الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
*
موقف الحكومة الفرنسية من الثورة وتطورها:
وفي صباح اليوم الثاني من شهر نوفمبر، ظهرت الصحافة الاستعمارية بعناوين ترمي إلى هدفين مختلفين: فهي تدعو، من جهة، إلى التزام الهدوء، ومنح الثقة للسلطات المختصة التي تملك من الوسائل ماسيمكنها، في ظرف قصير جداً، من القضاء على الأعمال الإجرامية (1) والدعوة إلى الهدوء والثقة معناها منع الفوضى والاضطراب اللذين من شأنهما أن يخلقا مايحتاجه الثوار من ظروف ملائمة، فتضطرب نيران الحرب، وتعم الثورة التي تحقق المسؤولون من وقوعها رغم تنكرهم لها في الظاهر، وعدم اعترافها بشرعيتها. ومن جهةأخرى. فإن تلك العناوين جاءت عبارة عن ترهيب ووعيد موجهين لقادة وأعضاء الحركة الجديدة، مذكرة بقوة فرنسا وعظمتها وقدرتها على رد الفعل، وعلى استعمال العنف والقمع من أجل التوصل إلى استتباب الأمن وإرجاع المياه إلى مجاريها ..
وبهذا الصدد، صرح الوالي العام بأنه يملك وسائل إضافية سوف لن يدخر استعمالها، وأنه سيتخذ كل مايجب اتخاذه من إجراءات لحماية مصالح فرنسا والفرنسيين وللدفاع عنها (2)
وفي اليوم الثالث من الشهر، تعددت التعاليق وتكاثرت الآراء التي أجمعت، رغم اختلاف الاتجاهات السياسية لأصحابها، بأن جذور ماوقع في الجزائر، يجب البحث عنها في الخارج، لأن الدقة التي ميزت الأحداث"أكبر من عقول الأهالي"(3)
وبالطبع، فإن أول من وجهت إليه التهم الثقيلة هي الجامعة العربية التي لم تكن، آنذاك تخفي دفاعها عن حقوق أبناء المغرب العربي إلى درجة أنها أنشأت، في القاهرة، مباشرة بعد تأسيسها، مكتباً يمثل الحركات الوطنية العاملة في كل من تونس والجزائر والمغرب الأقصى (4)، وبالإضافة إلى ذلك فإن إذاعة صوت
(1) انظر جريدة "صدى الجزائر" Echo d ' Alger، الصادرة بتاريخ 2 نوفمبر سنة 1954.
(2)
جريدة " Echo d' Oran" الصادرة بتاريخ 3 نوفمبر سنة 1954.
(3)
نفس المصدر.
(4)
مكي (الشاذلي)، "مكتب تحرير المغرب العربي، الشعب، العدد 1092، الصادر بتاريخ 17/ 03/1966. يذكر الكاتب الذي كان يمثل حركة الانتصار للحريات الديمقراطية في المكتب المذكور برئاسة الأمير عبد الكريم الخطابي أن الجماعة العربية خصصت لها ميزانية لتكوين وتدريب جيش تحرير شمال إفريقيا.
العرب هي أول محطة أعلنت عن ميلاد جبهة التحرير الوطني، وبشرت بالنصر المبين، ودعت إلى اللحاق بركب المقاتلين، منددة بالقاعدين والمترددين، ثم أن مصر كانت، سنة 1954، ما زالت تعيش في هيجان الثورة وحماسها، تلك الثورة التي رفعت كشعار لها، منذ البداية، خدمة القومية العربية والدفاع عنها أينما وجد أبناؤها.
ومن جهته، فإن السيد ميسكاتلي، ممثل ولاية الجزائر العاصمة في مجلس الشيوخ الفرنسي، قد صرح بأن الأحداث التي تهز المستعمرة منذ ثلاثة أيام ماهي إلا دلالة واضحة على التضامن الوطيد بين مختلف الحركات الوطنية التي تشوش شمال إفريقيا بأسره، بل أن مايتم في واحد من أقطار المغرب، إنما هو باتفاق الجميع ومن تخطيط كل القيادات المتمردة على السيادة الفرنسية (1).
أما الوالي العام، السيد روجي ليونار، فإنه أبدى اندهاشه أمام التناسق الذي تمت به العمليات عبر مختلف أنحاء البلاد، وراح يؤكد أن كل القرائن تثبت بأن عناصر أجنبية هي التي خططت وهي تقود التمرد قصد تجنيد الرأي العام بمناسبة انعقاد الدورة العادية للأمم المتحدة، والتمكن من فتح ملف المغرب العربي أمام تلك الهيئات الدولية.
وعلى العكس من الوالي العام، فإن السيد مارسيل أدموند نايجلن السابق الذكر، لم يندهش لما وقع، بل ذكر أنه كان دائماً يقول:"إن الجزائر لا يمكن أن تبقى غريبة عما يجري في المغرب الأقصى وتونس"(2)، ثم حدد خطة للعمل تهدف إلى خنق الثورة في مهدها، وحصرها في نقطتين: تتمثل الأولى في الشروع في تطبيق قانون الجزائر الذي سبقت الإشارة إليه، وتتعلق الثانية بتنمية الخدمات الاجتماعية، وخاصة محاربة البطالة في أوساط الأهالي لصدهم عن الانضمام إلى صفوف جبهة التحرير الوطني.
