الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الديمقراطية. لقد كان ذلك صحيحاً، لكن المحيط الذي تدخل بعنف وقام بالدور الرئيسي في إذكاء نار الفتنة إنما كان يعمل لإيجاد الفرص الملائمة لعودة الإيديولوجيات المختلفة إلى الميدان، وليس ثمة لتحقيق ذلك، أفضل من الصراع الدموي على السلطة، لأن إراقة الدماء واللجوء إلى العنف على حساب الحوار يؤديان حتماً إلى تشتيت الصف واختفاء الأمن والاستقرار وشيوع الفوضى والاضطراب وكلها آفات تنخر جسم المجتمع وتفسح المجال للتعددية بجميع أنواعها.
ورغم كل ذلك، فإن الدارس المتمعن للأوضاع السائدة يومها في الجزائر لا يسعه إلا أن يقول: إن مؤتمر وادي الصومام كان مصيباً في قراره، لكن الخطأ يكمن في كون القيادة الثورية لم تول كل العناية للتطور الإيديولوجي الذي كان يحدث بفعل نمو جبهة التحرير الوطني واتساع شبكة منظماتها الجماهيرية. ولو أنها فعلت ذلك لوجدت نفسها متشبعة بفكر واحد، تتكلم لغة واحدة ومستعدة لمواجهة كل الطوارئ بنفس العزيمة، ونفس الحزم اللذين تميزت بهما طيلة فترة الكفاح المسلح.
ولأن أغلبية المؤتمرين صادقت على القرار، فإن المجلس الوطني للثورة الجزائرية قد جاء مكوناً من 34 عضواً نصفهم أساسي ونصفهم إضافي الصنفين ومشتملاً في الصنفين، على أقلية قليلة من الإطارات التي كانت تقود مختلف التشكيلات السياسية الوطنية التي قررت أخيراً، الالتحاق بجبهة التحرير الوطني ومايقال عن المجلس الوطني للثورة الجزائرية لا يمكن تطبيقه على لجنة التنسيق والتنفيذ التي اشتملت على خمسة أعضاء كلهم من قدامى حركة الانتصار للحريات الديمقراطية. (1)
2 -
أولوية السياسي على العسكري:
لقد لاقى معارضة شديدة من طرف عدد من القادة المشاركين في المؤتمر لاعتقادهم بأن عبان وأعضاء لجنة الصياغة الذين كانوا معه وهم من السياسيين إنما يريدون احتواء الثورة والسيطرة عليها، خاصة وأن المبدأ المذكور جاء مقروناً بآخر نص على أولوية الداخل على الخارج. وإذا عرفنا أن المسؤولين غير العسكريين هم قادة العاصمة التي استقلت عن الولاية الرابعة وأعضاء
(1) المقصود هنا هم السادة: بلقاسم كريم، ابن يوسف بن خدة، العربي بن المهيدي، وعبان رمضان وزيغود يوسف الذي سيترك مكانه بعد الاستشهاد إلى السيد: سعد دحلب.
مندوبية الخارج واتحادية جبهة التحرير الوطني في فرنسا أدركنا شرعية تخوف المعارضين للمبدأين.
لكن السيد عمار بن عودة (1) يذكر أن التخوف المشار إليه سرعان ما تبدد عندما أعطيت التفسيرات التي مفادها أن المقصود بأولوية السياسي العسكري هو التركيز على التفاوض مع العدو لضبط شروط وقف إطلاق النار، لأن الانتصار العسكري على واحدة من أكبر الدول الاستعمارية في العالم يُعد من باب المستحيلات تقريباً خاصة إذا كانت تلك الدولة عضواً فاعلاً في منظمة الحلف الأطلسي (2).
والحقيقة أن التفسيرات المذكورة إنما تم اللجوء إليها فقط للتهدئة ولتقديم التبريرات اللازمة لكبح النفوس وعدم الانقياد لما قد لا يحمد عقباه. فالسياسي والعسكري سواء كان عملاً أو شخصاً، شيء واحد، لأن العمل السياسي يبرمج له الرجل السياسي كما أن القائدالعسكري هو الذي يشرف على تنفيذ العمليات العسكرية التي يكون قد خطط لها. فإذا كانت الأولوية للعمل السياسي، فذلك يعني أن قرار الرجل العسكري يأتي في الدرجة الثانية كوسيلة لدعم مواقف المسؤول السياسي.
وفيما يخص أولوية الداخل على الخارج، فإن المؤتمر قد لجأ إلى إقرارها لأسباب عدة يمكن استخلاص أهمها من العرض الذي قدمه الشهيد العربي بن المهيدي إلى المؤتمرين عن المهمة التي قام بها إلى القاهرة في مستهل عام ستة وخمسين وتسعمائة وألف (3).
فالعرض المذكور يؤكد بصريح اللفظ أن مصر لا يمكن الاعتماد عليها مطلقاً في الحصول على الأسلحة لأن موقفها من الثورة الجزائرية يخضع بقسط
(1) من أسرة عريقة في ولاية عنابة، التحق بالجبال منذ مايسمى بمؤامرة سنة 1950. تقلد مسؤوليات كثيرة أثناء الثورة آخرها: المشاركة باسم جيش التحرير الوطني في مفاوضات إيفيان. عيّن بعد استرجاع الاستقلال سفيراً في طرابلس. عضو اللجنة المركزية لحزب جبهة التحرير الوطني منذ سنة 1979. هو الآن رئيس اللجنة الوطنية لمصاف الاستحقاق.
(2)
انظر الندوة.
