الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خاتمة
بين الجباية والهداية
(1)
الدول والحكومات قسمان: دولة شعارها الجباية، ودولة شعارها الهداية، وكل لها طابع خاص ونفسية خاصة، ورجال ممتازون، ولكل نتائج متميزة.
فميزان الأشياء ومناط الاحكام في دولة الجباية هو تضخم الميزانية وكثرة الدخل والايراد، ورفاهية رجال الحكومة واحتفال الحضارة وزهو المدنية، وان كان ذلك بامتصاص دماء الفقراء، وشقاء الفلاحين والعملة، والضرائب المجحفة والمكوس المرهقة، فلا يعني هذا الضرب من الحكومة الا بما يزيد في مواردها وماليتها، وبما يهيئ لها أسباب الفخار والزينة والابهة، بما يهيئ للأمراء والوزراء، وأبنائهم وأبناء أبنائهم، والمتصلين بهم ورجال الحكومة وأسرهم وخدمهم أسباب الترف والتنعم والبذخ، وبما يبنون به قصورا فاخرة، ويشترون به أملاكا واسعة، في داخل البلاد وخارجها.
تغفل هذه الحكومة تربية الجمهور الدينية والخلقية، وتعطل الحسبة والرقابة على الاخلاق والنزعات، وتتغافل عن كل ما ليس
(1) أصل هذا المقال رسالة شخصية وجهت الى ملك من ملوك العرب، ثم طبعت كرسالة عامة موجهة الى جميع المسلمين، وقادة الرأي والفكر في العالم الاسلامي.
بسبيلها، وما لا يجر عليها فائدة مالية أو قوة سياسية، وقد تبيح منكرا أو محرما إذا كانت تجني منه نفعا، وتحرم مباحا إذا كانت تخاف منه خطرا سياسيا أو خسارة مالية، ولا يزال الجشع والنهامة للمال تدفعها وتزين لها خطتها، حتى تفرض ضرائب على العبادات، وعلى الموت والحياة، وهكذا تتحول من حكومة ساهرة على مصالح الجمهور وراحتهم ومن مربية وحارسة للأمة، الى شركة تجارية كبيرة لا يهمها الا جمع الأموال وزيادة الأرباح.
أما الدولة التي شعارها الهداية، فمهمتها الدعوة الى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومعيارها تحسن أخلاق الجمهور، وسمو روحهم وتحليلهم بالفضائل واقبالهم على الآخرة، وزهدهم في الدنيا والقناعة في المعيشة، واجتنابهم المحرمات والمعاصي، وتنافسهم في الخيرات، ولو كان ذلك على حساب ميزانيتها وخسارة ماليتها، فتنصب الوعاظ، وترسل الدعاة، وتشجع الحسبة، وتمنع الخمور، وتنكر على الفجور، وتحرم الملاهي والمعازف، وتطارد المستهترين والخلعاء، وتمنع كل ما يفسد على الناس عقيدتهم وأخلاقهم، ويفسد الحياة المنزلية، وتغص في حكمها المساجد، وتقفر الحانات، ويزدهر الدين والتقوى، وتضمحل المعاصي والجنايات، ويقوم أهل الدين والصلاح وينشطون ويتحمسون، ويتوارى الفجار والملحدون وينكمشون، ويكون ما وصفه الله تعالى:{الذين إن مكناهم في الأرض: أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، ولله عاقبة الأمور} [الحج: 41].
يمتاز جهاز حكومة الهداية بأسره عن جهاز حكومة الجباية بأسره، يمتاز عنه في النزعات والروح، والسيرة والمعاملة والسلوك،
فنرى في الأول التطوع والاحتساب، وروح الخدمة والإيثار، والأمانة والتضحية والوفاء، بينما نرى في رجال حكومة الجباية معاكسة القانون ورجاله والاجتهاد في معاجزته والتفلت منه، والكبر والتجبر، والاثرة والخيانة، والنفاق والزور، وفشو الرشوة الى حد يدعو الانسان بين الركن والمقام أن لا يبتلى منهم، فلا ينال الانسان حقه من العدل والراحة، ولا يمتمع بحقوقه المدنية الا اذا رضخ من ماله لهذا وقدم طعمة لذاك. ويستفحل الأمر ويجل الخطب، حتى لا يرى أحد في هذه الحكومة أنه خادم أمة وأمين حكومة، لا يعد نفسه الا جابيا - ولكن لنفسه وعياله - قد منحته الحكومة فرصة جمع الأموال، فلا يريد أن تفلته هذه الفرصة ويتخلف عن قافلة الجباة الشخصيين، وقد اشتد بها الجد، وجد بها السير.
