المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[سورة الواقعة (56): الآيات 81 الى 87] - تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن - جـ ١٧

[القرطبي]

فهرس الكتاب

- ‌[تفسير سورة ق

- ‌[سورة ق (50): الآيات 1 الى 5]

- ‌[سورة ق (50): الآيات 6 الى 11]

- ‌[سورة ق (50): الآيات 12 الى 15]

- ‌[سورة ق (50): الآيات 16 الى 19]

- ‌[سورة ق (50): الآيات 20 الى 22]

- ‌[سورة ق (50): الآيات 23 الى 29]

- ‌[سورة ق (50): الآيات 30 الى 35]

- ‌[سورة ق (50): الآيات 36 الى 38]

- ‌[سورة ق (50): الآيات 39 الى 40]

- ‌[سورة ق (50): الآيات 41 الى 45]

- ‌[سورة الذاريات (51): الآيات 1 الى 6]

- ‌[سورة الذاريات (51): الآيات 7 الى 14]

- ‌[سورة الذاريات (51): الآيات 15 الى 16]

- ‌[سورة الذاريات (51): الآيات 17 الى 19]

- ‌[سورة الذاريات (51): الآيات 20 الى 23]

- ‌[سورة الذاريات (51): الآيات 24 الى 28]

- ‌[سورة الذاريات (51): الآيات 29 الى 30]

- ‌[سورة الذاريات (51): الآيات 31 الى 37]

- ‌[سورة الذاريات (51): الآيات 38 الى 40]

- ‌[سورة الذاريات (51): الآيات 41 الى 42]

- ‌[سورة الذاريات (51): الآيات 43 الى 45]

- ‌[سورة الذاريات (51): آية 46]

- ‌[سورة الذاريات (51): الآيات 47 الى 49]

- ‌[سورة الذاريات (51): الآيات 50 الى 55]

- ‌[سورة الذاريات (51): الآيات 56 الى 60]

- ‌[تفسير سورة والطور]

- ‌[سورة الطور (52): الآيات 1 الى 8]

- ‌[سورة الطور (52): الآيات 9 الى 16]

- ‌[سورة الطور (52): الآيات 17 الى 20]

- ‌[سورة الطور (52): الآيات 21 الى 24]

- ‌[سورة الطور (52): الآيات 25 الى 28]

- ‌[سورة الطور (52): الآيات 29 الى 34]

- ‌[سورة الطور (52): الآيات 35 الى 43]

- ‌[سورة الطور (52): الآيات 44 الى 46]

- ‌[سورة الطور (52): الآيات 47 الى 49]

- ‌[تفسير سورة والنجم]

- ‌[سورة النجم (53): الآيات 1 الى 10]

- ‌[سورة النجم (53): الآيات 11 الى 18]

- ‌[سورة النجم (53): الآيات 19 الى 22]

- ‌[سورة النجم (53): الآيات 23 الى 26]

- ‌[سورة النجم (53): الآيات 27 الى 30]

- ‌[سورة النجم (53): الآيات 31 الى 32]

- ‌[سورة النجم (53): الآيات 33 الى 35]

- ‌[سورة النجم (53): الآيات 36 الى 42]

- ‌[سورة النجم (53): الآيات 43 الى 46]

- ‌[سورة النجم (53): الآيات 47 الى 55]

- ‌[سورة النجم (53): الآيات 56 الى 62]

- ‌[تفسير سورة القمر]

- ‌[سورة القمر (54): الآيات 1 الى 8]

- ‌[سورة القمر (54): الآيات 9 الى 17]

- ‌[سورة القمر (54): الآيات 18 الى 22]

- ‌[سورة القمر (54): الآيات 23 الى 26]

- ‌[سورة القمر (54): الآيات 27 الى 32]

- ‌[سورة القمر (54): الآيات 33 الى 40]

- ‌[سورة القمر (54): الآيات 41 الى 42]

- ‌[سورة القمر (54): الآيات 43 الى 46]