(3)
في مستهل تلك السنة كان ابن المهيدي قد اتصل ببرقية من مندوبية الخارج مفادها أن باخرة محملة بالسلاح ستغادر القاهرة في اتجاه مدريد، وعليه أن يتكفل بتحويل حمولتها إلى المغرب ومنه إلى مختلف مناطق الوطن. ولما طال انتظاره في العاصمة الإسبانية، رحل إلى القاهرة وهناك وجد قيادة مقسمة إلى كتل يستحيل الاعتماد عليها.
وافر إلى نشاطها الديبلوماسي (1) كما أن مندوبية جبهة التحرير الوطني غير قادرة على أن تكون قيادة موحدة بفعل الانقسام السائد بين أفرادها الذين مازال كل منهم يبحث عن الزعامة لنفسه. ومما لا ريب فيه أن ثمة خلافات أخرى كثيرة ظهرت أثناء أشغال المؤتمر لكن أصالة ثورة نوفمبر وضعت حداً لكل مامن شأنه أن يتجاوز الخط الأحمر. وظل العمل على تعبئة كل الطاقات الحية قصد القضاء المبرم على النظام الاستعماري هو المهمة الأساسية التي تحجب جميع المهام الأخرى، لأجل ذلك، فإن المؤتمرين صادقوا بالإجماع على الخطوط العريضة التالية:
1 -
إن وحدة الشعب الجزائري مقدسة وكذلك وحدة التراب الوطني، وأي تنازل عن جزء من هذه أو تلك يعد خيانة عظمى. وتعتبر جبهة التحرير الوطني هي الممثل الشرعي للشعب والقائد الوحيد للثورة التي ستظل مستمرة إلى أن يتم بكيفية مطلقة تحرير الأرض وتحرير الإنسان.
وعلى جبهة التحرير الوطني، كي تكون في مستوى المهمة المسطورة لها، أن تواصل ضرب جذورها في أعماق الجماهير الشعبية الواسعة لأن بذلك تكمن القوة التي هي في حاجة إليها لمواجهة عدة الامبريالية وعتادها.
فمن هذا المنطلق تعمل جبهة التحرير الوطني بجميع الوسائل المتوفرة لديها، على محاربة الآفات الاجتماعية مثل الرشوة والجهوية والقبلية والعشائرية والانتهازية التي تشكل مصادر ضعف قاتل وحواجز تعرقل عملية التجنيد من جهة ومساعي بناء المجتمع الثوري من جهة ثانية.
والنجاح في الارتقاء إلى ما تطلبه مستواها كحركة تحررية شاملة يحتم على جبهة التحرير الوطني أن ترسم مجموعة من الضوابط تلتزم بها في سعيها الدائب من أجل تحويل الجماهير الشعبية إلى طاقة خلاقة تتعدى وقف إطلاق النار لتهز أركان التخلف وتشق طريق الانتصار لعملية البناء والتشييد في كافة المجالات وعلى جميع الأصعدة. ومن جملة الضوابط التي صادق عليها مؤتمر وادي الصومام تجدر الإشارة إلى سياسة الإطارات وسياسة الإعلام وسياسة تنظيم الشرائح الاجتماعية المختلفة.
فبالنسبة لإطارات الثورة يرى المؤتمر ضرورة تمكينهم من تكوين سياسي وإيديولوجي يتسلحون به لقيادة الجميع، كل حسب قدرته واختصاصه، في
(1) نفس زيارة ابن المهيدي إلى القاهرة كشفت له بأن باخرة الأسلحة لم تبحر الزيارة التي يؤديها وزير الخارجية الفرنسي إلى مصر في شهر مارس سنة 1956.
معركة حاسمة ضد واحدة من أعتى القوات الاستعمارية في العالم.
وإذا كان الإطار يعرف أنه القدوة الحسنة للذين يسعى إلى تعبئتهم في شتى الميادين، فأنه مطالب بأن يكون مضرب المثل في التحلي بروح المسؤولية والامتثال للقوانين السائدة في صفوف جبهة التحرير الوطني، وبأن يكون سباقاً إلى التضحية، دقيقاً في تطبيق المبادئ ومنضبطاً في تأدية الواجب، وزيادة على ذلك، فإنه لا يعرف التهاون ولا يركن إلى ما تقوم به. لكن الثورة، لكي تحميه من الانحراف، تفرض عليه رقابة مشددة وتحتم عليه أن يكون يقظاً في جميع الحالات.
أما عن الإعلام، فإن ميثاق وادي الصومام يرى أن وسائله يجب أن تكون قادرة على الرد بسرعة عن مناورات العدو إلى تأبيد التقسيم ونشر أسباب الخلاف والنزاع في أوساط الجماهير قصد عزلها عن جبهة التحرير الوطني. ذلك فإن رجل الإعلام ينطلق من كون الدعاية "ليست مجرد تهريج يتميز بعنف الكلمة العقيمة في غالب الأحيان والتي تذهب هباء منثورا، وبما أن الشعب الجزائري أصبح ناضجاً للقيام بالعمل المسلح الإيجابي والمثمر، فإن لغة جبهة التحرير الوطني يجب أن تكون معبرة عن رشدها وذلك بجعلها تتخذ شكلاً جدياً ومتزناً دون التجرد من الحزم والصراحة والحماس الثوري"(1)، إن رجل الإعلام، في منظور جبهة التحرير الوطني، لا يقتصر على تلقي الأخبار وصياغتها ونشرها في أوساط الشعب ولكنه يجب أن يكون سريع البديهة واسع المعرفة وذا قدرة فائقة على الاستيعاب والتحليل والتميز.
