الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وسيستقر أمرك، وسينصرك الله عليهم نصرا مؤزّرا، ثم أعقب هذا بأن عبر الماضين وإهلاك الله لهم بعد تكذيبهم أنبياءهم كانت جدّ كافية لهم لو أن لهم عقولا يفكرون بها فيما هم قادمون عليه، ولكن أنّى تغنى الآيات والنذر عن قوم قد أضلهم الله على علم وختم على قلوبهم وجعل على سمعهم وبصرهم غشاوة؟. ثم أمر رسوله بالإعراض عنهم وسيخرجون من قبورهم أذلاء ناكسى الرءوس مسرعين إلى إجابة الداعي، يقول الكافرون منهم هذا يوم شديد حسابه، عسر عقابه.
الإيضاح
(اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ) أي دنت الساعة التي تقوم فيها القيامة، وقرب انتهاء الدنيا وهذا كقوله:«أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ» وقوله: «اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ» .
(وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) أي وسينشق القمر وينفصل بعضه من بعض حين يختل نظام هذا العالم وتبدل الأرض غير الأرض، ونحو هذا قوله:«إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ» وقوله:
«إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ. وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ» وكثير غيرهما من الآيات الدالة على الأحداث الكبرى التي تكون حين خراب هذا العالم وقرب قيام الساعة.
ويرى جمع من المفسرين أن هذا حدث قد حصل، وأن القمر صار فرقتين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة بنحو خمس سنين،
فقد صح من رواية الشيخين وابن جرير عن أنس أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية فأراهم القمر شقتين حتى رأوا حراء (جبل بمكة) بينهما،
وفى الصحيحين وغيرهما من حديث ابن مسعود: «انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقتين، فرقة على الجبل وفرقة دونه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اشهدوا» .
وجاء عنه أيضا: «انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت قريش: هذا سحر بن أبى كبشة، فقال رجل انتظروا ما يأتيكم به السفّار، فإن محمدا لا يستطيع أن يسحر الناس، فجاء السفار فأخبروهم بذلك» رواه أبو داود والطيالسي،
وفى رواية البيهقي «فسألوا السفار وقد قدموا من كل وجه فقالوا رأيناه، فأنزل الله تعالى اقتربت الساعة وانشق القمر» .
والذي يدل على أن هذا إخبار عن حدث مستقبل لا عن انشقاق ماض- أمور:
(1)
إن الإخبار بالانشقاق أتى إثر الكلام على قرب مجىء الساعة، والظاهر تجانس الخبرين وأنهما خبران عن مستقبل لا عن ماض.
(2)
إن انشقاق القمر من الأحداث الكونية الهامة التي لو حصلت لرآها من الناس من لا يحصى كثرة من العرب وغيرهم، ولبلع حدا لا يمكن أحدا أن ينكره، وصار من المحسوسات التي لا تدفع، ولصار من المعجزات التي لا يسع مسلما ولا غيره إنكارها.
(3)
ما ادعى أحد من المسلمين إلا من شذ أن هذه معجزة بلغت حد التواتر، ولو كان قد حصل ذلك ما كان رواته آحادا، بل كانوا لا يعدّون كثرة.
(4)
إن حذيفة بن اليمان وهو ذلكم الصحابي الجليل خطب الناس يوم الجمعة فى المدائن حين فتح الله فارس فقال: ألا إن لله تبارك وتعالى يقول: اقتربت الساعة وانشق القمر، ألا وإن الساعة قد اقتربت، ألا وإن القمر قد انشق، ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق، ألا وإن اليوم المضمار وغدا السباق، ألا وإن الغاية النار، والسابق من سبق إلى الجنة، فهذا الكلام من حذيفة فى معرض قرب مجىء الساعة وتوقع أحداثها، لا فى كلام عن أحداث قد حصلت تأييدا للرسول وإثباتا لنبوته، لأن ذلك كان فى معرض العظة والاعتبار.
وبعد أن ذكر قرب مجىء الساعة وكان ذلك مما يستدعى انتباههم من غفلتهم، والتفكير فى مصيرهم، والنظر فيما جاءهم به الرسول من الأدلة المثبتة لنبوته، والمؤيدة
لصدقه، لكنهم مع كل هذا ما التفتوا إلى الداعي لهم إلى الرشاد، والهادي لهم إلى سواء السبيل، بل أعرضوا وتولوا مستكبرين كما قال:
(وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ) أي وإن ير المشركون علامة تدلهم على حقيقة نبوتك، وترشدهم إلى صدق ما جئت به من عند ربك، يعرضوا عنها ويولوا مكذبين بها، منكرين أن يكون ذلك حقا، ويقولوا تكذيبا منهم بها:
هذا سحر سحرنا به محمد، وهو يفعل ذلك على مرّ الأيام.
وفى هذا إيماء إلى ترادف الآيات، وتتابع المعجزات.
