المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌باب الصلاة (الوقت المختار للظهر من الزوال لآخر القامة بغير ظل - حاشية الصاوي على الشرح الصغير ط الحلبي - جـ ١

[أحمد الصاوي]

الفصل: ‌ ‌باب الصلاة (الوقت المختار للظهر من الزوال لآخر القامة بغير ظل

‌باب الصلاة

(الوقت المختار للظهر من الزوال لآخر القامة بغير ظل الزوال، وهو أول وقت العصر، للاصفرار، واشتركا فيه بقدرها): هذا الباب يذكر فيه أحكام الصلاة - وأوقاتها وشرائطها وما يتعلق بذلك.

والوقت إما اختياري وإما ضروري، وهو الذي لا يجوز لغير المعذورين تأخير الصلاة إليه. فالاختياري للظهر من زوال الشمس عن وسط السماء إلى أن يصير ظل كل شيء [1] قدر قامته، وقامة كل إنسان سبعة أقدام بقدم نفسه أو أربعة أذرع بذراع نفسه، وتعتبر [2] قامة كل شيء بغير ظل الزوال، وهو ما قبل الزوال. وذلك لأن الشمس إذا أشرقت ظهر لكل شخص ظل ممتد لجهة المغرب، فكلما ارتفعت نقص الظل، فإذا وصلت وسط السماء وهو وقت الاستواء تم نقصانه. وطوله يختلف باختلاف الأزمنة، فقد يكون قدر قامة وثلث قامة كما في أول فصل الشتاء، وقد يكون سدس القامة كما في بئونة وأبيب. وقد لا يكون من أصله كما في مكة في بعض الأحيان، فإذا زالت الشمس عن وسط السماء إلى جهة المغرب أخذ الظل في الزيادة، وذلك أول وقت الظهر إلى أن يصير ظل كل شيء مثله، فذلك آخر وقت الظهر الاختياري.

وأول وقت العصر إلى اصفرار الشمس،

ــ

باب الصلاة

لما أكمل الكلام عن كتاب الطهارة - الذي أوقع الباب موقعه، إذ هي آكد شروط الصلاة - أتبع ذلك بالكلام على بقية شروطها وأركانها وسننها ومندوباتها ومبطلاتها. وترجم عن هذه الأحكام [بباب] مكان ترجمة غيره بكتاب. والصلاة لغة: الدعاء وبمعنى البركة والاستغفار، وشرعاً: قال ابن عرفة: قربة فعلية ذات إحرام وسلام أو سجود فقط، فيدخل سجود التلاوة وصلاة الجنازة. اهـ. وافتتح المصنف باب الصلاة بوقتها، لأنه إما شرط في صحتها ووجوبها كما قال بعضهم، أو سبب يلزم من وجوده وجود خطاب المكلف بالصلاة، ويلزم من عدمه عدم خطاب المكلف بها - كما قاله القرافي وهو الظاهر - وهو المأخوذ من كلام المؤلف أعني خليلاً، وتبعه مصنفنا لتأخير الشرط عنه لأنه ذكره ثم ذكر الأذان، ثم ذكر الشروط بعد ذلك. اهـ. من الخرشي. قال شيخنا في مجموعه: وهي من أعظم العبادات فرضاً ونفلاً، وقد ساق الحطاب جملة من تطوعها وعد منه: صلاة التسابيح. وركعتين بعد الوضوء وركعتين عند الحاجة، وعند السفر. والقدوم، وبين الأذان، والإقامة إلا المغرب. ومن الحاجة: صلاة التوبة التي ذكرها بعض العارفين، وكل خير حسن. قيل مشتقة من الصلة وهو إما من باب الاشتقاق الكبير الذي لا يراعى فيه الترتيب، أو أنها علفة وأصلها دخلها القلب المكاني بتأخير الفاء عن لام الكلمة. فصار صلوة ثم الإعلالي بقلب الواو ألفاً. وقيل: من صليت العود بالتشديد: قومته بالنار. واعترضه النووي بأن لامه ياء ولامها واو. فأجيب بأنها تقلب ياء من المضعف مع الضمير كزكيت من الزكاة. قال الدميري: وكأنه اشتبه عليه بقولهم: صليت اللحم صلياً كرميته رمياً إذا شويته. وقد يقال المادة واحدة. اهـ.

قوله: [الوقت] إلخ: هو مبتدأ والمختار صفته، وللظهر متعلق بمحذوف مبتدأ ثان أي ابتداؤه للظهر.

وقوله: [من الزوال]: خبر المبتدأ الثاني، والثاني وخبره خبر الأول.

وقوله: [لآخر القامة]: حال من الضمير في الخبر. وإنما بدأ ببيان وقت الظهر لأنها أول صلاة صليت في الإسلام، ولذلك سميت بالظهر. واعلم أن معرفة الوقت عند القرافي فرض كفاية يجوز التقليد فيه، وعند صاحب المدخل فرض عين، ووفق بينهما بحمل كلام صاحب المدخل على أن المراد أنه لا يجوز للشخص الدخول في الصلاة حتى يتحقق دخول الوقت، وهذا لا ينافي جواز التقليد فيه انظر (بن).اهـ. من حاشية الأصل.

قوله: أحكام الصلاة أي من وجوب وندب وغير ذلك.

قوله: [وأوقاتها]: أي التي تؤدى فيها؛ اختيارية أو ضرورية.

قوله: [وشرائطها]: جمع شرط، وهي ثلاثة أقسام شروط وجوب فقط، وشروط صحة فقط، وشروط وجوب وصحة معاً.

قوله: [وما يتعلق بذلك]: أي من بيان الأركان والسنن والفضائل والمكروهات والمبطلات وسجود السهو وغير ذلك.

قوله: [والوقت]: أي الزمان المقدر للعبادة شرعاً.

قوله: [لغير المعذورين]: وأما المعذورون فيجوز وسيأتي بيانهم.

قوله: [من زوال الشمس]: أي ميلها.

قوله: [عن وسط السماء]: أي بأن تميل لجهة المغرب.

قوله: [قدر قامته]: هو معنى قول غيره: حتى يصير ظل كل شيء مثله.

قوله: [وطوله يختلف إلخ]: أي قدر الباقي بعد تمام القدر المذكور.

وقوله: [يختلف] إلخ: أي بحسب الأشهر القبطية، وهي توت فبابه فهاتور فكيهك فطوبة فأمشير فبرمهات فبرمودة فبشنس فبؤنة فأبيب فمسرى، وقدم جعل بعضهم لذلك ضابطاً بقوله: "طزه جبا أبد وحي، فالطاء قدر أقدام ظل الزوال بطوبة، والزاي لأقدام أمشير وهكذا لآخرها.

قوله: [كما في مكة في بعض الأحيان]: أي وزيد مرتين في السنة وبالمدينة الشريفة مرة، وهو أطول يوم فيها، قال في حاشية الأصل: بيان ذلك أن عرض المدينة أربع وعشرون درجة، وعرض مكة إحدى وعشرون درجة وكلاهما شمالي، والمراد بالعرض: بعد سمت رأس أهل البلد عن دائرة المعدل والميل الأعظم أربع وعشرون درجة

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

زاد بعدها في ط المعارف: (بذراع).

[2]

في ط المعارف: (وتعد).

ص: 82

واشتركت الظهر والعصر في آخر القامة بقدر أربع ركعات، فيكون آخر وقت الظهر وأول وقت العصر بحيث لو صليت آخر القامة وقعت صحيحة. وقيل: بل أوله أول القامة الثانية، فلو صليت آخر الأولى كانت فاسدة، وعليه فالاشتراك في أول الثانية بحيث لو صلى الظهر فيه لم يأثم.

(وللمغرب غروب الشمس بقدر فعلها بعد شروطها): أي والمختار للمغرب أوله غياب جميع قرص الشمس ولا امتداد له على المشهور،

ــ

والمراد به بعد غاية الشمس إذا كانت على منطقة البروج من دائرة المعدل، وإذا كانت الشمس على منطقة البروج في غاية الميل الشمالي كانت مسامتة لرأس أهل المدينة فينعدم الظل عندهم، ولا تكون الشمس كذلك في العام إلا مرة واحدة، وذلك إذا كانت الشمس في آخر الجوزاء، وإذا كانت الشمس على منطقة البروج وكان الميل الشمالي إحدى وعشرين درجة كانت مسامتة لرأس أهل مكة فينعدم الظل عندهم في يومين متوازيين، يوم قبل الميل الأعظم ويوم بعده في تنقلاتها. فإن كان العرض أكثر من الميل الأعظم كما في مصر - فإن عرضها ثلاثون - لم ينعدم الظل أصلاً، لأن الشمس لم تسامتهم، بل دائماً في جنوبهم. اهـ.

قوله: [واشتركت الظهر] إلخ: وقال ابن حبيب: لا اشتراك بينهما؛ فآخر وقت الظهر آخر القامة الأولى، وأول وقت العصر أول القامة الثانية. قال ابن العربي: تالله ما بينهما اشتراك، ولقد زلت فيه أقدام العلماء.

قوله: [بقدر أربع ركعات]: أي في الحضر وبقدر ركعتين في السفر.

قوله: [وقعت صحيحة]: وهو المشهور عند ابن راشد وابن عطاء الله، واستظهره ابن رشد. ولو أخر الظهر على هذا لأول القامة الثانية أثم.

قوله: [وعليه فالاشتراك] إلخ: وهو لابن الحاجب. وحاصل ما أفاده الشارح: أن فائدة الخلاف بالنسبة للظهر تظهر في الإثم وعدمه عند تأخيرها عن القامة الأولى لأول الثانية، وتظهر بالنسبة للعصر في الصحة وعدمها إذا قدمها في آخر الأولى، ومنشأ الخلاف قوله عليه الصلاة والسلام في المرأة [1] الأولى:«أتاني جبريل فصلى بي الظهر حين زالت الشمس، ثم صلى بي العصر حين صار ظل كل شيء مثله» ، وقوله عليه الصلاة والسلام في المرة الثانية:«فصلى بي الظهر من الغد حين صار ظل كل شيء مثله» ، فاختلف الأشياخ في معنى قوله في الحديثين؛ فصلى، هل معناه شرع فيهما أو معناه فرغ منهما؟ فإن فسر بشرع كانت الظهر داخلة على العصر ومشاركة لها في أول القامة الثانية، وإن فسر بفرغ كانت العصر داخلة على الظهر ومشاركة لها في آخر القامة الأولى. واعلم أن هذا الخلاف يجري نحوه في العشاءين على القول بامتداد وقت المغرب لمغيب الشفق لا على ما للمصنف. فإذا قيل بالاشتراك وقيل بدخول المغرب على العشاء فالاشتراك بمقدار ثلاث ركعات من أول وقت العشاء. وإن قيل بدخول وقت العشاء على المغرب فبمقدار أربع ركعات أي من آخر وقت المغرب. اهـ. من حاشية الأصل.

تنبيه: لا يعتبر معرفة الوقت بكشف ولا تدقيق ميقات. وإن خطى ولي من قطر إلى آخر اعتبر زوال ما يصلي فيه، ولا تكرر عليه. وفي الحديث في يوم الدجال يقدر له صلاة السنة، فأجرى فيه بعضهم جميع أحكام العام من صيام وحج وزكاة. وذكر ابن أبي زيد لعلامة وقت العصر ضابطاً وهو: إذا ضم أصابعه ووضع الخنصر على ترقوته وذقنه على الإبهام، فرأى الشمس، فقد دخل العصر، لا إن كان قرصها فوق حاجبه. قال في المجموع: وهو تقريب لأن الشمس تنخفض في الشتاء.

قوله: [وللمغرب]: وتسمى صلاة الشاهد -نجم يطلع عندها- أو الحاضر؛ لأن المسافر لا يقصرها أو أنه لا ينتظر من لم يحضر مع الجماعة، لأن وقتها أضيق. وورد النهي عن تسميتها عشاء، ولم يصح:«إذا حضر العشاء والعشاء فابدءوا بالعشاء» وإنما هو: «إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة» ، ثم المقدم طعام لا يخرج الوقت كعادتهم، وأما عشاءان تغليباً فخفيف.

قوله: [غروب الشمس]: أي من غروب أي مغيب جميع قرصها. وهذا هو الغروب الشرعي الذي يترتب عليه جواز الدخول في الصلاة، وجواز الفطر للصائم، وأما الغروب الميقاتي فهو مغيب مركز القرص ويترتب عليه تحديد قدر الليل وأحكام أخر تذكر في الميقات، فالغروب الميقاتي أقل من الغروب الشرعي بنصف درجة. انتهى من حاشية الأصل.

قوله: [على المشهور]: وقيل للشفق

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

كذا في ط الحلبية، ولعل الصواب:(المرة).

ص: 83

بل يقدر بقدر ثلاث ركعات بعد تحصيل شروطها من طهارة حدث وخبث وستر عورة، وجاز لمن كان محصلاً لها تأخيرها بقدر تحصيلها.

(وللعشاء من غروب الشفق - الأحمر للثلث الأول): أي والمختار للعشاء من غياب الشفق الأحمر فلا ينتظر غياب الأبيض إلى ثلث الليل الأول، قال في الرسالة: فإذا لم يبق في المغرب حمرة ولا صفرة فقد وجبت الصلاة.

(وللصبح من طلوع الفجر الصادق للإسفار البين): أي وأول المختار لصلاة الصبح من طلوع الفجر الصادق وهو ما ينتشر ضياؤه حتى يعم الأفق، احترازاً من الكاذب: وهو الذي لا ينتشر بل يخرج مستطيلاً يطلب وسط السماء دقيقاً يشبه ذنب السرحان أي الذئب. ثم يذهب ثم يخرج الفجر الصادق. وينتهي مختاره إلى الإسفار البين: أي الذي تظهر فيه الوجوه ظهوراً بيناً وتختفي فيه النجوم،

ــ

ولمراعاته أجازوا التطويل فيها والتأخير للمسافر كما في الحاشية.

قوله: [من طهارة حدث] إلخ: أي مائية صغرى وكبرى لا تيمم، ولو كان من أهله لأن الوقت لا يختلف باختلاف الأشخاص. ويعتبر طهارة المتوسط بحسب غالب الناس واستقبال، ويزاد أذان وإقامة. وما ذكره المصنف في وقت المغرب المختار بالنسبة للابتداء لجواز التطويل بعد الدخول فيها وبالنسبة للمقيم، وأما المسافر فلا بأس أن يمد ويسير بعد الغروب الميل ونحوه ثم نزل ويصلي كما في المدونة.

قوله: [وللعشاء]: اختلف في جواز تسميتها بالعتمة.

قوله: [من غروب الشفق] إلخ: هذا هو المعروف من المذهب. وعليه أكثر العلماء، قال ابن ناجي ونقل ابن هارون عن ابن القاسم نحو ما لأبي حنيفة من أن مختار العشاء من غروب البياض، وهو يتأخر عن غروب الحمرة - لا أعرفه - وأما البلاد التي يطلع فجرها قبل غيبوبة الشفق أسقط الحنفية عنهم العشاء كمن سقط له عضو من أعضاء الوضوء، فيسقط عنه غسله. وقدر الشافعية بأقرب البلاد لهم، واختاره القرافي من أئمتنا، فتكون العشاء أداء عليه. قال شيخنا في حاشية مجموعه: ظاهر هذا أن التقدير معناه تعليق الحكم بغيبوبة شفق أقرب مكان لهم، فإذا غاب وجبت عليهم العشاء بعد فجرهم، فهو أداء لأنه غاية ما في قدرتهم إذ لا عشاء إلا بغيبوبة شفق، وهذا أسبق شفق غاب لهم، ولكن الظاهر أن وجوبها مضيق كقضاء الفائتة نظراً لطلوع فجرهم، وهذا - أعني تعليق الحكم بشفق غيرهم - أنسب بما قالوه عندنا من عدم اعتبار اختلاف المطالع في هلال رمضان، وأنه يجب في قطر برؤيته في قطر آخر. والذي ذكره بعض حواشي شرح المنهج أن يقدر لهم مدة شفق من ليلهم بنسبة مدة شفق غيرهم لليله، فإذا كان الشفق يغيب في أقرب مكان لهم في ساعة ومدة الليل في ذلك المكان من الغروب للفجر ثمان ساعات، فغيبوبة الشفق في الثمن. فإذا كان ليل هؤلاء من الغروب للفجر اثنتي عشرة درجة فوقت العشاء بعد الغروب بدرجة ونصف، وهو أنسب بقواعدهم أعني الشافعية من اعتبار اختلاف المطالع، وإن لكل مكان حكم نفسه. انتهى بحروفه. وقد قلت في هذا المعنى:

قل للفقيه الذي في عصره انفردا

بكل فن وكم من معضل مهدا

ماذا عشا أديت والفجر قد طلعا

وقبل أن يطلع البطلان قد وردا

وجوابه:

هي البلاد التي لاح الصباح بها

من قبل غيب الشفق يا صاح فاعتمدا

قول القرافي بتقدير القريب لهم

من البلاد حباك الله كل ندا

ولكن هذا السؤال والجواب لا يتم إلا على أن التقدير معناه تعليق الحكم بغيبوبة شفق أقرب مكان لهم. فإذا غاب وجب عليهم العشاء بعد فجرهم الذي صدر به الشيخ في أول عبارته في الحاشية. وأما على ما نقله عن بعض حواشي شرح المنهج العشاء قبل الفجر قطعاً فلا يأتي سؤال ولا جواب، فافهم.

قوله: [الثلث الأول]: أي محسوباً من الغيبوبة ممتداً للثلث، وقيل إن اختياري العشاء يمتد للفجر، وعليه فلا ضروري لها. وهو مذهب الشافعية وفيه فسحة.

قوله: [وهو ما ينتشر ضياؤه]: أي في جهة القبلة وفي جهة دبرها حتى يعم الأفق، وظاهر قوله:[ينتشر ضياؤه]: أن الفجر الصادق غير الضوء وليس كذلك، بل هو ضوء الشمس السابق عليها، فالأولى أن يحذف "ضياؤه" ويقول: وهو ما ينتشر حتى إلخ.

قوله: [يطلب وسط السماء]: أي فهو بياض دقيق يخرج من الأفق ويصعد في كبد السماء بغير انتشار بل بحذائه ظلمة من الجانبين.

قوله: السرحان: بكسر السين مشترك بين الذئب والأسد، والمراد أنه يشبه ذنب السرحان الأسود، وذلك لأن الفجر الكاذب بياض مختلط بسواد، والسرحان الأسود لونه مظلم وباطن ذنبه أبيض.

قوله: [تظهر فيه الوجوه]: أي بالبصر المتوسط في محل لا سقف فيه،

ص: 84

وقيل: بل إلى طلوع الشمس. ولا ضروري لها.

(وأفضل الوقت أوله مطلقاً. إلا الظهر لجماعة فلربع القامة، ويزاد لشدة الحر لنصفها): أي أن أفضل الوقت مطلقاً لظهر أو غيرها - لفذ أو جماعة - أوله. فهو رضوان الله إلا الظهر فيندب لمن ينتظر جماعة أو كثرتها أن يؤخر لربع القامة لتحصيل فضل الجماعة. فلو كان الوقت وقت شدة الحر ندب تأخيرها للإبراد حتى تتفيأ الأفياء، وحد ذلك بعضهم بنصف القامة وبعضهم بأكثر.

(والأفضل لفذ انتظار جماعة يرجوها): يعني أن المنفرد يندب له أن يؤخر الصلاة لجماعة يرجوها في الوقت لتحصيل فضل الجماعة. وقيل: يقدم ثم إذا وجدها أعاد إن كانت مما تعاد. وأما المغرب فيقدمها جزماً لضيق وقتها. وعلم من هذا أن قولهم: الأفضل للفذ تقديمها أول الوقت محله ما لم يرج جماعة.

(ومن خفي عليه الوقت) لظلمة: أو سحاب (اجتهد): وتحرى (بنحو ورد): فمن كان له أو لغيره ورد من صلاة أو قراءة أو ذكر، وكانت عادته الفراغ منه طلوع الفجر مثلاً فإنه يعتمد على ذلك. وكذلك إذا كان الطحان يفرغ من طحن الإردب مثلاً طلوع الفجر أو الغزل أو النسج أو غير ذلك من الأعمال المجربة، فإنه يعتمد عليها. وكذا آلة المؤقتين كالرملية والساعة المنضبطة وإلا زاد في التحري حتى يغلب على ظنه دخول الوقت. ولذا قال:(وكفت غلبة الظن، فإن تخلف ظنه وتبين تقديمها): على الوقت (أعاد وجوباً): وإلا فلا.

(ومن شك): أو ظن

ــ

ثم ما ذكره المصنف من أن مختار الصبح يمتد للإسفار الأعلى هو رواية ابن عبد الحكم وابن القاسم عن مالك. قال ابن عبد السلام: وهو المشهور.

قوله: [وقيل بل] إلخ: هو رواية ابن وهب في المدونة، والأكثر. وعزاه عياض لكافة العلماء وأئمة الفتوى قال وهو مشهور قولي مالك. والحاصل أن كلاً من القولين قد شهر. ولكن ما مشى المصنف أشهر وأقوى كما في الحاشية.

تنبيهان:

الأول: المشهور عند مالك وعلماء المدينة وابن عباس وابن عمر أن صلاة الصبح هي الوسطى، وقيل: العصر، وما من صلاة من الخمس إلا قيل فيها هي الوسطى، وقيل هي الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما أبهمت لأجل المحافظة على كل الصلوات كليلة القدر بين الليالي.

الثاني: من مات قبل خروج الوقت لم يعص، إلا أن يظن الموت ولم يؤد حتى مات، فإنه يكون عاصياً. وكذا إذا تخلف ظنه فلم يمت فيبقى الإثم ولو أداها في الوقت الاختياري. ويلغز بها فيقال: رجل أدى الصلاة وسط الوقت الاختياري وهو آثم بالتأخير.

قوله: [لمن ينتظر جماعة] إلخ: أي وأما الجماعة التي لا تنتظر غيرها فالأفضل لها التقديم كالفذ، وهل من يؤمر بالتقديم يفعل الرواتب قبلها؟ وهو الظاهر وفاقاً لصاحب المدخل وأبي الحسن شارح الرسالة و (ح)، لأنها مقدمات تابعة في المعنى عن الأولوية لظواهر الأحاديث وعمومها، كتقديم نحو الفجر والورد بشروطه على الصبح، وأربع قبل الظهر وقبل العصر. خلافاً لابن العربي حيث جعل التقديم مطلوباً حتى على الرواتب، وحمل فعل الرواتب على جماعة تنتظر غيرها، ومال إليه الأجهوري. ولكن عول أشياخنا على الأول.

قوله: [لربع القامة]: أي بعد ظل الزوال صيفاً وشتاء لأجل اجتماع الناس، وليس هذا التأخير من معنى الإبراد.

قوله: [للإبراد]: أي ويزاد على ربع القامة من أجل الإبراد لشدة الحر، ومعنى الإبراد: الدخول في وقت البرد.

قوله: [وحد ذلك] إلخ: قال الباجي: قدر الذراعين، وابن حبيب فوقهما بيسير، وابن عبد الحكم: أن لا يخرجها عن الوقت. فتحصل أنه يندب المبادرة في أول المختار مطلقاً إلا الظهر لجماعة تنتظر غيرها فيندب تأخيرها. وتحته قسمان: تأخير لانتظار الجماعة فقط، وتأخير للإبراد كما علمت.

تنبيه: قول خليل: "وفيها ندب تأخير العشاء قليلاً": أي في المدونة يندب للقبائل والحرس تأخير العشاء بعد الشفق زمناً قليلا ليجتمع الناس لها، لأن شأنهم التفرق؛ ضعيف. والراجح التقديم مطلقاً، فلذلك تركه المصنف.

قوله: [والأفضل لفذ]: أي وهو الذي اختاره سند، ففعلها عنده في جماعة آخر الوقت أفضل من فعلها، فذا في أول الوقت، وجزم به الباجي وابن العربي قياساً على جواز تقديم العشاء ليلة المطر، لأجل الجماعة، فأولى التأخير.

قوله: [وقيل يقدم]: اعترض القول بالتقديم، بأن الرواية إنما هي في الصبح يندب تقديمها على جماعة يرجوها بعد الإسفار بناء على أنه لا ضروري لها وإلا لوجب. ورد بأن ابن عرفة نقل اختلاف أهل المذهب في ترجيح أول الوقت فذا على آخره جماعة أو بالعكس عام في جميع الصلوات لا في خصوص الصبح، وحينئذ فإطلاق المؤلف صحيح لا اعتراض عليه.

قوله: [وعلم من هذا]: أي من القول الذي مشى عليه المصنف.

قوله: [ومن خفي] إلخ: سيأتي محترزه في قوله: [وأما من لم يخف عليه] إلخ.

قوله: [لظلمة أو سحاب]: ليلاً أو نهاراً.

قوله: [وإلا فلا]: أي وإلا يتبين التقديم - بأن تبين أنها في الوقت أو لم يتبين شيء - فلا إعادة عليه.

قوله: [ومن شك] إلخ: حاصله أنه إذا تردد، هل دخل وقت الصلاة أم لا، أو ظن ظناً غير قوي الدخول، أو ظن عدمه – وسواء

ص: 85

ظناً خفيفاً (في دخوله): وصلى (لم تجزه) صلاته (وإن): تبين له أنها (وقعت فيه): أي الوقت. فأولى إذا لم يتبين له شيء أو تبين وقوعها قبله، بخلاف من غلب ظنه فلا يعيد إلا في الأخيرة كما علمت. وأما من لم يخف عليه الوقت بأن كانت السماء مصحية، فلا بد له من تحقق دخول الوقت، ولا يكفيه غلبة الظن.

(و) الوقت (الضروري) أي ابتداؤه (تلو): أي عقب الوقت (المختار) سمي - ضرورياً لعدم جواز تأخير الصلاة إليه لغير أرباب الضرورات، فابتداؤه من الإسفار. ويمتد (لطلوع الشمس في الصبح، ولغروبها في الظهرين): فيمتد ضروري الظهر المختص بها من دخول مختار العصر، ويمتد ضروري العصر من الاصفرار لغروبها فيهما. لكن تختص العصر بقدرها قبل الغروب على ما سيأتي: بيانه، إن شاء الله تعالى من أن الوقت إذا ضاق اختص بالأخيرة، فيشتركان في الضروري من الاصفرار. ومبدأ ضروري المغرب من مضي ما يسعها بشروطها. ومبدأ ضروري العشاء من مضي الثلث الأول.

(و) يمتد (للفجر في العشاءين): لكن تختص العشاء الأخيرة بقدرها قبل الفجر، كما تختص المغرب بما قبل دخول الثلث الثاني.

(وتدرك فيه): أي في الضروري (الصلاة) صبحاً أو غيرها (بركعة) بسجدتيها أي بأدائها فيه. فمن صلى ركعة بسجدتيها أخر الضروري، وصلى الباقي بعد خروجه فقد أدرك الصلاة في وقتها الضروري، لأن ما فعل خارجه كالتكرار لما فعل فيه (كالاختياري) يدرك بفعل ركعة بسجدتيها فيه، وإن وقع الباقي بعد خروجه في الضروري، ومقتضاه أنه لا إثم عليه إذا أخر الصلاة لغير عذر، وقيل: يأثم. (والكل): أي ما صلى في آخر الضروري وما صلى خارجه (أداء): وإن أثم بالتأخير لغير عذر. وفائدته: أن من حاضت أو أغمي عليه فيما وقع خارج الوقت سقطت عنه لحصول العذر وقت الأداء، لكن الراجح عدم السقوط لحصول العذر بعد الوقت. ومن فوائده أيضاً بطلان صلاة من اقتدى به فيه؛ لأنها قضاء خلف أداء.

(وأثم المؤخر) الصلاة، (له): أي للضروري، وإن كانت أداء.

(إلا لعذر) فلا يأثم، وبين العذر بقوله:(من كفر): أصلي، بل. (وإن طرأ) بأن ارتد ثم عاد للإسلام فلا يأثم بالتأخير للضروري، وفي الحقيقة عدم الإثم للترغيب في الإسلام لقوله تعالى:{قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} [الأنفال: 38].

(وصبا): فإذا بلغ الصبي في الضروري وأداها فيه فلا يأثم.

(وإغماء وجنون): أفاق صاحبهما في الضروري وأداها فيه لم يأثم.

ــ

حصل ما ذكر قبل الدخول في الصلاة أو فيها - فإنها لا تجزيه لتردد نيته، سواء تبين أنها وقعت قبله أو فيه أو لم يتبين شيء؛ فهذه ثمانية عشر. وأما إذا دخل الصلاة جازماً بدخول وقتها أو ظناً قوياً. فتجزئ إن تبين وقوعها فيه أو لم يتبين شيء فهذه أربع، وإن تبين وقوعها قبله لا تجزئ فهاتان صورتان، فجملة الصور أربع وعشرون.

قوله: [ظناً خفيفاً]: أي غير قوي فهو والشك على حد سواء.

قوله: [ولا يكفيه غلبة الظن]: أي فلو دخل مع غلبة الظن فصلاته باطلة، ولو وقعت فيه لتمكنه من اليقين وتفريطه؛ هكذا قال شارحنا. ولكن قال في المجموع: غلبة الظن كافية كما قال صاحب الإرشاد وهو المعتمد انتهى. فظاهره: ولو لم تخف عليه الأدلة.

قوله: [تلو] إلخ: ما ذكر المصنف من أن الضروري عقب المختار في غير أرباب الأعذار والمسافر. وأما بالنسبة إليهما فالضروري قد يتقدم على الوقت المختار بالنسبة للمشتركة الثانية كما سيأتي في بابه إن شاء الله تعالى.

قوله: [لغير أرباب الضرورات]: أي فغيرهم آثم بالتأخير وإن كان الجميع مؤدين.

قوله: [لطلوع الشمس]: أي بناء على أن لها ضرورياً.

قوله: [من دخول مختار العصر]: أي الخاص بها وهو أول القامة الثانية أو بعد مضي أربع ركعات الاشتراك منها على الخلاف السابق في أن العصر داخلة على الظهر أو العكس. وفي الكلام حذف: أي إلى الاصفرار.

قوله: [ويمتد ضروري العصر] إلخ: المناسب أن يقول: ويمتد ضروريهما معاً من الاصفرار للغروب لكن إلخ. ويحذف قوله: [فيهما].

قوله: [كما تختص المغرب]: أي فصار وقت اشتراكهما في الضروري الثلثين الأخيرين من الليل إلا مقدار ما يسع العشاء قبل الفجر. فصار الثلثان الأخيران بمنزلة الاصفرار بعد العصر.

قوله: [بركعة بسجدتيها]: أي مع قراءة فاتحة قراءة معتدلة وطمأنينة واعتدال. ويجب ترك السنن كالسورة، ويأتي بالسنة فيما بقي بعد الوقت. ويترك الإقامة من باب أولى فلا يدرك بأقل من ركعة، خلافاً لأشهب، وخلافا لمن يقول: لا يدرك إلا بجميعها أو أكثرها أو شطرها.

قوله: [ومقتضاه أنه لا إثم عليه]: أي وهو المعتمد.

قوله: [بطلان صلاة] إلخ: قال ابن فرحون وابن قداح بالصحة بناء على أن الثانية أداء حكماً، وهي قضاء فعلاً. والتحقيق أنها أداء حكماً. وبطلان صلاة المقتدي من حيث مخالفة الإمام نية وصفة إذ صفة صلاة الإمام الأداء باعتبار الركعة الأولى، وصلاة المأموم القضاء. وأنها إن حاضت فيها لم تسقط لخروج الوقت حقيقة. انتهى من الأصل.

قوله: [للترغيب في الإسلام]: أي لأن بالإسلام يحصل الغفران.

قوله: [وصبا]: بالفتح مداً والكسر قصراً.

قوله: [وأداها]: أي ويعيدها إن كان صلاها لأن الأولى نفل وإن بلغ

ص: 86

(وفقد طهورين): ماء وتراب فآخر، فإن وجد أحدهما في الضروري فأدى لم يأثم، وهذا من زيادتنا.

(وحيض ونفاس): فإذا طهرت في الضروري وأدت لم تأثم.

(ونوم وغفلة)، فإذا انتبه في الضروري فأدى فيه لم يأثم. ولا يحرم النوم قبل الوقت ولو علم استغراقه الوقت، بخلافه بعد دخول الوقت إن ظن الاستغراق لآخر الاختياري.

(لا سكر): حرام، فليس بعذر لإدخاله على نفسه، فمن سكر بحرام وأفاق في الضروري أثم للتأخير زيادة على إثم الإسكار. وأما السكر بغير حرام فعذر كالنوم وبه تتم الأعذار عشرة.

(وتدرك): الصلاتان (المشتركتان): في الوقت الضروري؛ وهما الظهران والعشاءان إن (بزواله) أي العذر أي عند زواله، ومعنى إدراكهما: ترتبهما في ذمته (بفضل): أي بسبب زيادة (ركعة): بسجدتيها (عن): الصلاة (الأولى): من المشتركتين. أي أن من زال عذره في الضروري، بأن طهرت الحائض أو النفساء. أو بلغ الصبي فيه أو وجد فاقد الطهرين أحدهما، أو أسلم الكافر فيه، فإنه ينظر: فإذا اتسع الضروري بحيث يسع الصلاتين معاً بعد تقدير زمن يحصل فيه طهارة الحدث، فإنه يدركهما معاً، أي يترتبان معاً في ذمته، أو يسع الأولى منها بعد تقدير الطهارة، ويفضل عنها للثانية بقدر ما يسع ركعة بسجدتيها. وكل معذور يقدر له الطهر إلا الكافر فلا يقدر له. وأشار لهذه القاعدة بقوله:(والمعذور): حال كونه (غير كافر يقدر له الطهر): وهذه القاعدة في غير النائم والناسي والسكران بحلال. وأما هم فتجب عليهم الصلاة متى تنبهوا على كل حال أبداً لعدم إسقاطها الصلاة، كما سيأتي.

ثم أشار لتفصيل ذلك بالتفريع على ما تقدم بقوله: (فإن بقي): من الوقت (بعده): أي بعد زوال العذر (ما): أي زمن (يسع ركعة بسجدتيها): لا أقل - مع ما يسع الطهارة الكبرى في الحائض والنفساء، أو الصغرى في المغمى والمجنون قبل طلوع الشمس (وجبت الصبح كأخيرة المشتركتين)، فقط، وتسقط الأولى. فإذا طهرت الحائض أو النفساء أو أفاق المجنون قبل الغروب بما يسع ما ذكر وجبت العصر،

ــ

بها بإنبات العانة مثلاً شفع إن اتسع الوقت وصلاها. وإلا قطع وأدركها. قال في الحاشية: ولا يقدر له الطهر إن كان متطهراً.

قوله: [وفقد طهرين]: أخذه من قولهم في باب التيمم وتسقط صلاة، وقضاؤها بعدم ماء وصعيد.

قوله: [فآخر]: أي طاهر.

قوله: [من زيادتنا]: أي من حيث ذكره هنا.

قوله: [ولو علم استغراقه] إلخ: أي لأنه لم يخاطب. وظاهر كلامهم ولو في الجمعة. وينبغي الكراهة حيث خشي فواتها كالسفر بعد الفجر لأنها من مشاهد الخير.

قوله: [إن ظن الاستغراق]: أي ما لم يوكل من يوقظه ووجب على من علمه نائماً إيقاظه إن خيف خروج الوقت، وهل ولو نام قبل الوقت - كما قاسه القرطبي على تنبيه الغافل - أو لا؟ لأنه نام بوجه جائز انتهى من المجموع.

قوله: [أثم]: أي سواء سكر قبل دخول الوقت أو بعده.

قوله: [كالنوم]: قال في الأصل: فكالمجنون انتهى. وهو الصواب لقوله في الحاشية: فتسقط عنه صلاة ذلك الوقت الذي استغرقه.

قوله: [عن الصلاة الأولى]: أي عند مالك وابن القاسم، لأنه لما وجب تقديمها على الأخرى فعلاً وجب التقدير بها، لا لفضلها عن الصلاة الأخيرة. خلافاً لابن عبد الحكم وسحنون وغيرهما. قالوا: لأنه لما كان الوقت إذا ضاق اختص بالأخيرة وسقطت الأولى اتفاقاً وجب التقدير بها. وتظهر فائدة الخلاف في حائض مسافرة طهرت لثلاث قبل الفجر، فعلى المذهب تدرك العشاء وتسقط المغرب، وعلى مقابله تدركهما بفضل ركعة عن العشاء المقصورة. وفي حائض حاضرة طهرت لأربع قبل الفجر؛ فعلى الأولى تدركهما لفضل ركعة عن المغرب، وعلى الثاني: تدرك العشاء فقط إذ لم يفضل للمغرب شيء في التقدير. انتهى من الأصل. ولكن المصنف لما لم يذكر الخلاف لم يتعرض لثمرته. وسيفصل المسألة على مقتضى القول المشهور فقط.

قوله: [غير كافر]: وأما الكافر فلا يقدر له الطهر لأن إزالة عذره بالإسلام في وسعه، وإن كان لا يؤديها إلا بطهارة خارج الوقت. ولا إثم عليه إن بادر بالطهارة وصلى بعد الوقت. انتهى من الأصل.

قوله: [يقدر له الطهر]: أي يقدر له زمن يسع طهره الذي يحتاج إليه، فإن كان محدثاً حدثاً أصغر قدر له ما يسع الوضوء. وإن كان محدثاً حدثاً أكبر قدر له ما يسع الغسل، هذا إن كان من أهل الطهارة المائية، وإلا قدر له ما يسع التيمم. وفائدة ذلك التقدير إسقاط تلك الصلاة التي زال عذره في ضروريها وعدم إسقاطها.

قوله: [والسكران بحلال]: تقدم أن إلحاقه بالنائم فيه نظر. بل المناسب إلحاقه بالمجنون، فتسقط عنه الصلاة كما ذكره في الأصل والخرشي والمجموع والحاشية.

قوله: [أو الصغرى]: أي إن لم يكن عليهما كبرى.

قوله: [وتسقط الأولى]: أي لما علم من القاعدة، وهي: إذا ضاق الوقت اختص بالأخيرة في المشتركتين.

ص: 87

وسقطت الظهر. أو قبل طلوع الفجر وجبت العشاء وسقطت المغرب. وكذا إذا بقي ما يسع ركعتين أو ثلاثة أو أربعة في الظهرين؛ لأن الوقت إذا ضاق اختص بالأخيرة فتجب، وتسقط الأولى لخروج وقتها الضروري.

(و) إن بقي بعد زوال العذر ما يسع (خمساً): من الركعات حال كونه (حضراً): أي في الحضر أو حاضراً (أو): ما يسع (ثلاثاً سفراً): أي في السفر قبل الغروب، (وجب الظهران): معاً لأنه يدرك الظهر بأربع في الحضر أو بركعتين في السفر. ويفضل للعصر ما يسع ركعة فيجب أيضاً.

(و): إن بقي ما يسع (أربعاً): قبل الفجر (مطلقاً): أي حضراً أو سفراً (وجب العشاءان): معاً لأن التقدير بالأولى؛ فتدرك المغرب بثلاث حضراً أو سفراً يفضل للعشاء ركعة فتجب أيضاً وأولى لو بقي قبل الفجر ما يسع أكثر من أربع.

(وطرو): بضم الطاء والراء المهملتين أي طريان (غير النوم والنسيان): من الأعذار على المكلف، كأن يطرأ عليه حيض أو نفاس أو فقد الطهرين أو كفر، (فيه): أي في الضروري (لما ذكر): اللام بمعنى في، أي في قدر ما يسع ركعة فأكثر (مسقط لها): أي للصلاة خبر قوله: طرو فإذا طرأ العذر والباقي من الضروري قدر ما يسع ركعة لا أقل، سقطت الصبح - إذا لم يكن صلاها وإن عمداً - وأخيرة المشتركتين، وهي العصر أو العشاء الأخير، لحصول العذر في وقتها، وتخلدت في ذمته الظهر أو المغرب لعدم حصوله وقتها، لما علمت أن الوقت إذا [1] ضاق اختص بالأخيرة. وقدر ما يسع خمساً بالحضر أو ثلاثاً بالسفر، سقط الظهران معاً وقدر ما يسع أربعاً قبل الفجر سقط العشاءان معاً.

(ولا يقدر) للسقوط (طهر): كالإدراك، وأما النوم والنسيان فلا يسقطانها بحال.

(وتاركها): أي الصلاة اختياراً (بلا عذر يؤخر): وجوباً بعد الرفع للحاكم وطلبه بفعلها (لما ذكر): أي لقدر ما يسع ركعة بسجدتيها من آخر الضروري، إن كان عليه فرض فقط، وإن كان عليه مشتركتان أخر لقدر خمس في الظهرين، ولأربع [2] في العشاءين حضراً وثلاث سفراً أو قدر طهر خفيف وركعات خالية عن سنن صوناً للدماء ما أمكن.

(ويقتل بالسيف حداً): لا كفراً

ــ

قوله: [وسقطت الظهر]: أي ولو على القول بالتقدير بالثانية.

قوله: [أو ثلاثة أو أربعة] إلخ: أي في الحضر وأما في السفر لو بقي ثلاثة وجبت الصلاتان كما سيأتي.

قوله: [أي في الحضر] إلخ: أشار إلى أن قوله [حضراً] إما منصوب بنزع الخافض، أو حال بتأويله باسم الفاعل.

قوله: [وجب الظهران معاً]: أي ولا فرق في هذه الصور بين كون التقدير بالأولى أو الثانية.

قوله: [لأن التقدير بالأولى]: علة للإطلاق. وأما لو كان التقدير بالثانية وكان في الحضر لسقطت الأولى.

قوله: [وأولى لو بقي] إلخ: أي في وجوب الصلاتين كان التقدير بالأولى أو بالثانية.

تنبيه: إذا ظن إدراك الصلاتين معاً بعد تقدير الطهارة، فتبين إدراك الأخيرة فقط، وجبت عليه فقط سواء ركع أو لم يركع. ويخرج عن شفع إن لم يضق الوقت. وإن تطهر من ظن إدراك الصلاتين أو إحداهما فأحدث قبل الصلاة، أو تبين عدم طهورية الماء قبل الصلاة أو بعدها، فظن إدراك الصلاة بطهارة أخرى ففعل فخرج الوقت، فالقضاء في الأولى عند ابن القاسم وفي الثانية عند سحنون، عملاً بالتقدير الأول. أو تطهر للصلاتين وذكر ما يترتب معها من يسير الفوائت مما يجب تقديمه على الحاضرة فقدمه فخرج الوقت فيلزم القضاء عند ابن القاسم انتهى من الأصل.

قوله: [وتخلدت في ذمته] إلخ: أي متى زال عذره يقضيها.

قوله: [اختص بالأخيرة]: أي إدراكاً أو سقوطاً.

قوله: [سقط العشاءان] إلخ: أي بناء على ما قدمه من أن التقدير بالأولى وأما لو كان التقدير بالثانية لسقطت الأخيرة فقط. وأما لو حصل العذر قبل الفجر بثلاث في السفر، فعلى التقدير بالأولى تسقط الأخيرة وعلى التقدير بالثانية يسقطان.

قوله: [ولا يقدر للسقوط] إلخ: وهو الصواب الذي اختاره وإنما لم يقدر الطهر للاحتياط في جانب العبادة.

قوله: [وأما النوم] إلخ: سكوته عن السكر بحلال هنا دليل على أنه ليس له حكم النوم والنسيان بل حكم الجنون.

قوله: [اختياراً]: أي كسلاً.

قوله: [بعد الرفع للحاكم]: أي الإمام أو نائبه.

قوله: [وطلبه]: أي مع التهديد بالقتل. ولا يضرب على الراجح خلافاً لأصبغ. وحمل الطلب المذكور إن كان هناك ماء أو صعيد، وإلا فلا يتعرض له لسقوطها عنه.

قوله: [ولأربع في العشاءين] إلخ: أي بناء على أن التقدير بالأولى. وهو المتعين صوناً للدماء.

قوله: [وثلاث سفراً]: أي بناء على التقدير بالأخيرة في العشاءين، وهو المتعين صوناً للدماء.

قوله: [خفيف]: أي مجرد الفرائض وقيل: تعتبر طهارة ترابية.

قوله: [خالية عن سنن]: أي فلا يقدر في الركعة إلا ما اتفق على فرضيته.

قوله: [حداً]: قال ابن عبد السلام: أورد على قتله حداً أنه لو كان كذلك لما سقط برجوعه إلى الصلاة قبل إقامته عليه كسائر الحدود. ويمكن أن يقال إن الترك الموجب لقتله حداً إنما هو الترك الجازم وذلك لا يتحقق إلا بعد إقامة الحد عليه. فيكون كسائر الأسباب التي لا يعلم بوقوعها إلا بعد وقوع مسبباتها، وفيه نظر انتهى من شيخنا في مجموعه قال في حاشية شيخنا: لأنه يلزم القدوم على القتل قبل العلم بسببه، وسالم من هذا قول أشهب: لا يقتل إلا إذا خرج الوقت

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

في ط المعارف: (وتعد).

[2]

في ط المعارف: (والأربع).

ص: 88

خلافاً لابن حبيب.

(والجاحد لها) أي المنكر لوجوبها (كافر): مرتد، يستتاب ثلاثة أيام، فإن تاب، وإلا قتل كفراً، وماله فيء (ككل من جحد ما): أي حكماً (علم من الدين ضرورة): كوجوب الصوم وتحريم الزنا وإباحة البيع.

(وحرم نفل) لا فرض والمراد به هنا ما قابل الخمس، فيشمل الجنازة والمنذور، (حال طلوع): أي بروز (شمس، و) حال (غروبها): أي غيابها في الأفق، (و) حال (خطبة جمعة)، لا عيد؛ لأنه يشغل عن سماعها الواجب، (و) حال (خروج): أي توجه الإمام (لها) أي للخطبة، (و) حال (ضيق وقت): اختياري أو ضروري لفرض؛ لأنه يؤدي لإخراجه عن وقته الواجب، (و) حال (ذكر): أي تذكر صلاة (فائتة): لأنه يؤدي لتأخيرها الحرام، إذ يجب صلاتها وقت تذكرها ولو حال طلوع أو غروب، (و) حال (إقامة لحاضرة): لأنه إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة أي المقامة، أي يحرم صلاة غيرها لأنه يؤدي للطعن في الإمام.

(وكره) النفل (بعد) طلوع (فجر) صادق (و) بعد أداء (فرض عصر إلى أن ترتفع): الشمس بعد طلوعها (قيد) أي قدر (رمح،

ــ

صوناً للدماء. نعم قد يدعى أن العلم بالسبب يتحقق مع الشروع في القتل ولم يفعل، فتدبر انتهى.

قوله: [خلافاً لابن حبيب]: أي فإنه قال بكفره، وقد نقل هذا القول عن عمر بن الخطاب. وقال به أحمد بن حنبل: لكنه خصه بما إذا طلبت منه وضاق وقت التي بعدها. وأما تارك الزكاة فتؤخذ كرهاً وإن بقتال. ويكون الآخذ كالوكيل شرعاً تكفي نيته. وأما الصوم فقال عياض: يحبس ويمنع الطعام والشراب، وهو مذهب الشافعية. وفيه أن النية لا بد منها فيؤخر لضيق وقتها. فإن قيل: قد يكذب في الإخبار بها. قلنا: لنا الظاهر. وأما من ترك الحج فالله حسبه؛ لأن وقته العمر ورب عذر في الباطن فيترك إلا بقدر الأمر بالمعروف. انتهى من حاشية شيخنا في مجموعه.

تنبيه: يقتل بعد الحكم عليه ولو قال: أنا أفعل -كما قال خليل- أي ولم يفعل حتى خرج الوقت، وإلا بأن قال: أنا أفعل، وفعل، ترك ولم يقتل. ويعيد من صلى مكرهاً كما قرره شيخنا. والظاهر كما قال غيره: إنه يدين انتهى من حاشية الأصل. ويكره لأهل الفضل والصلاح الصلاة عليه ككل بدعي ومظهر كبيرة ردعاً لغيره، ولا يطمس قبره بل يجعل كغيره من القبور. وحكم من ترك الوضوء أو الغسل من الجنابة كسلاً حكم من ترك الصلاة فيؤخر إذا طلب بالفعل طلباً متكرراً في سعة الوقت إلى أن يصير الباقي من الوقت قدر ما يسع الوضوء أو الغسل. بخلاف من قال: لا أغسل النجاسة أو لا أستر العورة خلافاً لـ (عب) في شرح العزية للخلاف في ذلك انتهى من حاشية الأصل.

قوله: [المنكر لوجوبها]: أي أو ركوعها أو سجودها، بأن قال: الصلاة واجبة لكن الركوع أو السجود مثلاً ليس بواجب فيها.

قوله: [كافر]: قيده ابن عرفة وغيره بما إذا كان غير حديث عهد بالإسلام.

قوله: [فإن تاب]: أي فالأمر ظاهر.

قوله: [فيء]: أي لبيت مال المسلمين.

قوله: [ككل من جحد] إلخ: أي فإنه يكون مرتداً اتفاقاً سواء كان الدال عليه الكتاب أو السنة أو الإجماع.

قوله: [ضرورة]: أي اشتهر بين العام والخاص، وأما من جحد أمراً من الدين غير معلوم بالضرورة كاستحقاق بنت الابن السدس مع بنت الصلب، ففي كفره قولان. والراجح عدم الكفر. وهذا كما قال في الجوهرة:

ومن لمعلوم ضرورة جحد

من ديننا يقتل كفراً ليس حد

ومثل هذا من نفى لمجمع

أو استباح كالزنا فلتسمع

قوله: [هنا]: أي في أماكن المنع والكراهة. واعلم أن منع النفل في الأوقات التي ذكرها إذا كان النفل مدخولاً عليه، وإلا فلا منع كما إذا شرع في صلاة العصر عند الغروب مثلاً أو في صلاة الصبح عند الخطبة، وبعد أن عقد منها ركعة تذكر أنه قد صلاها، فإنه يشفعها ولا حرمة؛ لأن هذا النفل غير مدخول عليه.

قوله: [فيشمل الجنازة]: أي إن لم يخش تغيرها وإلا صليت أي وقت.

قوله: [والمنذور]: ومثله قضاء النفل المفسد وسجود السهو البعدي؛ لأنه لا يزيد على كونه سنة.

قوله: [بروز شمس]: أي قبل ارتفاع جميع القرص.

قوله: [سماعها الواجب]: أي فلذلك حرم كل شاغل على حاضرها كما يأتي في الجمعة.

قوله: [وحال خروج] إلخ: أي لما سيأتي في الجمعة من حرمة ابتداء صلاة بخروج الإمام. ويجب عليه قطع النافلة إن أحرم، عقد ركعة أم لا إلا داخلاً وقت الخطبة وأحرم ناسياً أو جاهلاً فيتم للخلاف في الداخل ولعذره بالنسيان أو الجهل كما سيأتي.

قوله: [ولو حال طلوع] إلخ: أي ما لم يكن شاكاً هل هي باقية في ذمته أم لا فيجتنب أوقات النهي.

قوله: [فلا صلاة إلا المكتوبة]: أي فيحرم النفل وغيره حتى المكث في المسجد ما دام الراتب يصلي.

قوله: [وبعد أداء فرض عصر]: أي فيكره النفل بعدها ولو جمعت مع الظهر جمع تقديم.

قوله: [إلى أن ترتفع]: هذا راجع لقوله بعد فجر. وحاصله

ص: 89

و) إلى أن (تصلى المغرب): ما عدا حالة الطلوع والغروب فيحرم أخذاً مما تقدم (إلا ركعتي الفجر): فلا يكرهان بعد طلوعه، بل هما رغيبة كما يأتي. (و) إلا (الورد) أي ما وظفه من الصلاة ليلاً على نفسه، فلا يكره بل يندب فعله (قبل) أداء (فرض صبح): وركعتي فجر (و) قبل (إسفار) لا بعده إلا الشفع والوتر، وإنما يندب فعله قبل الإسفار (لمن اعتاده) ليلاً بأن كانت عادته التهجد وإلا كره (وغلبة النوم): آخر الليل حتى طلع الفجر، لا إن كان ساهراً أو أخره كسلاً فيكره (ولم يخف) بفعله (فوات جماعة) لصلاة الصبح، وإلا كره إن كان خارج المسجد، وإلا حرم. فالشروط أربعة: كونه قبل الإسفار، ومعتاداً، وغلبه النوم ولم يخف فوات الجماعة.

