنا: سبق جواب النصوص في إجماع غير الصحابة رضي الله عنهم، واعتبار المزية يوجب رد الأدنى مع الأعلى

ص: 275

كالأنصار مع المهاجرين وهم مع العشرة وباقيهم مع الأربعة، ونقض علي رضي الله عنه ليس لعدم اعتباره، وإلا لما انقاد لحكمه عليه على خلاف مذهبه أو لاطلاعه على نص يمنع الاجتهاد.

مسألة:

ولا إجماع أهل المدينة وحدهم خلافا لمالك رحمه الله، وأوله بعضهم على ترجيح روايتهم، وآخرون على أولوية اتباعهم، وآخرون على إجماع الصحابة رضي الله عنهم. لنا أن أدلة الإجماع لا تخص. احتجوا أن "المدينة تنفي

ص: 276

خبثها" والخطأ خبث فينفى، وهي دار الهجرة ومهبط الوحي ومجمع الصحابة فلا يعدو إجماعهم الحق. قلنا: لا يدل على عدم نفي الخبث عن غيرها ولا على اختصاص الإجماع المعتبر بهم، وتخصيصها بالذكر لإبانة شرفها وفضلها لا ينفي فضل غيرها، ولا يدل على اعتبار إجماع أهلها، فإن مكة على فضائلها لم تدل على ذلك، فلا أثر للبقاع، بل للعلم والاجتهاد.

مسألة:

ولا أهل البيت وحدهم خلافا للشيعة لما مر، احتجوا {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت} والخطأ من الرجس فينتفي. والأهل علي

ص: 277

وفاطمة والحسنان، لقوله عليه السلام:"هؤلاء أهل بيتي" وبما ورد "إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي"

ص: 278

فلا حجة في غيرهما، ولأنهم المختصون بشرف النسب والمعصومون لما قرر في الإمامة، فكانوا بل الواحد منهم حجة. قلنا: نزلت في نساء النبي صلى الله عليه وسلم لرفع التهمة عنهن، وسياق الآيات يدل عليه. والإشارة إلى علي رضي الله عنه ومن معه لا ينفيهن وإنما ذكر الضمير تغليبا للتذكير. والخبر من الآحاد، على أنه ورد "كتاب الله وسنتي" وقول العترة على روايتهم جمعا بني الأدلة وهو معارض بـ"أصحابي كالنجوم" و"اقتدوا باللذين من بعدي" وأما النسب فلا أثر له في الاجتهاد، والعصمة ممنوعة لما قرر في الإمامة فلم يكن قول الواحد حجة. يعضده أن عليا رضي الله عنه لم ينكر على مخالف ولا في زمن ولايته، ولو كان حجة لكان الترك خطأ قادحا في العصمة.

ص: 279

مسألة:

ولا إجماع الأربعة وحدهم خلافا لأحمد في رواية ولأبي خازم منا، ولا إجماع الشيخين خلافا لبعضهم. قالوا: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، والعطف للشركة. واستدل الآخرون:"اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر رضي الله عنهما" قلنا: عام ولا دلالة على الحصر في الأربعة، ولو دل عورض بأصحابي كالنجوم، وهو جواب الآخرين.

ص: 280

مسألة:

لا يشترط فيه عدد التواتر: لنا أن الأمة والمؤمنين صادق على جمع لم يبلغوا عدد التواتر فتناولتهم أدلة الإجماع. فإن قيل لا يتصور مع بقاء التكليف بالدين وأدلته النقلية ولا ناقل غير المسلمين فلا يتصور نقصهم عن عدد التواتر. ولئن سلم فإيمانهم غير معلوم، فكيف يعلم صدقهم في الغير، ولو سلم فلو بقي من الأمة واحد ما حكمه.

قلنا: إن كان المجمعون المجتهدين فنقصانهم لا يستلزم انقطاع الحجة بالتكليف لانضمام العامة، وإن دخلوا ونقص المجموع فكذلك لإمكان الدوام بإخبارهم مع غيرهم، وإن لم يعتقدوا الدين وبخبر القليل من المسلمين مع القرائن المفيدة للعلم. وقد يعلم إيمانهم بخبرهم للقرائن، ولو كان المخبر واحدا، لجواز خلق الله تعالى علما ضروريا به. وأما حكم الواحد فقائل: هو حجة لصدق الأمة عليه وحده {إن إبراهيم كان أمة} والأصل الحقيقة فتناولته نصوص الإجماع. وقائل: إن الإجماع يشعر بالاجتماع فلا بد من اثنين.