وخارج الجزائر، فإن "بريد المغرب" قد علق على أحداث الفاتح من نوفمبر بما يلي:
إن الوطنيين يعتقدون أنهم سيسيطرون على عمليات الإرهاب، ولكنهم غالطون، لأن ذلك سوف يتعداهم لفائدة الشيوعيين. (3)
وكانت الجملة الأخيرة بمثابة الإيحاء، لأن الشيوعية سوف تصبح من
(1) Ladépêche de Constantine: العدد الصادر بتاريخ 02/ 11/1954.
(2)
نفس المصدر.
(3)
"بريدالمغرب"، الصادر بتاريخ 2 نوفمبر 1954.
خلال وسائل الإعلام، هي المتهم الثاني الذي ستركز سلطات الاستعمار مجهوداتها لتلقي عليه مسؤولية اندلاع الثورة.
وليس معنى الاتهام أن المخابرات الفرنسية لم تكن تعرف الحقيقة، ولكن كان لابد من إيجاد العوامل التي تنفر الجماهير من الحركة الجديدة، وتمنعها من الالتحاق بصفوف المكافحين. ذلك أن الشعب الجزائري مسلم، وإذا كانت الثورة مدعمة، حقاً، من قبل الشيوعية، فإنها تكون، بلا شك، مناهضة للإسلام خاصة وأن هناك سوابق في التاريخ المعاصر: شعوب إسلامية سيطرت عليها الشيوعية، فأخرجتها من الإيمان ورمت بها في أحضان الكفر والإلحاد بحجة مسايرة العلم والتقدم.
ولئن كانت المسؤولية قد ألقيت هكذا جزافاً على كل من الجامعة العربية والشيوعية، هروباً من الواقع المر الذي لم يكن يخفي على الولاية العامة، فإن حركة الانتصار للحريات الديمقراطية هي الأخرى قد تعرضت لقمع أعمى باعتبارها المسوؤل الرئيسي عما وقع (1) ..
وهكذا صدر مرسوم بتاريخ الخامس من شهر نوفمبر، ونشر على أعمدة الجريدة الرسمية التي تحمل تاريخ السابع من نفس الشهر، يقضي بحل حركة الانتصار للحريات الديمقراطية وكل المنظمات والهيئات التابعة لها وتحريم نشاطها في كافة أنحاء تراب الجمهورية الفرنسية بما في ذلك مايسمى بعمالات الجزائر. وأعطيت الأوامر لمصالح الأمن في مختلف أنحاء البلاد، فألقت القبض، خلال الأسبوع الأول من نوفمبر وحده، على أكثر من ألفي رجل من مناضلي ومسؤولي الحركة المصالية وزجت بهم في السجون تستنطقهم، بحثاً عن الحقيقة ومن أجل التوصل إلى القيادة العاملة في كل منطقة.
وأمام تلك الأعداد الضخمة من الإيقافات وبعد قنبلة جبال الأوراس بالنابالم الذي أتلف الأخضر واليابس في جزء كبير منها، عنونت الجرائد الاستعمارية في صحافتها الأولى:"بأن المنظمة الإرهابية قد قضي عليها نهائياً في الشرق الجزائري". (2).
ومما لاشك فيه أن تصرفات السلطات الاستعمارية، أثناء هذا الأسبوع
(1) روبارت مارل؛ أحمد بن بلة، قالي مار باريس سنة 1960، ص 96 - 97، يقول المؤلف أن أحمد بن بلة ذكر له أن قيادة الثورة كانت تراهن على ارتكاب فرنسا كل هذه الأخطاء.
(2)
ص Echo D'Oran La dépêche de constantine du 09/ 11/1954. Alger- Echo d Echod
الأول من الثورة قد ساهمت مساهمة فعالة، وبطريقة عفوية، في تزويد جبهة التحرير الوطني بالكثير من المنخرطين الجدد، كما أنها ساعدت على نشر الرعب في نفوس الأوربيين والتشكيك في كل مايمكن أن يصدر عن الهيئات الرسمية.
وبالفعل، فإن حملة الإيقافات العشوائية قد دفعت الكثير من المترددين إلى تغيير مواقفهم والالتحاق بالجبال، هروباً من السجون ومراكز الاستنطاق (1). ومن الجانب الآخر، فإن المعمرين لم تعد لهم أدنى ثقة فيما تصدره صحافتهم من بيانات رسمية، خاصة، وأن تلك البيانات كانت قد ذكرت، في البداية بأن عدد المتمردين لا يتجاوز ثلاثمائة أو أربعمائة شخص، يوجد جلهم في منطقة الأوراس.
وبعد نهاية الأسبوع الأول من نوفمبر أفادت بأنه ألقي القبض على حوالي ألف من "الإرهابيين"(2) وبأن العمليات العسكرية الحقيقية سوف تدخل مرحلتها الحاسمة في الأيام المقبلة.