(وإلا جنازة وسجود تلاوة قبل إسفار) في الصبح (و) قبل (اصفرار) في العصر ولو بعد صلاتهما، فلا يكره، بل يندب لا بعدهما فيكره.

(وقطع) المتنفل صلاته (إذا أحرم بوقت نهي): وجوباً إن أحرم بوقت حرمة، وندباً إن أحرم بوقت كراهة ولا قضاء عليه. وأشعر قوله: قطع بانعقاده، وهو ظاهر فيما إذا كان النهي لأمر خارج كحال الخطبة، وما ذكر بعدها. وأما إذا كان النهي لذات الوقت كحال الطلوع والغروب، وكذا بعد الطلوع لحل النافلة بعد صلاة العصر. فلا وجه لانعقاده؛ كصوم يوم العيد وصوم الليل. ويجاب: بأن معنى القطع فيما ذكر الانصراف عن الاشتغال بفاسد.

ولما فرغ من بيان الأوقات شرع يتكلم على ما به الإعلام بدخولها، وهو الأذان فقال:

فصل [1] في بيان الأذان وأحكامه

ــ

أنه تمتد كراهة النفل بعد الفجر إلى أن يظهر حاجب الشمس فيحرم النفل إلى أن يتكامل ظهور قرصها فتعود الكراهة إلى أن ترتفع قيد رمح أي قدره. والرمح اثنا عشر شبراً والمعنى إلى ارتفاعها اثني عشر شبراً في نظر العين.

قوله: [وإلى أن تصلى المغرب] إلخ: راجع لقوله: [بعد أداء فرض عصر]. وحاصله أنه تمتد كراهة النفل بعد أداء فرض العصر إلى غروب طرف الشمس، فيحرم إلى استتار جميعها فتعود الكراهة إلى أن تصلى المغرب. وبهذا التقرير اندفع الاعتراض بدخول وقت الحرمة في عموم وقت الكراهة.

قوله: [إلا ركعتي الفجر] إلخ هذا مستثنى من قوله: [بعد فجر].

قوله: [قبل أداء إلخ] أي فلا بأس بإيقاع الفجر والورد بشروطه قبل صلاة الصبح. فإن صلى فات الورد وأخر الفجر لحل النافلة، وأما لو تذكر الورد في أثناء الفجر فإنه يقطعه، وإن تذكره بعد صلاته فإنه يصليه ويعيد الفجر، إذ لا يفوت الورد إلا بصلاة الفرض، هذا هو المعتمد. انتهى من حاشية الأصل.

قوله: [إلا الشفع والوتر]: فيقدمان على الصبح ولو بعد الإسفار متى كان يبقى للصبح ركعتين قبل الشمس. ومثلهما الفجر، كما سيأتي.

قوله: [وإلا جنازة] إلخ: هذا استثناء من وقتي الكراهة أي من مجموع قوله: [وكره بعد فجر وفرض عصر].

قوله: [لا بعدهما]: أي لا بعد دخولهما فيكره على المعتمد، فلو صلى على الجنازة في وقت الكراهة فلا تعاد بحال. بخلاف ما لو صلى عليها في وقت الحرمة مع عدم خوف التغير. فقال ابن القاسم: إنها تعاد ما لم تدفن. أي توضع في القبر، وإن لم يسو عليها التراب. وقال أشهب: لا تعاد وإن لم تدفن.

قوله: [وقطع المتنفل] إلخ: أي أحرم: بنافلة: لأنه لا يتقرب إلى الله بمنهي عنه، وسواء أحرم جاهلاً أو عامداً أو ناسياً. وهذا التعميم في غير الداخل والإمام يخطب. فإنه إن أحرم بالنافلة جهلاً أو ناسياً فإنه لا يقطع مراعاة لمذهب الشافعي من أن الأولى للداخل أن يركع ولو كان الإمام على المنبر. وأما لو دخل الخطيب عليه وهو جالس فأحرم عمداً أو جهلاً أو سهواً، أو دخل المسجد والإمام على المنبر فأحرم عمداً، فإنه يقطع، وسواء في الكل عقد ركعة أم لا.

قوله: [ولا قضاء عليه] أي لأنه مغلوب على القطع.

قوله: [وأشعر قوله: قطع] إلخ: وبنى عليه بعضهم الثواب من غير جهة المنع، أي: فحيث قلنا بالانعقاد يأثم من جهة ويثاب من جهة أخرى.

قوله: [كحال الخطبة وما ذكر بعدها]: أي من ضيق الوقت وذكر الفائتة وإقامة الحاضرة. فإن الحرمة فيها لأمر خارج عن ذات العبادة وهو الشغل عن سماع الخطبة وتفويت وقت الصلاة وتأخير الفائتة عن وقتها والطعن في الإمام، وهذه تحصل ولو بغير صلاة نظير الصلاة في الأرض المغصوبة.

قوله: [لذات الوقت]: أي ملازم للوقت بمعنى أن النهي مخصوص بالصلاة في تلك الأوقات، وأما شغلها بغير صلاة النفل فلا نهي.

قوله: [فلا وجه لانعقاده]: وهو موافق لما نقله في الحاشية عن سيدي يحيى الشاوي.

قوله: [بفاسد]: ظاهر كلامه فساد النفل ولو في أوقات الكراهة.

تنبيه: من أحرم بنافلة فدخل وقت النهي أتم بسرعة ولا يقطعها.

فصل في بيان الأذان وأحكامه

قوله: [الأذان سنة] إلخ: ويقال: الأذين، قال الشاعر:

قد بدا لي وضح الصبح المبين

فاسقنيها قبل تكبير الأذين

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

زاد بعدها في ط المعارف: (في الأذان).

ص: 90

(الأذان سنة مؤكدة بكل مسجد) ولو تلاصقت المساجد (ولجماعة) في حضر أو سفر (طلبت غيرها): للاجتماع في الصلاة (لفرض): لا نفل كعيد (وقتي): أي له وقت محدود؛ فخرجت الجنازة والفائتة إذ ليس لها وقت معين، بل وقتها تذكرها في أي زمان (اختياري): لا ضروري، فيكره الأذان في الضروري (أو) صلاة (مجموعة معه): أي الفرض الاختياري جمع تقديم أو تأخير كالعصر مع الظهر في عرفة، والعشاء مع المغرب ليلة المطر، وكالجمع في السفر. وقولنا: اختياري إلخ: قيد لا بد منه تركه الشيخ.

(وكره): الأذان (لغيرهم): أي غير الجماعة التي طلبت غيرها، وهو المنفرد، والجماعة المحصورة في مكان لا تطلب غيرها (حضراً): أي في الحضر.

(وندب): لمنفرد أو لجماعة لا تطلب غيرها (سفراً): أي في السفر (ولو دون مسافة قصر): كمن في بادية راع أو غيره وبقي منفرداً يطلب غيره، أو جماعة محصورة في دار أو خان لكنهم متفرقون فيها، والظاهر دخولهما في قوله: جماعة طلبت غيرها، أما الثاني فظاهر. وأما الأول؛ فلأن المنفرد بالنسبة لمن طلبه جماعة فيسن له.

(و) كره (لفائتة و) لصلاة (ذات) وقت (ضروري و) لصلاة (جنازة ونافلة) كعيد وكسوف. وهذا مفهوم فرض. وما قبله مع الأول مفهوم وقتي وذات ضروري مفهوم اختياري فلم يأت على الترتيب.

(وهو): أي الأذان (مثنى): بضم الميم وفتح المثلثة، من التثنية؛ لأنه عمل السلف بالمدينة، لا مربع التكبير. (ولو: الصلاة خير من النوم): الكائنة (بصبح): خاصة بعد الحيعلتين.

ــ

قال في الحاشية نقلاً عن البدر القرافي: لا يقال أذن العصر، بل أذن بالعصر. قال في المجموع: لا مانع من نصب المفعولية أو إسناد المجاز. انتهى. وهو لغة: الإعلام بأي شيء كان، مشتق من الأذن بفتحتين وهو الاستماع، أو من الأذن بالضم: كأنه أودع ما علمه أذن صاحبه. وأذن بالفتح والتشديد أعلم. واصطلاحاً: هو الإعلام بدخول وقت الصلاة بالألفاظ المشروعة.

قوله: [بكل مسجد]: وهو المكان المعد للصلاة.

قوله: [ولو تلاصقت]: أي أو تراكمت بأن كانت فوق بعضها.

قوله: [لفرض]: أي ولو جمعة فالأذان لها سنة، وقال ابن عبد الحكم بوجوب الثاني فعلاً. وعلى القول. بالوجوب فهو غير شرط كما في المجموع، قال ابن عبد الحكم: والحكم على الأول في الفعل بالسنية غير ظاهر، لأنه لم يكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما أحدثه سيدنا عثمان، فهو أول في الفعل ثان في المشروعية، والظاهر أنه مستحب فقط. اهـ. قال شيخنا: وقد يقال لما فعله عثمان بحضرة الصحابة وأقروه عليه كان مجمعاً عليه إجماعاً سكوتياً، فالقول بالسنية له وجه. اهـ. من حاشية الأصل.

قوله: [أو صلاة مجموعة] إلخ: أي فإنه يؤذن لها عند فعلها.

قوله: [في عرفة]: أي والمغرب والعشاء في مزدلفة.

قوله: [وكالجمع في السفر]: أي جمع تقديم أو تأخير أو صوري.

قوله: [وهو المنفرد] إلخ: لقول مالك: لا أحب الأذان للفذ الحاضر والجماعة المنفردة.

قوله: [كمن في بادية]: أي فمراده بالسفر: اللغوي، فيشمل من كان بفلاة من الأرض لخبر الموطأ عن سعيد بن المسيب أنه كان يقول:" من صلى بأرض فلاة صلى عن يمينه ملك وعن شماله ملك، فإذا أذن وأقام صلى وراءه من الملائكة أمثال الجبال ". وأخرج النسائي عنه صلى الله عليه وسلم: «إذا كان الرجل في أرض فأقام الصلاة صلى خلفه ملكان، فإذا أذن وأقام صلى وراءه من الملائكة ما لا يراه طرفاه يركعون بركوعه ويسجدون بسجوده ويؤمنون على دعائه» . ذكره شارح الموطأ اهـ. من الحاشية.

قوله: [ذات وقت ضروري]: أي في صور الجمع كما تقدم.

تنبيه: قد علم من المصنف أن الأذان تارة يكون سنة ومندوباً ومكروهاً وحراماً. ولم يتعرض للوجوب. وهو يجب في المصر كفاية، ويقاتلون على تركه لأنه من أعظم شعائر الإسلام كما ذكره الأشياخ.

قوله: [بضم الميم] إلخ: أي لا بفتح فسكون، المعدول عن اثنين اثنين لئلا يقتضي زيادة كل جملة عن اثنين، وأن كل جملة تقال أربع مرات؛ لأن مثنى معناه اثنان اثنان، كذا في (عب) والخرشي. ورد ذلك بأنه: لا يلزم ما قالوا إلا لو كان الضمير راجعاً للأذان باعتبار كل جملة منه، وهذا غير متعين لجواز جعل الضمير راجعاً له باعتبار جمله وكلماته، وحينئذ فيصح ضبط قوله مثنى بفتح فسكون. والمعنى: وكلمات الأذان مثنى أي اثنين بعد اثنين كما تقول: جاء الرجال مثنى اثنين بعد اثنين. .اهـ. من حاشية الأصل.

قوله: [ولو الصلاة خير من النوم]: مبتدأ وخبر، والجملة محكية قصد لفظها في محل نصب لكان المحذوفة، أي ولو كان اللفظ الذي ثني هذا اللفظ وهو الصلاة خير من النوم. قوله:[بعد الحيعلتين]: أي وقبل التكبير الأخير، ويقولها المؤذن سواء أذن لجماعة أو أذن وحده خلافاً لمن قال بتركها رأساً للمنفرد بمحل منعزل عن الناس لعدم إمكان من يسمعها. ورده سند بأن الأذان أمر متبع ألا تراه يقول: حي على الصلاة، وإن كان وحده. وجعل الصلاة خير من النوم في أذان الصبح بأمر منه عليه الصلاة والسلام كما في الاستذكار وغيره، ففي شرح البخاري للعيني روى الطبراني بسنده عن بلال: «أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم يؤذنه بالصبح فوجده راقداً، فقال: الصلاة خير من

ص: 91

خلافاً لمن قال بإفرادها. (إلا الجملة الأخيرة): منه وهي: " لا إله إلا الله " فمفردة اتفاقاً.

(وخفض): المؤذن ندباً (الشهادتين): أي " أشهد أن لا إله إلا الله " مرتين، " أشهد أن محمداً رسول الله " مرتين حالة كونه (مسمعاً): بتشديد الميم من سمع بالتضعيف، ويجوز تخفيفها من أسمع فإن لم يسمع بهما الحاضرين لم يكن آتياً بالسنة كما لو تركهما بالمرة، كما يقع كثيراً من المؤذنين في هذه الأزمنة. (ثم): بعد خفضهما مع التسميع (رجعهما): بتشديد الجيم أي أعادهما (بأعلى صوته) حال كونه (مساوياً بهما) حال الترجيع (التكبير): في رفع الصوت.

وهو (مجزوم): أي ساكن الجمل لا معرب (بلا فصل): بين جمله بفعل أو قول أو سكوت، فلو فصل لم يضر (وبنى): على ما قدمه منه (إن لم يطل): الفصل وإلا ابتدأه.

(وحرم): الأذان (قبل): دخول (الوقت): لما فيه من التلبيس والكذب بالإعلام بدخول الوقت، (إلا الصبح فيندب): تقديمه (بسدس الليل الأخير ثم يعاد): استناناً (عند) طلوع (الفجر) الصادق.

(وصحته بإسلام) فلا يصح من كافر.

ــ

النوم مرتين. فقال النبي صلى الله عليه وسلم هكذا يا بلال اجعله في أذانك إذا أذنت للصبح» اهـ. وأما قول عمر للمؤذن حين جاءه يعلمه بالصلاة فوجده نائماً، فقال: الصلاة خير من النوم: اجعلها في نداء الصبح، فهو إنكار على المؤذن أن يستعمل شيئاً من ألفاظ الأذان في غير محله، لأن الصلاة لم تكن الصبح. وذلك كما كره مالك التلبية في غير الحج. وأما الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الأذان فبدعة حسنة، أول حدوثها زمن الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب سنة إحدى وثمانين وسبعمائة في ربيع الأول، وكانت أولاً تزاد بعد أذان العشاء ليلة الاثنين وليلة الجمعة فقط، ثم بعد عشر سنين زيدت عقب كل أذان إلا المغرب. كما إن ما يفعل ليلاً من الاستغفارات والتسابيح والتوسلات هو بدعة حسنة. اهـ من حاشية الأصل.

قوله: [لمن قال] إلخ: أي وهو ابن وهب.

قوله: [إلا الجملة الأخيرة]: هذا استثناء من قوله وهو مثنى.

قوله: [ويجوز تخفيفها من أسمع]: أي لأن الهمزة كالتضعيف في التعدية.

قوله: [لم يكن آتياً بالسنة]: أي سنة الترجيع بل يكون ما أتى به على أنه ترجيع تتميماً للأذان وفاتته سنة الترجيع.

قوله: [رجعهما]: أي الشهادتين بعد ذكره كل واحد مرتين. فبالترجيع تكون الجمل ثمان شهادات. وإنما طلب الترجيع لعمل أهل المدينة ولأمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا محذورة. وحكمة ذلك إغاظة الكفار أي لأن أبا محذورة أخفى صوته بهما حياء من قومه لما كانوا عليه من شدة بغضهم للنبي صلى الله عليه وسلم، فدعاه عليه الصلاة والسلام وعرك أذنه وأمره بالترجيع. ولا ينتفي هذا بانتفاء سببه كالرمل في الحج اهـ. من الخرشي. ولا يبطل الأذان بترك الترجيع المذكور.

قوله: [ساكن الجمل]: قال المازري: اختار شيوخ صقلية جزمه وشيوخ القرويين إعرابه قال ابن راشد: والخلاف إنما هو في التكبيرتين الأوليين، وأما غيرهما من ألفاظه حتى "الله أكبر" الأخير فلم يذكر عن أحد من السلف والخلف أنه نطق به غير موقوف. وبالجملة فقد نقل (بن) عن أبي الحسن وعياض وابن يونس وابن راشد والفاكهاني: أن جزم الأذان من الصفات الواجبة، وإنما أعربت الإقامة؛ لأنها لا تحتاج لرفع الصوت للاجتماع عندها، بخلاف. الأذان فإنه محتاج لرفع الصوت وامتداده، والإسكان أعون على ذلك. واعلم أن السلامة من اللحن في الأذان مستحبة كما في الخرشي و (ح). فاللحن فيه مكروه، وإنما لم يحرم اللحن فيه كغيره من الأحاديث؛ لأنه خرج عن كونه حديثاً إلى مجرد الإعلام. قاله في الحاشية.

قوله: [فلو فصل لم يضر]: أي ويكره.

قوله: [وبنى على ما قدمه]: أي من الكلمات.

قوله: [وإلا ابتدأه]: أي وإلا طال فإنه يبتدئ الأذان من أوله. والمراد بالطول ما لو بنى معه لظن أنه غير أذان. ولا يلزم من كون الفصل الطويل مبطلاً أن يكون حراماً، هذا ما أفاده الأجهوري. وظاهر (ح) أنه يحرم ويوافقه كلام زروق. اهـ. من حاشية الأصل.

قوله: [إلا الصبح] إلخ: حاصل الفقه أن الصبح، قيل: لا يؤذن لها إلا أذان واحد، ويستحب تقديمه بسدس الليل الأخير. فالأذان سنة وتقديمه مستحب ولا يعاد عند طلوع الفجر، وهو قول سند. والراجح إعادته عند طلوع الفجر. واختلف القائلون بالإعادة، فقيل: ندباً؛ فالأول سنة، والثاني مندوب، وهو ما اختاره الرماصي. وقيل: الأول مندوب، والثاني سنة، وهو ما في العزية وأبي الحسن على الرسالة وتبعه شارحنا. وقيل: كل منهما سنة والثاني آكد من الأول، وهذا الذي اختاره الأجهوري وقواه (بن) بالنقول. وأما تقديم الأذان على السدس الأخير فيحرم كما ذكره الأجهوري في حاشيته على الرسالة. ويعتبر الليل من الغروب. اهـ. من حاشية الأصل.

قوله: [بإسلام]: أي مستمر فإن ارتد بعد الأذان أعيد إن كان الوقت باقياً، وإن خرج الوقت فلا إعادة. نعم بطل ثوابه، كذا قال الأجهوري. قال شيخنا: أقول لا يخفى أن ثمرته، وهي

ص: 92

وإن كان به مسلماً (وعقل) لا من مجنون (وذكورة): لا من امرأة أو خنثى مشكل (ودخول وقت) فلا يصح قبله في غير الصبح فيعاد إذا دخل الوقت. ويصح من صبي إذا اعتمد في دخوله على عدل

(وندب متطهر): من الحدث الأصغر والأكبر (صيت): أي حسن الصوت (مرتفع): على حائط أو منارة للإسماع (قائم): لا جالس فيكره (إلا لعذر): كمرض (مستقبل)، للقبلة (إلا لإسماع) فيجوز الاستدبار.

(و) ندب (حكايته) أي الأذان (لسامعه) بأن يقول مثل ما يقول المؤذن من تكبير أو تشهد (لمنتهى الشهادتين ولو) كان السامع (بنفل) أي: في صلاة نفل فيندب له حكايته بلا ترجيع إلا إذا لم يسمع المخفوض فلا يحكي الحيعلتين، وظاهره أنه لا يحكي ما بعدهما من تكبير وتهليل أيضاً، وهو المشهور، وقيل: يحكيه لأنه ذكر [1] ولا يحكي: " الصلاة خير من النوم " قطعاً، ولا يبدلها بقوله: صدقت وبررت.

ــ

الإعلام بدخول الوقت قد حصلت، وحينئذ فلا معنى لإعادته ونقل (ح) عن النوادر أنه إن أعادوا فحسن، وإن اجتزءوا به أجزأهم. اهـ. من حاشية الأصل.

قوله: [وإن كان به مسلماً]: أي لوقوع بعضه في حال كفره، وظاهره وإن عزم على الإسلام وبه جزم (ح) خلافاً لاستظهار ابن ناجي الصحة، حيث عزم على الإسلام. والفرق على الأول بينه وبين الغسل، حيث قالوا بصحة الغسل مع العزم على الإسلام دون الأذان، أن المؤذن مخبر فلا بد من عدالته لأجل أن يقبل خبره، بخلاف المغتسل. ثم الذي حكم بإسلامه بالأذان إذا رجع فإنه يؤدب ولا تجري عليه أحكام المرتد إن لم يقع على الدعائم لا قبل الأذان ولا بعده، فإن وقف عليها جرت عليه أحكام المرتد ما لم يدَّع أنه أذن لعذر، كقصد التحصن بالإسلام لحفظ نفسه أو ماله مثلاً.

قوله: [لا من مجنون]: فإن جن في حال أذانه أو مات في أثنائه فإنه يبتدئ الأذان من أوله على الظاهر.

قوله: [لا من امرأة]: أي لحرمة أذانها. وأما قول اللخمي وسند والقرافي: يكره أذانها، ينبغي كما قال الحطاب أن تحمل الكراهة في كلامهم المنع، إذ ليس ما ذكروه من الكراهة بظاهر، لأن صوتها عورة انظر (بن)، وقد يقال: إن صوت المرأة ليس عورة حقيقة بدليل رواية الحديث عن النساء الصحابيات، وإنما هو كالعورة في حرمة التلذذ بكل، وحينئذ فحمل الكراهة على ظاهرها وجيه، تأمل. اهـ. من حاشية الأصل.

قوله: [ويصح من صبي]: ظاهره أنه يسقط به فرض الكفاية عن البلد المكلفين به.

قوله: [متطهر]: أي ويكره كونه محدثاً. والكراهة في الجنب أشد.

قوله: [حسن الصوت]: أي من غير تطريب وإلا كره لمنافاته الخشوع والوقار، والكراهة على بابها ما لم يتفاحش التطريب، وإلا حرم. كذا قالوا. والتطريب تقطيع الصوت وترعيده كما يفعل ذلك بعض المؤذنين بالأمصار. قوله:[فيجوز الاستدبار]: أي فيدور حول المنارة ويؤذن كيف تيسر ولكن يبتدئ الأذان للقبلة ثم يدور.

قوله: [لسامعه]: أي بلا واسطة أو بواسطة، كأن يسمع الحاكي للأذان. ويفهم منه أن غير السامع لا تندب له الحكاية وإن أخبر بالأذان أو رأى المؤذن وعلم أنه يؤذن، ولو كان عدم سماعه لعارض كصمم. ثم إن قوله:[لسامعه] يفيد أنه لا يحكي أذان نفسه، ويحتمل أنه يحكيه لأنه سمع نفسه، وفي الذخيرة عن ابن القاسم في المدونة إذا انتهى المؤذن لآخر الأذان يحكيه إن شاء اهـ. فلا يحكي أذان نفسه قبل فراغه لما فيه من الفصل، وإنما يحكيه بعد الفراغ وهل يحكي المؤذن أذان مؤذن آخر؟ قولان. وعلى الأول فيحكيه بعد فراغه، وإذا تعدد المؤذنون وأذنوا واحداً بعد واحد، فاختار اللخمي تكرير الحكاية. وقيل: يكفيه حكاية الأول. ويجري على مسألة المترددين بالحطب لمكة. اهـ. من حاشية الأصل.

قوله: [لمنتهى الشهادتين]: أي على المشهور.

قوله: [بنفل]: أي فلو حكاه في النفل كله -على القول الثاني- ولم يبدل الحيعلتين بالحوقلتين بطلت صلاته. وأما حكايته في الفرض فمكروهة مع الصحة إن اقتصر على منتهى الشهادتين أو أبدل الحيعلتين بالحوقلتين وإلا فتبطل كما تقدم في النفل.

قوله: [وقيل يحكيه] إلخ: وتحت هذا قولان، قيل: يبدل الحيعلتين بالحوقلتين، وقيل: يتركهما.

قوله: [ولا يبدلها إلخ]: وقيل: يبدلها، ومحل طلب حكاية الأذان ما لم يكن مكروهاً أو محرماً، وإلا فلا يحكي.

تنبيه: يجوز أذان الأعمى والراكب وتعدده بمسجد واحد إذا كان المؤذن الأول غير الثاني، وإلا كره. واستظهر الحطاب الجواز حيث انتقل لركن آخر منه، والأفضل ترتبهم إن لم يضيعوا فضيلة الوقت، وجاز جمعهم إن لم يؤد لتقطيع، فإن أدى إلى تقطيع اسم الله حرم. وفوات الكلمات لبعضهم مكروه. ويجوز حكاية الأذان قبله، والأفضل الاتباع. ولا يكفي ما نقل عن معاوية أنه سمع المؤذن يتشهد فقال:

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

زاد بعدها في ط المعارف: (الحيعلتين).

ص: 93

ولما فرغ من الكلام على الأذان انتقل يتكلم على حكم الإقامة للصلاة فقال: (والإقامة) للصلاة (سنة عين لذكر بالغ فذ): أي منفرد (أو مع نساء): يصلي بهن أي أو مع صبيان، (و) سنة (كفاية لجماعة الذكور البالغين): متى أقامها واحد منهم كفى، ويندب أن يكون المؤذن (وندبت) الإقامة (لمرأة) وصبي سراً فيهما. (وهي): أي الإقامة (مفردة) حتى قد قامت الصلاة (إلا التكبير) منها أولاً وآخراً فمثنى.

(وجاز) للمصلي (قيامه معها): أي الإقامة أي حال الإقامة (أو بعدها): فلا يطلب له تعيين حال بل بقدر الطاقة

ثم شرع في بيان شروط الصلاة فقال:

فصل [1]: في بيان شروط الصلاة وما يتعلق بها

وهي ثلاثة أقسام: شروط وجوب فقط، وشروط صحة فقط، وشروط وجوب وصحة معاً. والمراد بشرط الوجوب: ما يتوقف عليه الوجوب، وبشرط الصحة: ما يتوقف عليه الصحة، وبشرطهما معاً: ما يتوقفان عليه.

ــ

وأنا كذلك، أي أتشهد بل لا بد من التلفظ بمماثله حملاً للحديث على ظاهره.

وجاز أخذ الأجرة عليه وعلى الإقامة، أو مع الصلاة إماماً وكره على الإمامة وحدها من المصلين. وأما من الوقف فجعلوه إعانة، وأما عادة الأكابر بمصر ونحوها إجارة الإمام في بيوتهم، فالظاهر أنه لا بأس به؛ لأنه في نظير التزام الذهاب للبيت.

ويكره للمؤذن -ومثله الملبي- رد السلام في الأثناء، ويرد بعد الفراغ، ولا بد من إسماع المسلم إن حضر. اهـ. من المجموع.

وقوله: [للصلاة] أي صلاة الفريضة.

قوله: [سنة عين]: قال (بن): لا خلاف أعلمه في عدم وجوبها، قال في الإكمال: والقول بإعادة الصلاة لمن تركها عمداً ليس لوجوبها خلافاً لبعضهم بل للاستخفاف بالسنة.

قوله: [كفاية]: قال (بن): سمع ابن القاسم لا يقيم أحد لنفسه بعد الإقامة ومن فعله خالف السنة، ابن رشد. لأن السنة إقامة المؤذن دون الإمام والناس، وفي إرشاد اللبيب: كان السيوري يقيم لنفسه ولا يكتفي بإقامة المؤذن، ويقول: إنها تحتاج لنية والعامي لا ينويها ولا يعرف النية، المازري وكذلك أنا أفعل فأقيم لنفسي، قال في الحاشية: والحق أن الإقامة يكفي فيها نية الفعل كالأذان، ولا تتوقف على نية القربة ونية الفعل حاصلة من العامي، فما كان يفعله المازري والسيوري إنما يتم على اشتراط نية القربة.

تنبيه: ذكر (ح): أنه يندب للمقيم طهارة وقيام واستقبال. وفي حاشية الشيخ كريم الدين البرموني عن ابن عرفة: أن الوضوء شرط فيها بخلاف الأذان؛ لأن اتصالها بالصلاة صيرها كالجزء منها ولأنها آكد من الأذان. والمعتمد ما تقدم عن الحطاب.

قوله: [متى أقامها] إلخ: أي فلا يكفي إقامة صبي لهم. وأولى المرأة.

قوله: [مفردة] إلخ: فلو شفعها كلها أو جلها أو نصفها بطلت، كإفراد الأذان كله أو جله أو نصفه لا الأقل فيهما.

قوله: [وجاز قيامه] إلخ: هذا في غير المقيم. وأما هو فيندب له القيام من أولها.

تنبيه: علامة فقه الإمام تخفيف الإحرام والسلام والجلوس الأول، ولا يدخل المحراب إلا بعد تسوية الصفوف. قال شيخنا في مجموعه: خاتمتان حسنتان. الأولى: قال التتائي نظم البرماوي مؤذنيه صلى الله عليه وسلم بقوله:

لخير الورى خمس من الغر أذنوا

بلال ندي الصوت بدأ يعين

وعمرو الذي أم لمكتوم أمه

وبالقرظي اذكر سعدهم إذ يبين

وأوس أبو محذورة وبمكة

زياد الصدائي نجل حارث يعلن

قال: وسعد القرظي هو ابن عابد مولى عمار بن ياسر، وكان يلزم التجارة في القرظ فعرف بذلك. كذا في سيرة ابن سيد الناس. وفي النهاية القرظ ورق السلم، وهو محرك بالفتح كما يفيده القاموس. ويقال: سعد القرظ: بالإضافة إلى القرظ والصدائي - بضم الصاد المهملة: نسبة إلى صداء - كغراب حي من اليمن. قاله في القاموس.

الثانية: ورد أن المؤذنين أطول الناس أعناقاً يوم القيامة. فقيل: حقيقة إذا ألجم الناس العرق، وقيل: كناية عن رفعة الشأن، ويروى كما في الحطاب وغيره: بكسر همزة إعناق: أي خطا السير للجنة اهـ. أي كما قال الشاعر:

يا ناق سيري عنقاً فسيحا

إلى سليمان فنستريحا

فصل: في بيان شروط الصلاة

قوله: [وما يتعلق بها] إلخ: أي من أحكام الرعاف ومسائل البناء والقضاء وأحكام ستر العورة وأحكام الاستقبال وغير ذلك.

قوله: [وهي ثلاثة إلخ]: أي شروط الصلاة من حيث هي.

قوله: [والمراد] إلخ: تقدم أن هذا جواب عن سؤال وارد على تعريفهم شرط الوجوب فقط، وشرط الصحة فقط.

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

زاد بعدها في ط المعارف: (في شروط الصلاة).

ص: 94

وشرط الشيء: ما كان خارجاً عن حقيقته، وركنه ما كان جزءاً من حقيقته. والشرط ما يلزم من عدمه عدم المشروط، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم. فإن كان شرط وجوب فقط كالبلوغ قلت: هو ما يلزم من عدمه عدم وجوب الشيء كالصلاة مثلاً، ولا يلزم من وجوده وجود الوجوب لاحتمال وجود مانع كالحيض، ولا عدم الوجوب بل قد يحصل الوجوب وذلك عند انتفاء المانع وتوفر الأسباب كدخول الوقت. وإن كان شرط صحة فقط كالإسلام قلت: هو ما يلزم من عدمه عدم الصحة، ولا يلزم من وجوده وجود الصحة لجواز انتفاء شرط آخر كالطهارة، أو وجود مانع كالحيض، ولا عدمها بل قد توجد إذا انتفت الموانع وتوفرت الأسباب. وإن كان شرطاً في الوجوب والصحة معاً - كالعقل بالنسبة للصلاة - قلت: هو ما يلزم من عدمه عدمهما ولا يلزم من وجوده وجودهما ولا عدمهما.

أما كونه لا يلزم من وجوده وجودهما فلجواز حصول مانع منهما كالحيض. وأما كونه لا يلزم من وجوده عدمهما، فلجواز توفر الأسباب وانتفاء الموانع، وهي - إذا توفرت مع انتفاء الموانع - حصل الوجوب والصحة.

أما شروط وجوبها فقط فاثنان: البلوغ وعدم الإكراه على تركها، فوجوبها يتوقف عليهما دون الصحة، إذ تصح مع فقدهما فتصح من الصبي ومن المكره حال الإكراه لو وقعت. والتحقيق أن المكره تجب عليه إذا تمكن من الطهارة بأن يجريها على قلبه كما يأتي. فعدم الإكراه ليس بشرط في الوجوب فلذا لم يلتفت له في المتن.

وأما شروط الصحة فقط [1] فخمسة: طهارة الحدث وطهارة الخبث على أشهر القولين - وقيل: سنة، وشهر أيضاً - والإسلام، وستر العورة، والاستقبال.

وأما شروطهما معاً فستة: بلوغ الدعوة والعقل ودخول الوقت والقدرة على استعمال الطهور وعدم النوم والغفلة، والخلو من حيض ونفاس وهو خاص بالنساء.

وأشار إلى ذلك كله بقوله: (تجب): أي الصلاة بدخول الوقت (على مكلف): وهو البالغ العاقل، الذي بلغته دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ولو كافراً. إذ الصحيح تكليفهم بفروع الشريعة كأصولها،

ــ

قوله: [وشرط الشيء] إلخ: أي في اصطلاح الفقهاء، ولا مشاحة في الاصطلاح.

قوله: [وجود ولا عدم]: أي لذاته، وقد وضحه بقوله [فإن كان] إلخ.

قوله: [ولا يلزم من وجوده]: أي بالنظر لذاته.

قوله: [لاحتمال وجود مانع]: علة لنفي اللزوم.

قوله: [عند انتفاء المانع]: المراد به الجنس فيشمل جميع الموانع.

قوله: [وتوفر الأسباب]: المراد بها ما يشمل الشروط.

قوله: [كدخول الوقت]: مثال للسبب، ومثال الشرط كوجود أحد الطهورين.

قوله: [لجواز انتفاء شرط آخر]: مراده ما يشمل السبب.

قوله: [وتوفرت الأسباب]: مراده ما يشمل الشروط أيضاً كما تقدم.

قوله: [بالنسبة للصلاة]: خصها لكونها الموضوع، وإلا فهو شرط وجوب وصحة أغلب العبادات.

قوله: [وعدم الإكراه] إلخ: والإكراه يكون بما يأتي في الطلاق من خوف مؤلم من قتل أو ضرب أو سجن أو قيد أو صفع لذي مروءة، إذ هذا الإكراه هو المعتبر في العبادات، كذا في (بن) نقلاً عن الرماصي. اهـ. من حاشية الأصل.

قوله: [والتحقيق] إلخ: رد بهذا التحقيق على (عب) و (ح) قال (بن): وفي عد عدم الإكراه شرطاً في الوجوب نظر إذ لا يتأتى الإكراه على جميع أفعال الصلاة، وقد نقل (ح) نفسه أول فصل يجب بفرض عن أبي الحسن القباب، وسلمه أن من أكره على ترك الصلاة سقط عنه ما لم يقدر، على الإتيان به من قيام أو ركوع أو سجود، ويفعل ما يقدر عليه من إحرام وقراءة وإيماء كما يفعل المريض ما يقدر عليه، ويسقط عنه ما سواه اهـ. فالإكراه بمنزلة المرض المسقط لبعض أركانها ولا يسقط به وجوبها. اهـ. كلامه قاله في حاشية الأصل.

قوله: [كما يأتي]: أي في مسألة من لم يقدر إلا على نية، قال في الحاشية: إن الشرطية باعتبار الهيئة الخارجية وهذا لا ينافي وجوبها عليه بالنية، فاندفع الاعتراض عمن عده شرطاً.

قوله: [والإسلام]: أي بناء على المعتمد من أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، وأما على مقابله من أنهم غير مخاطبين بها فهو شرط وجوب وصحة معاً. اهـ. من حاشية الأصل.

قوله: [والعقل]: اعلم أن كونه شرطاً لهما حيث ضم له البلوغ، فإن لم يضم له فلا يكون شرطاً في الوجوب كذا قيل، وفيه نظر. فإن عدم الوجوب لازم لعدم العقل كان البلوغ موجوداً أم لا، وهذا القدر كاف في تحقق شرطيته؛ لأن الشرط ما يلزم من عدمه عدم المشروط. .اهـ. من حاشية الأصل.

قوله: [ودخول الوقت]: الحق أن دخول الوقت سبب في الوجوب وشرط في الصحة، لصدق تعريف السبب بالنسبة للوجوب عليه.

قوله: [على استعمال الطهور]: أي ماء أو تراباً.

قوله: [وهو خاص بالنساء]: أي وما عداه عام في الرجال والنساء.

قوله: [بدخول الوقت]: أي بسبب دخوله لما تقدم أنه سبب في الوجوب وشرط في الصحة.

قوله: [كأصولها]: أي وهو العقائد فمكلفون بها إجماعاً، فمن أنكر تكليفهم بها كفر بخلاف الفروع، ففي تكليفهم بها خلاف، والصحيح تكليفهم، كما قال الشارح، ويترتب على تكليفهم بالفروع تعذيبهم على تركها زيادة على عذاب الكفر، ويشهد له قوله تعالى:{ما سلككم في سقر* قالوا لم نك من المصلين} [المدثر: 42 - 43] الآيات.

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

ليست في ط المعارف.

ص: 95

والتكليف: طلب ما فيه كلفة، والطلب يشمل الجازم وغيره فعلاً أو تركاً؛ فالمندوب والمكروه مكلف بهما. وقيل: إلزام ما فيه كلفة. والإلزام: الطلب الجازم فعلاً أو تركاً. فالمندوب والمكروه غير مكلف بهما كالمباح اتفاقاً. والكلفة. المشقة ولا تكليف إلا بفعل وهو في النهي: الترك؛ أي كف النفس عن المنهي عنه. فشمل قولنا: مكلف ثلاثة شروط: البلوغ، والعقل، وبلوغ الدعوة.

(متمكن): شرعاً وعادة (من طهارة الحدث): خرج الحائض والنفساء لعدم تمكنهما منها شرعاً فلا تجب عليهما. وخرج فاقد الطهرين أو القدرة على استعمالهما كالمكره والمربوط، فلا تجب عليه ولا يقضيها إن تمكن بعد خروج الوقت على المشهور كما تقدم لعدم التمكن من الطهارة عادة. وقيل: تجب عليه فيؤديها ولا يقضي ولا وجه له. وقيل: بل يقضي ولا يؤديها كالنائم. ورد بوجود الفرق بينهما؛ فإن النائم والناسي عندهما نوع تفريط بخلاف غيرهما، وأيضاً عذرهما يزول بأدنى تنبيه بخلاف غيرهما. ولذا طلب الشارع منهما القضاء استدراكاً لما فاتهما وأبقى ما عداهما على الأصل. ففاقد الطهرين لا تجب عليه ولا تصح منه كالحائض والمجنون. وقيل: يؤدي ويقضي احتياطاً ولا نظير له يقاس عليه. فالحق ما قاله مالك.

(غير نائم ولا غافل): بالجر؛ نعت ثالث. فخرج النائم والغافل أي الناسي كما عبر به في حديث: «رفع القلم عن ثلاث» إلخ فلا تجب عليهما حتى يستيقظا. وإنما ذكر هذا مع دخوله فيما قبله، إذ النائم والغافل غير متمكنين من طهارة الحدث عادة لأنهما لما كان يجب عليهما القضاء دون غيرهما كانا كأنهما قسم مستقل، ولدفع توهم عدم الدخول. ولما قدم أنها إنما تجب على المكلف المتصف بما ذكر وكان من جملة غير المكلف الصبي فيتوهم أنه لا يؤمر بها بحال، نبه على أنه وإن لم تجب عليه يؤمر بها ندباً فقال:(وأمر صبي): ذكراً أو أنثى (بها) أي بالصلاة (لسبع): أي عند دخوله في العام السابع، ولا يضرب إن لم يمتثل بالقول. (وضرب عليها): أي لأجلها (لعشر): أي لدخوله في العاشر ضرباً غير مبرح. والآمر له بها والضارب وليه.

ــ

قوله: [والتكليف طلب] إلخ: شروع في مسألة أصولية اختلف فيها على قولين.

قوله: [الجازم]: أي وهو الواجب والحرام. وقوله [وغيره] أي وهو المندوب والمكروه.

قوله: [فعلاً أو تركاً]: راجع للجازم وغيره.

قوله: [فالمندوب والمكروه] إلخ: أي على هذا القول فيكون الصبي المميز مكلفاً لتعلق الأمر الغير الجازم به، وعلى هذا القول فقولهم المكلف هو البالغ العاقل أي الذي تعلقت به الأوامر والنواهي الجازمة وغير الجازمة، فالحصر إضافي.

قوله: [غير مكلف بهما]: أي فالصبي المميز غير مكلف، فقولهم المكلف هو البالغ العاقل حصر حقيقي.

قوله: [ولا تكليف إلا بفعل]: أي كما قال في جمع الجوامع: مسألة لا تكليف إلا بفعل اختياري.

قوله: [وهو في النهي الترك]: أي فالمراد بفعل ما يشمل الجسماني والنفساني كترك المحرم والمكروه والاعتقادات، فإنها أفعال نفسانية.

قوله: [فشمل قولنا] إلخ: تفريع على قوله: وهو البالغ العاقل إلخ.

قوله: [فلا تجب عليهما]: أي ولا تصح، لما تقدم له أن الخلو من الحيض والنفاس شرط فيهما.

قوله: [فلا تجب عليه]: أي ولا تصح، لما تقدم له أيضاً.

قوله: [بعد خروج الوقت]: تنازعه كل من تمكن ولا يقضيها.

قوله: [على المشهور]: أي الذي هو قول مالك.

قوله: [عادة]: وقد يكون عدم التمكن من الطهارة شرعياً؛ كخوف ضياع المال.

قوله: [فيؤديها] إلخ: هو لأشهب

قوله: [بل يقضي] إلخ: هو لأصبغ.

قوله: [ففاقد الطهرين] إلخ: تفريع على قوله [وأبقى ما عداهما] إلخ.

قوله: [وقيل يؤدي ويقضي] إلخ: هو لابن القاسم وقد تقدمت هذه الأقوال الأربعة وزيادة نظماً ونثراً.

قوله: [فلا تجب عليهما]: أي ولا تصح.

قوله: [عدم الدخول]: أي في حكم غير المتمكن.

قوله: [وكان من جملة] إلخ: أي لأنه إما غير مكلف أصلاً، بناء على أن التكليف إلزام ما فيه كلفة، أو غير مكلف بالأمر الجازم فعلاً أو تركاً، بناء على أن التكليف طلب ما فيه كلفة.

قوله: [وأمر صبي]: هو معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «مروا أولادكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع» . أي فالأمر المذكور لهم على لسان الولي، فكل منهما مأمور من جهة الشارع، لكن الولي مأمور بالأمر بها، والصبي مأمور بفعلها، وهذا بناء على أن الأمر بالأمر بالشيء أمر بذلك الشيء. وعلى هذا، فالتكليف طلب ما فيه كلفة لتكليف الصبي بالمندوبات والمكروهات، والبلوغ إنما شرط في التكليف بالواجبات والمحرمات، وهذا هو المعتمد عندنا. ويترتب على تكليفه بالمندوبات والمكروهات أنه يثاب على الصلاة. وأما على القول بأن الأمر بالأمر بالشيء ليس أمراً بذلك الشيء المبني على أن التكليف إلزام ما فيه كلفة، فالولي مأمور من جهة الشارع فيؤجر دون الصبي فإنه مأمور من جهة الولي لأجل تدريبه فلا يكون مكلفاً بالمندوبات ولا بالمكروهات، ولا ثواب له ولا عقاب عليه، والثواب عليها لأبويه. قيل: على السواء، وقيل: ثلثاه للأم وثلثه للأب.

قوله: [عند دخوله]: أي وهو سن الإثغار: أي عند نزع الأسنان لإنباتها.

قوله: [ولا يضرب]: أي يحرم ضربه ولو ظن الإفادة.

قوله: [غير مبرح]: هو الذي لا يكسر عظماً ولا يشين جارحة

ص: 96

ومحل الضرب إن ظن إفادته، وإلا فلا، فإن بلغ وصلى فظاهر وإلا أخر لبقاء ما يسع ركعة بسجدتيها من الضروري، وقتل بالسيف حداً على ما تقدم. (وفرق): ندباً في الدخول في العشر (بينهم): أي الصبيان ذكوراً أو إناثاً (في المضاجع) عند النوم. ويكفي أن ينام كل واحد بثوب على حدته ويكره تلاصقهم عراة.

ولما فرغ من بيان شروط الوجوب، وهي البلوغ والعقل وبلوغ الدعوة والتمكن من طهارة الحدث الشامل للخلو من حيض ونفاس وإغماء ونوم ونسيان، وللقدرة على تحصيل الطهارة بوجود ماء أو تراب بلا مانع من الاستعمال، شرع في بيان شروط صحتها. وذكر منها بعض ما تقدم من شروط الواجب، كالعقل، والنقاء من الحيض والنفاس؛ فيعلم منه أن ما أعاده شرط فيهما معاً. وأن ما لم يتقدم ذكره كالإسلام وما بعده شروط في الصحة فقط، وأن ما لم يعده ثانياً كالبلوغ شرط وجوب فقط فقال:

(وصحتها: بعقل): فلا تصح من مجنون كما لا تجب عليه. ومثله المغمى عليه، فالعقل شرط فيهما:

(وقدرة على طهارة حدث) فلا تصح من فاقد الطهرين [1] أو العاجز عن استعمالهما لقيام مانع الحدث به، كما لا تجب عليه فهي شرط فيهما أيضاً.

(ونقاء): أي خلو (من حيض ونفاس) فلا تصح من حائض أو نفساء لقيام مانع الحيض أو النفاس بها كما لا تجب، فهو شرط فيهما.

(وبإسلام): فلا تصح من كافر وإن وجبت عليه فهو شرط صحة فقط. وأعاد الباء فيه إشارة إلى أنه وما بعده شرط صحة فقط، أي أنه نوع غير ما قبله.

(وطهارة حدث) فلا تصح بغيرها وإن وجبت عند القدرة على تحصيلها، فهي شرط صحة فقط عند القدرة على تحصيلها. وأما نفس القدرة على وجود أحد الطهرين فشرط وجوب وصحة كما مر.

(و) طهارة (خبث على ما مر) في فصليهما من أن طهارة الحدث الأكبر أو الأصغر واجبة مطلقاً، وتسقط الصلاة بعدم القدرة على تحصيلها، وأن طهارة الخبث واجبة مع الذكر والقدرة دون العجز والنسيان.

(وجازت): الصلاة (بمقبرة) بفتح الميم وتثليث الباء: أي فيها ولو على القبر عامرة أو دارسة ولو لكافرين. (وحمام ومزبلة): محل طرح الزبل، (ومحجة) أي قارعة (طريق) أي وسطها، (ومجزرة): بفتح الميم في الثلاثة وفتح الباء وضمها وبكسر الزاي (إن أمنت النجاسة): راجع للجميع بأن ظن طهارتها (وإلا) تؤمن وصلى

ــ

ولا يحد بعدد بل يختلف باختلاف حال الصبيان.

قوله: [إن ظن إفادته]: شرط في الضرب على تركها إذا دخل في العشر.

قوله: [وفرق ندباً]: أي فيتعلق الأمر بالولي أيضاً من جهة الشارع ويأتي الخلاف في الصبيان هل مأمورون من جهة الشارع أو من جهة الولي.

قوله: [ويكفي أن ينام] إلخ: فلا يشترط في حصول التفرقة أن يكون لكل واحد فراش على حدة؛ بل المدار على كون كل واحد عليه ثوب. فلو كان أحدهما، عليه ثوب والآخر عرياناً، والحال أنهما على فراش واحد فلا يكفي. وقيل: يكفي.

قوله: [عراة]: أي بعورتيهما. والمخاطب بما ذكر من الكراهة الولي. وهم أيضاً على المعتمد من خطابهم بالمكروهات، ومحل الكراهة ما لم يقصد أحدهما اللذة بالملاصقة، وإلا وجب على الولي المنع. كما يجب عليه منعه من أكل الميتة ومن كل ما هو معصية في حق البالغ، كشرب الخمر قاله أبو علي المسناوي وغيره. فما في الخرشي و (عب) من كراهة تلاصقهما ولو مع قصد اللذة أو وجودها فيه نظر. بل التلاصق في هذه الحالة حرام. اهـ. من حاشية الأصل نقلاً عن البناني.

تنبيه: يحرم تلاصق البالغين بعورتيهما من غير حائل كبه مع قصد لذة أو وجودها ولو بغير العورة وبغير حائل من غير العورة. ومن غير لذة مكروه كتلاصقهم بالصدر، لا نحو اليد والرأس فلا كراهة. وإن تلاصق بالغ وصبي فعلى حكميهما.

قوله: [من بيان شروط الوجوب]: أي من الشروط التي توقف الوجوب عليها سواء توقفت عليها الصحة أم لا كما يفيده الشارح.

قوله: [بلا مانع]: أي عادي أو شرعي كما تقدم.

قوله: [شروط صحتها]: أي ما توقفت عليها سواء توقف عليها الوجوب أم لا كما يفيده الشارح.

قوله: [كالبلوغ]: أي وعدم الإكراه.

قوله: [المغمى عليه]: الإغماء مرض يعتري الشخص بسبب شدة هم أو فرح. ومثله: السكر بحلال، والمعتوه الذي لا يدري أين يتوجه.

قوله: [أو العاجز]: أي شرعاً أو عادة.

قوله: [فهي شرط فيهما أيضاً]: أي فلا يلزمه أداء ولا قضاء الذي هو قول مالك. فهو كسائر شروط الوجوب والصحة معاً.

قوله: [فهو شرط صحة فقط]: أي على المشهور كما تقدم.

قوله: [فهي شرط صحة فقط]: نتيجة قوله وإن وجبت.

قوله: [وأما نفس القدرة]: أي على وجود أحد الطهورين.

قوله: [وتسقط الصلاة]: أي أداء وقضاء كما مر.

قوله: [واجبة]: أي على المشهور كما تقدم.

قوله: [وجازت] إلخ: الحاصل أن هذه الأمور الخمسة إن أمنت من النجس -بأن جزم أو ظن طهارتها- كانت الصلاة فيها جائزة، ولا إعادة أصلاً. وإن تحققت نجاستها أو ظنت فلا تجوز الصلاة فيها، وإذا صلى أعاد أبداً، وإن شك في نجاستها أعاد في الوقت على الراجح بناء على ترجيح الأصل على الغالب، وهو قول مالك. وقال ابن حبيب: يعيد أبداً ترجيحاً للغالب على الأصل.

قوله: [وحمام]: المراد به محل

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

في ط المعارف: (الطهورين).

ص: 97

(أعاد) صلاته (بوقت إن شك): فيها. فإن تحققت أعاد أبداً وكرهت في الشك ومنعت في تحققها.

(و) جازت (بمربض غنم، وبقر): أي محل ربوضها أي بركها لطهارة زبلها.

(وكرهت): الصلاة (بمعطن إبل): موضع بروكها عند شربها عللاً بعد شربها نهلاً. (وأعاد) إن صلى فيه (بوقت) مطلقاً (وإن أمن): من النجس أو فرش فرشاً طاهراً تعبداً على الأظهر.

(و) كرهت (بكنيسة): المراد بها متعبد الكفار، نصارى أو غيرهم (مطلقاً) عامرة أو دارسة (إلا): إذا نزلها (لضرورة): كحر أو برد أو مطر أو خوف عدو أو سبع فلا كراهة ولو عامرة.

(ولا إعادة): عليه إن صلى بها (إلا): إذا صلى (بعامرة): لا دارسة و (نزلها اختياراً) لا اضطراراً.

(وصلى بمشكوك): في نجاسته لا بمكان تحققت أو ظنت طهارته، (ففي الوقت): يعيد بالقيود الثلاثة خلافاً لإطلاقه عدم الإعادة.

ولما كان دم الرعاف من الخبث المنافي لصحة الصلاة وكان له أحكام تخصه، شرع في بيانها مقسماً له أولاً على قسمين أشار لأولهما بقوله:

(وإن رعف): من يؤمر بالصلاة أي خرج من أنفه دم (قبلها): أي الصلاة أي قبل دخوله فيها، وسواء كان سائلاً أو قاطراً أو راشحاً (ودام): رعافه أي استمر، فلا يخلو الحال إما أن يظن استغراقه الوقت أو لا.