ص: 281

مسألة:

إذا أفتى مجتهد وسكت أهل عصره بعد علمهم ونظرهم فهو إجماع وحجة. وشرط الجبائي انقراض العصر. والشافعي رحمه الله

ص: 282

نفاهما في قول وأبو هاشم حجة لا إجماع. وابن أبي هريرة: إن كان فتوى فإجماع أو حكما فلا. لنا: أنه لولا الوفاق لبعد سكوتهم عادة. ولأن الفتوى بعد العرض واجبة، فالسكوت عن خلاف حرام. النافون: السكوت يحتمل

ص: 283

الوفاق وعدم الاجتهاد فيهما بعد، والاجتهاد مع الوقف، أو مع المخالفة والكتم للتروي والتفكر، أو الاعتقاد أن كل مجتهد مصيب، أو لخوف فتنة أو لمهابة كما وافق ابن عباس عمر رضي الله عنهما في العول وخالفه بعده، وقال: هبته. ومع الاحتمالات فلا إجماع ولا حجة. قلنا: خلاف الظاهر، أما عدم الاجتهاد فبعيد مع وجوبه عليهم، وكذا الوقف مع كثرة الأمارات وقيام الأهلية، والتأخير للتفكر وإن جاز لكن تحيل العادة استمراره في حق الكل مع تطاول الزمان، وأما اعتقاد الإصابة فمما يمنع البحث والنظر في المآخذ الشرعية ليعرف الحق كما كان يجري بين الصحابة رضي الله عنهم في مسائل الجد والعول ونحوهما. وأما التقية فبعيد، فإن مباحث المجتهدين مأمونة العواقب ومحاباة ذي الشوكة منهم غش، والظاهر النصيحة

ص: 284

كقول معاذ رضي الله عنه لعمر رضي الله عنه: ليس لك سبيل على ما في بطنها لما رأى جلد الحامل حتى قال: لولا معاذ لهلك عمر، وكقول عبيدة السلماني لعلي رضي الله عنهما حين تجدد له رأي في بيع أم الولد: رأيك مع الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك، وحديث ابن عباس رضي الله عنهما لا يكاد يصح فقد كان عمر رضي الله عنه شديد الانقياد للحق، أو جعل الهيبة عذرا في عدم المبالغة في المناظرة مع الثبات على مذهبه. قال ابن أبي هريرة: العادة قاضية بأن السكوت في الفتيا وفاق، دون الحكم، للزوم اتباعه. قلنا: لزومه قبل استقرار المذاهب غير مانع من إبداء الخلاف.

ص: 285

مسألة:

إذا لم تنتشر فتوى مجتهد وجهل المخالف لا يكون إجماعا لأن الوفاق يستلزم سبق تصورهم، مع احتمال أنه لا قول لهم فيها، أو لهم ولكنه مخالف أو موافق ومع الجهل فلا حكم بالوفاق.

مسألة:

لا يشترط انقراض عصر

ص: 286

المجمعين خلافا لأحمد وابن فورك. وقيل: إن كان سكوتيا فشرط وإلا فلا. لنا: أن أدلة الإجماع لا تشترط.

واستدل: أن الحجة إن كانت الانقراض وحده فمحال، أو مع الاتفاق فيكون موتهم مؤثرا في كون أقوالهم حجة فلا يصح، كموت الرسول صلى الله عليه وسلم. فتعين الاتفاق وحده، وهو ضعيف؛ لجواز أن تكون هي اتفاقهم مشروطا بعدم مخالف في عصرهم. وإحالة ذلك محل النزاع. والفرق أن قول الرسول عليه السلام مستند إلى الوحي فلا يقابله قول غيره، بخلاف غيره فإن قوله عن اجتهاد يقابله مثله. واستدل: لو اشترط لما تصور إجماع لتلاحق المجتهدين وتجويز مخالفة

