الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بصيرة فى ذكر ابليس
وهو اسمٌ أَعجمىّ ممنوعٌ من الصّرف. وقيل عربىّ واشتِقاقُهُ من الإِبْلاس؛ لأَنَّ الله تعالى أَبْلَسَه من رَحْمته، وآيسه من مغفرته. قال ابن الأَنبارىّ: لا يجوز أَن يكون مُشْتَقّاً من أَبْلَس لأَنه لو كان مشتقاً لصُرِف، قال أبو إِسحاق: فلمّا لم يُصرَف دلّ على أَنَّه أَعْجَمِىٌّ. قال: ابن جَرير: لم يُصْرَف وإِن كان عربيّاً لقلَّة نظيره فى كلامهم فشبّهوه بالأَعجمىّ. وقال الواحدىّ: الاختيار أَنه ليس بمشتق لاجتماع النحويين على أَنَّه يُمْنع من الصرف للعُجْمَة والعَلَمِيّة.
واختلفوا هل هو من الملائكة أَم لا، فرُوِىَ عن طاوُس ومُجاهد عن ابن عبّاس أَنَّه من الملائكة. وكان اسمه عزازيل فلمّا عَصَى اللهَ تعالَى لَعَنَه وجعله شَيطاناً مريداً، وسَمّاه إِبْليسَ وبهذا قال ابنُ مسعودٍ وسعيدُ بن المُسَيِّب وقتادةُ، وابن جُرَيْج وابنُ جَرِير، واختاره ابن الأَنبارىّ والزّجّاج، قال: وهو مستثنىً من جنس المشتثنَى منه، قالوا: وقولُ الله تعالى: {كَانَ مِنَ الجن} أَى طائفة من الملائكة يقال لهم الجنّ. وقال الحسنُ وعبد الرحمن ابن زيد ومسهر، وابن حَوْشَب: ما كان من الملائكة قط، والاستثناء منقطع، والمعنى عندهم أَنَّ الملائكةَ وإِبليسَ أُمِرُوا بالسُّجود فأطاعت الملائكةُ وعصى إِبْليس. والصَّحيح أَنَّه كان من الملائكة لأَنَّه لم يُنْقَل أَنَّ غيرَ الملائكة أُمِرَ بالسُّجود، والأَصل فى المستثنى أَن يكون من جنس المستثنى منه. وعن ابن عبّاس رضى الله عنهما أَنَّ الله تعالى أَمَرَ إِبْليس أَن يأَتِىَ محمّداً صلى الله عليه وسلم فى صُورَة إِنسان ويجيبه عن كلّ ما سأَل. قال: فجاء اللَّعين
إِلى باب المسجد وعليه لباسٌ من صُوف وبيده عكَّازه مثل شيخ كبير، / فنظره النَّبى صلى الله عليه وسلم فأَنْكَرَه إِذ لم يسلِّم عليه، فقال عليه السلام ما أَنت يا شيخ؟ فقال: أَنا إِبْليس أَمرنى الله تعالَى أَنْ أُجيبَك عن كلّ ما تسأَل، فسَلْ ما تريد. فقال صلى الله عليه وسلم: كَمْ أَعداؤكَ من أُمَّتِى؟ قال: خمسة عشر، وأَنت رأْسهم وأَوّلهم، والإِمام العادل، والغنىُّ المتواضعُ، والتَّاجر الصَّدُوق، والعالم المتخشع، والمؤمن النَّاصح، والمؤمن الرّحيمُ القلب، والمتورّع عن الحرام، والمُدِيمُ على الطَّهارة، والَّذى يؤدّى حَقَّ مالِه، والمؤمن السّخىّ، والمؤمن الكثير الصّدقة، وحامل القرآن، والقائم بالليل، والقائم على التَّوبة! قال: فكم رُفَقاؤك من أُمّتى؟ قال: عشرة: السّلطان الجائر، والغَنِىُّ المتكبّر، والتاجر الخائن، وشارب الخمر، وصاحب الزِّنَى، وصاحب الرِّبا، والقَتَّال، وآكلُ أَموال اليتامى، ومانعُ الزكاة، والطويل الأَمَل، هؤلاء خواصِّى. قال: كيف موضع صلاة أُمّتى منك؟ قال: تأْخذنى الحُمَّى! قال فموضع خَوْضِهم فى العلم؟ قال: أَذُوب كما يذوب الرّصاص! قال: فالصوم؟ قال: أَصير أَعْمَى. قال: فقراءة القرآن؟ قال: أَصير أَصَمّ! قال: الحج؟ قال: إِذاً قَيَّدُونى. قال: الجهاد؟ قال: يجمع يداى إِلى عُنُقى بالغُلّ. قال: الصَّدقة؟ قال: مِنْشارٌ يُوضَع على رأْسى فأُقطع نصفين نصف إِلى المشرق ونصف إِلى المغرب. قال: فَلِم ذاك يالعين؟ قال لأَنَّ لهم فى الصّدقة ثَلاثَ خِصال. يكون الله غريماً لهم، وأَن يكونوا من وَرَثة أَهلِ الجَنَّة. وعُصِمُوا منى أَربعين يوماً، وأَىّ مصيبة أَعظم من ذلك! فقال صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَبْغَضُ الخلقِ إِليك؟ فقال: العالِمُ النَّاصح لنفسه ولأَئمة المسلمين. فقال: مَنْ أَحَبُّهم إِليك؟ فقال: العالِم البخيل بعِلْمه، الشحيحُ بِدرْهَمِه. فقال: كم لك من الأَعوان؟ فقال: أَكثر من قَطْر المَطَر ووَرَق الأَشجار، ورَمْل القِفار. فقال صلى الله عليه وسلم: اللهم اعْصِمْ أُمَّتِى. قال: فولَّى اللَّعينُ هارباً.
