الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بين الصُورة والحقيقة
إن كل شيء له صورة وحقيقة، وبينهما فرق كبير رغم الشبه العظيم، تميزون بينهما بسهولة في حياتكم، وتعاملون الحقيقة بما لا تعاملون به الصورة، وأضرب لذلك مثلين: هذه مُثُل للثمار المصنوعة من الخزف، تتراءى للناظر كأنها تفاح، ورمان، وبرتقال، وعنب، وموز، في لونها وشكلها، ولكن أين الصورة من الحقيقة وأين طعم هذه الثمار ورائحتها؟ إنها ليست الا للزينة أو المثال.
إنكم ترون في المتحف كل نوع من السباع والانعام، والطيور الجميلة، والعصافير الصغيرة، ففيها الاسد، والذئاب، والافيال والدباب، وفيها كل طائر جارح، وكل سبع مخيف، ولكنها جثث هامدة لا حراك بها،
وأجساد ميتة محشوة بالليف والقطن، ليس فيها رمق من حياة، وقوة تهجم بها وتصول، حتى لا تحس منها من أحد ولا تسمع لها ركزا.
ان الصورة لا تستطيع أن تسد مكان الحقيقة وتنوب عنها، ولا يمكنها أن تمثل دور الحقيقة في الحياة وتأتي بما تأتي به من عمل ونشاط، ولا يمكن أن تقاوم الحقيقة وتكافحها، فإذا وقع صراع بينهما انهارت الصورة، ولا يمكنها أن تحتمل عبء الحقيقة، فإذا وكل أحد الى الصورة وظيفة الحقيقة أو عوّل عليها في مهمة خانته الصورة وخذلته أحوج ما يكون اليها.
والصورة ولو كانت مهيبة هائلة تغلب عليها الحقيقة ولو كانت ضعيفة متواضعة، لان الحقيقة الحقيرة أقدر وأقوى من الصورة العظيمة المهيبة، وان الولد يقدر أن يسقط الاسد الميت المحشو بالليف والقطن بيده الضعيفة الناحلة، لأن الولد يحمل حقيقة ولو حقيقة صغيرة، والاسد ليس الا صورة ولو كانت صورة مهيبة.
ان هذا العالم الذي نعيش فيه عالم الحقيقة والامر الواقع، وقد خلق الله كل شيء على حقيقته: فللمال حقيقة، وحبه فطري طبعي، ولاجل ذلك وردت عنه الاحكام ووضع الله فيه التأثير والجذب، وللاولاد حقيقة،
والحنان اليهم وحبهم فطري، ولاجل ذلك وردت الاحكام في الشرع عن تربيتهم وتعليمهم. وكذلك للحاجات الطبيعية والميول الفطرية حقيقة لا تجحد، ولا تغلب تلك الحقائق الا حقيقة أقوى ورغبة أعظم وأشد.
إننا نحتاج الى حقيقة الاسلام والايمان للظفر على الحقائق المبثوثة في العالم، أما صورة الاسلام فهي عاجزة عن أن تقهر هذه الحقائق وتنتصر عليها، وان كانت حقائق ممزوجة بالباطل، لان الصورة المجردة لا تنتصر على أي حقيقة.
ولذلك نرى اليوم بأعيننا أن صورة الاسلام أصبحت لا تغلب على الحقائق المادية الحقيرة، لأن الصورة ولو كان ظاهرها مقدسا رائعا ليس لها سلطان وتأثير، وأن صورة اسلامنا وصورة كلمتنا وصلاتنا اليوم لا تقدر أن تتغلب على عاداتنا الحقيرة، وتقهر شهواتنا الخسيسة، أو تثبتنا على جادة الحق عند البلاء والامتحان.