فالأخبار تأتيه مواد خام وهو يسهر على فرزها وقولبتها حسب ما تطلبه الظروف وتقتضيه المصلحة. ومن هذه الناحية فهو عبارة عن موجه للرأي العام وصانع للأجواء السياسية خاصة، لأجل ذلك يجب أن تتوفر فيه شروط أساسية أهمها التشبع بإيديولوجية جبهة التحرير الوطني والاستعداد للتضحية بكل شيء من أجل تجسيدها على أرض الواقع.
لقد لاحظ مؤتمر الصومام أن الثورة قطعت خطوات حاسمة في تاريخها، وأنها أصبحت في حاجة إلى تعميم فلسفتها عن طريق التعليمات والشعارات، وعليه قرر مضاعفة عدد المراكز الإعلامية وتزويدها بكل ما تحتاج إليه من إمكانيات مادية وبشرية حتى تكون قادرة على تأدية الرسالة المنتظر منها
(1) EL. MOUDGAHID، Organe central du FLN (Une revolution democratique) No 12 du 15.11.1957.
تبليغها، ومن جهة أخرى، وكتتمة للجهد الذي قد تبذله المراكز، قرر إصدار أكبر عدد ممكن من النشريات الداخلية والدوريات العلمية والثقافية بالإضافة إلى تطوير "المقاومة الجزائرية" و"المجاهد" اللسان المركزي لجبهة التحرير الوطني (1).
وأعطى المؤتمرون تلك، توجيهات خاصة بمضاعفة الجهد من أجل رفع مستوى الدعاية الثورية بحيث تتجاوز رسالتها الوطنية وتشق طريقها نحو الرأي العام العالمي الذي بدأ، فعلاً، يهتم بما يجري في الجزائر ويسعى إلى متابعة تطور كفاحها المسلح. فبهذا الصدد، جاء في محاضرة جلسات المؤتمر:"أن كل منشور أو تصريح أو استجواب أو بيان يصدر عن جبهة التحرير الوطني يجب أن يكون له، اليوم، صدى عالمياً. لأجل ذلك يجب أن يكون مطبوعاً بروح المسؤولية التي تشرف السمعة التي اكتسبتها الجزائر السائرة بثبات في طريق الحرية والاستقلال"(2).
2 -
وفيما يخص تنظيم الشرائح الاجتماعية، فإن المؤتمر قد ركز على الحركة الفلاحية وذلك تقديراً للدور الأساسي الذي تقوم به المناطق الريفية في حياة الثورة وتحسباً للمناورات التي تحيكها السلطات الاستعمارية قصد التوغل في تلك المناطق من أجل تحييدها على الأقل.
لقد أدركت قوات الاحتلال أن جيش التحرير الوطني ضرب جذوره في أعماق الجماهير الريفية التي احتضنت الثورة بكل قوة لأنها وجدت فيها منقذاً لها من حالة البؤس التي كانت مفروضة عليها، لأجل ذلك، ولأول مرة في تاريخ الاستعمار، أعلنت الحكومة الفرنسية عن استعدادها للقيام بإصلاح زراعي يستهدف تحسين أوضاع الفلاحين الجزائريين عن طريق إعادة توزيع بعض المساحات التي قد تقتطع من المزارع الكبرى أو من أراضي الشركات الخاصة ومؤسسات الدولة. كما أنها قررت في ذات الوقت تعديل نظام الخماسة الذي كان سائد في أرياف الجزائر خاصة.
إن المقصود من هذه المناورات المفضوحة، كما جاء ذلك في ميثاق وادي الصومام، هو مغالطة أبناء الريف الجزائري وصدهم عن تبني الثورة، لكن
(1) لقد كانت "المقاومة تصدر خارج الوطن، وهي ثلاثة من المنشورات: نشرة باريس في فرنسا، نشرة المغرب الأقصى ونشرة تونس. أما المجاهد فإنه ظهر إلى الوجود في مدينة الجزائر، وصدر العدد الأول منه في شهر جوان سنة 1956.
(2)
المجاهد العدد الخاص، ص67.
الفلاح الجزائري الذي عرف، في الوقت المناسب، كيف يفشل سياسة الأهالي التي حاول المستعمر تطبيقها لتقسيم المواطنين إلى عرب وبربر متنافرين ومتماقتين، لن ينخدع لهذه المحاولة الجديدة خاصة وأنه يدرك بأن "الإصلاح الزراعي الحقيقي لا ينفصل عن الهدم الكلي للنظام الاستعماري". (1)
فهذا الوضع الجديد الذي آل إليه الريف الجزائري هو الذي جعل المؤتمرين يدعون جبهة التحرير الوطني لبذل أكبر مايمكن من الجهد لمساعدة الفلاحين على تنظيم أنفسهم في إطار سياسة وطنية عادلة ترمي إلى:
أ - تغذية الحقد الشديد على الاستعمار الفرنسي وإدارته وجيشه وشرطته وعلى الخونة المتعاونين معه.
ب - تكوين احتياطي بشري يتزود منه جيش التحرير الوطني والمقاومة بصفة عامة.
ج - نشر عدم الاستقرار في البوادي والعمل على خلق الشروط الموضوعية اللازمة لدعم المناطق المحررة وافتكاك مناطق جديدة من العدو.
3 -
وإذا كانت الأرياف قد اندمج سكانها، منذ البداية، في صفوف جبهة التحرير الوطني محرزة بذلك على مكانة خاصة في تركيبة الثورة، فإن عمال المدن قد أسسوا تنظيماً نقابياً وطنياً أسموه الاتحاد العام للعمال الجزائريين، وكان ذلك في اليوم الرابع والعشرين من شهر فيفري سنة ستة وخمسين وتسعمائة وألف.