*على هذا الأساس، صار الأوروبيون والذين يقرأون الجرائد بصفة عامة يتساءلون عمن هم هؤلاء الذين تم اعتقالهم. وهل السلطات الاستعمارية تعرف العدد الحقيقي للثوار العاملين في سائر أنحاء الجزائر؟ وإذا كانت السلطات الرسمية لا تستطيع الإجابة المقنعة عن هذين السؤالين، فهل يحق للمعمرين أن يثقوا بقدرتها على حمايتهم والدفاع عن ممتلكاتهم، فضلاً عن ثقتهم بقدرتها على تخليص البلاد من ذلك السرطان الذي يهدد الكيان الاستعماري في أساسه؟
ولاسترجاع تلك الثقة المفقودة والضرورية لخوض المعركة، ركزت السلطات الفرنسية على جانبين رئيسيين من جوانب الإعلام والتوجيه: فمن ناحية سلطت الأضواء على حياة بعض الثوار ممن لهم "ماض إجرامي أو علاقات مشبوهة مع القضاء" وذلك للتقليل من قيمة جبهة التحرير الوطني، وحتى يتخلف أبناء العائلات الكريمة عن الالتحاق بصفوف المجاهدين، ومن جملة ما نشرته جريدة "صدى الجزائر": أن جيش التحرير المزعوم يضم من بين قيادات أركانه شخصيات بارزة يمكن أن نذكر من جملتها: الشهير قرين بلقاسم بن بشير الذي يبلغ من العمر سبعاً وعشرين سنة ويجر وراءه سوابق عدلية لا تقوى الجبال على حملها. لأجل ذلك، فإنه لا مجال للدهشة عندما نعلم
(1) المنظمة الوطنية للمجاهدين، أشغال المؤتمر لكتابة التاريخ، الجزائر 1981، ج1، ص 107.
(2)
نفس المصدر، ص 109.
أنه فضل الالتحاق بأصدقائه المحكوم عليهم. ترأس عصابة من الإرهابيين بدلاً من أن يستسلم للعدالة ويقضي في السجن سنوات الأشغال الشاقة التي حكم بها عليه سنة 1950". (1)
ومن ناحية ثانية، ركزت وسائل الإعلام، بأمر من المسؤولين طبعاً، على التدخل الأجنبي والإمدادات الخارجية"، التي بدونها لا يمكن للجزائريين أن يقفوا في وجه قوات الأمن الفرنسية (2) وبهذا الصدد، ذكر أن خمس مائة "إرهابي" تونسي التحقوا بجبال الأوراس في الأيام الأولى من شهر نوفمبر لتنظيم وحدات القتال، وتدريب الأهالي على استعمال الأسلحة وعلى خوض حرب العصابات. كما ذكر أن السلطات العسكرية قد لاحظت بأن بعض الطائرات تأتي، ليلاً، بدون أدنى ضوء فتفرغ حمولاتها بمنطقة الأوراس، وتضيف نفس المصادر أن تلك الطائرات قد يكون منطلقها من المملكة الليبية (3)
وبالإضافة إلى كل ذلك، فإن الصحافة الفرنسية راحت تعمل على تعميم الفكرة القائلة بأن الثوار إنما هم جماعات معزولة ومنبوذة من الجماهير التي لا ترغب سوى في أن تبقى فرنسية كاملة الحقوق والواجبات. وبهذا الصدد نشرت "صدى الجزائر" خبراً مفاده أن سكان تيزي غنيف قد حاولوا الاعتداء على اثنين وثلاثين إرهابياً وقعوا أسرى أثناء عملية قامت بها "قوات الأمن"(4).
وقد أدت هذه الأوضاع، متظافرة، إلى تذبذب السلطات الاستعمارية التي لم تعد تعني مايصدر عنها من أقوال وتصرفات وصارت تتخبط في عدد لا حصر له من التناقضات.
ففي ظرف يومي، الثامن والتاسع من شهر ديسمبر، أعلن السيد ميتران وزير الداخلية آنذاك، "أن سبعين ألف جندي يعملون في المناطق المشوشة للتدليل على أن فرنسا محمية في الجزائر"(5)، وصرح السيد ليونار الوالي العام، في حفل رسمي "أن المتمردين لا يزيد عددهم عن أربعمائة شخص"، وعنونت "صدى الجزائر: إن قوات الأمن ألقت القبض على سبعمائة وخمسين وقتلت وجرحت سبعين من "الإرهابيين"(6).
(1) انظر "صدى الجزائر"، عددها الصادر بتاريخ 5 نوفمبر سنة 1954.
(2)
صدى الجزائر، العدد الصادر بتاريخ 8/ 11/1954 ص2.
(3)
المنظمة الوطنية للمجاهدين، أشغال المؤتمر الأول لكتابة التاريخ، الجزائر 1981، ص 111.
(4)
- صدى الجزائر، عددها الصادر بتاريخ 9/ 12/1954.
(5)
- نشر الخبر على أعمدة كل الصحافة التي صدرت بالجزائر يوم 09/ 12/1954.
(6)
- صدى الجزائر، العدد الصادر بتاريخ 9/ 12/1954.
ومع حلول السنة الجديدة، تغيرت الأوضاع كلية، حيث أدركت السلطات الاستعمارية أن لافائدة في مواصلة الكذب والمخادعة العاريين، فراحت قرار بتصعيد العمليات العسكرية للقضاء على مايسمى في تطبيق برنامج إصلاحي في الجزائر وعن اتخاذ قرار بتصعيد العمليات العسكرية للقضاء على مايسمى في ذلك الحين بجيوب التمرد (1).
فبالنسبة للنقطة الأولى. فإن السلطات الاستعمارية لم تجهد نفسها كثيراً. وإنما اكتفت بنفض الغبار عن قانون الجزائر الذي أودع رفوف المحفوظات منذ تاريخ صدوره سنة 1947. وأضيف إلى مواد ذلك القانون، لكي يبدو أن هناك تجديداً، إجراء خاص بإعطاء المرأة الجزائرية حق الانتخاب.