ان الكلمة التي كانت من قبل ذات سلطان عجيب على القلوب والارواح، وكانت تهون على الناس ترك المألوفات وقهر الشهوات، والشهادة في سبيل الله وبذل الارواح والأنفس لله، واحتمال المكاره وتجرع المرائر في سبيل الله، هي عاجزة عن أن تحمل الناس على ترك فرشهم بعد أن استغرقوا في النوم طول الليل، ويقوموا لصلاة الفجر! نعم، الكلمة التي كانت تغلب على شهوة الخمر، فتحول بين الانسان وبين الكأس وهي على راحته، فيمتنع عن شربها لان الدين يمنع من ذلك، ولأن الكلمة تأبى عليه أن يشرب الحرام، ها هي الآن قد أصبحت لا تملك أمرا ولا نهيا.
سرِّح طرفك في تاريخ الاسلام وتجول في فصوله وأوراقه، يظهر
لك أن كلمة الاسلام التي كان الصحابة وكان المسلمون في القرون الاولى يتلفظون بها، كانت ذات حقيقة ثابتة، وكانت كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها. وكلمتنا نحن ألفاظ مجردة، ونطق فارغ، ولأجل ذلك ترى عدم تأثيرها في حياة الأمة. ثم إننا مع ذلك نحاول أن نطبق حياة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على حياتنا، ونرجو أن تؤتي هذه الكلمة أكلها كل حين، وتحدث ما أحدثت في الماضي، حتى إذا لم يكن ذلك بطبيعة الحال تسائلنا وقلنا: "ألسنا مسلمين؟ ألسنا نصلي ونصوم؟ ألا نتلفظ بكلمة الاسلام ونرددها صباح مساء؟ فلماذا هذا الفرق الهائل بين عهدنا وعهد الخلفاء الراشدين؟! ولماذا هذا البون الشاسع بين حظنا وحظهم؟! وأين ثمرات شجرة الايمان؟! وأين نتائج الصلاة والصيام؟! وأين ما وعد الله من النصر المبين، والاستخلاف والتمكين؟!
لا تخدعنا أنفسنا!! ولنعلم أنهم كانوا أصحاب جد وحقيقة في الدين. لقد كانت كلمتهم حقيقة، وكانت صلاتهم حقيقة، ونحن متجردون عن هذه الحقائق، فرجاء أن تثمر الصورة ما أثمرت الحقيقة وتغني غناءها، انما هو وهم وخيال، وضرب من المحال.
أما قرأتم في التاريخ أن خبيبا رضي الله عنه رفعوه على الخشبة، وتناولوه بالرماح والاسنة، حتى تمزق جسمه وهو قائم لا يشكو ولا يئن، فقالوا له:"أتحب أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم مكانك؟ " فيضطرب ويقول: "والله لا أحب أن يفديني بشوكة يشاكها في قدمه! " يا أبناء الإسلام! إن الذي ثبته في هذا المكان، وألهمه أن ينطق بمثل هذه الكلمة العريقة في حب الرسول
هل هي صورة الاسلام؟ لا، بل هي الحقيقة التي مثلت بين عينيه الجنة، والرماح تنوشه وتعبث بجسمه، وناجته، وقالت: صبرا يا خبيب، فما هي الا لمحات وثوان، وها هي الجنة تنتظرك، ورحمة الله ترتقبك، فاذا احتملت آلام هذا الجسد الفاني والحياة الزائلة العابرة نلت السعادة الدائمة، والحياة الباقية.