إن مؤتمر الصومام قد بارك، في محاضره، ميلاد الاتحاد الذي رأى فيه "تعبيراً عن رد فعل سليم قام به العمال الجزائريون ضد التأثير المُشّل الذي يصدر عن مسيري الكونفدرالية العامة للشغل والقوات الشغيلة والكونفدرالية الفرنسية للعمال المسيحيين"(2) وأوصى بأن تولي جبهة التحرير الوطني عناية خاصة بالمولود الجديد حتى يشتد عوده وتتدعم هياكله.
لقد كانت حقوق العمال الجزائريين في بلادهم مهدورة، ولم يكن في مقدور أغلبيتهم المطالبة بأكثر مما يتكرم به أرباب العمل من الكولون الذين كانوا يقومون بالتوظيف وبالفصل كيفما يشاؤون ولم يكن في وسع التنظيمات النقابية الوقوف في وجه تلك التصرفات الاستبدالية نظراً لما كان للمعمرين من نفوذ
(1) المجاهد، العدد الخاص، ص 68.
(2)
المجاهد، العدد الخاص، ص 68.
سواء في مستوى الولاية العامة أو في أوساط الدوائر الحاكمة في العاصمة الفرنسية.
أما الجزائريون المغتربون، فإن كثيراً منهم قد هاجر وفي نفسه ذلك الخوف من الطغيان، وذلك الشعور بالعجز عن المقاومة، ولذلك فإنهم كانوا يبذلون كل مافي وسعهم للبقاء بعيدين عن الجو النقابي، وعندما تبدد الإقامة مخاوفهم، فإنهم يجرون، كأصوات في البداية، إلى مختلف التشكيلات النقابية، وهناك من استطاع أن يتحول، بسرعة أحياناً، من مجرد صوت إلى مسؤول فاعل ومحرك للجماهير.
فمن بين هؤلاء المسؤولين الذين اكتسبوا تجربة ميدانية وتسلحوا بوعي سياسي عال، برزت تلك الطليعة التي أنشأت، رغم الصعوبات والعراقيل، مركزية نقابية تهدف إلى لمّ شمل العمال الجزائريين داخل التراب الوطني وخارجه من أجل تحسيسهم بالواقع الوطني الجديد، وتزويدهم بإطار تنظيمي يتدربون فيه على تحمل مسؤولياتهم ويتجندون داخله ليكونوا الخزان الحقيقي الذي يمول جيش وجبهة التحرير الوطني بكل ما يحتاجان إليه من إمكانيات مادية وبشرية.
*إن الطابع الوطني الذي اكتساه الاتحاد منذ تأسيسه، قد ساعد كثيراً على التخلص من الهيمنة الأجنبية وبذلك وجد نفسه، إذ يدافع عن حقوق أعضائه، إنما يدافع عن مصالح الأمة الجزائرية جمعاء. ويرى مؤتمر وادي الصومام أن التنظيم الجديد قادر على القيام بدور إيجابي في معركة التحرير الوطني لأسباب يعددها كالآتي (1).
أ - أن قيادة الاتحاد لا تتشكل من عناصر منبثقة عن الأقلية الأوربية التي تتعرض للظلم الاستعماري، ولكنها مكونة من إطارات وطنية يدفعها وعيها الشديد إلى محاربة الاستغلال الاجتماعي من جهة والتميز العنصري من جهة ثانية.
ب- أن العمود الفقري لتلك القيادة ليس مكوناً من الارستقراطية العالمية التي تشمل الموظفين وعمال السكة الحديدية، ولكنه منبثق عن الطبقات الأكثر حرماناً مثل عمال الموانئ والمناجم والصناعات الزراعية.
ج - أن العمل الثوري قد أصبح حقيقة وهو قادر على توفير الشروط الموضوعية اللازمة لتحقيق التآخي الذي لابد منه لصنع الأداة القوية
(1) نفس المصدر، ص:69.
التي تستطيع الصمود في وجه آليات الحرب الاستعمارية، ولمنع ماقد يحدث من انقسام في أوساط عشرات آلاف العمال الذين سارعوا للانضمام إلى الاتحاد العام للعمال الجزائريين مباشرة بعد ميلاده (1).
إن جبهة التحرير الوطني لم تعد تكتفي بوجودالاتحاد واستقلاليته عن التنظيمات النقابية الفرنسية، بل أصبحت تطمح إلى أن يقوم التنظيم الجديد بدور أساسي في عملية تكوين العمال وتوعيتهم وتعبئتهم المستمرة وفي استمالة التنظيمات المماثلة في فرنسا أو في مختلف أنحاء العالم لمساندة كفاح الشعب الجزائري، لأجل ذلك فإن تعلق الأمر بمواجهة التحديات والصعوبات، هذا من جهة، ومن جهة ثانية أوصى باحترام الديمقراطية في أوساط العمال ومراعاة التقاليد السائدة داخل الحركات العمالية المعروفة في العالم.
وبالإضافة إلى كل هذه التوجيهات السياسية والإجراءات التنظيمية التي سيكون لها أثر فعال في حياة الاتحاد العام للعمال الجزائريين، حذر المؤتمر الإطارات النقابية من مغالطات الحزب الشيوعي الجزائري الذي "لايمكن لعجزه في الميدان السياسي إلا أن يتحول إلى فشل ذريع في المجال النقابي"(2) وأكد أن عالم الشغل في الجزائر سيعرف تطوراً هاماً تحت إشراف جبهة التحرير الوطني خاصة وأن "المركزية النقابية الجديدة تختلف كلية عن المنظمات الفرنسية المماثلة سواء بالنسبة لاختيار قيادتها أو للتضامن الأخوي الذي تغذيه ثورة التحرير الوطني والذي يجد سنداً قوياً لدى عمال شمال إفريقيا والعالم أجمع (3).
فمن خلال كل ماتقدم، ترى جبهة التحرير الوطني أن الطبقة العاملة تستطيع، في خضم المعركة التحريرية الشاملة أن تسهم فعلياً في إحداث ديناميكية قادرة على تمكين الثورة من التطور بسرعة فائقة ومن اكتساب القوة الكافية لتحقيق النصر النهائي.
4 -
ودائماً في إطار تنظيم الفئات الاجتماعية المختلفة، قرر المؤتمر ضرورة إنشاء اتحاد عام للتجار الجزائريين يسند الإشراف عليه إلى وطنيين يكونون إضافة إلى تسيير شؤون التنظيم الجديد، مكلفين بإيجاد أفضل السبل
(1) جاء في مؤتمر وادي الصومام أن الاتحاد العام للعمال الجزائريين قد سجل انضمام اثنتين وسبعين نقابة في أقل من شهرين وأصبح يشتمل على 110.000 منخرط، انظر المجاهد، ص 357.
(2)
نفس المصدر، ص:68.
(3)
نفس المصدر.
لكسر الاحتكارات الأوربية التي تخنق التاجر الجزائري الصغير وتجعل منه مجرد آلة لا تتحرك إلا كيفما شاء المستغل لها. ويقوم الاتحاد من جهة أخرى، بنشر الوعي الثوري في أوساط كافة التجار الجزائريين الذين يجب أن يتنجندوا للإسهام فعلياً وبقسط وافر في تمويل الثورة إلى جانب المهمة الأساسية الأخرى التي حددها المؤتمر للاتحاد عندما أكد أن جبهة التحرير الوطني التي تسعى إلىجعل الاتحاد العام للعمال الجزائريين يتطور بسرعة في أجواء سياسية ملائمة، تنتظر منه القيام بمحاربة كافة أنواع التغريم والضرائب وبمقاطعة تجار الجملة المستعمرين وكل التنظيمات التجارية التي نشاطاتها في إطار الحرب الامبريالية الدائرة رحاها ضد الشعب الجزائري (1).
5 -
وحظيت المرأة كذلك باهتمام مؤتمر وادي الصومام. ولم يكن ذلك الأمر الغريب خاصة عندما نرجع إلى تاريخ المقاومة الشعبية الذي عرف من النساء اللاتي قدن الكفاح المسلح أو شاركن فيه بما أصبح مضرباً للمثل في الشجاعة والإقدام.
ولقد برهنت الفتيات الجزائريات، منذ اندلاع ثورة نوفمبر، على أنهن أهل لحمل مشعل لالة فاطمة أنسومر (2)، وأن شجاعتهن لا تقل عن شجاعة الرجل سواء في ميدان المعارك والسلاح في أيديهن أو في المستشفيات والمستوصفات حيث يبدعن في التمريض وتضميد الجراح أو في القرى والمداشر ينشرن الوعي الثوري ويشاركن بقسط وافر في تربية الجماهير سياسياً وإيديولوجياً.
فالفتاة الجزائرية غادرت صفوف الثانويات ومدرجات الجامعات تماماً كما فعل أخوها التلميذ والطالب، عندما وجهت لهم النداء جبهة التحرير الوطني (3)، وعلى غرار إخوانها، أعربت عن استعدادها للانضمام إلى الصفوف وأصبح من الواجب على قيادات الثورة أن تهتم بتخصيص تنظيم لها شبيه بالاتحادات الأخرى يمكنها من النشاط اليومي لفائدة الكفاح المسلح (4).
وفي انتظار ذلك، قرر المؤتمر إيجاد الصيغ العملية التي توفر للمرأة
(1) نفس المصدر، ص 68.
(2)
قائدة الكفاح المسلح في المجانة ومنطقة القبائل في الفترة مابين 1853 و1856.
(3)
المقصود هنا هو النداء الخاص بالإضراب عن الدروس والإلتحاق بصفوف جبهة التحرير الوطني وجيش التحرير الوطني وقد استجيبت بالإجماع وتوقفت الدراسة قبل شهر فقط من الامتحانات وذلك يوم 19/ 05/1956.
(4)
سيبدأ هذا التنظيم يتجسد بالتدريج خاصة عندما تظهر على الساحة النضالية السيدات: مامية شنتوف، خيرة مصطفاوي ونفيسة حمود الاتي سيمثلن النساء الجزائريات في كثير من التظاهرات الدولية.
الجزائرية حيثما وجدت شروط المشاركة في المعركة مع الأخذ بعين الاعتبار إمكانياتها المادية والأدبية، وعلى سبيل المثال، فإنها ريفية كانت أو مدنية، تستطيع الإسهام في رفع معنويات المقاتلين (1) وفي جمع المعلومات الخاصة بالعدو، والقيام بالاتصال بين المراكز كما أنها تستطيع القيام بالتمويل وتهريب المشبوهين وبمساعدة عائلات المجاهدين والمعتقلين، كل ذلك بالإضافة إلى مهامها كجندية عندما يقتضي الحال.
ولتمكين المرأة من تأدية هذه المهمة النبيلة في وسط اجتماعي كان إلى قبل اندلاع الثورة لا يولي اهتماماً كبيراً للأنثى، أمرت جبهة التحرير الوطني بأن تعامل النساء وفقاً للشريعة الإسلامية التي تكبرهن أمهات وزوجات وأخوات، وسنرى في الحديث عن الوضع الاجتماعي والاقتصادي كيف أن هذا الأمر قدأحدث تغييراً جذرياً في أوضاع الأسرة الجزائرية.
6 -
ولم تكن حركة الشباب غائبة عن أذهان المؤتمرين خاصة وأن أغلبية مفجري الثورة لم يكونوا قد خرجوا بعد من طور الشباب (2) وأن الشباب، في الجزائر، كانوا يمثلون أكثر من نصف السكان الإجمالي، زيادة على كون معظم الجزائريين ينضجون في سن مبكرة وينتقلون مباشرة من الطفولة إلى الكهولة نتيجة الفاقة والاملاق والحاجة إلى مصارعة الظروف الصعبة التي يتفنن في خلقها المستعمر الجشع. (3)
وليس النضج المبكر هو الصفة الوحيدة التي تميز الشباب الجزائري، ولكنه يمتاز كذلك بالحيوية وبالشجاعة والإقدام والتفاني في إنجاح ما تسند له من مهام، وعندما ينظر إليه من خلال الحياة اليومية، يكتشف أنه يتحلى بخصال أخرى كثيرة مثل روح المبادرة والصبر على المكروه والإرادة القوية والرغبة في الانعتاق والتحرير من كابوس الظلم والاستبداد.
ولقد كانت قيادة جبهة التحرير الوطني تعرف جيداً أبناء شعبها. ولأنها تؤمن بأنهم يشكلون مشتلة أصيلة لتزويد جيش التحرير الوطني، فإنها خصصت لهم مكانة يستحقونها في ميثاق وادي الصومام.
(1) تجدر الإشارة، بهذا الصدد، إلى أن الفتاة الجزائرية صارت في كثير من الأحيان، ترفض الزواج إذا لم يكن من مجاهد.
(2)
كانت أعمار ثلثي أعضاء القيادة السداسية لا تتجاوز اثنتين وثلاثين سنة. في حين كان مصطفى بن بولعيد أكبرهم سناً يبلغ من العمر سبع وثلاثون سنة، وكريم بلقاسم خمساً وثلاثين سنة.
(3)
معظم الذين فجروا الثورة كانوا قد التحقوا بصفوف الحزب قبل بلوغهم سن الرشد.
أما شباب الأرياف وشباب المدن غير المتمدرسين وهم الأغلبية الساحقة، فإن المؤتمر أوصى باعدادهم للمعركة وذلك بتطوير حسهم الوطني وتنمية استعداداتهم للتضحية القصوى في سبيل استرجاع الاستقلال الوطني.
وأما تلاميذ الثانويات وطلبة الجامعة فإن نضالهم يجب أن يكون على الجبهة العسكرية ككتاب في مستوى هياكل الثورة أو على الجبهة السياسية في إطار الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين الذي كان قد تأسس بباريس على إثر مؤتمر انعقد في الفترة مابين الثامن والرابع عشر من شهر تموز سنة خمس وخمسين وتسعمائة وألف.
وبتوجيه من جبهة التحرير الوطني، كان للاتحاد المذكور نشاط مكثف في داخل البلاد وفي خارجها وعلى سبيل المثال ذلك القرار التاريخي الذي تم اتخاذه يوم 20 / ك2 سنة ست وخمسين وتسعمائة وألف والقاضي بتنظيم أسبوعين للتضامن مع إخوانهم المعتقلين على أن يكون اليوم الأول الذي هو يوم القرار ذاته، يوم الاضطراب عن الدروس والطعام (1).
وصادق المضربون على لائحة وجهوها لكافة السلطات الاستعمارية يطالبون فيها بإطلاق سراح الطلبة المسجونين، وإجراء تحقيق فعلي حول اغتيال زميلهم زدور (2) ومعاقبة المجرمين المسؤولين عن ذلك، كما أنهم طالبوا بوقف عمليات القمع الأعمى، والاعتراف بوجود الأمة الجزائرية وحق الشعب في تقرير مصيره والتفاوض مع ممثله الشرعي والوحيد: جبهة التحرير الوطني.
ومع تطور الكفاح المسلح ازداد الطلبة وعياً وتبلور التزامهم بمبادئ جبهة التحرير الوطني. يستخلص ذلك من خلال اللائحة السياسية التي اختتمت بها أشغال مؤتمرهم الثاني الذي انعقد بباريس في الفترة ما بين الرابع والعشرين والثلاثين مارس سنة ست وخمسين وتسعمائة وألف (3).
(1) يقول السيد كي بارفيلي: إن القرار تم تطبيقه بالإجماع في جامعة الجزائر، بل إن جزءاً من الطلبة الأوروبيين إلى أن كفاح الشعب الجزائري عادل وشرعي وبالتالي فهو لن ينتهي إلا باسترجاع السيادة.
(2)
تم اعتقال زدور في مدينة وهران يوم 6/ 12/1955.
(3)
جاء في اللائحة ما يلي:
- نظراً إلى أن الاستعمار هو مصدر الفاقة والأمية والاعتداء على كرامة الشعوب.
- نظراً إلى أن كفاح الشعب الجزائري عادل وشرعي وبالتالي فهو لا ينتهي سوى باسترجاع السيادة.
وعندما وجهت جبهة التحرير الوطني نداءها إلى الطلبة الزيتونيين خاصة للإضراب عن الدراسة والالتحاق فوراً بصفوف جيش التحرير الوطني في مختلف أنحاء الوطن وفي الحدود، اغتنم أعضاء الاتحاد المتواجدين بالعاصمة تلك الفرصة فقرروا الإضراب عن الدروس والامتحانات إلى أجل غير مسمى ووجهوا نداء إلى الطلبة يدعوهم إلى الالتحاق بصفوف جيش التحرير الوطني وجبهة التحرير الوطني.
