الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحيم الرحيم
تمهيد:
الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا الهادي والرسول الأمين، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن سار على هديه واتبع خطاه وانتهج منهجه إلى يوم الدين.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله.
وأنزل عليه كتابه الذي هو أصل دينه، نوّر به بصائر المؤمنين، وأحيا به قلوب المتقين، وطمأن به قلوب الموحدين:{الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} 2، وأوحى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم تبيين مقاصده خاصة وعامة، وتوضيح مجمله ومفصله، فكان صلى الله عليه وسلم بسنته القولية والفعلية والتقريرية هو المعبّر عن كتابه، الدالّ على معانيه، الهادي إلى طريق تطبيقه. فغدا الصحابة الكرام -رجالهم ونساؤهم- يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عما خفي عليهم من معنى، وما استشكل عليهم من مراد، وعن حكم ما استجدّ لهم من حوادث، فتجد أحدهم يسأل عن الأمر الصغير والكبير، وتأتي المرأة لتسأله وتقول: يا رسول الله، إن الله لا يستحيي من الحق3
…
1 الآية 33 في سورة التوبة.
2 الآية 28 في سورة الرعد.
3 انظر صحيح البخاري في كتاب العلم "باب""50" الحياء في العلم "1/ 41.
وتسأله شيئا لو لم يكن من أمر الدين لما استحسن السؤال عنه؛ لأنهم رضي الله عنهم جميعا- علموا وأدركوا وأيقنوا أن معلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه العارف بدقائق الشرع وحقائق التنزيل، وأن الله شرّفهم وأعلى منزلتهم بدخولهم الإسلام، وأن كل ما يفعلون وما يقولون -صغيرا أو كبيرا- يجب أن يكون على وفق ما شرعه الله، ويجب أن يكونوا على معرفة به، وأن الاستحياء في التساؤل عن أمر الشرع مذموم، وأن العمل الذي يجانب مراد الشارع باطل، فلا بد مع إخلاص النية من العلم، فالنوايا لا تغني وحدها إذا كان العمل غير صحيح، فلا بد من إخلاص النية في العمل وموافقته لمراد الشارع سبحانه وتعالى. وآمنوا رضي الله عنهم جميعا- أن تبليغ الرسالة جزء من واجباتهم فقاموا ينقلون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سمعوه ووعوه، ويوضحون ما فقهوه. فكان نقلهم لما سمعوه وشاهدوه وعلموه منه دقيقا، وفهمهم له صحيحا؛ لأنهم عايشوا الوحي وعاصروا التنزيل ووقعت الحوادث بين أيديهم، إضافة لما أكرمهم الله به من الورع والتقوى، وما خصّ به زمانهم من خيرية على القرون، وما حباهم من فطنة وذكاء.
وقد تلقاها عنهم آخرون هم على درجة عالية من الفهم والوعي، وقوة الحافظة واستحضار المعاني، وكتب البعض صحائف، وترك البعض الآخر الكتابة لدقة تثبته وقوة حافظته. وبلّغوا هم بدورهم ما وعوه وحفظوه وما كتبوه وهكذا.... حتى إذا تباعد الزمن شيئا قليلا رأى العلماء والأئمة النجباء أن الاعتماد على الحفظ وحده لا يكفي، وأنه لا بد من تقييد السنة وجمعها في الكتب
…
فتمت عملية الجمع والكتابة والتدوين1
…
إلا أن البعض تساهل في الجمع فجمع كل ما سمع مرويا بالسند، ووضع البعض الآخر شروطا لقبول رواية الراوي ومن يأخذ عنه العلم، وكانت شروط بعضهم أشد من بعض، وكان شرط الإمامين الجليلين البخاري ومسلم -عليهما رحمة الله- في صحيحيهما في الدرجة الأولى من التحري عن رواة الأخبار،
1 انظر تدوين الحديث في كتاب بحوث في تاريخ السنة المشرفة، تأليف أستاذنا الدكتور أكرم العمري، حفظه الله.