(فإن ظن استغراقه الوقت صلى): أول الوقت إذ لا فائدة في تأخيره. ثم إن انقطع في الوقت لم تجب عليه إعادة، (وإلا): يظن استغراقه الوقت بأن ظن قطعه فيه أو شك (أخر): وجوباً (لآخر الاختياري): بحيث يوقعها فيه، وصلى على حالته إن لم ينقطع، ولا تصح إن قدمها لعدم صحتها بالنجاسة مع ظن انقطاعها أو احتماله.

ثم أشار إلى القسم الثاني بقوله: (أو) رعف (فيها): أي في الصلاة فلا يخلو أيضاً إما أن يظن دوامه لآخر المختار أو لا، (فإن ظن دوامه له تمادى) في صلاته وجوباً على حالته التي هو بها ولا فائدة في القطع ما لم يخش من تماديه تلطخ فرش مسجد كما قال الشيخ.

ــ

الحرارة لأنه الذي شأنه القذارة وأما اللواوين الخارجة المفروشة فهي كبيت الإنسان، الأصل فيها والغالب عليها الطهارة.

قوله: [أعاد صلاته بوقت]: أي على الأرجح، وهو قول مالك في سماع أشهب، وحمل ابن رشد المدونة عليه. وقيل: لا إعادة أصلاً. وهو ظاهر المذهب كما في الحطاب.

قوله [فإن تحققت]: ومثله الظن.

قوله: [وكرهت]: أي القدوم عليها.

قوله: [في تحققها]: ومثله الظن.

قوله: [وجازت]: أي ولو من غير فرش.

قوله: [موضع: بروكها] إلخ: أي وأما موضع مبيتها فليس بمعطن فلا تكره الصلاة فيه إن أمن من النجس، وهو منيها أو غيره أو صلى على فراش طاهر.

قوله: [بوقت مطلقاً]: أي عامداً أو ناسياً أو جاهلاً. وقيل: العامد والجاهل يعيدان أبداً ندباً.

قوله: [والمراد بها متعبد الكفار]: أي فلا مفهوم لقوله: كنيسة. بل المراد ما يشمل البيعة وبيت النار، فالكنيسة متعبد النصارى والبيعة لليهود، وبيت النار للمجوس. وحاصله أن الصور التي تتعلق بها ثمانية، لأن المصلي فيها: إما أن يكون نزلها اختياراً أو اضطراراً، وفي كل: إما أن تكون عامرة أو دارسة، وفي كل: إما أن يصلي على فراشها أو لا. فيعيد في الوقت في صورة واحدة؛ وهي ما إذا نزلها اختياراً وكانت عامرة وصلى على فراشها أو أرضها، وكان مشكوكاً فيما صلى عليه كما يؤخذ من كلام الشارح، وما عداها لا إعادة. وتكره الصلاة فيها إن دخلها اختياراً كانت عامرة أو دارسة. فالكراهة في صورتين والإعادة في صورة، وما عداهما لا كراهة ولا إعادة.

قوله: [بالقيود الثلاثة]: وهي النزول اختياراً وكانت عامرة وصلى على مشكوك فيه.

قوله: [وإن رعف]: هو بفتح عينه وتضم في كل من الماضي والمضارع، ويبنى للمفعول كزكم.

قوله: [قبل دخوله فيها]: وأما إذا نزل عليه بعد دخوله فيها فسيأتي.

قوله: [فإن ظن استغراقه]: ومن باب أولى التحقق، سواء كان سائلاً أو قاطراً أو راشحاً، فهذه ست صور.

قوله: [لم تجب عليه إعادة]: أي بل ولا تندب على أقوى ما في (ح). قال في المجموع: ولا يبعد تخريج ما هنا على ما سبق في التيمم من آيس وغيره، وإذا خاف فوات العيد والجنازة هل يصلي بحاله أو يتركهما؟ خلاف في الحطاب وغيره اهـ.

قوله: [بأن ظن قطعه] إلخ: وأولى التحقق. وفي كل سائلاً أو قاطراً أو راشحاً فصور التأخير تسع، فجملة الصور قبل الدخول خمسة عشر مأخوذة من الشارح ست يصلي فيها على حاله وتسع يؤخر.

قوله: [أو شك]: هذا ما ذكر بعض المشايخ عن ابن بشير. ونقل عنه أيضاً: أن الشاك لا يؤخر. فيكون على هذا الثاني صور التأخير ستاً، وصور عدمه تسعاً، وقد مشى في المجموع على هذا الثاني.

قوله: [لآخر الاختياري]: أي على الراجح، وقيل: لآخر الضروري، وهو ضعيف.

قوله: [فإن ظن دوامه]: وأولى التحقق، وسواء كان سائلاً أو قاطراً أو راشحاً، فهذه ستة، يتمادى فيها إذا رعف بعد الدخول.

قوله: [تمادى]: أي ولو عيداً وجنازة وظن دوام الرعاف في العيد والجنازة إلى فراغ الإمام بحيث لا يدرك معه ركعة في العيد، ولا تكبيرة غير الأولى في الجنازة. ففراغ الإمام فيهما ينزل منزلة الوقت المختار في الفريضة، قاله أشهب.

وقيل: الدوام في العيد الزوال، وفي الجنازة رفعها إن صلى فذاً، وفراغ الإمام إن صلى جماعة. وأصل هذا الكلام للأجهوري، قال (بن): لكن قول الأجهوري

ص: 98

ومثل الفرش البلاط، فإن خشيه - ولو بقطرة - قطع صوناً له من النجاسة. ويؤديها الراعف بركوعها وسجودها إن لم يخش ضرراً.

(وأومأ) لركوع من قيام ولسجود من جلوس (إن خاف): بركوعه وسجوده (ضرراً) في جسمه من زيادة مرض أو حدوثه أو تأخر برء.

(أو) خاف (تلطخ ثوب): يفسده الغسل (لا) إن خاف تلطخ (بدن) بالدم فلا يومئ لعدم فساده بالغسل.

(وإن لم يظن) دوامه لآخر المختار بل ظن انقطاعه فيه أو شك، فلا يخلو إما أن يكون راشحاً أو سائلاً أو قاطراً.

(فإن رشح): بأن لم يسل ولم يقطر بل لوث طاقتي الأنف، وجب تماديه فيها.

و(فتله): أي الدم بأن يدخل الأنملة في طاقة أنفه ويعركها بأنملة إبهامه إلى تمام أنامله. وقيل: يضع الأنملة على طاقة أنفه من غير إدخال، ثم يفتلها بالإبهام إلى آخرها. ويندب أن يكون الفتل (بأنامل) أصابع (يسراه العليا، فإن) انقطع الدم تمادى على صلاته، وإن زاد ما في أنامله العليا على درهم وإن (لم ينقطع): واستمر راشحاً (فبالوسطى): أي فتله بأنامل يده اليسرى الوسطى، (فإن): لم يزد ما عليها من الدم على درهم استمر، وإن (زاد) الدم (فيها): أي الوسطى (على درهم قطع): صلاته إن اتسع الوقت (كأن لطخه): أي كما يقطع وجوباً إن لطخه الدم بما زاد على درهم، وكان بحيث لو قطع وغسل الدم أدرك من الوقت ولو ركعة وإلا استمر.

(أو خاف تلوث فرش مسجد): فيقطع صوناً له عن النجاسة، وإن دون درهم (وإلا) يرشح، بل سال أو قطر فهذا مقابل قوله: فإن رشح (فله البناء).

ــ

إن المعتبر في صلاة الجنازة فذا هو رفعها غير ظاهر، لأنه كان هناك غير هذا الراعف لم يحتج لهذا الراعف، وإلا لم ترفع حتى يصلي عليها ولو اعتبروا الوقت بخوف تغيرها كان ظاهراً اهـ.

قوله: [البلاط]: قال (بن): فيه نظر، والظاهر - كما قال المسناوي - أن البلاط ليس كالفراش لسهولة غسله، بل هو كالحصباء. اهـ. من حاشية الأصل. ولكن في المجموع ما يؤيد شارحنا.

قوله: [ولو بقطرة]: ظاهر كلامهم أن لا يعفى في المسجد عن الدم ولو دون درهم، فالعفو المتقدم بالنسبة للشخص في نفسه.

قوله: [في جسمه]: أي من انعكاس الدم، والمراد بالخوف ما يشمل الظن والشك.

قوله: [يفسده الغسل]: فإن كان لا يفسده وجب أن يتمادى بالركوع والسجود ولو تلطخ بأكثر من درهم كما قال في الحاشية و (بن) أيضاً، خلافاً ل (عب) ومن وافقه، لأن الموضوع أنه ظن الدوام لخروج الوقت. والمحافظة على الأركان أولى من المحافظة على عدم النجاسة. لأن النجاسة لغو حينئذ. اهـ. من حاشية الأصل.

قوله: [فلا يومئ]: أي ولو كثر الدم بسبب الركوع والسجود كما علمت مما تقدم.

قوله: [بل ظن انقطاعه] إلخ: ومن باب أولى التحقق، فهذه ثلاثة أحوال مضروبة في السائل والقاطر والراشح. فتصير تسعة تضم للستة قبلها تكون الجملة خمس عشرة صورة فيما إذا طرأ الدم في الصلاة، تضم للخمس عشرة التي في نزول الدم قبل الصلاة، فجملة صور الرعاف ثلاثون.

قوله: [فتله]: أي إن أمكن بأن لم يكثر، وأما إن لم يمكن لكثرته كان حكمه حكم السائل والقاطر في التخيير بين القطع والبناء. فالفتل المذكور في ثلاث صور من التسع، وهي: تحقق الانقطاع، أو ظنه، أو شكه، وكان راشحاً. وهذا الفتل واجب مع التمادي، ويحرم قطعها بسلام أو كلام. فإن خرج لغسل الدم بغير سلام ولا كلام فسدت عليه وعلى مأموميه. والمراد بالراشح الذي يفتل كل ثخين يذهبه الفتل فلا يقطع لأجله الصلاة، بل يفتله ابتداء ولو كان سائلاً أو قاطراً. اهـ. من حاشية الأصل.

قوله: [وقيل: يضع الأنملة]: أي ليلاقي الدم عليها.

قوله: [يسراه]: أي فالفتل بيد واحدة على أرجح الطريقتين، والأفضل أن تكون اليسرى.

قوله: [قطع صلاته]: أي وجوباً. ظاهره أن القطع على حقيقته، وبه قال (ر) قائلاً: جميع أهل المذهب يعبرون بالقطع إذا تلطخ بغير المعفو عنه، وتعبيرهم بالقطع إشارة لصحتها، وهذا هو القياس الموافق للمذهب في العلم بالنجاسة في الصلاة، وأنها صحيحة وتقدم الخلاف هل يحمل على وجوب القطع أو استحبابه، فكذلك يقال هنا، بل ما هنا أولى للضرورة، ولكن حقق (بن) هنا البطلان لسقوط النجاسة، ورد على (ر) بما قاله (ح) والشيخ سالم ومن تبعهما كالخرشي - من تفسير قول خليل "قطع" بالبطلان ولا يجوز التمادي فيها ولو بنى لم تصح، لا أنها صحيحة فيحتاج إلى قطعها. اهـ. بالمعنى من حاشية الأصل والمجموع.

قوله: [إن اتسع الوقت]: أي وأما لو ضاق الوقت فيجب عليه التمادي والصلاة صحيحة باتفاق (ح) وغيره.

قوله: [وإلا استمر]: راجع للمسألتين، وهما: ما إذا زاد على درهم في الوسطى أو لطخه فيستمر إن ضاق الوقت وجوباً على صلاة صحيحة باتفاق أهل المذهب.

قوله: [فيقطع صوناً له] إلخ: أي ويصلي خارجه ولو ضاق الوقت كما قرره المؤلف.

قوله: [بل سال أو قطر]: أي ولم يتلطخ به ولم يمكنه فتله وإلا فكالراشح كما تقدم.

قوله: [فله البناء]: حاصله أن الدم إذا كان سائلاً أو قاطراً ولم يلطخه ولم يمكنه فتله، فإنه يخير بين البناء والقطع. واختار ابن القاسم القطع، فقال: هو أولى، وهو القياس؛ لأن الشأن أن الصلاة لا يتخلل بين أفعالها مثل الأمور الآتية. قال زروق: وهو -أي القطع- أنسب بمن لا يحسن التصرف في العلم، واختار

ص: 99

وله القطع إن لم يخش خروج الوقت، وإلا تعين البناء. (فيخرج): مريد البناء (لغسله): أي الدم، حال كونه (ممسك أنفه) من أعلاه وهو مارنه لا من أسفله من الوترة؛ لئلا يبقى الدم في طاقتي أنفه. فإذا غسله بنى على ما تقدم له بشروط ستة: أشار للأول بقوله: (إن لم يتلطخ): بالدم بما يزيد على درهم وإلا قطع.

والثاني بقوله: (ولم يجاوز أقرب مكان ممكن): لغسل الدم فيه، فإن تجاوزه بطلت.

وللثالث بقوله: (وقرب): ذلك المكان الممكن في نفسه، فإن كان بعيداً بطلت ولو لم يتجاوزه، ومفهوم ممكن أنه لو تجاوز مكاناً لا يمكنه الغسل فيه لم تبطل إذا كان المتجاوز إليه قريباً في نفسه، لأن عدم إمكان الغسل منه صيره كالعدم.

وللرابع بقوله: (ولم يستدبر): القبلة (بلا عذر)، فإن استدبرها لغيره بطلت.

وللخامس بقوله: (ولم يطأ)[1]: في طريقه (نجساً): وإلا بطلت.

وللسادس بقوله: (ولم يتكلم) في مضيه للغسل،

ــ

جمهور الأصحاب البناء للعمل، وقيل: هما سيان، وذكر ابن حبيب ما يفيد وجوب البناء. اهـ. من حاشية الأصل.

قوله: [وله القطع]: أي بسلام أو كلام أو مناف ويخرج لغسل الدم، فإن لم يأت بسلام ولا مناف وخرج لغسل الدم ورجع وابتدأ صلاته من أولها أعادها ثالثة؛ لأن صلاته الثانية الواقعة بعد غسل الدم زيادة في الصلاة، قال ابن القاسم في المجموعة: إن ابتدأها ولم يتكلم أعاد الصلاة، وهذا صحيح، لأنا إذا حكمنا بأن ما هو فيه من العمل لا يبطل الصلاة، وحكمنا على أنه باق على إحرامه الأول، فإذا كان قد صلى ركعة ثم ابتدأ بعد غسل الدم أربعاً صار كمن صلى خمساً جاهلاً. قال (ح): والمشهور أن الرفض مبطل فيكفي في الخروج من الصلاة رفضها. فمحل كونه إذا خرج لغسل الدم ولم يأت بسلام ولا كلام، ثم رجع وابتدأها فإنه يعيدها، ما لم ينو رفضها حين الخروج منها، وإلا فلا إعادة. اهـ. من حاشية الأصل. وحاصله أن البناء في ست صور، وهي: ما إذا تحقق الانقطاع، أو ظنه، أو شك فيه. وفي كل: إما أن يكون الدم سائلاً، أو قاطراً.

قوله: [وإلا تعين البناء]: أي باتفاق الجميع ومقتضاه أنه لو تمادى في تلك الصور الست عند ضيق الوقت من غير غسل الدم على صلاته بطلانها. فيكون مخصصاً لقول أهل المذهب: إن طرأت النجاسة على المصلي وضاق الوقت تمادى، وصلاته صحيحة انظر في ذلك.

قوله: [فيخرج]: أي من هيئته الأولى أو من مكانه إن احتاج ولو متيمماً، لأن ما يحصل منه ملحق بأفعال الصلاة فلا يبطل الموالاة في التيمم، ولذا يكبر إحراماً في رجوعه، وسبق، وجود الماء فيها لا يبطلها اهـ. من المجموع.

قوله: [ممسك أنفه] إلخ: بيان للأفضل لا أنه شرط. خلافاً لما ذكره ابن هارون، وإن كان داخل الأنف من الظاهر في الأخباث إلا أن المحل محل ضرورة وهو إرشاد لأحسن الكيفيات، والشرط التحفظ ولو لم يمسكه كما اختاره (ح) وفاقاً لابن عبد السلام.

قوله: [لئلا يبقى الدم]: أي ولكن لو بقي لا يبطل الصلاة؛ لأن المحل محل ضرورة كما علمت.

قوله: [إن لم يتلطخ] إلخ: وأما إن تلطخ بما زاد على درهم فيجب عليه قطع الصلاة ويبتدئها من أولها بعد غسل الدم.

قوله: [فإن تجاوزه بطلت]: أي فإن جاوز الأقرب مع الإمكان إلى أبعد منه. وظاهر بطلانها ولو كانت المجاوزة بمثل ما يفتقر لسترة أو فرجة وذلك لكثرة المنافيات هنا. ولكن قال (ح): ينبغي الجزم باغتفار المجاوزة بمثل الخطوتين، والثلاثة. ويجب عليه شراء الماء إذا وجده يباع في أقرب مكان بالمعاطاة بثمن معتاد غير محتاج إليه، لأنه من يسير الأفعال ولا يتركه للبعيد. وقد نص بعضهم على جواز البيع والشراء في الصلاة بالإشارة الخفيفة لغير ضرورة، فكيف بذلك هنا، فإن لم يمكن شراؤه بالإشارة فبالكلام ولا يضر ذلك لأنه كلام لإصلاحها انظر:(عب).اهـ. من حاشية الأصل.

قوله: [فإن كان بعيداً بطلت]: أي إن تفاحش البعد. فيراد بالقرب في كلام المصنف ما عدا البعد المتفاحش كما ذكره في الحاشية.

قوله: [فإن استدبرها لغيره بطلت]: ما ذكره المصنف من اشتراط الاستقبال إلا لعذر هو المشهور من المذهب. وقال عبد الوهاب وابن العربي وجماعة: يخرج كيفما أمكنه، واستبعدوا اشتراط الاستقبال لعدم تمكنه منه غالباً. ثم إنه على المشهور من اشتراط الاستقبال، يقدم استدباراً لا يلابس فيه نجساً على استقبال مع وطء نجس لا يغتفر، لأنه عهد عدم توجه القبلة لعذر، ولما في الاستقبال من الخلاف، كذا في (عب). قال في المجموع: والظاهر تقديم القريب مع ملابسته نجاسة على بعيد خلا منها؛ لأن عدم الأفعال الكثيرة متفق على شرطيته، كما أن الظاهر تقديم ما قلت منافياته كبعيد مع استقبال بلا نجاسة على قريب مستدبر مع نجاسة، فتأمل. اهـ. من حاشية الأصل.

قوله: [ولم يطأ في طريقه نجساً] إلخ: ظاهره أنه متى وطئ النجاسة بطلت، كان عامداً أو ناسياً مضطراً أو لا، كانت النجاسة أرواث دواب أو غيرها يابسة أو رطبة، ولكن الذي يفيده النقل كما في (ح)، والمواق أن ما كان من أرواث الدواب وأبوالها فهو غير مبطل إذا وطئها نسياناً

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

زاد بعدها في ط المعارف: (أي).

ص: 100

فإن تكلم (ولو سهواً): بطلت (ولا يعتد): الباني إماماً كان أو مأموماً أو فذاً (بركعة): من صلاته (إلا إذا كملت بالاعتدال): قائماً في غير محل الجلوس وجالساً في محله (من سجدتها الثانية): فإذا غسل رجع جالساً - إن حصل له في جلوس التشهد - وقائماً إن حصل في قيامه، ويعيد القراءة إن كان قرأ أولاً. وكذا إن حصل في ركوع أو سجود أو بعده وقبل استقلاله، فيرجع قائماً ويلغي جميع ما فعله من الركعة، فإن كان في الأولى بنى على الإحرام، وإن كان في الثانية بنى على الأول، وإن كان في الثالثة بنى على الثانية، وإن كان في الرابعة بنى على الثالثة.

(وأتم بموضعه) الذي غسل فيه الدم وجوباً (إن أمكن) الإتمام فيه (وإلا): يمكن (فأقرب مكان يمكن [1]): يتم فيه (إن ظن فراغ إمامه): من الصلاة. فإن لم يتم بموضعه أو بأقرب مكان ممكن بطلت (وإلا) يظن فراغه بأن اعتقد أو ظن عدم فراغه أو شك فيه (رجع له) أي لإمامه وجوباً، (ولو): كان يظن إدراكه (في السلام)، فإن رجع فوجده قد فرغ أتم ولا شيء عليه.

(فلو أدرك معه): أي مع إمامه (الركعة الأولى): وفي قيامه للثانية مثلاً رعف فخرج وغسل الدم ورجع (و) أدرك (الأخيرة من رباعية) ولو في ركوعها فقد فاتته الثانية والثالثة، (أتى) بعد سلام إمامه (بركعة بسورة): جهراً إن كانت جهرية (وجلس) للتشهد لأنها ثانية إمامه - وإن كانت ثالثة - ثم بركعة سراً، والتفصيل المتقدم من أنه إن ظن فراغ إمامه أتم مكانه إن أمكن، وإلا رجع له في غير الجمعة.

(ورجع في الجمعة): بعد غسل الدم (مطلقاً): ولو علم فراغ إمامه (لأول) جزء من (الجامع): الذي ابتدأها به لأن شرط صحتها الجامع.

(وإلا): يرجع للجامع أو رجع ولم يتم في أول جزء منه بل ذهب داخله (بطلت): وهذا إذا أتم مع إمامه ركعة بسجدتيها واعتدل معه قائماً. (وإن لم يتم معه ركعة فيها): أي الجمعة قبل رعافه وخرج لغسله ففاتته الركعة الثانية،

ــ

أو اضطراراً لكثرة ذلك في الطرقات، وإن وطئها عمداً مختاراً بطلت، ولا فرق بين رطبها ويابسها. وأما غير أرواث الدواب وأبوالها من العذرة ونحوها، فإن كان رطباً فمبطل اتفاقاً من غير تفصيل، وإن كان يابساً فكذلك إن تعمد وإن نسي أو اضطر فقولان، البطلان لابن يونس وهو الأظهر، وعدمه لابن عبدوس اهـ. من حاشية الأصل عن البناني.

قوله: [فإن تكلم ولو سهواً] إلخ: حاصله أنه إذا تكلم عامداً أو جاهلاً بطلت اتفاقاً. واختلف إذا تكلم سهواً؟ والمشهور البطلان هنا ولو قل لكثرة المنافيات، وظاهره سواء كان الكلام في حال انصرافه لغسل الدم، أو كان بعد عوده، والذي في المواق أنه إن تكلم حال رجوعه بعد غسل الدم فالصلاة صحيحة اتفاقاً، فإذا أدرك بقية من صلاة الإمام حمل الإمام عنه سهوه، وإلا سجد بعد السلام لسهوه، وأما إن تكلم سهواً في حال انصرافه لغسل الدم، فقال سحنون، الحكم واحد من الصحة، ورجحه ابن يونس - وقال ابن حبيب: تبطل صلاته كما لو تكلم عمداً - ومحصله أنه رجح أن الكلام سهواً لا يبطل الصلاة مطلقاً، سواء تكلم حال انصرافه أو حال رجوعه. قال شيخنا: والمعتمد ما قاله المواق كما قرره شيخنا الصغير - وأما الكلام لإصلاحها فلا يبطلها كما ذكره (ح) وغيره. اهـ. من حاشية الأصل.

قوله: [أو فذاً]: أي على أحد القولين في بنائه.

قوله: [إلا إذا كملت]: ما ذكره المصنف هو مذهب المدونة، ومقابله الاعتداد بما فعله مطلقاً، لا فرق بين كل ركعة وبعضها.

قوله: [وإن حصل له في جلوس التشهد]: أي لأن الحركة للركن مقصودة.

قوله: "وكذا إن حصل في ركوع" إلخ: أي فيرجع قائماً، ويبتدئ القراءة ويلغي جميع ما فعله من الركعة كما قال الشارح، فلذلك قال:[فإن كان في الأولى بنى على الإحرام] إلخ.

قوله: [بنى على الإحرام]: أشار بذلك للفرق بين الاعتداد وبين البناء فأفاد أنه إذا بنى لم يعتد إلا بركعة كاملة لا أقل، سواء كانت الأولى أو غيرها، وأما البناء فيكون ولو على الإحرام. فالحاصل أنه يلزم من الاعتداد البناء ولا يلزم من البناء الاعتداد. وخالف ابن عبدوس حيث قال: إذا لم تكمل الركعة ابتدأ بإحرام جديد، ولا يبني على إحرامه لا في الجمعة ولا غيرها. وقال سحنون: يعتد بما فعله ولو الإحرام في الجمعة وغيرها. والمعتمد تفصيل المصنف الذي هو مذهب المدونة كما مر.

قوله: [وأتم بموضعه] إلخ: ومثله لو رجع لظن بقاء إمامه فعلم أو ظن في أثناء الرجوع فراغه قبل أن يدركه، فإنه يتم في ذلك المكان الذي حصل فيه العلم أو الظن. فإن تعداه مع إمكان الإتمام فيه بطلت. وقوله:[وأتم بموضعه]: أي لا فرق بين مسجد مكة والمدينة وغيرهما على المشهور. اهـ. من حاشية الأصل.

قوله: [إن ظن فراغ إمامه]: أي ظن أنه لا يدركه سواء ظن فراغه بالفعل أم لا. وهذا التفصيل الذي ذكره المصنف بالنسبة للمأموم والإمام، لأنه يستخلف ويصير مأموماً فيلزمه ما يلزم المأموم. وأما الفذ فيتم مكانه من غير تفصيل.

قوله: [رجع له]: أي لأدنى مكان يصح فيه الاقتداء، لا لمصلاه الأول لأنه زيادة مشي في الصلاة.

قوله: [إدراكه في السلام]: رد به على ابن شعبان القائل: إنه لا يرجع إلا إذا رجا إدراكه ركعة، فإن لم يرج إدراكها أتم مكانه.

قوله: [فلو أدرك معه] إلخ: هذه المسألة بناء محض، فلذلك قدمها على مسائل اجتماع البناء والقضاء. وهي من زيادة المصنف على خليل كشروط الصلاة التي بسطها في أول الفصل.

قوله: [وجلس للتشهد] إلخ: تبع فيه الأجهوري وسيأتي في التتمة تحقيق ذلك.

قوله: [الذي ابتدأها به]: فلو رجع لمسجد آخر أو لرحاب المسجد الأول أو طرقه المتصلة به فلا يكفي

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

في ط المعارف: (ممكن).

ص: 101

(ابتدأ ظهراً بإحرام): جديد في أي مكان، ولا يبني على الإحرام الأول لأنه كان بنية الجمعة.

(وإن رعف): مأموم (حال سلام إمامه) وأولى بعده (سلم وصحت): لأن سلامه بنجاسة الدم أخف من خروجه لغسله، لا إن رعف قبل سلامه ولو بعد فراغه من التشهد فلا يسلم، بل يخرج لغسله ويسلم مكانه في غير الجمعة ما لم يسلم إمامه قبل الانصراف، وإلا سلم وانصرف.

(فإن اجتمع له): أي للراعف (قضاء): وهو ما يأتي به المسبوق عوضاً عما فاته قبل دخوله مع الإمام، (وبناء): وهو ما يأتي به عوضاً عما فاته بعد دخوله معه لغسل الدم (قدم البناء): على القضاء (وجلس في أخيرة الإمام ولو لم تكن): أخيرة الإمام (ثانيته): هو، بل ثالثته. (و) جلس أيضاً (في ثانيته): ولو لم تكن ثانية الإمام ولا أخيرته.

(كمن أدرك): مع الإمام (الوسطيين): من رباعية كالعشاء وفاتته الأولى قبل دخوله معه ورعف في الرابعة فخرج لغسله ففاتته برفع الإمام من ركوعها، قدم البناء، فيأتي بركعة بأم القرآن فقط سراً ويجلس؛ لأنها أخيرة إمامه - وإن لم تكن ثانيته هو - ثم بركعة القضاء بأم القرآن وسورة جهراً؛ لأنها أولى الإمام، وتسمى أم الجناحين لوقوع السورة مع أم القرآن في طرفيها.

(أو) أدرك معه (إحداهما): أي إحدى الوسطيين وتحته صورتان: الأولى: أن يدرك الثالثة وتفوته الأوليان بالسبق والرابعة بالرعاف قدم البناء. فيأتي بركعة بالفاتحة فقط سراً؛ لأنها الرابعة ويجلس لأنها ثانيته وأخيرة إمامه، ثم بركعتين بأم القرآن وسورة جهراً ولا جلوس بينهما،

ــ

ولو كان ابتداء الصلاة في الرحاب أو الطرق المتصلة.

وقال في المجموع: ظاهر كلامهم هنا ترجيح أنه لا يكفي الرحاب والطرق مطلقاً، ويأتي في الجمعة ما يخالفه اهـ.

قوله: [ابتدأ ظهراً] إلخ: أي ما لم يرج إدراك صلاة الجمعة في بلد آخر قريب أو في مسجد آخر بالبلد، وإلا وجب صلاتها جمعة. وما ذكره المصنف من أنه إذا لم يدرك ركعة من الجمعة ورعف وفاته باقيها مع الإمام، يبتدئ ظهراً بإحرام جديد. هو المشهور من المذهب. وقال ابن القاسم: يكفي بناؤه على إحرام الجمعة. وفي المواق عن ابن يونس: البناء على تكبيرة الإحرام مطلقاً في الجمعة وغيرها. ولهذا الخلاف رد الشارح بقوله: ولا يبني على الإحرام الأول إلخ.

قوله: [وإن رعف مأموم] إلخ: وأما لو رعف الإمام أو الفذ قبل سلامه فقال (ح): لم أر فيه نصاً، والظاهر أن يقال إن حصل الرعاف بعد أن أتى بمقدار السنة من التشهد فإنه يسلم والإمام والفذ في ذلك سواء، وإن رعف قبل ذلك فإن الإمام يستخلف من يتم بهم التشهد ويخرج لغسل الدم، ويصير حكمه حكم المأموم، وأما الفذ فيخرج لغسل الدم ويتم مكانه. اهـ. من حاشية الأصل.

قوله: [قبل الانصراف]: مراده بالانصراف: المشي الكثير فوافق قول السوداني وهو الشيخ أحمد بابا: لو انصرف لغسله وجاوز الصفين والثلاثة فسمع الإمام يسلم فإنه يسلم ويذهب، وأما لو سمعه يسلم بعد مجاوزة أكثر من ذلك فإنه لا يسلم، بل يذهب لغسل الدم، ثم يرجع بتشهد ويسلم ويعيد التشهد، ولو كان التشهد لأجل أن يتصل سلامه به.

تنبيه:

لا يبني بغير الرعاف كسبق حدث أو ذكره أو سقوط نجاسة وذكرها أو غير ذلك من مبطلات الصلاة، بل يستأنفها؛ لأن البناء رخصة يقتصر فيها على ما ورد. وهو إنما ورد في الرعاف، وكما لا يبني بغيره لا يبني به مرة ثانية فتبطل، ولو ضاق الوقت لكثرة المنافي - كما إذا ظن الرعاف وهو في الصلاة، فخرج لغسله فظهر له نفيه - فلا يبني. وتبطل صلاته بمجرد الخروج من الصلاة، فإذا كان إماماً بطلت عليه وعلى مأموميه. وألغز فيه شيخنا في حاشية مجموعه بقوله:

من العجيب إمام القوم لابسه

سقوط طارئة في جسمه اتصلت

تصح للكل إن بانت نجاستها

وإن يكن بان شيء طاهر بطلت

وقال بعد ذلك: وظاهر أن دم الرعاف نجس مسفوح والبطلان للأفعال الكثيرة والملغز يعمى اهـ.

قوله: [فإن اجتمع له قضاء]: أي فالقاف للقبل.

قوله: [أي للراعف]: ومثله من فاتته لنعاس خفيف أو مزاحمة فيجري فيه ما جرى في الراعف.

قوله: [وبناء]: أي فالباء للبعد، وقد التفت الشارح في القضاء والبناء للمعنى الاسمي، ففسر كلاً بما يأتي به فهو بمعنى اسم المفعول، وأما تفسيرهما بالمعنى المصدري فالقضاء فعل ما فاته قبل الدخول مع الإمام بصفته، والبناء فعل ما فاته بعد الدخول مع الإمام بصفته، وكل من المعنيين صحيح، ولكن التعريف الجامع لجميع صوره أن يقال: البناء ما ابتنى على المدرك والقضاء ما ابتنى عليه المدرك، لأن التعريف الأول لا يشمل مسألة الحاضر المدرك ثانية إمام المسافر.

قوله: [قدم البناء]: أي في الصور الخمس الآتية - كما قال ابن القاسم - وذلك لانسحاب المأمومية عليه فيه؛ ولأن القضاء إنما يكون بعد إكمال ما فعله الإمام بعد دخوله معه. وقال سحنون: يقدم القضاء لأنه أسبق وشأنه يعقب سلام الإمام.

قوله: [ولو لم تكن ثانيته] إلخ: عند ابن القاسم ورد: بـ[لو] على ابن حبيب.

قوله: [في ثانيته] إلخ: أي اتفاقاً.

قوله: [وإن لم تكن ثانيته هو]: أي بل هي ثالثته، وهذا هو المشهور

ص: 102

وتسمى بالمقلوبة. والثانية: أن يدرك الثانية مع الإمام وتفوته الأولى بالسبق والأخيرتان بالرعاف، قدم البناء، فيأتي بركعة بأم القرآن فقط سراً ويجلس لأنها ثانيته، وإن لم تكن أخيرة الإمام، ثم بركعة كذلك، ويجلس أيضاً لأنها أخيرة إمامه وإن كانت ثالثته، ثم بركعة القضاء بفاتحة وسورة. فصلاته كل ركعة منها بجلوس ومثل هذه الصورة حاضر أدرك مع مسافر ثانيته، فإذا سلم الإمام فعل مأمومه الحاضر مثل ما ذكر.

(وستر العورة): عطف على بإسلام أي وصحتها أي شرط صحتها بستر العورة (المغلظة): خاصة وكلامه رحمه الله

ــ

خلافاً لابن حبيب القائل: إذا قدم البناء، فإنه لا يجلس في آخرة الإمام إلا إذا كانت ثانيته هو. وأما على ما قاله سحنون من تقديم القضاء على البناء يأتي بركعة بأم القرآن وسورة من غير جلوس، لأنها أولاه وأولى إمامه أيضاً، ثم بركعة بأم القرآن فقط، ويجلس لأنها أخيرته وأخيرة إمامه. وعلى مذهبه فتلقب هذه الصورة بالعرجاء لأنه فصل فيها بين ركعتي السورة بركعتي الفاتحة، وبين ركعتي الفاتحة بركعة السورة، قال في المجموع: ومن إساءة الأدب تلقيبها بالعرجاء، وإنما هي متخللة مثلاً بالسورتين.

قوله: [بالمقلوبة]: أي لأن السورتين متأخرتان بعكس الأصل، وعلى مذهب سحنون يأتي بركعة بأم القرآن وسورة لأنها ثانيته وأولى إمامه، ويجلس ثم بركعة بأم القرآن وسورة لأنها ثانية إمامه ولا يجلس لأنها ثالثته - خلافاً لما في الخرشي. ثم بركعة بأم القرآن فقط ويجلس فيها لأنها أخيرته وأخيرة إمامه، وعليه فتلقب بالحبلى لثقل وسطها بالقراءة.

قوله: [ويجلس أيضاً]: أي على المشهور خلافاً لابن حبيب.

قوله: [فصلاته كل ركعة منها بجلوس]: أي وتسمى أم الجناحين كما تقدم، وعلى مذهب سحنون: يأتي بركعة بأم القرآن وسورة لأنها أولى إمامه، ويجلس فيها لأنها ثانيته، ثم بركعتين بأم القرآن فقط ولا يجلس بينهما.

قوله: [ومثل هذه الصورة] إلخ: ومثلها أيضاً حاضر أدرك ثانية صلاة خوف بحضر، قسم الإمام القوم فيه طائفتين فأدرك الحاضر مع الطائفة الأولى الركعة الثانية، وإنما تركها المصنف لعلمها بالمقايسة وشهرتها.

تتمة: إن أدرك مع الإمام الركعة الثانية والرابعة فقال التتائي: الأولى قضاء بلا إشكال، واختلف في الثالثة: فعلى مذهب الأندلسيين: بناء، وهو ظاهر نظراً للمدركة قبلها كما في (ر) قال: فيقدمها على الأولى، ويقرأ فيها بأم القرآن فقط سراً ولا يجلس لأنها ثالثته، ثم بركعة القضاء بأم القرآن وسورة جهراً إن كان. وأطلق على الثالثة في المدونة قضاء نظراً للرابعة المدركة بعدها كما قال (ر) فيقدم

الأولى بأم القرآن وسورة، ثم الثالثة بأم القرآن فقط سراً. ومن مسائل الخلاف أيضاً أن يدرك الأولى ثم يرعف فتفوته الثانية والثالثة، ثم يدرك الرابعة. قال التتائي: قال بعض الأندلسيين هما بناء. قال (ر): وعليه فيأتي بركعتين بأم القرآن من غير جلوس بينهما، قاله ابن ناجي وهو ظاهر. وعلى مذهب المدونة، قال أبو الحسن، قال ابن حبيب يأتي بركعتين ثانية وثالثة، يقرأ في الثالثة بأم القرآن وسورة ولا يجلس لأنها ثالثة بنائه، ويقرأ في الثالثة بأم القرآن ويجلس لأنها آخر صلاته اهـ. فقد ظهر لك الفرق بين مذهب الكتاب وقول بعض الأندلسيين. ومن صور الخلاف أن يدرك الأولى ويرعف في الثانية ويدرك الثالثة وتفوته الرابعة، فلا إشكال أن الرابعة بناء. واختلف في الثانية على القولين: فعلى أنها قضاء يبدأ بالرابعة بأم القرآن فقط سراً ويجلس لأنها آخرة الإمام، ثم يأتي بركعة بأم القرآن وسورة جهراً إن كان، وعلى مذهب الأندلسيين يأتي بهما نسقاً من غير جلوس بينهما بأم القرآن فقط فيهما، وهذا هو الظاهر وعليه الأجهوري ومن تبعه. اهـ من المجموع.

قوله: (وستر العورة): الستر بفتح السين لأنه مصدر، وأما بالكسر فهو ما يستتر به. والعورة: من العور، وهو القبح لقبح كشفها لا نفسها، حتى قال محيي الدين بن العربي: الأمر بستر العورة لتشريفها وتكريمها لا لخستها فإنهما - يعني القبلين - منشأ النوع الإنساني المكرم المفضل. اهـ. من حاشية شيخنا على مجموعه. والعورة في الأصل الخلل في الثغر وغيره وما يتوقع منه ضرر وفساد، ومنه عور المكان أي توقع منه الضرر والفساد وقوله تعالى:{إن بيوتنا عورة} [الأحزاب: 13] أي خالية يتوقع فيها الفساد. والمرأة عورة لتوقع الفساد من رؤيتها أو سماع كلامها، لا من العور بمعنى القبح لعدم تحققه في الجميلة من النساء لميل النفوس إليها، وقد يقال المراد بالقبح ما يستقبح شرعاً وإن ميل إليه طبعاً. (اهـ. من الخرشي).

ص: 103

يوهم خلاف المراد (إن قدر): على سترها وإلا صلى عرياناً. وأما غير المغلظة فسترها واجب غير شرط على ما يأتي، والراجح عدم تقييده بالذكر خلافاً للشيخ. فمن صلى مكشوف العورة المغلظة نسياناً أعاد أبداً وجوباً. (وإن بإعارة): مبالغة في قدر؛ فإذا علم من يعيره ما يستر به عورته فلم يستعره وصلى عرياناً بطلت (أو) بساتر (نجس أو حرير): فإن صلى عرياناً مع وجود أحدهما بطلت (وهو): أي الحرير الطاهر (مقدم): على النجس عند اجتماعهما وجوباً؛ لأنه لا ينافي الصلاة، بخلاف النجس.

(وهي): أي المغلظة (من رجل السوأتان): وهما - من المقدم - الذكر مع الأنثيين ومن المؤخر: ما بين الأليتين، فيعيد مكشوف الأليتين فقط أو مكشوف العانة في الوقت.

(ومن أمة وإن بشائبة حرية هما): أي السوأتان (مع الأليتين): فإذا انكشف منها شيء من ذلك أعادت أبداً وسيأتي ما تعيد فيه في الوقت وما لا تعيد.

(و) هي (من حرة) جميع البدن (ما عدا الصدر والأطراف): من رأس ويدين ورجلين وما قابل الصدر من الظهر، كالصدر.

(وأعادت لصدرها): أي لكشفه كلاً أو بعضاً (وأطرافها): كذلك ولو ظهر قدم لا باطنه (بوقت) ضروري وهو [1] في الظهرين للاصفرار وفي العشاءين الليل كله وفي الصبح للطلوع.

(ككشف أمة): من إضافة المصدر لفاعله (فخذاً): كلاً أو بعضاً مفعوله (أو) كشف (رجل ألية أو بعض ذلك): من جميع ما ذكر فيعيد بوقت.

(وندب): لذكر أو أنثى (سترها) أي المغلظة بخلوة ولو بظلام.

ــ

قوله: [يوهم خلاف المراد]: أي لأنه أطلق فيوهم الشرطية حتى في المخففة، وليس كذلك. ولا بد أن يكون الساتر كثيفاً وهو ما لا يشف في بادئ الرأي، بأن لا يشف أصلاً أو يشف بعد إمعان النظر، وخرج به ما يشف في بادئ النظر، فإن وجوده كالعدم وأما ما يشف بعد إمعان النظر فيعيد معه في الوقت كالواصف للعورة المحدد لها بغير بلل ولا ريح، لأن الصلاة به مكروهة كراهة تنزيه على المعتمد.

قوله: [والراجح عدم تقييده بالذكر]: اعلم أن (ر) تعقب خليلاً فقال: إنه تبع ابن عطاء الله في تقييده بالذكر والقدرة، وأما غيره فلم يقيده بالذكر، وهو الظاهر، فيعيد أبداً من صلى عرياناً ناسياً مع القدرة على الستر. وقد صرح الجزولي بأنه شرط مع القدرة ذاكراً أو ناسياً وهو الجاري على قواعد المذهب، فتحصل أن القول بأن ستر العورة شرط صحة مقيد بالذكر والقدرة عند بعضهم، وبالقدرة فقط عند بعضهم. فالذي ارتضاه المؤلف التقييد بالقدرة فقط، والذي مشى عليه في المجموع التقييد بهما، ومشى عليه في الحاشية أيضاً. وليس من العجز سقوط الساتر فيرده فوراً، بل المشهور البطلان كما في (ح). وقيل: ستر المغلظة واجب غير شرط، قال بعضهم: وهذا القول غير مقيد بالذكر والقدرة، وقيل: مستحب، وهو المراد بالسنية في كلام المجموع.

قوله: [فإذا علم من يعيره] إلخ: وذلك لضعف المانية به وهو الانتفاع به في مجرد الصلاة، فلذلك يجب عليه الطلب والقبول. ولا يلزمه قبول الهبة لعظم المانية به، ولا يجب عليه سترها بالطين على الظاهر من قولين. لأنه مظنة التساقط ويكبر الجرم، فهو كالعدم، بل بماء [2] لمن فرضه الإيماء وإلا فالركن مقدم. اهـ من المجموع.

قوله: [نجس]: وأولى المتنجس في وجوب الاستتار به إذا لم يجد غيره، وأولى منهما الحشيش، بل مقدم على الحرير.

قوله: [أو حرير]: ما ذكره من وجوب الاستتار به عند عدم طاهر غير حرير هو المشهور من المذهب، ومقابل ما في سماع ابن القاسم يصلي عرياناً ولا يصلي بالحرير.

قوله: [مقدم على النجس]: أي وكذا على المتنجس، وهذا قول ابن القاسم، وقال أصبغ: يقدم النجس لأن الحرير يمنع لبسه مطلقاً والنجس إنما يمنع لبسه في حال الصلاة، والممنوع في حالة أولى من الممنوع مطلقاً. والمعتمد ما قاله ابن القاسم.

قوله [لأنه لا ينافي الصلاة]: أي لأنه طاهر وشأن الطاهر أن يصلى به ولم يعدوا تركه من شروط الصلاة بخلاف النجس.

قوله: [أي المغلظة]: أي التي تعاد الصلاة لكشفها أبداً مع القدرة.

قوله: [ما بين الأليتين]: أي وهو فم الدبر وسمي ما ذكر بالسوأتين؛ لأن كشفهما يسوء الشخص.

قوله: [في الوقت]: أي لأنهما بالنسبة للرجل من العورة المخففة.

قوله: [أعادت أبداً]: أي لأن ما ذكر بالنسبة للأمة من المغلظة.

قوله: [ويدين ورجلين]: مراده الذراعان والرجلان للركبتين. والحاصل أن المغلظة في الحرة بالنسبة للصلاة بطنها وما حاذاها ومن السرة للركبة وهي خارجة، فدخل الأليتان والفخذان والعانة، وأما صدرها وما حاذاه من ظهرها سواء كان كتفه أو غيره وعنقها لآخر الرأس وركبتها لآخر القدم، فعورة مخففة يكره كشفها في الصلاة، وتعيد في الوقت له، وإن حرم النظر لذلك كما يأتي. اهـ. من حاشية الأصل.

قوله: [لصدرها]: أي وما حاذاه، والمراد تعيد لما عدا المغلظة التي تقدم بيانها.

قوله: [لكشفه كلاً أو بعضاً]: أي عمداً أو جهلاً أو نسياناً كما في المواق عن ابن يونس.

قوله: [لا باطنه]: أي فلا تعيد له وإن كان من المخففة.

قوله: [ككشف أمة] إلخ: أي فكل ما أعاد الرجل فيه أبداً تعيد الأمة فيه كذلك. وكل ما أعاد فيه في الوقت تعيد فيه أبداً. وما تعيد فيه الأمة في الوقت لا يعيد فيه الرجل أصلاً.

قوله: [وندب لذكر]: أي وقيل: يجب. وعلى القول بعدم الوجوب في الخلوة، فهل يجب للصلاة في الخلوة أو يندب؟ ذكر ابن بشير في ذلك قولين

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

في ط المعارف: (نحو).

[2]

كذا في ط الحلبية، ولعل الصواب:(بإيماء).

ص: 104

(و) ندب (لأم ولد و) حرة (صغيرة): تؤمر بالصلاة (ستر واجب على الحرة): الكبيرة وهو جميع البدن ما عدا الوجه والكفين، وكذا الصغير المأمور بالصلاة يندب له ستر واجب على البالغ.

(وأعادتا): أي أم الولد والصغيرة صلاتهما (لتركه): أي لترك الستر المندوب لهما الواجب على الحرة الكبيرة، (بوقت، كمصل بحرير): يعيد بوقت، (وعاجز): عن ستر العورة (صلى مكشوفاً): أي بادي العورة المغلظة ثم وجد ساتراً فيعيد بالوقت وما مشى عليه الشيخ ضعيف.

ولما فرغ من بيان العورة المغلظة للذكر والأنثى شرع في بيان العورة الواجب سترها بالنسبة للرؤية وللصلاة أيضاً، لكنها بالنسبة للصلاة واجبة غير شرط ما عدا المغلظة التي تقدم بيانها. فقال:(وعورة الرجل): التي يجب عليه سترها (و) عورة (الأمة): القن بل (وإن بشائبة): كأم ولد ومكاتبة ومبعضة مع رجل أو مع امرأة محرم له.

(و) عورة (الحرة): البالغة (مع امرأة): كبيرة حرة أو أمة أو كافرة، فقوله: مع امرأة قيد في الحرة، وقوله:(ما بين سرة وركبة): راجع للثلاثة.

(و) عورة الحرة (مع رجل أجنبي): منها أي ليس بمحرم لها جميع البدن (غير الوجه والكفين): وأما هما فليسا بعورة. وإن وجب عليها سترهما لخوف فتنة.

(ويجب سترها): أي العورة المذكورة

ــ

عن اللخمي. والمراد بالمغلظة في الخلوة - على ما قاله ابن عبد السلام - السوأتان وما قاربهما، سواء كان رجلاً أو امرأة حرة أو أمة، وهو المعتمد. وقيل: إن المغلظة التي يندب سترها في الخلوة تختلف باختلاف الأشخاص، فهي السوأتان بالنسبة للرجل، وتزيد الأمة الأليتين والعانة، وتزيد الحرة على ذلك بالظهر والبطن والفخذ. وعلى هذا فستر الظهر والبطن والفخذ في الخلوة مندوب في حق الحرة دون الرجل والأمة. اهـ. من حاشية الأصل.

قوله: [لأم ولد]: أي فقط دون غيرها ممن فيه شائبة حرية.

قوله: [تؤمر بالصلاة]: أي ولو كانت غير مراهقة.

قوله: [وهو جميع البدن]: أي فمصب الندب على جميع البدن، وإلا فالمندوب الستر الزائد على القدر المشترك بينهما في الوجوب، وهو ستر ما عدا ما بين السرة والركبة. وخصت أم الولد دون غيرها لقوة شائبة الحرية فيها، فإنه لم يبق لسيدها فيها إلا الاستمتاع ويسير الخدمة، وتعتق من رأس المال.

قوله: [وكذا الصغير] إلخ: قال في حاشية الأصل: الأولى حذف هذا لأنه يفيد أن ما يندب للكبير لا يندب للصغير والظاهر ندبه له تأمل. اهـ.

قوله: [وأعادتا] إلخ: حاصله أن الصغيرة وأم الولد يندب لهما في الصلاة الستر الواجب على الحرة البالغة زيادة على القدر المشترك بينهن في الوجوب، فإن تركتا ذلك وصلتا بغير قناع مثلاً أعادتا أم الولد للاصفرار وكذا الصغيرة إن راهقت، وذلك لأن الذي في المدونة ندب الستر للمراهقة وغيرها وسكت فيها عن الإعادة، فظاهرها عدمها وأشهب - وإن قال بندب الستر للمراهقة وغيرها - زاد الإعادة لتركه في الوقت، فأطلق في الإعادة ولم يقيدها بالمراهقة، فقال بعض المحققين: لا نسلم أن أشهب أطلق في الإعادة بل قيدها بالمراهقة كما صرح به الرجراجي في منهاج التحصيل، وكفى به حجة. اهـ. من حاشية الأصل بتصرف. فإذا علمت ذلك فيتعين تقييد شارحنا بالمراهقة كما علمت.

قوله: [بوقت]: وهو في الظهرين للاصفرار؛ لأن الإعادة مستحبة تشبه النفل، وفي العشاءين الليل كله، وفي الصبح للطلوع.

قوله: [بحرير]: ومثله الذهب ولو خاتماً.

قوله: [وما مشى عليه الشيخ]: أي من عدم الإعادة أصلاً، فإنه لا وجه له لأنه أولى مما صلى بالنجس والحرير في طلب الإعادة.

قوله: [كأم ولد]: هذا يقتضي أن صدرها وعنقها ليسا بعورة - وهو كذلك - خلافاً لمن قال: إنهما عورة. غاية ما هناك يندب لها الستر الواجب على الحرة في الصلاة.

قوله: [مع رجل] إلخ: راجع لعورة الرجل. وأما الأمة فمع أي شخص.

قوله: [أو كافرة]: أي هذا إذا كانت الحرة أو الأمة مسلمة، بل ولو كانت كافرة، وهذا مسلم في الأمة. وأما الحرة الكافرة فعورة الحرة المسلمة معها ما عدا الوجه والكفين كما في (بن) لا ما بين السرة والركبة فقط، كما هو ظاهر الشارح، وقول (عب) ما عدا الوجه والأطراف ممنوع، بل في (شب) حرمة جميع المسلمة على الكافرة؛ لئلا تصفها لزوجها الكافر. فالتحريم لعارض لا لكونه عورة كما أفاده في الحاشية وغيره إذا علمت ما في (شب) والحاشية كان كلام شارحنا مسلماً، لأنه في بيان تحديد العورة، وأما الحرمة لعارض فشيء آخر.

قوله: [ما بين سرة وركبة]: فعلى هذا يكون فخذ الرجل عورة مع مثله ومحرمه وهو المشهور، فيحرم كشفه. وقيل: لا يحرم بل يكره مطلقاً. وقيل عند من يستحي منه. وقد استدل صاحب هذا القول بكشفه صلى الله عليه وسلم فخذه بحضرة أبي بكر وعمر، فلما دخل عثمان ستره وقال: ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة.