لقد سبق في التاريخ أمثلة لكل من حكومات الجباية والهداية. أما حكومات الجباية فلا تحتاج الى تمثيل ولا الى شرح وبيان، فانها هي السائدة الفاشية في الماضي والحاضر، وفي الشرق والغرب، وقد جربها الانسان وعرفها في كل عصر، أما حكومات الهداية فهي نادرة جدا، فلنضرب لها مثلا:
بعث محمد صلى الله عليه وسلم فدعا الناس الى الاسلام فالتف حوله: {فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى. وربطنا على قلوبهم اذ قاموا فقالوا ربنا رب السموات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا. هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة، لولا يأتون عليهم بسلطان بيِّن، فمن أظلم
ممن افترى على الله كذبا} [الكهف: 14]. وكان هؤلاء الفتيان هدف كل قسوة وظلم، واضطهاد وبلاء وعذاب، وقد قيل لهم من قبل:{أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون. ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين} [العنكبوت: 03] فصمدوا لكل ما وقع لهم وثبتواة كالجبال، وقالوا:{هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله} [الأحزاب: 22]. حتى أذن الله في الهجرة، ولم تزل الدعوة تشق طريقها وتؤتي أكلها حتى قضى الله أن يحكم رجالها في الأرض، ويقيموا القسط، ويخرجوا الناس من الظلمات الى النور، ومن عبادة العباد الى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا الى سعتها، فقد عرف أنهم اذا تولوا وسادوا "أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر".
وهكذا جاءت الدعوة بالحكومة كما تأتي الأمطار بالخصب والزرع، وكما تأتي الأشجار بالفاكهة والثمر، فلم تكن هذه الحكومة الا ثمرة من ثمرات هذه الدعوة الاسلامية. ولم تكن هذه العزة والقوة الا نتيجة ذلك العذاب الذي تحملوه من قريش وغيرهم، وذلك الهوان
الذي لقوه في مكة وغيرها.
جاءت الحكومة بما يتبعها من عزة وشوكةن ورجال وأموال، وكنوز وخزائن، وجباية وخراج، ورفاهة ونعيم، وكان المجال واسعا جدا لجمع الأموال وحكم الرجال، ورفاهية الحال اذا اختاروا طريق الملوك والسلاطين في فرض الضرائب الكثيرة، والاتاوات المتنوعة والمكوس الجائرة.
التفت القوم فاذا دولتهم الوليدة على مفترق الطرق - طريق الجباية وطريق الهداية - هنالك سمعوا هاتفا يقول: ويحكم ان محمدا صلى الله عليه وسلم لم يبعث جابيا وإنما بعث هاديا وأنتم خلفاؤه" فلم يترددوا في ايثار جانب الهداية على جانب الجباية، واتخاذ الدعوة والهداية شعارا ومبدأ لحكومتهم فكان ذلك.
لقد علموا أنهم لو آثروا جانب الجباية وأطلقوا أيديهم في أموال الناس، واسترسلوا الى النعيم، ورتعوا في اللذات، لم يحل بينهم وبين ذلك أحد، ولم يقف في سبيلهم واقف. ولكنهم علموا أنهم لو فعلوا ذلك فقد غشّوا اخوانهم الذين سبقوهم بالايمان، وقضوا نحبهم بدون أن يأكلوا ثمار غرسهم، لقد خانوا أولئك الذين لم يعرفوا الا الجهاد والتعب والجوع والسغب، ولقد
وصلوا الى الحكومة على جسر من متاعبهم وإيثارهم. أفيجوز لهم أن يستغلوها لمصلحتهم وشهواتهم، وأبنائهم، ويتمرغوا في النعيم، ويسرفوا في الأكل والشرب؟ لقد ظلموا اذن عثمان بن مظعون، وحمزة بن عبد الملطب، ومصعب بن عمير، وأنس بن النضر، وسعد بن معاذ، وكثيرا من رفقتهم الذين لم يروا شيئا من الفتوح والغنائم، ولم يشبعوا أياما متوالية، وقف القوم ولم يطب لهم الأكل والشرب، وأرادوا أن يلحقوا بإخوانهم ولم يأخذوا من الدنيا الا البلاغ.