وشرطهما مدوّن معلوم لدى طلبة العلم1، فكانت روايتهما نقية صحيحة بعيدة عن النقد. لذلك تلقتها الأمة بالقبول حتى قال أحد الأئمة: لو حلف أحدهم بالطلاق أن جميع ما في البخاري ومسلم صحيح، لم يحنث ولم تطلق زوجته2
…
بيد أن غيرهما لم يكونوا على هذه الدرجة من الدقة والتمحيص؛ لذلك لم يغفل الأئمة الأعلام -عليهم رحمة الله- هذه الناحية، فوضعوا شروطا دقيقة ضابطة للعلم؛ حتى يحكم للرواية بالقبول أو الردّ، وقسموا الحديث تبعا لتلك الشروط إلى: صحيح، وحسن، وضعيف، ووضعوا لها درجات، وقسموا الضعيف إلى أقسام كثيرة.
ثم إن بعض من جاء بعدهم من المصنفين استشهد بروايات من غير أن يعزوها لمصدرها، وإن البعض منهم ساقها من غير تمحيص فلم تكتمل فوائدها؛ لأن الناظر فيها لا يعلم ما استشهد به المؤلف صحيحا أو سقيما، فأدرك الأئمة هذه المهمة فأماطوا اللثام عما خفي مصدره، وصعب مسلكه، وتعذر الوصول إليه.
ومن تلكم الكتب: كتاب "مختصر ابن الحاجب -عليه رحمة الله- في أصول الفقه" فهو كتاب جليل في فنه بديع في صنعه دقيق في عبارته، تلقاه العلماء وطلاب العلم بالقبول والعناية، ولكن كان فيه ما وصفنا. فلم يغفله الأئمة الحفاظ كما أنهم لم يغفلوا عن غيره، فشمّروا عن سواعد الجد لتبيين أحاديثها، وأعلام الدارسين لها بصحة الصحيح وحسن الحسن وعلة المعلول، كما أنهم بينوا مواطن أخذها ومظان عزوها. ومن أولئك الأعلام إمامنا الجليل الحافظ الناقد الأصيل عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر ابن كثير -عليه رحمة الله تعالى- فألّف كتابه القيم "تحفة الطالب بمعرفة أحاديث مختصر ابن الحاجب" فأجاد وأفاد، وهو الكتاب الذي قمت على تحقيقه، ولله الحمد والفضل والمنة، وقد قدمت له بدراسة تضمنت أربعة فصول، هي كما يلي:
الفصل الأول: دراسة حياة المؤلف الإمام ابن كثير، وتتضمن مبحثين:
1 انظر الكتابين: شروط الأئمة الخمسة للإمام الحازمي، وشروط الأئمة الستة للإمام المقدسي.
2 انظر التقييد والإيضاح للحافظ العراقي ص39.
المبحث الأول: حياته العامة.
المبحث الثاني: حياته العلمية.
الفصل الثاني: دراسة حياة مؤلف الأصل ابن الحاجب، وتتضمن مبحثين:
المبحث الأول: حياته العامة.
المبحث الثاني: حياته العلمية.
الفصل الثالث: في التخريج وأهميته، وتضمّن:
معنى التخريج، أهمية التخريج، جهود الحافظ ابن كثير في هذا الفن.
الفصل الرابع: دراسة الكتاب، وفيه مبحثان:
المبحث الأول: وتضمن: اسم الكتاب، صحة نسبة الكتاب للمؤلف، نسخ الكتاب.
المبحث الثاني: وتضمن: من قام على تخريج الكتاب غير الإمام ابن كثير، بعض مزايا كتاب تحفة الطالب، منهج الحافظ ابن كثير في كتاب تحفة الطالب، منهج التحقيق.
هذا، وأسأل الله العلي القدير أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، وأن يرحم العلماء العاملين، وأن يوفقنا لخدمة دينه وشرعه القويم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.
مكة المكرمة
في 7/ 6/ 1406هـ