قوله: [مع رجل أجنبي]: أي مسلم سواء كان حراً أو عبداً ولو كان ملكها ما لم يكن وخشاً، وإلا فكمحرمها. ومثل عبدها في التفصيل مجبوب زوجها.

قوله: [غير الوجه والكفين] إلخ: أي فيجوز النظر لهما لا فرق بين ظاهرهما وباطنهما بغير قصد لذة ولا وجدانها، وإلا حرم. وهل يجب عليها حينئذ ستر وجهها ويديها؟ وهو الذي لابن مرزوق قائلاً: إنه

ص: 105

لرجل أو أمة أو حرة مع أجنبي (بالصلاة أيضاً) كما يجب سترها بالنسبة لرؤية من ذكر لكن المغلظة من ذلك تعادل تركها أبداً، والمخففة بعضها تعادله في الوقت كالفخذين في الأمة والأطراف في الحرة، وبعضها لا تعادله أصلاً كما عدا الفخذين في الأمة غير أم الولد، وما عدا الأليتين في الرجل كما علم مما تقدم.

(و) عورة المرأة (مع) رجل (محرم): لها (غير الوجه والأطراف): الرأس واليدين والرجلين، فيحرم عليها كشف صدرها وثدييها ونحو ذلك عنده، ويحرم على محرمها كأبيها رؤية ذلك منها وإن لم يلتذ.

(وترى): المرأة حرة أو أمة (من) الرجل (الأجنبي): منها أي غير المحرم (ما يراه) الرجل (من محرمه) وهو الوجه والأطراف إلا أن تخشى لذة، فلا يجوز لها أن تنظر لصدره ولا جنبه ولا ظهره ولا ساقه، ولو لم تخف لذة.

(و) ترى المرأة (من المحرم) ولو من رضاع (كرجل مع مثله) أي كما يرى الرجل من الرجل، وهو ما عدا ما بين سرة وركبة.

(وكره لرجل كشف كتف أو جنب، كتشمير ذيل) أي ذيل ثوبه (وكف) أي ضم (كم أو) كف (شعر): برأس (لصلاة) لا غيرها لأمر اقتضى ذلك.

ــ

مشهور المذهب: أو لا يجب عليها ذلك، وإنما على الرجل غض بصره؟ وهو مقتضى نقل المواق عن عياض. وفصل زروق في شرح الوغليسية بين الجميلة فيجب وغيرها فيستحب. اهـ. من حاشية الأصل. فإذا علمت ذلك فقول: الشارح "وإن وجب عليها سترهما" إلخ مرور على كلام ابن مرزوق.

قوله: [لرجل]: أي مع مثله أو محرمه.

قوله: [أو أمة]: أي مع مطلق شخص.

قوله: [مع أجنبي]: راجع لخصوص الحرة.

قوله: [محرم لها]: أي ولو بصهر، كزوج أمها أو بنتها. أو رضاع كابنها وأخيها من الرضاع.

قوله: [فيحرم عليها كشف صدرها] إلخ: وأجاز الشافعية رؤية ما عدا ما بين السرة والركبة، وذلك فسحة.

قوله: [ما يراه الرجل من محرمه]: فحينئذ عورة الرجل مع المرأة الأجنبية ما عدا الوجه والأطراف. وعلى هذا فيرى الرجل من المرأة -إذا كانت أمة- أكثر مما ترى منه لأنها ترى منه الوجه والأطراف فقط، وهو يرى منها ما عدا ما بين السرة والركبة، لأن عورة الأمة مع كل واحد ما بين السرة والركبة كما مر. واعلم أنه لا يلزم من جواز الرؤية جواز الجس. فلذلك يجوز للمرأة أن ترى من الأجنبي الوجه والأطراف، ولا يجوز لها لمس ذلك. وكذلك لا يجوز له وضع يده على وجهها، بخلاف المحرم فإنه كما يجوز النظر للوجه والأطراف يجوز مباشرة ذلك منها بغير لذة. وكما يجوز للمرأة الحرة نظر ما عدا ما بين السرة والركبة من محرمها، يجوز لها مس ذلك. وبالجملة فالمحارم كل ما جاز لهم فيه النظر جاز المس من الجانبين، بخلاف الأجنبي مع الأجنبية، فلا يلزم من جواز النظر المس.

قوله: [فلا يجوز] إلخ: مفرع على مفهوم قوله "هو الوجه والأطراف"، كأنه قال: وأما ما ليس بأطراف فيحرم فلا يجوز لها أن تنظر إلخ.

قوله: [ولو من رضاع]: أي أو صهر.

قوله: [كرجل مع مثله]: أي ويجوز الجس من الجانبين أيضاً. ففي صحيح البخاري، قبيل مقدمه صلى الله عليه وسلم المدينة أن الصديق قبل عائشة بنته رضي الله عنها في فمها. بخلاف جس العورة، فإن كان حائل فلا حرمة، كما سبق في تفريق المضاجع إلا كضم. ومنه الدلك بكيس الحمام، وأجازه الشافعية. وفي الحاشية نقلاً عن الشيخ سالم: أن الحرمة في المتصل. وحرمت الشافعية المنفصل حتى قالوا: إن علم شعر عانة بعد حلقه حرم النظر إليه. وأما المنفصل فمحل جواز النظر إليه عندنا إذا كان انفصاله عن صاحبه في حال الحياة لأنه صار أجنبياً عن الجسم وله قوام بدونه، وأما بعد الموت فيحرم النظر لأجزاء الأجنبية. ولذا نهوا عن النظر في القبور مخافة مصادفته. اهـ. من حاشية شيخنا على مجموعه. ويحرم باتفاق الالتذاذ الشيطاني؛ وهو كل ما أثار شهوة لا مجرد انبساط النفس. قال الغزالي في الإحياء: من فرق بين الأمرد والملتحي حرم عليه النظر له إلا كما يفرق بين الشجرة اليابسة والخضرة. اهـ. من المجموع.

تنبيه: قال ابن القطان: لا يلزم غير الملتحي تنقب، لكن قال القاضي أبو بكر بن الطيب: ينهى الغلمان عن الزينة لأنه ضرب من التشبه بالنساء، وتعمد الفساد. وأجمعوا على أنه يحرم النظر لغير الملتحي بقصد اللذة، ويجوز لغيرها إن أمن الفتنة. اهـ. وأما الخلوة بالأمرد فحرام عند الشافعية ولو أمنت الفتنة، وقال الفاكهاني مقتضى: المذهب لا يحرم. اهـ. من الأصيلي.

قوله: [لصلاة]: راجع للجميع.

خاتمة: تبطل الصلاة بتعمد نظر عورة إمامه وإن نسي كونه في صلاة كتعمد نظر عورة نفسه إن لم ينس كونه في صلاة، وفي (بن) عن أبي علي: ولو نسي. ومن لم يجد إلا ستراً لأحد فرجيه، فقيل: يستر القبل به لأنه أبدى وأكبر، وقيل: الدبر، وقيل يخير. ويتفق على القبل إن كان وراءه نحو حائط كما قال البساطي. وإن اجتمع عراة صلوا بظلام أو تباعدوا، فإن لم يمكن صلوا صفاً واحداً قياماً غاضين أبصارهم، وإمامهم في الصف كواحد منهم. وإن كان لعراة ثوب واحد صلوا أفذاذاً وأقرع للتقديم إن تنازعوا، أو ضاق الوقت. فإن ضاق عن القرعة أيضاً صلوا عراة، فإن كان الثوب لأحدهم ندب له

ص: 106

(واستقبال القبلة) بالجر عطف على بإسلام أي وصحتها أي بما ذكر وباستقبال القبلة (مع أمن) من عدو وسبع، وإلا لم يجب (و) مع (قدرة): فلا يجب مع عجز كمربوط أو مريض لا قدرة له على التحول لها ولا يجد من يحوله، فيصلي لغيرها. فاليائس أوله والراجي آخره كالتيمم. وهذا القيد زيادة على الشيخ فتحصل أن طهارة الحدث لا تتقيد بقيد. فالناسي يعيد أبداً والعاجز تسقط عنه الصلاة، وأن الطهارة من الخبث تقيد بالذكر والقدرة وتسقط بالعجز والنسيان، وأن ستر العورة يقيد بالقدرة فقط؛ فالناسي يعيد أبداً دون العاجز فيعيد بوقت، وأن الاستقبال يقيد بالأمن والقدرة لا على خائف من كعدو ولا عاجز، وأما من لم يستقبل نسياناً لوجوبه فيعيد أبداً.

(وهي) أي القبلة (عين الكعبة): أي ذاتها (لمن بمكة): ومن في حكمها ممن يمكنه المسامتة، كمن في جبل أبي قبيس فيستقبلها بجميع بدنه، حتى لو خرج منه عضو لم تصح صلاته. ثم إن من بمكة - إن كان بالحرم - فظاهر، فيصلون صفاً إن كانوا قليلاً أو دائرة أو قوساً إذا لم تكمل الدائرة. وإن لم يكن به بل ببيته مثلاً فعليه أن يصعد على سطح أو مكان مرتفع، ثم ينظر الكعبة ويحرر قبلته جهتها. ولا يكفي الاجتهاد مع القدرة على اليقين، ومن ذلك القبيل مساجد مكة التي حولها كمسجد ذي طوى.

(وجهتها): أي الكعبة (لغيره): أي غير من بمكة سواء كان قريباً من مكة كأهل منى أو بعيداً كأهل الآفاق، فيستقبل المصلي تلك الجهة (اجتهاداً) أي بالاجتهاد (إن أمكن): الاجتهاد بمعرفة الأدلة الدالة على الجهة كالفجر والشفق والشمس والقطب وغيره من الكواكب، وكذا الريح الشرقي أو الجنوبي أو الشمالي والغربي.

ــ

إعارتهم، وجبر على الزائد عن حاجته بلا إتلاف وفاقاً لابن رشد وخلافاً للخمي. اهـ. من المجموع بتصرف.

قوله: [واستقبال القبلة]: لما فرغ من الكلام على شروط الصحة الأربعة شرع في الكلام على الخامس وهو الاستقبال وما يتعلق به. والأصل فيه قوله تعالى: {قد نرى تقلب وجهك في السماء} [البقرة: 144] إلى قوله {فول وجهك شطر المسجد الحرام} [البقرة: 144] أي جهته وفي الموطأ: «حولت القبلة قبل بدر بشهرين وقد صلى عليه الصلاة والسلام بعد مقدمه المدينة إلى بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهراً، فكانت ناسخة لذلك، وحولت إلى بيت الله في الركعة الثالثة من الظهر ليجمع فيها بين القبلتين» ، ولا ينافي هذا قولهم: إن أول صلاة صليت إلى بيت الله العصر، لأن المراد أول صلاة، ووقع في البخاري:«فحولت في ركوع العصر» . وسميت القبلة قبلة: لأن المصلي يقابلها وتقابله. وهي أقسام سبعة: قبلة تحقيق، وهي قبلة الوحي كقبلته عليه الصلاة والسلام، فإنها بوضع جبريل عليه الصلاة والسلام، وقبلة إجماع: وهي قبلة جامع عمرو بن العاص بإجماع الصحابة، وقد وقف على جامع عمرو ثمانون من الصحابة، وقبلة استتار: وهي قبلة من غاب عن البيت من أهل مكة أو عن مسجده عليه الصلاة والسلام والفرض أنه في مكة أو المدينة، وقبلة اجتهاد: وهي قبلة من لم يكن في الحرمين، وقبلة بدل: وهي الآتية في قوله: "صوب سفره"، وقبلة تخيير وهي الآتية في قوله:"فإن لم يجد أو تحير مجتهد تخير"؛ وقبلة عيان: وهي التي ابتدأ بها بقوله: وهي عين الكعبة لمن بمكة.

قوله: [وإلا لم يجب]: أي فلا يجب الاستقبال حال المسابقة [1] ولا في الخوف من عدو وسبع كما يأتي.

قوله: [كالتيمم]: أي فلو صلى المتردد قبل الوسط والراجي قبل الآخر، تندب الإعادة في الوقت.

قوله: [فتحصل] إلخ: أي مما تقدم ومما هنا.

قوله: [والعاجز]: أي عن الطهورين.

قوله: [بالذكر والقدرة] إلخ: أي على مشهور المذهب.

قوله: [بالقدرة فقط]: أي على ما مشى عليه هو وتقدم الكلام على ذلك.

قوله: [من كعدو]: أدخلت الكاف: السبع. وسواء كان العدو مسلماً أو كافراً.

قوله: [وأما من لم يستقبل نسياناً] إلخ: أي فلا يقيد بالذكر على المشهور.

قوله: [عين الكعبة]: أي فالشرط استقبال ذات الكعبة أي بنائها والبقعة إن نقضت والعياذ بالله تعالى.

قوله: [المسامتة] أي مقابلة سمتها أي ذات بنائها.

قوله: [ثم إن من بمكة] إلخ: قال في الأصل فالحاصل أن من بمكة أقسام: الأول صحيح آمن، فهذا لا بد له من استقبال العين، إما بأن يصلي في المسجد أو بأن يطلع على سطح ليرى ذات الكعبة، ثم ينزل فيصلي إليها، فإن لم يمكنه طلوع أو كان بليل استدل على الذات بالعلامة اليقينية التي يقطع بها جزماً لا يحتمل النقيض بحيث إنه لو أزيل لكان مسامتاً، فإن لم يمكنه ذلك لم يجز له صلاة إلا في المسجد. الثاني مريض مثلاً يمكنه جميع ما سبق في الصحيح لكن بجهد ومشقة، فهذا فيه التردد، أي فإنه قيل بجواز الاجتهاد في طلب العين، ويسقط عنه اليقين، وقيل: لا بد من المعاينة نظراً إلى أن القدرة على اليقين تمنع من الاجتهاد، وهو الراجح فلذلك اقتصر عليه هنا. الثالث: مريض مثلاً لا يمكنه ذلك فهذا يجتهد في العين ظناً ولا يلزمه اليقين اتفاقاً. الرابع: مريض مثلاً يعلم الجهة قطعاً وكان متوجهاً لغير البيت ولكنه لا يقدر على التحول ولم يجد محولاً، فهذا كالخائف من عدو ونحوه يصلي لغير الجهة، لأن شرط الاستقبال الأمن والقدرة، ولا يختص بمن بمكة لأنه إذا جاز للعاجز والخائف عدم الاستقبال بمكة فمن بغيرها أولى. اهـ.

قوله: [مع القدرة على اليقين]: أي ولو كان بمشقة.

قوله: [غير من بمكة]: أي والمدينة وجامع عمرو لأن المدينة بالوحي لا بالاجتهاد وجامع عمرو بالإجماع الذي يفيد القطع لا بالاجتهاد الذي يفيد الظن.

قوله: [قريباً من مكة]: أي ولا يمكنه مسامتة العين.

قوله: [أي بالاجتهاد]: إشارة إلى أنه منصوب بنزع الخافض.

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

كذا في ط الحلبية، ولعل الصواب:(المسايفة).

ص: 107

ولا يجوز التقليد مع إمكان الاجتهاد (وإلا) يمكن الاجتهاد (قلد): عارفاً عدلاً.

(ولا يقلد مجتهد - وإن أعمى -): غيره من المجتهدين، وأولى غيرهم.

فإن خفيت عليه الأدلة سأل عنها فإذا دل عليها اجتهد. (إلا محراباً لمصر): من الأمصار فإنه يقلده، فإذا دخل بلداً من البلاد التي يحل بها أهل العلم والمعرفة قلد محرابها من غير اجتهاد.

(وقلد) وجوباً (غيره): أي غير المجتهد (عدلاً عارفاً): بالأدلة لا غير عدل ولا جاهلاً (أو محراباً مطلقاً): سواء كان محراب مصر أو غير مصر. (فإن لم يجد) غير المجتهد عدلاً عارفاً ولا محراباً، (أو تحير مجتهد): بأن خفيت عليه الأدلة لغيم أو حبس أو نحو ذلك أو التبست عليه، (تخير): جهة من الجهات الأربع وصلى إليها واكتفى بذلك، وقيل: يصلي أربع صلوات لكل جهة صلاة.

(وبطلت): صلاة مجتهد أو مقلد (إن خالف): الجهة التي أداه اجتهاده إليها، أو أمره العارف بها وصلى لغيرها (عمداً): وأعادها وجوباً، (ولو صادف): القبلة في الجهة التي خالف إليها.

(وإن تبين خطأ) يقيناً أو ظناً (بصلاة) أي فيها (قطع) صلاته (البصير المنحرف كثيراً): بأن استدبر أو شرق أو غرب، وابتدأها بإقامة. ولا يكفي تحوله لجهة القبلة. (واستقبل) القبلة؛ بأن يتحول إليها (غيره): وهو الأعمى مطلقاً والبصير المنحرف يسيراً، (أو) إن تبين خطأ (بعدها): أي بعد الصلاة

(أعاد الأول): وهو البصير المنحرف كثيراً (بوقت): ضروري، وقول الشيخ: المختار معترض، وأما المنحرف يسير أو الأعمى [1] مطلقاً فلا إعادة عليه (كالناسي): للجهة التي أداه اجتهاده إليها أو التي دله عليها العارف المقلد، يعيد في الوقت على المشهور وقيل: أبداً. وأما ناسي وجوب الاستقبال فإنه يعيد أبداً كما تقدم أول الكلام؛ فلا منافاة بين ما هنا وما تقدم. وبعضهم أجرى الخلاف حتى في ناسي الوجوب أيضاً، وعليه فيقيد وجوب الاستقبال بالذكر والأمن والقدرة.

(وجاز نفل غير مؤكد): ومنه الرواتب كأربع قبل الظهر والضحى والشفع (فيها): أي الكعبة (وفي الحجر): أي حجر إسماعيل بكسر الحاء وسكون الجيم (لأي جهة): راجع لقوله: فيها لا لقوله الحجر لأنه لو استدبر البيت أو شرق أو غرب لم تصح كما قال الحطاب، وقيل: بل تصح بناء على أنه من البيت.

(وكره المؤكد [2]): كالوتر والعيدين وكركعتي الفجر بناء على أنهما سنة، وركعتي الطواف على الراجح، وقيل: يمنع المؤكد.

ــ

وكون المصلي بغيرها يستقبل الجهة بالاجتهاد هو الأظهر عند ابن رشد لا سمتها، خلافاً لابن القصار؛ فعنده يقدر المصلي المقابلة والمحاذاة لها، إذ الجسم الصغير كلما زاد بعده اتسعت جهته، كغرض الرماة. فإذا تخيلنا الكعبة مركزاً خرج منها خطوط مجتمعة الأطراف فيه، وكلما بعدت اتسعت فلا يلزم على مذهبه بطلان الصف الطويل، بل جميع بلاد الله تعالى على تفرقتها تقدر ذلك. والحاصل أن من بعد عن مكة لم يقل أحد إن الله أوجب عليه مقابلة الكعبة لأن في ذلك تكليفاً بما لا يطاق. وإنما في المسألة قولان: الأول لابن رشد يجتهد في الجهة، وهو الذي مشى عليه المصنف. والثاني لابن القصار: يجتهد في استقبال السمت. والمراد أن يقدر المقابلة والمحاذاة وإن لم يكن في الواقع كذلك، وهو مذهب الشافعي. قال في الأصل: وينبني على القولين: لو اجتهد فأخطأ فعلى المذهب يعيد في الوقت، وعلى مقابله يعيد أبداً. اهـ. لكن قال (بن): الحق أن هذا الخلاف لا ثمرة له كما صرح به المازري، وأنه لو اجتهد وأخطأ فإنما يعيد في الوقت على القولين. .اهـ. من حاشية الأصل.

قوله: [ولا يجوز التقليد] إلخ: أي لمجتهد أو لمحراب غير مصر.

قوله: [عدلاً]: أي في الرواية.

قوله: [وأولى غيرهم]: أي غير المجتهدين.

قوله: [محراب مصر]: أي علم أنه وضع العارفين أو الشأن فيه ذلك.

قوله: [أو غير مصر]: أي الشأن فيه عدم العارفين.

قوله: [لكل جهة صلاة]: أي إن كان الشك في الجهات الأربع، فإن شك في جهتين فصلاتين ولا بد من جزم النية عند كل صلاة.

قوله: [إن خالف]: أي وأما لو صلى إلى جهة اجتهاده فإنه يعيد في الوقت إذا استدبر أو شرق أو غرب كما في المدونة، إلا إن انحرف يسيراً.

قوله: [واستقبل القبلة] إلخ: أي فإن لم يستقبلها الأعمى المنحرف كثيراً بعد العلم بطلت، لأن الانحراف الكثير مبطل مطلقاً مع العلم سواء علم به حين الدخول أو علم به بعد دخولها. وأما المنحرف يسيراً - أعمى أو بصيراً - إذا لم يستقبل - لا تبطل صلاته.

قوله: [أعاد الأول] إلخ: هذا التفصيل المذكور في قبلة الاجتهاد كما هو الموضوع. وأما قبلة القطع -كمن بمكة- أو الوحي -كمن بالمدينة- أو الإجماع - كمن بمسجد عمرو - فإنه يقطع ولو أعمى منحرفاً يسيراً فإن لم يقطع أعاد أبداً.

قوله: [بوقت ضروري] إلخ: قال في الأصل: وهو في العشاءين الليل كله، وفي الصبح للطلوع، وفي الظهرين للاصفرار.

قوله: [وقيل أبداً]: هذا الخلاف في صلاة الفرض، وأما في النفل فلا إعادة أصلاً.

قوله: [وعليه فيقيد وجوب الاستقبال] إلخ: المناسب جعل هذا عقب قوله "على المشهور" تأمل.

قوله: [وقيل: بل تصح بناء] إلخ: لكن أيد (بن) الأول.

قوله: [وركعتي الطواف]: أي غير الواجب كما قيده في المجموع.

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

قوله: (يسير أو الأعمى) في ط المعارف: (يسيراً والأعمى)، ولعلها الصواب.

[2]

في ط المعارف: (المؤكدة).

ص: 108

وما مشى عليه الشيخ ضعيف.

(ومنع الفرض): فيها أو في الحجر (و) إن وقع ولو عمداً (أعاده بوقت): ضروري وهو في الظهرين للاصفرار، وقيل يعيد العامد أبداً (وبطل): الفرض (على ظهرها): ويعاد أبداً؛ لأن الواجب استقبال البناء (كالمؤكد): فلا يكفي استقبال الهواء لجهة السماء، وعلى هذا فلا يجوز النفل أيضاً، وقيل: لا بأس به، وفيه نظر.

(و) جاز (لمسافر سفر قصر) لا أقل (تنفل وإن) تنفل (بوتر) فأولى غيره (صوب): أي جهة (سفره إن ركب دابة): على ظهرها بل. (وإن بمحمل): بفتح الميم الأولى وكسر الثانية ما يركب فيه من محفة وشقدف ونحوهما مما يجلس فيه ويصلي متربعاً؛ فلجواز التنفل صوب السفر شروط: أن يكون السفر سفر قصر، وأن يكون راكباً لا ماشياً ولا جالساً، وأن يكون راكب دابة من حمار أو بغل أو فرس أو بعير لا سفينة أو رجل، وأن يكون ركوبه لها على المعتاد لا مقلوباً أو جاعلاً رجليه معاً لجنب واحد. وأخذ من قوله سفر قصر أنه لا بد أن يكون مأذوناً فيه شرعاً، فخرج العاصي بسفره.

وأشار لكيفية صلاة النفل في سفر القصر على الدابة بقوله: (يومئ): بعد أن يركع (بسجوده للأرض): ولا يسجد على قربوس السرج ولا على القتب. ويحسر عمامته كما قال اللخمي. ولا يشترط طهارة الأرض، وهذا إذا لم يمكنه السجود على نحو سطح ومحفة. وإلا صلى متربعاً بركوع وسجود، فإن انحرف لغير جهة سفره عامداً بلا ضرورة بطل نفله إلا لجهة القبلة لأنها الأصل. وجاز له وهو يصلي عليها أن يعمل ما لا بد له منه من ركض دابة ومسك عنانها وسوقها بسوط ونحوه، لا بكلام.

ثم صرح ببعض مفهوم دابة وهو السفينة لما فيه من الخلاف والتفصيل بقوله: (لا) إن ركب (سفينة) فلا يصلي فيها صوب سفره ولا بالإيماء، بل لجهة القبلة بركوع وسجود لتيسر التوجه للقبلة، والركوع والسجود فيها بخلاف الدابة، وحينئذ (فيستقبل) القبلة (ودار معها) أي مع دورانها إلى جهة القبلة إذا دارت لغيرها (إن أمكن) الدوران معها، فإن لم يمكن لضيق ونحوه صلى حيث توجهت به، ولا فرق في هذا بين نفل وفرض (لا فرض) أي لا يجوز ولا يصح فرض على ظهر الدابة (وإن مستقبلاً) للقبلة إلا في فروع أربعة. أشار لأولها بقوله:(إلا لالتحام) في قتال عدو كافر أو غيره

ــ

قوله: [وما مشى عليه الشيخ] إلخ: أي لأنه صرح بالجواز.

قوله: [وقيل: يعيد العامد] إلخ: ولكن الراجح الأولى.

قوله: [وبطل الفرض على ظهرها]: أي ولو كان بين يديه بعض بنائها.

قوله: [كالمؤكد]: أي على الراجح.

قوله: [وقيل: لا بأس به]: الحاصل أن في غير الفرض ثلاثة أقوال: الجواز مطلقاً، الجواز إن كان غير مؤكد، المنع مطلقاً، قال في الحاشية: وهذا الأخير أظهر الأقوال.

تنبيه: سكت المصنف عن حكم الصلاة تحت الكعبة في حفرة مثلاً. والحكم البطلان مطلقاً فرضاً أو نفلاً لأن ما تحت المسجد لا يعطى حكمه بحال، ألا ترى أنه يجوز للجنب الدخول تحته ولا يجوز له الطيران فوقه؟ كذا قرر شيخنا. اهـ. من حاشية الأصل.

قوله: [شروط]: أي خمسة.

قوله: [أو رجل]: أي للسنة

قوله: [لا مقلوباً] إلخ: أي إلا أن يوافق القبلة الأصلية كما يؤخذ مما يأتي.

قوله: [وأخذ من قوله سفر قصر] إلخ: أي فيؤخذ منه قيدان أن يكون أربعة برد لا أقل: وأن لا يكون سفر معصية، ووجه أخذ هذا الثاني أن المعدوم شرعاً كالمعدوم حساً.

قوله: [ولا يشترط طهارة الأرض]: وتقدم الفرق بين وجوب حسر العمامة، وعدم اشتراط طهارة الأرض بقوة الركن على الشرط والاختلاف في هذا الشرط.

قوله: [وإلا صلى متربعاً]: ولذلك قالوا: تجوز الصلاة فرضاً ونفلاً على الدابة بالركوع والسجود إذا أمكنه ذلك، وكان مستقبلاً للقبلة كذا ذكره سند في الطراز، وقال سحنون: لا يجزئ إيقاع الصلاة على الدابة قائماً وراكعاً وساجداً لدخوله على الفور، وما قاله سند هو الراجح كذا قرر شيخنا. اهـ. من حاشية الأصل.

قوله: [بلا ضرورة]: أي فإن كان انحرافه لضرورة كظنه أنها طريقه أو غلبته الدابة فلا شيء عليه، ولو وصل لمحل إقامته وهو في الصلاة نزل عنها إلا أن يكون الباقي يسيراً كالتشهد، وإلا فلا ينزل: عنها. وإذا نزل عنها أتم بالأرض مستقبلاً راكعاً وساجداً لا بالإيماء إلا على قول من يجوز الإيماء في النفل للصحيح غير المسافر، فيتم عليها بالإيماء والمراد محل إقامته الذي يقطع حكم السفر وإن لم يكن منزله.

قوله: [لما فيه من الخلاف]: الحاصل أنه وقع خلاف في المذهب، هل يصلي بالركوع والسجود في السفينة لغير القبلة، أو لا يصلي لغيرها أصلاً؟ وهل يجوز أن يتنفل في السفينة إيماء للقبلة، أو لا يجوز؟ المعول عليه ما قاله شارحنا من أنه لا يصلي بالإيماء ولا لغير القبلة لا في فرض ولا في نفل.

قوله: [فإن لم يمكن] إلخ: أي فيسقط عنه الاستقبال عند العجز بل السجود أيضاً لا فرق بين فرض ونفل.

قوله: [ولا يصح فرض] إلخ: محل البطلان إذا كان يصلي على الدابة بالإيماء أو ركوع وسجود من جلوس وهو يقدر على القيام. وأما لو صلى على الدابة قائماً بركوع وسجود مستقبلاً للقبلة أو عاجزاً عن القيام كانت صحيحة على المعتمد، كما تقدم عن سند، وكما

ص: 109

من كل قتال جائز لا يمكن النزول فيه عن الدابة، فيصلي الفرض على ظهرها إيماء للقبلة إن أمكن. وإلى ثانيها بقوله:(أو خوف) من ك (سبع) أو لص إن نزل عن دابته (فلها) أي فيصلي الفرض على ظهرها إيماء للقبلة (إن أمكن) وإلا صلى لغيرها، (وإن أمن) أي حصل له أمان بعد صلاته (أعاد الخائف): من كسبع (بوقت) دون الملتحم. وأشار لثالثها بقوله: (وإلا) راكباً (لخضخاض) أي فيه (لا يطيق النزول به): أي فيه.

(وخاف خروج الوقت) الاختياري فأولى الضروري فيصلي الفرض على الدابة إيماء، وهذا القيد زدناه عليه، فإن لم يخف خروجه أخر لآخر الاختياري. وأشار لرابعها بقوله:(وإلا لمرض) بالراكب لا يطيق النزول معه.

(و) الحال أنه (يؤديها عليها): أي على الدابة (كالأرض) أي كما يؤديها على الأرض بالإيماء فيجوز له أن يؤديها على دابته إيماء للقبلة بعد أن توقف به، فإذا كان يؤديها بالأرض بأكمل مما على ظهر الدابة وجب تأديها بالأرض (والذي ينبغي في هذا) الفرع الأخير (الأرض) أي تأديتها بالأرض يحتمل وجوباً ويحتمل ندباً قال فيها: لا يعجبني تأديتها على الدابة، فقال اللخمي: أي يكره، وقال ابن رشد أي يمنع، فقول الشيخ وفيها كراهة الأخير معترض، والله أعلم [1].

(فصل): في بيان فرائض الصلاة؛ أي أركانها التي تتركب هي منها، وما يتعلق بها من الأحكام.

(فرائض الصلاة) أربع عشرة فريضة أولها:

(نيتها): أي الصلاة المخصوصة. فلا بد من قصد تعيينها من ظهر أو عصر. وإنما يجب التعيين في الفرائض والسنن كالوتر والعيد وكذا الفجر، دون غيرها من النوافل؛ كالضحى والرواتب والتهجد فيكفي فيه نية مطلق نفل، وينصرف للضحى إن كان قبل الزوال وهكذا. والنية: قصد الشيء. ومحلها القلب.

(وجاز التلفظ بها):

ــ

يأتي في مسألة المريض.

قوله: [من كل قتال جائز]: أي لأجل الدفع عن نفس أو مال أو حريم.

قوله: [إن أمكن] إلخ: قال عبد الحق: الخائف من سباع ونحوها على ثلاثة أوجه: موقن بانكشاف الخوف قبل خروج الوقت، ويائس من انكشافه قبل مضي الوقت، وراج انكشافه قبل خروجه؛ فالأول يؤخر الصلاة على الدابة لآخر الوقت المختار والثاني يصلي عليها أوله. والثالث يؤخر الصلاة عليها لوسطه.

قوله: [بوقت]: وهو كما تقدم للاصفرار في الظهرين وللفجر في العشاءين وللطلوع في الصبح.

قوله: [دون الملتحم]: أي وأما الملتحم فلا إعادة عليه ولو تبين عدم ما يخاف منه، والفرق بين الخائف من كسبع والملتحم ورود النص فيه وغيره مقيس عليه. قوله:[وإلا راكباً لخضخاض]: لا فرق بين كونه مسافراً أو حاضراً.

قوله: [لا يطيق النزول به]: أي أو خشي تلطخ ثيابه كما نقله الحطاب عن ابن ناجي.

قوله: [وقال ابن رشد أي يمنع]: ورجحه بعضهم. لكن تأول المدونة ابن ناجي بتأويل آخر، فقال: معنى قولها لا يعجبني إذا صلى حيثما توجهت به الدابة، وأما لو وقفت له واستقبل بها القبلة لجاز. وهو وفاق قاله ابن يونس. اهـ. من حاشية الأصل نقلاً عن (بن)

فصل بيان في فرائض الصلاة

لما أنهى الكلام على شروط الصلاة الخارجة عن ماهيتها، شرع في الكلام على فرائضها المعبر عنها بالأركان الداخلة في ماهيتها متبعاً ذلك بذكر سننها ومندوباتها وما يتعلق بذلك. فقال:[فرائض الصلاة] إلخ: وإضافة فرائض للصلاة من إضافة الجزء للكل، لأن الفرائض بعض الصلاة؛ لأن الصلاة هيئة مجتمعة من فرائض وغيرها. والمراد: الصلاة ولو نفلاً، ويصرف كل فرض إلى ما يليق به فإن القيام في الفاتحة ولتكبيرة الإحرام واجب في الفرض دون النفل.

قوله: [وما يتعلق بها من الأحكام]: أي من سنن وفضائل ومكروهات ومبطلات.

قوله: [أربع عشرة]: أي وفاقاً وخلافاً؛ أي لأن الطمأنينة والاعتدال وقع فيهما خلاف.

قوله: [وإنما يجب التعيين] إلخ: في (ح) عن ابن رشد أن التعيين لها يتضمن الوجوب والأداء والقربة. فهو يغني عن الثلاثة لكن استحضار الأمور الأربعة أكمل. ولا يشترط في التعيين نية اليوم. وما يأتي في الفوائت من أنه إذا علمها دون يومها صلاها ناوياً له فلكون سلطان وقتها فات، فاحتيج في تعيينها لملاحظة اليوم. وأما الوقت الحال فلا يقبل الاشتراك. ولا يكفي في الفرائض نية مطلق الفرض، ولا في السنة نية مطلق السنة، فإن أراد صلاة الظهر وقال: نويت صلاة الفرض، ولم يلاحظ أنه الظهر كانت باطلة. وكذا يقال في السنة. ويستثنى من قولهم:(لا بد في الفرائض من التعيين) نية الجمعة عن الظهر، فإنها تجزي على المشهور بخلاف العكس. والحاصل أن من ظن أن الظهر جمعة فنواها أو ظن أن الجمعة ظهر فنواه فيه ثلاثة أقوال: البطلان فيهما، والصحة فيهما، والمشهور التفصيل: إن نوى الجمعة فتبين الظهر أجزأ دون العكس ووجهوه بأن شروط الجمعة أكثر من شروط الظهر، ونية الأخص تستلزم نية الأعم بخلاف العكس، ولا يخلو عن تسمح فإن الجمعة ركعتان والظهر أربع، فلا خصوص ولا عموم بينهما فتأمل.

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

زاد بعدها في ط المعارف: (فصل: في فرائض الصلاة وسننها ومندوباتها ومكروهاتها ومبطلاتها).

ص: 110

والأولى تركه في صلاة أو غيرها وهي فرض في كل عبادة.

(وعزوبها): أي ذهابها من القلب بعد استحضارها عند تكبيرة الإحرام، (مغتفر) غير مبطل لها ولو بتفكر في أمر دنيوي بخلاف رفضها فمبطل.

(كعدم نية الأداء) إن كانت أداء، (أو) عدم نية (القضاء) إن كانت قضاء، فإنه مغتفر إذ لا يشترط لصحتها نية أداء أو قضاء وإن كان الأولى ملاحظة ذلك (أو) عدم نية (عدد الركعات) فإنه مغتفر، إذ لا يشترط أن يلاحظ أربع ركعات مثلاً، فالظهر في وقته مثلاً يتضمن أنه أربع ركعات وأنه أداء، وخارج وقته يتضمن أنه قضاء، بل إذا كان غافلاً عن الأداء مثلاً أو جاهلاً بوصفها بذلك فهي صحيحة.

(و) ثانيها: (تكبيرة الإحرام) على كل مصل ولو مأموماً، فلا يتحملها الإمام عنه فرضاً أو نفلاً، (وإنما يجزئ: الله أكبر) بلا فصل بين المبتدأ والخبر بكلمة أخرى ولا بسكوت طويل، ولا يجزئ مرادفها بعربية ولا عجمية، فإن عجز عن النطق بها سقطت ككل فرض، وإن قدر على الإتيان ببعضها أتى به إن كان له معنى وإلا فلا. ولا يضر إبدال الهمزة من أكبر واواً

ــ

تنبيهان:

الأول: قال خليل: وجاز له دخول على ما أحرم به الإمام. قال الأصل في شرحه ذلك محمول على صورتين فقط على التحقيق؛ الأولى أن يجد المأموم إماماً ولم يدر أهو في الجمعة أو في صلاة الظهر فينوي ما أحرم به الإمام فيجزيه ما تبين منهما. الثانية أن يجد إماماً ولم يدر أهو مسافر أم مقيم فأحرم بما أحرم به الإمام، فيجزيه ما تبين من سفرية أو حضرية، لكن إن كان المأموم مقيماً فإنه يتم بعد سلام إمامه المسافر، ويلزمه إن كان مسافراً متابعة إمامه المقيم.

الثاني: تبطل الصلاة بسبق النية إن كثر، وإلا فخلاف. فالبطلان بناء على اشتراط المقارنة وعدمه بناء على عدم الاشتراط، قال في المجموع وسبقها بيسير مغتفر على المختار.

قوله: [والأولى تركه]: يستثنى الموسوس فيستحب له التلفظ ليذهب عنه اللبس كما في المواق، وما قاله الشارح هو الذي حل به بهرام كلام خليل تبعاً لأبي الحسن والتوضيح. وقيل إن التلفظ وعدمه على حد سواء.

تنبيه: إن خالف لفظه نيته فالعبرة بالنية إن وقع ذلك سهواً وأما عمداً فمتلاعب تبطل صلاته.

قوله: [في أمر دنيوي]: أي لا فرق بين كون الشاغل عن استصحابها تفكره بدنيوي أو أخروي، متقدماً عن الصلاة أو طارئاً عليها.

قوله: [فمبطل]: أي إن وقع في الأثناء اتفاقاً. وعلى أحد مرجحين: إن وقع بعد الفراغ وتقدم الكلام في ذلك.

قوله: [كعدم نية الأداء] إلخ: وناب أحدهما عن الآخر إن اتحدا ولم يتعمد. وأما لو لم يتحدا فلا، كمن صلى الظهر أياماً قبل وقته، فلا يكون ظهر يوم قضاء عما قبله وبعده أجزأ، ولو ظنه أداء. وصيام أسير رمضان سنين في شعبان كالأول، وفي شوال كالثاني. اهـ. من المجموع.

قوله: [الإحرام]: أصل الإحرام الدخول في حرمات الصلاة، ثم نقل لفظ الإحرام للنية أو لمجموع النية والتكبير، لأن المصلي يدخل بهما في حرمات الصلاة. وإضافة التكبير للإحرام إما من إضافة الجزء للكل - إن قلنا إن الإحرام عبارة عن النية والتكبير - أو من إضافة الشيء إلى مصاحبه إن قلنا إنه النية فقط. قال شيخنا في حاشية مجموعه: المناسب لحديث: «تحريمها التكبير» أن الإضافة بيانية فإذا كبر فتكبيره إحرام أي دخول في حرمات الصلاة فيحرم عليه كل ما نافاها. اهـ.

تنبيه: الصلاة مركبة من أقوال وأفعال فجميع أقوالها ليست بفرائض إلا ثلاثة: تكبيرة الإحرام، والفاتحة، والسلام. وجميع أفعالها فرائض إلا ثلاثة: رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، والجلوس للتشهد، والتيامن بالسلام. اهـ من الأصل.

قوله: [على كل مصل] إلخ: فلو صلى وحده أو كان مأموماً ثم شك في تكبيرة الإحرام، فإن كان شكه قبل أن يركع كبرها بغير سلام ثم استأنف القراءة، وإن كان بعد أن ركع، فقال ابن القاسم: يقطع ويبتدئ، وإذا تذكر بعد شكه أنه كان أحرم، جرى على من شك في صلاته ثم بان الطهر. وإن كان الشاك إماماً فقال سحنون: يمضي في صلاته، وإذا سلم سألهم، فإن قالوا، أحرمت رجع لقولهم وإن شكوا أعاد جميعهم. اهـ. من الحاشية.

قوله: [فلا يتحملها الإمام] إلخ: أي لأن الأصل في الفرائض عدم الحمل جاءت السنة بحمل الفاتحة وبقي ما عداها على الأصل.

قوله: [وإنما يجزئ الله أكبر]: لما كان معنى التكبير التعظيم، فيتوهم إجزاء كل ما دل على ذلك، بين انحصار المجزئ منه بقوله إنما يجزئ إلخ.

قوله: [بلا فصل] إلخ: قال في الأصل ولا يضر زيادة واو قبل "أكبر". اهـ. وقد تعقب ذلك بعضهم بقوله: الظاهر أنه مضر إذ لا يعطف الخبر على المبتدأ على أن اللفظ متعبد به. .اهـ. من حاشية الأصل.

قوله: [سقطت] إلخ: فلو أتى بمرادفها لم تبطل فيما يظهر.

قوله: [إن كان له معنى]: أي لا يبطل الصلاة سواء دل على ذات الله - كلفظ الجلالة - أو على صفة من صفاته

ص: 111

لمن لغته ذلك.

(و) ثالثها: (القيام لها في الفرض): فلا يجزئ فيه من جلوس ولا في حالة انحناء، بل حتى يستقل قائمًا. وقولنا: في الفرض زدناه لإخراج النفل لجواز صلاته من جلوس. لكن لو كبر فيه جالساً وقام فأتمه من قيام هل يجزي وهو الظاهر لأنه يجوز فيه صلاة ركعة من قيام، وأخرى من جلوس. واستثنى من مقدر تقديره: من كل مصل، قوله (إلا لمسبوق) وجد الإمام راكعاً و (كبر منحطاً) أي حال انحطاطه للركوع وأدرك الركعة، بأن وضع يديه على ركبتيه قبل استقلال الإمام قائماً، فالصلاة صحيحة وسواء ابتدأها من قيام وأتمها حال الانحطاط أو بعده بلا فصل طويل، أو ابتدأها حال الانحطاط كذلك. وهذا إذا نوى بها الإحرام أو هو والركوع أو لم يلاحظ شيئاً منهما، أما إذا نوى به تكبيرة الركوع فقط، فلا يجزئ كما سيأتي.

وإنما الكلام في الركعة المدركة هل يعتد بها أو لا؟ أشار لذلك بقوله: (وفي الاعتداد بالركعة) المدركة مع الإمام (إن ابتدأها): أي التكبيرة حال كونه (قائماً) وأتمها حال انحطاطه أو بعده بلا فصل وعدم الاعتداد بها (تأويلان). وأما لو ابتدأ التكبيرة حال انحطاطه لم يعتد بها اتفاقاً كما لو شك في إدراكها، وانظر ما وجهه وما وجه التأويل الثاني مع أنه أدرك الركعة والصلاة صحيحة، وقد اغتفر للمسبوق تكبيره في هذه الحالة وكون الانحطاط مما يؤثر في الركعة دون الصلاة مما لا وجه له، والله أعلم بحقيقة الحال.

(و) رابعها: (فاتحة): أي قراءتها (بحركة لسان) وإن لم يسمع نفسه [1]

ــ

مثل: بر بمعنى محسن. وأما إن دل على معنى يبطل الصلاة فإنه لا ينطق به مثل: كبر أو كر، أو كان لا معنى له أصلاً كالحروف المفردة. وهذه طريقة الأجهوري، وقال الشيخ سالم: إذا لم يقدر إلا على البعض فلا يأتي به وأطلق.

قوله: [لمن لغته ذلك]: أي كالعوام ولا بد فيها من المد الطبيعي وهو حركتان، فإن زاد فقالت الشافعية: يغتفر أقصى ما قيل به عند القراء، ولو على شذوذ وهو أربع عشرة حركة. وكذلك لا يضر إشباع الباء وتضعيف الراء، وأما نية أكبار: جمع كبر وهو الطبل الكبير، فكفر وليحذر من مد همزة الجلالة فيصير كالمستفهم، وأما زيادة واو في ابتداء التكبير فتوهم القسم والعطف على محذوف فالظاهر البطلان.

قوله: [بل حتى يستقل قائماً]: أي فلو أتى بها قائماً مستنداً لعماد - بحيث لو أزيل العماد لسقط - فلا تجزئ.

قوله: [إلا لمسبوق] إلخ: حاصل صور المسبوق المأخوذة من المصنف والشرح منطوقاً ومفهوماً اثنتان وثلاثون صورة منها اثنتا عشرة - الصلاة صحيحة، وعشرون الصلاة فيها باطلة. وهي أن تقول: إذا وجد الإمام راكعاً، إما أن يبتدئها من قيام ويتمها حال الانحطاط، أو بعده. أو يبتدئها في حال الانحطاط ويتمها أو بعده. فهذه أربع صور. وفي كل منها: إما أن ينوي بها الإحرام، أو هو والركوع، أو لم يلاحظ شيئاً، أو الركوع فقط فهذه ستة عشر. وفي كل: إما أن يحصل فصل أو لا فهذه اثنتان وثلاثون. إن حصل فصل فالصلاة باطلة في ست عشرة، أو نوى بالتكبير الركوع فقط فباطلة أيضاً في أربعة، يبقى اثنتا عشرة صحيحة.

قوله: [وفي الاعتداد] إلخ: أي فمحل التأويلين في ست صور من اثنتي عشرة، وعدم الاعتداد بالركعة اتفاقاً في الست الباقية ويضم لتلك الست ما لو شك في إدراكها، سواء ابتدأها من قيام وأتمها حال القيام أو حال الانحطاط أو بعده أو ابتدأها من الانحطاط وأتمها حال الانحطاط أو بعده، ولم يحصل فصل، فهذه خمس سواء نوى الإحرام فقط، أو الإحرام والركوع أو لم يلاحظ شيئاً. فقد دخل تحت الشك خمس عشرة صورة فجملة الصور التي تلغى فيها الركعة اتفاقاً إحدى وعشرون صورة.

قوله: [وانظر ما وجهه] إلخ: قال في حاشية الأصل: وإنما صحت الصلاة مع عدم الاعتداد بالركعة التي وقع فيها الإحرام، إما اتفاقاً أو على أحد التأويلين. مع أن عدم الاعتداد بها إنما هو للخلل الواقع في الإحرام. فكان الواجب عدم صحة الصلاة للخلل الواقع في إحرامها بترك القيام له، لأن الإحرام من أركان الصلاة لا من أركان الركعة، لأنه لما حصل القيام في الركعة التالية لهذه الركعة فكأن الإحرام حصل حال قيام تلك الركعة التالية فتكون أول صلاته، والشرط الذي هو القيام - مقارن للمشروط وهو التكبير حكماً. وهذا بخلاف الركعة التي أحرم في ركوعها، فإن الشرط لم يقارن فيها المشروط لا حقيقة ولا حكماً لعدم وجوده كذا قال المازري. قال المسناوي: ولا يخفى ما فيه من البعد وقد يقال إنما حكموا بصحة الصلاة مراعاة لقول من يقول: إن القيام لتكبيرة الإحرام غير فرض بالنسبة للمسبوق وعدم الاعتداد بالركعة إنما جاء للخلل في ركوعها حيث أدمج الفرضين الثاني في الأول قبل أن يفرغ منه، لأنه شرع في الثاني قبل تمام التكبير، وعلى هذا فالقيام للتكبير إنما وجب لأجل أن يصح له الركوع فتدرك الركعة. اهـ. (بن).

قوله: [أي قراءتها]: إنما قدر ذلك لأنه لا تكليف إلا بفعل.

قوله: [بحركة لسان]: احترز به عما إذا أجراها على قلبه فإنه لا يكفي.

قوله: [وإن لم يسمع نفسه]: ولكن الأولى

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

ليست في ط المعارف.

ص: 112

(لإمام، وفذ) أي منفرد - لا مأموم - لأن الإمام يحملها عنه دون سائر الفرائض، (فيجب) على المكلف (تعلمها): أي الفاتحة ليؤدي صلاته بها (إن أمكن) التعلم بأن قبله، ووجد معلماً ولو بأجرة أو في أزمنة طويلة، (وإلا) يمكن التعلم - لخرس ونحوه، أو لم يجد معلماً أو ضاق الوقت - (ائتم) وجوباً (بمن يحسنها إن وجده)، وتبطل إن تركه (وإلا) يجده صلى فذاً.

و(ندب)[1] له (فصل بين تكبيره) للإحرام (وركوعه) بسكوت أو ذكر وهو أولى، ونكر فصل ليشمل القليل والكثير، ولا يجب عليه أن يأتي بذكر بدلها فإن لم يقدر على التكبير لخرس دخل بالنية وسقط عنه. ثم إن الفاتحة تجب في كل على المشهور، وقيل تجب في الجل ففي الرباعية تجب في ثلاثة، وفي الثلاثية في ركعتين، وتسن في ركعة لكن لا كسائر السنن لاتفاق القولين على أن تركها عمداً أو بعضها مبطل. (فإن سها عنها أو عن بعضها في ركعة): أي تركها أو بعضها سهواً ولو أقل من آية ولم يمكن التدارك بأن ركع، (سجد) سجود السهو لذلك قبل سلامه ولو على القول بوجوبها في كل ركعة مراعاة لمن يقول بوجوبها في الجل، ولا إعادة عليه، فإن أمكن التدارك بأن تذكر قبل ركوعه وجب عليه وإلا بطلت (كركعتين)، أي كما لو تركها سهواً في ركعتين أو في ركعة من ثنائية، فإنه يتمادى ولا يقطع وسجد للسهو قبل السلام (وأعادها) أي احتياطاً

ــ

مراعاة الخلاف، فإن الشافعي يوجب إسماع النفس. وفي الخرشي نقلاً عن الأجهوري: أنه يجب قراءتها ملحونة بناء على أن اللحن لا يبطل الصلاة. قال في الحاشية: وهو استظهار بعيد، إذ القراءة الملحونة لا تعد قراءة، فصاحبها ينزل منزلة العاجز. وينبغي أن يقال: إذا كان يلحن في بعض دون بعض فإنه يقرأ ما لا يلحن فيه، ويترك ما يلحن فيه. وهذا إذا كان ما يلحن فيه متوالياً وإلا فالأظهر أن يترك الكل.

قوله: [لإمام وفذ]: أي سواء كانت الصلاة فريضة أو نافلة، جهرية أو سرية.

قوله: [لا مأموم]: أي خلافاً لابن العربي القائل بلزومها للمأموم في السرية. والمعتمد عدم لزومها وإنما تستحب قراءتها له فقط.

قوله: [دون سائر الفرائض]: أي فلا يحمل الإمام شيئاً منها فعلية أو قولية.

قوله: [إن أمكن] إلخ: فإن فرط في التعلم مع إمكانه قضى من الصلوات بعد تعلمها ما صلاه فذاً في الأزمنة التي فرط فيها.

قوله: [لخرس]: ظاهره أن الخرس يوجب الائتمام، لكن قال في المجموع فيجب تعلمها إن أمكن، وإلا ائتم وجوباً غير الأخرس.

قوله: [وتبطل إن تركه]: أي لتركه واجباً وهو قراءة الفاتحة لكونه لا يتوصل لها إلا بالإمام، فإذا تركه ترك الواجب مع الإمكان.

قوله: [صلى فذاً]: أي فلو عجز عن التعلم والائتمام وشرع في الصلاة منفرداً فطرأ عليه قارئ، أو طرأ عليه العلم بها لم يقطع ويتمها كعاجز عن القيام قدر عليه في أثنائها.

قوله: [وهو أولى]: أي لما فيه من مراعاة من يقول بوجوب البدل، فإن لم يفصل وركع أجزأه. فالحاصل أن الفصل مندوب وكونه بذكر مندوب آخر وكونه بشيء من القرآن أولى من غيره من الأذكار.

قوله: [ليشمل القليل والكثير]: أي خلافاً لابن مسلمة المقيد له بكونه يقف قدر الفاتحة وسورة معها.

قوله: [ولا يجب عليه] إلخ: أي كما هو قول القاضي عبد الوهاب خلافاً لمحمد بن سحنون.

قوله: [فإن لم يقدر على التكبير] إلخ: هذا مبني على ما مشى عليه شارحنا من أن الأخرس يجب عليه الائتمام، كالذي لا يقبل التعلم. فاستشعر سؤال سائل يقول له: ما يصنع في تكبيرة الإحرام؟ فأجاب بما ذكر.

