الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
منع عبادة الشرك من المسجد الحرام وإبطال ما كان المشركون يدّعونه ويفخرون به من حق عمارته، مع تيئيسهم من الاشتراك فيها، وهذا هو ما تضمنته الآيتان الكريمتان المذكورتان هنا.
روى عن ابن عباس أنه قال: لما أسر العباس يوم بدر عيّره المسلمون بالكفر وقطيعة الرحم وأغلظ له على فى القول، فقال العباس: ما لكم تذكرون مساوينا ولا تذكرون محاسننا! فقال على كرم الله وجهه: ألكم محاسن؟ فقال نعم: إننا لنعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونسقى الحاج فأنزل الله: (ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ) الآية.
الإيضاح
(ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ) أي ما كان من شأن المشركين ولا مما ينبغى لهم أن يعمروا مساجد الله التي منها المسجد الأعظم وهو بيته الحرام بالإقامة فيه للعبادة أو الخدمة والولاية عليه، ولا أن يزوروه حجاجا أو معتمرين، وقد شهدوا على أنفسهم بالكفر قولا وعملا بعبادتهم للأصنام والاستشفاع بها والسجود لما وضعوه منها فى البيت عقب كل شوط من طوافهم، وقولهم حينئذ: لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك.
إذ فى عملهم هذا جمع بين الضدين، فإن عمارة البيت الحسية إنما تكون لعمارته المعنوية بعبادته تعالى وحده، وذلك لا يقع إلا من المؤمن الموحّد لكنهم يشركون به غيره ويساوونه ببعض خلقه فى العبادة.
وخلاصة ذلك- إنهم يجمعون بين أمرين لا يعقل الجمع بينهما على وجه صحيح، عمارة البيت الحرام بزيارته للحج أو العمرة، والكفر بربه بمساواته ببعض خلقه من الأصنام والأوثان.
وقوله: شاهدين على أنفسهم، أي إنهم كفروا كفرا صريحا معترفا به لا تمكن المكابرة فيه.
والمراد بالعمارة الممنوعة عن المشركين للمساجد الولاية عليها والاستقلال بالقيام بمصالحها كأن يكون الكافر ناظرا للمسجد وأوقافه، أما استخدام الكافر فى عمل لا ولاية فيه كنحت الحجارة والبناء والنجارة فلا يدخل فى ذلك.
وللمسلمين أن يقبلوا من الكافر مسجدا بناه كافر أو أوصى ببنائه أو ترميمه إذا لم يكن فى ذلك ضرر دينى ولا سياسى، كما لو عرض اليهود الآن على المسلمين أن يعمروا المسجد الأقصى بترميم ما كان قد تداعى من بنائه، أو بذلوا لذلك مالا لم يقبل منهم، لأنهم يطمعون فى الاستيلاء على هذا المسجد، فربما جعلوا ذلك ذريعة لادعاء حق لهم فيه.
(أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ) أي أولئك المشركون الكافرون بالله وبما جاء به رسوله قد بطلت أعمالهم التي يفخرون بها من عمارة المسجد الحرام وسقاية الحاج وقرى الضيف وصلة الرحم ونحو ذلك مما كانوا يعملونه فى دنياهم، فلم يبق له أثر ما فى صلاح أنفسهم ما داموا مقيمين على الشرك ومفاسده.
ونحو الآية قوله: «وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» وقوله:
(وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ) أي وهم مقيمون فى دار العذاب إقامة خلود وبقاء لكفرهم الذي أحبط أحسن أعمالهم ودسّى أنفسهم حتى لم يبق لها أدنى استعداد لجوار ربهم فى دار الكرامة والنعيم.
(إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ) أي إن المستحقين لعمارة المساجد هم الجامعون بين الإيمان بالله على الوجه
الذي بيّنه فى كتابه من توحيده واختصاصه بالعبادة والتوكل عليه، والإيمان باليوم الآخر الذي يحاسب الله فيه عباده ويجزى كل نفس ما كسبت، مع إقامة الصلاة المفروضة على وجه جامع بين أركانها وآدابها، وتدبر تلاوتها وأذكارها، وبذا تكسب من يقيمها مراقبة ربه وخشيته والخشوع إليه، وإعطاء زكاة الأموال لمستحقيها من الفقراء والمساكين، وخشية الله دون غيره مما لا ينفع ولا يضر كالأصنام وغيرها مما عبد من دون الله خوفا من ضرره أو رجاء نفعه.
(فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) أي فأولئك الذين يجمعون بين الأركان الهامة من أركان الإسلام هم الذين يرجون أن يكونوا من المهتدين إلى ما يحب الله ويرضيه من عمارة المساجد حسا ومعنى بحسب سننه تعالى فى أعمال البشر وتأثيرها فى نفوسهم، وبذا يستحقون عليها الجزاء فى جنات النعيم، لا أولئك المشركون الذين يجمعون بين أضدادها من الإيمان بالطاغوت والشرك بالله والكفر بما جاء به رسوله، وينفقون أموالهم للصد عن سبيل الله، ومنع الناس من الإسلام.
هذا، وقد ورد فى عمارة المساجد أحاديث كثيرة،
فقد روى الشيخان والترمذي عن عثمان رضى الله عنه أنه لما بنى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولامه الناس قال إنكم أكثرتم، وإنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:«من بنى لله مسجدا يبتغى به وجه الله بنى الله له بيتا فى الجنة» .
وروى أحمد عن ابن عباس مرفوعا «من بنى لله مسجدا ولو كمفحص (الموضع الذي تفحص التراب عنه وتكشفه لتبيض فيه) قطاة لبيضها- بنى الله له بيتا فى الجنة» .
وروى الشيخان وأبو داود وابن ماجه: أن امرأة كانت تقمّ المسجد- تكنسه- فماتت، فسأل عنها النبي صلى الله عليه وسلم فقيل له ماتت، فقال: أفلا كنتم آذنتموني بها لأصلّى عليها دلّونى على قبرها، فأتى قبرها فصلى عليها.
وروى أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم عن أبى سعيد قال: قال رسول الله