وقد دعاه الله تعالى فى القرآن العظيم بسبعين اسماً قَبِيحاً.
الأَوّل: الشَّيطان {كَمَثَلِ الشيطان} ، وَوَسْواس وخَنَّاس {مِن شَرِّ الوسواس الخناس}
مُوَسْوِسٌ {الذى يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ الناس} ، رَجِيمٌ {فَإِنَّكَ رَجِيمٌ} ، عَدُوٌّ {إِنَّ الشيطان لَكُمْ عَدُوٌّ فاتخذوه عَدُوّاً} ، {وَلَا يَغُرَّنَّكُم بالله الغرور} ، فاتِنٌ {لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشيطان} ، مُضِلٌّ {وَيُرِيدُ الشيطان أَن يُضِلَّهُمْ} ، مُزَيِّنٌ {فَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطان} ، كَيّاد {إِنَّ كَيْدَ الشيطان كَانَ ضَعِيفاً} ، خادِعٌ {وَهُوَ خَادِعُهُمْ} ، كاذِبٌ كَفَّار {إِنَّ الله لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} ، خَتَّارٌ وكَفُورٌ {كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ} ، هامِزٌ {أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشياطين} حاضِرٌ {وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ} ، مُغْو {لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} ، غَاوِى {لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ} ، جِنٌّ {كَانَ مِنَ الجن} ، آبى ومُسْتَكْبر {أبى واستكبر} ، مُزلٌّ {فَأَزَلَّهُمَا الشيطان} ، لَعِينٌ {عَلَيْكَ اللعنة} ، مُنْظَرٌ {إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ} ، مُمَنِّى {وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ} ، آمِرٌ {وَلأَمُرَنَّهُمْ} ، وَلِىّ الكَفَرَة {والذين كفروا أَوْلِيَآؤُهُمُ الطاغوت} ، واعِدٌ بالفَقْر {الشيطان يَعِدُكُمُ / الفقر} ، مَرِيدٌ {وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ} ، مارِدٌ {مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ} ، مَقْذُوفٌ مَدْحُورٌ {وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ * دُحُوراً} ، خاطِفٌ:{إِلَاّ مَنْ خَطِفَ الخطفة} ، مَرْجُومٌ {وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ}
، دَاعِى {إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ} ، باطِلٌ، {والذين آمَنُواْ بالباطل} ، نازِعٌ {يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا} ، نازِغٌ {وَإِماَّ يَنَزَغَنَّكَ مِنَ الشيطان نَزْغٌ} ، ماسٌّ وطائف {إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشيطان} ، مُتَخَبِّطٌ {يَتَخَبَّطُهُ الشيطان مِنَ المس} ، مُخْلِفٌ {وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ} ، مُتَفَحِّشٌ {وَيَأْمُرُكُم بالفحشآء} ؛ كافِرٌ {وَكَانَ مِنَ الكافرين} ، مَذْءُومٌ {قَالَ اخرج مِنْهَا مَذْءُوماً} ، خَذُولٌ {وَكَانَ الشيطان لِلإِنْسَانِ خَذُولاً} ، مَلُومٌ {فَلَا تَلُومُونِي} ، سَفِيهٌ {يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى الله شَطَطاً} ، أَسْفَل {لِيَكُونَا مِنَ الأسفلين} ، بئس القرين {فَبِئْسَ القرين} ، بَدَلٌ للظَّالمين {بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً} ، بَرِئٌ {إِنِّي برياء مِّنكَ} ، رَائى {إني أرى مَا لَا تَرَوْنَ} ، رجْزٌ {وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشيطان} ، خالِدٌ فى النار {خَالِدِينَ فِيهَا} ، عفْرِيتٌ {قَالَ عِفْرِيتٌ مِّن الجن} ، فاسِقٌ {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} ، مُسْتَحْوذٌ {استحوذ عَلَيْهِمُ الشيطان} ، مُسْتَرِقٌ {إِلَاّ مَنِ استرق السمع} . مُنْسِى {فَأَنْسَاهُ الشيطان} ، {وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلَاّ الشيطان} ، مُسَوِّلٌ ومُمْلِى {سَوَّلَ لَهُمْ وأملى لَهُمْ} ، مُدَلِىّ {فَدَلَاّهُمَا بِغُرُورٍ} ، مُقْسِمٌ {وَقَاسَمَهُمَآ} ، مُلْقِى {أَلْقَى الشيطان
في أُمْنِيَّتِهِ} ، مُبْدِى {لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا} ، مُبِينٌ {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} ، مُحْتَنكٌ {لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ} ، مُشارِكٌ {وَشَارِكْهُمْ فِي الأموال والأولاد} ، مُسْتَفْزِرٌ {واستفزز مَنِ استطعت مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ} ، جالِبُ الشَرّ {وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ} ، نارِىٌّ {خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ} ، خارجٌ {فاخرج مِنْهَا} ، مُخْرِجٌ {أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ} ، خَبِيثٌ {والذي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَاّ نَكِداً} . قيل: البلد الطَّيِّبُ آدم، والَّذِى خَبُثَ إِبْليس. قال:
عَجِبْت مِنْ إِبْلِيسَ فى خُبْثِه
…
وقُبْح ما أَظْهَر من طِيَّتِه
تاهَ على آدَمَ فى سَجْدَةٍ
…
وصار قَوّاداً لِذُرِّيَّتِهِ
وذكره الله عز وجل باسمه المخبر عن إِبلاسه، المنبى عن حرمانه ويأْسه فى مواضع من كتابه العزيز. قال {فَسَجَدُواْ إِلَاّ إِبْلِيسَ أبى واستكبر} ، وقال تعالى على طريق إِلزام الحجّة وقَهرٍ ممزوج بلطيفة اللُّطْف {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} ، ثم جعله مُقَدَّم أَهل الفساد والمعصية، قال {اذهب فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ} ، الآية. فقام المتمرّد فى معرض المناظَرة مع ربّ الأَرباب، وقال:{فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} ، فقال الربُّ مراغماً لعدُوّه ومحابياً لأَوليائه {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} ، ثم جعله مخْدُوعَ المهْلَة بقوله {إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ} ، ونبَّه آدم وأَولاده بشدّة عداوته لهم فقال {إِنَّ هاذا عَدُوٌّ لَّكَ
وَلِزَوْجِكَ} ، وقال {إِنَّ الشيطان لَكُمْ عَدُوٌّ فاتخذوه عَدُوّاً} ، ثم وسمه بوسْم اللَّعْنَة الأَبديّة فقال {وَإِنَّ عَلَيْكَ اللعنة إلى يَوْمِ الدين} ، وبشَّره بخُلود النَّار ومنْ تبعه من سائر الشياطين فقال {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} .
قال بعض المحدثين:
وجاوَرَنا عدُوٌّ ليس ينْسَى
…
لَعِينٌ ما يمُوت فَنَسْتَريحُ
فيالَهَفِى على قَلبِى وخَضْمِى
…
لَئِيمٌ يسْتَعِدُّ ويسْتَبيحُ