ولقد رأى المعمرون خطراً ماحقاً في تمكين المرأة العربية المسلمة من سلاح يخشى أن يستعمله المناضلون للاستحواذ على كافة المؤسسات السياسية المسيرة للبلاد. كما أنهم اعتبروا تفكير حكومتهم في تطبيق قانون الجزائر، والمعارك قائمة، تعتبر تنازلاً للذين حملوا البنادق، وخطوة عملاقة في طريق التخلي عن العمالات الثلاث المكونة للجزائر الفرنسية. لأجل ذلك، فإنهم رفعوا شعاراتهم المعادية لسياسة الحكومة المركزية، وجندوا كل طاقاتهم للإطاحة بها، خاصة وأن السيد مانداس فرانس، يعد في نظرهم، واهب الاستقلالات ومخرباً للامبراطورية الاستعمارية (2).
وكان المعمرون أقوياء فعلاً، بالإضافة إلى أن تحركاتهم وقعت في ظرف كانت الحكومة فيه معرضة للهجومات مع جميع الجهات. وتزعم حركة المعمرين، تلك، رؤساء بلدياتهم الذين أوفدوا جماعة منهم إلى فرنسا، تشرح وجهة نظرهم، وتشتري الأنصار من بين كبار الشخصيات الفرنسية المسيطرة على المسرح الفرنسي.
ويتضمن مخطط كفاح رؤساء البلديات ثلاثة مطالب مركزية، نستخرجها من الندوة الصحفية التي عقدها الناطق الرسمي بأسمائهم: السيد إيزلا، بتاريخ الخامس والعشرين من شهر جانفي سنة 1955.
ويأتي على رأس تلك المطالب: المعارضة الشديدة لكل الإصلاحات المقترحة والتي ستجعل من الجزائر، حسب رأيهم، تونس ثانية، ولكي لا يظهر
(1) La dépéche de constantine du 1954/ 12/11
(2)
لأن حكومة مانداس فرانس هي التي وقعت اتفاقيات جيناف التي أنهت حرب الهند الصينية، وأعطت الاستقلال الداخلي لتونس وفتحت المفاوضات مع سلطان المغرب الأقصى قصد إعادته إلى العرش.
رؤساء البلديات في زي الطغاة المستبدين، صرح إيزلا "أن تطبيق الإصلاحات سينظر فيه بعدعودة السلام، واستتباب الأمن في البلاد"(1).
أما المطلب الثاني، فيدعو إلى التعجيل بإرسال الجيوش المدربة القادرة على خوض المعارك، لأن الأجناد المتواجدين في الميدان غير مهيئين لحرب العصابات. ولذلك، فإن اللفيفا الأجنبي (2) والطوابير المغربية (3) هي التي يجب أن تخصص لقتال الجزائريين. ولقد طرحت هذه الفكرة لأنها تمنع أبناء فرنسا من الموت المحقق، خاصة وأن أبناء المعمرين يؤدون الخدمة العسكرية كغيرهم، كما أنها تجعل الحرب تدور بين الأجانب فقط.
وأما المطلب الثالث، فهو اقتصادي محض يدعو إلى تزويد الجزائر بقروض من ميزانية "الوطن الأم".
ومن الجدير بالذكر أن الحكومة الفرنسية لم تبق مكتوفة الأيدي أمام كل تلك التحركات، فأصدر مجلس الوزراء بتاريخ الخامس والعشرين من شهر جانفي، هو نفس اليوم الذي عقد فيه السيد إيزلا ندوته الصحفية، بياناً يتضمن تعيين السيد جاك سوستال والياً عاماً للجزائر، والإعلان عن دمج شرطة الجزائر في شرطة فرنسا (4).
وإذا كان الإجراء الأول يهدف إلى التخلص من السيد ليونار الذي أصبح أسير كمشة من المعمرين المتطرفين، فإن دمج الشرطة يخرج قوات الأمن الأساسية من قبضة الشرذمة، ويسمح للسلطة المركزية بتعيين ضباط تستطيع الاعتماد عليهم، لأن ضباط ذلك الحين كانوا يأتمرون بأوامر الكولون.
إن مبادرات الحكومة سليمة، في حد ذاتها، وكان من الممكن أن تكون لها نتائج إيجابية، ولكنها جاءت مختلفة، ولذلك، فإنها أدت إلى عكس ماكان ينتظر، فسقطت حكومة مانديس في اليوم الخامس من شهر فيفري سنة 1955، أي بعد
(1) صدى الجزائر بتاريخ 28 ديسمبر 1954.
(2)
جيش أنشأته فرنسا في الجزائر سنة 1831، وهو مكون من المتطوعين القادمين من جميع البلاد المسيحية بهدف تكريس احتلال دار الجهاد، وقد ظل يتجدد بنفس الطريقة إلى أن استرجعت الجزائر استقلالها، وكانت قاعدته الأساسية هي مدينة سيدي بلعباس الكائنة على بعد ثمانين كلم جنوبي وهران.
(3)
- هي لفيف مكون من مقاتلين ينتمون إلى قبائل مختلفة من المغرب الأقصى استعملوا لقمع الحركة الوطنية في مراكش ثم جيء بهم إلى الجزائر حيث ظلوا يقاتلون جيش التحرير الوطني إلى ما بعد استقلال بلادهم، وهكذا الاستعمار،
(4)
(Alistair) Histoire de la Guerre d'Algérie ، traduit de l'anglais par Yves de Guermy، Editions Albin Michel، Paris 1980 p 109
عشرة أيام فقط من صدور البيان المذكور.
