الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل: في
خبر الواحد
، وفيه أربعة أقسام:
الأول: في حقيقته:
خبر الواحد خبر لم ينته إلى التواتر والمشهور،
وقيل: ما أفاد الظن، وهو غير مطرد، فإن القياس يفيده وغير منعكس في خبر لا يفيده، وينقسم إلى (ما لا يفيده عند تعارض الاحتمالات) وإلى ما يفيده عند ترجح أحدها، وفي الأحكام: إذا زادت نقلته على ثلاثة سمي مشهورا، وشرط فخر الإسلام أن يكون أحاديث الأصل متواتر الفرع، فيضلل جاحده ويزاد به على الكتاب كالرجم ومسح الخف والتتابع في الكفارة ويوجب علم طمأنينة.
مسألة:
خبر العدل يفيد الظن، لترجح الصدق بالعدالة وانتفاء اليقين بالاحتمال،
وأحمد في رواية يفيد العلم ويطرد في كل واحد، ومنع بعض المحدثين الاطراد. وقيل: يفيده بقرينة، والأكثرون: لا يفيده مطلقا، واختار في الأحكام حصوله مع القرائن وامتناعه عادة بدونها، واستدل: لو أفاده بمجرده لتناقض معلومان عند إخبار عدلين بمتناقضين، وأيضا لما تزايد بثان وثالث لعدم قبوله للزيادة، فإن قيل: قابل فإنا نجد بعض العلوم أجلى، كالضروري مع المكتسب. قلنا: ممنوع
فإنها تشترك في انتفاء احتمال النقيض، وذلك التفاوت ليس في نفس العلم بل في افتقار النظري إلى النظر دون الآخر، وأيضا يلزم ثبوت نبوة المخبر بها عن نفسه بغير معجزة والحكم بشهادة واحد، ومن غير تزكية ولوجب تخطئة من خالفه بالاجتهاد، ولعورض به التواتر ولامتنع التشكيك بما يعارضه وذلك خلاف الإجماع. وأما إفادة العلم مع القرائن فإنا نجزم بخبر موت ولد ملك إذا احتفت به قرينة أن لا مريض عنده غيره مع خروج النساء على هيئة منكرة معتادة في موت مثله مع العويل وخروج الملك وراء الجنازة لذلك، ولا يقال علم ذلك بمجرد القرائن؛ لأنا نقول: لولا (المجاز)[الخبر] لجاز أن يكون في موت آخر. قالوا: {ولا تقف ما ليس لك به علم} وأجمعنا على اتباع خبر الواحد، ولولا إفادته العلم لكان الإجماع على مخالفة النص. وأيضا {إن يتبعون إلا الظن} فلو أفاده لكنا مذمومين على اتباعه، ولو لم يفده لما أوجبه عند كثرة العدد إلى حد التواتر؛ لأن الجملة (مركبة) من الآحاد، ولما أبيح قتل المقر بالقتل ولا بينة عليه، ولما أقيم حد لكونه قاضيا على العقل وبراءة الذمة. واستدل من خصص بأن عليا رضي الله عنه كان يستحلف الراوي ويستثني أبا بكر رضي الله عنه قاطعا بصدقه. قلنا: وجوب العمل به بناء على الإجماع وهو قاطع فاتباعه اتباع العلم، والمنع من اتباع غير العلم هو فيما يراد فيه العلم كالاعتقادات القطعية، وحكم الجملة قد يغاير حكم الآحاد، وقد تقدم، والأحكام الشرعية تبنى على الظن بإجماع السلف،
وغاية الأمر أن عليا رضي الله عنه صدق أبا بكر رضي الله عنه من غير يمين لاختصاصه بزيادة العدالة والتصديق بناء على غلبة الظن جائز وإن لم يكن قطعيا.
مسألة:
إذا أخبر واحد في حضرته عليه السلام ولم ينكر عليه دل على صدقه ظنا، وقيل: قطعا، وإلا لأنكر. قلنا: يحتمل أنه لم يسمعه، أو لم يفهمه أو قد بينه، أو علم أن الإنكار لا يفيد أو رأى تأخيره، وإن كان دنيويا فيحتمل عدم العلم به ولو قدر عدم الجميع فالصغيرة غير ممتنعة، ومع الاحتمال لا قطع.
مسألة:
وكذا لو أخبر بحضرة جمع عظيم وسكتوا عن تكذيبه. وقيل: يقطع بصدقه لأنه يمتنع عادة جهل الكل بكذبه، ومع الاطلاع فهي حاكمة بأن السكوت مع اختلاف الآراء والأمزجة دليل الصدق. قلنا: يحتمل أنهم لا يعلمون كذبه، أو علمه بعضهم وسكتوا، أو علموه ومنعهم عن الإنكار مانع، ولا قطع مع الاحتمال.
مسألة:
وكذا لو رآه ثم أجمعت الأمة على العمل به، وقطع أبو هاشم وأبو عبد الله البصري في آخرين بصدقه،
قالوا: وإلا كان عملهم خطأ ولا إجماع على خطأ. قلنا: يحتمل أن يكون عملهم أو عمل بعضهم بغيره، ومع عمل الكل فهم مكلفون بالعمل بالمظنون فلم يكن خطأ.