تأسست دولة الإسلام وفتحت فارس وبلاد الروم، والشام ونقلت الى عاصمة الاسلام - المدينة المنورة - كنوز كسرى وقيصر، وانصبت عليها خيرات المملكتين العظيمتين، وانهال على رجالها من أموال هاتين الدولتين وطُرَفها وزخارفها، ما لم يدر قط بخلدهم، وقد انقضى على اسلامهم ربع قرن وهم في شدة وجهد من العيش، وفي جشوبة المطعم وخشونة الملبس، لا يجدون من الطعام الا ما يقيم صلبهم، ولا من اللباس الا ما يقيهم من البرد والحر، فاذا بهم اليوم يتحكمون في أموال الاباطرة والاكاسرة، فإذا أراد الواحد منهم أن يلبس تاج كسرى وينام على بساط قيصر لفعل، لقد كانت - والله - هذه محنة عظيمة، تزول فيها الجبال الراسيات، وتطير لها
القلوب من جوانحها، وتعمش لها العيون، ولكنهم سرعان ما فطنوا أنهم ما وقفوا بين الفقر والغنى فحسب، بل أنهم خيروا بين أن يتنازلوا عن دعوتهم وامامتهم ومبادئهم، وينفضوا منها يدهم فلا يطمعوا فيها أبدا، وبين أن يحافظوا على روح هذه الدعوة النبوية وعلى سيرة رجالها اللائقة بخلفاء الأنبياء والمرسلين، وحملة الدعوة المؤمنين المخلصين.
كان لهم أن يؤسسوا ملكا عربيا عظيما على أنقاض الدولة الرومية والفارسية، وينعموا كما نعم ملوكها وأمراؤها من قبل، فقد ورثوا امبراطوريتين: الفارسية والرومية، وجمعوا بين موارد دولتين، فإذا كان كسرى يترفه بموارد فارس فقط، وإذا كان هرقل يبذخ بموارد الروم فقط، فهذا عمر بن الخطاب يمكنه أن يترفه بموارد الامبراطوريتين ويبذخ بذخا لم يبذخه أحدهما.
كان له ولأصحابه كل ذلك بكل سهولة، ولكنهم سمعوا القرآن يقول:{تلك الدار الآخرة نجعلها لذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين} [القصص: 83]. وكأنهم يسمعون نبيهم صلى الله عليه وسلم يقول قبل وفاته:
"فوالله لا الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تبسط عليكم الدنيا، كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم"(1).
فهتفوا عن آخرهم قائلين:
اللهم لا عيش الا عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة، وهكذاحافظوا على روح الدعوة الاسلامية وسيرة الأنبياء والمرسلين، وعاشوا في الحكومة كرجال الدعوة، وفي الدنيا كرجال الآخرة، وملكوا أنفسهم في هذا التيار الجارف، الذي سال قبلهم بالمدنيات والحكومات، والشعوب والأمم، وسال بالمبادئ والأخلاق، والعلوم والحكم.
ما زال الناس يعدون اقتحام المسلمين دجلة بخيلهم وجندهم تحت قيادة سعد بن أبي وقاص ووصولهم الى الشط الثاني من غير أن يصابوا في نفس أو مال أو متاع حادثا غريبا من أغرب ما وقع في التاريخ، ان الحادث لغريب، ولكن أشد منه غرابة وأدعى للعجب أن المسلمين في عهد الخلافة الراشدة وعصر الفتوح الاسلامية الأولى خاضوا بحر مدنية الروم وفارس وهو مائج هائج، وعبروه ولم يفقدوا شيئا من أخلاقهم ومبادئهم وعاداتهم، ووصلوا
(1) رواه البخاري ومسلم.
الى الشط الثاني، ولم تبل ثيابهم، ولم يزل الخلفاء الراشدون وأمراء الدولة الاسلامية من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم محتفظين بروحهم، ونفسيتهم وزهدهم وبساطتهم، في المعيشة وتخشنهم في أوج الفتوح الاسلامية.