قوله: [ثم إن الفاتحة] إلخ: اعلم أنه وقع في المذهب خلاف في وجوب الفاتحة في الصلاة وعدم وجوبها فيها. فقيل: لا تجب في شيء من الركعات: بل هي سنة في كل ركعة، لحمل الإمام لها وهو لا يحمل فرضاً، وبه قال ابن شبلون ورواه الواقدي عن مالك، وقيل إنها تجب عليه. واختلف في مقدار ما تجب فيه من الركعات على أقوال أربعة: فقيل في كل الركعة وهو الراجح، وقيل في الجل وسنة في الأقل. وقيل واجبة في ركعة وسنة في الباقي. وقيل في النصف اقتصر الشارح على القولين المشهورين، لأن القول بوجوبها في كل ركعة قول مالك في المدونة، وشهره ابن بشير وابن الحاجب وعبد الوهاب وابن عبد البر. والقول بوجوبها في الجل رجع إليه مالك وشهره ابن عسكر في الإرشاد، وقال القرافي هو ظاهر المذهب.

قوله: [وقيل تجب في الجل]: أي فيما لها جل فيتفق القولان على وجوبها في جميع الثنائية، وإنما اختلاف القولين في الرباعية والثلاثية.

قوله: [على أن تركها عمداً] إلخ: أي ولو في ركعة ولم يراع خلاف اللخمي لضعفه، فإنه قال: لا تبطل إذا تركها في ركعة ويسجد قبل السلام وهو ضعيف. إذ المعتمد أنه لا سجود للعمد، وإنما اتفق القولان لكونها سنة شهرت فرضيتها.

قوله: [فإن سها عنها] إلخ: هذا مرتب على كل من القولين السابقين.

قوله: [بأن ركع]: أي فالتدارك يفوت بمجرد الانحناء لما يلزم عليه من رجوع من فرض متفق عليه وهو الركوع إلى ما اختلف فيه بالسنية.

قوله: [قبل سلامه]: أي ولا يأتي بركعة بدل ركعة النقص.

قوله: [ولا إعادة عليه]: هو قول في المسألة. ولكن ظاهر المذهب أنه إذا ترك الفاتحة كلاً أو بعضاً، سهواً من الأقل - كركعة من الرباعية أو الثلاثية - فإنه يسجد قبل السلام ثم يعيد تلك الصلاة احتياطاً،

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

في ط المعارف: (ندب).

ص: 113

أبداً على المشهور. (و) إن تركها أو بعضها (عمداً) ولو في ركعة (بطلت) صلاته (كأن لم يسجد): أي كما تبطل إذا لم يسجد لسهوه فيما إذا تركها أو بعضها سهواً حتى طال الزمن.

(و) خامسها: (قيام لها) أي للفاتحة (بفرض): فإن جلس أو انحنى حال قراءتها بطلت. وكذا لو استند إلى شيء بحيث لو أزيل ما استند إليه سقط.

(و) سادسها: (ركوع من قيام) في الفرض أو النفل الذي صلاه من قيام، فلو جلس فركع لم تصح (تقرب راحتاه) تثنية راحة وهي الكف والجمع راح بلا تاء (فيه) أي في الركوع (من ركبتيه) لو وضعهما؛ أي أن الركوع الواجب هو الانحناء بحيث لو وضع كفيه لكانتا على رأس الفخذين مما يلي الركبتين، فيكون الرأس أرفع من العجيزة فيه، وأما مجرد تطأطؤ الرأس فليس بركوع بل إيماء. وأما تسوية الظهر فمندوب زائد على الوجوب لتمكين اليدين من الركبتين كما يأتي.

(و) سابعها (رفع منه): أي من الركوع فإذا لم يرفع بطلت.

(و) ثامنها: (سجود على أيسر جزء) أي على أقل جزء تيسر (من جبهته) وهو ما فوق الحاجبين وبين الجبينين. (وندب) السجود (على أنف [1]): وقيل يجب (وأعاد) الصلاة

ــ

وهو الذي اختاره في الرسالة وهو المشهور فيمن تركها من الجل أو النصف. فتحصل أن من ترك الفاتحة سهواً إما أن يتركها من الأقل أو النصف أو الجل، فالمشهور في ذلك كله أنه يتمادى حيث فاته التدارك بالركوع من ركعتها، ويسجد قبل السلام ويعيد أبداً وجوباً كما قال (ر) رداً على الأجهوري والتتائي من قولهما: إن الإعادة في الوقت كما يؤخذ من المجموع وحاشيته.

قوله: [أبداً]: أي وجوباً كما علمت.

قوله: [بطلت صلاته]: أي ولو على القول بالسنية لما علمت من أنها ليست كسائر السنن.

قوله: [حتى طال الزمن]: أي بالعرف أو الخروج من المسجد. وإنما بطلت بترك السجود لها لما سيأتي أن من مبطلات الصلاة ترك السجود القبلي المترتب عن ثلاث سنن فما هنا أولى.

قوله: [قيام لها]: أي لأجلها في حق إمام وفذ، فليس بفرض مستقل على المعتمد. وعليه فلو عجز عنها سقط القيام، فإن عجز عن القيام لبعضها وقدر على القيام للبعض الآخر، فهل يسقط عنه القيام لما يقدر عليه ويأتي بها كلها من جلوس؟ أو يأتي بما يقدر عليه قائماً ويجلس في غيره؟ قولان مشهورهما الثاني. وأما المأموم فلا يجب عليه القيام لها، فلو استند حال قراءتها لعماد بحيث لو أزيل لسقط صحت صلاته. والحاصل أنه لما جاز له ترك القراءة خلف الإمام، جاز له ترك القيام من حيث عدم وجوب القراءة عليه، وإن بطلت عليه صلاته بجلوسه حال قراءتها، ثم قيامه للركوع لكثير الفعل لا لمخالفته للإمام، كما قيل لصحة اقتداء الجالس بالقائم. اهـ. من حاشية الأصل.

قوله: [ركوع من قيام]: أي فلا تتم حقيقة الركوع إلا بالانحطاط من قيام. أما في الفرض فظاهر وأما في النفل فلكونه ابتدأ تلك الركعة من قيام، فلو جلس وركع لكان متلاعباً.

قوله: [تقرب راحتاه]: هذا مبني على أن وضع اليدين على الفخذين في الركوع ليس بشرط، بل مستحب فقط وهو الذي فهمه سند وأبو الحسن من المدونة، خلافاً لما فهمه الباجي واللخمي من الوجوب.

قوله: [كتمكين اليدين]: أي فوضع اليدين مستحب والتمكين مستحب ثان، ورأى مالك التحديد في تفريق الأصابع وضمها بدعة، فإن قصرتا لم يزد على تسوية ظهره. ولو قطعت إحداهما وضع الأخرى على ركبتها -كما في الطراز- لا على الركبتين معاً كما قاله بعضهم.

قوله: [فإذا لم يرفع بطلت]: أي إن كان عمداً أو جهلاً كما يقع لكثير من العوام، وأما سهواً فيرجع محدودباً حتى يصل لحالة الركوع، ثم يرفع ويسجد بعد السلام. إلا المأموم فلا يسجد لحمل الإمام سهوه، فإن لم يرجع محدودباً ورجع قائماً أعاد صلاته كما قال ابن المواز، وهذا إذا كان رجوعه عمداً، فإن كان سهواً ألغى تلك الركعة ويسجد بعد السلام. اهـ. من حاشية الأصل.

قوله: [سجود]: عرفه بعضهم بأنه مس الأرض أو ما اتصل بها من ثابت بالجبهة اهـ. واحترز بقوله: أو ما اتصل بها، من نحو السرير المعلق في حبل مثلاً، وبقوله: من ثابت، عن الفراش المنفوش جداً، ودخل في الثابت السرير من خشب مثلاً لا من شريط، نعم أجازه بعضهم للمريض. وظاهر قوله: أو ما اتصل بها، وإن علا عن سطح ركبتيه فيشمل السجود على المفتاح، والسبحة ولو اتصلت به والمحفظة. ولكن الأكمل خلافه، هذا هو الأظهر مما في (عب) وغيره، وهو ما ذكره ابن عرفة. وحده الشافعية بارتفاع الأسافل وانحدار الأعالي، قالوا: ولا بد من التحامل وهو أن يلقي رأسه على ما سجد عليه؛ حتى لا يعد حاملاً لها، فلا يكفي الإمساس بمجرد الملاصقة. وليس معنى التحامل شد الجبهة على الأرض حتى يؤثر فيها كما يفعل الجهلة، وسيماهم في وجوههم من أثر السجود: الخشوع والخضوع. اهـ. بالمعنى من حاشية شيخنا على مجموعه.

قوله: [على أيسر جزء]: أي فلا يشترط إلصاق الجبهة بتمامها وإنما إلصاقها كلها مندوب.

قوله: [وهو ما فوق الحاجبين]: أي فالجبهة هنا مستدير ما بين الحاجبين إلى الناصية أي: مقدم الرأس، فلو سجد على أحد الجبينين لم يكف.

قوله: [وأعاد الصلاة] إلخ: أي سواء كان

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

في ط المعارف: (أنفه).

ص: 114

(لتركه): أي السجود على الأنف (بوقت) مراعاة لمن يقول بوجوبه.

(و) تاسعها: (جلوس بين السجدتين) فإن تركه عمداً أو سهواً ولم يمكن تداركه وطال بطلت وسيأتي تفصيل ذلك.

(و) عاشرها: (سلام) وهو آخر أركانها كما أن النية أولها.

(وإنما يجزئ: السلام عليكم) بالعربية وتعريفه بأل، وتقديمه على عليكم بلا فصل، وإلا لم يصح فإن تركه أو أتى بمناف قبله بطلت.

(و) حادي عشرها: (جلوس له) أي لسلامه فلا يصح من قيام ولا اضطجاع.

(و) ثاني عشرها: (طمأنينة) وهي استقرار الأعضاء زمناً ما، في جميع أركانها.

(و) ثالث عشرها (اعتدال) بعد ركوعه وسجوده وحال سلامه وتكبيره للإحرام، ولا يكفي الانحناء في ذلك.

(و) رابع عشرها: (ترتيبها) أي الصلاة بأن يقدم النية على تكبيرة الإحرام، وهي على الفاتحة، وهي على الركوع، وهو مع الرفع منه على السجود، وهو على السلام.

ولما فرغ من فرائضها شرع في بيان سننها فقال:

(وسننها): أي الصلاة أربعة عشر:

ــ

الترك عمداً أو سهواً والمراد في الظهرين للاصفرار وفي غيرهما للطلوع خلافاً لمن قال: الوقت الاختياري.

قوله: [جلوس بين السجدتين]: وهو معنى قول خليل: "ورفع منه". قال المازري: أما الفصل بين السجدتين فواجب اتفاقاً، لأن السجدة وإن طالت لا يتصور أن تكون سجدتين فلا بد من فصل السجدتين حتى يكونا اثنتين اهـ. ونحوه في التوضيح، وهذا الاتفاق لا يعارض قول ابن عرفة نقلاً عن الباجي في كون الجلسة بين السجدتين فرضاً أو سنة، خلاف اهـ. لما في التتائي أن الخلاف في الاعتدال لا في أصل الفصل بينهما وهو حسن. اهـ. من حاشية الأصل نقلاً عن البناني.

قوله: [فإن تركه] إلخ: هذا لا يخص الجلوس بين السجدتين بل في كل الأركان.

قوله: [وتعريفه بأل]: أي وفي إجزاء أم بدلها لحمير -الذين يبدلونها بها- قولان، والمعتمد عدم الإجزاء حيث أمكنهم النطق بأل، وأما إن أتى به منوناً فلا يجزي إن كان خالياً من أل، وأما إن كان مقروناً بها فجزم بعضهم بالصحة، وقال التتائي: ينبغي إجراؤه على اللحن في القراءة في الصلاة.

قوله: [وتقديمه]: أي فلا بد من هذا اللفظ فلو أسقط الميم من أحد اللفظين لم يجزه فلا بد من صيغة الجمع سواء كان المصلي إماماً أو مأموماً أو فذاً، إذ لا يخلو من جماعة من الملائكة مصاحبين له أقلهم الحفظة. ولا يضر زيادة: ورحمة الله وبركاته. وفي المجموع: الأولى تركها. وهذا كله في القادر، وأما العاجز فيجب عليه الخروج بالنية قطعاً. وإن أتى بمرادفها بالعجمية فذكر الأجهوري أن الصلاة تبطل، والذي استظهره بعض الأشياخ الصحة قياساً على الدعاء بالعجمية للقادر على العربية. قاله في الحاشية.

قوله: [بطلت]: كما لو قصد الخروج من الصلاة بالحدث أو بغيره من المنافيات كالأكل والشرب، قال الباجي: ووقع لابن القاسم من أحدث في آخر صلاته أجزأته، قاله ابن زرقون وهذا مردود نقلاً ومعنى.

تنبيه: وقع خلاف: هل يشترط أن يجدد نية للخروج من الصلاة بالسلام لأجل أن يتميز عن جنسه كافتقار تكبيرة الإحرام إليها لتمييزها عن غيرها فلو سلم من غير تجديد نية لم يجزه؟ قال سند وهو ظاهر المذهب أو لا يشترط ذلك وإنما تندب فقط لانسحاب النية الأولى، قال ابن الفاكهاني: وهو المشهور. وكلام ابن عرفة يفيد أنه المعتمد فلذلك سكت المصنف عن الاشتراط.

قوله: [جلوس له]: أي لأجل إيقاع السلام، فالجزء الأخير من الجلوس الذي يوقع فيه السلام هو الفرض، وما قبله السنة فلا يلزم إيقاع فرض في سنة، فلو رفع رأسه من السجود واعتدل جالساً وسلم كان ذلك الجلوس هو الواجب وفاتته السنة.

قوله: [فلا يصح من قيام]: أي فلو أتى به في حال القيام بطلت باتفاق ولا يقاس على تكبيرة الإحرام للمسبوق، لأن المسبوق محرص على الدخول في العبادة، فاغتفر له ترك القيام لها، وأما المسلم فخارج عن العبادة فلا يغتفر له ترك الجلوس.

قوله: [طمأنينة]: اعلم أن القول بفرضيتها صححه ابن الحاجب، والمشهور من المذهب أنها سنة ولذا قال زروق: من ترك الطمأنينة أعاد في الوقت على المشهور، وقيل إنها فضيلة. اهـ. من حاشية الأصل.

قوله: [اعتدال] إلخ: أي فبين الاعتدال والطمأنينة عموم وخصوص من وجه باعتبار التحقق، وإن تخالفا في المفهوم فيوجدان معاً إذا نصب قامته في القيام أو في الجلوس، وبقي حتى استقرت أعضاؤه في محالها زمناً ما. ويوجد الاعتدال فقط إذا نصب قامته في القيام أو في الجلوس ولم تستقر أعضاؤه وتوجد الطمأنينة فقط فيمن استقرت أعضاؤه في غير القيام والجلوس كالركوع والسجود.

قوله: [ولا يكفي الانحناء في ذلك]: أي على مشهور المذهب، وقول خليل:"والأكثر على نفيه" ضعيف كما في الشبرخيتي.

قوله: [ترتيبها] إلخ: أي الفرائض في أنفسها وأما ترتيب السنن في أنفسها أو مع الفرائض فليس بواجب لأنه لو قدم السورة على الفاتحة لم تبطل

ص: 115

أولها (قراءة آية): وإتمام السورة مندوب. ويقوم مقام الآية بعض آية طويلة له بال نحو: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} [البقرة: 255](بعد الفاتحة): لا قبلها فلا يكفي (في) الركعة (الأولى والثانية)، وإنما يسن ما زاد على أم القرآن فيهما إذا اتسع الوقت، فإن ضاق بحيث يخشى خروجه بقراءتها لم تسن، بل يجب تركها لإدراكه.

(و) ثانيها: (قيام لها): أي للآية الزائدة على الفاتحة؛ لأن حكم الظرف حكم المظروف فلو استند لشيء حال قراءتها بحيث لو أزيل لسقط لم تبطل، لا إن جلس فقرأها جالساً، فتبطل لإخلاله بهيئة الصلاة خلافاً لما يوهمه قولهم القيام لها سنة.

(و) ثالثها: (جهر): في الصبح والجمعة وأولتي المغرب والعشاء.

(و) رابعها: (سر) في الظهر والعصر وأخيرة المغرب وأخيرتي العشاء، وهذا معنى قوله:(بمحلهما)، وهذه السنن الأربعة مخصوصة (بفرض) فلا تسن في النفل وهذا مما زدناه عليه.

(وتأكدا): أي الجهر بمحله والسر (بالفاتحة) دون السورة بعدها كما يتبين لك ذلك في سجود السهو.

(وأقل جهر الرجل): الكافي في السنة (إسماع من يليه) فقط لو فرض أن بجانبه أحداً متوسط السمع، (وجهر المرأة): الكافي لها بالإتيان بالسنة. ويجب عليها إن كانت بحضرة أجانب يخشون من علو صوتها الفتنة (إسماعها نفسها) فقط (كأعلى السر): ليس المراد بأعلاه غايته كما ظن بعضهم، فاعترض بأن أعلاه أخفاه؛ بل المراد به: الظاهر منه لمشاهدة السمع، يقابله الخفاء وهذا من البديهيات، فيستوي جهرها مع أعلى سرها وينفرد أخفى سرها بحركة اللسان كالرجل.

(و) خامسها: (كل تكبيرة) غير تكبيرة الإحرام.

(و) سادسها: كل لفظ (سمع الله لمن حمده لإمام وفذ حال رفعه): من الركوع لا مأموم فلا تسن في حقه، بل يكره له قولها.

(و) سابعها: كل (تشهد، و) ثامنها (جلوس له) بالرفع أو الجر

ــ

ويطلب بإعادة السورة على المشهور.

قوله: [قراءة آية]: أي سواء كانت طويلة أو قصيرة كـ {مدهامتان} [الرحمن: 64].

قوله: [وإتمام السورة مندوب]: أي وأما قراءة سورتين أو سورة وبعض أخرى فمكروه كما يأتي.

قوله: [بعد الفاتحة]: أي إن كان يحفظ الفاتحة وإلا قرأها.

قوله: [فلا يكفي]: أي لأن كونها بعد الفاتحة شرط للسنة فلو قدمها فإنه يطالب بإعادتها بعدها حيث لم يركع، فإن ركع كان تاركاً لسنة السورة.

قوله: [قيام لها]: أي لأجلها، فالقيام سنة لغيره لا لنفسه، وحينئذ فيركع إن عجز عن الآية إثر الفاتحة ولا يقوم بقدرها.

قوله: [لم تبطل]: أي لتركه سنة خفيفة.

قوله: [لإخلاله بهيئة الصلاة]: أي وهو كثرة الأفعال من جلوس وقيام فالبطلان لذلك لا لترك السنة.

قوله: [فلا تسن في النفل]: أي فإن قراءة ما زاد على أم القرآن فيه مستحب، والجهر والسر كذلك.

قوله: [دون السورة بعدها]: أي فالجهر في الفاتحة في محله والسر في محله، أوكد من الجهر والسر في السورة. ولذلك من ترك السر في الفاتحة أو الجهر فيها من ركعة واحدة سهواً يسجد لترك الجهر قبل السلام وترك السر بعده، بخلاف تارك أحدهما من السورة فلا سجود عليه.

قوله: [وأقل جهر الرجل] إلخ: أي وأما أعلاه فلا حد له.

قوله: [كما ظن بعضهم]: أي وهو النفراوي حيث اعترض فقال: إن أعلى الشيء ما يحصل بالمبالغة فيه، فيكون بالعكس.

قوله: [الظاهر منه]: أي بحيث لو زيد عليه خرج عن السرية، وأجاب في المجموع بجواب آخر وهو: أنه لا مشاحة في الاصطلاح.

قوله: [فيستوي جهرها] إلخ: أي لأن صوتها كالعورة وربما كان في سماعه فتنة، وما قاله شارحنا تبع فيه (عب) والخرشي قال البناني: وفيه نظر بل جهرها مرتبة واحدة وهو أن تسمع نفسها فقط. وليس هذا سراً لها، بل سرها أن تحرك لسانها فقط، فليس لسرها أدنى وأعلى كما أن جهرها كذلك، هذا هو الذي يدل عليه كلام ابن عرفة وغيره اهـ.

قوله: [كل تكبيرة]: يحتمل أن المراد بالكل: الكل الجميعي، فيكون ماشياً على طريقة ابن القاسم. ويحتمل أن المراد بالكل: المجموعي فيكون ماشياً على قول أشهب والأبهري. وينبني على الخلاف: السجود لترك تكبيرتين سهواً على الأول دون الثاني، وبطلان الصلاة إن ترك السجود لثلاث على الأول دون الثاني.

قوله: [كل لفظ سمع الله لمن حمده]: المتبادر منه كالأول: الكل الجميعي. فيكون ماشياً على طريقة ابن القاسم من أن كل تسميعة سنة، وهو مشهور المذهب خلافاً لأشهب والأبهري أيضاً.

قوله: [كل تشهد]: أي ولو في سجود السهو أي كل فرض منه سنة مستقلة كما شهره ابن بزيزة، خلافاً لمن قال بوجوب التشهد الأخير. وذكر اللخمي قولاً بوجوب التشهد الأول - وشهره ابن عرفة والقليشاني - أن مجموع التشهدين سنة واحدة. والمعول عليه ما قاله المصنف. ولا فرق بين كون المصلي فذاً أو إماماً أو مأموماً، إلا أنه قد يسقط الطلب به في حق المأموم في بعض الأحوال كنسيانه حتى قام الإمام من الركعة الثانية، فليقم ولا يتشهد. وأما إن نسي التشهد الأخير حتى سلم الإمام فإنه يتشهد ولا يدعو أو يسلم، وسواء تذكر ترك التشهد قبل انصراف الإمام عن محله أو بعد انصرافه كما ذكره (ح) في سجود

ص: 116

أي وكل جلوس.

(و) تاسعها (الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد التشهد الأخير) بأي لفظ كان، وقيل بل هي مندوبة كالدعاء بعدها بما أحب كما يأتي، وأفضلها:" اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد ".

(و) عاشرها: (السجود على صدر القدمين) وعلى (الركبتين والكفين)، وأوجب الشافعي ذلك، والمشهور عندنا إنما يجب على الجبهة.

(و) حادي عشرتها: (رد المقتدي السلام على إمامه وعلى من على يساره إن) كان على يساره أحد (شاركه في ركعة): فأكثر لا أقل، (وأجزأ فيه): أي في سلام الرد على الإمام والمأموم الذي على اليسار، (سلام عليكم) بالتنكير (وعليكم السلام) بتقديم عليكم.

(و) ثاني عشرتها: (جهر بتسليمة التحليل فقط) دون تسليمة الرد.

(و) ثالث عشرتها: (إنصات مقتد) أي مأموم (في الجهر) أي جهر إمامه السني إن سمعه المقتدي، بل (وإن لم يسمع) قراءته لبعد أو صمم ونحو ذلك (أو سكت الإمام) لعارض أو لا، كأن يسكت بعد تكبيرة الإحرام أو بعد الفاتحة أو السورة.

(و) رابع عشرتها: (الزائد على الطمأنينة) الواجبة بقدر ما يجب.

ــ

السهو نقلاً عن النوادر عن ابن القاسم. قال في الأصل: ولا تحصل أي سنة التشهد إلا بجميعه وآخره: "ورسوله" اهـ. والحاصل أنهم اختلفوا في خصوص اللفظ الوارد عن عمر، قيل سنة، وقيل مندوب. وأما التشهد بأي لفظ كان من جميع الروايات الواردة فهو سنة قطعاً كما قال البساطي والحطاب والشيخ سالم، وقيل إن الخلاف في أصله. وأما اللفظ الوارد عن عمر فمندوب قطعاً وقواه (ر) حيث قال هو الصواب الموافق للنقل وتعقبه (بن) وبالجملة فأصل التشهد سنة قطعاً أو على الراجح، وخصوص اللفظ مندوب قطعاً أو على الراجح. وبهذا يعلم أن ما اشتهر من بطلان الصلاة بترك سجود السهو عنه ليس متفقاً عليه، إذ هو ليس عن نقص ثلاث سنن باتفاق.

قوله: [أي وكل جلوس]: أي من الجلوسات التي للتشهد غير الجلوس بقدر السلام، فإنه واجب، وغير الجلوس للدعاء فإنه مندوب ما لم يكن بعد سلام الإمام وإلا كان مكروهاً، وغير الجلوس للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فقيل مندوب، وقيل سنة على الخلاف فيها.

قوله: [وأفضلها]: أي لكونها أصح ما ورد والاقتصار على الوارد أفضل، حتى أن الأفضل فيها ترك السيادة لورودها كذلك.

قوله: [السجود على صدر القدمين]: تبع المصنف خليلاً التابع لابن الحاجب. قال في التوضيح: وكون السجود عليهما سنة ليس بصريح في المذهب، غايته أن ابن القصار قال: الذي يقوى في نفسي أنه سنة في المذهب. وقيل إن السجود على ما ذكره واجب موافقة للشافعي ووجهه قوله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء» .

تنبيه: إن لم يرفع يديه بين السجدتين؛ فقولان: بالبطلان وعدمه. فعلى البطلان يكون السجود عليهما واجباً، وعلى عدم البطلان فلا يكون واجباً وهو المعول عليه.

قوله: [شاركه في ركعة] إلخ: يشمل ما إذا كان من على اليسار مسبوقاً أو غير مسبوق، ويرد المسبوق والسابق. وخرج منه النفراوي الرد في طائفتي الخوف؛ أي فكل طائفة تسلم على الأخرى.

قوله: [أجزأ فيه]: أي ولكن الأفضل مماثلتها لتسليمة التحليل.

قوله: [بتسليمة التحليل]: أي وأما الجهر كتكبيرة الإحرام فمندوب وبغيرها من التكبير - يندب للإمام دون غيره - فالأفضل له الإسرار والفرق بين تكبيرة الإحرام حيث ندب الجهر بها، وتسليمة التحليل حيث سن الجهر بها قوة الأولى، لأنها قد صاحبتها النية الواجبة جزماً، بخلاف التسليمة ففي وجوب النية معها خلاف كما تقدم. وأيضاً انضم لتكبيرة الإحرام رفع اليدين، والتوجه للقبلة مما يدل على الدخول في الصلاة. .اهـ. من حاشية الأصل.

قوله: [دون تسليمة الرد]: قال بعضهم التسليمة الأولى تستدعي الرد فطلب الجهر بها وتسليمة الرد لا تستدعي رداً فلذلك لم يطلب الجهر. وسلام الفذ لا يستدعي رداً فلا يطلب منه جهر.

تنبيه: لو تعمد التحليل على اليسار أجزأ وخالف المطلوب، فإن سها عن التحليل وسلم بقصد الفصل صح إن عاد بقرب كأن قدم الرد ناوياً العود وإلا بطلت.

قوله: [إنصات مقتد]: جعله سنة هو المشهور، وقيل بوجوبه كما يقول الحنفية وقالت الشافعية بوجوب القراءة.

قوله: [أو سكت الإمام] إلخ: أشار بهذا لقول سند المعروف: إنه إذا سكت إمامه لا يقرأ، وفيه رد لرواية ابن نافع عن مالك من أن المأموم يقرأ إذا سكت الإمام في الصلاة الجهرية.

قوله: [بقدر ما يجب]: قال بعضهم انظر ما قدر هذا الزائد في حق الفذ والإمام والمأموم، قال في الحاشية: والظاهر أنه يقدر بعدم التفاحش.

بقي شيء آخر؛ وهو أن الزائد على الطمأنينة هل هو مستو فيما يطلب فيه التطويل وفي غيره كالرفع من الركوع والسجدة الأولى أم لا، وكلام المؤلف يقتضي استواءه فيهما لكن الذي ذكره في الحاشية

ص: 117

ثم شرع في بيان المندوبات على الترتيب فقال: (وندب نية الأداء) في الحاضرة خروجاً من الخلاف، ولأنه أكمل في التأدية (وضده) أي ضد الأداء وهو القضاء في الفائتة.

(و) ندب: نية (عدد الركعات) كركعتين في الصبح وثلاث في المغرب وأربع في غيرهما.

(و) ندب (خشوع) أي خضوع لله (واستحضار عظمة الله تعالى) وهيبته، وأنه لا يعبد ولا يقصد سواه.

(و) استحضار (امتثال أمره): بتلك الصلاة ليتم المقصود منها باطناً من إفاضة الرحمات من الله تعالى.

(و) ندب (رفع اليدين): حذو المنكبين ظهورهما للسماء وبطونهما للأرض (مع الإحرام) أي عنده لا عند ركوع ولا رفع منه، ولا عند قيام من اثنتين وندبه الشافعي (حين تكبيره للإحرام) لا قبله كما يفعله أكثر العوام.

(و) ندب (إرسالهما بوقار) لا بقوة ولا يدفع بهما من أمامه لمنافاته للخشوع، (وجاز القبض) أي قبضهما على الصدر (بنفل) أي فيه، (وكره) القبض (بفرض، للاعتماد): أي لما فيه من الاعتماد أي كأنه مستند.

(و) ندب (إكمال سورة بعد الفاتحة): فلا يقتصر على بعضها ولا على آية أو أكثر ولو من الطوال.

(وكره تكريرها) أي السورة في الركعتين بل المطلوب أن يكون في الثانية سورة غير التي قرأها في الأولى أنزل منها لا أعلى فلا يقرأ في [1] الثانية {إنا أنزلناه} بعد قراءته في الأولى {لم يكن} مثلاً.

(بفرض): لا نفل فلا يجوز تكريرها (كسورتين): أي كما يكره بالفرض قراءة سورتين في ركعة، وجاز بالنفل قراءة السورتين والأكثر بعد الفاتحة.

(و) ندب (تطويل قراءة بصبح): بأن يقرأ فيها من طوال المفصل، وأوله الحجرات وآخره سورة النازعات، وإن قرأ فيها بنحو يس فلا بأس به بحسب التغليس.

(والظهر تليها) أي الصبح في التطويل بأن يقرأ فيها من طواله أيضاً، ووسطه أوله عبس وآخره سورة: والليل، والتطويل المذكور يكون (لفذ وإمام بـ) جماعة (معينين): محصورين (طلبوه): أي التطويل منه بلسان المقال أو الحال، وإلا فالتقصير في حقه أفضل لأن الناس قد يكون فيهم الضعيف وذو الحاجة فيضرهم التطويل.

(و) ندب (تقصيرها): أي القراءة (بمغرب وعصر) فيقرأ فيهما من قصار المفصل.

(و) ندب (توسط بعشاء) فيقرأ فيها من وسطه.

ــ

أنه ليس مستوياً بل هو فيما يطلب فيه التطويل كالركوع والسجود أكثر منه فيما لا يطلب فيه التطويل.

قوله: [على الترتيب]: أي شرع في فضائلها على طبق ترتيب الصلاة من مبدئها لمنتهاها. وقد أنهاها لنحو الخمسين فضيلة.

قوله: [خروجاً من الخلاف]: أي خلاف من يقول بوجوبها. ويقال مثل ذلك في نية القضاء، وعدد الركعات والخشوع؛ فإن بعض الأئمة يقول بوجوب ذلك كله.

قوله: [واستحضار عظمة الله]: تفسير مراد للخشوع المندوب. وإلا، فأصل الخشوع شرط في صحة الصلاة ولذلك تبطل بالكبر.

قوله: [واستحضار امتثال] إلخ: أي فمصب الندب أيضاً على ذلك وإلا فامتثال الأمر هو النية، فإن عدم عدمت.

قوله: [ليتم المقصود منها]: أي لكمال الإخلاص بتلك الآداب فلا تتحقق إلا من كامل الإخلاص.

قوله: [باطناً]: أي وأما ظاهراً فتسقط وإن لم يكن مخلصاً.

قوله: [ظهورهما للسماء]: إلخ: أي على صفة الراهب ورجحها الأجهوري.

ورجح اللقاني صفة النابذ بطونهما خلف. وهناك ثالثة يقال لصاحبها الراغب بطونهما للسماء، ويحاذي المنكب على كل حال.

قوله: [وندبه الشافعي]: أي في تلك المواضع.

قوله: [وجاز القبض] إلخ: أي طول أم لا لجواز الاعتماد في النفل بغير ضرورة، فإن قصد التسنن فمندوب.

قوله: [للاعتماد] إلخ: هذا التعليل لعبد الوهاب فلو فعله لا للاعتماد بل استناناً لم يكره، وكذا إذا لم يقصد شيئاً فيما يظهر. وهذا التعليل هو المعتمد وعليه فيجوز في النفل مطلقاً؛ لجواز الاعتماد فيه بلا ضرورة، وقيل: خيفة اعتقاد وجوبه على العوام، واستبعد وضعف. وقيل: خيفة إظهار الخشوع وليس بخاشع في الباطن، وعليه فلا تختص الكراهة بالفرض. وقيل: لكونه مخالفاً لعمل أهل المدينة. ولما كان المعول عليه العلة الأولى اقتصر عليها المصنف.

قوله: [إكمال سورة]: أي فالسورة ولو قصيرة أفضل من بعض سورة ولو كثر.

قوله: [في الركعتين] إلخ: ومن باب أولى في ركعة واحدة. وقد ورد عن مالك كراهة تكرير السورة كالصمدية في الركعة وظاهر ما ورد عن مالك الكراهة ولو في النفل، وهو خلاف ما في كثير من الفوائد، ولذلك سيأتي في الشرح الجواز في النفل.

قوله: [أنزل منها]: أي بأن تكون على نظم المصحف. وفي (ح): إن قرأ في الأول سورة الناس فقراءة ما فوقها في الثانية أولى من تكرارها. وحرم تنكيس الآيات المتلاصقة في ركعة واحدة، وأبطل لأنه ككلام أجنبي. وليس ترك ما بعد السورة الأولى هجراً لها. اهـ من المجموع.

قوله: [كما يكره بالفرض] إلخ: أي إلا لمأموم خشي من سكوته تفكراً فلا كراهة.

قوله: [والأكثر]: أي بل له أن يقرأ القرآن برمته في ركعتين.

قوله: [وأوله الحجرات]: أي أول المفصل على المعتمد. وسمي مفصلاً لكثرة الفصل فيه بالبسملة.

قوله: [طلبوه]: أي وعلم إطاقتهم له وعلم أو ظن أنه لا عذر لواحد منهم فهذه قيود أربعة بما في الشرح لاستحباب التطويل للإمام.

قوله: [فالتقصير في حقه أفضل]: أي لقوله عليه الصلاة والسلام:

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

ليست في ط المعارف.

ص: 118

(و) ندب (تقصير) الركعة (الثانية عن) الركعة (الأولى): والمساواة جائزة بمعنى خلاف الأولى. (وكره تطويلها): أي الثانية (عنها) أي الأولى. (و) ندب (إسماع نفسه في السر) لأنه أكمل وللخروج من الخلاف.

(و) ندب (قراءة خلف إمام) سراً (فيه): أي السر؛ أي في الصلاة السرية، وأخيرة المغرب، وأخيرتي العشاء. (و) ندب (تأمين فذ) أي قوله: آمين بعد ولا الضالين (مطلقاً) في السر والجهر (كإمام في السر) فقط، (ومأموم) في سره و (في الجهر) إن (سمع إمامه) يقول ولا الضالين لا إن لم يسمعه يقولها ولا يتحرى. (و) ندب (الإسرار به) أي بالتأمين لكل مصل طلب منه.

(و) ندب (تسوية ظهره) أي المصلي (بركوع) أي فيه. (و) ندب فيه أيضاً (وضع يديه) أي كفيه (على ركبتيه، و) ندب (تمكينهما) أي اليدين (منهما): أي من الركبتين.

(و) ندب (نصبهما) أي الركبتين فلا يحنيهما قليلاً خلافاً لبعضهم.

(و) ندب (تسبيح به) أي فيه نحو " سبحان الله العظيم وبحمده، وسبحان ربي العظيم ولا يدعو ولا يقرأ (كسجود) يندب فيه التسبيح والدعاء أيضاً كما ورد في السنة.

(و) ندب فيه أيضاً (مجافاة رجل) من إضافة المصدر لفاعله أي مباعدة الرجل (مرفقيه جنبيه) أي عنهما لا كثيراً بل (يجنح بهما) أي بمرفقيه عن جنبيه (تجنيحاً وسطاً، و)، ندب (قول فذ) بعد قوله سمع الله لمن حمده. (و) قول (مقتد) بعد قول إمامه ذلك (ربنا ولك الحمد) أو " اللهم ربنا " إلخ، وجاز حذف الواو وإثباتها أولى، فالإمام لا يقول " ربنا " إلخ والمأموم لا يقول:" سمع الله " إلخ والفذ يجمع بينهما (حال القيام) لا حال رفعه من الركوع إذ يعمر الرفع ب " سمع الله " إلخ، فإذا اعتدل قائماً قال:" ربنا " إلخ.

(و) ندب (التكبير) السنة (حالة الخفض) للركوع أو السجود (و) حالة (الرفع) من السجود في السجدة الأولى أو الثانية (إلا في القيام من التشهد) الوسط (فللاستقلال) قائماً حتى يكبر.

(و) ندب (تمكين جبهته) وأنفه (من الأرض أو ما اتصل بها): أي بالأرض (من سطح كسرير): أو سقف ونحوهما (بسجوده) أي فيه. (و) ندب (تقديم اليدين على الركبتين عنده) أي السجود أي حال انحطاطه له (وتأخيرهما): أي اليدين عن الركبتين (عند القيام) للقراءة.

(و) ندب (وضعهما) أي اليدين (حذو): أي قبالة (أذنيه أو قربهما): في سجوده بحيث تكون أطراف أصابعهما حذو الأذنين. (و) ندب (ضم أصابعهما ورؤوسها) أي الأصابع (للقبلة) أي لجهتها. (و) ندب (مجافاة) أي مباعدة (رجل فيه) أي السجود (بطنه فخذيه) فلا يجعل بطنه عليهما. (و) مجافاة (مرفقيه ركبتيه) أي عن ركبتيه.

(و) مجافاة (ضبعيه): بضم الباء الموحدة تثنية ضبع: ما فوق المرفق إلى الإبط (جنبيه) أي عنهما مجافاة (وسطاً) في الجميع. وأما المرأة فتكون منضمة في جميع أحوالها.

(و) ندب في السجود (رفع العجيزة): عن الرأس بأن يكون محل السجود مساوياً لمحل القدمين حال القيام أو أخفض. وأوجب ذلك الشافعي فإذا كانت الرأس مساوية [1] للعجز أو أعلى بأن يكون محل السجود أعلى من محل القدمين لم تبطل عندنا وبطلت عند الشافعي.

ــ

«إذا أم أحدكم فليخفف فإن في الناس الكبير والمريض وذا الحاجة» ، وغير ذلك من الأحاديث التي وردت في ذم التطويل، وانظر إذا طول الإمام في الصلاة وخشي المأموم تلف بعض ماله أو حصول ضرر شديد إن أتم معه، هل يسوغ له الخروج عنه ويتم لنفسه أم لا؟ قال المازري: يجوز له ذلك وحكى عياض في ذلك قولين عن ابن العربي.

قوله: [تقصير الركعة الثانية]: أي في الزمن وإن قرأ فيها أكثر كما يأتي في الكسوف.

قوله: [وللخروج من الخلاف]: أي لأن مذهب الشافعي يوجب إسماع نفسه.

قوله: [وندب قراءة خلف إمام]: أي ويتأكد إن راعى خلاف الشافعي لأنه يوجبها على المأموم مطلقاً.

قوله: [ولا يتحرى]: أي على الأظهر لأنه لو تحرى لربما أوقعه في غير موضعه. وربما صادف آية عذاب كذا في التوضيح، وبحث فيه بأن القرآن لم يقع فيه الدعاء بالعذاب إلا على مستحقه، وحينئذ فلا ضرر بمصادفته آية عذاب.

قوله: [ولا يدعو] إلخ: أي فيكره ذلك.

قوله: [كما ورد في السنة]: أي فقد ورد طلب الدعاء والتسبيح في السجود، والتسبيح فقط في الركوع.

قوله: [مجافاة رجل]: وأما المرأة فسيأتي أنها تكون منضمة في جميع أحوالها.

قوله: [أي عنهما]: إشارة إلى أنه منصوب بنزع الخافض.

قوله: [يجمع بينهما]: أي فيأتي بسنة ومندوب.

قوله: [فللاستقلال]: أي لأنه كمفتتح صلاة ويؤخر المأموم قيامه حتى يستقل إمامه، وكل من الفذ والإمام والمأموم لا يكبر إلا بعد استقلاله.

قوله: [وندب تمكين جبهته] إلخ: أي وأما وضع أيسر جزء فركن.

قوله: [حذو الأذنين]: أي أو قربهما.

قوله: [بطنه فخذيه]: أي عن فخذيه.

قوله: [مجافاة وسطاً] إلخ: ما ذكره في الفرض كنفل لم يطول فيه لا إن طول فيه فله وضع ذراعيه على فخذيه لطول السجود مثلاً.

قوله: [وبطلت عند الشافعي]: أي لاشتراطه ارتفاع الأسافل، وانحدار الأعالي وقدم ذلك.

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

قوله: (كانت الرأس مساوىة) في ط المعارف: (كان الرأس مساوياً).

ص: 119

(و) ندب (دعاء فيه) أي في السجود بما يتعلق بأمور الدين أو الدنيا أو الآخرة له أو لغيره خصوصاً أو عموماً (بلا حد) بل بحسب ما يسر الله تعالى، (كالتسبيح) فيه فإنه يندب بلا حد ويقدمه على الدعاء.

(و) ندب (الإفضاء): بالفاء والضاد المعجمة (في الجلوس) كله سواء كان بين السجدتين أو في التشهد الأخير أو غيره، وفسر الإفضاء بقوله:(بجعل اليسرى) أي الرجل اليسرى مع الألية (للأرض) أي عليها، (وقدمها) أي اليسرى (جهة) الرجل (اليمنى، ونصب قدم اليمنى) إظهار في محل الإضمار للإيضاح (عليها): أي على اليسرى أي على قدم اليسرى خلفها (وباطن إبهامها): أي اليمنى (للأرض) أي عليها.

(و) ندب (وضع الكفين على رأس الفخذين) بحيث تكون رؤوس أصابعهما على الركبتين.

(و) ندب (تفريج الفخذين): للرجل فلا يلصقهما بخلاف المرأة.

(و) ندب (عقد ما عدا السبابة والإبهام): وهو الخنصر والبنصر والوسطى (من) اليد (اليمنى في) حال (تشهده) مطلقاً الأخير أو غيره، (بجعل رؤوسها) أي الأصابع الثلاثة ما عدا السبابة والإبهام (بلحمة الإبهام) بضم اللام: أي اللحمة التي بجنب الإبهام حالة كونه (مادّاً) أصبعه (السبابة بجنب الإبهام) كالمشير بها.

(و) ندب (تحريكها دائماً) من أول التشهد إلى آخره (يميناً وشمالاً) أي لجهتهما لا لجهة فوق وتحت (تحريكاً وسطاً و) ندب (القنوت) أي الدعاء والتضرع (بأي لفظ) نحو اللهم اغفر لنا وارحمنا (بصبح) فقط.

(و) ندب (إسراره) لأنه دعاء وكل دعاء يندب إسراره.

(و) ندب كونه (قبل الركوع) الثاني.

(و) ندب (لفظه) الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم أي الذي اختاره الإمام - رضي الله تعالى عنه - (وهو) أي لفظه: (اللهم إنا نستعينك ونستغفرك) أي نطلب منك الإعانة على تحصيل مصالح ديننا ودنيانا وآخرتنا، ونطلب منك غفر أي ستر ذنوبنا وعدم مؤاخذتنا بها (إلى آخره) أي تقول ذلك حتى تنتهي إلى آخره. ولما كان مشهوراً بين الناس قال ما ذكر، وتمامه " ونؤمن بك " أي نصدق بوجوب وجودك وعظمتك وقدرتك ووحدانيتك إلى آخر عقائد الإيمان، " ونتوكل عليك ونخنع لك ونخلع ونترك من يكفرك،

ــ

قوله: [وندب دعاء]: أي من كل جائز شرعاً وعادة وتأكد حالة السجود لقوله صلى الله عليه وسلم: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد» . فالدعاء الشرعي مطلوب؛ ولو قال في دعائه يا فلان فعل الله بك كذا إن لم يكن حاضراً وقصد خطابه - وإلا بطلت، ويجوز الدعاء على الظالم بعزله، كان ظالماً له أو لغيره، والأولى عدم الدعاء على من لم يعم ظلمه، فإن عم فالأولى الدعاء. وينهى عن الدعاء عليه بذهاب أولاده وأهله، أو بالوقوع في معصية لأن إرادة المعصية معصية ولا يجوز الدعاء عليه بسوء الخاتمة كما قال ابن ناجي وغيره خلافاً للبرزلي. اهـ. من الحاشية.

قوله: [ويقدمه على الدعاء]: أي لورود السنة بتقديم التسبيح على الدعاء.

قوله: [وندب الإفضاء] إلخ: أي خلافاً للشافعية فعندهم يخص الإفضاء بغير الجلوس الوسط، فالأفضل في الجلوس الوسط عندهم نصب القدمين، والجلوس عليهما.

قوله: [وفسر الإفضاء] إلخ: أي فالباء في قوله: [بجعل] للتصوير ويصح جعلها للمصاحبة أي حالة كون الجلوس مقارناً لهذه الهيئة فإن لم يكن مقارناً لها حصلت السنة وفات المستحب.

قوله: [وباطن إبهامها]: أي مع ما يتيسر من باقي الأصابع.

قوله: [بلحمة الإبهام]: أي فتصير الهيئة هيئة التسعة والعشرين؛ لأن مد السبابة مع الإبهام صورة عشرين، وقبض الثلاثة تحت الإبهام صورة تسع، وأما إن جعل الثلاثة وسط الكف تكون هيئة ثلاث وعشرين فجائزة أيضاً، لكن شارحنا اختار الأولى. وأما جعلها وسط الكف مع وضع الإبهام على أنملة الوسطى وهو صفة ثلاثة وخمسين فليست بمندوبة، لأن الإبهام غير ممدود مع السبابة، والسنة مدهما.

قوله: [لا لجهة فوق وتحت]: أي خلافاً لبعضهم وإنما طلب تحريكها لأنها مذبة للشيطان كما ورد بها الحديث، وإنما اختيرت دون سائر الأصابع لأن بها عرقاً متصلاً بنياط القلب، فكلما وضع الشيطان خرطومه على القلب طرد بسبب ذلك التحريك.

قوله: [وندب القنوت]: هو المشهور، وقال سحنون: إنه سنة، وقال يحيى بن عمر غير مشروع، وقال ابن زياد: من تركه فسدت صلاته.

قوله: [أي الدعاء والتضرع]: أشار بهذا إلى أن المراد بالقنوت هنا الدعاء لأنه يطلق في اللغة على أمور: منها الدعاء ومنها الطاعة والعبادة كما في قوله تعالى: {إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا} [النحل: 120] ومنها السكوت كما في: {وقوموا لله قانتين} [البقرة: 238] أي ساكتين في الصلاة لحديث زيد بن أرقم: كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام، ومنه الحديث:«أفضل الصلاة طول القنوت» أي القيام.

قوله: [ونتوكل عليك]: أي نفوض أمورنا إليك.

قوله: [ونخنع]: أي نخضع ونذل لك وهو بالنون، وقوله ونخلع باللام معناه نترك كل شاغل يشغل عنك لقوله تعالى:{ففروا إلى الله} [الذاريات: 50]، ولم يثبت في رواية الإمام:"ونثني عليك الخير كله نشكرك ولا نكفرك" وإنما ثبت

ص: 120

اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخاف عذابك إن عذابك الجد بالكافرين ملحق".

(و) ندب (دعاء قبل السلام) وبعد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بما أحب.

(و) ندب (إسراره) لأن كل دعاء يندب إسراره (كالتشهد) السنة يندب إسراره.

(و) ندب (تعميمه) أي الدعاء، لأن التعميم أقرب للإجابة، (ومنه): أي الدعاء العام (اللهم اغفر لنا) معاشر الحاضرين في الصلاة (ولوالدينا): بكسر الدال أولى لأنه جمع يعم كل من له عليك ولادة (ولأئمتنا) من العلماء والخلفاء (ولمن سبقنا): أي تقدمنا (بالإيمان مغفرة عزماً) أي جزماً، (اللهم اغفر لنا ما قدمنا) من الذنوب (وما أخرنا) منها (وما أسررنا وما أعلنا) منها (وما): أي وكل ذنب (أنت أعلم به منا، ربنا آتنا): أعطنا (في الدنيا حسنة): هداية وعافية وصلاح حال، (وفي الآخرة حسنة): لحوقاً بالأخيار وإدخالاً تحت شفاعة النبي المختار، (وقنا عذاب النار) جهنم: أي اجعل بيننا وبينها وقاية حتى لا ندخلها. وأحسن الدعاء ما ورد في الكتاب أو السنة ثم ما فتح به على العبد.

(و) ندب (تيامن بتسليمة التحليل) كلها إن كان مأموماً. وأما الإمام والفذ فيشير عند النطق بها للقبلة ويختمها بالتيامن عند النطق بالكاف والميم من عليكم حتى يرى من خلفه صفحة وجهه.

(و) ندب (سترة لإمام وفذ) على الراجح وعدها الشيخ في السنن، وأما المأموم فالإمام سترته، والسترة ما يجعله المصلي أمامه لمنع المارين بين يديه ولذا قال (خشياً) أي إن خشي كل منهما (مروراً بمحل سجودهما) فقط،

ــ

في رواية غيره.

قوله: [اللهم إياك نعبد] إلخ: أي لا نعبد إلا إياك، ولا نصلي ولا نسجد إلا لك، ولا نسعى في الطاعة، "ونحفد" نجد إلا لحضرتك، وقوله "نرجو رحمتك": أي بسبب أخذنا في أسباب طاعتك والتضرع لك لأن الدعاء مفتاح الرحمة، وقوله "ونخاف عذابك": أي لأنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون، وقوله:[الجد]: أي الحق، وقوله:[إن عذابك] إلخ بالكسر للاستئناف، وفيه معنى التعليل و [ملحق]: اسم فاعل أو اسم مفعول. قال تعالى: {إن عذاب ربك لواقع * ما له من دافع} [الطور: 7 - 8]. والحاصل أن القنوت لا يشرع إلا في الصبح ويتعلق به مندوبات أربع: هو في نفسه، وكونه بهذا اللفظ، وكونه سراً، وكونه قبل الركوع. وفي الخرشي: ويندب أيضاً أن يكون في الصبح. قال شيخنا في مجموعه: وهذا لا يظهر لاقتضائه أنه إذا أتى به في غير الصبح فعل مندوباً أو مندوبات، وفاته مندوب، مع أن الظاهر كما في الخرشي وغيره أيضاً كراهة القنوت في غير الصبح أو خلاف الأولى، فالحق أن المندوبات أربع ثم هي في الصبح. فالصبح توقيت للمكان الذي شرع فيه فلا يعد من المندوبات. اهـ.

قوله: [قبل السلام]: أي ما لم يكن مأموماً، ويسلم إمامه فيكره له الدعاء.

قوله: [أقرب إلى الإجابة]: أي لما في الحديث الشريف: «إذا دعوتم فعمموا فقمن أن يستجاب لكم» .

قوله: [يعم كل من له عليك ولادة]: أي ممن مات على الإسلام.

فيلاحظ الداعي ذلك لقوله تعالى: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين} [التوبة: 113] الآية.

قوله: [وما أخرنا منها]: لعل مراده طلب غفران الذنوب التي سبق في علم الله حصولها في المستقبل.

قوله: [وما أنت أعلم به منا]: عطف عام والدعاء محل إطناب.

قوله: [في الدنيا حسنة] إلخ: فسرها الشارح؛ بأحسن التفاسير وفيها تفاسير كثيرة.

قوله: [وقاية]: أي بالعمل الصالح الذي نموت عليه ونلقاك به.

قوله: [ثم ما فتح به على العبد]: أي ألقى على قلبه من غير تصنع، فإنه أفضل من جميع الدعوات التي لم ترد في الكتاب ولا في السنة، وأوراد العارفين المشهورة لا تخلو من كونها من الكتاب أو السنة أو الفتح الإلهي، فلذلك تقدم على غيرها.