- ‌[سورة القمر (54): الآيات 47 الى 49]

- ‌[سورة القمر (54): الآيات 50 الى 55]

- ‌[تفسير سورة الرحمن]

- ‌[سورة الرحمن (55): الآيات 1 الى 13]

- ‌[سورة الرحمن (55): الآيات 14 الى 18]

- ‌[سورة الرحمن (55): الآيات 19 الى 23]

- ‌[سورة الرحمن (55): الآيات 24 الى 25]

- ‌[سورة الرحمن (55): الآيات 26 الى 28]

- ‌[سورة الرحمن (55): الآيات 29 الى 30]

- ‌[سورة الرحمن (55): الآيات 31 الى 36]

- ‌[سورة الرحمن (55): الآيات 37 الى 40]

- ‌[سورة الرحمن (55): الآيات 41 الى 45]

- ‌[سورة الرحمن (55): الآيات 46 الى 47]

- ‌[سورة الرحمن (55): الآيات 48 الى 51]

- ‌[سورة الرحمن (55): الآيات 52 الى 55]

- ‌[سورة الرحمن (55): الآيات 56 الى 57]

- ‌[سورة الرحمن (55): الآيات 58 الى 61]

- ‌[سورة الرحمن (55): الآيات 62 الى 65]

- ‌[سورة الرحمن (55): الآيات 66 الى 69]

- ‌[سورة الرحمن (55): الآيات 70 الى 71]

- ‌[سورة الرحمن (55): الآيات 72 الى 75]

- ‌[سورة الرحمن (55): الآيات 76 الى 78]

- ‌[تفسير سورة الواقعة]

- ‌[سورة الواقعة (56): الآيات 1 الى 6]

- ‌[سورة الواقعة (56): الآيات 7 الى 12]

- ‌[سورة الواقعة (56): الآيات 13 الى 16]

- ‌[سورة الواقعة (56): الآيات 17 الى 26]

- ‌[سورة الواقعة (56): الآيات 27 الى 40]

- ‌[سورة الواقعة (56): الآيات 41 الى 56]

- ‌[سورة الواقعة (56): الآيات 57 الى 62]

- ‌[سورة الواقعة (56): الآيات 63 الى 67]

- ‌[سورة الواقعة (56): الآيات 68 الى 74]

- ‌[سورة الواقعة (56): الآيات 75 الى 80]

- ‌[سورة الواقعة (56): الآيات 81 الى 87]

- ‌[سورة الواقعة (56): الآيات 88 الى 96]

- ‌[تفسير سورة الحديد]

- ‌[سورة الحديد (57): الآيات 1 الى 3]

- ‌[سورة الحديد (57): الآيات 4 الى 6]

- ‌[سورة الحديد (57): الآيات 7 الى 9]

- ‌[سورة الحديد (57): آية 10]

- ‌[سورة الحديد (57): الآيات 11 الى 12]

- ‌[سورة الحديد (57): الآيات 13 الى 15]

- ‌[سورة الحديد (57): الآيات 16 الى 17]

- ‌[سورة الحديد (57): الآيات 18 الى 19]

- ‌[سورة الحديد (57): الآيات 20 الى 21]

- ‌[سورة الحديد (57): الآيات 22 الى 24]

- ‌[سورة الحديد (57): الآيات 25 الى 26]

- ‌[سورة الحديد (57): آية 27]

- ‌[سورة الحديد (57): الآيات 28 الى 29]

- ‌[تفسير سورة المجادلة]

- ‌[سورة المجادلة (58): آية 1]

- ‌[سورة المجادلة (58): آية 2]

- ‌[سورة المجادلة (58): الآيات 3 الى 4]

- ‌[سورة المجادلة (58): الآيات 5 الى 6]

- ‌[سورة المجادلة (58): آية 7]

- ‌[سورة المجادلة (58): آية 8]

- ‌[سورة المجادلة (58): آية 9]

- ‌[سورة المجادلة (58): آية 10]