أما بالنسبة للنقطة الثانية، فإن القيادة العسكرية، في الجزائر، قد شرعت منذ اليوم التاسع عشر من شهر جانفي، في تنظيم عمليات واسعة النطاق استهلتها بقنابل مكثفة لجبال الأوراس، ثم أَلقت بآلاف الجنود المزودين بجميع أنواع الأسلحة لتمشيط المنطقة، وسمي ذلك بعملية "فيرونيك" تشبيهاً بحركة القديسة التي تحمل نفس الاسم عندما مسحت وجه المسيح. والمقصود من ذلك التشبيه أن الجيوش الفرنسية تلقت الأمر "بتفتيش المنطقة شبراً شبراً حتى لا يبقى فيها متمرد واحد"(1).
لقد نسي الاستعمار مقولة ماوتسي تونغ الشهيرة: "أن الثورة أسماك مياهها الجماهير الشعبية"(2).
ومما تجدر الإشارة إليه أن السيد ليونار هو الذي أشرف على انطلاق عملية فيرونيك التي ستتبعها في اليوم الثالث والعشرين من نفس الشهر عملية "فيوليت" الموجهة لتطهير الجبال المحيطة بمدينة بسكرة والممتدة على حوالي مائتين وخمسين كيلو متراً مربعاً". (3)
إن هزيمة مانديس فرانس، التي كانت أكبر دليل على قدرة الكولون وسعة سلطانهم، قد أغرقت فرنسا في أزمة سياسية تركتها بدون حكومة مدة تسعة عشر يوماً، ظهرت خلالها عدة محاولات فاشلة قامت بها شخصيات ذات انتماءات سياسية وعقائدية مختلفة. ويبدو أن الملل، من جهة، واطمئنان المعمرين على مصالحهم الخاصة، من جهة ثانية، هما اللذان سمحا للسيد ادقار فور أن يفوز بالثقة التي مكنته من تشكيل حكومته يوم 24 فيفري 1955م.
ولا يمكن أن تكون مجرد صدفة تلك التي جعلت سوستيل الوالي العام الجديد، يعلن، بنفس التاريخ، إن فرنسا لن تتخلى عن الجزائر، إلا كما تتخلى عن مقاطعة بريتاني (4).
وليس ذلك فقط هو الدليل الوحيد على انتصار الطغمة الاستعمارية، بل إن
(1) Courriére (Yves) . Les Fils de la toussaint، Fayard Paris 1968.P550 ..
(2)
Documents chinois، Troisiéme session de la6éme assemblée de la république populaire de chine، Beying 1985.p77.
(3)
- إيفكوربار، ص 551.
(4)
- انظر عدد -"صدى الجزائر" الصادر بتاريخ 24 فبراير 1955، أما مقاطعة بريطانيا فهي منطقة مكونة من أربع ولايات تقع غرب فرنسا كانت دولةمستقلة انضمت إلى فرنسا في عهد فرانسوا الأول سنة 1534.
هناك تصريحات أخرى، سيدلي بها سوستيل في مختلف أنحاء البلاد، يؤكد فيها بقوة أن فرنسا قد أدركت أهمية الجزائر، لذلك فهي مستعدة للذهاب إلى أبعد
الحدود قصد الحفاظ عليها، وبعد الإعلانات ومختلف التصريحات جاءت الإجراءات (1) التي قيل، في ذلك الحين، إنها تشكل مرحلة أولى تتجاوب مع ثلاثة اهتمامات هي:
1 -
ضرورة توفير الأمن للسكان، بواسطة استعمال الوسائل العسكرية المكثفة.
2 -
الشروع في سياسة اقتصادية جديدة تأخذ بعين الاعتبار ثروات الصحراء التي من شأنها أن تغير مصير فرنسا.
3 -
تبني فكرة "الجيوش الإفريقية" التي كان بيجو قد استعملها في بداية الاحتلال والتي هي عبارة عن استعمال نفس الأسلحة التي يقاتل بها رجال المقاومة.
لكن أخطر إجراء هو ذلك الذي نشرته الصحافة الصادرة بتاريخ التاسع عشر مارس في شكل بيان من وزارة الداخلية يحمل اسم: حالة الطوارئ.
وحالة الطوارئ إجراء قانوني جديد، اتخذته السلطات الفرنسية تجنباً للجوء إلى حالة الحصار التي تدعو إليها أحكام الدستور أثناء الدخول في حرب أو عندما يتمرد الجيش.
وقد جاء في بيان وزارة الداخلية أن حالة الطوارئ تشكل حلاً وسطاً بين الحالة العادية حيث الاحترام لجميع الحريات، وحالة الحصار التي تؤدي حتماً إلى تفكيك الهياكل التقليدية الإدارية، لأنها تنقل الحكم إلى السلطات العسكرية. ذلك أن حالة الطوارئ تبقي للسلطات المدنية حق ممارسة الحكم، ولكنها تعمل على تركيزه وتدعيمه.
ليصبح أكثر ملاءمة مع أحداث تعد كارثة عمومية، من شأنها أن تعرض الأمن للخطر وأن تمس بالسيادة الوطنية (2).