هذه هي اللذة الروحية وحقيقة الحب والايمان التي أبت على خبيب أن يطلَق ويؤذى رسول الله صلى الله عليه وسلم بشوكة في قدمه، فهل تستطيع الصورة أن تحمل صاحبها على هذا الاخلاص والتفاني، والثبات على العقيدة والصبر على الموت؟! كلا ان الصورة لا تستطيع أن تقاوم الشدائد والآلام، بل حتى الخيالات والاوهام، وقد بدا لنا ذلك في الاضطرابات الطائفية الماضية في الهند، فان أناسا من المسلمين قد غيروا صورة الاسلام خوفا مما مر بخاطرهم من الفزع، وخشية الموت، وما دار في رؤوسهم من معارك خيالية حامية، واختاروا شعار الكفر، وذلك لأن هؤلاء الناس قد كانوا متحلين بالصورة، فارغين عن الحقيقة
…
هاجر سيدنا صهيب رضي الله عنه، فلما كان في الطريق اعترضته جماعة من مشركي مكة وقالوا له:
أتيتنا صعلوكا حقيرا، فكثر مالك عندنا، وبلغت الذي بلغت، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك؟ والله لا يكون ذلك، وهناك قامت المعركة بين حقيقة الاسلام وحقيقة المال، ودارت بينهما رحى الحرب، فانتصرت حقيقة الاسلام على ضدها، وقال لهم صهيب:"أرأيتم إن جعلت لكم مالي أتخلون سبيلي؟ قالوا: نعم قال: فإنني قد جعلت لكم مالي (1) " وهكذا انطلق صهيب بدينه، متجردا من ماله، فرحا مسرورا كأنه لم يفقد شيئا، ولم يخسر شيئا.
وخرج سيدنا أبو سلمة بزوجه وابنه يريد المدينة: فلما رآه رجال من بني المغيرة قاموا اليه فقالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتنا هذه، علام نتركك تسير بها في البلاد؟! ونزعوا خطام البعير من يده، وأخذوها منه، وأخذ بنو عبد الاسد سلمة ولده الصغير، هناك اصطدمت حقيقة الاسلام بحب الزوج والولد، فما لبثت أن انتصرت عليه، وغادر أبو سلمة زوجه وولده تحت رعاية الله، وهاجر وحيدا، هل الصورة تستطيع ذلك؟ وهل يقدر أصحابها على ترك الزوجات والاولاد في سبيل العقيدة والدين؟ كلا! بل سمعنا أن أناسا قد
(1) سيرة ابن هشام (ج 2 ص 121).
ارتدوا عن دينهم للمال، والأزواج، والأولاد، وغير ذلك من متع الدنيا وزخارفها.
كان أبو طلحة مقبلا على صلاته، فاذا طائر يدخل في بستانه ثم لا يجد الطريق للخروج، ويميل اليه قلب أبي طلحة، فلما انصرف من صلاته تصدق بهذا البستان، لأنه لا يحب أن يشغله شيء عن حقيقة صلاته، وينازع قلبه!
ان للبستان حقيقة، وأكله حقيقة، ولا تغلب هذه الحقائق الا حقيقة الاسلام، وان صلاتنا اليوم مجردة عن الحقيقة، ولذلك لا تقدر أن تقاوم أدنة الحقائق المادية.
لقد كان في حرب اليرموك بضعة آلاف من المسلمين، وأما الروم فقد كان عددهم يبلغ مائتي ألف أو يزيدون، فاذا نصراني كان يقاتل تحت لواء المسلمين يقول: ما أكثر الروم وأقل المسلمين. فيقول خالد رضي الله عنه: والله لوددت أن الأشقر براء من توجيِّه، وأنهم أضعفوا في العدد (1).
بم كان خالد رضي الله عنه مطمئنا، ولم لم يشغل خاطره هذا العدد الهائل ولم لم تكبر في عينه جنود الروم
(1) الاشقر فرس خالد وكان قد حفا واشتكى في مجيئه من العراق. (البداية والنهاية ج 8 ص 9).
الكثيفة ذلك؟ لأنه كان مؤمنا بالله واثقا بنصره. ولأنه كان يعلم أنه على الحقيقة، وإن مقابله صورة فحسب، وان الروم صورة فارغة عن الحقيقة، وكان يعتقد أن الصورة مهما كثرت، لا تقدر أن تقاوم حقيقة الاسلام.