- ‌[سورة المجادلة (58): آية 11]

- ‌[سورة المجادلة (58): آية 12]

- ‌[سورة المجادلة (58): آية 13]

- ‌[سورة المجادلة (58): الآيات 14 الى 16]

- ‌[سورة المجادلة (58): الآيات 17 الى 19]

- ‌[سورة المجادلة (58): الآيات 20 الى 21]

- ‌[سورة المجادلة (58): آية 22]

الفصل: ‌[سورة الواقعة (56): الآيات 81 الى 87]

ابن حَزْمٍ أَقْوَى دَلِيلٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يحمله غير طاهر بملاقة وَلَا عَلَى وِسَادَةٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ. وَلَمْ يُمْنَعْ مِنْ حَمْلِهِ بِعَلَاقَةٍ أَوْ مَسِّهِ بِحَائِلٍ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْحَكَمِ وَحَمَّادٍ وَدَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِحَمْلِهِ وَمَسِّهِ لِلْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ طَاهِرًا أَوْ مُحْدِثًا، إِلَّا أَنَّ دَاوُدَ قَالَ: لَا يَجُوزُ لِلْمُشْرِكِ حَمْلُهُ. وَاحْتَجُّوا فِي إِبَاحَةِ ذَلِكَ بِكِتَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَى قَيْصَرَ، وَهُوَ مَوْضِعُ ضَرُورَةٍ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ. وَفِي مَسِّ الصِّبْيَانِ إِيَّاهُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا الْمَنْعُ اعْتِبَارًا بِالْبَالِغِ. وَالثَّانِي الْجَوَازُ، لِأَنَّهُ لَوْ مُنِعَ لَمْ يَحْفَظِ الْقُرْآنَ، لِأَنَّ تَعَلُّمَهُ «1» حَالَ الصِّغَرِ، وَلِأَنَّ الصَّبِيَّ وَإِنْ كَانَتْ لَهُ طَهَارَةٌ إِلَّا أَنَّهَا لَيْسَتْ بِكَامِلَةٍ، لِأَنَّ النِّيَّةَ لَا تَصِحُّ مِنْهُ، فَإِذَا جَازَ أَنْ يَحْمِلَهُ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ جَازَ أَنْ يَحْمِلَهُ مُحْدِثًا. السَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى:(تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ) أَيْ مُنَزَّلٌ، كَقَوْلِهِمْ: ضَرْبُ الْأَمِيرِ وَنَسْجُ الْيَمَنِ. وَقِيلَ: (تَنْزِيلٌ) صِفَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ). وَقِيلَ: أي هو تنزيل.

[سورة الواقعة (56): الآيات 81 الى 87]

أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (81) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (82) فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ (85)

فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (87)

قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ) يَعْنِي الْقُرْآنَ (أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ) أَيْ مُكَذِّبُونَ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ وَغَيْرُهُمَا. وَالْمُدْهِنُ الَّذِي ظَاهِرُهُ خِلَافُ بَاطِنِهِ، كَأَنَّهُ شُبِّهَ بِالدُّهْنِ فِي سُهُولَةِ ظَاهِرِهِ. وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَقَتَادَةُ: مُدْهِنُونَ كَافِرُونَ، نَظِيرُهُ:(وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ)«2» . وَقَالَ الْمُؤَرِّجُ: الْمُدْهِنُ الْمُنَافِقُ أَوِ الْكَافِرُ الَّذِي يَلِينُ جَانِبُهُ لِيُخْفِيَ كفره،

(1). في ب، ح، ز، س، هـ:(لان حال تعلمه حال الصغر).

(2)

. راجع ج 18 ص 230

ص: 227

وَالْإِدْهَانُ وَالْمُدَاهَنَةُ التَّكْذِيبُ وَالْكُفْرُ وَالنِّفَاقُ، وَأَصْلُهُ اللِّينُ، وَأَنْ يُسِرَّ خِلَافَ مَا يُظْهِرَ، وَقَالَ أَبُو قَيْسِ بْنُ الْأَسْلَتِ:

الْحَزْمُ وَالْقُوَّةُ خَيْرٌ مِنَ

الا دهان وَالْفَهَّةِ وَالْهَاعِ «1»

وَأَدْهَنَ وَدَاهَنَ وَاحِدٌ. وَقَالَ قَوْمٌ: دَاهَنْتُ بِمَعْنَى وَارَيْتُ وَأَدْهَنْتُ بِمَعْنَى غَشَشْتُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: (مُدْهِنُونَ) مُعْرِضُونَ. مُجَاهِدٌ: مُمَالِئُونَ الْكُفَّارَ عَلَى الْكُفْرِ بِهِ. ابْنُ كَيْسَانَ: الْمُدْهِنُ الَّذِي لَا يَعْقِلُ مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَيْهِ وَيَدْفَعُهُ بِالْعِلَلِ. وَقَالَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ: مُدْهِنُونَ تَارِكُونَ لِلْجَزْمِ فِي قَبُولِ الْقُرْآنِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَجْعَلُونَ شُكْرَكُمُ التَّكْذِيبَ. وَذَكَرَ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ: أَنَّ مِنْ لُغَةِ أَزْدِ شَنُوءَةَ مَا رِزْقُ فُلَانٍ؟ أَيْ مَا شُكْرُهُ. وَإِنَّمَا صَلَحَ أَنْ يُوضَعَ اسْمُ الرِّزْقِ مَكَانَ شُكْرِهِ، لِأَنَّ شُكْرَ الرِّزْقِ يَقْتَضِي الزِّيَادَةَ فِيهِ فَيَكُونُ الشُّكْرُ رِزْقًا عَلَى هَذَا الْمَعْنَى. فَقِيلَ:(وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ) أَيْ شُكْرَ رِزْقَكُمُ الَّذِي لَوْ وُجِدَ مِنْكُمْ لَعَادَ رِزْقًا لَكُمْ (أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) بالرزق أن تضعون الكذب مَكَانَ الشُّكْرِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:(وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً)«2» أَيْ لَمْ يَكُونُوا يُصَلُّونَ وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا يُصَفِّرُونَ وَيُصَفِّقُونَ مَكَانَ الصَّلَاةِ. فَفِيهِ بَيَانٌ أَنَّ مَا أَصَابَ الْعِبَادَ مِنْ خَيْرٍ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَرَوْهُ مِنْ قِبَلِ الْوَسَائِطِ الَّتِي جَرَتِ الْعَادَةُ بِأَنْ تَكُنْ أَسْبَابًا، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَرَوْهُ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ يُقَابِلُونَهُ بِشُكْرٍ إِنْ كَانَ نِعْمَةً، أَوْ صَبْرٍ إِنْ كَانَ مَكْرُوهًا تَعَبُّدًا لَهُ وَتَذَلُّلًا. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَرَأَ (وَتَجْعَلُونَ شُكْرَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) حَقِيقَةً. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا: أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الِاسْتِسْقَاءُ بِالْأَنْوَاءِ، وَهُوَ قَوْلُ الْعَرَبِ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا، رَوَاهُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مُطِرَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: (أَصْبَحَ مِنَ النَّاسِ شَاكِرٌ وَمِنْهُمْ كَافِرٌ قالوا

(1). الفهة: العي. والهاع هنا: سوء الحرص مع ضعف.