(1) إليستر هورن، ص 111.
(2)
La dépeche de constontine عددها الصادر بتاريخ 19/ 03/1956 والحقيقة من حالة الطوارئ، هي ذاتها حالة الحصار، لأنها تتضمن إجراءات تقضي على الحريات الفردية التي يتمتع بها كل مواطن فرنسي والتي لا تمس ولا تنتهك إلا في حالة تطبيق المادة السابقة من دستور 1947، وهي نفس المادة المتعلقة بحالة الحصار ومن جملة تلك الإجراءات:
1 -
النفي أو الإقامة الجبرية.
2 -
تفتيش في الليل والنهار.
وتنص المادة الأولى من وثيقة حالة الطوارئ على أن الإجراء الجديد "يمكن تطبيقه على كل أو على جزء من تراب "الوطن الأم" والجزائر أو عمالات ماوراء البحار، ويكون ذلك سواء في حالة وقوع خطر داهم نتيجة اضطراب الأمن العام، أو في حالة وقوع حوادث تتسم بطابع الكارثة العمومية نظراً لنوعها وخطورتها"(1).
ومامن شك أن الغموض والتقييم في هذه المادة مقصودان لتتمكن الحكومة من ممارسة الظلم والاضطهاد في كل مكان يمكن أن ترتفع فيه أصوات الدفاع عن الديمقراطية والحرية.
وبمجرد ما وضعت حالة الطوارئ حيز التنفيذ، دخلت الجزائر مرحلة جديدة من حياتها وأهم ماطبعت به تلك المرحلة: ظهور المحتشدات التي توخي في إنشائها اختيار المناطق النائية ليصعب الاتصال بالمجبرين على الإقامة فيها.
وكان اللجوء إلى إنشاء المحتشدات أمراً منطقياً يندرج في إطار المادة السابعة من وثيقة حالة الطوارئ، والتي تشير إلى أنّه في استطاعة وزير الداخلية في جميع الحالات والوالي العام في الجزائر. أن ينفيا إلى أية دائرة ترابية، أو إلى أي مكان محدد كل شخص يبدو نشاطه خطيراً على الأمن والنظام العام.
وعلى الرغم من أن الوثيقة تنص في مكان آخر على أن النفي لا يؤدي إلى إنشاء المحتشدات، إلا أن ذلك لم يحترم ولم يكن بالإمكان احترامه لأن نفي مئات الأشخاص إلى مكان واحد يتطلب إمكانيات جبارة للقيام بالرقابة اليومية ولتوفير الأكل والسكن.
لأجل ذلك كانت السلطات الاستعمارية مضطرة لإقامة المعسكرات، متبعة في ذلك أساليب النازيين أثناء الحرب الامبريالية الثانية.
ولئن كانت المحتشدات في ظاهرها نقمة على الجزائريين فإنها في الحقيقة قد ساعدت، كثيراً، على نشر مبادئ وأهداف جبهة التحرير الوطني. إذ سرعان ما تحولت إلى منابع لاتنضب تزود روافد الكفاح المسلح سواء في الريف أو في المدينة.
وقد استغلت الإطارات السياسية تلك التجمعات الهائلة لتنظيم الدروس
3 - مراقبة الصحافة والنشر الثقافي.
4 -
إحلال القضاء العسكري محل القضاء المدني في بعض الحالات.
(1)
Comité de vigilance des étudiants، les pouvoirs spéciaux Lyon 1955.04
الاستعجالية في كافة الميادين، ولتعد الذهنية الجزائرية للتكيف مع الأوضاع الجديدة المفروضة على البلاد.
ومن الأكيد أن مستوى الوعي والإدراك لدى الجماهير الجزائرية قد ارتفع بنسبة عالية، جداً بفضل ماقدمته المحتشدات من معرفة، ماكان بالإمكان نقلها بمثل تلك السرعة، إلى مثل تلك الجموعات الهائلة. (1). ذلك أن كل من يخلى سبيله، ويرجع إلى ذويه، يتحول، تلقائياً، إلى داعية متشبع بالعقيدة، قادر على الإقناع.
وهكذا، نستطيع القول إن حالة الطوارئ التي كان المقصود منها شل الحركة النضالية وإخماد النشاط الثوري، قبل استفحاله، قد أتت بنتائج عكسية سيكون لها مفعول كبير في صقل روح المقاومة، خاصة عند النخبة من أبناء الشعب الجزائري.
أما السلطات الاستعمارية، فإنها لم تكتفِ بسن حالة الطوارئ، ولكنها راحت تبذل كل مافي وسعها لخلق الظروف الملائمة لتطبيقها على أكبر عدد ممكن من دوائر وبلديات الوطن الجزائري.
ففي هذا النطاق، افتعلت الأخبار والإشاعات التي مفادها "أن المتمردين، في جبال أوراس، قد تلقوا، عن طريق الجو، الأسلحة التي أرسلتها دول أجنبية قصد إغراق البلاد في بحر من الفوضى والاضطراب وانعدام الأمن، ومن أجل زرع الشقاق بين الأشقاء وتوسيع هوة الخلاف بينهم"(2).
ومثل هذا الوضع يشكل، بالطبع، سبباً متيناً لتطبيع حالة الطوارئ.
ونشرت الصحافة أن المملكة الليبية ومصر هما اللتان تحركان التشويش وتدعمان التمرد من أجل الانفصال عن "الوطن الأم"، لأنهما غير راضيتين عما حققته الجزائر الفرنسية من تقدم وازدهار.