ومن خلال دعوتها إلى الإضراب العام، فإن جبهة التحرير الوطني لم تكن تقصد مجرد الوصول إلى إخلاء الثانويات ومدرجات الجامعات، كما أنها لم تكن ترمي إلى جعل كل تلك الأعداد الغفيرة من التلاميذ والطلبة يلتحقون بصفوف جبهة التحرير الوطني. لقد كان كل ذلك ثانوياً بالنسبة للهدف الأسمى الذي يتمثل من جهة في الإعلان للعالم أجمع بأن أغلبية الشعب الجزائري تدرك الواقع الاستعماري وهي مع الكفاح المسلح من أجل استرجاع السيادة الوطنية، وفي تحسيس آلاف الشباب والمراهقين ومن خلالهم الأولياء بكون أبواب الحرية التي سدها الاستعمار لا يفتح إلا بالإقدام على التضحية في جميع الميادين.
ولقد ألح المؤتمر على مواصلة الاهتمام بمصير الشباب عامة والمعتقلين على وجه الخصوص حيث دعى إلى توفير كل الشروط التي تمكن من توظيف الطاقات الحية بكيفية عقلانية وإلى بذل قصارى الجهد في سبيل التخطيط لعمليتي التجنيد والتعبئة، لأجل ذلك، فإن المؤتمرين قرروا، بالنسبة للطلبة والطالبات، أن تحصر المهام التي تسند إليهم خاصة في المجالات السياسية والإدارية والثقافية والصحية والاقتصادية إلى غير ذلك من الميادين التي يكونون فيها أكثر مردودية، وتكون مجهوداتهم أكثر فعالية، وعندما يكونون خارج التراب الوطني أو يتم تمريرهم، في حالة الاكتفاء، بواسطة جيش التحرير الوطني إلى تونس والمغرب فإنهم يتوجهون إلى مختلف الجامعات
- نظراً إلى أن سياسة العنف، وحرب الإبادة والقمع قد تضاعفان عدد الضحايا دون القضاء على حركة التحرير، وتجعلان.
فإن المؤتمر يطالب بالآتي:
1 -
الإعلان عن استقلال الجزائر.
2 -
إطلاق أنفسهم قد استجاب للنداء وعبر، عنه تلقائياً، عن إدانته للإجراءات التعسفية المسلطة على الطلبة المسلمين.
- نظراً إلى أن الاستعمار هو مصدر الفاقة والأمية والاعتداء على كرامة الشعوب.
- اطلاق سراح الوطنيين المعتقلين.
3 -
التفاوض مع جبهة التحرير الوطني.
الكائنة في البلدان الشقيقة والصديقة ينهلون من ينابيع المعرفة بشتى أنواعها، ويستعدون للدور الذي ينتظر منهم القيام به بعد استرجاع السيادة الوطنية (1).
7 -
وعلاوة على تنظيم الفئات الاجتماعية الأصيلة، رأى مؤتمر وادي الصومام أن من فائدة الثورة أيضاً الاهتمام بالأقليات الأوربية سواء منها التي جاءت غازية في ركاب الاستعمار أو التي جاءت إلى الجزائر تطلب العيش بوسائل مختلفة (2). لقد كانت تلك الأقليات تمثل، من حيث العدد، أكثر من عشر السكان وتسيطر، فعلياً، على ثلثي الاقتصاد، ولها في باريس نفوذ على أكثر من
واحدة من الجهات التي بيدها سلطة القرار. لأجل ذلك، فإن إهمالها قد يحولها إلى قوة مناهضة وتجعلها تقبل على توظيف إمكانياتها لدعم المجهود الحربي الاستعماري.
ولم يكن المؤتمرون يجهلون أن الأوربيين، في الجزائر، ليسوا صنفاً واحداً، بل الجميع كان يدرك أن من بينهم الغلاة الذين لا ينتظر منهم شيء بإيمانهم الراسخ بأنهم من جنس أعلى وبأن نسبة كبيرة من أبناء جلدتهم إنما ولدوا ليكونوا وسيلة لهم تمكنهم من تسخير الجزائريين واستغلال ثرواتهم على اختلاف أنواعها. لكن الجزء الأكبر من المسيحيين واليهود قبل التعاون مع الثورة إما لطمع في حماية المصالح الخاصة واكتساب امتيازات أخرى نتيجة المستوى الثقافي العالي نسبياً والتكوين العلمي والمهني خاصة، وإما لقناعة فكرية نتيجة الانتماء إلى تشكيلات سياسية تقدمية متعددة. فعلى هذا الجزء قرر المؤتمر تركيز الجهد، وأوصى جبهة التحرير الوطني بإعطاء اهتمام خاص للجانب النفساني الذي يتعرض للضغط الاستعماري المكثف (3).
إن الثورة الجزائرية لا تهدف إلى رمي الأوربيين في البحر كما أنها تدين الشعار الذي حمله أمثال "كريفو" لترهيب الأقليات وتنفيرهم من جبهة التحرير الوطني والذي يقول: "الحقيبة أو التابوت"(4) لكنها تريد فقط استرجاع الاستقلال الوطني الذي اغتصب سنة ثلاثين وثمان مائة وألف، وإقامة جمهورية
(1) المنظمة الوطنية للمجاهدين، أشغال المؤتمر الأول لتاريخ الثورة، ص. 175.
(2)
هناك عدد كبير من الجالية اليهودية خاصة جاؤوا إلى الجزائر من جنود أوليفرنة قبل الغزو الاستعماري بكثير واستقروا في مناطق من البلاد يتعاطون التجارة والصناعة، ومن هؤلاء بكرى وبوجناح لا يمكن فصل اسميها عن تاريخ احتلال الجزائر.