(2)

. راجع ج 7 ص 400

ص: 228

هَذِهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَقَدْ صَدَقَ نَوْءُ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: (فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ- حَتَّى بَلَغَ-) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ. وَعَنْهُ أَيْضًا أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ فِي سَفَرٍ فَعَطِشُوا فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: (أَرَأَيْتُمْ إِنْ دَعَوْتُ اللَّهَ لَكُمْ فَسُقِيتُمْ لَعَلَّكُمْ تَقُولُونَ هَذَا الْمَطَرُ بِنَوْءِ كَذَا) فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذَا بِحِينِ الْأَنْوَاءِ. فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَدَعَا رَبَّهُ فَهَاجَتْ رِيحٌ ثُمَّ هَاجَتْ سَحَابَةٌ فَمُطِرُوا، فَمَرَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَمَعَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ بِرَجُلٍ يَغْتَرِفُ بِقَدَحٍ لَهُ وَهُوَ يَقُولُ سُقِينَا بِنَوْءِ كَذَا، وَلَمْ يَقُلْ هَذَا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ فَنَزَلَتْ:(وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) أَيْ شُكْرَكُمْ لِلَّهِ عَلَى رِزْقِهِ إِيَّاكُمْ (أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) بِالنِّعْمَةِ وَتَقُولُونَ سُقِينَا بِنَوْءِ كَذَا، كَقَوْلِكَ: جَعَلْتَ إِحْسَانِي إِلَيْكَ إِسَاءَةً مِنْكَ إِلَيَّ، وَجَعَلْتَ إِنْعَامِي لَدَيْكَ أَنِ اتَّخَذْتَنِي عَدُوًّا. وَفِي الْمُوَطَّإِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ الله صلى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ «1» سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ وَقَالَ:(أَتَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ) قالوا: الله ورسول أَعْلَمُ، قَالَ:(أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ فَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ وَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ كَافِرٌ بِي (. قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله: لَا أُحِبُّ أَحَدًا أَنْ يَقُولَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، وَإِنْ كَانَ النَّوْءُ عِنْدَنَا الْوَقْتُ الْمَخْلُوقُ لَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ، وَلَا يُمْطِرُ وَلَا يَحْبِسُ شَيْئًا مِنَ الْمَطَرِ، وَالَّذِي أُحِبُّ أَنْ يَقُولَ: مُطِرْنَا وَقْتَ كَذَا كَمَا تَقُولُ مُطِرْنَا شَهْرَ كَذَا، وَمَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا، وَهُوَ يُرِيدُ أَنَّ النَّوْءَ أَنْزَلَ الْمَاءَ، كَمَا عَنَى بَعْضُ أَهْلِ الشِّرْكِ مِنَ الْجَاهِلِيَّةِ بِقَوْلِهِ فَهُوَ كَافِرٌ، حَلَالٌ دَمُهُ إِنْ لَمْ يَتُبْ. وَقَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَأَمَّا قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام حَاكِيًا عَنِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ: (أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ) فَمَعْنَاهُ عِنْدِي عَلَى وَجْهَيْنِ: أَمَّا أَحَدُهُمَا فَإِنَّ الْمُعْتَقِدَ بِأَنَّ النَّوْءَ هُوَ الْمُوجِبُ لِنُزُولِ الْمَاءِ، وَهُوَ الْمُنْشِئُ لِلسَّحَابِ دُونَ اللَّهِ عز وجل فَذَلِكَ كَافِرٌ كُفْرًا صَرِيحًا «2» يَجِبُ اسْتِتَابَتُهُ عَلَيْهِ وَقَتْلُهُ [إِنْ «3» أَبَى] لِنَبْذِهِ الإسلام ورده القرآن. والوجه الآخر أن

(1). على اثر سماء: أي بعد مطر. وفى (اثر) لغتان: كسر الهمزة وسكون الثاء وفتحهما.

(2)

. في ب: (صراحا).

(3)

. زيادة يقتضيها السياق.