ونقلت الصحافة، كذلك، نبأ إلقاء القبض على الملازم العراقي: محمد حمادي عبد العزيز، وهو يحارب إلى جانب الثوار بالقرب من بوغني. ثم خصصت أهم الأعمدة لنشر تصريحاته التي تحذر الجزائريين مما تبثه إذاعة "صوت العرب" من أكاذيب حول الوجود الفرنسي في الجزائر، مؤكداً أن حالة
(1) هناك أعداد كبيرة من المعتنقين الشباب تمكنوا من التحصيل العلمي واستطاعوا الاستقلال أن يشاركوا في المسابقات الخاصة بالدخول إلى الثانويات والجامعات.
(2)
انظر، صدى الجزائر، بتاريخ 09/ 04/1955 ومابعد.
سكان منطقة القبائل التي يعرفها أفضل بكثير من حالة أحسن المصريين (1).
وكانت هذه الأخبار المكذوبة كافية لفرض تطبيق حالة الطوارئ على نواحي الشرق الجزائري في بادئ الأمر، ثم تعميم ذلك، بالتدريج، على سائر المناطق التي بدا فيها تمركز الثوار بكيفية مقلقة. ولكي يكون للإجراء الجديد فعالية أكبر، قررت السلطات الاستعمارية تعيين الجنرال غاستون بارلنج (2) على رأس القيادة الموحدة للعمليات العسكرية والمدنية في الأوراس، ولقد تم التعيين بسبب ما حاز عليه ذلك الضابط السامي من شهرة في المغرب الأقصى حيث كان يشرف على منطقة أغادير ذات المراس الصعب، ونشرت الصحافة آنذاك، أنه وضع تحت تصرفه الفيلق الأكثر أوسمة من فيالق الجيش الفرنسي" (3).
وبالإضافة إلى بارلنج، تم تعيين العقيد ديكورنو قائداً لناحية السمندو (4)، المحاذية لمنطقة الأوراسي، وأوردت الأنباء، في ذلك الحين، بأن ديكورنو هو بطل الهند الصينية، دون أن تبين في أي مجال: أي في الهجوم أو في الانسحاب، لأن نتائج تلك الحرب غير القتلى والأسرى والمعطوبين.
وكانت هذه التحركات مدعمة بتصريحات سياسية ومبادرات ميدانية، ففي المجال السياسي التأكيد على أنها ستبقى كذلك رغم تدخلات الأجانب (5) أما المبادرات الميدانية، فتتمثل في إقدام بعض المسؤولين أمثال المتصرف هرتز (6) على تكوين فرق الحركة، وفي أوامر الجنرال بارلنج المتعلقة بجعل المسؤولية جماعية على سكان المناطق الريفية التي تكون مسرحاً للمعارك مع الثوار، أو تتهم بالتعاون معهم.
إن كل هذه المجهودات الحربية قد ترجمت، في النهاية، برفع عدد أفراد الجيش النظامي العامل بالجزائر إلى مائة ألف عسكري، بالإضافة إلى تعزيز مايسمى بقوات الأمن والمتمثلة في رجال الشرطة والدرك الوطني الذين كانوا، في تلك الأشهر الأولى من الثورة في المناطق، يقومون مقام الأجانب.
غير أن تلك الإعدادات والمساعي لم تحقق لسلطات الاستعمار ما كانت
(1) صدى الجزائر، عددها الصادر بتاريخ 09/ 04/1955.
(2)
وقع تعيين الجنرال بارلنج يوم 29 أفريل سنة 1955.
(3)
وصل هذا القلق إلى قلب الأوراس يوم 3 مارس سنة 1955.
(4)
وهي مسقط رأس العقيد الشهيد زيغويد يوسف، وهي اليوم تحمل اسمه، وتقع المدينة على بعد خمسة وعشرون كلم شمال قسنطينة.
(5)
انظر صدى الجزائر في عدديها الصادرين يوم 30/ 04/1955، ويوم 12/ 05/1952.
(6)
هو حاكم بسكرة والمشرف علىناحية توقرت العسكرية.
تصبو إليه، ولم تخمد نار الثورة الملتهبة خاصة في المناطق الأولى والثانية والثالثة من أرض الوطن (1).
ولقد نشرت يوم 27 يونيو سنة 1955، على أعمدة الصحافة، نتائج المعارك التي دارت رحاها في تلك الأشهر الأولى، ولم تكن مشجعة بالمقارنة مع ما بذل من جهد، خاصة في الميدان العسكري.
لقد ورد في الإحصاءات المنشورة: أن القوات الفرنسية في الشمال القسنطيني قد قتلت ثلاثمائة متمرد، وأسرت ثلاثمائة وسبعة وأربعين، في حين قتل من أفرادها تسعة وسبعون وجرح تسعة وأربعون، وقتل من المدنيين الفرنسيين مائة وتسعة وعشرون وجرح مائة وتسعة وأربعون (2).
وبتعبير أسهل، فإن الخسائر الفرنسية قد بلغت، إلى غاية التاريخ المذكور أعلاه، ثلثي الخسائر الجزائرية، وأنها لنتيجة جد مشجعة بالنسبة للثورة الفتيية التي لم تكن تطمح إلى مثل ما توصلت إليه.