حكى الطبري دخول الهرمزان المدينة، ومواجهته لعمر رضي الله عنه قال: هيأوا الهرمزان في هيئته، فألبسوه كسوته من الديباج الذي فيه الذهب، ووضعوا على رأسه تاجا يدعى الآذين مكللا بالياقوت، وعليه حليته كيما يراه عمر والمسلمون في هيئته، ثم خرجوا به على الناس يريدون عمر في منزله، فلم يجدوه فسألوا عنه، فقيل: جلس في المسجد لوفد قدموا عليه من الكوفة، وانطلقوا يطلبونه في المسجد فلم يروه، فلما انصرفوا مروا بغلمان من أهل المدينة يلعبون، فقالوا لهم: ما تلدد كم تريدون أمير المؤمنين؟ فإنه نائم في ميمنة المسجد متوسدا برنسه، وكان عمر قد جلس لوفد أهل الكوفة في برنس، فلما فرغ من كلامهم وارتفعوا عنه وأخلوه نزع برنسه ثم توسد فنام، فانطلقوا ومعهم النظارة حتى إذا رأوه جلسوا دونه، وليس في المسجد نائم ولا يقظان غيره، والدرة في يده معلقه، فقال الهرمزان: أين عمر؟ فقالوا: هُوَ ذا، وجعل الوفد
يشيرون الى الناس أن اسكتواعنه، وأصغى الهرمزان الى الوفد، فقال: أين حرسه وحجابه عنه؟ قالوا: ليس له حارس ولا حاجب ولا كاتب ولا ديوان! قال: فينبغي له أن يكون نبيا. فقالوا: بل يعمل عمل الأنبياء، وكثر الناس فاستيقظ عمر بالجلبة، فاستوى جالسا ثم نظر الى الهرمزان فقال:"الهرمزان"؟ قالوا: نعم! فتأمله وتأمل ما عليه وقال أعوذ بالله من النار وأستعين الله، وقال: الحمد لله الذي أذل هذا وأشياعه، يا معشر المسلمين تمسكوا بهذا الدين واهتدوا بهدي نبيكم ولا تبطرنكم الدنيا فانها غرارة، فقال الوفد: هذا ملك الاهواز، فكلمه. فقال: لا، حتى لا يبقى عليه من حليته شيء، فرمي عنه بكل شيء عليه الا شيئا ليستره، وألبسوه ثوبا صفيقا فكلمه (1) ".
ويصف ضرار بن ضمرة علي بن أبي طالب في خلافته بعد وفاة علي لمعاوية، ويقول: "إنه ليستوحش من الدنيا وزهرتها ويستأنس بالليل وظلمته، كان - والله - غزير الدمعة، طويل الفكرة، يقلب كفه ويخاطب نفسه، يعجبه من اللباس ما خشن، ومن الطعام ما جَشُب (2)، كان والله كأحدنا يجيبنا اذا سألناه، ويبتدئنا إذا أتيناه،
(1) تاريخ الطبري (ج 4 ص 37).
(2)
ما جشب: ما غلظ وخشن.
ويأتينا اذا دعوناه، يعظم أهل الدين، ويحب المساكين، لا يطمع القوي في باطله ولا ييأس الضعيف من عدله، وأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سجوفه وغارت نجومه، وقد مثل في محرابه، قابضا على لحيته، يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين، وكأني أسمعه وهو يقول:"يا دنيا أبي تعرضت، أم لي تشوفت؟ هيهات هيهات!! غري غيري، قد بتتّك ثلاثا لا رجعة لي فيك. فعمرك قصير، وعيشك حقير وخطرك كبير. آه! من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق (1) ".
كان شعار الدولة الاسلامية الأولى الهداية والدعوة الى الله وخدمة الناس، فكانت الدولة تخسر أموالا عظيمة في سبيل الأخلاق والدين، وكانت اذا خيرت بين أرواح الرجال ومبالغ من المال اختارت الأرواح وخسرت الأرباح، وتطيب بذلك نفسا وتقر به عينا، وإذا كان عكس ذلك فكسبت الأموال وخسرت الرجال، حزنت لذلك وحزن المسلمون كحزنهم على ملك زائل وسلطان راحل، وقد فضل الخلفاء الراشدون وخامسهم عمر بن عبد العزيز رحمه الله أن يدخل المجوس والنصارى في الإسلام ويعفوا
(1) صفة الصفوة لابن الجوزي ج 1.