ص: 229

يَعْتَقِدَ أَنَّ النَّوْءَ يُنْزِلُ اللَّهُ بِهِ الْمَاءَ، وَأَنَّهُ سَبَبُ الْمَاءِ عَلَى مَا قَدَّرَهُ اللَّهُ وَسَبَقَ فِي عِلْمِهِ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ وَجْهًا مُبَاحًا، فَإِنَّ فِيهِ أَيْضًا كُفْرًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ عز وجل، وَجَهْلًا بِلَطِيفِ حِكْمَتِهِ فِي أَنَّهُ يُنْزِلُ الْمَاءَ مَتَى شَاءَ، مَرَّةً بِنَوْءِ كَذَا، وَمَرَّةً بِنَوْءِ كَذَا، وَكَثِيرًا مَا يَنُوءُ النَّوْءُ فلا ينزل معه شي مِنَ الْمَاءِ، وَذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لَا مِنَ النَّوْءِ. وَكَذَلِكَ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ إِذَا أَصْبَحَ وَقَدْ مُطِرَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ الْفَتْحِ، ثُمَّ يَتْلُو:(مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها)«1» قَالَ أَبُو عُمَرَ: وهذا عندي نحو قول وسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ). وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ حِينَ اسْتَسْقَى بِهِ: يَا عَمَّ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَمْ بَقِيَ مِنْ نَوْءِ الثُّرَيَّا؟ فَقَالَ الْعَبَّاسُ: الْعُلَمَاءُ يَزْعُمُونَ أَنَّهَا تَعْتَرِضُ فِي الْأُفُقِ سَبْعًا بَعْدَ سُقُوطِهَا. فَمَا مَضَتْ سَابِعَةٌ حَتَّى مُطِرُوا، فَقَالَ عُمَرُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ هَذَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ. وَكَانَ عُمَرُ رحمه الله قَدْ عَلِمَ أَنَّ نَوْءَ الثُّرَيَّا وَقْتٌ يُرْجَى فِيهِ الْمَطَرُ وَيُؤَمَّلُ فَسَأَلَهُ عَنْهُ أَخَرَجَ أَمْ بَقِيَتْ مِنْهُ بَقِيَّةٌ؟. وَرَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم سَمِعَ رَجُلًا فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ يَقُولُ: مُطِرْنَا بِبَعْضِ عَثَانِينِ الْأَسَدِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:(كَذَبْتَ بَلْ هُوَ سُقْيَا اللَّهِ عز وجل قَالَ سُفْيَانُ: عَثَانِينُ الْأَسَدِ الذِّرَاعُ وَالْجَبْهَةُ. وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ (تُكَذِّبُونَ) مِنَ التَّكْذِيبِ. وَقَرَأَ الْمُفَضَّلُ عَنْ عَاصِمٍ وَيَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ (تَكْذِبُونَ) بِفَتْحِ التَّاءِ مُخَفَّفًا. وَمَعْنَاهُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا. وَثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (ثَلَاثٌ لَنْ يَزِلْنَ فِي أُمَّتِي التَّفَاخُرُ فِي الْأَحْسَابِ وَالنِّيَاحَةُ وَالْأَنْوَاءُ) وَلَفْظُ مُسْلِمٍ فِي هَذَا (أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَتْرُكُونَهُنَّ الْفَخْرُ فِي الْأَحْسَابِ وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ وَالِاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ وَالنِّيَاحَةُ). قوله تعالى: (فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ) أَيْ فَهَلَّا إِذَا بَلَغَتِ النَّفْسُ أَوِ الرُّوحُ الْحُلْقُومَ. وَلَمْ يَتَقَدَّمْ لَهَا ذِكْرٌ، لِأَنَّ الْمَعْنَى مَعْرُوفٌ، قَالَ حَاتِمٌ.