لا شك أننا نتلفظ بكلمة الشهادة والتوحيد، ومنا من يعرف ما يقول، ولكن الصورة شيء والحقيقة شيء آخر، أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين الصادقين كانوا على حقيقة هذه الشهادة، فإذا قالوا لا إله الا الله اعتقدوا أنه لا إله غيره، ولا رب غيره، ولا رازق غيره، ولا نافع ولا ضار الا هو، له الملك والحكم، والخلق والأمر، وبيده ملكوت كل شيء، يجير ولا يجار عليه، وأخلصوا له الحب، والخوف، والسؤال والرجاء، والعبادة، والدعاء، وأصبحوا عبادا حنفاء، شجعانا أقوياء، لا يهابون العدو، ولا يخافون الموت، ولا يبالون بلومة لائم.
نرجع الى أنفسنا، ونفكر هل هذه هي الحقيقة متغلغلة في أحشائنا، ومتسربة في عروقنا وشراييننا، وهل غرس حياتنا يسقى بهذا الماء؟ معذرة وعفوا أيها السادة، إنا نخاف أن لا يكون الأمر كذلك، وأن نصيب الصورة في حياتنا أكثر من نصيب الحقيقة، وذلك موضع الضعف في حياتنا، وسر شقائنا ومصائبنا، اننا جميعا
نؤمن أن الآخرة حق، والجنة حق، والنار حق، والبعث بعد الموت حق، ولكن هل اننا حاملون لحقيقة الايمان كأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن تبعهم بإحسان؟ وقد سمعنا أن أحدهم سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قوموا الى جنة عرضها السموات والأرض فرمى بما معه من التمر وقال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه، إنها لحياة طويلة، وقاتلهم حتى قتل، لأن الجنة كانت عنده حقيقة لا يشك فيها، فمن أيقن يقول كأنس ابن النضر: إني لأجد ريح الجنة من دون أحد.
أتى رجل من المسلمين يوم اليرموك وقال للأمير: إني قد تهيأت لأمري، فهل لك من حاجة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال نعم! تقرئه عني السلام وتقول: يا رسول الله! إنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا.
أفيقول هذا الا من يوقن أنه مقتول في سبيل الله، وملاق رسول الله ومجتمع به في نعمة الله، وأنه مكلمه ومحدثه، فإذا حصل لرجل مثل هذا اليقين، فما الذي يمنعه من استقبال الموت، وما الذي يحول بينه وبين الشهادة؟!
إن أكبر انقلاب وقع في تاريخ هذه الأمة، هو أن الصورة احتلت مكان الحقيقة، واستولت على حياة الأمة، وذلك من عهد بعيد في
التاريخ، والذين كانوا يرون الصورة من بعيد يعتقدون أنها الحقيقة، ولذلك يذعرون ويشفقون من قربها، فكانت هذه الصورة الاسلامية كمجدار ينصبه الفلاح في حقله كيلا يحل فيه الطير والوحش، ولا تزال الطيور والوحش تظن أنه انسان، أو حارس، فلا تقربه حتى يتشجع غراب ذكي، أو حيوان جريء فيجد أنه ليس بشيء، هنالك تدخل الطيور والوحش في هذا الحقل وتعيث فيه، وتتلف زرعه، وقد وقع للمسلمين نفس الحادث، لقد حرستهم صورة الاسلام مدة طويلة جدا، فلم تجترئ عليهم أمم العالم، ولم يدر بخلد أحد أن يمتحن هذا الشبح المخيف ويتحققه.
ولكن حتى متى؟ لما أغار التتار على بغداد، افتضح المسلمون وظهر افلاسهم في الروح والقوة المعنوية، من ذلك الحين أصبحت الصورة عاجزة عن أن تحافظ عليهم، وتذود عنهم المكروه وتدفع عنهم غارات الامم، فان الصورة لا تقوم الا على الجهل والغرور، فاذا انكشف الغطاء وزاح الستار، تبين الصبح لذي عينين. وان ما نرى ونقرأ في تاريخ الاسلام من أخبار انكسار المسلمين وهزيمتهم في ميادين القتال، ان كل ذلك أخبار انخذال الصورة وفضيحتها لا غير، وقد فضحتنا الصورة في كل معركة وحرب ومقاومة واصطدام، ولكن الذنب علينا، حملنا الحقيقة على ظهر الصورة، فلم تستطع حمله ولم تمسكه، وعقدنا الآمال الكبار بالصورة الضعيفة فخيبت رجاءنا، وكذبت أمانينا، وخذلتنا في الميدان.