(3)
المجاهد، العدد الخاص رقم 4 ص67 وما بعدها.
(4)
نفس المصدر، ص70.
ديمقراطية واجتماعية تضمن المساواة الحقيقية بين جميع المواطنين (1) ولأجل ذلك اختارت الكفاح المسلح وهي مصممة على مواصلته إلى أن يتجسد كل ما تصبو إليه، وتدعو كافة السكان، أياً كان أصلهم، للانضمام إلى صفوفها حتى تتظافر الجهود من أجل القضاء النهائي على النظام الاستعماري في الجزائر.
إن النظر إلى الأقلية الأوربية بهذا المنظار هو الذي جعل المؤتمر يوصي جبهة التحرير الوطني بتشجيع كل المساعي التي من شأنها أن توصل إلى تكوين لجان وحركات جماهيرية تضم ما أمكن من الأوربيين الذين يرفعون شعار الدعوة إلى:
- إيقاف الحرب التي يشنها الاستعمار ضد الشعب الجزائري.
- فتح المفاوضات المباشرة من أجل إعادة السلم وتمكين الجزائر من استرجاع استقلالها الوطني.
- مساعدة ضحايا القمع والإرهاب.
- الدفاع عن الحريات الديمقراطية وتجريد الميليشيات الأوربية من السلاح.
- توعية نساء الأجناد الفرنسيين وتنظيمهن للمطالبة بتسريح رجالهن من صفوف الجيش المقاتل في الجزائر.
ومن خلال كل تلك اللجان والحركات ستتمكن جبهة التحرير الوطني من الوصول إلى الأوساط التقدمية في فرنسا ذاتها وانطلاقاً من تلك الأوساط يكون النفاذ إلى عامة الشعب قصد توعيته بالأخطاء التي قد تجرها إليه استمرارية الحرب، وتحسيسه بأعمال القمع والإرهاب التي تمارس باسمه من طرف الجيش الفرنسي في أرياف الجزائر وفي مدنها وقراها.
وعندما يدرك الشعب الفرنسي كل ذلك، فإنه يسخط ويتحول إلى قوة ضاغطة يكون التعبير عنها بواسطة التظاهرة ضد إرسال الأجناد بدفعات متتالية يدعمون قوات الدمار في الجزائر ويموتون في سبيل قضية ظالمة، وستنظم المظاهرات أيضاً لحمل الحكومة الفرنسية على التفاوض مع جبهة التحرير الوطني وللمطالبة بإلغاء عمليات التعذيب التي يتعرض لها المعتقلون السياسيون والأبرياء الذين غصت بهم المحتشدات والمعتقلات والتجمعات التي صارت تقام هنا وهناك بلا عد ولا حصر في مختلف أنحاء البلاد.
وإذا كان دور جبهة التحرير الوطني لا يتعدى هذه الأهداف المتواضعة
(1) نفس المصدر.
بالنسبة لما يمكن انتظاره من الشعب الفرنسي الذي يمول الحرب مادياً وبشرياً عن وعي أو عن غير وعي، فإن هذا الدور يتغير تماماً عندما يكون الأمر متعلقاً بالمغتربين الجزائريين الذين يعيشون في أوربا. فهناك تنظيم محكم لا يختلف عما هو معروف ومطبق في سائر مناطق الجزائر وفي كل من الحدود الغربية والشرقية (1).
لقد أنشئت اتحادية جبهة التحرير الوطني بفرنسا في نفس الوقت الذي تأسست فيه باقي مناطق الجزائر، وحددت لها مهام أساسية، في بداية الأمر، لإرساء قواعد نضالية تكون قادرة على استئصال جذور الحركة الوطنية الجزائرية التي يتزعمها السيد الحاج مصالي من جهة وعلى جمع الأموال الضرورية لتسير الثورة وتجهيزها من جهة ثانية (2). واستطاعت، رغم كل الصعوبات والعراقيل، أن تقطع في الاتجاه المذكور، أشواطاً بعيدة. لكن مؤتمر وادي الصومام أضاف إلى تلك المهام ما يلي (3).
1 -
العمل على توسيع الحركة الفرنسية المتحررة وتشجيعها على تنوير مختلف الطبقات الشعبية التي يجب أن تطلع على الفظائع والجرائم التي ترتكب ضد الشعب الجزائري الأعزل من ناحية، وعلى مساعدة جبهة التحرير الوطني خاصة في مجالات الإعلام والدعاية وتنقل المسؤولين والإطارات ونقل الوثائق من جهة ثانية.
2 -
تنظيم المغتربين الجزائريين في أوربا بأكملها مع التركيز على فرنسا وذلك لتحقيق غرضين رئيسيين هما:
أ- تجنيد الطاقات وتوعيتها قصد إعدادها لتزويد جيش التحرير الوطني عن طريق تونس والمغرب الأقصى اللذين أنشئت على حدودهما مع الجزائر مراكز خاصة للتدريب العسكري. ونظراً إلى ارتفاع عدد المغتربين وصغر سنهم وانتشار الوعي السياسي في أوساطهم نتيجة الجهد الذي كانت بذلته حركة الانتصار للحريات الديمقراطية من ناحية وبفضل نشاط الحركات النقابية المختلفة من ناحية أخرى، فإن اتحادية جبهة التحرير الوطني في فرنسا سرعان ما تحولت إلى خزان بشري لا ينضب.
(1) المنظمة الوطنية للمجاهدين، إشغال المؤتمر الأول لكتابة التاريخ، ص
(2)
boudiaf (Mohamed) La picparation du LER NOVEMBRE، EL Djarida 1968، P. 06
(3)
المجاهد، العدد الخاص، ص. 68.