ومن الممكن أن السيد سوستال قد انتبه إلى هذه الحقيقة، واعترف في قرارة نفسه بأن القتال لن يؤدي إلى النصر المنتظر، لأن الجماهير الجزائرية قد بدأت تتبنى الثورة. لأجل ذلك، فإنه رمى في الميدان بمحاولة خاصة أطلق عليها اسمه، وهي عبارة عن برنامج إصلاحي موجه إلى كافة ميادين الحياة، ويشتمل على عشر نقاط .. (3)
(1) المنطقة في ذلك الوقت هي اسم الولاية مؤتمر الصومام يوم 20 يوليوسنة 1956.
(2)
انظر "صدى الأخبار" في عددها الصادر بتاريخ 27 يونيوسنة 1955.
(3)
النقاط المكونة لبرنامج سوستيل هي:
1 -
تقسيم إداري جديد لإنشاء عمالات ودوائر أخرى، وفي اعتقاد سوستال فإن هذا الإجراء سيسهل عملية المراقبة ويضبط حركة المواطنين.
2 -
تعصير الفلاحة، وذلك عن طريق الكنكة، لعل الأسلوب الحديث يلهي الجزائريين ويشدهم إلى الأرض، فلا يلتحقون بصفوف جبهة التحرير الوطني.
3 -
توسيع الصناعة الخفيفة، قصد خلق الوظائف ومناصب الشغل التي تمتص طوابير العاطلين قبل أن تمتد إليهم يد الثورة الزاحفة.
4 -
تحويل البلديات المختلطة قصد الانسجام الإداري، ومن أجل الاستجابة لأحد مطالب النخبة في الجزائر.
5 -
استقلال الدين الإسلامي عن الإدارة الفرنسية، وذلك يكون استجابة لأحد المطالب الأساسية التي تنادي بها جمعية العلماء.
6 -
تعليم اللغة العربية في المدارس الحكومية، مع العلم أن هذه النقطة تشكل مطلباً تنادي به كافة التشكيلات الوطنية في الجزائر.
7 -
محاربة الأمية بواسطة اللغة الفرنسية، لعل ذلك يقرب الجزائريين أكثر إلى الأمة الفرنسية.
إن هذه التحركات المخططة والمدعومة بنشاط سياسي مكثف قد جاءت بالنتائج المرتقبة، ففي خلال السداسي الأول من سنة 1955، ارتفع عدد الأجناد الفرنسيين من حوالي أربعين ألفاً، قبل فاتح نوفمبر، إلى مايزيد عن مائة ألف، تدرب جزء كبير منهم في مدن وأرياف الهند الصينية، وزود السلاح الجوي بمجموعة من الطائرات المطاردة والطائرات العمودية والطائرات المقنبلة، كما أن سلاح المدفعية قد تلقى عدداً من المدرعات والمدافع الثقيلة والمصفحات المختلفة الأنواع، في حين تم تعزيز القوات البحرية العامة في الجزائر بوحدة من البوارج الحربية (1).
وإلى جانب الجهد العسكري الكبير نظمت السلطات الاستعمارية حملة دعائية واسعة لتمجيد المظليين وإرهاب الأهالي (2).
ومن جهة أخرى، صدرت تعليمات برفع عدد المحتشدات والتجمعات، ونشطت الرقابة السياسية في ميداني الثقافة والإعلام، حيث صودرت مجموعة من الكتب لأنها تتعرض لحرب العصابات وحروب التحرير بصفة عامة، ومنعت من العرض بعض الأفلام الأمريكية مثل "قنطرة وادي كواى" و"الجنرال" وغيرهما مما له صلة بالمقاومة والكفاح المسلح.
رغم كل هذه الاحتياطات ومضاعفة الإمكانيات الحربية، ورغم مشاكل التسليح التي لاقتها جبهة التحرير الوطني في السنة الأولى، فإن الجنرال شاريار لم يتردد، فإن أحد تقاريره، عن القول إن (مايجري في الجزائر، حالياً، يمكن أن تكون له عواقب وخيمة، وعليه ينبغي، في نظره، ألا تنسى بأن التأني والضعف لا ينفعان في البلاد الإسلامية (3).
8 - فتح أبواب التكوين المهني للجزائريين حتى يشعر الشباب خاصة بأن هناك مساواة بينهم وبين المعمرين.
9 -
تمكين الفرنسيين المسلمين من الالتحاق بالوظيف العمومي حتى لا يبقى ذلك السلك حكراً على المستعمرين، وحتى تحضر الشروط الضرورية لخلق طبقة جديدة تستفيد من الحياة الرغدة التي تمنعها من الانتباه لصيحة الجهاد.
10 -
مطالبة الوطن الأم بتكثيف المساعدة للمشاريع الاجتماعية التي من شأنها أن تخلق جواً من الارتياح والرضى لدى أغلبية سكان الجزائر.
(1)
محمد العربي الزبيري، الثورة الجزائرية في عامها الأول، المؤسسة الوطنية للكاتب، الجزائر 1984، ص 119. وما بعدها.
(2)
جاء في أحد المنشورات العديدة التي كانت تلقى بالطائرات على قرى المنطقتين ومداشرهما: "عما قريب سينزل السخط على رؤوس المتمردين، بعد ذلك سيحل السلم الفرنسي من جديد".
(3)
ديشمان، جاك: تاريخ جبهة التحرير الوطني، بتريس 1962، ص 184.