الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وكلمة {تَمَتَّعُواْ} هنا تدل على أن الله تعالى قد يُوالي نعمه حتى على مَنْ يكفر بنعمته، وإلَاّ فلو حَجَب عنهم نِعَمه فلن يكون هناك تمتُّع.
ويقول تعالى:
{فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} [النحل: 55] .
أي: سوف تروْنَ نتيجة أعمالكم، ففيها تهديد ووعيد.
ثم يقول الحق سبحانه: {وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا
…
} .
أي: الذين يكفرون بالله ويتخذون الأصنام والشركاء، يجعلون لها نصيباً.
وقول الحق سبحانه:
{لَا يَعْلَمُونَ. .} [النحل:
56]
.
ما العلم؟
العلم أن تعرفَ قضية، هذه القضية صِدْق أي: مطابقة للواقع وتستطيع أن تُدلِّل عليها، فإذا اختلّ واحد منها لم تكُنْ علماً. . وهؤلاء حينما جعلوا للأصنام نصيباً، فقد أَتَوْا بأشياء لا وجودَ لها في الواقع ولا في العلم، وليست حقائق. . وهل للأصنام وجود؟ وهل عليها دليل؟
قال تعالى: {إِنْ هِيَ إِلَاّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ الله بِهَا مِن سُلْطَانٍ
…
} [النجم: 23] .
هذه الأصنام ليست لها وجود في الحقيقة، وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه:{وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الحرث والأنعام نَصِيباً فَقَالُواْ هذا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهذا لِشُرَكَآئِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلَا يَصِلُ إلى الله وَمَا كَانَ للَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إلى شُرَكَآئِهِمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الأنعام: 136] .
حتى لمَّا جعلوا للأصنام نصيباً جعلوه مما رزقهم الله، أَلَا جعلتم نصيب الأصنام مما تعطيكم الأصنام؟ ونصيب الله مما رزقكم الله؟ فهذا اعتراف منكم بعجز أصنامكم، وأنكم أخذتم رزق الله وجعلتموه لأصنامكم.
وهذا دليل على أن الأصنام لا تعطيكم شيئاً، وشهادة منكم عليهم. . وهل درت الأصنام بهذا؟
إذن:
{لِمَا لَا يَعْلَمُونَ
…
} [النحل: 56] .
أي: للأصنام؛ لأنها لا وجودَ لها في الحقيقة، وهم يأخذون ما رزقناهم، ويجعلونه لأصنامهم.
ثم يقول الحق تبارك وتعالى:
{تالله لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ} [النحل: 56] .
التاء هنا في {تالله} للقسم أي: والله لَتُسْألُنَّ عما افتريتم من أمر الأصنام. والافتراء: هو الكذب المتعمد.
ساعة أنْ تسمع كلمة {سُبْحَانَهُ} فاعلم أنها تنزيهٌ لله تعالى عَمّا لا يليق، فهي هنا تنزيهٌ لله سبحانه وتعالى عما سبق من نسبة البنات له. . تعالى الله عن ذلك عُلواً كبيراً. . أي: تنزيهاً لله عن أن يكونَ له بنات.
فهل يمكن أن يكون له أولاد ذكور؟
إنهم جعلوا لله البنات، وجعلوا لأنفسهم الذكور، وهذه قسمة قال عنها القرآن الكريم:{أَلَكُمُ الذكر وَلَهُ الأنثى تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضيزى} [النجم: 21 - 22] .
أي: جائرة.
لم تجعلوها عادلة، يعني لي ولد ولكم ولد، ولي بنت ولكم بنت، إنما تجعلون لله مَا تكرهون وهي البنات لله، وتجعلون لكم ما تحبون. . لذلك كان في جَعْلهم لله البنات عيبان:
الأول: أنهم نَسبُوا لله الولد ولو كان ذكراً فهو افتراء باطل يتنزه الله عنه.
الثاني: أنهم اختاروا أخسَّ الأنواع في نظرهم. . ولا يستطيع أحد أن يقول: إن البنات أخسُّ الأنواع. . لماذا؟
لأن بالبنات يكون بقاء النوع؛ ولذلك قال العباس: لو سمع الله ما قال الناس في الناس لما كان الناس. . أي: لو استجاب الله لرغبة الناس في أنهم لا يريدون البنات فاستجاب ولم يُعْطهم. . ماذا سيحدث؟ سينقطع النسل، فهذا مطْلَب غبيّ، فالبنت هي التي تَلِد الولد، وبها بقاء النوع واستمرار النسل.
وقوله تعالى:
{سُبْحَانَهُ
…
} [النحل: 57] .
أي: تنزيهاً له أن يكون له ولد، وتنزيهاً له سبحانه أن يكون له أخسَّ النوعين في نظرهم وعرفهم، وقد قال عنهم القرآن في الآية التالية:{وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بالأنثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ يتوارى مِنَ القوم مِن سواء مَا بُشِّرَ بِهِ. .} [النحل: 58 - 59] .
ولذلك فالحق تبارك وتعالى حينما يُحدِّثنا عن الإنجاب يقول: {لِلَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذكور أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً. .} [الشورى: 49 - 50] .
أول ما بدأ الحق سبحانه بدأ بالإناث. . ثم أعطانا هذه الصورة من الخَلْق: إناث، ذكور، ذكور وإناث، عقيم. . إذن: هِبَات الله تعالى
لها أربعة أنواع، ومن هنا كان العُقْم أيضاً هبةً من الله لحكمة أرادها سبحانه. . لكن الناس لا تأخذ العُقْم على أنه هِبَة. . لكن تأخذه على أنه نِقْمة وغضب.
لماذا؟ لماذا تأخذه على أنه نِقْمة وبلاء؟ فربما وهبك الولد، وجاء عاقّاً، كالولد الذي جاء فتنة لأبويْه، يدعوهما إلى الكفر.
ولو أن صاحب العقم رضي بما قسمه الله له من هبة العقم واعتبره هبة ورضي به لرأى كل ولد في المجتمع ولده من غير تعب في حَمْله وولادته وتربيته. فيرى جميع الأولاد من حوله أولاده ويعطف الله قلوبهم إليه كأنه والدهم. . وكأن الحق تبارك وتعالى يقول له: ما دُمْتَ رضيتَ بهبة الله لك في العقم لأجعلنَّ كل ولدٍ ولداً لك.
ويُنهي الحق سبحانه الآية بقوله:
{وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ} [النحل: 57] .
أي: من الذّكْران؛ لأن الولد عِزْوة لأبيه ينفعه في الحرب والقتال وينفعه في المكاثرة. . الخ إنما البنت تكون عالةً عليه؛ ولذلك قال تعالى بعد هذا: