الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من أقرانه، ولا غيرهم، ولا حسد أحدًا على شيء من أمور الدنيا، ولا زاحم عليها وما رأيت أحدًا أحلى منطقًا، ولا كثر أدبًا مع جليسه منه، حتى يود أنه لا يفارقه ليلًا ولا نهارًا، وبالجملة: فأوصافه الجميلة تَجِل عن تصنيفي" (1).
ولم يكن رحمه الله من أهل الثراء والمال، ولا من الذين اشتغلوا بالفانية عن الباقية، بل كان على تقشف، وزهد، وتقلل من هذه الحياة الدنيا.
قال زميله في الطلب الجزيري: "وكانت أيامه جميعًا اشتغالًا بالفُتيا، أو بالتدريس، أو بالتصنيف مع جلوسه في إيوان الحنابلة للقضاء، وفصل الأحكام وربما لُمْتُه في ذلك فيعتذر بفقرة، وكثرة العيلة"(2).
هذه بعض صور من حياته، وجوانب من نشأته تبين ما كان عليه رحمه الله من نشأة صالحة، وحب للعلم، والتحصيل، والإطلاع، وإفادة الناس، وعلو همة، وزهد، وروع، وتَقلُّل من هذه الفانية، وتعلق بالباقية.
* * *
*
المطلب الثالث: عقيدته:
لم يرد في كتب التراجم والأعلام التي وقفت عليها ما يوضح أو يشير إلى عقيدة ابن الفتوحي رحمه الله.
لكن يمكن معرفة جوانب من عقيدته من خلال بعض العقائد التي ذكرها في كتابه: "شرح الكوكب المنير".
1 -
قوله في الإيمان: "وعن أحمد رضي الله عنه في المعرفة الحاصلة في القلب -هل تقبل التزايد والنقص؟ - روايتان، والصحيح من مذهبنا ومذهب جمهور أهل السنة
(1) النعت الأكمل ص (141، 142)، السحب الوابلة (2/ 858).
(2)
السحب الوابلة (2/ 855).
إمكان الزيادة في جميع ذلك" (1).
فأثبت أن الإيمان يزيد وينقص، وهذا مذهب أهل السنة.
وأثبت أن الإيمان: "عقد بالجنان، ونطق باللسان، وعمل بالأركان"(2).
وقال أيضًا رحمه الله: "ويجوز الاستثناء فيه؟ أيْ: في الإيمان، بأن تقول: أنا مؤمن -إن شاء اللَّه-، نص على ذلك الإمام أحمد، والإمام الشافعي، ومنع ذلك الإمام أبو حنيفة وأصحابه"(3).
2 -
وأثبت أن مرتكب الكبيرة إن تاب منها غُفرت، وإلا فهو تحت المشيئة، وأنه لا يخلد في النار، ثم قال:"وخالف المعتزلة، فقالوا: بخلود أهل الكبائر في النار، ولو عملوا حسنات كثيرة، وهذا يصادم القرآن والأحاديث الصحيحة"(4).
وقال أيضًا: "أجمعنا على أن القرآن كلام اللَّه، كما أخبر به، نحو قوله -تعالى-: {حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} [التوبة: 6] "(5)
وقال رحمه الله بعد أن ذكر خلاف السلف والخلف في إثبات الحرف والصوت في كلام اللَّه عز وجل، والرد على من قال بعدم الإثبات: "ورأينا هؤلاء الأئمة -أئمة الإسلام الذين اعتمد أهل الإسلام على أقوالهم، وعملوا بها، ودونوها، ودانوا اللَّه بها- صرحوا بأن اللَّه يتكلم بحرف وصوت لا يشبهان صوت مخلوق ولا حرفه بوجهٍ البتة، معتمدين على ما صح عندهم عن صاحب الشريعة المعصوم
(1) شرح الكوكب المنير (1/ 63).
(2)
شرح الكوكب المنير (1/ 150).
(3)
شرح الكوكب المنير (1/ 151).
(4)
شرح الكوكب المنير (1/ 389).
(5)
شرح الكوكب المنير (2/ 59).
في أقواله، وأفعاله، الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، مع اعتقادهم -الجازمين به الذي لا يعتريه شك، ولا وهم، ولا خيال- نفي التشبيه، والتمثيل، والتعطيل، والتكييف، وأنهم قائلون في صفة الكلام، كما يقولون في سائر الصفات -للَّه تعالى- من النزول، والاستواء، والمجيء، والسمع، والبصر، واليد، والقدم، والوجه، والعين، وغيرها، كما قاله سلف الأمة مع إثباتهم لها {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ} [يونس: 32]، {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [النور: 40] " (1).
4 -
وأثبت الصفات الفعلية: كالنزول، والاستواء، والمجيء، وغيرها (2)، والصفات الخبرية: كاليد، والقدم، والوجه، والعين، والذاتية: كالسمع، والبصر، وغيرها (3).
وقال أيضًا رحمه الله: "وهي؛ أيْ: مشيئة اللَّه سبحانه وتعالى، وإرادته ليستا بمعنى محبته ورضاه، وسخطه وبغضه (4)، فيحب ويرضى ما أمر به فقط، وخلق كل شيء بمشيئته -تعالى-، فيكون ما يشاء لمشيئته، وإن كان قد لا يحبه، وهذا مذهب السلف من أئمة الفقهاء من السلف والمحدثين"(5).
ثم بين أنواع الإرادة فقال: "ثم اعلم أن إرادة اللَّه سبحانه وتعالى في كتابه نوعان: نوع بمعنى المشيئة لما خلق نحو قوله تعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ في
(1) شرح الكوكب المنير (2/ 80).
(2)
كالمحبة والرضا، شرح الكوكب المنير (2/ 114).
(3)
كالعلم، شرح الكوكب المنير (1/ 318، 319).
(4)
هذا الإطلاق فيه نظر فإن الإرادة الكونية بمعنى المشيئة، وليست بمعنى الأمر والنهي، والبغض، والسخط.
(5)
شرح الكوكب المنير (1/ 318، 319).