تكرر الصراع بين صورة الاسلام وشعوب العالم وجنودها، وفي كل مرة تنخذل وتنهزم الصورة، ويعتقد
الناس أنه هزيمة الاسلام وخذلانه، وبذلك هان الاسلام في عيون الناس وزالت مهابته عن القلوب، ولا يدري الناس أن حقيقة الاسلام لم تتقدم الى ساحة الحرب منذ زمن طويل، ولم تنازل أمم العالم، وان الذي يبرز في الميدان هو صورة الاسلام لا حقيقته، وخليق بالصورة أن تنهزم، وتضمحل أمام الواقع والأمر الجد.
هاجمت بعض الدول الاوربية في الحرب الأولى تركيا الاسلامية، تركيا التي أرعبت أوربا كلها، وهزمت دولها مرة بعد مرة، وكانت تركيا في هذه المرة حاملة لصورة شاحبة للاسلام، وقد فقدت شيئا من حقيقة الايمان، ففشلت في المقاومة وفقدت كثيرا من ممتلكاتها.
واجتمع سبع دول عربية لمحاربة الصهيونية في فلسطين، وكانت هذه الدول العربية عليلة الروح، وقد أطفأت المادية الأوربية جمرة القلوب وشعلة الجهاد في سبيل الله، وحببت اليها الحياة واللذات، ثم إنها تتخلف تخلفا كبيرا في المعدات الحربية والتنظيمات العصرية، فكانت الحرب بين العرب المسلمين واليهود الصهيونيين صراعا بين صورة الاسلام وحقيقة القوة والتنظيم والحماسة، فكانت نتيجة هذه الحرب نتيجة كل صراع بين الصورة والقوة.
ان الصورة لها منزلة ومكانة عند الله تعالى، لأنه قد عاشت فيها الحقيقة قرونا طويلة، ويحبها الله لأنها صورة أوليائه ومحبيه، وكذلك نعرف لها الفضل، لأن الانتقال من صورة الاسلام الى حقيقة الايمان أسهل بكثير من الانتقال من حقيقة الكفر أو صورته الى حقيقة الايمان والاسلام، فلنحافظ على هذه الصورة ولنتمسك بها، ولكن لا ينبغي أن نقنع بها ونستهين بالحقيقة والروح.
يا أبناء الإسلام، إن وعد الله من النصرة والفتح في الدنيا، والنجاة والغفران في الآخرة، كل ذلك محصورا في حقيقة الاسلام، وذلك قوله تعالى:{ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين} [آل عمران: 139] لا شك فإن الخطاب في هذه الآية للمسلمين، ومع ذلك اشترط الايمان للعزة في الأرض والعلو والشوكة، وقال في موضع آخر:{إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} [غافر: 51] وقال أيضاً: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكننّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا، يعبدونني لا يشركون بي شيئا، ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم
الفاسقون} [النور: 55] ورغم أن جميع تلك الوعود كانت على أساس الإيمان والأعمال الصالحة اشترط أن يكون في المسلمين حقيقة الايمان والتوحيد.
إن أكبر مهمة دينية في هذا العصر، وأعظم خدمة، وأجلها للأمة الإسلامية، هي دعوة السواد الأعظم للأمة وأغلبيتها الساحقة الى الانتقال من صورة الاسلام الى حقيقة الاسلام، فلمثل هذا فليعمل العاملون ويبذلوا جهودهم ومساعيهم في بث روح الاسلام في جسم العالم الاسلامي، ولا يدخروا في ذلك وسعا، فبذلك يتحول شأن هذه الأمة، وفي نتيجته شأن العالم بأسره، فإن شأن العالم تبع لشأن هذه الأمة، وشأن الأمة تبع لحقيقة الاسلام، فإذا زالت حقيقة الاسلام من الأمة المسلمة، فمن يدعو العالم الى حقيقة الاسلام، ومن ينفخ فيه الروح؟ قال سيدنا عيسى عليه السلام لاصحابه:"أنتم ملح الأرض، فإذا زالت ملوحة الملح فماذا يملح الطعام؟ ".