من الجزية، فيخسر بيت مال المسلمين مقدارا عظيما من المال، ويكسب الدين الإسلامي والأمة الإسلامية رجالا يتخلصون من النار، وإذا كسب وربح بيت المال على حساب الإسلام حزنوا حزنا شديدا.
حدّث الطبري عن زياد بن الزبيدي، قال:"جمعنا في مصر ما في أيدينا من السبايا واجتمعت النصارى، فجعلنا نأتي بالرجل ممن في أيدينا ثم نخيره بين الاسلام وبين النصرانية، فاذا اختار الاسلام كبرنا تكبيرة هي أشد من تكبيرنا حين نفتح القرية، قال: ثم نحوزه الينا، واذا اختار النصرانية نحرت النصارى ثم حازوه اليهم ووضعنا عليه الجزية وجزعنا من ذلك جزعا شديدا، حتى كأنه رجل خرج منا اليهم (1) ".
وهكذا انتشر الاسلام، وانتشرت الاخلاق الفاضلة في عقود من السنين من أقصى الشرق الى أقصى الغرب، وتغلغلت الدعوة الاسلامية في أحشاء المجتمع البشري، لم يتمتع العالم الاسلامي بخلافة عمر بن عبد العزيز الا سنتين وبضعة شهور، ولكنه بحرصه على الدعوة ومحافظته على شعار الهداية، وسيرة خلفاء الأنبياء عليهم السلام تمكن من التأثير في القلوب والعقول، وقلب تيار المدنية،
(1) تاريخ الطبري (ج 4 ص 237).
واظهار الدين واخماد الكفر والفسق، والقضاء على رسوم الجاهلية، ما لم تتمكن منه دول اسلامية طويلة الاعمار لتراوحها بين الهداية والجباية، وتفضيلها الجباية في أكثر الاحيان على الهداية.
وكانت المدن الاسلامية الكبرى وعواصم الاسلام مركز دعوة وهداية بحيث اذا دخلها الانسان عرف أنه يمشي في مركز الاسلام ويتنفس في جوه، فيرى الحدود قائمة وأحكام الشرع نافذة، ولا يجد أحدا يتهاون في أمر من أمور الدين، ويستخف به أو يجاهر باثم ومعصية ولا يرى بدعة ولا فجورا، ولا دعارة ولا خدعة، ولا يسمع برشوة ولا خيانة ولا ما ينافي روح الاسلام، ويسمع الدعوة الى الله والى الدار الآخرة والى الفضيلة والتقوى واتباع الكتاب والسنة، والاجتناب من الشرك والبدعة، والتمسك بفضائل الدين في كل مكان، ويرى العمل بذلك في الطرقات والمجامع، وبيوت الناس ودواوين الحكومة، فيتشبع بروح الدين ويتضلع ايمانا وحماسة، وفقها في الدين ومعرفة بأحكامه وشرائعه وحبا لأهله، فلا يخرج الا وقد استفاد الايمان والعلم والتصلب في الدين والثقة برجاله وممثليه.
واذا دخلها أجنبي أو حديث عهد بالاسلام، عرف مزايا الحياة الاسلامية وفضل حكومة الاسلام، وآثر
الاقامة فيها، وكره أن يفارقها، ويعود الى دار الكفر كما يكره أن يقذف في النار.
أما الحَرَمانِ فقد كانا في حكومة الاسلام - المؤسسة على مبدأ الهداية - مدرسة الدين ومهد الحضارة الاسلامية، تتمثل فيهماه الحياة الاسلامية بكمالها وجمالها، ويأتي اليهما المسلمون من كل ناحية من نواحي العالم الاسلامي، ومن كل فج عميق، فيشهدون منافع لهم ويتفقهون في الدين، وينذرون قومهم اذا رجعوا اليهم، ويحتجون في بلادهم بما رأوه في الحرمين، فيكون ذلك حجة لمحافظة الحجاز على الدين والسنة وحرص حكومتها على تمثيل الحياة الاسلامية في مركز الاسلام ومنبعه.