ص: 287

السابقين في عصرهم، وهو ضعيف، إما لأن اللاحق لا مدخل له في رواية من اشترط، أو لأن الشرط انقراض عصر المجمعين الأولين خاصة. قالوا:{لتكونوا شهداء على الناس} ومتى حظر عليهم الرجوع كانوا حجة على أنفسهم. وعلي رضي الله عنه أظهر الخلاف في بيع أم الولد بعد وفاقه لقول عبيدة رضي الله عنه: "رأيك مع الجماعة أحب إلينا"، وعمر خالف أبا بكر رضي الله عنهما في تسوية القسمة، وأقره الباقون ولو لم يشترط لامتنع رجوع المجتهد، ولو لم تعتبر المخالفة في عصرهم لم تعتبر مخالفة من مات؛ لأن الباقين كل الأمة، ولأن قولهم لا يزيد على قول النبي عليه السلام وموته عليه السلام شرط استقرار الحكم فكذلك فيهم، ولأنه لو لم يشترط فتذكروا نصا مخالفا إن رجعوا كان الإجماع خطأ وإلا استمروا على حكم ظهر دليل نقيضه. قلنا: لا منافاة والمفهوم ليس بحجة، وليس في قول علي رضي الله عنه

ص: 288

دليل على خلاف إجماع الأمة، فإنه قال: ورأي عمر رضي الله عنه، على أنه نقل: أن جابرا رضي الله عنه خالف عمر في زمانه فلا إجماع، وعمر في التسوية خالف أبا بكر رضي الله عنه في زمانه، واستمر بالنقل، وامتناع الرجوع بعد الوفاق لكون الإجماع قطعيا فلا يترك بالظني، ونمنع أن الباقين كل الأمة بالنسبة إلى قول الميت فإن فتواه لا تبطل بموته، وهذا منع على قول أبي حنيفة: إن الاختلاف السابق مانع من الإجماع اللاحق تخريجا من قوله: إن القضاء ببيع أم الولد نافذ. وأول بعضهم هذا على أنه إجماع مجتهد فيه فكان ظنيا فنفذ القضاء فيه. وأما على قول محمد: فالقضاء باطل والخلاف السابق غير مانع وأبطل دليله بالإجماع اللاحق ولم يظلله لعدم وقوعه تحت وقت الإجماع، والرأي قبله حجة. والفرق لا يمتنع، بخلاف رفع حكم الإجماع القاطع بالاجتهاد. وفرض العثور على نص مخالف للإجماع محال؛ إما لعصمة الأمة عن الإجماع حينئذ أو لعصمة الراوي عن النسيان إلى تمام انعقاده.

ص: 289

مسألة:

لا إجماع إلا عن مستند، خلافا لشواذ. لنا: أن الفتوى بغير دليل خطأ ولا إجماع على خطأ، ولأن اشتراط الاجتهاد في المجمعين مجمع عليه فلو انعقد بدون دليل لم يكن في اشتراطه فائدة، قالوا: لو تقف لكان الدليل هو حجة المجمع عليه لا الإجماع. قلنا: ممنوع، وفائدة كون الإجماع حجة الأخذ به وإسقاط البحث عن دليله وحرمة الخلاف الجائز قبله على أن ذلك يوجب عدم انعقاده عن دليل، ولا قائل به، ثم قول النبي صلى الله عليه وسلم حجة في نفسه وإن استند إلى الوحي.

مسألة:

وقد ينعقد عن قياس، ومنعت الظاهرية

ص: 290

ونفاة القياس جوازه وآخرون وقوعه، وجوز آخرون بجلية دون خفية، لنا: أن فرض وقوعه لا يستلزم المحال لذاته، وأما وقوعه فلأن الصحابة أجمعوا على استخلاف أبي بكر رضي الله عنه. وقال جماعة: رضيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا أفلا نرضاه لدنيانا. وعلى قتال مانعي الزكاة،

ص: 291

وقال أبو بكر رضي الله عنه: لا فرقت بين ما جمع الله {أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} ، وعلى تحريم شحم الخنزير اعتبارا بلحمه، وإراقة الدبس السيال لموت فأرة اعتبارا بالسمن، وعلى حد الشارب ثمانين، وقال علي رضي الله عنه:"شرب فسكر فهذى فافترى، فأرى عليه حد الفرية". وعورض: بأن

