الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ما جرى للمسلمين حين نسوا دينهم
هذا ولما طال على المسلمين الأمد، وقست قلوبهم، ونسوا وتناسوا ما لأجله بعثهم الله على كثرة من الناس، وتوافر من أمم الأرض، وهو قوله تعالى:{كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله} [آل عمران: 110].
ونسوا ما لأجله خرجوا من جزيرتهم، يُخرجون الناس من عبادة العباد الى عبادة الله وحده، وصاروا يحكمون الناس حكم الناس على الناس، وصاروا يعيشون حياة لاهية حرة، حياة من لا يعرف نبيا ولا يؤمن برسالة ووحي، ولا يرجو حسابا، ولا يخشى معادا، وأشبهوا الأمم الجاهلية التي خرجوا يقاتلونها بالأمس، عادوا فقلدوها في مدنيتها واجتماعها، وسياستها وأخلاقها، ومناهج حياتها، وفي كثير مما مقتها الله لأجله وخذلها. وأصبحوا لا هم لهم ولا شغل، الا الأكل والشرب والتناسل، وأصبحوا كرعايا الناس ليس لهم فرقان ولا نور يمشون به بين الناس، وأشبهت ملوكهم وأمراؤهم، جبابرتها وفراعنتها وأغنياؤهم مترفيها وأكابر مجرميها، وكاد يسبق فجارهم فجارها، تحاسد وبغضاء ومنافسة في السلطان، وتكالب على حطام الدنيا، واخلاد الى الترف والنعيم، واعراض عن الآخرة، وسفك للدماء، وهتك للأعراض، وهضم للحقوق وغدر بالعهود والذمم، وتعد على حدود الله واعانة للظالم، وجنف (1) في الحكومات والمظالم، وتبذير لأموال الله، وعموم الفواحش والمنكرات، وابتداع للجرائم، وابداع في الخيانة، مما يحتاج بسطه الى مجلدات، فهانوا اذا على الله مع أسمائهم الاسلامية، ورغم وجود الصالحين فيهم، وظهور بعض الشعائر الدينية، والواجبات
(1) الجنف: الميل.
الشرعية في بلادهم، وهانوا على الناس رغم مملكتهم الواسعة وجيوشهم الكثيفة، وخزائنهم العامرة، ورغم تقدمهم في الحضارة ومظاهرها الكثيرة، فقل إكرام الناس لهم وهيبتهم اياهم، وتجاسروا عليهم، قال:"رتبيل" ملك رُخج وسجستان، لرسل يزيد بن عبد الملك وقد جاؤوا اليه يطالبونه بالخراج:"ما فعل قوم كانوا يأتونا: خِماص البطون، سود الوجوه من الصلاة، نعالهم خوص؟ " قالوا: انقرضوا، قال:"أولئك أوفى منكم عهدا وأشد بأسا، وان كنتم أحسن منهم وجوها"، ثم لم يعط أحدا من عمال بني أمية، ولا عمال أبي مسلم على سجستان من تلك الاتاوة شيئا (1).
فاذا كان هذا في القرن الثاني فما ظنك بقرون بعده حتى اذا بلغ السيل الزبى، وتضاعف كل ما ذكرنا، وأفسد المسلمون في الأرض بعد اصلاحها، وآسفوا الله بعث عليهم عبادا له أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار، سلط عليهم المغول والتتار - أشقى الأمم وأخملها وأجهلها وأوحشها - فوضعوا فيهم السيف، وأجروا من دمائهم سيولا وأنهارا، وأقاموا من رؤوسهم صروحا وتلالا، وفعلوا بهم الافاعيل، وأحلوهم الخوف، فتمكن من قلوبهم الوهن والجبن، حتى أصبحوا لا يصدقون بهزيمة التتر، قال ابن الأثير: سمع عن بعض أكابرهم أنه قال: "من حدثك أن التتر انهزموا فلا تصدقه" قال: ووقع رعبهم في قلوب الناس، حتى كان أحدهم اذا لقي جماعة
(1) فتوح البلدان ص 401 طبع بريل.
يقتلهم واحدا واحدا، وهم دهشون، ودخلت امرأة من التتر دارا وقتلت جماعة من أهلها، وهم يظنونها رجلا، ودخل واحد منهم دربا فيه مائة رجل، فما زال يقتلهم واحدا واحدا حتى أفناهم، ولم يمد أحد يده اليه بسوء، ووضعت الذلة على الناس، فلا يدفعون عن نفوسهم قليلا ولا كثيرا، نعوذ بالله من الخذلان، وحكي أن أحدهم أخذ رجلا لم يجد ما يقتله به فقال له: ضع رأسك على هذا الحجر ولا تبرح! فوضع رأسه، وبقي الى أن أتى التتري بسيف وقتله، قال ابن الاثير وأمثال ذلك كثيرة.
واليك ما قال ابن الأثير قبل أن يسرد وقائع هذه النازلة:
"لقد بقيت عدة سنين معرضا عن ذكر هذه الحادثة، استعظاما لها، كارها لذكرها، فأنا أقدم اليه رجلا وأؤخر أخرى، فمن الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الاسلام والمسلمين، ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك، فياليت أمي لم تلدني، ويا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا
…
هذا الفعل يتضمن ذكر الحادثة العظمى والمصيبة الكبرى، التي عقمت الايام والليالي عن مثلها، عمت الخلائق وخصت المسلمين، فلو قال قائل: ان أهل العالم منذ خلق الله تعالى آدم الى الآن لم يبتلوا بمثلها لكان صادقا، فان التواريخ لم تتضمن ما يقاربها ولا ما يدانيها .. ولعل الخلق لا يرون مثل هذه الحادثة الى أن ينقرض العالم وتفنى الدنيا الخ
…
".
ولكن مثل هذه الحادثة لم تستطع أن تنبه المسلمين، ولم يفيقوا
من سكرتهم، ولم يغيروا ما بأنفسهم حتى يغير الله ما بهم، وحق عليهم قول ربهم:{لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون} [الحجر: 72] وقوله: {فلولا اذ جاءهم بأسنا تضرعوا، ولكن قست قلوبهم، وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون} [الأنعام: 43] وقوله: {ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون} [المؤمنون: 76]. وما زالوا منهمكين فيما هم فيه من غفلة ولهو وظلم، حتى يقول ابن الأثير:
"فالله تعالى ينصر الاسلام والمسلمين نصرا من عنده، فما نرى في ملوك الاسلام من له رغبة في الجهاد ولا في نصرة الدين، بل كل منهم مقبل على لهوه ولعبه، وظلم رعيته، وهذا أخوف عندي من العدو، وقال الله تعالى:{واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} [الأنفال: 25].
ومما يجب أن يلاحظ القارئ ويعتبر به المعتبر، أن المسلمين في هذه الظلماء التي غشيتهم، والفتنة التي عمتهم، كلما أفاقوا من سكرتهم، وأصلحوا شأنهم، وأزاحوا العلل، وصمدوا في وجه العدو، واستنزلوا النصر، هزموا التتر الذين لم يكونوا يعرفون الهزيمة، ولا يصدق الناس بانهزامهم، فقد هزمهم جلال الدين خوارزم شاه ثلاث مرات، وهزمهم الظاهر بيبرس غير ما مرة، وهزمهم الملك الناصر صاحب مصر بمرج