قوله: [فيشير عند النطق]: أي بقلبه لا برأسه.

قوله: [وندب سترة]: أي نصبها أمامه خوف المرور بين يديه سواء كانت الصلاة فرضاً أو نفلاً.

قوله: [فالإمام سترته]: هذا قول مالك في المدونة، وقال عبد الوهاب: سترة الإمام سترته. واختلف: هل معناهما واحد وأن الخلاف لفظي؟ وحينئذ، ففي كلام مالك حذف مضاف، والتقدير: لأن سترة الإمام سترة له أو المعنى مختلف. والخلاف حقيقي، وعليه فيمتنع على قول مالك المرور بين الإمام والصف الذي خلفه كما يمتنع المرور بينه وبين سترته لأنه مرور بين المصلي وسترته فيهما ويجوز المرور بين باقي الصفوف، وأما على قول عبد الوهاب فيجوز المرور بين الصف الأول والإمام. والحق أن الخلاف حقيقي، والمعتمد قول مالك كما قال في الحاشية. وبحث فيه في المجموع بقوله: وقد يقال إن الإمام أو الصف لما قبله سترة، على أن السترة مع الحائل ليست أدنى من عدم السترة أصلاً وقد قالوا بالحرمة فيه، نعم إن قلنا:(الإمام سترته) فحرمة المرور بين الإمام وسترته لحق الإمام فقط، وإن قلنا:(سترة الإمام سترته) فالحرمة من جهتين فليتأمل. والميت في الجنازة كاف ولا ينظر للقول بنجاسته ولا أنه ليس ارتفاع ذراع للخلاف في ذلك كما للشيخ الأجهوري اهـ.

قوله: [مروراً بمحل سجودهما]: أي ولو بحيوان غير عاقل كهرة، والمراد بالخشية ما يشمل الشك أي هذا إذا جزم أو ظن المرور، بل ولو شك في ذلك لا إن لم يخشيا فلا تطلب وما ذكره المصنف من التقييد بذلك

ص: 121

على الأرجح وتكون السترة (بطاهر) من حائط أو أسطوانة أو غيرهما وكره النجس (ثابت) لا كسوط وحبل ومنديل ودابة غير مربوطة، ولا خط في الأرض ولا حفرة (غير مشغل) كامرأة وصغير ووجه كبير وحلقة علم أو ذكر. وأقلها أن تكون (في غلظ رمح وطول ذراع. وأثم مار) بين يدي المصلي فيما يستحقه من محل صلاته، صلى لسترة أم لا (غير طائف) بالبيت، (و) غير (مصل) أي محرم بصلاة جاز له المرور لسترة أو لسد فرجة بصف أو لغسل رعاف. فالطائف والمصلي لا حرمة عليهما إذا مرا بين يدي المصلي، ولو كان لهما مندوحة (له): أي المار غير الطائف والمصلي (مندوحة): أي سعة وطريق غير ما بين يدي المصلي فإن لم يكن له طريق إلا ما بين يدي المصلي فلا إثم عليه إن احتاج للمرور وإلا أثم.

(و) أثم (مصل تعرض) بصلاته من غير سترة في محل يظن به المرور ومر بين يديه أحد فقد يأثمان معاً وقد يأثم أحدهما فقط وقد لا يأثم واحد منهما.

ثم شرع في مكروهات الصلاة بقوله:

(وكره تعوذ وبسملة) قبل الفاتحة والسورة (بفرض) أصلي. وجازا بنفل ولو منذوراً وتركهما أولى ما لم يراع الخلاف، فالإتيان بالبسملة أولى خروجاً منه

(و) كره (دعاء قبل القراءة) للفاتحة أو السورة (وأثنائها)

ــ

هو المشهور، قال في المدونة: ويصلي في الموضع الذي يأمن فيه من مرور شيء بين يديه إلى غير سترة اهـ.

قوله: [على الأرجح]: أي فالأرجح أن حريم المصلي قدر أفعاله، وما زاد يجوز المرور فيه. وإن لم يكن إمامه سترة، وقال ابن عرفة: هو ما لا يشوش عليه المرور فيه. ويحد بنحو عشرين ذراعاً وقيل قدر رمية الحجر أو السهم أو المضاربة بالسيف.

تنبيه: قال في المجموع ويضمن ما تلف من ماله على المعتمد وديته على العاقلة في دفعه، وقيل هدر، وقيل الدية من ماله انظر الحطاب، وتحرم المناولة بين يدي المصلي والكلام عند جنبيه على المعتمد. اهـ.

قوله: [وطول ذراع]: أي من المرفق لآخر الأصبع الوسطى وقيل للكوع.

قوله: [غير طائف بالبيت]: أي فلا يمنع مرور الطائف بين يدي المصلي، بل يكره فقط إن كان للطائف مندوحة وإلا جاز. ومثل الطائف المار بالحرم المكي لكثرة زواره إن لم يكن بين يديه سترة، وإلا منع إن كان له مندوحة.

قوله: [ولو كان لهما مندوحة]: أي فغاية ما هناك يكره إن كان لهما مندوحة والمصلي لسترة.

قوله: [فلا إثم عليه] إلخ: حاصله أن المصلي إذا كان في غير المسجد الحرام وكان المار غير مصل فإن كان للمار مندوحة حرم المرور بين يديه صلى لسترة أم لا، وإن لم يكن له مندوحة فلا يحرم المرور صلى لسترة أم لا. وإن كان في المسجد الحرام حرم المرور إن كان له مندوحة وصلى لسترة وإلا جاز، هذا إذا كان المار غير طائف، وأما هو فلا يحرم عليه مطلقاً. نعم إن كان له سترة كره حيث كان للطائف مندوحة، وأما المصلي يمر بسترة أو فرجة فلا إثم عليه في المرور بين يدي كل مصل.

قوله: [فقد يأثمان معاً]: أي إن تعرض بغير سترة وكان للمار مندوحة.

وقوله: [وقد يأثم أحدهما فقط]: أي فيأثم المصلي إن تعرض ولا مندوحة للمار، ويأثم المار إن كان له مندوحة ولم يتعرض المصلي.

وقوله: [وقد لا يأثم واحد منهما]: أي إن اضطر المار ولم يتعرض المصلي.

تنبيه: استشكل بعضهم إثم المصلي بأن المرور ليس من فعله ولم يترك واجباً، فإن السترة إما سنة أو مندوبة، فكيف يكون آثماً بفعل غيره؟ وأجيب: بأن المرور - وإن كان فعل غيره - لكن يجب عليه سد طريق الإثم، فأثم لعدم سده. .اهـ. من حاشية الأصل. قال في المجموع: فالإثم بالمرور بالفعل لا بترك السترة، كذا لابن عرفة رداً على تخريج ابن عبد السلام من الإثم وجوب السترة. اهـ. ولكن الذي أقوله: إن تخريج ابن عبد السلام وجيه.

قوله: [تعوذ وبسملة قبل الفاتحة] إلخ: ظاهره وأسر أو جهر وهو ظاهر المدونة أيضاً. ومقابله ما في العتبية من كراهة الجهر بالتعوذ. ومفاد الشبرخيتي ترجيحه، قال في الحاشية: وكراهة التسمية إذا أتى بها على وجه أنها فرض، سواء قصد الخروج من الخلاف أم لا.

قوله: [ما لم يراع الخلاف]: أي من غير ملاحظة كونها فرضاً أو نفلاً. لأنه إن قصد الفرضية كان آتياً بمكروه كما علمت، ولو قصد النفلية لم تصح عند الشافعي فلا يقال له حينئذ مراع للخلاف، قال شيخنا في حاشية مجموعه: أورد (بن) أن الكراهة حاصلة غير أنه لم يبال بها لغرض الصحة عند المخالف.

لكن قد يقال إذا كانت المراعاة لورع طلبت. فتنتفي الكراهة قطعاً. نعم ليس طلب المراعاة متفقاً عليه كما في حاشية شيخنا علي (عب) اهـ. وما قاله المصنف هو مشهور المذهب قيل بإباحتها وندبها ووجوبها.

قوله: [قبل القراءة] إلخ: ومثله في الكراهة قول: " سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين"، خلافاً

ص: 122

أي القراءة.

(و) كره الدعاء (في الركوع وقبل التشهد) الأول وغيره، (وبعد غير) التشهد (الأخير)، وأما بعد الأخير فيندب كما تقدم ما لم يسلم الإمام.

(و) كره للمأموم (بعد سلام الإمام و) كره (الجهر به) أي بالدعاء المطلوب في الصلاة في سجود أو غيره

(و) كره الجهر (بالتشهد) مطلقاً.

(و) كره (السجود على ملبوسه) أي المصلي أي على شيء من ملبوسه ككمه أو ردائه (أو) السجود (على كور عمامته) الكائن على جبهته، ولا إعادة عليه إن كان خفيفاً كالطاقتين، فإن لم يكن كور العمامة على الجبهة ومنع الجبهة من وضعها على الأرض لم يكن ساجداً، (أو) السجود (على ثوب) غير ملبوس له (أو) على (بساط) أو منديل (أو) على (حصير ناعم) لا خشن، كل ذلك مكروه لأنه ينافي الخشوع.

(و) كره (القراءة بركوع أو سجود) إلا أن يقصد في السجود بها الدعاء كأن يقول: " ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا " إلخ فلا يكره.

(و) كره (تخصيص دعاء): دائماً لا يدعو بغيره، فالوجه أن يدعو تارة بالمغفرة وتارة بسعة الرزق، وتارة بصلاح النفس أو الولد أو الزوجة، وتارة بغير ذلك من أمور الدنيا والآخرة والله ذو الفضل العظيم.

(و) كره (التفات) في الصلاة (بلا حاجة) مهمة.

(و) كره (تشبيك أصابع وفرقعتها) لمنافاة ذلك الخشوع والأدب.

(و) كره (إقعاء) بأن يرجع في جلوسه على صدور قدميه وأليتيه على عقبيه لقبح الهيئة.

(و) كره (تخصر) وهو وضع اليد على خصره حال قيامه لأنه فعل المتكبرين، ومن لا مروءة له.

(و) كره (تغميض عينيه) إلا لخوف وقوع بصره على ما يشغله عن صلاته.

(و) كره (رفعه رجلاً) عن الأرض واعتماد على الأخرى إلا لضرورة.

(و) كره (وضع قدم على الأخرى و) كره (إقرانهما) أي القدمين (دائماً) في جميع صلاته. (و) كره (تفكر بدنيوي) أي في أمر دنيوي.

(و) كره (حمل شيء بكم أو فم) إذا لم يمنعه مخارج الحروف وإلا منع وبطلت.

ــ

لمن يأمر بذلك بعد تكبيرة الإحرام وقبل الفاتحة.

قوله: [أي القراءة]: ظاهره كراهتها بين الفاتحة والسورة، والراجح الجواز كما استظهره (ح) نقلاً عن الجلاب والطراز. بل قيد في الطراز كراهة الدعاء في أثناء القراءة بالفرض، وأما في النفل فيجوز.

قوله: [في الركوع]: أي أنه إنما شرع فيه التسبيح، وأما قبل الركوع وبعده فجائز.

قوله: [وقبل التشهد الأول]: أي وأما بين السجدتين فمندوب لما روي أنه عليه الصلاة والسلام كان يقول بينهما: «اللهم اغفر لي وارحمني واسترني واجبرني وارزقني، واعف عني وعافني» .

قوله: [وكره الجهر به]: أي لقوله تعالى: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية} [الأعراف: 55].

قوله: [على ملبوسه]: أي أنه مظنة الرفاهية إلا لضرورة حر أو برد.

قوله: [على كور عمامته]: أي إلا لحر أو برد وإلا فلا كراهة.

قوله: كالطاقتين: المراد بالطاقات: الطيات المشدودة على الجبهة. وحاصله أن كور العمامة عبارة عن مجموع اللفات المحتوي كل لفة منها على طبقات، والمراد بالطاقات في كلامهم: اللفات والتعصيبات. اهـ. من حاشية الأصل.

قوله: [لم يكن ساجداً]: حاصله أنه إن سجد على العمامة وكانت فوق الناصية ولم تلتصق الجبهة بالأرض فصلاته باطلة، وإن كانت العمامة فوق الجبهة وسجد عليها، فإن كانت كالطاقتين الرفيعتين فلا إعادة. وإلا أعاد في الوقت كما يؤخذ من الحاشية.

قوله: [كل ذلك مكروه]: أي ما لم يكن فرش مسجد وإلا فلا كراهة.

قوله: [بركوع أو سجود]: أي لقوله صلى الله عليه وسلم: «نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً» .

قوله: [تخصيص دعاء]: أي ما لم يكن من جوامع الدعاء كسؤال حسنة الدنيا والآخرة أو سعادتهما، ومن أعظم الدعوات الجامعة أن يقول:" اللهم إني أسألك من كل خير سألك منه محمد نبيك ورسولك صلى الله عليه وسلم، وأعوذ بك من كل شر استعاذك منه محمد نبيك ورسولك صلى الله عليه وسلم"

قوله: [وكره التفات]: أي ولا تبطل ولو التفت بجميع جسده حيث بقيت رجلاه للقبلة وإلا بطلت.

قوله: [وكره تشبيك أصابع]: أي في الصلاة، كانت في المسجد أو غيره. وأما في غير الصلاة فلا كراهة فيه ولو في المسجد. إلا أنه خلاف الأولى لأن فيه تشاؤماً.

قوله: [لقبح الهيئة]: أي وأما جلوسه كالمحتبي وهو جلوس الكلب والبدوي المصطلي فممنوع، والأظهر عدم البطلان. وبقي من الأحوال المكروهة ثلاث حالات: جلوسه على القدمين وظهورهما للأرض، وجلوسه بينهما وألياه للأرض وظهورهما للأرض أيضاً، وجلوسه بينهما ورجلاه قائمتان على أصابعهما.

قوله: [ومن لا مروءة له]: أي ولذلك قيل إنها من خصال اليهود.

قوله: [رفعه رجلاً]: أي لما فيه من قلة الأدب مع الله لأنه واقف بحضرته. وما يزعمه العوام من أن الواقف على رجل واحدة في الصلاة أو الذكر أكثر ثواباً من غيره، كلام باطل.

قوله: [وكره إقرانهما]: وهو ضم القدمين معاً كالمقيد، وقيل جعل خطهما من القيام مستوياً، سواء فرق بينهما أو ضمهما، لكن الكراهة على هذه الطريقة مقيدة بما إذا اعتقد أنه لا بد منه.

قوله: [تفكر بدنيوي]: أي ولم يشغله عن الصلاة، فإن شغله حتى لا يدري ما صلى أعاد أبداً. فإن شغله زائداً عن المعتاد ودرى ما صلى

ص: 123

(و) كره (عبث بلحية أو غيرها و) كره (حمد لعاطس أو بشارة) بشر بها وهو يصلي.

(و) كره (إشارة للرد) برأس أو يد (على مشمت) شمته وهو يصلي إذا ارتكب المكروه وحمد لعطاسه، وأما الرد بالكلام فمبطل، وأما رد السلام بالإشارة على مسلم عليه فمطلوب.

(و) كره (حك جسد لغير ضرورة) إن قل وجاز لها والكثير مبطل.

(و) كره (تبسم قل اختياراً) والكثير مبطل ولو اضطراراً.

(و) كره (ترك سنة خفيفة) عمداً من سننها كتكبيرة وتسميعة، وحرم ترك المؤكدة وسيأتي في السهو.

(و) كره (سورة) أو آية أي قراءتها (في أخيرتيه) أي في الركعتين الأخيرتين.

(و) كره (التصفيق) في صلاة ولو من امرأة (لحاجة) تتعلق بالصلاة كسهو إمامه فجلس بعد الثالثة أو سلم من اثنتين أو بغير الصلاة كمنع مار بين يديه أو تنبيه على أمر ما، (والشأن) المطلوب شرعاً لمن نابه شيء وهو يصلي (التسبيح) بأن يقول: سبحان الله.

ولما فرغ من الكلام على فرائض الصلاة وسننها ومندوباتها ومكروهاتها شرع في بيان مبطلاتها فقال:

(وبطلت) الصلاة (برفضها) أي بنية إبطالها وإلغاء ما فعله منها.

(وبتعمد ترك ركن) من أركانها المتقدمة.

(و) بتعمد (زيادة ركن فعلي) كركوع أو سجود بخلاف زيادة ركن قولي.

وأركانها القولية ثلاثة: تكبيرة الإحرام والفاتحة والسلام.

وبقية الأركان فعلية. إلا أنه لا يتأتى زيادة مجرد اعتدال أو طمأنينة أو مجرد قيام لتكبير إحرام أو فاتحة، فرجع إلى الأمر [1] زيادة ركوع أو سجود ويلزم منها زيادة رفع.

وكذا تبطل بتعمد زيادة تشهد بعد الأولى أو الثالثة من جلوس (و) بتعمد (أكل) ولو لقمة بمضغها (و) بتعمد (شرب) ولو قل.

(و) بتعمد (كلام):

ــ

أعاد بوقت. وإن شك بنى على اليقين وأتى بما شك فيه بخلاف الأخروي فلا يكره. ثم إن لم يشغله عن الصلاة فالأمر ظاهر. وإن شغله عنها فإن شك في عدد ما صلى بنى على اليقين. وإن لم يدر ما صلى أصلاً بطلت كالتفكر بدنيوي، وهذا إذا لم يكن التفكر متعلقاً بالصلاة، فإن كان متعلقاً بها كالمراقبة والخشوع، فإن لم يدر ما صلى بنى على الإحرام. وإن كان مستحضراً له فالحكم واحد في الجميع إلا في هذا الفرع.

قوله: [أو غيرها]: أي كخاتم بيده إلا أن يحوله في أصابعه لضبط عدد الركعات خوف السهو فذلك جائز؛ لأنه لإصلاحها وليس من العبث.

قوله: [فمطلوب]: أي كانت الصلاة فرضاً أو نفلاً.

قوله: [والكثير مبطل]: والكثرة بالعرف وهو مبطل ولو سهواً، ويسجد للسهو إن لم يكثر.

قوله: [وحرم ترك المؤكدة]: أي وفيها قولان: بالبطلان وعدمه، وإن كان الراجح يستغفر الله ولا شيء عليه، ولكن الجزم بالحرمة مشكل غاية الإشكال، حيث كان متفقاً على سنيتها، ولم يكن فيها قول بالفرضية.

قوله: [في أخيرتيه]: أي ولا سجود عليه لتلك الزيادة لأنها قولية. والزيادة القولية لا سجود لها إلا في تكرار الفاتحة سهواً.

قوله: [والشأن المطلوب] إلخ: وما ورد في الحديث من قوله صلى الله عليه وسلم: «من نابه شيء في صلاته فليسبح إنما التصفيق للنساء» خارج عندنا مخرج الذم، فليس على ظاهره، وحمله الشافعية على ظاهره.

قوله: [وبطلت الصلاة برفضها]: تقدم أنها تبطل به اتفاقاً إذا وقع في الأثناء وبعد الفراغ: قولان مرجحان.

قوله: [أي بنية إبطالها]: أي فليس بلازم التلفظ بل القصد كاف. قوله: [وبتعمد ترك ركن]: أي وإن لم يطل. ومنه ترك الشرط. وأما إن كان ترك الركن سهواً فلا تبطل إلا بالطول. والطول بالعرف أو بالخروج من المسجد على الخلاف بين ابن القاسم وأشهب.

قوله: [وبتعمد زيادة ركن]: مراده بالعمد ما يشمل الجهل وهذا في النفل والفرض.

قوله: [قوي [2]]: أي كتكرير الفاتحة فلا يبطلها عن المذهب، وإنما يحرم إن كان عمداً ويسجد إن كان سهواً.

قوله: [إلا أنه لا يتأتى زيادة] إلخ: استدراك على عموم قوله: "وبتعمد زيادة ركن فعلي" كأنه يقول فيما يتأتى فيه الزيادة.

قوله: [وكذا تبطل] إلخ: أي لأن الجلوس فيه غير مشروع، فلو فعله عمداً أو جهلاً بطلت.

قوله: [ولو قل]: أي بل ولو كان مكرهاً ولو كان واجباً عليه لإنقاذ نفسه وجب عليه القطع لذلك، ولو خاف خروج الوقت كما قاله الأجهوري. اهـ. من حاشية الأصل.

قوله: [وبتعمد كلام] إلخ: الكلام هنا بمعنى مطلق الصوت. ولو نهق كالحمار، قالوا: إن حرك شدقيه وشفتيه لم تبطل، قال في المجموع: وينبغي حمله على ما يحصل بين يدي الكلام. أما إن حصل صورة الكلام بتحريك اللسان والشفتين فينبغي البطلان. كما اكتفوا به في قراءة الفاتحة. وترددوا: هل تبطل إشارة الأخرس أو إن قصد بها الكلام؟ أما إن نطقت يده بلا قصد فلا. وبه ولي يفتي نفسه. اهـ. ومثل التعمد في الكلام المبطل الإكراه عليه أو الوجوب؛ لإنقاذ أعمى أو لإجابة أحد والديه وهو أعمى أصم في نافلة. والحاصل أنه إذ ناداه أحد أبويه، فإن كان أعمى أصم وكان هو يصلي نافلة وجب عليه إجابته وقطع تلك النافلة لأنه تعارض معه واجبان فيقدم أوكدهما، وهو إجابة الوالدين؛ للإجماع على وجوبها، والخلاف

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

ليست في ط المعارف.

[2]

كذا في ط الحلبية، ولعل الصواب:(قولي).

ص: 124

ولو كلمة أجنبية نحو: " نعم " أو " لا " لمن سأله عن شيء

(لغير إصلاحها، وإلا) بأن كان لإصلاحها (فـ) تبطل (بكثيره): كأن يسلم الإمام من اثنتين أو يقوم لخامسة ولم يفهم بالتسبيح أو لم يرجع له، فقال له المأموم أنت سلمت من اثنتين أو قمت لخامسة كما وقع في قصة ذي اليدين، فإن كثر الكلام بما يزيد على الحاجة بطلت.

(و) بتعمد (تصويت): خال عن الحروف كصوت الغراب.

(و) بتعمد (نفخ) بفم لا بأنف (و) بتعمد (قيء) ولو طاهراً قل (و) بتعمد (سلام حال شكه في الإتمام) فتبطل، (وإن بان) له (الكمال)، أي كمال الصلاة، فأولى إذا لم يتبين له شيء وأولى إن تعمد السلام وهو يعلم أو يظن عدم الإكمال فقد نص على المتوهم.

(و) بطلت (بطرو ناقض) لوضوئه من حدث أو سبب أو شك إلا أنه في طرو الشك يستمر، فإن بان الطهر لم يعد كما تقدم.

(و) بطرو (كشف عورة مغلظة) لا غيرها، (و) بطرو (نجاسة) سقطت عليه وهو فيها أو تعلقت به إن استقرت به، وعلم بها واتسع الوقت لإزالتها وإيقاع الصلاة فيه، وإلا لم تبطل لما علمت أن طهارة الخبث واجبة مع الذكر والقدرة ساقطة مع العجز والنسيان، وقد تقدم الكلام على ذلك في باب إزالة النجاسة.

(و) بطلت (بفتح على غير الإمام)، بأن سمعه يقرأ فتوقف في القراءة فأرشده للصواب لأنه من باب المكالمة، بخلاف الفتح على إمامه ولو في غير الفاتحة فلا تبطل.

(و) بطلت (بقهقهة): وهي الضحك بصوت فإن كان فذاً أو إماماً

ــ

في وجوب إتمام النافلة. وأما إن كان المنادي له من أبويه ليس أعمى ولا أصم أو كان يصلي في فريضة فليخفف ويسلم ويكلمه، انظر (ح). وأما إذا وجب لإجابته عليه الصلاة والسلام في حال حياته أو بعد موته فهل تبطل به الصلاة أو لا تبطل؟ قولان، والمعتمد منهما عدم البطلان. فإذا ترك المصلي الكلام لإنقاذ الأعمى وهلك، ضمن ديته. ويجب أيضاً الكلام لتخليص المال إذا كان يخشى بذهابه هلاكاً أو شديد أذى، كان المال قليلاً أو كثيراً ويقطع الصلاة، كان الوقت متسعاً أو لا. وأما إذا كان لا يخشى بذهابه هلاكاً ولا شديد أذى فإن كان يسيراً فلا يقطع، وإن كان كثيراً قطع إن اتسع الوقت، والكثرة والقلة بالنسبة للمال في حد ذاته. اهـ. من حاشية الأصل.

قوله: [ولو كلمة أجنبية]: هذه المبالغة فيها شيء ولعل المناسب أن يقول: وبتعمد كلام أجنبي ولو كلمة.

قوله: [لغير إصلاحها]: وهي مستثنى من البطلان بالكلام.

قوله: [فتبطل بكثيره]: والكثير ما زاد على ما وقع في قصة ذي اليدين.

قوله: [في قصة ذي اليدين]: هو رجل من الصحابة لقب بذلك لطول كان في يديه. وحاصله «أنه كان يصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم من ركعتين في صلاة رباعية قيل العصر وقيل الظهر، فقال ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال له: كل ذلك لم يكن، فقال ذو اليدين بل بعض ذلك قد كان فقال النبي صلى الله عليه وسلم لباقي المصلين أحق ما قاله ذو اليدين؟ فقالوا: نعم. فقام النبي وكمل الصلاة وسجد بعد السلام» .

قوله: [وبتعمد تصويت] إلخ: أي لكونه من معنى الكلام.

قوله: [بفم]: أي لأنه في الصلاة كلام.

وقوله: [لا بأنف]: أي إلا أن يكثر أو يتلاعب. وذكر الأجهوري عن النوادر تمادي المأموم على صلاة باطلة إن نفخ عمداً أو جهلاً.

قوله: [وبتعمد قيء]: أي ومثله القلس. وأما البلغم فلا يفسد صلاة ولا صوماً إلا إذا كثر فيجري على الأفعال الكثيرة. ومفهوم "بتعمد" أنه إن غلبه لا يضر حيث كان طاهراً ما لم يزدرد منه شيئاً، فإن ازدرده عمداً بطلت. وغلبة: قولان مستويان. وسهواً: سجد.

قوله: [حال شكه في الإتمام]: مراده بالشك التردد على حد سواء لا ما قابل الجزم كما هو ظاهر (عب) إذ مقتضاه أن السلام مع ظن الإتمام مبطل وليس كذلك كما يفيده نقل (ح) عن ابن رشد انتهى من حاشية الأصل.

قوله: [يعلم] إلخ: فتحصل أن الصور التي تبطل فيها الصلاة تسع، وهي: إذا سلم متردداً على حد سواء، أو متحققاً عدم الكمال، أو ظاناً عدمه. وفي كل: تبين الكمال أو عدمه، أو لم يتبين شيء. وأما لو سلم معتقداً الكمال أو ظاناً الكمال فالصلاة صحيحة حيث تبين الكمال أو لم يتبين شيء، وإن تبين عدم الكمال بطلت إن طال، وإلا تداركه.

تنبيه: إنما بطلت الصلاة بالشك في الإتمام لأنه شك في السبب المبيح للسلام وهو الإتمام والشك في السبب يضر، وليس شكاً في المانع خلافاً لمن يقول بذلك.

قوله: [بطرو ناقض]: أي حصوله أو تذكره. ولا يسري البطلان للمأموم بحصول ذلك للإمام إلا بتعمده لا بالغلبة والنسيان كما سيأتي.

قوله: [وبطرو كشف عورة] إلخ: أي فهو من المبطلات على المشهور كما في الحطاب، وقد تقدم في مبحث ستر العورة.

قوله: [على غير الإمام]: أي وإن كان مصلياً. وقول خليل: "كفتح على من ليس معه في صلاة" لا مفهوم له، بل المدار على كونه غير إمامه.

قوله: [وبطلت بقهقهة]: أي سواء كثرت أو قلت.

ص: 125

قطع واستأنف صلاته مطلقاً سواء وقع منه اختياراً أو غلبة أو نسياناً لكونه في صلاته.

وإن كان مأموماً ففيه تفصيل أشار له بقوله: (وتمادى) وجوباً (المأموم) مع إمامه على صلاة باطلة، لأنه من مساجين الإمام نظراً للقول بعدم بطلانها (إن اتسع الوقت) لأدائها في وقتها بعد سلام الإمام، وكان (بغير) صلاة (جمعة)، فإن ضاق الوقت أو كان بجمعة قطع ودخل مع إمامه لئلا يفوته الوقت أو الجمعة، ومحل ذلك (إن كان) ضحكه (كله) من أوله لآخره (غلبة أو نسياناً) لكونه في صلاة. فإن كان كله أو بعضه عمداً اختياراً قطع واستأنف مع إمامه، وهذا إذا لم يكثر في ذاته، وإلا أبطل قطعاً لأنه من الأفعال الكثيرة، وإلى هذه المفاهيم الثلاثة أشار بقوله:(وإلا) بأن ضاق الوقت أو كان بجمعة [1] أو كان كله أو بعضه عمداً اختياراً (قطع ودخل معه) أي مع إمامه.

(و) بطلت (بكثير فعل): غير ما تقدم كحك جسد وعبث بلحيته ووضع رداء على كتف ودفع مار وإشارة بيد؛ فالقليل من ذلك لا يبطلها كما تقدم بعضه في المكروهات، وسيأتي قريباً بعضه إن شاء الله تعالى في قوله لا بإنصات قل لمخبر إلى آخره، والكثير منه مبطل (ولو سهواً كسلام مع أكل أو) مع (شرب) سهواً (ولو قل) الأكل أو الشرب المصاحب للسلام لشدة المنافاة في السلام. فلو اجتمع الأكل والشرب سهواً فالبطلان أيضاً، وقيل: يجبر بسجود السهو ولا بطلان. والحاصل أن اجتماع الثلاثة مبطل اتفاقاً وانفراد أحدهما لا يبطل ويجبر بالسجود، وحصول اثنين فيه خلاف والأظهر البطلان لا سيما إذا كان أحدهما سلاماً.

(و) بطلت (بمشغل) أي مانع (عن فرض) من فرائض الصلاة؛ كركوع أو سجود وقراءة فاتحة أو بعضها كشدة حقن أو غثيان أو وضع شيء في فمه،

(وأعاد فيه) مشغل عن (سنة) مؤكدة (بوقت ضروري) وهو في الظهرين للاصفرار.

(و) بطلت (بذكر): أي تذكر (أولى) الصلاتين (الحاضرتين في) الصلاة (الأخرى) أي الثانية، كأن يتذكر في صلاته العصر قبل الغروب أن عليه الظهر، أو يتذكر وهو في العشاء قبل الفجر أن عليه المغرب فتبطل التي هو فيها لأن ترتيب الحاضرتين

ــ

قوله: [قطع واستأنف]: أي ويقطع من خلف الإمام أيضاً ولا يستخلف. ووقع لابن القاسم في العتبية والموازية: أن الإمام يقطع هو ومن خلفه في العمد، ويستخلف في النسيان والغلبة أو يرجع مأموماً مراعاة للقول بعدم بطلان الصلاة بالقهقهة غلبة أو نسياناً. وإذا رجع مأموماً أتم صلاته مع ذلك الخليفة ويعيدهما أبداً لبطلانها. وأما مأموموه فيتمون صلاتهم مع ذلك الخليفة ولا إعادة عليهم في وقت ولا غيره. واقتصر الأجهوري في شرحه على ما لابن القاسم في الموازية والعتبية واعتمده في الحاشية. اهـ. من حاشية الأصل.

قوله: [وتمادى وجوباً المأموم]: أي بقيود خمسة، ذكر الشارح منها أربعة بقوله:"إن اتسع الوقت بغير جمعة" إن كان كله غلبة أو نسياناً، وهذا إذا لم يكثر في ذاته. والخامس هو أن لا يلزم على تماديه ضحك كل المأمومين أو بعضهم وإلا قطع وخرج.

قوله: [وإلا أبطل قطعاً]: أي فحكمه حكم العمد لا يتمادى المأموم فيه.

تنبيه: لا شيء في التبسم إن قل، وكره عمده. فإن كثر أبطل مطلقاً لأنه من الأفعال الكثيرة، وإن توسط بالعرف يسجد لسهوه فيما يظهر، وأبطل عمده. اهـ من الأصل.

قوله: [كحك جسد]: أي فيبطلها إذا كثر ولو سهواً والكثير عندنا هو ما يخيل للناظر أنه ليس في صلاة.

قوله: [وعبث بلحيته] إلخ: حكمه كالذي قبله.

قوله: [مع أكل] إلخ: الحاصل أنه وقع في موضع من المدونة: إن سلم وأكل وشرب - وروي: أو شرب سهواً - بطلت، وفي آخر: إن أكل وشرب سهواً سجد. وهل اختلاف للمنافي فيهما - بقطع النظر عن اتحاده وتعدده أو وفاق؟ والبطلان في الموضع الأول للسلام أو للجمع بين ثلاثة على رواية الواو، واثنين على رواية وتأويلات ثلاثة؛ واحد بالخلاف واثنان بالوفاق.

قوله: [لشدة المنافاة في السلام]: أي فالبطلان للسلام سواء كان معه أكل وشرب أو أحدهما.

قوله: [فلو اجتمع الأكل والشرب] إلخ: أي بناء على تأويل الجمع.

قوله: [وقيل يجبر بسجود السهو]: أي نظراً للتوفيق الأول وهو السلام ولم يكن.

قوله: [اتفاقاً]: أي لاتفاق الموفقين على ذلك.

قوله: [لا يبطل ويجبر بالسجود]: أي على المشهور من أن الراجح تأويل الوفاق بوجهه.

قوله: [والأظهر البطلان]: أي نظراً للجميع.

قوله: [لا سيما] إلخ: أي لما فيه من الجمع وكثرة المنافيات.

قوله: [أو غثيان]: المراد به فوران النفس.

واعلم أن محل البطلان بالمشغل عن الفرض: إذا كان لا يقدر على الإتيان معه بالفرض أصلاً أو يأتي به معه لكن بمشقة إذا دام ذلك المشغل. وأما إن حصل ثم زال فلا إعادة كما في البرزلي. اهـ. من حاشية الأصل.

قوله: [بوقت ضروري]: قال (ح): ينبغي أن يكون هذا الحكم فيمن ترك سنة من السنن الثمانية المؤكدة.

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

قوله: (أو كان بجمعة) ليس في ط المعارف.

ص: 126

واجب شرط.

(و) بطلت (بزيادة أربع ركعات سهواً): في الرباعية والثلاثية ولو في السفر (كركعتين): أي زيادتهما سهواً (في الثنائية) كالصبح والجمعة (أو الوتر): لا بركعة فقط.

(و) بطلت (بسجود مسبوق) بركعة أو أكثر (مع إمامه) متعلق بسجود المضاف لفاعله السجود (البعدي) المترتب على الإمام لزيادة سهو. فإذا سجد المسبوق البعدي مع إمامه بطلت عليه لأنه فعل زيادة في صلاته عمداً ولو جهلاً (كالقبلي): أي كما تبطل على المسبوق بسجوده القبلي مع إمامه (إذا) كان (لم يدرك معه ركعة) لأن سجوده لا يلزم ذلك المسبوق لأنه ليس بمأموم حقيقة؛ فسجوده معه محض زيادة في الصلاة. فإن أدرك معه ركعة بسجدتيها سجد معه القبلي وقام لقضاء ما عليه بعد سلامه، وأخر البعدي لتمام صلاته وسيأتي إن شاء الله تعالى في السهو.

(و) بطلت (بسجود قبل السلام لترك سنة خفيفة): كتكبيرة أو تسميعة، وأولى لترك فضيلة كقنوت. (و) بطلت (بما يأتي) الكلام عليه من المبطلات (في) باب سجود (السهو): كترك السجود لثلاث سنن وطال [1].

ثم ذكر أشياء لا بطلان فيها لجواز فعلها في الصلاة ما لم تكن كثيرة بحيث يعتقد من رآه يفعلها أنه ليس في صلاة أخذاً مما تقدم فقال:

(لا) تبطل الصلاة (بإنصات قل) لا كثر (لمخبر) بكسر الباء اسم فاعل؛ أي إنصات قليل لمن أخبره أو أخبر غيره بخبر وهو في الصلاة. فإن طال الإنصات بطلت. وأما لو قال: " إيه إيه " فتبطل بمجرد القول كما تقدم.

ــ

وأما ترك سنة غير مؤكدة فلا شيء عليه، كان الترك لمشغل أو لغير مشغل كما صرح به في المقدمات. اهـ. من حاشية الأصل.

قوله: [واجب شرط]: أي: في الابتداء باتفاق، وفي الأثناء على إحدى طريقتين، فإن كان إماماً بطلت عليه وعلى مأموميه، وإن كان فذاً قطع، وإن كان مأموماً تمادى على صلاة باطلة لحق الإمام إن اتسع الوقت.

قوله: [وبزيادة أربع ركعات]: أي متيقنة، وأما لو شك في الزيادة الكثيرة فإنها تجبر بالسجود اتفاقاً.

وقوله: [سهواً]: وأما الزيادة عمداً فتقدم الكلام عليها.

قوله: [والثلاثية]: هذا هو المشهور. وقيل: إن الثلاثية تبطل بزيادة مثلها. وقيل: بزيادة ركعتين.

قوله: [ولو في السفر]: أي مراعاة لأصلها بناء على أن الرباعية هي الأصل وهو الصحيح فلا تبطل إلا بصلاتها ستاً.

قوله: [أو الوتر]: مثلها في ذلك النفل المحدود كالفجر والعيدين والاستسقاء والكسوف، ولو لم يكرر الركوع فيه. وأما النفل غير المحدود فلا يبطل بزيادة مثله، لقولهم: إذا قام لخامسة في النافلة رجع ولا يكملها سادسة وسجد بعد السلام.

تنبيه: قال في المجموع: يمكن للساهي تسع تشهدات والصلاة صحيحة بأن سها بزيادة بعد القبلي، وجلس في سبع ركعات، قال في حاشيته: فإن كان دخل مع الإمام في التشهد الأخير كمل عشراً، فإن سجد معه سجود السهو ناسياً زادت على العشر، كأن شك في تشهد هل سجد قبله سجدة أو اثنتين؟ سجد واحدة وأعاد تشهده، وفي ذلك مع ما تقدم من سجدات كثيرة كثمان سجدات في كل ركعة مع صحة الصلاة. قلت:

يا فقيهاً يدعى لحل الأحاجي

أصلاة فيها ثلاثون سجده

بل مزيد وهل تشهد أحرى

ضبطوه فجاوز العشر عده

وقوله: [مع ما تقدم من سجدات كثيرة] إلخ: أي ما تقدم له في المجموع عند قوله في سجود السهو سجدتان. قال هناك: فإن شك عند الرفع هل هذا سجود للفرض أو كان بنية السهو، ونسي الفرض، أتى بالفرض ثم السهو فيكون ست سجدات وينضم له ما أمكن من سجدات التلاوة في القراءة. فإن تذكر ترك الفاتحة رجع لها ثم يمكن أن يجتمع له سجدات كالأول. ويلغز بها كما للوانوغي والأجهوري سجدات كثيرة في ركعة واحدة. ونحوه في كبير التتائي. اهـ.

قوله: [وبطلت بسجود] إلخ: أي إن فعل ذلك عمداً وأما نسياناً فلا تبطل.

قوله: [ولو جهلاً]: أي فالجاهل كالعامد عند ابن رشد خلافاً لابن القاسم الذي ألحقه بالناسي مراعاة لمن قال بوجوب سجوده مع الإمام وهو سفيان.

فالحاصل أنه إن سجد القبلي معه ولم يكن أدرك ركعة فالصلاة باطلة إن فعله عمداً أو جهلاً على المعتمد. وأما لو سجد البعدي معه فالبطلان مطلقاً أدرك ركعة أم لا إن فعله عمداً أو جهلاً لا سهواً. فإن أدرك ركعة في القبلي سجد معه قبل قضاء ما عليه إن سجده الإمام قبل السلام ولو على رأي الإمام كشافعي يرى التقديم مطلقاً. فإن أخره بعده فهل يفعله معه قبل قيامه للقضاء -وضعف- أو بعد تمام القضاء قبل سلام نفسه أو بعده؟ أو إن كان عن ثلاث سنن؟ فعله قبل القضاء وإلا فبعده؟ تردد. اهـ من الأصل.

قوله: [وبطلت بسجود قبل السلام لترك سنة] إلخ: أي إلا أن يأتم بمن يراه فيتبعه ولا بطلان بل في (بن) تقوية عدم البطلان بالسجود لتكبيرة وفضيلة اهـ من المجموع.

قوله: [وإن طال]: أي لأنه اشتغل عن الصلاة وإن كان بين ذلك سجد بعد السلام إن كان سهواً، كما في الخرشي.

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

في ط المعارف: (وإن طال).

ص: 127

(و) لا (قتل عقرب قصدته): أي جاءت عليه إذ هي لا قصد لها (ولا) تبطل (بإشارة بعضو) كيد أو رأس (لحاجة) طرأت عليه وهو في الصلاة، (أو) إشارة ل (رد سلام) على من سلم عليه وهو يصلي. والراجح أن الإشارة لرد السلام واجبة، وتبطل إن رده بالقول.

(ولا) تبطل (بأنين لوجع) إن قل وإلا بطلت، (وبكاء تخشع): أي خشوع (وإلا) يكن الأنين لوجع ولا البكاء لخشوع (فكالكلام) يبطل عمده ولو قل، وسهوه إن كثر. وهذا في البكاء الممدود وهو ما كان بصوت، وأما المقصور - وهو ما كان بلا صوت فلا تبطل إلا بكثيره ولو اختياراً (ولا) تبطل (بتنحنح ولو لغير حاجة ولا) تبطل (بمشي) المصلي (كصفين) أدخلت الكاف الثالث (لسترة): يقرب إليها ليستتر بها خوفاً من المرور بين يديه (أو دفع مار) بين يديه بناء على أنه يستحق أكثر من محل ركوعه وسجوده وإلا فلا يمشي لتيسر دفعه وهو بمكانه، (أو) مشي نحو الصفين لأجل (ذهاب دابة) ليردها، أو لإمساك رسنها فإن بعدت قطع وطلبها، وإن ضاق الوقت إذا ترتب على ذهابها ضرر. ودابة الغير كدابته ومثل المشي لما ذكر: المشي لسد فرجة في صف؛ فلا تبطل بمشي كالصفين فيما ذكر، (وإن) كان المشي (بجنب أو قهقرى) بأن يرجع على ظهره والاستدبار للقبلة مبطل.

(ولا) تبطل (بإصلاح رداء) سقط من فوق كتفيه فتناوله ووضعه عليهما ولو طأطأ لأخذه من الأرض، (أو سترة) نصبها إمامه ليصلي لها (سقطت) ولو انحط لإصلاحها. وكما أنها لا تبطل في جميع ما تقدم لم يكن عليه سجود في ذلك وإنما لم تبطل ولا سجود عليه (لجواز) جميع (ما ذكر). والمراد بالجواز: عدم المنع، فلا ينافي أن بعضه خلاف الأولى: كالإنصات للمخبر، وقتل العقرب إذا لم يخش منها الضرر وأن البعض واجب كالإشارة لرد السلام، وبعضها مندوب كالمشي للسترة. ومحل عدم البطلان، إذا لم تكثر هذه الأشياء كثرة يظن مشاهدها أنه ليس في صلاة وإلا أبطلت لدخولها تحت قوله وبكثير فعل كما تقدم.

وشبه في الجواز وعدم البطلان قوله: (كسد فيه) أي فمه بيده اليمنى (لتثاؤب) بل هو مندوب وهو بمثناة فمثلثة انفتاح الفم عند انعقاد البخار بالدماغ من كثرة الأكل أو النوم. (ونفث) بسكون الفاء البصاق بلا صوت (بثوب) أو غيره (لحاجة) كامتلاء فمه بالبصاق

ــ

قوله: [جاءت عليه]: أي فإن لم تجئ عليه كره؛ لأنه تعمد قتلها، ولا تبطل بانحطاطه لأخذ حجر يرميها به.

قوله: [إذ هي لا قصد لها]: أي لأن الإرادة من خواص العقلاء، هكذا قيل. ورد بأن المناطقة عرفوا الحيوان بأنه: المتحرك بالإرادة.

قوله: [بإشارة]: أي ما لم تكثر.

قوله: [فالراجح أن الإشارة لرد السلام] إلخ: أي ولو في صلاة الفرض وهكذا في رد السلام وأما ابتداؤه بالإشارة فمكروه خلافاً لابن الحاجب القائل بجوازه.

قوله: [إن قل] إلخ: ظاهره ولو كان له فيه نوع اختيار.

قوله: [وبكاء تخشع]: ظاهره ولو كثر وسيأتي إيضاحه.

قوله: [وسهوه إن كثر]: أي وإلا ففيه السجود.

قوله: [وهذا في البكاء الممدود] إلخ: قال في الحاشية.

تنبيه: هذا كله إلا إذا كان البكاء بصوت، وأما إذا كان لا صوت فيه فإنه يبطل اختياراً أو غلبة تخشعاً أم لا. وينبغي: إلا أن يكثر الاختياري منه. وأما بصوت فإن كان اختياراً أبطل مطلقاً كان لتخشع أم لا بأن كان لمصيبة، وإن كان غلبة إن كان بتخشع لم تبطل ظاهره. وإن كثر وإن كان لغيره أبطل. اهـ.

قوله: [ولو اختياراً]: المناسب الاختياري ولا محل للمبالغة لأن الاضطراري لا شيء فيه كما يؤخذ من الحاشية.

قوله: [ولو لغير حاجة]: أي هذا إذا كان لحاجة ولو لم تتعلق بالصلاة فلا سجود في سهوه بل ولو لغير حاجة.

قوله: [فإن بعدت قطع]: حاصل فقه المسألة أن الدابة إذا ذهبت فله أن يقطع الصلاة ويطلبها إن كان الوقت متسعاً. وكان ثمنها يجحف به. فإن ضاق الوقت أو قل ثمنها فلا يقطعها إلا إذا كان يخاف الضرر على نفسه لكونه بمفازة مثلاً وإلا قطعها. وغير الدابة من المال يجري على هذا التفصيل.

قوله: [والاستدبار للقبلة مبطل]: أي في غير مسألة الدابة فيجوز له أن يستدبر القبلة في الصف والصفين والثلاثة. وإن كان لا يتمكن منها إلا بالاستدبار. والحاصل أن الاستدبار لعذر مغتفر، والعذر إنما يظهر في الدابة قاله في الحاشية.

قوله: [ولا تبطل بإصلاح رداء]: أي بل ذلك مندوب إذا أصلحه وهو جالس بأن يمد يده يأخذه من الأرض. وأما إن كان قائماً وانحط لذلك فيكره ولا تبطل به الصلاة إن كان مرة وإلا أبطل، لأنه فعل كثير.

قوله: [ولو انحط لإصلاحها]: أي مرة وأبطل إن زاد، كذا في الحاشية. وأما الانحطاط لأخذ عمامة فمبطل لأنها لا تصل لرتبة ما ذكر في الطلب إلا أن يتضرر لها كما في (عب) كمنكب اهـ من المجموع.

قوله: [بل هو مندوب]: أي في الصلاة أو غيرها إذا كان السد بغير باطن اليسرى لا إن كان به فيكره لملابسة النجاسة، وليس التفل عقب التثاؤب مشروعاً، وما نقل عن مالك من تفله عقب التثاؤب فلاجتماع ريق عنده إذ ذاك انظر (ح).اهـ. من حاشية الأصل.

قوله: [من كثرة الأكل] إلخ: أي بحسب الغالب وقد يكون لمرض كما هو مشاهد.

ص: 128

وكره لغيرها فإن كان بصوت بطلت

(وقصد التفهيم) أي تفهيم أحد أمر [1] من الأمور (بذكر) متعلق بقصد، أي قصد بالذكر من قرن [2] أو غيره كتسبيح ليفهم غيره أنه في صلاة، أو ليتناول كتاباً أو غيره بقوله:{يا يحيى خذ الكتاب بقوة} [مريم: 12] أو ليأذن له في الدخول بقوله: {ادخلوها بسلام آمنين} [الحجر: 46].

وقوله: (في محله): صادق بصورتين أن يدخل عليه إنسان يطلب الإذن بالدخول أو بأخذ شيء فيبتدئ بعد الفاتحة بقوله: {ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون} [الزخرف: 70] مثلاً أو يكون متلبساً بها سراً فيجهر بها للإشارة للدخول، فإن لم يكن بمحله بأن كان في أثناء الفاتحة أو آية الكرسي مثلاً فدخل عليه شخص فانتقل إلى قوله:{ادخلوها بسلام} [الحجر: 46] أو نحوه فإنها تبطل. وهو معنى قوله (وإلا) يكن في محله (بطلت) الصلاة، لأنه صار بانتقاله مما هو فيه إلى ما ذكر في معنى المكالمة وهذا في غير التسبيح، وأما هو فيجوز مطلقاً في جميع أحوال الصلاة للحاجة. وكذا لا تبطل بما تقدم في المكروهات من الالتفات وما عطف عليه. وكذا لا تبطل بتعمد بلع ما بين أسنانه من طعام ولو مضغه ليسارته، أو بتعمد بلع نحو زبيبة أو لقمة بلا مضغ وإلا بطلت. واستظهر بعضهم البطلان في المضغ وفي بلع كالزبيبة وهو ظاهر.

فصل [3]: في بيان حال من لم يقدر على القيام في الفرض

وفي بيان قضاء الفوائت وما يتعلق بذلك

(إذا لم يقدر) المصلي (على القيام استقلالاً) لعجز به أو لمشقة فادحة لا يستطيع معها القيام كدوخة (في) صلاة (الفرض) الواجب فيه القيام استقلالاً - بخلاف النفل - فيجوز فيه الجلوس. ويجوز بعضه من قيام وبعضه من جلوس باتفاق أهل المذهب.

(أو) قدر على القيام في الفرض ولكن (خاف به ضرراً كالتيمم): أي كالضرر الموجب للتيمم، بأن خاف بالقيام حدوث مرض من نزلة أو إغماء أو زيادته - إن كان متصفاً به - قبل الدخول فيها، أو خاف تأخر برء (أو) خاف بالقيام (خروج حدث)

ــ

قوله: [وكره لغيرها]: أي ويسجد لسهوه على المعتمد. والحاصل أن البصاق في الصلاة إما لحاجة أو لغيرها؛ وفي كل، إما أن يكون بصوت أو بغيره. فإن كان لحاجة فهو جائز كان بصوت أم لا ولا سجود فيه اتفاقاً. وإن كان لغير حاجة فإن كان بغير صوت كان مكروهاً، وفي السجود لسهوه قولان. وإن كان بصوت بطلت إن كان عمداً وإن كان سهواً سجد على المعتمد.

قوله: [وإلا يكن في محله بطلت الصلاة]: أي عند ابن القاسم وقال أشهب بالصحة مع الكراهة.

قوله: [وهذا في غير التسبيح]: مثله التهليل والحوقلة فلا يضر قصد الإفهام بهما في أي محل من الصلاة، فالصلاة كلها محل لذلك. .اهـ. من حاشية الأصل.

قوله: [من طعام ولو مضغه]: قال مالك: من كان بين أسنانه طعام كفلقة الحبة فابتلعه في صلاته لم يقطع صلاته أبو الحسن، لأن فلقة الحبة

ليست بأكل فلا تبطل به الصلاة، ألا ترى أنه إذا ابتلعها في الصوم لا يفطر على ما في الكتاب؟ فإذا كان الصوم لا يبطل فأحرى الصلاة. .اهـ. من حاشية الأصل.

فصل

في بيان حال من لم يقدر على القيام

أي فهذا الفصل يذكر فيه حكم القيام للصلاة وبدله؛ وهو الجلوس، ومراتبهما أي كون كل منهما مستقلاً أو مستنداً.

قوله: [وما يتعلق بذلك]: أي بما ذكر من الأحكام المتعلقة بالقيام للصلاة وبالفوائت كترتيب الفوائت في أنفسها ويسيرها مع حاضرة وغير ذلك.