ص: 292

عصرا لا يخلو من نفاة القياس، فيمتنع الاتفاق عليه، وبأنه أصل معصوم عن الخطأ والقياس فرع معرض له فلا يصلح مستندا، وبأن مخالفة المجتهد جائز بالإجماع، فلو انعقد به حرمت المخالفة المجمع عليها فيتناقض، ومستند ما نقل نصوص ظهر بعضها واكتفي بالإجماع فيما لم ينقل فيه نص. قلنا: ممنوع؛ فإن الخلاف في القياس حادث كيف وفي خبر الواحد خلاف، ولا خلاف في انعقاده عنه وإذا أجمع على حكم القياس سبقه الإجماع على صحته فلم يكن ظنيا، والقياس الذي هو مستند الإجماع ليس فرعا للإجماع، بل للكتاب والسنة، فلا يكون بناء الأصل على فرعه والإجماع على جواز مخالفة المجتهد المنفرد لا الأمة، وما ظهر أن مستنده نص فسلم فما لا نص فيه وقد صرح بالقياس فلا جواب عنه.

مسألة:

إذا اختلف أهل عصر على قولين لم يسغ ثالث عند الجمهور، وخص بعض

ص: 293

أصحابنا بالصحابة رضي الله عنهم والأصح الإطلاق. مثاله: وطئ بكرا ثم وجد عيبا؛ قيل يمنع الرد، وبه مع الأرش. فالرد مجانا ثالث. وكالجد قيل يرث مع الأخ الكل، وقيل يقاسمه، فحرمانه ثالث، وكالأم مع زوج وأبوين أو زوجة وأبوين: قيل بثلث الأصل وثلث الباقي، فالتفريق ثالث. وكالنية، قيل: تعتبر في جميع الطهارات وقيل في البعض، فتعميم النفي ثالث. ومنهم من فصل واختاره في الأحكام، إن كان الثالث رافعا للاتفاق فممتنع كالبكر فإنها لا ترد مجانا، وكالجد فإنه يرث اتفاقا، وإن وافق كلا من وجه فجائز فإنه حينئذ غير مخالف للإجماع كفسخ النكاح ببعض العيوب الخمسة دون بعض، وكالتفصيل في الأم، فإنه يوافق في كل صورة مذهبا. قال هؤلاء: الرافع خالف الإجماع فامتنع، وغيره وافق كلا فساغ، وهذا كما لو قيل: لا يقتل مسلم بذمي، ولا يصح بيع الغائب، وقيل بجوازه وصحته، فالقائل بجوازه وعدم الصحة أو بالعكس (ليس) مخالفا للإجماع بالإجماع، فإن قيل: لا قائل بالتفصيل؛ لأن كلا قائل بنفيه، قلنا: عدمه لا يمنع القول به وإلا امتنع الاجتهاد في واقعة

ص: 294

لم يسبق فيها قول، وليس النفي صريحا ولا مستفادا من إطلاق النفي والإثبات وإلا امتنع في مسألة القتل والبيع. الجمهور: إن كان الثالث عن غير دليل امتنع، أو عنه لزم تخطئة الأمة بالجهل به، ولأن حصر الاختلاف في قولين إجماع معنى على المنع من ثالث لإيجاب كل طائفة الأخذ بقولها أو قول مخالفها وتحريم الأخذ بغير ذلك. المخالف: الاختلاف مسوغ للاجتهاد، والثالث صادر عنه، ولأن الصحابة رضي الله عنهم لو أجمعوا على الاستدلال بدليلين ساغ للتابعي دليل ثالث فكذا قول. على أن دليل الجواز الوقوع، فإن الصحابة على قولين في الأم وابن سيرين قائل بثلث الأصل في الزوج والأبوين وبثلث الباقي في الزوجة والأبوين، وتابعي آخر بالعكس. ولا نكير، وكذلك في أنت علي حرام على ستة أقوال، أحدث مسروق سابعا أن لا يتعلق به حكم

ص: 295

أجيب: أن تسويغ الاجتهاد من غيرهم ممنوع، والدليل الثالث مؤكد والقول مبطل فافترقا، والثالث مردود وعدم نقل الإنكار لا يدل على عدمه، وللمفصل أن يجيب بأنه من قبيل الفسخ بالعيوب الخمسة.