أَمَاوِيَّ مَا يُغْنِي الثَّرَاءُ عَنِ الْفَتَى

إِذَا حَشْرَجَتْ يوما وضاق بها الصدر

(1). راجع ج 14 ص 321

ص: 230

وَفِي حَدِيثِ: (إِنَّ مَلَكَ الْمَوْتِ لَهُ أَعْوَانٌ يَقْطَعُونَ الْعُرُوقَ يَجْمَعُونَ الرُّوحَ شَيْئًا فَشَيْئًا حَتَّى يَنْتَهِيَ بِهَا إِلَى الْحُلْقُومِ فَيَتَوَفَّاهَا مَلَكُ الْمَوْتِ). (وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ) أَمْرِي وَسُلْطَانِي. وَقِيلَ: تَنْظُرُونَ إلى الميت لا تقدرون له على شي. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ مَنْ حَضَرَ مِنْ أَهْلِ الْمَيِّتِ يَنْتَظِرُونَ مَتَى تَخْرُجُ نَفْسُهُ. ثُمَّ قِيلَ: هُوَ رَدٌّ عَلَيْهِمْ فِي قَوْلِهِمْ لِإِخْوَانِهِمْ (لَوْ كانُوا عِنْدَنا مَا ماتُوا وَما قُتِلُوا)«1» أَيْ فَهَلْ رَدُّوا رُوحَ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى فَهَلَّا إِذَا بَلَغَتْ نَفْسُ أَحَدِكُمُ الْحُلْقُومَ عِنْدَ النَّزْعِ وَأَنْتُمْ حُضُورٌ أَمْسَكْتُمْ رُوحَهُ فِي جَسَدِهِ، مَعَ حِرْصِكُمْ عَلَى امتداد عمره، وحبكم لبقائه. وهذا ردا لِقَوْلِهِمْ:(نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ)«2» . وَقِيلَ: هُوَ خِطَابٌ لِمَنْ هُوَ فِي النَّزْعِ، أَيْ إِنْ لَمْ يَكُ مَا بِكَ مِنَ اللَّهِ فَهَلَّا حَفِظْتَ عَلَى نَفْسِكَ الرُّوحَ. (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ) أَيْ بِالْقُدْرَةِ وَالْعِلْمِ وَالرُّؤْيَةِ. قَالَ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ الْقَيْسِ: مَا نَظَرَ إلى شي إِلَّا رَأَيْتُ اللَّهَ تَعَالَى أَقْرَبَ إِلَيَّ مِنْهُ. وَقِيلَ: أَرَادَ وَرُسُلُنَا الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ قَبْضَهُ (أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ)(وَلكِنْ لَا تُبْصِرُونَ) أَيْ لَا ترونهم. قوله تعالى: (فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ) أَيْ فَهَلَّا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مُحَاسَبِينَ وَلَا مَجْزِيِّينَ بِأَعْمَالِكُمْ، وَمِنْهُ قوله تعالى:(إِنَّا لَمَدِينُونَ) أَيْ مَجْزِيُّونَ مُحَاسَبُونَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ «3» . وَقِيلَ: غَيْرُ مَمْلُوكِينَ وَلَا مَقْهُورِينَ. قَالَ الْفَرَّاءُ وَغَيْرُهُ: دنته ملكته، وأنشد للحطيئة:

لقد دنيت «4» أَمْرَ بَنِيكِ حَتَّى

تَرَكْتِهِمُ أَدَقَّ مِنَ الطَّحِينِ

يَعْنِي مُلِّكْتِ. وَدَانَهُ أَيْ أَذَلَّهُ وَاسْتَعْبَدَهُ، يُقَالُ: دِنْتُهُ فَدَانَ. وَقَدْ مَضَى فِي (الْفَاتِحَةِ)»

الْقَوْلُ فِي هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: (يَوْمِ الدِّينِ). (تَرْجِعُونَها) تَرْجِعُونَ الرُّوحَ إِلَى الْجَسَدِ. (إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) أَيْ وَلَنْ تَرْجِعُوهَا فَبَطَلَ زَعْمُكُمْ أَنَّكُمْ غير مملوكين ولا محاسبين. و (تَرْجِعُونَها) جواب لقوله تعالى: (فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ) ولقوله: (فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ)

(1). راجع ج 4 ص (246)

(2)

. راجع ج 16 ص (170)

(3)

. راجع ج 15 ص (82)

(4)

. ويروى سوست، يخاطب أمه. [ ..... ]

(5)

. راجع ج 1 ص 143.

ص: 231