مسألة:
إذا انفرد مخبر بما تتوفر الدواعي على نقله مع مشاركة الجم الغفير، كما إذا انفرد بأن ملك مدينة قتل عقيب الجمعة وسط الجامع دل على كذبه قطعا، خلافا للشيعة. لنا: أنا نجد من أنفسنا
العلم بكذبه لأن الطباع مجبولة على نقل كل معلوم وإن صغر، فكيف بالأمور العظام (في) الجمع العظيم فالعادة حاكمة باستحالة السكوت عنه، ولو جاز كتمانه لجاز كتمان مثل بغداد ومصر، وهو محال. وبمثله عرفنا كذب من ادعى معارضة القرآن، والنص على إمام، فإنه لو وجد لتوفرت الدواعي على نقله. والتشكيك فيه شغب، فلا يسمع. فإن قيل: يجوز أن يدعوهم إلى الكتمان داع لغرض يعمهم أو أغراض، والوقوع شاهد، فإن النصارى لم ينقلوا كلام المسيح في المهد ونقلوا ما دونه. ونقل المسلمون القرآن متواترا وما دونه من معجزاته آحادا، كانشقاق القمر وتسبيح الحصى ونبع الماء من أصابعه وحنين الجذع وصفة دخوله مكة من عنوة أو صلح، وإفراد الإقامة وتثنيتها، وإفراد الحج وقرانه، إلى غيرها.
قلنا: العادة تحيل قيام الداعي كما تحيل اتفاق الكل على طعام واحد. وكلام المسيح لم يكن زمن اشتهاره، فنقله الآحاد. وكذا نقل ما سوى القرآن كالانشقاق فإنه آية ليلية غير منتظرة فاختص بنقله من رآه، ولا كذلك القرآن فإنه لم يزل يردده بينهم أيام عمره فلم يبق إلا من علم به فاستحال تواطؤهم على عدم نقله. وأما دخول مكة، فالمشهور دخوله قهرا وغلبة، والمخالف اشتبه عليه بأداء دية من قتله خالد ولا يبعد ظنه من الآحاد. والاختلاف في الإقامة وأمثالها يحتمل أن يستند إلى اختلاف السماع، وجواز الأمرين والإفراد في الحج وأمثاله ليس مما يجب ظهوره لتعلقه بالنية.
مسألة:
يجوز التعبد بخبر الواحد عقلا، خلافا للجبائي. لنا لو ورد السمع به لم يلزم منه محال لذاته، واحتمال الكذب والخطأ غير مانع، وإلا لمنع في الشاهدين والمفتي، قالوا: لو جاز لجاز في الأصول، ولجاز التعبد في الأخبار عن الله تعالى بغير معجزة، ولجاز في نقل القرآن، وللزم التناقض بالتعارض. قلنا: الفروع مظنونة بالإجماع والعادة تحيل صدقه بغير معجزة، والقرآن معجز فحكمت (العادة) فيه بالتواتر. والتناقض يندفع بالترجيح أو التخيير أو الوقف.
مسألة:
يجب العمل بخبر الواحد خلافا لقوم، والجمهور أنه بالسمع.
وأحمد والقفال وابن سريج وأبو الحسين بالعقل. لنا: إجماع الصحابة رضي الله عنهم على العمل به بدليل ما نقل من الوقائع المختلفة التي لا تكاد تحصى على عملهم، ومن اطلع عليها حصل له العلم العادي. بذلك عمل أبو بكر بخبر المغيرة
ومحمد بن مسلمة في ميراث الجدة، وعمر بخبر عبد الرحمن
في أخذ الجزية من المجوس، وبخبر حَمَل
في الغرة وقال: لو لم نسمع هذا لقضينا بغيره، وبخبر الضحاك بأنه عليه السلام كتب إليه أن يورث امرأة أشيم من دية زوجها ورجع إليه، وبخبر عمرو بن حزم بأنه في
كل إصبع عشرا. وعثمان بخبر فريعة بنت مالك أن عدة الوفاة
في منزل الزوج، وابن عباس بخبر أبي سعيد في الربا في النقد ورجع إليه
وتحول أهل قباء بخبر الواحد، وعمل الصحابة بخبر أبي بكر: الأئمة من قريش،
والأنبياء يدفنون حيث يموتون، ونحن معاشر الأنبياء لا نورث.
وكذلك التابعون من غير نكير. فإن قيل: آحاد فلزم الدور، ويحتمل أن يكون عملهم بغيرها، وإن سلم فهم البعض فلا اتفاق، وإن سلم عدم الإنكار لكن أبو بكر رضي الله عنه أنكر على المغيرة رحمه الله حتى رواه ابن مسلمة، ورد عمر رضي الله عنه خبر أبي موسى
في الاستئذان حتى رواه أبو سعيد رحمه الله، ورد علي خبر أبي سنان رضي الله عنهما في المفوضة. وكان يحلف غير أبي بكر رضي الله عنه.
وردت عائشة رضي الله عنها خبر ابن عمر في
تعذيب الميت ببكاء أهله. وإن سلم لكنها مخصوصة فلم تعم. قلنا: متواترة في المعنى كشجاعة علي رضي الله عنه وجود حاتم، والسياق دليل أن العمل بها والعادة تحيل العمل بغيرها وهو غير منقول، والشيوع مع عدم الإنكار اتفاق، وإنما أنكر من أنكر عند الارتياب وعمل بها من عمل لظهورها دون خصوصها كظاهر الكتاب والمتواتر. وأيضا فبالتواتر أنه عليه السلام كان يبعث الآحاد إلى النواحي لتبليغ الأحكام مع العلم بتكليف المبعوث إليهم العمل بمقتضاه. أبو الحسين: العقل يوجب العمل بظن تفصيل جمله علم وجوبها عقلا، فإن العدل إذا أخبر بمضرة أكل شيء والقيام من تحت حائط مائل، وجب