الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والخلاصة- إنه فعل ذلك ليقدم كل منكم على قتال الآخر، فهذا واثق بنفسه مدلّ ببأسه، وهذا متّكل على ربه، واثق بوعده، حتى إذا ما التقيتم ثبتكم، وثبّطهم ليقضى بنصركم عليهم أمرا كان فى علمه مفعولا، وهو أن تكون كلمة الله هى العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، ومن ثم هيأ الأسباب وقدرها تقديرا.
[سورة الأنفال (8) : الآيات 45 الى 46]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46)
المعنى الجملي
بعد أن ذكر سبحانه نعمه على رسوله وعلى المؤمنين يوم بدر- قفّى على ذلك بذكر أدبين عظيمين إذا التقوا بعدوهم:
(1)
الثبات وتوطين النفس على اللقاء مع عدم التواني والتكاسل.
(2)
ذكر الله كثيرا وهو ذكره بألسنتهم وقلوبهم، تنبيها إلى أن الإنسان يجب ألا يخلو قلبه من ذكره فى أشد الأوقات خرجا. وقد طلب إلينا الثبات والطاعة لله ورسوله حتى لا نفشل وتدول علينا الدّولة.
الإيضاح
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا) أي إذا لقيتم فئة من أعدائكم الكفار فاثبتوا لهم ولا تفروا أمامهم، فإن الثبات قوة معنوية طالما كانت السبب فى النصر والغلب بين الأفراد والجيوش، انظر إلى الرجلين الجلدين يتصارعان فيعيا كل منهما وتضعف قوته، ويتوقع كل لحظة أن يقع صريعا، ولكن قد يخطر له أن خصمه
ربما وقع قبله فيثبت إلى اللحظة الأخيرة، فيكون له الفلج والفوز على خصمه، وهكذا فى الحروب، فإن من أهم أسباب النصر فيها الثبات وعدم اليأس، بل الثبات نافع فى كل أعمال البشر، فهو الوسيلة فى الفوز والنجاح فيها.
(وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً) أي وأكثروا من ذكر الله فى أثناء القتال فى قلوبكم بذكر قدرته ووعده بنصر رسله والمؤمنين ونصر كل من يتبع سنتهم بنصر دينه وإقامة سننه، وبأن النصر بيده ومن عنده يؤتيه من يشاء، وبألسنتكم بالتكبير ونحوه وبالدعاء والتضرع إليه مع اليقين بأنه لا يعجزه شىء.
(لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) أي إن الثبات وذكر الله هما وسيلتان من وسائل الفوز ويعدّان للفلاح فى القتال فى الدنيا، وفى نيل الثواب فى الآخرة.
وفى ذلك إيماء إلى أنه يجب على العبد ألا يفتر عن ذكر الله أكثر ما يكون، همّا، وأشغل ما يكون قلبا، وأن تكون نفسه مجتمعة لذلك وإن كانت متوزّعة عن غيره.
(وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ) أي وأطيعوا الله فيما أمركم به من الأسباب الموجبة للفلاح فى القتال وفى غيره، وأطيعوا رسوله كذلك، فهو المبيّن لكلام ربه، والمنفّذ له بالقول والعمل والحكم، وهو القائد الأعظم فى القتال، فطاعته هى جماع النظام، والنظام ركن من أركان الظفر، وهو المشارك لكم فى الرأى والتدبير والاستشارة فى الأمور.
(وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) أي ولا يكن منكم تنازع واختلاف، فإن ذلك مدعاة للفشل والخيبة وذهاب القوة، فيتغلب عليكم العدو.
وأصل الريح الهواء المتحرك ثم استعيرت للقوة والغلبة، لأنه لا يوجد فى الأجسام ما هو أقوى منها، فهى تهيج البحار وتقتلع الأشجار وتهدم الدور والقلاع، ومن ثم يقال هبت رياح فلان إذا جرى أمره على ما يريد كما يقال: ركدت رياحه إذا ضعف أمره وولّت دولته.