مسألة:

الأكثرون أن أهل عصر إذا استدلوا بدليل أو أولوا دليلا فلمن بعدهم إحداث تأويل آخر ودليل لم ينص الأولون على إبطاله. لنا أنه قول عن اجتهاد غير مصادم لإجماع فجاز، ولأنه لو امتنع لأنكر لما وقع، ولم يزل المتأخرون يستخرجون الأدلة والتأويلات المغايرة لما تقدم منها ولا نكير.

قالوا: اتباع لغير سبيل المؤمنين، قلنا: معناه لما اتفقوا عليه لا لما لم يتعرضوا له وإلا امتنع الاجتهاد فيما لم يتعرض الإجماع له بنفي أو إثبات. قالوا: {يأمرون بالمعروف} عام، وإذا لم يأمروا بالثاني لم يكن معروفا فكان منكرا. قلنا معارض بقوله:{وينهون عن المنكر} فوجب النهي ولم ينهوا فلم يكن منكرا، قالوا: ذهبوا عنه فلو كان صوابا كان ذهابهم عنه خطأ. قلنا: استغنوا عنه بدليلهم أو تأويلهم فلم يكن خطأ مع صحته.

ص: 296

مسألة:

اتفاق العصر الثاني على أحد قولي العصر الأول وقد استقر خلافهم جائز وحجة ومنعه الصيرفي والأشعري

ص: 297

وأحمد والغزالي والجويني رحمهم الله.

لنا: لو لم يكن حجة لزم تخطئة الأمة الأحياء في إجماعهم. قالوا: أجمع الأولون على جواز الأخذ بكل من القولين، والثاني مانع من المصير إلى أحدهما فامتنع سمعا وإلا لزم تخطئة الإجماع الأول لاستحالة كون الحق في أخذه وتركه معا، قلنا: الإجماع ممنوع فإن أحد القولين خطأ لقوله "إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإن أصاب فأجران" ولا إجماع على خطأ. سلمناه لكن بشرط عدم إجماع لاحق، وإن سلم فالأول إجماع على أحدهما والثاني موافق لمقتضاه فلا يمتنع، ثم هو واقع في قضية دفن رسول الله

ص: 298

صلى الله عليه وسلم وإمامة أبي بكر رضي الله عنه وقتال مانعي الزكاة بعد اختلافهم، واتفاق التابعين على منع بيع أم الولد بعد اختلاف الصحابة وفي الصحيح كان عمر رضي الله عنه ينهى عن المتعة، وقال البغوي: ثم حصل الإجماع.

مسألة:

اتفاق عصر بعد اختلافهم إجماع وحجة، وبعد استقرار الخلاف؛ مَن شَرَط انقراض العصر، قطع بالجواز، ومن لم يشرطه بين مجوز ومانع، وهذه أظهر من التي قبلها لأنه لا قول لغيرهم على خلافه.

ص: 299

مسألة:

ثبوت الإجماع بخبر الواحد جائز وواقع كقول عبيدة السلماني: ما اجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كإجماعهم على الأربع قبل الظهر والإسفار بالصبح وتحريم الأخت في عدة الأخت. وهذا ظني يوجب العمل ويقدم على القياس لكونه يقيني الأصل وأنكره بعض فقهائنا والغزالي. لنا: أن نقل الخبر الظني موجب للعمل قطعا، فنقل القطعي أولى. قالوا: فيه إثبات أصل بظاهر والأصول لا تثبت به وجوابه المنع.

مسألة:

جاحد حكم الإجماع القطعي كافر. قال فخر الإسلام رحمه الله: وأما إجماع التابعين فهو كالخبر المشهور والإجماع المسبوق بالخلاف كخبر الواحد الصحيح، والنسخ جار في جميع ذلك بمثله. والمختار في الأحكام أن حكمه إن كان كالعبادات الخمس والتوحيد والرسالة ونحوها مما يدخل في مفهوم الإسلام كفر وإلا فلا.

ص: 300