وقال الكسائي والفرّاء واختاره النحاس: إن المراد بالمستمر الذاهب الزائل عن قرب، إذ هم قد عللوا أنفسهم ومنّوها بالأمانى الفارغة، وكأنهم قالوا: إن حاله عليه السلام وما ظهر من معجزاته إن هى إلا سحابة صيف عن قريب تقشع، ولكن أيهات أيهات، فقد غرّتهم الأمانى:«وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ» .
ثم أكد ما سبق بقوله:
(وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ) أي وكذبوا بالحق إذ جاءهم، واتبعوا ما أمرتهم به أهواؤهم، لجهلهم وسخف عقولهم.
والخلاصة- إنهم كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم وتركوا حججه وقالوا:
هو كاهن يقول عن النجوم ويختار الأوقات للأفعال، وساحر يسترهب الناس بسحره، إلى أشباه هذا من مقالاتهم التي تدل على العناد وعدم قبول الحق.
ثم سلّى رسوله وهدد المشركين بقوله:
(وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ) أي وكل شىء ينتهى إلى غاية تشاكله، فأمرهم سينتهى إلى الخذلان فى الدنيا والعذاب الدائم فى الآخرة، وأمرك سينتهى إلى النصر فى الدنيا والجنة فى الآخرة.
وهذه قاعدة عامة تنضوى تحتها حركات الكواكب والأفلاك ونظم العمران وأعمال الأفراد والأمم.
وقصارى ذلك- إن أمر محمد صلى الله عليه وسلم سيصل إلى غاية يتبين عندها أنه الحق، وأن ما سواه هو الباطل، فقد جرت سنة الله بأن الحق يثبت، والباطل يزهق بحسب ما وضعه فى نظم الخليقة (البقاء للأصلح) .
ثم ذكر أنهم فى ضلال بعيد، فإن ما جاء فى القرآن من أخبار الماضين قد كان فيه مزدجر لهم لو كانوا يعقلون، قال:
(وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ) أي ولقد جاء هؤلاء المشركين الذين كذبوا بك واتبعوا أهواءهم- من الأخبار عن الماضين الذين كذبوا الرسل فأحل الله بهم من العقوبات ما قصه فى كتابه- ما يردعهم ويزجرهم عما هم فيه من القبائح، إذ أبادهم فى الدنيا وسيعذبهم يوم الدين جزاء وفاقا لما دنسوا به أنفسهم من الشرك بربهم وعصيان رسله، واجتراحهم للسيئات.
ثم بين الذي جاءهم به فقال:
(حِكْمَةٌ بالِغَةٌ) أي هذه الأنباء غاية الحكمة فى الهداية والإرشاد إلى طريق الحق لمن اتبع عقله وعصى هواه.
(فَما تُغْنِ النُّذُرُ) أي إن النذر لم يبعثوا ليلجئوا الناس إلى قبول الحق، وإنما أرسلوا مبلغين فحسب فليس عليك ولا على الأنبياء قبلك الإغناء والإلجاء إلى اتباع سبيل الهدى، فإذا بلّغت فقد أتيت بما عليك من الحكمة البالغة التي أمرت بها فى نحو قوله «ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ» وتول عنهم بعدئذ.
ونحو الآية قوله «فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً» .
ثم أمر رسوله ألا يجادلهم ولا يناظرهم فإن ذلك لا يجدى نفعا فقال:
(فَتَوَلَّ عَنْهُمْ) أي فأعرض عن هؤلاء المشركين المكذبين ولا تحاجهم،
فإنهم قد بلغوا حدا لا يقنعون معه بحجة ولا برهان، فأحرى بك ألا تلتفت إلى نصحهم وإرشادهم، فقد عييت بأمرهم، وبرمت بعنادهم.
(يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ) أي واذكر حين ينادى الداعي إلى شىء فظيع تنكره نفوسهم، إذ لا عهد لها بمثله، وهو موقف الحساب وما فيه من أهوال.
وقد جرت العادة أن من ينصح شخصا لا يؤثر فيه النصح أن يعرض عنه ويقول لسواه ما فيه نصح للمعرض عنه، وهدايته وإرشاده لو أراد.
ثم ذكر حال الكافرين فى هذا اليوم فقال:
(خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ) أي يخرجون من قبورهم ذليلة أبصارهم من هول ما يرون، كأنهم فى انتشارهم وسرعة سيرهم إلى موقف الحساب إجابة للداعى- جراد قد انتشر فى الآفاق.
وجاء تشبيهم فى الآية الأخرى بالفراش فى قوله «يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ» .
وهم يكونون أولا كالفراش حين يموجون فزعين، لا يهتدون أين يتوجهون، لأن الفراش لا جهة لها تقصدها، ثم يكونون كالجراد المنتشر إذا توجهوا للحشر، فهما تشبيهان باعتبار وقتين، وحكى ذلك عن مكى بن أبى طالب.
(مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ) أي مسرعين إلى الداعي لا يخالفون ولا يتأخرون، ويقولون هذا يوم شديد الهول سيىء المنقلب.
ونحو الآية قوله: «فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ. عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ» .
وفى هذا إيماء إلى أنه هين على المؤمن لا عسر فيه ولا مشقة.