قد أصبحت حياتنا اليوم جسدا بلا روح، لأن السواد الأعظم للأمة مجرد عن الروح، فارغ عن الحقيقة، فكيف تعود الروح والحقيقة في الحياة الانسانية مرة أخرى؟!
ان في هذا العالم أمما لا تزال فارغة عن الحقيقة والروح منذ أقدم العصور الى يومنا هذا، ولم يبق فيها الا عدة معتقدات مرسومة، وبضع صور حقيرة مجردة عن الروح، وانتهت حياتنا الدينية والروحية الحقيقية، حتى ان انشاء أمة بأسرها أيسر من اصلاح هذه الأمم وتجديد
حياتها الدينية والخلقية، والذين نهضوا لاصلاحها، وبذلوا قصارى جهدهم في هذا السبيل قد أخفقوا ولم يفلحوا في مهمتهم، رغم الوسائل العظيمة الكثيرة التي حدثت في هذا العهد من الطبع والنشر، والتأليف والاذاعة، والتعليم والتربية، وطرق الدعاية والتأثير، وذلك لأن عروة دينها قد انفصمت انفصاما تاما، وانقطعت علاقتها عن منبع الحياة الدينية، والخلقية والروحية.
أما الأمة الإسلامية فلا تزال - على علاتها وضعفها - مستمسكة استمساكا ما بعروة الدين، وهي الايمان بالله والرسول، واليقين بالدار الآخرة والحساب، لم تتركها البتة، ولم تنقطع عنها انقطاع الأمم الأخرى، بل ان ايمان كثير من عامة المسلمين ودهمائهم يُزري بايمان كثير من خواض الأمم الأخرى، وعليتهم، ويفوقه متانة ورسوخاً وحماسة، ثم ان كتابها لا يزال في يدها لم يتناوله التحريف، ولم يعبث به العابثون كما فعلوا بالصحف الأولى، ولا تزال سيرة الرسول وأسوته الحسنة بمتناول يدها، فالدعوة الى الدين ميسورة، والتجديد ممكن، والقلوب متهيئة، وجمرة الايمان سريعة الاتقاد، والشقة بين الصورة والحقيقة قصيرة، والقنطرة بينهما الدعوة الى تجديد الايمان، والرجوع الى الدين، والتشبع
بروحه والتحلي بحقيقته.
لست قانطا من ظهور حقيقة الاسلام في هذا العصر، ولا نصدق أبداً بأن الزمان قد تغير والمسلمين قد ابتعدوا جدا عن روح الاسلام، فلا أمل في حقيقة الاسلام وغلبتها من جديد، انظروا الى ورائكم ترون جزر حقيقة الاسلام قائمة منتشرة في فجر التاريخ، وان الحقيقة لم تزل تطفو كلما رسبت وتظهر كلما اختفت، وكلما ظهرت حقيقة الاسلام وتجلت في ناحية من نواحي العالم الاسلامي أو عصر من عصور التاريخ الاسلامي، غلبت وانتصرت، وكذبت تجارب الناس وقياسهم وتقديرهم، وكادت الأحوال والأمور أن تعود الى ما كانت عليه في الماضي السعيد، وهبت على قلوب الناس نفحات القرن الأول، وان حقيقة الاسلام في هذا العصر اذا ظهرت وتمثلت في جماعة، تستطيع أن تذلل كل عقبة، وتهزم كل قوة، وتأتي بعجائب وآيات من الايمان والشجاعة والايثار، يعجز الناس عن تعليلها كما عجزوا من قبل عن تعليل حوادث الفتح الاسلامي، وأخبار القرن الأول.
***