قوله: [أو لمشقة]: أراد بالمشقة التي ينشأ عنها المرض أو زيادته؛ لأن المشقة الحالية التي تحصل في حال الصلاة - ولا يخشى عاقبتها - لا توجب ترك القيام على المشهور عند اللخمي وغيره وهو ظاهر المدونة. وقال أشهب المريض إذا صلى قائماً وحصلت له المشقة فله أن يصلي من جلوس. قال ابن ناجي ولقد أحسن أشهب لما سئل عن مريض لو تكلف الصوم والصلاة قائماً لقدر لكن بمشقة وتعب؟ فأجاب: بأن له أن يفطر وأن يصلي جالساً، ودين الله يسر. والحاصل - كما قال الأجهوري: أن الذي يصلي الفرض جالساً هو من لا يستطيع القيام جملة، ومن يخاف من القيام المرض أو زيادته كالتيمم، وأما من يحصل له به المشقة الفادحة فالراجح أنه لا يصليه جالساً إن كان صحيحاً، وإن كان مريضاً له ذلك على ما قال أشهب وابن مسلمة، واختاره ابن عبد السلام اهـ. من حاشية الأصل باختصار.

قوله: [في صلاة الفرض]: أي سواء كان عينياً أو كفائياً كصلاة الجنازة على القول بفرضيتها - لا على القول بسنيتها فيندب القيام فقط؛ وسواء كان الفرض العيني فرضيته أصلية أو عارضة بالنذر إن نذر فيه القيام، أما إن نذر الفعل فقط فالظاهر عدم الوجوب.

قوله: [فيجوز له الجلوس] إلخ: أي من غير عذر، لا الاضطجاع فلا يجوز إلا لعذر.

قوله: [بأن خاف بالقيام حدوث مرض]: أي بأن يكون عادته إذا قام حصل له إغماء أو دوخة مثلاً، أو أخبره طبيب عارف أو موافق له في المزاج.

قوله: [خروج حدث]: أي فيجلس على ما قاله ابن عبد الحكم، وقال سند يصلي من قيام ويغتفر له خروج الريح لأن الركن أولى للمحافظة

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

في ط المعارف: (أمراً)، ولعلها الصواب.

[2]

في ط المعارف: (قرآن)، وهي الصواب.

[3]

زاد بعدها في ط المعارف: (في صلاة القاعدة وقضاء الفوائت).

ص: 129

كريح، (استند) ندباً (لغير جنب أو حائض): بأن يستند لحائط، أو على قضيب أو لحبل يعلقه بسقف للبيت ويعتمد على إمساكه في قيامه أو على شخص غيرهما.

(و) إن استند (لهما): أي للجنب أو الحائض (أعاد بوقت) ضروري.

فلو صلى جالساً استقلالاً مع القدرة على القيام مستنداً صحت.

(فإن تعذر) القيام بحالتيه (جلس كذلك): أي مستقلاً وجوباً إن قدر، وإلا فمستنداً.

(وتربع) ندباً (له): أي للجلوس في القيام؛ أي في الحالة التي يجب فيها القيام للقادر؛ وهي حالة التكبير للإحرام والقراءة والركوع، وأما في حالة الجلوس بين السجدتين وللتشهد فالإفضاء كما مر (كالمتنفل): من جلوس فإنه يتربع ندباً في محل القيام، ويغير جلسته في التشهد وبين السجدتين.

(ولو استند القادر): على القيام استقلالاً [1](في غير) قراءة (السورة)، وذلك في الإحرام وقراءة الفاتحة والركوع (بحيث لو أزيل العماد): المستند إليه (لسقط) المستند (بطلت): صلاته؛ لأنه لم يأت بالفرض الركني.

(وإلا) يسقط على تقدير زواله أو كان استناده في السورة (كره) استناده ولا بطلان. فلو جلس حال قراءة السورة بطلت للإخلال بهيئة الصلاة لا لترك ركن.

(ثم) إن لم يقدر على الجلوس بحالتيه صلى (على شق أيمن) بالإيماء ندباً: (فأيسر) إذا لم يقدر على الشق الأيمن، ندباً أيضاً.

(فعلى ظهر): ورجلاه للقبلة. فإن لم يقدر فعلى بطنه ورأسه للقبلة. فإن قدمها على الظهر بطلت. بخلاف ما لو قدم الظهر على الشق بحالتيه، أو قدم الأيسر على الأيمن فلا تبطل. وبطلت إن قدم الاضطجاع مطلقاً على الجلوس بحالتيه، أو استند جالساً مع القدرة عليه استقلالاً، بخلاف ما لو جلس مستقلاً مع القدرة على القيام مستنداً كما تقدم.

(و) الشخص (القادر على القيام فقط): دون الركوع والسجود والجلوس (أومأ للركوع والسجود منه) أي من القيام، ولا يجوز له أن يضطجع ويومئ لهما من اضطجاعه، فإن اضطجع بطلت.

(و) القادر على القيام (مع الجلوس) أومأ لركوعه من القيام و (أومأ للسجود منه) أي من الجلوس، فإن خالف فيهما بطلت.

(و) إذا أومأ للسجود من قيام أو جلوس (حسر):

ــ

عليه من الشرط. ولكن المعتمد ما قاله ابن عبد الحكم الذي مشى عليه المصنف. وقول سند: الركن أولى لا يسلم؛ لأن الشرط هنا أعظم منه لأنه شرط في صحة الصلاة مطلقاً فرضاً أو نفلاً، والمحافظة عليه أولى من المحافظة على الركن الواجب في الجملة؛ لأن القيام لا يجب إلا في الفرض، وبهذا يسقط قول سند: لم لم يصل قائماً ويغتفر له خروج الريح ويصير كالسلس؟ ولا يترك الركن لأجله، فتحصل أن في المسألة قولين رجح كل منهما.

قوله: [أعاد بوقت ضروري]: أي ويكره ابتداء لبعدهما عن حالة الصلاة، وأما لو استند لغير محرم - كالزوجة والأمة والأجنبية والأمرد والمأبون - فلا يجوز ولو كان ما ذكر غير جنب وحائض. فإن حصلت اللذة بطلت الصلاة وإلا فلا. ومحل الكراهة في الحائض والجنب والإعادة في الوقت إذا وجد غيرهما، وإلا فلا كراهة ولا إعادة.

تنبيه: لا غرابة في إعادة الصلاة لارتكاب أمر مكروه كالاستناد للحائض والجنب مع وجود غيرهما، ألا ترى للصلاة في معاطن الإبل فإنه مكروه وتعاد الصلاة لأجله في الوقت، فاندفع قول بعضهم: إن الكراهة لا تقتضي الإعادة أصلاً.

قوله: [صحت]: أي ما ذكره ابن ناجي وزروق عن ابن رشد ناقلاً له عن سماع أشهب أن تقديم القيام مستنداً على الجلوس مستقلاً مستحب، وذكر ابن شاس وابن الحاجب وجوب الترتيب بينهما، واعتمده البناني.

قوله: [وتربع ندباً]: أي سواء كان مستقلاً أو مستنداً.

قوله: [وأما في حالة الجلوس] إلخ: حاصله أن يكبر للإحرام متربعاً ويقرأ ويركع ويرفع كذلك، ثم يغير جلسته إذا أراد أن يسجد فيسجد على أطراف قدميه. ويجلس بين السجدتين وفي التشهد إلى السلام كالجلوس المتقدم في مندوبات الصلاة، ثم يرجع متربعاً للقراءة وهكذا.

قوله: [القادر على القيام]: لا مفهوم له بل مثله لو استند القادر على الجلوس استقلالاً.

قوله: [ورجلاه للقبلة]: أي وجوباً فلو جعل رأسه إليها ورجليه لدبرها لبطلت إذا كان قادراً على التحول ولو بمحول. وإلا فلا بطلان.

قوله: [ورأسه للقبلة]: أي وجوباً فإن جعل رجليه للقبلة ورأسه لدبرها بطلت إذا كان قادراً على التحول كما تقدم في نظيره.

قوله: [كما تقدم]: أي من ندب الترتيب بينهما على قول ابن ناجي وزروق. وأما، على قول ابن شاس فالبطلان لوجوب الترتيب. والحاصل أن المراتب خمس: القيام بحالتيه، والجلوس كذلك. والاضطجاع فتأخذ كل واحدة مع ما بعدها يحصل عشر مراتب كلها واجبة إلا واحدة؛ وهي ما بين القيام مستنداً والجلوس مستقلاً ففيها القولان: بالوجوب والندب. والمرتبة الأخيرة تحتها ثلاث صور وهي: تقديم الأيمن على الأيسر والأيسر على الظهر وهاتان مستحبتان، وأما تقديم الظهر على البطن فواجب.

قوله: [والشخص القادر] إلخ: واختلف هل يجب فيه الوسع أي: انتهاء الطاقة في الانحطاط، حتى لو قصر عنه بطلت فلا يضر على هذا التأويل مساواة الركوع للسجود، وعدم تمييز أحدهما عن الآخر أو لا يجب فيه الوسع؟

بل يجزئ ما يكون إيماء مع

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

ليست في ط المعارف.

ص: 130

أي رفع (عمامته) عن جبهته وجوباً، بحيث لو سجد لأمكن وضع جبهته بالأرض أو بما اتصل بها من فرش ونحوه. (فإن سجد) من حقه الإيماء بالسجود لقروح بجبهته مثلاً (على أنفه صحت) لأنه أتى بما في طاقته من الإيماء - وحقيقة السجود وضع الجبهة على الأرض - وقيل: لا تصح لأنه لم يأت بإيماء ولا سجود

(وإن قدر) المصلي (على الجميع) أي جميع الأركان (إلا أنه إن سجد) بعد أن كبر وقرأ الفاتحة قائماً وركع ورفع منه (لا ينهض): أي لا يقدر على القيام، (صلى ركعة) بسجدتيها وهي الأولى من قيام، (وتمم) صلاته (من جلوس، وإن لم يقدر) على شيء من الأركان (إلا على نية) فقط بأن ينوي الدخول في الصلاة ويستحضرها، فإن قدر مع ذلك على السلام سلم، (أو) قدر على النية (مع إيماء بطرف): أي ولو بطرف (وجبت) الصلاة بما قدر عليه وسقط عنه غير مقدوره.

(ولا يؤخرها) عن وقتها بما قدر عليه (ما دام) المكلف (في عقله).

ثم شرع يتكلم على وجوب قضاء الفوائت والقضاء: استدراك ما خرج وقته فقال:

(ويجب) على المكلف (قضاء): أي فعل واستدراك (ما فاته منها) أي الصلاة بخروج وقته لغير جنون أو إغماء أو كفر أو حيض أو نفاس، أو لفقد الطهرين بل لتركها عمداً، أو لنوم، أو لسهو، وكذا لو فعلها باطلة لفقد ركن أو شرط (ولو شكا): فأولى إن فاتته تحقيقاً أو ظناً.

ويقضيها

ــ

القدرة على أزيد منه، ولا بد على هذا من تمييز أحدهما عن الآخر.

قوله: [أي رفع عمامته عن جبهته]: أي حين إيمائه كما يجب عليه أن يرفع عمامته إن كان يسجد بالفعل وإلا لبطلت صلاته، إلا أن يكون خفيفاً كالطاقة والطاقتين فيكره نظير ما تقدم سواء بسواء.

قوله: [وقيل لا تصح] إلخ: حاصله أن من بجبهته قروح تمنعه من السجود فلا يسجد على أنفه، وإنما يومئ للأرض كما قال ابن القاسم، قال في المدونة: فإن وقع ونزل وسجد على أنفه وخالف فرضه، فقال أشهب: يجزئ. واختلف المتأخرون في مقتضى قول ابن القاسم: هل هو الإجزاء كما قال أشهب أو عدم الإجزاء؟ فالظاهر أن ابن القاسم يوافق أشهب على الإجزاء إذا نوى الإيماء بالجبهة لا إن نوى السجود على الأنف حقيقة فتبطل. وعليه يحمل قول المصنف "صحت" ويشهد له تعليل الشارح بقوله: لأنه أتى بما في طاقته إلخ، وقوله:"وقيل لا تصح" محمول على ما إذا لم ينو الإيماء فلم يكن بين ابن القاسم وأشهب خلاف.

قوله: [وتمم صلاته من جلوس]: لأن السجود أعظم من القيام، وقيل يصلي قائماً إيماءً إلا الأخيرة فيركع ويسجد فيها.

قوله: [وجبت الصلاة بما قدر] إلخ: أي على ما قال ابن بشير في الأولى، وعلى ما قال المازري في الثانية.

قوله: [ولا يؤخرها عن وقتها] إلخ: أي ما لم يكن فاقداً للطهرين مثلاً.

تنبيه: هل المومئ للسجود من قيام أو من جلوس -ولم يقدر على وضع يديه على الأرض- يومئ مع إيمائه بظهره ورأسه بيده أيضاً إلى الأرض؟ وإن كان يومئ له من جلوس يضعهما على الأرض بالفعل -إن قدر- أو لا يومئ بهما؟ تأويلان.

خاتمة: إن خف في الصلاة معذور، بأن زال عذره عن حالة أبيحت له، انتقل وجوباً للأعلى منها فيما الترتيب فيه واجب، كمضطجع قدر على الجلوس، وندباً فيما هو فيه مندوب كمضطجع على أيسر قدر على أيمن. ويجوز مداواة العين ولو أدى إلى الاستلقاء في الصلاة خلافاً لما مشى عليه خليل.

قوله: [ثم شرع] إلخ: أي بعدما فرغ من فرائض الصلاة وما يتعلق بها من سنن ومستحبات ومكروهات ومبطلات وغير ذلك، شرع في الكلام على حكم قضاء الصلاة الفائتة وترتيبها في نفسها ومع غيرها، وبيان كيفية ما يفعل عند الشك في الإتيان أو في عينها أو في ترتيبها، وانجر به الكلام إلى بيان حكم ترتيب الحاضرتين فذكره في أثناء ذلك قوله:[استدراك ما خرج وقته]: أي إدراكه وتحصيله؛ ليسقط عن ذمته.

قوله: [لغير جنون] إلخ: ومثل ما ذكر السكر بحلال فهو من المسقطات كما تقدم.

قوله: [أو لفقد الطهرين]: أي على قول مالك المتقدم.

قوله: [بل لتركها عمداً] إلخ: ابن ناجي على الرسالة. قال عياض: سمعت عن مالك قولة شاذة: لا تقضى فائتة العمد ولا يصح عن أحد سوى داود وابن عبد الرحمن الشافعي، وخرجه صاحب الطراز على قول ابن حبيب بكفره؛ لأنه مرتد أسلم، وخرجه بعض من لقيناه على يمين الغموس اهـ قاله في المجموع.

قوله: [ولو شكاً]: أي في فواتها والحال أنه مستند لقرينة من كونه وجد ماء وضوئه باقياً أو وجد فراش صلاته مطوياً ونحو ذلك، كما إذا شك في الحاضرة فلا يبرأ إلا بيقين مطلقاً لبقاء سلطنة وقتها. ومن القرينة أن يكون شأنه التهاون في الصلاة أو يتقدم له مرض أو سفر شأنه التهاون فيه، وبالجملة فلها هنا شبه بالشك في الطلاق؛ فإنهم قالوا: إذا شك هل طلق لا شيء عليه إلا أن يستند وهو سالم الخاطر لرؤية شخص داخل، شك هل هو المحلوف على دخوله؟ وأما إذا جزم بأصل الطلاق وشك في عدده عاملوه بالأحوط في حليتها له بالأزواج، وكذا هنا إذا جزم بأصل الترك وشك في عين المنسية عاملوه بالأحوط كذا في حاشية المجموع. وأما مجرد الشك من غير علامة فلا يوجب القضاء وأولى الوهم. إن قلت: إن من ظن تمام

ص: 131

بنحو ما فاتته، سفرية أو حضرية، جهرية أو سرية (فوراً) ويحرم عليه تأخير القضاء (مطلقاً) - سفراً أو حضراً، صحيحاً أو مريضاً - وقت جواز بل (ولو وقت نهي) كطلوع شمس وغروبها وخطبة جمعة (في غير مشكوكة) راجع لما بعد المبالغة. فالمشكوك في فواتها يقضيها بغير وقت النهي. واستثنى من قوله:"فوراً مطلقاً" قوله: (إلا وقت الضرورة): أي الحاجة؛ كوقت الأكل والشرب والنوم الذي لا بد منه وقضاء حاجة الإنسان وتحصيل ما يحتاج له في معاشه.

(ولا يجوز له): أي لمن عليه فوائت - (النفل) من الصلاة حتى تبرأ ذمته مما عليه (إلا السنن): كوتر وعيد، (وشفعاً): قبل الوتر، (وفجراً): قبل أداء الصبح.

(و) يجب (مع ذكر): أي تذكر -ولو في أثناء الثانية- (ترتيب) صلاتين (حاضرتين): مشتركتي الوقت؛ وهما الظهران والعشاءان وجوباً (شرطاً) يلزم من عدمه العدم. ولا يكونان حاضرتين إلا إذا وسعهما الوقت الضروري، فإن ضاق بحيث لا يسع إلا الأخيرة اختصت به. فيدخل في قسم الحاضرة مع يسير الفوائت. فمن صلى العصر في وقتها الاختياري أو الضروري وهو متذكر أن عليه الظهر، أو طرأ عليه التذكر في أثناء العصر، فالعصر باطلة. وكذا العشاء مع المغرب لأن ترتيب الحاضرة واجب شرطاً فإن تذكر بعد سلامه من الثانية صحت وأعادها بوقت بعد الأولى. فقول الرسالة: ومن ذكر صلاة في صلاة فسدت عليه التي هو فيها، معناه: إن كانتا حاضرتين لا مطلقاً.

ــ

الصلاة وتوهم بقاء ركعة منها فإنه يجب عليه العمل بالوهم والإتيان بركعة، فأي فرق؟ قلت: ما هنا ذمته غير مشغولة تحقيقاً، بخلاف المسألة الموردة فإن الذمة فيها مشغولة فلا تبرأ إلا بيقين؛ لأنه جازم بأن الصلاة عليه كذا في الحاشية.

قوله: [بنحو ما فاتته]: قال في المجموع وفي زروق على الرسالة: يقنت في الفائتة على ظاهر الرسالة، قال: ويطول. وخالفه غيره وقال لا يقيم وسبق خلافه. نعم يقضي العاجز بما قدر والقادر بالقيام ولو فاتته حال عجزه، لأن ذلك من العوارض الحالية كالتيمم والوضوء تتبع وقتها اهـ.

قوله: [فوراً]: أي عادياً بحيث لا يعد مفرطاً، لا الحال الحقيقي فإنه صلى الله عليه وسلم يوم الوادي قال:«ارتحلوا فإن هذا واد به شيطان، فسار بهم قليلاً ثم نزل فصلى ركعتين خفيفتين ثم صلى بهم الصبح» فلا يقال: إن هذا المعنى خاص وهو أن الوادي به شيطان، لأنه لو كان كذلك لاقتصر على مجرد مجاوزة ذلك المحل اهـ. من حاشية شيخنا على مجموعه.

قوله: [في غير مشكوكة]: قال في المجموع: المراد الشك في أصل الترتيب، أما في العين فكالمحقق اهـ ومعناه يقضي ولو في وقت النهي.

قوله: [فالمشكوك في فواتها]: أي لا في عينها فتقضى ولو في وقت النهي كما علمت. اهـ.

قوله: [ولا يجوز له] إلخ: قال شيخنا في حاشية مجموعه: لكن رخصوا في اليسير كالرواتب، وتحية المسجد «لأنه صلى الله عليه وسلم صلى الفجر قبل الصبح يوم الوادي» اهـ. ولا ينتظر الماء عادمه بل يتيمم ولو أقر أجير بفوائت لم يعذر حتى يفرغ ما عقد عليه كما في الأجهوري، قال أبو عبد الله القوري: النهي عن النفل إنما هو لمن إذا لم يتنفل قضى الفوائت، أما من إذا نهيناه عن النفل ترك بالمرة فالنفل خير من الترك. وتوقف فيه تلميذه زروق أي: لأن الفتوى لا تتبع كسله بل يشدد عليه. ووقع التنظير في كفر من أنكر وجوب قضاء الفوائت، والمأخوذ من كلام شيخنا في حاشية مجموعه عدم كفره، ووقع التنظير أيضاً في كفاية قضاء يومين مع يوم، قالوا: ولا يكفي يوم مع يوم وذلك كله بالنسبة للخلوص من إثم التأخير، وبراءة الذمة حاصلة على كل حال.

قوله: [وفجراً]: وتقدم أن مثله الرواتب.

قوله: [ويجب مع ذكر]: أي ووجب مع ذكر في الابتداء بل ولو في الأثناء، فإذا أحرم بثانية الحاضرتين مع تذكره للأولى بطلت تلك الثانية التي أحرم بها. وكذا إن أحرم بالثانية غير متذكر للأولى ثم تذكرها في أثناء الصلاة فإن الثانية تبطل بمجرد تذكر الأولى، وما ذكره الشارح من أن ترتيب الحاضرتين واجب "شرط" في الابتداء وفي الأثناء تبع فيه (عب) وقال به جماعة كالناصر اللقاني والطخيخي والتتائي. وتعقب (بن): بأن المعتمد أن الترتيب واجب شرطاً في الابتداء لا في الأثناء، وهو ظاهر نقل المواق. فإذا أحرم بالثانية ناسياً للأولى ثم تذكرها في أثناء الصلاة فلا تبطل الصلاة الثانية، غاية الأمر أنه يأثم إذا أتمها ويستحب إعادتها بعد فعل الأولى.

قوله: [أو طرأ عليه التذكر]: أي على ما مشى عليه شارحنا تبعا لـ (عب) والجماعة لا على ما قاله (بن).

قوله: [وأعادها بوقت]: فإن ترك إعادتها نسياناً أو عجزاً أو عمداً حتى خرج الوقت لم يعدها عند ابن القاسم ويعيدها عند غيره.

تنبيه: مثل من قدم الثانية نسياناً وتذكر الأولى بعد فراغه منها، في كونه يندب له إعادة الثانية بعد فعل الأولى، من أكره على ترك الترتيب. فكان على المصنف أن يزيد:"وقدرة"، بعد قوله:"ومع ذكر" وإنما يتأتى الإكراه على ترك ترتيب الحاضرتين في العشاءين وفي الجمعة والعصر، لا في الظهرين لإمكان نية الأولى بالقلب وإن اختلف لفظه. اهـ. من حاشية الأصل.

ص: 132

(و) يجب ترتيب (الفوائت في أنفسها) قلت أو كثرت ترتيباً غير شرط فيقدم الظهر على العصر وهي على المغرب وهكذا وجوباً، فإن نكس صحت وأثم إن تعمد ولا يعيد المنكس.

(و) يجب ترتيب (يسيرها): أي الفوائت (مع حاضرة) فيجب تقديم يسير الفوائت على الحاضرة؛ كمن عليه المغرب والعشاء مع الصبح، فيجب تقديمها على الصبح الحاضرة (وإن خرج وقتها): أي الحاضرة بتقديمه يسير الفوائت الواجب عليها.

(وهي): أي يسير الفوائت (خمس) فأقل، وقيل أربع فأقل. فالأربع يسير اتفاقاً والستة كثير اتفاقاً والخلاف في الخمس؛ فإن قدم الحاضرة على يسير الفوائت صحت وأثم إن تعمد (وأعاد الحاضرة) ندباً (إن خالف) وقدم الحاضرة على اليسير ولو عمداً (بوقت ضروري): أي بوقتها ولو الضروري، وهو في الظهرين للاصفرار (لا مأمومه) الذي صلى خلفه الحاضرة فلا يعيدها. وقيل: يعيدها كإمامه لتعدي خلل صلاته [1] إمامه لصلاته. والأول أرجح.

(وإن ذكر) المصلي (اليسير) من الفوائت وهو (في فرض) ولو صبحاً أو جمعة - فذاً أو إماماً أو مأموماً- (قطع فذ) صلاته (و) قطع (إمام) وجوباً فيهما (و) قطع (مأمومه) تبعاً له، ولا يجوز له إتمام بنفسه ولا باستخلاف.

ويقطع من ذكر بسلام لأنها منعقدة، متى تذكر سواء كان تذكره قبل الركوع أو فيه أو بعده إذا لم يتم ركعة بسجدتيها.

(وشفع ندباً إن ركع): أي يندب له إذا تمم ركعة بسجدتيها أن يضيف لها أخرى بنية النفل، ويخرج عن شفع (ولو) كانت الصلاة التي هو فيها (صبحاً). ولا يقال يلزم عليه التنفل قبل الصبح، لأنا نقول: هذا أمر جر إليه الحكم الشرعي لا مدخول عليه (وجمعة): ولا يكون القطع فيها إلا من إمام فإن ذكر بعد تمام ركعتين وقبل تمام الثالثة بسجدتيها رجع للتشهد، وخرج عن شفع في غير المغرب (وكمل المغرب) بنية الفريضة وجوباً (إن ذكر بعد) تمام (ركعتين) منها، لأن ما قارب الشيء يعطى حكمه (كغيرها) أي كما يكمل غير المغرب وجوباً إن ذكر اليسير (بعد) تمام (ثلاث) من الركعات. والمراد بغيرها: الرباعية: فلا يشمل الصبح والجمعة كما هو ظاهر، فعلم أنه إن ذكر اليسير بعد ركعة خرج عن شفع مطلقاً، وبعد ركعتين كمل المغرب وأولى الصبح والجمعة، وخرج عن شفع في الرباعية، وبعد ثلاث كمل الرباعية، وأولى المغرب.

(و) إذا كمل (أعاد) ندباً ما أمر بتكميله

ــ

قوله: [ترتيب الفوائت في أنفسها]: ما ذكره من أن ترتيب الفوائت في أنفسها واجب غير شرط هو المشهور من المذهب، وقيل: إنه واجب شرطاً.

قوله: [ولا يعيد المنكس]: أي لأنه بالفراغ منه خرج وقته والإعادة لترك الواجب الغير الشرط إنما هي في الوقت.

قوله: [يسيرها] إلخ: أي وجوباً غير شرط أيضاً هذا هو المشهور، وقيل إنه مندوب.

قوله: [والخلاف في الخمس]: أي وقد علمت أنها من اليسير على المعتمد ولا فرق بين كون اليسير أصلاً كما لو ترك ذلك القدر ابتداء أو بقاء كما لو كان عليه أكثر من ذلك القدر، وقضى بعضه حتى بقي عليه ذلك.

قوله: [وهو في الظهرين للاصفرار]: قال محشي الأصل تبعاً للحاشية للغروب، فانظر في ذلك. أي ويعيد العشاءين للفجر ولو مغرباً صليت في جماعة وعشاء بعد وتر، والصبح للطلوع وله حين إرادة إعادة الحاضرة أن يعيدها في جماعة سواء صلى أو لا، فذاً أو جماعة؛ لأن الإعادة ليست لفضل الجماعة بل للترتيب كما ذكره في الحاشية.

قوله: [فلا يعيدها]: أي لوقوع صلاة الإمام تامة في نفسها لاستيفاء شروطها، وإنما أعاد الإمام لعروض تقديم الحاضرة على يسير الفوائت.

قوله: [والأول أرجح]: أي لأنه الذي رجع إليه مالك وأخذ به ابن القاسم وجماعة من أصحاب الإمام، ورجحه اللخمي وأبو عمران وابن يونس.

قوله: [وجوباً فيهما]: أي وقيل ندباً والأول مبني على القول بوجوب الترتيب بين الحاضرة ويسير الفوائت. والثاني على القول بأنه مندوب وإنما أبطل العمل لتحصيل مندوب مراعاة للقول بوجوب الترتيب.

قوله: [وشفع ندباً إن ركع]: هذا مذهب المدونة، وقيل يخرج عن شفع مطلقاً عقد ركعة أم لا، وقيل يقطع مطلقاً. وهذه الأقوال الثلاثة تجري فيما إذا تذكر الفذ أو الإمام حاضرة في حاضرة، كما لو تذكر الظهر في صلاة العصر. والمعتمد من الأقوال الثلاثة مذهب المدونة وهو القطع وإن لم يركع والشفع إن ركع.

قوله: [ولو كانت الصلاة التي هو فيها صبحاً]: هذا هو المذهب خلافاً لمن قال إنه يتم الصبح إذا تذكر يسير المنسيات بعد أن عقد منها ركعة، ولا يشفعها نافلة لإشرافها على التمام. وظاهره أن المغرب كغيرها، قال مؤلفه في تقريره: وهو المعتمد. وقيل: يقطع ولو عقد ركعة. وقيل: إن عقد ركعة كملها مغرباً، وفي الحاشية ضعف الأول.

قوله: [التنفل قبل الصبح]: أي والتنفل قبل الصبح بغير الورد بشروطه، والشفع والوتر والفجر مكروه كما تقدم.

قوله: [لأنا نقول] إلخ: أي ومثل هذا يقال في المغرب.

قوله: [خرج عن شفع مطلقاً]: أي ثلاثية أو رباعية أو ثنائية فيشمل المغرب والصبح والجمعة، وقد علمت الخلاف في المغرب والصبح.

قوله: [وأولى الصبح والجمعة]: أي ومعنى تكميلها أنه لا يصرفها لنفل.

قوله: [وأولى المغرب]: أي فلا

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

في ط المعارف: (صلاة)، ولعلها الصواب.

ص: 133

بوقت ضروري بعد إتيانه بيسير الفوائت (كمأموم) تذكر اليسير خلف الإمام فإنه يكمل صلاته الحاضرة مع الإمام وجوباً؛ لأنه من مساجين الإمام، ثم يعيد ندباً بوقت ضروري بعد إتيانه باليسير (مطلقاً) عقد ركعة مع إمامه أولاً. ثم ذكر مفهوم قوله في فرض بقوله:(و) إن ذكر اليسير (في) صلاة (نفل أتمه): أي النفل وجوباً؛ لوجوبه بالشروع فيه ولا يعود [1](إلا إذا خاف خروج الوقت): لحاضرة عليه أيضاً (ولم يعقد ركوعاً) من النفل أي لم يأت بركعة بسجدتيها. فإذا خاف خروجه ولم يعقد ركعة قطع وصلى الفرض. فإن عقدها كمله ولو خرج وقت الحاضرة.

ثم شرع في بيان ما تبرأ به الذمة عند جهل ما عليه من الفوائت فقال:

(وإن جهل عين منسية) أي فائتة. ولو عبر به لكان أولى ليشمل المتروكة عمداً مع علمه أو ظنه أو شكه أن عليه صلاة واحدة من الخمس، (مطلقاً): أي لم يدر أهي ليلية أو نهارية (صلى خمساً) يبدأ بالظهر ويختم بالصبح كما يأتي.

(و) إن جهل عين (نهارية) فائتة فلم يدر أهي الصبح أو الظهر أو العصر صلى (ثلاثاً) هي المتقدمة.

(و) إن جهل عين (ليلية) تركها فلم يدر أهي المغرب أم العشاء صلى (اثنتين) هما المغرب والعشاء، وفيه العطف على معمولي عاملين مختلفين، وفي جوازه خلاف.

(وفي) جهل (صلاة وثانيتها): كأن يعلم أن عليه صلاتين الثانية منهما تلي الأولى، ولم يدر أهي الظهر مع العصر أو العصر مع المغرب، أو المغرب مع العشاء أو العشاء مع الصبح صلى خمساً فإذا بدأ بالظهر ختم بالصبح.

(أو) جهل صلاة (وثالثتها): كأن يعلم أن عليه صلاتين الثانية منهما ثالثة بالنسبة للأولى صلى خمساً. (أو) صلاة (ورابعتها أو) صلاة (وخامستها) صلى في جميع الصور (خمساً) فقط - لا ستاً كما قال الشيخ؛ لأن كلامه مبني على أن ترتيب الفوائت في أنفسها واجب شرطاً، وهو غير ما مشى عليه من أنه واجب غير شرط وهو الراجح، وعليه فلا يصلي إلا خمساً. لكن في عمله (يثني بباقي المنسي) أي باقيه بالنسبة لما فرغ منه. فإن المنسي في كل صورة من الصور الأربع صلاتان؛ فإذا صلى الظهر مثلاً ابتداء قيل له: لو فرض أن الأولى في الواقع هي الظهر التي صليتها، فباقي المنسي في الصورة الأولى هي العصر فثن بها. وفي الصورة الثانية هي المغرب فثن بها، وفي الصورة الثالثة هي العشاء فثن بها، وفي الصورة الرابعة هي الصبح فثن بها. فإذا ثنى بما أمر به قيل له: يحتمل أن الأولى في الواقع هي ما ثنيت بها، وأن الباقي من المنسي ثانيتها في الصورة الأولى، وثالثتها في الثانية، ورابعتها في الثالثة، وخامستها في الرابعة، فثن بها. فإذا ثنى بها قيل له: يحتمل أن الأولى في الواقع هي هذه التي ثنيت بها وهكذا إلى آخرها. فعلم أن قول الشيخ يثني بالمنسي. على حذف مضاف؛ أي بباقي المنسي حتى يصح كلامه.

(و) صلى (الخمس مرتين) بأن يصليها متوالية ثم يعيدها كذلك (في) نسيان صلاة و (سادستها) وهي سميتها من اليوم الثاني (أو) في صلاة و (حادية عشرتها)

ــ

يكملها أربعاً ويجعلها نفلاً بل يبقيها مغرباً.

قوله: [بوقت ضروري]: أي ولو مغرباً وعشاء بعد وتر.

قوله: [كمأموم]: أي فيتمادى على صلاة صحيحة في جميع الصور.

قوله: [ولم يعقد ركعة]: الحاصل أنه يتم النفل في جميع الصور إلا في صورة واحدة؛ وهي ما إذا خاف خروج الوقت ولم يعقد ركعة.

قوله: [صلى خمساً]: أي ويجزم النية في كل واحدة بالفرضية لتوقف البراءة عليه، لأن كل صلاة من الخمس يمكن أن تكون هي المتروكة، فصار عدد حالات المشكوك فيه خمسة فوجب استيفاؤها. قوله:[صلى ثلاثاً]: أي ليحيط بحالات المشكوك فيه. وقوله: "هي المتقدمة" أي في الذكر وهي الصبح والظهر والعصر دفع به ما يتوهم من عموم اللفظ الاجتزاء بأي ثلاث.

قوله: [صلى اثنتين] إلخ: أي ليستوفي ما وقع فيه الشك ويندب نية يوم الصلاة المنسية الذي في علم الله حيث جهله.

قوله [وفيه العطف] إلخ: بيانه أن "ليلية" معطوف على "منسية" و"اثنتين" معطوف على "خمسة" وعامل "منسية" المضاف وهو "عين"، وعامل " خمساً" الفعل الماضي وهو "صلى"، والعاملان مختلفان لكون الأول اسماً مضافاً والثاني فعلاً، وكذا يقال فيما قبله من قوله "ونهارية ثلاثاً".

قوله: [لا ستاً كما قال الشيخ] إلخ: الحاصل أن ما قاله المصنف مبني على المعتمد من أن ترتيب الفوائت في أنفسها واجب غير شرط. وقول خليل في هذه المسألة وما بعدها صلى ستاً مبني على أن الترتيب واجب شرطاً يبدأ بالظهر، ويختم بها على هذا القول. وقال الأشياخ: إنه مشهور مبني على ضعيف، فلذلك في المجموع تبع خليلاً. وشيخنا المؤلف التفت لكونه مبنياً على ضعيف، فلم يعول عليه.

قوله: [يثني بباقي المنسي] إلخ: صورة صلاتها في الأول ظاهرة؛ لأنه يصلي الخمس على الترتيب. وفي الصورة الثانية: يبدأ بالظهر ثم المغرب ثم الصبح ثم العصر ثم العشاء. وفي الصورة الثالثة: يبدأ بالظهر ثم العشاء ثم العصر ثم الصبح ثم المغرب. وفي الصورة الرابعة: يبدأ بالظهر ثم الصبح ثم العشاء ثم المغرب ثم العصر وهذا كله يؤخذ من الشارح في الحل.

قوله: [بأن يصليها متوالية] إلخ: أي أو صلاة ثم صلاة بأن يصلي الظهر من يوم ثم يعيدها ليوم آخر، والعصر من يوم ثم يعيدها لليوم الآخر وهكذا.

قوله: [وهي سميتها من اليوم الثاني]: أي فسادسة الظهر ظهر من اليوم الثاني وسادسة العصر عصر من اليوم الثاني وهكذا.

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

في ط المعارف: (يعوض).

ص: 134

وهي سميتها من اليوم الثالث وكذا سادسة عشرتها وحادية عشريها؛ لأن من نسي صلاة من الخمس لا يدري عينها صلى خمساً، وهذا قد وجب عليه صلاتان من يومين في كل يوم صلاة لا يدري عينها.

(و) صلى (خمساً) مرتبة (في) ترك (ثلاث) من الصلوات (أو) ترك (أربع أو) ترك (خمس) من الصلوات (مرتبة) قيد في كل من الصور الثلاث (من يوم وليلة لا يعلم الأولى) منها، ولا سبق الليل النهار، فإن علم سبق الليل صلى أربعاً أولها المغرب في الأولى، وخمساً في غيرها. وكذا إن علم سبق النهار أولها الظهر وهذا من تتمة صلاة وثانيتها. وما مررنا عليه في المحلين - من أنه يطلب منه خمس فقط - هو الراجح عند ابن رشد وغيره من الأشياخ بناء على أن ترتيب الفوائت في أنفسها واجب غير شرط، وهو الراجح، وهو إنما يجب ابتداء قبل الفعل وبفعلها خرج وقتها وبرئ منها فلا تعاد للترتيب.

(وندب) في جميع ما تقدم (تقديم) صلاة (الظهر) لأنها أول فريضة ظهرت في الإسلام ما لم يعلم أن أول ما تركه غير الظهر وإلا لم يبتدئ بها.

ــ

قوله: [وهي سميتها من اليوم الثالث]: أي فحادية عشرة الظهر ظهر من اليوم الثالث وحادية عشرة العصر عصر من اليوم الثالث.

قوله: [وكذا سادسة عشرتها]: أي فإنها سميتها من اليوم الرابع. وقوله وحادية عشريها هي سميتها من اليوم الخامس. ويقال في سادسة عشريها التي هي سميتها من اليوم السادس وحادية ثلاثيها سميتها من اليوم السابع، وسادسة ثلاثيها سميتها من اليوم الثامن، وحادية أربعيها سميتها من اليوم التاسع وهكذا الحكم في الجميع واحد؛ يصلي الخمس مرتين خمساً، ثم خمساً أو صلاة ثم صلاة. وهذا الحكم متفق عليه في المذهب، لأن براءة الذمة متوقفة على ذلك.

تنبيه: سكت المصنف عن مماثل ثانية الصلاة المتروكة، كصلاة وسابعتها. أو مماثل ثالثتها كصلاة وثامنها، أو مماثل رابعتها كصلاة وتاسعتها، أو مماثل خامستها كصلاة وعاشرتها. سواء كانت تلك المماثلة من دور أول أو ثان أو ثالث وهكذا. والحكم أنه يبرأ بخمس من الصلوات على ما قاله المصنف فيمن نسي صلاة وثالثتها إلى خامستها، وبست على ما قاله خليل. وبراءته بالخمس أو الست هو الصواب وفاقاً للحطاب والرماصي وغيرها. خلافاً للبساطي والتتائي ومن وافقهما كالخرشي في صلاة الخمس مرتين. قال في المجموع: والضابط كما قال ابن عرفة: أن تقسم عدد المعطوفة على خمسة، فإن لم يفضل شيء فهي خامسة الأولى في أدوار بقدر آحاد الخارج. فالصلاة مكملة وثلاثين - بالنسبة لها - خامسة من دور سادس. وإن فضل واحد فهي مماثلة الأولى كذلك. وبينهما مماثلة سمية الفاضل كذلك؛ فالثانية عشرة مثل الثانية بعد دورين. والثالثة عشرة مثل مماثلة الثالثة، والرابعة عشرة مماثلة رابعتها والخامسة عشرة خامسة فتدبر اهـ. وحاصل فقه المسألة على مقتضى الضابط المذكور: أن من نسي صلاة وثانيتها أو وثالثتها إلى خامستها يبرأ بخمس صلوات بناء على أن ترتيب الفوائت واجب غير شرط، أو بست بناء على أن ترتيبها واجب شرطاً، لا فرق بين كون ثانيتها إلى خامستها من يومها أو من ثاني أيامها أو ثالثة أو رابعة أو خامسة، وهكذا وأن من نسي صلاة ومماثلتها من يوم ثان أو ثالث أو رابع أو خامس وهكذا صلى الخمس مرتين باتفاق أهل المذهب فافهم.

قوله: [وما مررنا عليه في المحلين] إلخ: أي خلافاً للشيخ خليل حيث ذكر: أن من نسي صلاة وثانيتها إلى خامستها يصلي ستاً يختم بالتي بدأ بها لأجل الترتيب، وأن من نسي ثلاثاً مرتبة من يوم وليلة لا يعلم الأولى منهما ولا سبق الليل على النهار يصلي سبعاً بزيادة واحدة على الست، فيعيد التي بدأ بها وما بعدها ليخرج بها من عهدة الشكوك. وأن من نسي أربعاً مرتبة من يوم وليلة ولا يدري الأولى ولا سبق الليل على النهار. صلى ثمانياً لإعادة التي ابتدأ بها واثنتين بعدها، وأن من نسي خمساً كذلك صلى تسعاً فيعيد التي ابتدأ بها وثلاثة بعدها.

خاتمة: قول خليل في صلاتين من يومين معينتين لا يدري السابقة صلاهما وأعاد المبتدأة، مبني على الضعيف أيضاً. وأما على الراجح الذي مشى عليه مصنفنا فلا يعيد المبتدأة، وأما قوله: ومع الشك في القصر أعاد إثر كل حضرية سفرية أي: ندباً فهو باتفاق. وقوله: وثلاثاً كذلك سبعاً وأربعاً ثلاث عشرة وخمساً إحدى وعشرين مبني على الضعيف أيضاً. والراجح - على ما عند ابن رشد - أن براءة الذمة تحصل بفعل المتروك مرة، ولذلك أعرض المصنف عن تلك المسائل لصعوبتها مع ضعفها لابتنائها على ضعيف. وإن كانت مشهورة في المذهب.

ص: 135

فصل: في بيان سجود السهو وما يتعلق به من الأحكام

(يسن لساه عن سنة مؤكدة) فأكثر (أو) عن (سنتين خفيفتين) فأكثر، بأن ترك ما ذكر سهواً بلا زيادة شيء في صلاته (أو مع زيادة): لشيء سهواً من قول أو فعل غير كثير، إذ زيادة الكثير مبطل، وسواء كان من جنس الصلاة أو من غير جنسها كما يأتي. إذا كان النقص وحده أو مع الزيادة تحقيقاً أو ظناً، بل (ولو شكاً). فالصور ست: نقص فقط، نقص مع زيادة؛ والنقص مع الزيادة إما محققان أو مشكوكان، أو النقص محقق والزيادة مشكوكة، أو عكسه. والنقص فقط إما محقق أو مشكوك، ومثلها ما إذا شك فيما حصل منه هل هو زيادة أو نقص. والحصول إما محقق أو مظنون أو مشكوك؛ فهي ثلاثة تضم للستة المتقدمة يمكن دخولها تحت قوله: ولو شكاً كما هو ظاهر.

(سجدتان) نائب فاعل يسن (قبل السلام): في الصور التسع.

(ولو تكرر): السهو من نوع أو أكثر، مبالغة في "سجدتان "؛ فلذا أخرناه عنه، وجاز أن يكون مبالغة في " يسن " أيضاً لدفع توهم الوجوب عند التكرار، كما قد يفهم من تقديم الشيخ له عليه.

وفهم من قوله: (وأعاد تشهده) أنهما قبل السلام وبعد التشهد لا قبله، وفهم من قوله:(بلا دعاء) أن الدعاء المطلوب يكون عقب الأول وإنما أعاده ليقع سلامه بعد التشهد كما هو الشأن في الصلاة، وهذا أحد المواضع التي لا يطلب فيها دعاء بعد تشهد السلام.

الثاني: من سلم إمامه قبل أن يشرع هو في الدعاء. الثالث: من خرج عليه الإمام لخطبة الجمعة وهو في نفل فإنه يخففه حتى يترك الدعاء. الرابع: من أقيمت عليه الصلاة وهو في أخرى ولو فرضاً.

ثم مثل لترك السنة المؤكدة والمتركبة من خفيفتين فأكثر بقوله: (كترك تكبيرة عيد): سهواً فإنه يسجد لها؛ لأنها مؤكدة. والمراد منه التكبير الذي قبل الفاتحة وبعد تكبيرة الإحرام، كما يؤخذ من الإضافة إلى عيد.

(و) ترك (جهر بفرض) كالصبح لا نفل، كالوتر والعيدين بفاتحة فقط ولو مرة، لأن الجهر فيما يجهر فيه سنة مؤكدة في الفاتحة وأولى تركه في الفاتحة والسورة، أو بسورة فقط في الركعتين؛ لأنه فيها سنة خفيفة.

(واقتصار على حركة اللسان) الذي هو أدنى السر والواو بمعنى مع أي: ترك الجهر فيما يجهر فيه مع اقتصاره على أدنى السر؛ فلو أبدل الجهر بأعلى السر بأن أسمع نفسه فلا سجود عليه.

(و) ترك (تشهد) ولو مرة لأنه سنة خفيفة والجلوس له سنة ويلزم من تركه ترك جلوسه،

ــ

فصل في بيان سجود السهو إلخ

لما فرغ من الكلام على ما قصده من أحكام السهو عن الصلاة كلها، شرع في الكلام على السهو عن بعضها. والسهو المذهول عن الشيء تقدمه ذكر أو لا، وأما النسيان فلا بد أن يتقدمه ذكر. والفرق بين السهو والغفلة: أن الغفلة تكون عما يكون، والسهو يكون عما لا يكون، تقول: غفلت عن هذا الشيء حتى كان؛ ولا تقول: سهوت حتى كان؛ لأنك إذا سهوت عن الشيء لم يكن، ويجوز أن تغفل عنه ويكون. وفرق آخر، وهو أن الغفلة تكون عن فعل الغير، تقول كنت غافلاً عما كان من فلان ولا يجوز أن يسهى عن فعل الغير.

ولما وقع في المذهب اختلاف في حكم السجود قبلياً أو بعدياً بالوجوب والسنية، ووجوب القبلي عن ثلاث سنن وسنيته عما دونها، وكان الراجح سنيته قبلياً أو بعدياً مطلقاً قال "يسن"، إلخ.

قوله: " يسن لساه ": أراد بالساهي من حصل منه موجب السجود. فيشمل الطول بالمحل الذي لم يشرع فيه، فإنه يسجد له ولا سهو هنا بل هو عمد أو جهل.

تنبيه: لا يجوز إبطال الصلاة التي حصل فيها موجب السجود ولا إعادتها بعد الكمال. وقول الذخيرة: ترقيع الصلاة أولى من إبطالها وإعادتها للعمل، حملوا الأولوية فيها على الوجوب ولا يكفي عن السجود القبلي الغير المبطل تركه إعادة الصلاة.

قوله: [عن سنة مؤكدة]: أي داخلة الصلاة، أما الخارجة عنها كالإقامة فلا يسجد لنقصها. فإن سجد لها قبل السلام بطلت صلاته إن كان عمداً أو جهلاً، وإلا ففعله زيادة يسجد له بعد السلام. وكذلك إن كانت السنة غير مؤكدة - ولو كانت داخلة فيها - فلا يسجد لها، فإن سجد لها قبل السلام بطلت. وتقدم ذلك في المبطلات.

قوله: [أو مع الزيادة]: ولا يشترط في المنقوص مع الزيادة أن يكون سنة مؤكدة، على المشهور، خلافاً لمن قيد بذلك.

قوله: [ولو تكرر السهو]: أي بمعنى موجب السجود. أي: وكان التكرار قبل السجود. أما إذا كان التكرار بعد فإن السجود يتكرر كما إذا سجد المسبوق مع إمامه القبلي ثم سها في قضائه بنقص أو زيادة فإنه يسجد لسهوه، ولا يجتزئ بسجوده السابق مع الإمام. أو تكلم المصلي بعد سجوده في القبلي وقبل سلامه فإنه يسجد بعد السلام أيضاً. وكذا إذا زاد سجدة في القبلي فإنه يسجد بعد السلام عند اللخمي، وقال غيره لا سجود عليه. أما البعدي إذا زاد فيه فلا يسجد له أصلاً. .اهـ. من حاشية الأصل. وقال في المجموع: فإن شك عند الرفع هل هذا سجود الفرض أو كان بنية السهو ونسي الفرض أتى بالفرض، ثم السهو.

قوله: [وأعاد تشهده]: أي استناناً على المشهور خلافاً لمن قال بعدم الإعادة، وخلافاً لمن قال بالندب.

قوله: [والمراد منه] إلخ: أي وأما التكبير عند الأركان فهو سنة خفيفة كغيرها من الصلوات.

قوله: [وترك جهر]: مثله كل ما كان مؤكداً من سنن الصلاة غير السر كما سينبه عليه الشارح.

قوله: [والجلوس له سنة]: أي فهو مركب من سنتين خفيفتين، فإذا تركهما مرة سهواً سجد اتفاقاً ولو في النفل.

ص: 136

ومثله ما زاد على أم القرآن ولو في ركعة لأنه سنة، والقيام له سنة أو ترك تكبيرتين أو تسميعتين أو تكبيرة وتسميعة.

(و) يسجد (لمحض الزيادة) من جنسها أو لا إذا لم تكثر، كزيادة ركعة أو سجدة أو سلام كأن سلم من اثنتين أو كلام أجنبي سهواً في الجميع (بعده) أي: بعد السلام، فإن كثرت الزيادة أبطلت

سواء كانت من جنسها كأربع ركعات في الرباعية وركعتين في الثنائية، أو من غير جنسها ككثير كلام أو أكل أو شرب أو حك بجسد ونحو ذلك. وكذا إن وقعت عمداً ولو قلت كنفخ وكلام إلا ما تقدم في مبطلاتها. ثم مثل لزيادة المشكوكة بقوله:(كمتم) صلاته (لشك) هل صلى ركعة أو اثنتين فإنه يبني على الأقل، ويأتي بما شك فيه ويسجد بعد السلام، وكمن شك هل سجد سجدة أو اثنتين أو هل قرأ الفاتحة أو لا، فإنه يأتي بما شك فيه ويسجد بعد السلام.

(وكمقتصر على صلاة) هو بها (كشفع) أو ظهر (إن شك أهو بها أو) خرج منها بالسلام وأحرم (بأخرى) تليها (كوتر) بالنسبة للشفع، أو عصر بالنسبة للظهر، فإنه يبني على اليقين بأن يقتصر على الشفع أو الظهر، أي يجعل ما هو فيه من تمام التي كان بها ويسجد بعد السلام، ثم يأتي بما يليها كالوتر؛ وإنما يسجد بعد السلام لاحتمال أن يكون أضاف ركعة الوتر لشفعه بلا سلام من شفعه، فيكون قد صلى الشفع ثلاثاً. ومثله يقال في الفجر مع الصبح، والظهر مع العصر.

(و) كـ (إبدال السر بالفرض): أي فيه - لا في النفل - كأن يقرأ في الظهر أو العصر ولو في فاتحة منهما أو من أخيرة المغرب أو العشاء (بما زاد على أدنى الجهر) سهواً فإنه يسجد بعد السلام، لأن الجهر مكان السر زيادة، كما أن السر مكان الجهر نقص. وأما لو أتى فيما ذكر بأدنى الجهر - بأن أسمع نفسه ومن يليه خاصة - فلا سجود عليه لخفة ذلك.

فتحصل أن من ترك الجهر فيما يجهر فيه وأتى بدله بالسر فقد حصل منه نقص، لكن لا سجود عليه إلا إذا اقتصر على حركة اللسان، وأن من ترك السر فيما يسر فيه وأتى بدله بالجهر فقد حصل منه زيادة، لكن لا سجود عليه بعد السلام إلا إذا رفع صوته فوق سماع نفسه، ومن يليه بلصقه بأن كان يسمعه من بعد عنه بنحو صف فأكثر.

(وكمن استنكحه): أي كثر عليه (الشك): بأن يأتيه كل يوم ولو مرة في صلاة من الخمس هل صلى ثلاثاً أو أربعاً،

ــ

وإن أتى بالجلوس وترك التشهد فقولان: بالسجود وعدمه، والمعتمد السجود؛ لأن جلوساً بغير تشهد عدم، لأن جلوسه ما يكون ظرفاً له فلذلك اعترض على الشيخ خليل في تمثيله لنقض السنة بترك التشهدين، فقالوا لا مفهوم له بل الواحد كاف.

قوله: [ومثله ما زاد] إلخ: أي في صلاة الفريضة، وظاهره أنه مركب من سنتين خفيفتين فقط، وليس كذلك، بل السورة مركبة من ثلاث سنن: ما ذكره وكونه جهراً أو سراً.