ثم أتى على المسلمين حين من الدهر نسوا أن الحكومة في الاسلام لم تكن الا جائزة الدعوة والجهاد في سبيلها، ولولا رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ودعوته الى الله، وما لقي في مكة والطائف من قريش والقبائل، ولولا الهجرة والاختفاء في غار ثور، والرباعية المكسورة يوم أحد، ولولا ما صنع بحمزة يومئذ ولولا قتلى بئر معونة ومصلوب الانصار (1)، لما دانت الدنيا للعرب، ولا كانت
(1) هو خبيب بن عدي بن مالك الذي قتله بنو الحارث بن عامر، وبضعوا لحمه، وحملوه على جذعة، وهو القائل:
…
...
…
ولست أبالي حين أقتل مسلما
…
... على أي جنب كان في الله مصرعي.
دمشق ولا بغداد، ولا كان لبني مروان أن يجبوا خراج الروم وفارس، ولا كان للرشيد أن يقول لسحابة مرت به:"أمطري حيث شئت فسيأتيني خراجك".
أسس ملوك المسلمين بعد الخلافة الراشدة دولهم على مبدأ الجباية السياسية، وأهملوا الدعوة الى الله والى دار السلام، وعطلوا الحدود وأبطلوا الحسبة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، ولم تعد مراكز الاسلام مدرسة الدين ومرآة لمدنيته واجتماعه، بل أصبحت تغرس الشك والنفاق في قلوب الوافدين وتزعزع عقيدتهم وثقتهم بالدين وأهله، وأصبح القاصدون من مختلف أنحاء العالم الاسلامي يكتسبون منها استخفافا بشعائر الاسلام، ورقة في الدين، ووهنا في العمل، وسوء ظن بممثلي الاسلام، ورجعوا يحتجون بالاوضاع الفاسدة في مراكز الاسلام، وبالفوضى الدينية، فكانت داهية عظيمة على رجال الاصلاح والدعوة في الاقطار الاسلامية، وفتنة كبيرة.
ليس العالم الاسلامي اليوم بأشد افتقارا الى شيء، منه الى حكومة تمثله تمثيلا صحيحا، وتقوم على أساس الدعوة والهداية، والنصيحة والخدمة، فإن الإسلام لا يؤثر في عقول الناس، ولا يشفي المتفحصين حتى تكون له رقعة في الأرض، تتمثل فيها حياته وتتجلى فيها مدنيته واجتماعه، وتظهر فيها نتائج دعوته وتعاليمه، فإذا كان ذلك ولو في
رقعة صغيرة كان على الاسلام اقبال عظيم لم يعهد من قرون.
وليس العالم الانساني بأقل افتقارا من العالم الاسلامي لمثل هذه الحكومة التي شعارها الهداية والاصلاح، لا الجباية والكفاح، فان الانسانية العليلة جريحة لا يسعفها اليوم الا قيام هذه الحكومات التي تؤسس على أساس الفضيلة والدين، واحترام الانسانية، وايثار الأرواح على الأرباح، والأخلاق على الاعلاق، وكسب الرجال على كسب الاموال، فإذا تأسست هذه الحكومة - مهما كانت صغيرة ومهما كانت مواردها ضعيفة - كان ذلك حادثا غريبا يستحق كل تنويه واشادة، وقام كبار السياسيين وأصحاب اليراع، وقادة الفكر يشيرون اليها بالبنان ويضربون بها الامثال، ويؤلفون عنها مؤلفات، وأصبح الناس يأوون اليها كما يأوي الغرقى الى جزيرة في البحر، لينعموا في ظل حكومتها، وينفضوا عنهم غبار الظلم والفتن، ويتنفسوا من متاعب المدنية المعقدة المزورة، والحكومات الجابية الجائرة، ولكانت هذه الحكومة غُرة في جبين الدهر، وشامة بين الحكومات والدول.
أن الانسانية قد جربت حكومات الجباية على اختلاف أنواعها وأسمائها - من شخصية وديمقراطية، ورأسمالية واشتراكية وشيوعية - فوجدتها بنات علات، لا تختلف في أصلها ومبدئها، وروحها ونزعتها، وقلبتها على كل جانب فلم تر منها الا شرا ومرا، ولم تر اختلاف الاسماء يغني عن شيء، واذا تأسست جديدة باسم جديد، نادى لسان الحقيقة في لفظ أبي العلاء المعري:
ألا إنما الأيام أبناء واحد
…
وهذي الليالي كلها أخوات
فلا تطلبن من عند يوم وليلة
…
خلاف الذي مرت به السنوات
واذا ضمت الى هذه الحكومات المعدودة بالمئات حكومة جديدة لا تختلف عن اخواتها الا أنها يرأسها مسلم أو يديرها عدد من المسلمين، لم تكن بدعا ولم تكن شيئا طريفا ينوه به أو يشار اليه بالبنان، أو تعقد به الآمال، فان هنالك حكومات تفوق هذه الحكومة عشرات من المرات في طول مساحتها وضخامة ميزانيتها، وكثرة انتاجها واصدارها، وفي جيشها وأساطيلها وبوارجها الحربية وعدد الطائرات، وكثرة المصانع ورقي الصناعة والتجارة، واحتفال المدنية والحضارة، وحسن الادارة وانتشار العلم في طبقات الشعب وقلة الامية، الى غير ذلك مما تمتاز به الحكومات الاوربية.
