الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
أبكى للذى عرض علىّ أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عرض علىّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة- شجرة قريبة منه- وأنزل الله عز وجل (ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ) .
وفى هذا الحديث تصريح بأن الذين طلبوا منه صلى الله عليه وسلم اختيار الفداء كثيرون، وإنما ذكر فى أكثر الروايات أبو بكر رضى الله عنه، لأنه أول من أشار بذلك، ولأنه أكبرهم مقاما.
وروى ابن المنذر عن قتادة قال: أراد أصحاب محمد الفداء يوم بدر ففادوهم بأربعة آلاف، أربعة آلاف.
الإيضاح
(ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ) أي ما كان من شأن نبى من الأنبياء ولا من سنته فى الحرب أن يكون له أسرى يتردد أمره فيهم بين المنّ والفداء إلا بعد أن يثخن فى الأرض أي إلا بعد أن يعظم شأنه فيها ويتم له الغلب والقوة بقتل أعدائه، لأن الملك والدولة إنما تقوى وتشتد بالقتال والقتل كما قال:
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى
…
حتى يراق على جوانبه الدم
إلى أن كثرة القتل توجد الرعب وشدة المهابة، وذلك يمنع من الجرأة والإقدام على ما لا ينبغى، ومن ثم أمر الله به.
وخلاصة ذلك- أن اتخاذ الأسرى إنما يكون خيرا ورحمة ومصلحة للبشر إذا كان الظهور والغلب لأهل الحق والعدل- ففى المعركة الواحدة يإثخانهم لأعدائهم من المشركين والمعتدين، وفى الحالة العامة التي تعم كل معركة وكل قتال فبإثخانهم فى الأرض بالقوة العامة والسلطان الذي يرهب الأعداء.
(تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ) أي تريدون عرض الدنيا الفاني الزائل وهو المال الذي تأخذونه من الأسرى فداء لهم، والله يريد لكم ثواب الآخرة الباقي بما يشرعه لكم من الأحكام الموصلة إليه ما دمتم تعملون بها، ويدخل فى ذلك الاستعداد للقتال بقدر الاستطاعة إرادة الإثخان فى الأرض والسيادة فيها لإعلاء كلمة الحق وإقامة العدل.
وفى ذلك إنكار لعمل وقع من جمهور المؤمنين على خلاف تلك القاعدة التي تقتضيها الحكمة والرحمة، وما كان للنبى صلى الله عليه وسلم إقرار مثل هذا العمل، ومن ثم عاتبهم الله على ما فعلوا بعد بيان سنة النبيين، كما عاتب رسوله أيضا.
(وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) ومن ثم يجعل أولياءه يغلبون أعداءه ويتمكنون منهم قتلا وأسرا، ويطلق لهم أخذ الفداء، ولكنه يؤخر ذلك إلى أن يكثروا ويعزّوا، ونحو الآية قوله:«وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ» .
ولا تتم لهم العزة إلا بتقديم الإثخان فى الأرض والسيادة فيها على المنافع العرضية بمثل فداء الأسرى من المشركين وهم فى عنفوان قوتهم وكثرتهم.
وعلى هذه القاعدة جرت الدول العسكرية فى العصر الحديث، فإذا رأت من البلاد التي تحتلها أدنى بادرة من المقاومة بالقوة نكلت بأهلها أشد التنكيل، فتخرّب البلاد وتقتل الأبرياء مع المشاغبين، بل لا تتعفف من قتل النساء والأطفال بنيران المدافع وقذائف الطائرات والدبابات.
ولكن الإسلام- وهو دين الرحمة والعدل- لا يبيح شيئا من ذلك.
(لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ) أي ولولا كتاب من الله سبق فى علمه الأزلى ألا يعذبكم والرسول فيكم وأنتم تستغفرونه من ذنوبكم- لمسكم بسبب ما أخذتم من الفداء عذاب عظيم.
أخرج ابن المنذر عن نافع عن ابن عمر قال: «اختلف الناس فى أسارى بدر، فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر، فقال أبو بكر فادهم، وقال عمر
اقتلهم، فقال قائل: أرادوا قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهدم الإسلام ويأمره أبو بكر بالفداء، وقال قائل: لو كان فيهم أبو عمر أو أخوه ما أمر بقتلهم.
فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول أبى بكر ففاداهم فنزل (لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ) فقال رسول الله: إن كاد ليمسّنا فى خلاف ابن الخطاب عذاب عظيم، ولو نزل العذاب ما أفلت إلا عمر» .
وبعد أن عاتبهم على أخذ الفداء أباح لهم أكل ما أخذوه، وعدّه من جملة الغنائم التي أباحها لهم فى أول السورة فقال:
(فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً) أي فكلوا مما غنمتم من الفدية حال كونه حلالا بإحلاله لكم، طيبا فى نفسه لا خبث فيه مما حرم لذاته كالدم ولحم الخنزير.
(وَاتَّقُوا اللَّهَ) فى أن تعودوا إلى أكل شىء من أموال الناس كفارا كانوا أو مؤمنين من قبل أن يحلّه لكم ربكم.
(إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) أي إنه غفور لذنبكم بأخذ الفداء وإيثار جمهوركم لعرض الدنيا على ما يقتضيه إيثار الآخرة من طلب الإثخان أولا لإعزاز الحق وأهله بإذلال الشرك وكبت حزبه، رحيم بكم إذ أباح لكم ما أخذتم، وأباح لكم الانتفاع به.
وخلاصة ما تقدم- إنه ليس من سنة الأنبياء، ولا مما ينبغى لأحد منهم أن يكون له أسرى يفاديهم أو يمنّ عليهم إلا بعد أن يكون له الغلب والسلطان على أعدائه وأعداء الله الكافرين، لئلا يفضى أخذه فداء الأسرى إلى ضعف المؤمنين وقوة أعدائهم وجرأتهم عليهم، وما فعله المؤمون من مفاداة أسرى بدر بالمال كان ذنبا سببه إرادة جمهورهم عرض الحياة الدنيا قبل الإثخان الذي تقتضيه الحكمة بإعلاء كلمة الله تعالى، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى، ولولا كتاب من الله سبق من عدم عقابهم على ذنب أخذ الفداء قبل إذنه تعالى وعلى خلاف سنته- لمسهم عذاب عظيم فى أخذهم ذلك، وإنه أحل لهم ما أخذوا وغفر لهم ذنبهم بأخذه قبل إحلاله لهم، الله غفور رحيم.