ان قيام دولة للمسلمين في بقعة من بقاع الارض فرصة سعيدة نادرة لا تسنح في كل حين، ومثل هذه الفرص - كما يعرف المطلع على السنن الالهية وعلى تاريخ الاديان والدعوات الاصلاحية - قد تسنح بعد قرون، وتكون من فلتات الدهر، وفي قصرها كوميض البرق في ليلة مظلمة، وتكون امتحانا عظيما لرجالها، كيف يستخدمون هذه الفرصة لدعوتهم ومبادئهم الدينية على حساب مصالحهم الذاتية، وراحتهم ولذائذهم، فاذا انتهزوا هذه الفرصة وعرفوا قيمة الوقت، وأحسنوا تمثيل هذه العقيدة والدين الذي ينتسبون اليه وحسن ظن الناس بهم، وصدقوهم في ما يقولون فقد خدموا دينهم وأنفسهم خدمة باهرة، وان كان غير ذلك فأساءوا استعمالها واستغلوها لمصالحهم الشخصية على حساب الدعوة الدينية، ورجالها المخلصين وجهودهم في سبيل نشر هذه الدعوة، وقيام هذه الحكومة، كما فعلت الدولة الاموية
والعباسية ودول كثيرة، فقد ضيعوا الفرصة وخسروا دورهم، وخسرت معهم الدعوة التي وصلت أسبابها بأسبابهم دورها، وما يعلم أحد متى يعود هذا الدور، وهل يعود أم لا؟ فقد شهد التاريخ أمما وجماعات كثيرة ضيعت فرصة حكمها وسلطانها، ولم تنتفع بها، وانتهى دورها القصير أو الطويل فوقفت مع المتفرجين المنعزلين وبقيت تنتظر دورها في حلبة الأمم، وتعض على تفريطها ببنان الحسرة والندم.
هذا والى الحكومات الاسلامية ومن كان على رأسها أن ينتهزوا الفرصة ويحرزوا قصب السبق، ويبلغوا بهمتهم وعنايتهم الى حيث لا يبلغ اليه كبار الصالحين والاتقياء بعبادتهم وزهدهم، وذلك بما آثرهم الله من حول وطول، ونفوذ وسلطان، وفرص لا تتأتى لغيرهم، ولهم أن يصلوا في خدمة هذا الدين واعادة شبابه، واصلاح المجتمع وتغيير اتجاهه، من الجاهلية الى الاسلام في يوم واحد - اذا أرادوا بذلك وصحت عزيمتهم وصدقت نيتهم - مالا يصل اليه المصلحون، والمؤلفون والعاملون في أعوام وقرون، وينالوا من رضى الله وثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة، ما يغبطهم عليه كثير من العباد والمتقين، وعباد الله الصالحين.
وما أطلق الناس على عمر بن عبد العزيز لقب المجدد الكبير والخليفة الراشد الا بتغييره مجرى الحكومة من الجباية الى الهداية، والاصلاحات التي قام بها، وبرجولته
وعصاميته في سبيل مبدأه، ولو وزن ما تنازل عنه من نعيم زائل ومتاع فان، وأنواع من لباس وطعام، ودواب وأنعام - كان لا بد أن يتركها يوما من الأيام - لو وزن ذلك كله بما اكتسب من نعيم لا ينفد، وقرة عين لا تنقطع، وما يرجو من مرافقة محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه والالتحاق بحزبه. وما جعل الله له من لسان صدق في الآخرين، لرجح ما اكتسب رجحانا واضحا، وعد من كبار الأذكياء وعقلاء العالم.