قوله [لمحض الزيادة]: من إضافة الصفة للموصوف أي الزيادة المحضة أي الخالصة من مصاحبة النقص، كانت محققة أو مشكوكاً فيها.

قوله: [أي بعد السلام] إلخ: أي الواجب بالنسبة للفذ والإمام، أو السني بالنسبة للمأموم.

قوله: [سواء كانت من جنسها]: أي ولم تكن من أقوالها. فإن كانت منها كالسورة مع أم القرآن في الأخيرتين، أو قراءة سورتين في ركعة من الأوليين فلا سجود ولا بطلان. وإن كان التكرار في الفاتحة فإن كان سهواً سجد، وعمداً فلا سجود. والراجح عدم البطلان مع الإثم.

قوله: [إلا ما تقدم في مبطلاتها]: كنفخ بأنف وكلام لإصلاحها، فإنه مستثنى من المبطلات.

قوله: [كمتم صلاته لشك]: هذا إذا شك قبل السلام، وأما إن شك بعد أن سلم على يقين فاختلف فيه؛ فقيل يبني على يقينه الأول ولا أثر للشك الطارئ بعد السلام، وقيل إنه يؤثر وهو الراجح. اهـ. من حاشية الأصل. وقوله:"لشكه" اللام للتعليل متعلقة بمتم أو بمحذوف؛ أي: وإتمامه لأجل رفع شك. لا للتعدية متعلقة "بمتم" لأنه يقتضي أنه يتم شكله أي يزيد فيه، وليس كذلك.

قوله: [هل صلى ركعة] إلخ: تصوير للشك.

قوله: [ويسجد بعد السلام]: أي لاحتمال زيادة الآتي به، وهذا مقيد بما إذا تحقق سلامة الركعتين الأوليين من نقص، وإلا سجد قبل السلام لاحتمال الزيادة في الآتي به مع النقص.

قوله: [كمن شك هل سجد] إلخ: قال في الأصل المراد بالشك مطلق التردد فيشمل الوهم فإنه معتبر في الفرائض دون السنن. فمن توهم ترك تكبيرتين مثلاً فلا سجود عليه.

والحاصل أن ظن الإتيان بالسنن معتبر بخلاف ظن الإتيان بالفرائض. فإنه لا يكفي في الخروج من العهدة فلا بد من الجبر والسجود اهـ. وقد تبع فيه الأجهوري. والذي في (بن): أن الشك على حقيقته لا فرق بين الفرائض والسنن. اهـ. من حاشية الأصل.

قوله: [كمقتصر على صلاة هو بها]: هذه العبارة أعم من عبارة خليل إشارة إلى أنه لا مفهوم لقوله كمقتصر على شفع إلخ.

قوله: [وإنما يسجد] إلخ: جواب عما يقال لا وجه للسجود لأنه إن كان في آخرة الشفع فقد أتى بها ولا زيادة ولا نقص وإن كان في ركعة الوتر فقد فرغ من الشفع وسلم منه فلا زيادة فيه ولا نقص. وقال عبد الحق: التعليل يقتضي أنه يسجد قبل السلام لأن معه نقص السلام والزيادة المشكوكين. وقد نقل عن مالك من رواية ابن زياد،

ص: 137

فـ (إنه) يسجد بعد السلام ترغيماً للشيطان، و (لا إصلاح عليه): أي لا يبني على الأقل ويأتي بما شك فيه، بل يبني على الأكثر وهو معنى قوله:"وهي عنه " أي وجوباً، فإنه لا دواء له مثل الإعراض عنه فإن أصلح بأن أتى بما شك فيه لم تبطل.

(ومن استنكحه السهو): أي كثر عليه ولو كل يوم مرة، (أصلح) صلاته إن أمكنه الإصلاح (ولا سجود) عليه بعد السلام ولا قبله. عكس من استنكحه الشك. مثال من استنكحه السهو: أن يسهو عن السورة كثيراً فلم يشعر حتى يركع، أو يسهو عن التشهد الأول كثيراً فلم يشعر حتى فارق الأرض بيديه وركبتيه، فإنه يستمر ولا سجود عليه قبل السلام، ولا يتأتى في مثل هذا إصلاح. ومثل ما يأتي فيه الإصلاح أن يكثر عليه السهو في السجدة الثانية من ركعة، فما يشعر حتى يستقل قائماً، فهذا يصلح وجوباً إن أمكنه الإصلاح بأن يرجع جالساً ثم يسجد الثانية ويتم صلاته، ولا سجود عليه بعد السلام. فإن لم يمكنه الإصلاح - كأن لم يتذكر إلا بعد عقد ركوع التي قام لها - انقلبت الثانية أولى، ويتم صلاته ولا يرجع لإصلاح الأولى ولا سجود عليه لهذه الزيادة بعد السلام.

فعلم أن استنكاح الشك أن يعتريه الشك: في شيء كثير، هل فعله أو لا؟ وأن استنكاح السهو: أن يترك سنة أو فرضاً سهواً كثيراً.

ثم شبه في عدم السجود مسائل بقوله: (كمن شك هل سلم) أو لم يسلم؟ فإنه يسلم ولا سجود عليه، (أو) شك (هل سجد منه): أي من سجوده القبلي (واحدة) أو اثنتين؟ فإنه يأتي بالثانية ولا سجود عليه أي لهذا السهو. (أو) شك (هل سجده) أو لم يسجده من أصله؟ فإنه يسجده ولا سجود عليه ثانياً لهذا الشك.

(وبنى على اليقين) في المسائل الثلاث ففي الأولى: يبني على عدم السلام لأنه الأصل [1]. وفي الثانية: على أنه سجد واحدة فقط وفي الثالثة: على أنه لم يسجد أصلاً ثم يأتي بما شك فيه كما قدمنا. (أو زاد سورة في أخرييه): معاً وأولى في واحدة أو في أخيرة المغرب سهواً أو عمداً فلا سجود عليه لهذه الزيادة.

ــ

والمشهور الأول.

قوله: [فإنه يسجد بعد السلام]: قال عبد الوهاب: استحباباً. قال الشبرخيتي: هو خلاف ظاهر المصنف، أي خليل، إلا أن البغداديين - ومنهم عبد الوهاب - يطلقون المستحب على ما يشمل السنة، فليس هذا جارياً على طريقة المصنف من التفرقة بين السنة والمستحب اهـ من الحاشية.

قوله: [بل يبني على الأكثر]: أي فإذا شك هل صلى ثلاثاً أو أربعاً بنى على أربع وجوباً، ويسجد بعد السلام ترغيماً للشيطان. فاندفع ما يقال حيث بني على الأكثر فلا موجب للسجود. واعلم أن الشك مستنكح وغير مستنكح، والسهو كذلك. فالشك المستنكح: هو أن يعتري المصلي كثيراً بأن يشك كل يوم ولو مرة، هل زاد أو نقص أو لا، أو هل صلى ثلاثاً أو أربعاً ولا يتيقن شيئاً يبني عليه. وحكمه أنه يلهو عنه ولا إصلاح عليه، بل يبني على الأكثر، ويسجد بعد السلام استحباباً كما في عبارة عبد الوهاب، وإليه أشار بقوله:"وكمن استنكحه الشك ولا إصلاح عليه" والشك غير المستنكح هو الذي لا يأتي كل يوم كمن شك في بعض الأوقات، أو صلى ثلاثاً أم أربعاً أو هل زاد أو نقص أو لا، وهذا يصلح بالبناء على الأقل، والإتيان بما شك فيه، ويسجد، وإليه أشار بقوله:"كمتم الشك" إلخ، و"كمقتصر على صلاة" إلخ فإن بنى على الأكثر بطلت ولو ظهر الكمال لأنه سلم عن غير يقين.

والسهو المستنكح: هو الذي يعتري المصلي كثيراً، وهو أن يسهو ويتيقن أنه سها، وحكمه أنه يصلح ولا سجود عليه: وإليه أشار بقوله "ومن استنكحه السهو أصلح ولا سجود"، والسهو غير المستنكح: هو الذي لا يعتري المصلي كثيراً، وحكمه أنه يصلح، ويسجد حسبما سها من زيادة أو نقص. وإليه أشار بقوله:[يسن لساه عن سنة مؤكدة] إلخ، فالفرق بين الساهي والشاك أن الساهي يضبط ما تركه بخلاف الشاك.

قوله: [فإن أصلح]: أي عمداً أو جهلاً كما في الحطاب، وذلك لأن بناءه على الأكثر وإعراضه عن شكه ترخيص له وقد رجع للأصل.

قوله: [ولا سجود عليه]: أي مطلقاً أمكنه الإصلاح أم لا، وانظر ما حكم سجوده هل هو حرام أو مكروه؟ أو الأول إن كان قبلياً، والثاني إن كان بعدياً؟ كذا في بعض الشراح، قال الأجهوري: فلو سجد في هذه الحالة وكان قبل السلام فهل تبطل صلاته حيث كان متعمداً أو جاهلاً لأنه غير مخاطب بالسجود أو لا؟ لأن هناك من يقول بسجوده قال في الحاشية: والظاهر الصحة.

قوله: [فإنه يسلم ولا سجود عليه]: أي إن قرب ولم ينحرف عن القبلة ولم يفارق مكانه، فإن طال جداً بطلت. وإن انحرف استقبل وسلم وسجد. وإن طال لا جداً أو فارق مكانه بنى بإحرام وتشهد وسلم وسجد كما سيأتي للمصنف.

قوله: [هل سجد واحدة]: بيان لصورة شكه، أي أنه إذا شك هل سجد واحدة أو اثنتين فإنه يسجد واحدة ولا سجود عليه لتلك الزيادة المشكوك فيها.

قوله: [ولا سجود عليه ثانياً لهذا الشك]: أي لئلا يتسلسل الأمر وتحصل المشقة الكبرى. ولا يقال التسلسل مستحيل، لأن التسلسل - باعتبار المستقبل - لا استحالة فيه.

قوله: [فلا سجود عليه لهذه الزيادة]: أي على المشهور

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

في ط المعارف: (الأصلي).

ص: 138

(أو خرج) في أولييه أو إحداهما من سورة (إلى) سورة (أخرى) فلا سجود عليه.

(أو قاء أو قلس) بفتح اللام أي خرج منه قيء أو قلس (غلبة): فلا سجود عليه (إن قل) الخارج منهما، (وطهر) بأن لم يتغير عن حالة الطعام (ولم يزدرد) أي يبتلع (منه شيئاً عمداً وإلا) بأن كثر الخارج منهما أو كان نجساً بأن تغير أو ابتلع منه شيئاً عمداً [1](بطلت) صلاته، وقولنا:"إن قل" إلى آخره مما زدناه عليه.

وقولنا: "عمداً " مفهومه لو ازدرده ناسياً لم تبطل: وسجد لأنه من الفعل القليل، وكذا إن ابتلعه غلبة على أحد القولين.

(أو أعلن) أي جهر زيادة على سماع من يليه فيما يسر فيه

(أو أسر) بحركة اللسان فيما يجهر فيه (بكآية) من الفاتحة أو السورة، فلا سجود عليه. وإنما السجود فيما إذا أعلن أو أسر في نصف الفاتحة فأكثر، (أو أعاد السورة لهما): أي للإعلان والسر بأن كان قرأها على خلاف سنتها، فتطلب منه إعادتها والإتيان بها على سنتها فأعادها، فلا سجود عليه (بخلاف) إعادة (الفاتحة) لهما فموجب للسجود.

(أو اقتصر على إسماع نفسه في جهرية أو) اقتصر (على إسماع من يليه في سرية) فلا سجود كما تقدم.

(أو أدار) الإمام (مأمومه) إذا وقف جهة يساره (ليمينه) كما هو المندوب. فلا سجود عليه. وكذا لا سجود في فعل يسير؛ كالتفات وحك جسد وإصلاح سترة أو رداء أو مشي كصفين لفرجة ونحو ذلك.

(وسجد) البعدي (بنية) وجوباً (وتكبير في خفضه ورفعه وتشهد) استناناً (وسلام) وجوباً، كالسجدتين والجلوس بينهما، فواجباته خمسة. وأما القبلي فهو وإن كان كذلك إلا أن نيته مندرجة في نية الصلاة، والسلام منه هو سلام الصلاة.

(وصحت) الصلاة (إن قدمه) أي البعدي (على السلام وأثم) أي يحرم تقديمه لأنه لما كان خارجاً عن الصلاة صار تقديمه كالزيادة فيها.

(وكره تأخير القبلي): عن السلام عمداً ولا تبطل.

(وسجد مسبوق أدرك) مع إمامه (ركعة) فأكثر السجود (القبلي) المترتب على الإمام (مع إمامه) قبل قضاء ما عليه (إن سجد) الإمام ذلك القبلي، (وإلا) يسجده الإمام بل تركه، (فعله) أي سجده المأموم (لنفسه) قبل قضاء ما عليه (وإن لم يدرك موجبه وأخر البعدي): الذي ترتب على إمامه لتمام صلاته فيسجده بعد سلامه فإن قدمه معه بطلت صلاته.

(فإن سها): المأموم حال القضاء (بنقص قدمه) على سلامه بعد قضاء ما عليه لاجتماع النقص منه مع زيادة الإمام.

(ولا سجود على مؤتم سها) بزيادة أو نقص لسنة مؤكدة أو سنتين خفيفتين فأكثر

ــ

مراعاة لمن يقول بطلت قراءة السورة في الأخيرتين: ومقابل المشهور ما قاله أشهب من السجود.

قوله: [أو خرج في أولييه]: أي لأنه لم يأت بخارج عن الصلاة. وكره تعمد ذلك، إلا أن يفتتح بسورة قصيرة في صلاة شرع فيها التطويل، فيندب له تركها، وينتقل إلى سورة طويلة.

قوله: [كما هو المندوب]: أي ولا سجود في فعل مندوب. «وقد فعله النبي صلى الله عليه وسلم في قصة ابن عباس حيث قام على يساره فأداره عن يمينه» قوله: [وإصلاح سترة أو رداء]: أي لكونه مندوباً وهذا إذا أصلحه وهو جالس. وأما إن كان قائماً ينحط لذلك فيكره كراهة شديدة، ولا تبطل به الصلاة إلا إذا زاد الانحطاط عن مرة.

قوله: [فواجباته خمسة]: أي وهي: النية، والسجدة الأولى، والثانية، والجلوس بينهما، والسلام، لكن السلام واجب غير شرط، وأما التكبير والتشهد بعده فسنة.

قوله: [مندرجة]: أي فلا يفتقر لنية ولا لسلام ولا يصح في الجمعة إلا في الجامع الذي صلى فيه، وكذا الرحاب والطرق. وأما البعدي في الجمعة فبأي جامع اهـ. من المجموع.

قوله: [وصحت الصلاة]: أي مراعاة لقول القائل إن السجود دائماً قبلي.

قوله: [ولا تبطل]: أي مراعاة لقول القائل ببعدية السجود دائماً. والحاصل أنه وقع خلاف في المذهب في محل السجود. فقيل: بعد السلام مطلقاً، وقيل: قبله مطلقاً، وقيل: بالتخيير، وقيل: إن كان النقص خفيفاً كالسر فيما يجهر فيه سجد بعده كالزيادة، وإلا فقبله، وقيل: إن كان عن زيادة فبعده وإن كان عن نقص فقط أو نقص وزيادة فقبله، وهذا هو المشهور الذي مشى عليه المصنف وأصوله. وعليه لو قدم البعدي أو أخر القبلي تصح مراعاة لما ذكر من الأقوال

قوله: [أدرك مع إمامه ركعة] إلخ: أي وإلا فإن أدرك دون ركعة وسجد معه قبل السلام بطلت.

قوله: [بل تركه]: أي إما عمداً أو رأياً أو سهواً وإذا تركه الإمام وسجده المسبوق وكان عن ثلاث سنن صحت للمسبوق وبطلت على الإمام حيث لم يكن مذهبه يرى الترك، وتزاد على قاعدة: كل صلاة بطلت على الإمام بطلت على المأموم إلا في سبق الحدث ونسيانه. تنبيه

لو أخر الإمام القبلي؛ هل للمأموم أن يقدمه أم لا؟ البرزلي: كان شيخنا ابن عرفة يقول إن المأموم يسجد قبل، وظاهر كلام غيره أن المأموم يتبع الإمام في الصلاة وفي السجود قاله الشيخ أحمد الزرقاني. وفي المواق فيها لمالك وكذا إن قدم الإمام القبلي وأخره المأموم فتصح صلاته. .اهـ. من حاشية الأصل. قوله:[سها] إلخ: لا مفهوم للسهو بل إذا تعمد ترك جميع السنن فإن الإمام يحملها عنه.

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

ليست في ط المعارف.

ص: 139

(حالة القدوة): لأن كل سهو سهاه المأموم فالإمام يحمله عنه. ومفهوم حالة القدوة أنه لو سها فيما يقضيه بعد سلام الإمام لترتب عليه فيه السجود، وهو كذلك. وقولنا " سجود " مما زدناه عليه.

(ولا) سجود (لترك فضيلة أو سنة خفيفة) كالقنوت وكتكبيرة فإن سجد لهما قبل السلام بطلت لتعمد الزيادة.

(ولا تبطل) الصلاة (بترك) سجود (بعدي و) إن نسيه (سجده متى ذكره) ولو بعد سنين. وكذا إن تركه عمداً (ولا يسقط) بطول الزمان سواء تركه عمداً أو نسياناً.

(ولا) تبطل (بترك) سجود (قبلي) عمداً أو سهواً ترتب (عن) ترك (سنتين) خفيفتين فقط (وسجده) استناناً (إن قرب) بأن لم يخرج من المسجد، ولم يطل الزمان وهو في مكانه أو قربه (وإلا) يقرب بأن خرج من المسجد أو طال الزمان (سقط) لخفته (وبطلت إن كان) القبلي مترتباً (عن) ترك (ثلاث) من السنن (وطال) زمن تركه سهواً، وأما لو تركه عمداً لبطلت بمجرد الترك والإعراض عنه وهذا يدل على أنه واجب وهو ينافي كونه سنة (كترك ركن) سهواً وطال زمن الترك فتبطل. وأما عمداً فتبطل بمجرد الترك (و) إذا لم يطل:(تداركه) بأن يأتي به على الوجه الآتي بيانه (إن لم يسلم) معتقداً التمام إذا كان الترك (من) الركعة (الأخيرة) فإن كان المتروك الفاتحة: انتصب قائماً فيقرؤها ثم يتم ركعته، وإن كان الركوع رجع قائماً ثم يركع، وإن كان الرفع منه رجع محدودباً [1] فإذا وصل حد الركوع اطمأن، ثم يرفع ويتم ركعته ويسجد بعد السلام، وإن كان السجود سجد وهو جالس، وأعاد التشهد وسلم، ثم يسجد بعده للزيادة ما لم يكن معه نقص تقدم وإلا فقبله، فإن سلم من الأخيرة معتقداً كمال صلاته، ثم تذكر ترك الركن منها، فات التدارك واستأنف ركعة بدلها إذا لم يطل، فإن طال بطلت صلاته، فلو سلم من غير الأخيرة ساهياً لم يفت تداركه؛ بل يتداركه به على الوجه الآتي ما لم يعقد ركوعاً من التي تليها.

(أو) يتداركه من غير الأخيرة إن (لم يعقد ركوعاً) من ركعة تلي ركعة النقص إذا كان الترك (من غيرها). وقولنا في الأولى: "من الأخيرة" وفي هذه "من غيرها" تقييد لإطلاقه، والأوضح. لو قلنا:"وتداركه من الأخيرة إن لم يسلم، ومن غيرها إن لم يعقد ركوع التي تليها"، وإذا أمكن التدارك بأن كان الترك من الأخيرة ولم يسلم، أو كان من غيرها ولم يعقد ركوع التي تلي ركعة النقص.

(فتارك ركوع) سهواً تذكره في السجود، أو في الجلسة بين السجدتين، أو في التشهد (يرجع قائماً وندب أن يقرأ) شيئاً من القرآن ليقع ركوعه بعد قراءة، وكذا تارك الفاتحة يرجع قائماً ليأتي بها.

(و) تارك (الرفع منه): أي من الركوع (يرجع محدودباً) أي محنياً مقوساً حتى يصل حد الركوع ثم يرفع منه بسمع الله لمن حمده.

ــ

قوله: [حالة القدوة]: بفتح القاف بمعنى الاقتداء، وأما الشخص المقتدى به فهو مثلث القاف.

قوله: [لأن كل سهو سهاه المأموم] إلخ: يشير لقاعدة وهي: كل سهو يحمله الإمام فسهوه عنه سهو لهم وإن هم فعلوه، وكل سهو لا يحمله الإمام فسهوه عنه ليس سهواً لهم إذا هم فعلوه، مثال الأول: إذا سها الإمام عن سورة مثلاً، أو بزيادة وسجد فإن المأموم يسجد معه وإن لم يحصل منه موجب السجود لأنه لو وقع من المأموم لحمله الإمام عنه، ومثال الثاني إذا سها الإمام أو المأموم عن الفرائض فلا يحمل أحدهما عن الآخر.

قوله: [لتعمد الزيادة]: أي ولا يعذر بالجهل.

قوله: [ولو بعد سنين] إلخ: أي لأن المقصود ترغيم الشيطان.

قوله: [بأن خرج من المسجد]: أي عند أشهب لأن الطول عنده الخروج من المسجد.

قوله: [أو طال الزمن]: أي بالعرف عند ابن القاسم.

قوله: [وطال زمن تركه]: أي بأن خرج من المسجد، أو بالعرف وإن لم يخرج.

قوله: [وأما لو تركه عمداً] إلخ: أي وإن لم يطل، وأما قوله فيما تقدم: وصح إن قدم بعدية أو أخر قبلية، فهو مقيد بما إذا لم يعرض عن الإتيان به بالمرة.

قوله: [وهو ينافي كونه سنة]: أجاب في المجموع بأن البطلان مراعاة للقول بوجوبه.

قوله: [وطال زمن الترك]: أي بحيث فاته تداركه. ومثل الطول بقية المنافيات كحدث أو أكل أو شرب أو كلام كما تقدم له من كل ما أخل بشرط، على تفصيل الشروط المتقدمة.

قوله: [تداركه]: أي إن كان يمكن التدارك بأن كان تركه بعد تحقق ماهية الصلاة وانعقادها كالركوع والسجود. وأما ما لا يمكن تداركه كالنية وتكبيرة الإحرام فلا؛ لأنه غير مصل.

قوله: [إذا كان الترك من الركعة الأخيرة]: أي وأما سلامه من اثنتين معتقداً الكمال فلا يفيت تدارك الركن المتروك من الثانية كما هو المستفاد من النقول، وهذا كله في غير المأموم، وأما المأموم فسيأتي الكلام عليه في المزاحمة.

قوله: [سجد وهو جالس]: أي إن كانت السجدة الثانية، وإلا فيخر من قيام كما يأتي.

قوله: [فتارك ركوع سهواً] إلخ: إنما كان يرجع له قائماً لأن الحركة للركن مقصودة.

قوله: [شيئاً من القرآن]: أي من غير الفاتحة لا منها، لأن تكريرها حرام، ولا يرتكب لأجل تحصيل مندوب، وظاهره أنه يقرأ ولو كان في الأخيرتين. وفي المجموع و (عب) ندب قراءته من الفاتحة وغيرها وهو ظاهر شارحنا.

قوله: [يرجع محدودباً]: هذا قول محمد بن المواز. فلو خالف ورجع قائماً

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

في ط المعارف: (محدوباً).

ص: 140

(و) تارك (سجدة) سهواً - وتذكر في قيامه - (يجلس) ليأتي بها منه

(لا) تارك (سجدتين) ثم تذكرهما قائماً فلا يجلس لهما بل ينحط لهما من قيام

ثم شرع يتكلم على ما إذا فات التدارك بعقد الركوع من الركعة التي تلي ركعة النقص أو بالسلام إذا كان الترك من الركعة الأخيرة فقال:

(فإن ركع): هذا مفهوم قوله "أو لم يعقد ركوعاً" أي فإن عقد ركوع الركعة التي تلي ركعة النقص بطلت ركعة النقص و (رجعت الثانية) التي عقد ركوعها (أولى لبطلانها): أي الأولى بفوات التدارك؛ فإن كانت ركعة النقص هي الأولى صارت الثانية مكانها، ويأتي بركعة بالفاتحة وسورة، ويتشهد ويسجد بعد السلام لمحض الزيادة، وإذا كانت ركعة النقص هي الثانية صارت الثالثة ثانية، وهي بالفاتحة فقط فيتشهد بعدها ويأتي بركعتين بالفاتحة فقط، ويسجد قبل السلام لنقص السورة من التي صارت ثانية مع الزيادة، وإذا كانت ركعة النقص هي الثالثة صارت الرابعة ثالثة، ويسجد بعد السلام. وإذا تذكر وهو في الجلوس الثاني أنه ترك ركناً من الأولى رجعت الثانية أولى، والثالثة ثانية والرابعة ثالثة؛ فيأتي بركعة بالفاتحة فقط سراً ويسجد قبل السلام لنقص السورة والتشهد الأول، لأنه صار ملغى بوقوعه بعد الأولى، وكذا إن تذكر بعد السلام بقرب فإن طال بطلت كما يأتي.

(وهو): أي الركوع المفيت للتدارك (رفع رأس): بعد الانحناء مطمئناً (معتدلاً) مطمئناً، فمن لم يعتدل تدارك ما فاته. وكذا المسبوق إذا كبر للإحرام وانحنى بعد رفع الإمام رأسه وقبل اعتداله فقد أدرك الركعة معه. وكذا المأموم إذا لم يركع مع إمامه لعذر أو غيره حتى رفع مطمئناً فإنه يفوته الركوع معه، وإلا ركع وأدركه. وسيأتي تفصيل هذه المسألة. فليس الركوع مجرد الانحناء -خلافاً لأشهب- إلا في مسائل أشار لها بقوله:(إلا لترك ركوع) من ركعة فيفوت بمجرد الانحناء من التي تليها وتقوم هذه الركعة مقام ما قبلها.

(أو) ترك (سر) لفاتحة أو سورة فيفوت بمجرد الانحناء، فإن عاد للقراءة على سنتها بطلت صلاته.

(أو) ترك (جهر) فكذلك. (أو) ترك (تكبير عيد) كلاً أو بعضاً حتى انحنى فكذلك.

(أو) ترك (سورة) بعد الفاتحة.

(أو) ترك (سجدة تلاوة) في فرض أو نفل حتى انحنى ساهياً عنها.

(أو ذكر بعض) من صلاة أخرى قبل التي هو فيها.

ومراده بالبعض المتروك: ما يشمل البعض حقيقة أو حكماً كالسجود القبلي المترتب عن ثلاث سنن (فبالانحناء) أي فالركوع بالانحناء، ويفوت التدارك لما تركه في الجميع وتبطل الصلاة التي ترك منها البعض للطول بالركوع. (وإن سلم) هذا عطف على "إن ركع" وهو مفهوم قوله: إن لم يسلم أي: وإن سلم من الركعة الأخيرة معتقداً الكمال فات التدارك للركن المتروك منها.

(وبنى) على ما معه

ــ

لم تبطل مراعاة للقول المقابل، خلافاً لما ذكره (عب) من البطلان، كذا ذكره في الحاشية. والقائل برجوعه قائماً هو ابن حبيب، فيقول: يرجع قائماً بقصد الرفع من الركوع، لأن المقصود من الرفع من الركوع أن ينحط للسجود من قيام منه، وإذا رجع إلى القيام وانحط منه إلى السجود فقد حصل المقصود.

قوله: [وتارك سجدة]: أي إن كانت الثانية فإن الأولى لا يتصور تركها. وفعل الثانية لأن الفرض أنه أتى بسجدة واحدة وهي الأولى قطعاً ولو جلس قبلها فجلوسه ملغي لوقوعه بغير محله ولا يصيرها الجلوس قبلها ثانية.

قوله: [بل ينحط لهما من قيام]: فلو فعلهما من جلوس فلا بطلان وسجد قبل السلام، فالانحطاط غير واجب كما في التوضيح والحطاب عن عبد الحق، واعترض بأنه على المشهور من أن الحركة للركن مقصودة، فالانحطاط لهما واجب، فكيف يجبره السجود وعلى أنها غير مقصودة فليس بواجب ولا سنة. وأجيب بأن مراعاة القول بأنها غير مقصودة صيرته كالسنة فلذا جبر بالسجود.

قوله: [إذا كان الترك] إلخ: ظرف لقوله: "أو بالسلام".

قوله: [ورجعت الثانية] إلخ: ما ذكره من انقلاب الركعات للفذ والإمام هو المشهور، وقيل: لا انقلاب. فعلى المشهور الركعة التي يأتي بها في آخر صلاته بناء يقرأ فيها بأم القرآن فقط، كما يأتي فيما قبلها بأم القرآن، وعلى القول المقابل: الركعة التي يأتي بها آخر صلاته قضاء على التي بطلت، فيأتي بها على صفتها من سر أو جهر، وبالفاتحة وسورة أو بالفاتحة فقط. والحاصل أنه يأتي بركعة على كل حال لكن هل هي بناء أو قضاء؟ وعلى المشهور يختلف حال السجود وعلى مقابله، فالسجود دائماً بعد السلام.

قوله: [فإن طال بطلت]: ما ذكره الشارح من البطلان عند الطول هو ما ذكره (ر) قائلاً: القواعد تقتضي عدم البطلان إن قرب ولم يخرج من المسجد خلافاً للشيخ سالم السنهوري حيث قال بالبطلان بمجرد السلام وإن لم يطل

قوله: [فيفوت بمجرد الانحناء]: أي وإن لم يطمئن.

قوله: [بطلت صلاته]: أي لرجوعه من فرض لسنة. قوله: [حتى انحنى فكذلك]: أي تبطل إن رجع وإنما يستمر ويسجد قبل السلام في ترك تكبير العيد كلاً أو بعضاً أو ترك الجهر. وأما ترك السر فيسجد له بعد السلام إن أتى بأعلى الجهر كما تقدم. وأما في سجود التلاوة فيفوت السجود بمجرد الانحناء في صلاة الفرض، ولا يجبر بسجود سهو ولا غيره ويأتي به في ثانية النفل، وهل بعد الفاتحة لأنها أهم؟ أو قبلها لتقدم موجبها؟ قولان.

قوله: [أو ذكر بعض] إلخ: أي فإذا ذكر بعض صلاة مفروضة أو سجوداً قبلياً من صلاة مفروضة في صلاة أخرى فريضة

ص: 141

من الركعات الصحاح وألغى ركعة النقص (إن قرب) تذكره بعد سلامه بالعرف ولم يخرج من المسجد فإن طال بطلت (بنية وتكبير) أي إكمال صلاته وندب رفع يديه عند التكبير (ولا تبطل بتركه): أي التكبير، لأنه واجب غير شرط. ثم إن كان جالساً كبر من جلوسه وقام للإتمام. (وجلس له): إن كان قائماً ليأتي به من جلوس لأن حركته للقيام لم تكن مقصودة لإتمام صلاته. هذا كله فيما إذا كان الركن المتروك غير السلام، فإن كان السلام فأشار له بقوله:

(وأعاد تارك السلام) سهواً (التشهد) في ثلاث صور:

(إن فارق مكانه): الذي كان به ولو لم يطل.

(أو) لم يفارقه و (طال لا جداً) أي بل طولاً متوسطاً بالعرف. فإن طال جداً بطلت فيهما وسجد بعد السلام للزيادة إذا لم يكن معه نقص سبق (وسجد) بعده (فقط)، أي بلا إعادة التشهد (إن انحرف) عن القبلة انحرافاً (كثيراً) بأن شرق أو غرب إذا كان بنحو المدينة من غير مفارقة لمكانه (بلا طول)، فإن لم ينحرف عنها أو انحرافاً يسيراً اعتدل وسلم ولا سجود عليه.

ثم شرع في الكلام عن حكم من ترك التشهد الأول سهواً فقال:

(ورجع تارك الجلوس الأول) والمراد به ما عدا الأخير (ما): أي مدة كونه (لم يفارق الأرض بيديه وركبتيه) جميعاً بأن بقي بالأرض ولو يداً أو ركبة (ولا سجود عليه) لهذا الرجوع مع التزحزح، (وإلا) بأن فارق الأرض بجميع ما ذكر (فلا) يرجع له. أي: يمنع وسجد قبل السلام.

(فإن رجع) للتشهد ولو عمداً

ــ

أو نافلة، أو كان البعض أو السجود من نافلة وذكر ذلك في نافلة أخرى بعد انحنائه للركوع، فإن ذلك يمنع من الرجوع لإتمام الأولى وتبطل. والحاصل أن من ترك القبلي المترتب عن ثلاث سنن والبعض المتروك من فرض وذكره في فرض أو نفل، فإن أطال القراءة من غير ركوع بأن فرغ من الفاتحة أو ركع بالانحناء - وإن لم تطل قراءته بل وإن لم يقرأ - كأمي ومأموم بطلت الصلاة المتروك منها لفوات التلافي بالإتيان بما فات منها. وحيث بطلت الأولى أتم النفل إن اتسع الوقت لإدراك الأولى عقد منه ركعة أم لا، أو ضاق وأتم ركعة بسجدتيها، وإلا قطع وأحرم بالأولى وقطع الفرض بسلام أو غيره لوجوب الترتيب إن كان فذاً أو إماماً وتبعه مأمومه، لا مأموماً. وندب الإشفاع ولو بصبح وجمعة إلا المغرب إن عقد ركعة بسجدتيها واتسع الوقت، وإلا قطع لأنه يقضي بخلاف النفل وإلا - بأن لم يطل القراءة ولم يركع - رجع لإصلاح الأولى بلا سلام من الثانية. فإن سلم بطلت الأولى. وإن كان ذكر القبلي أو البعض من نفل في فرض، تمادى مطلقاً كفي نفل وإن أطال القراءة أو ركع. وإلا رجع لإصلاح الأولى بلا سلام، ويتشهد ويسلم ويسجد بعد السلام ولا يجب عليه قضاء النفل الذي رجع عنه إذا لم يتعمد إبطاله. انتهى من الأصل. فالصور ثمانية وقد علمت تفصيلها فتأمل. تنبيه: لم يذكر المصنف إقامة مغرب عليه وهو بها، لأن المعتمد فيها أن من أقيمت عليه صلاة الراتب للمغرب وهو بها - وقد أتم منها ركعتين بسجودهما - فإنه يتم، فلا يتوقف الفوات على الانحناء بالثانية خلافاً لخليل.

قوله: [بالعرف]: أي عند ابن القاسم كما قيده في التوضيح وهو مشكل؛ إذ ابن القاسم عنده الخروج من المسجد طول أيضاً كما صرح به أبو الحسن، فقال في قول المدونة: من سها عن سجدة أو ركعة أو عن سجدتي السهو قبل السلام بنى فيما قرب، وإن تباعدا ابتدأ الصلاة، ما نصه: حد القرب عن ابن القاسم الصفان أو الثلاثة أو الخروج من المسجد، انتهى نقله (ر)، ونقل أبو الحسن أيضاً عن ابن المواز: أنه لا خلاف أن الخروج من المسجد طول باتفاق، وحينئذ فيتعين أن الواو في كلام الشارح على بابها للجمع لا بمعنى أو.

قوله: [ولم يخرج من المسجد]: أي برجليه معاً بأن لم يخرج أصلاً أو خرج بإحدى رجليه.

قوله: [فإن طال بطلت]: مثله خروج الحدث وحصول بقية المنافيات كالأكل والشرب والكلام.

قوله: [ولا تبطل بتركه] إلخ: أي وأما النية فلا بد منها ولو قرب جداً كما للباجي عن ابن القاسم.

قوله: [وجلس له]: هذا قول ابن شبلون واستظهره ابن رشد.

قوله: [في ثلاث صور]: وهي: مفارقة مكانه طال طولاً متوسطاً، أم لا، أو لم يفارق مكانه وطال طولاً متوسطاً.

قوله: [بطلت فيهما]: أي فيما إذا طال جداً فارق مكانه أو لا.

قوله: [إذا كان بنحو المدينة]: أي كمصر ومن وراءهم من كل من كانت قبلتهم بين مطلع الشمس والجنوب.

قوله: [ورجع تارك الجلوس الأول]: الذي ينبغي الجزم به أن الرجوع سنة، فإن لم يرجع سهواً سجد قبل السلام للنقص. وإن لم يرجع عمداً جرى على ترك السنة.

قوله: [المراد به ما عدا الأخير]: أي فالمراد جلوس غير السلام سواء كان أولاً أو ثانيا ًأو ثالثاً كما في مسائل البناء والقضاء.

قوله: [أي يمنع]: أي لأنه تلبس بركن فلا يقطعه لما دونه، والرجوع مكروه عند ابن القاسم القائل بالاعتداد برجوعه. وما ذكره الشارح من النهي عن رجوعه في غير المأموم، وأما هو إذا قام وحده من اثنتين واستقل فإنه يرجع لمتابعة الإمام.

ص: 142

(لم تبطل) صلاته، (ولو استقل) قائماً (وتبعه مأمومه) في الرجوع وجوباً (وسجد) لزيادة هذا الرجوع (بعده) أي السلام.

(وإن شك) المصلي (في) ترك (سجدة لم يدر محلها)؛ أي: هل هي من التي هو بها أو من ركعة قبلها؟ (سجدها) مكانه لاحتمال كونها من التي هو بها. فإن كان قائماً جلس لها وبسجودها تيقن سلامة تلك الركعة، وصار الشك فيما قبلها. ثم لا يخلو إما أن يكون في الركعة الأخيرة، أو لا، (فـ) إن كان (في الأخيرة أتى بركعة) بالفاتحة فقط سراً لأنها آخر صلاته، وسجد قبل السلام للزيادة مع النقص المشكوك لاحتمال تركها من إحدى الأوليين فتصير الثالثة وهي بالفاتحة فقط ثانية.

(و) إن كان (في قيام الرابعة) أتى (بركعتين)؛ لأنه بسجودها تحققت له ركعتان: هذه الثالثة وواحدة من إحدى الأوليين، (ويتشهد) بعد إتيانه بالسجدة قبل الإتيان بالركعتين، وسجد قبل السلام لاحتمال النقص كما في التي قبلها.

(و) إن كان (في) قيام (الثالثة) جلس وسجدها، فيتحقق بها سلامة الثانية ويصير الشك في الأولى فتلغى لفوات تداركها، وأتى (بثلاث): واحدة بالفاتحة وسورة وتشهد، وركعتين بالفاتحة فقط وتشهد، ويسجد بعد السلام.

(وإن فات مؤتماً) مفعول مقدم (ركوع) فاعل مؤخر (مع إمامه): بأن رفع الإمام رأسه من ركوعه واعتدل مطمئناً قبل انحناء المؤتم للركوع، فلا يخلو من أربعة أحوال: إما أن يكون الفوات في أولى المأموم سواء كانت أولى الإمام أيضاً أو غيرها كما في المسبوق. أو في غير أولاه، وفي كل منهما [1]: إما أن يكون لعذر أو غيره (فـ) إن كان الفوات (في غير أولاه) أي المأموم (اتبعه) أي تبع الإمام بأن يركع ويرفع ويسجد خلفه (ما) أي مدة كون الإمام (لم يرفع) رأسه (من سجودها) الثاني. فإن رفع فاتته تلك الركعة ووجب عليه اتباعه في التي قام لها، ويجلس معه إن جلس لتشهد. فإن قضى بعد رفع إمامه من سجودها الثاني بطلت عليه صلاته، وسواء كان الفوات لعذر مما يأتي أو لا، غير أن غير المعذور آثم على الراجح، وقولنا:" اتبعه ما لم يرفع" إلخ صادق بما إذا كان يدرك إمامه في السجدة الأولى، أو الجلوس بين السجدتين، أو في الثانية. فلو طمع في إدراكه الأولى قبل رفع إمامه من الثانية اتبعه أيضاً وصحت صلاته. فلو ركع ورفع منه فرفع إمامه من السجدة الثانية ألغى ركوعه وتابع إمامه في القيام أو الجلوس للتشهد.

ــ

قوله: [لم تبطل صلاته]: أي لعدم الاتفاق على فرضية الفاتحة بخلاف من رجع من الركوع لفضيلة القنوت لغير اتباع الإمام.

قوله: [ولو استقل قائماً]: أي بل ولو قرأ بعض الفاتحة، أما لو قرأها كلها ورجع فالبطلان.

قوله: [وتبعه مأمومه] إلخ: أي فمأمومه يجب عليه اتباعه في كل حال.

قوله: [لزيادة هذا الرجوع]: أي ولقيامه سهواً.

قوله: [سجدها مكانه]: أي فإن ترك الإتيان بها بطلت صلاته لأنه تعمد إبطال ركعة أمكنه إصلاحها، فإن تحقق تمام تلك الركعة لم يسجد فقوله "سجدها مكانه" أي: ما لم يتحقق تمام تلك الركعة، وإلا فلا يسجدها أصلاً وتنقلب ركعاته ويأتي بركعة فقط.

قوله: [فإن كان في الأخيرة]: شروع في التفصيل على مذهب ابن القاسم فالفاء للتفريع.

قوله: [لاحتمال النقص]: أي نقص الصورة من إحدى الأوليين لانقلاب الركعات، وهذا بالنسبة للفذ والإمام، وأما المأموم فإنه يسجد السجدة لتكملة الركعة التي هو فيها، وبعد سلام الإمام يأتي بركعة بالفاتحة وسورة لاحتمال أن يكون من إحدى الأوليين، ويسجد بعد السلام لاحتمال زيادة هذه الركعة.

قوله: [وإن كان في قيام الثالثة]: أي أو في ركوعها وقبل الرفع منه، وأما لو حصل له الشك بعد الرفع من ركوعها فلا يسجدها لفوات التدارك، ويتشهد بعد هذه ثم يأتي بركعتين بالفاتحة فقط، ويسجد قبل السلام لنقص السورة والزيادة؛ هذا إذا كان فذاً أو إماماً. وأما المأموم الذي شك بعد الرفع من ركوع الثالثة فإنه يأتي مع الإمام بركعة وبعده بركعة بالفاتحة وسورة ويسجد بعد السلام.

تنبيه: إن سجد إمام سجدة واحدة وترك الثانية سهواً وقام لم يتبعه مأمومه بل يجلس ويسبح له لعله يرجع، فإن لم يفهم كلمه، فإن لم يرجع فإنهم يسجدونها لأنفسهم ولا يتبعونه في تركها وإلا بطلت عليهم ويجلسون معه ويسلمون بسلامه. فإذا تذكر ورجع لسجودها فلا يعيدونها معه على الأصح، وإن استمر تاركها حتى سلم وطال الأمر بطلت عليه دونهم. فهي من جملة المستثنيات.

قوله: [فاعل مؤخر]: أي لكونه إذا دار الإسناد بين المعنى والذات يسند للمعنى لا للذات.

قوله: [اتبعه] إلخ: أي فعل المأموم ما فاته به الإمام، ولا يضر قضاء المأموم في صلب الإمام في هذه الحالة.

قوله: [أي مدة كون الإمام] إلخ: أي فهو ظرف للاتباع. والمعنى أتى بما فاته به الإمام مدة عدم رفع الإمام رأسه من السجدتين فإذا رفع من السجدتين فلا يشرع المأموم في الإتيان بما فاته. ومتى علم أنه يدرك الإمام في ثاني السجدتين فإنه يفعل وإن أتى بالسجدة الثانية بعد قيام الإمام.

قوله: [بطلت عليه صلاته]: ظاهره نوى الاعتداد بتلك الركعة أم لا ولكن المعتمد أن محل البطلان إن اعتد بها.

قوله: [وفي الثانية]: أي وإن كان لا يفعلها إلا بعد رفع الإمام منها.

قوله: [ألغى ركوعه] إلخ: أي والصلاة صحيحة وقضى ركعة.

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

في ط المعارف: (منها)، ولعلها الصواب.

ص: 143

(و) إن كان فوات الركوع برفع إمامه معتدلاً (في الأولى): أي أولى المأموم -وإن كانت ثانية إمامه أو ثالثته- (فـ) إن كان فواته (لعذر من سهو ونعاس) خفيف لا ينقض الوضوء، (وازدحام) بين الناس (ونحوها) أي المذكورات كمرض منعه من الركوع، أو إكراه أو مشي لسد فرجة (تركه): أي الركوع (وسجد) أي خر ساجداً (معه) أي مع إمامه ولو في الثانية، وجلس معه بين السجدتين وسجد معه الثانية إن فاتته الأولى. فإن فاتته السجدتان معاً أيضاً اتبعه في الحالة التي صار إليها من قيام أو جلوس لتشهد، لأنه صار مسبوقاً فاته الركوع فيتبع إمامه في الحالة التي هي بها، (وقضاها): أي الركعة التي فاتته برفع الإمام من ركوعه (بعد سلامه) أي سلام إمامه. (و) إن كان الفوات (لغيره): أي لغير عذر بل باختياره (بطلت) صلاته واستأنف الإحرام، (كأن) أي كما تبطل إن (قضى) في صلب الإمام (ما فاته) من الركوع (في) حال (العذر وسجدة) بالرفع عطف على ركوع، أي وإن فات مؤتماً سجدة أو سجدتان؛ فالمراد الجنس الصادق بالاثنتين (فإن طمع فيها) أي في الإتيان بالسجدة وإدراك الركوع (قبل عقد إمامه) ركوع التي تليها يرفع رأسه معتدلاً مطمئناً (سجدها) وأدركه في الركوع، (وإلا) يطمع فيها بأن ظن أنه متى سجدها فاته الركوع (تمادى) على حاله من تركها، واتبع إمامه على ما هو عليه (وقضاها بعده) أي: بعد سلام إمامه ولا سجود عليه.

ــ

قوله: [وإن كان فوات الركوع] إلخ: حاصله أنه إذا فاته ركوع الأولى بما ذكر من الازدحام وما معه فلا يجوز له الإتيان به بعد رفع الإمام؛ ولو علم أنه إذا أتى به فيدرك الإمام قبل رفعه من السجود بل يخر ساجداً، ويلغي هذه الركعة لأنه لم ينسحب عليه أحكام المأمومية. فإن تبعه وأتى بذلك الركوع وأدركه في السجود أو بعده عمداً أو جهلاً، بطلت صلاته حيث اعتد بتلك الركعة، لا إن ألغاها وأتى بركعة بدلها. ومثل من زوحم على الركوع في الأولى، المسبوق إذا أراد الركوع فرفع الإمام فإنه يخر معه، ولا تبطل إن ركع إذا ألغى تلك الركعة. ومن هذا تعلم ما يقع لبعض الجهلة؛ يأتون فيجدون الإمام قد رفع رأسه من الركوع فيحرمون ويدركون الإمام في السجود، أن صلاتهم باطلة إن اعتدوا بتلك الركعة. فإن ألغوها وأتوا بدلها بركعة صحت. واعلم أن ما ذكره المصنف من التفصيل بين الأولى والثانية هو المشهور من المذهب. وقيل: لا يتبعه مطلقاً لا في الأولى ولا في غيرها. وقيل بعدم الاتباع في الأولى فقط إلا في الجمعة، وقيل: بالاتباع مطلقاً ما لم يعقد التالية انظر بهرام. اهـ. من حاشية الأصل.

تنبيه سكت المصنف عن حكم ما إذا زوحم عن الرفع من الركوع فهل هو كمن زوحم عن الركوع؟ فيأتي به في غير الأولى ما لم يرفع من سجودها، أو هو كمن زوحم عن سجدة؟ فيجري فيه ما جرى فيها من التفصيل؟ قولان. والأول هو الراجح، وهو مبني على أن عقد الركوع برفع الرأس، والثاني مبني على أنه بالانحناء اهـ. من الحاشية.

قوله: [بطلت صلاته واستأنف الإحرام]: أي على ما استظهره الأجهوري وقيل: وكالمعذور إلا أنه آثم.

قوله: [فإن طمع فيها] إلخ: ولا فرق بين كونها أولى المأموم أو غيرها. والفرق بين المزاحمة على الركوع حيث فصل فيه بين كونه من الأولى أو من غيرها والمزاحمة على السجدة، حيث سوى بين كونها من الأولى أو من غيرها: أن المزاحمة على السجدة إنما حصلت بعد انسحاب حكم المأمومية عليه بمجرد رفع رأسه من الركوع، والمزاحمة على الركوع تارة تكون بعد انسحاب حكم المأمومية عليه وتارة قبل.

قوله: [وإلا يطمع فيها] إلخ: أي بأن لم يظن الإدراك للسجدة قبل رفع الإمام رأسه من ركوع الركعة التالية، بأن جزم بعد الإدراك، أو ظن عدمه، أو شك فيه.

قوله: [تمادى على حاله]: أي فيتمادى مع الإمام ويترك تلك السجدة لأنه لو فعلها فاتته الركعة الثانية مع الإمام، وكان محصلاً لتلك الركعة التي فعل سجدتها. وإن تمادى مع الإمام كان محصلاً لتلك الركعة الثانية معه، وفاتته الأولى المتروك منها السجدة، وموافقته للإمام أولى. فلو خالف ولم يتماد مع الإمام صحت صلاته. إن تبين أن سجوده وقع قبل عقد إمامه، وإن تبين أنه بعد العقد بطلت صلاته.

قوله: [ولا سجود عليه]: أي إلا أن يشك في الترك فيسجد بعد السلام لاحتمال أنه لم يترك.

خاتمة: إن قام إمام لزائدة فمأمومه على خمسة أقسام؛ لأنه إما أن يتيقن أنها محض زيادة. أو لا، وتحته أربعة أقسام، فمتيقن الزيادة يجلس وجوباً، وتصح له إن سبح فإن لم يفهم كلمه ولم يتغير يقينه، وتصح لغيره وهو من تيقن الموجب، أو ظنه. أو شك، أو توهم إن اتبعه. فإن خالفه عمداً بطلت إلا أن يصادف الواقع كما قال ابن المواز في الأول، والحطاب في الثاني. وسهواً: أتى الجالس الذي كان يؤمر بالقيام بركعة ويعيدها المتبع الذي كان يؤمر بالجلوس إن تبين موجب. فلو اتبع من كان يؤمر بالجلوس منفرداً صحت له ولم تجز مسبوقاً علم بزيادتها عن ركعة قضاء، وصحت صلاته؛ لأنه عليه

ص: 144

فصل [1]: في بيان النوافل المطلوبة:

(ندب نفل) في غير وقت النهي، ونفل الصلاة أفضل من نفل غيرها؛ لأن فرضها أفضل من فرض غيرها.

(وتأكد) النفل (قبل) صلاة (ظهر وبعدها وقبل) صلاة (عصر وبعد) صلاة (مغرب وعشاء بلا حد) في الجميع، فيكفي في تحصيل الندب ركعتان، وإن كان الأولى أربع ركعات إلا المغرب فست.

(و) تأكد (الضحى): وأقله ركعتان وأكثره ثمان.

(و): تأكد (التهجد) أي النفل بالليل،

ــ

في الواقع ركعة فكأنه قام لها وأجزأته عن ركعة القضاء إن لم يعلم بزيادتها. وهل إلا أن يجمع المأمومون على نفي الموجب؟ قولان سيان، وساه عن سجدة من كأولاه لا تجزيه الخامسة. وإن تعمدها قال في المجموع وفي (ح): خلاف في بطلان الصلاة نظراً للتلاعب، وعدمه نظراً للواقع.

فصل في بيان النوافل المطلوبة

إنما قدمه على سجود التلاوة لاحتوائه على تطوع بالصلوات الكاملة بخلاف سجود التلاوة فإنه بعض صلاة.

والنفل معناه لغة: الزيادة. والمراد به هنا ما زاد على الفرض وعلى السنة والرغيبة، بدليل ذكرهما بعد، واصطلاحاً: ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم ولم يداوم عليه أي يتركه في بعض الأحيان، ويفعله في بعض. وليس المراد أنه يتركه رأساً لأن من خصائصه إدامة عمله. وهذا الحد غير جامع؛ لخروج نحو أربع قبل الظهر، لما ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يداوم عليها.

وأما السنة فهي لغة: الطريقة، واصطلاحاً: ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم وأظهره حالة كونه في جماعة، وداوم عليه ولم يدل دليل على وجوبه.

والمؤكد من السنن ما كثر ثوابه كالوتر.

وأما الرغيبة فهو لغة: التحضيض على فعل الخير، واصطلاحاً: ما رغب فيه الشرع وحده ولم يفعله في جماعة. والمراد: أنه حده تحديداً بحيث لو زيد فيه عمداً أو نقص عمداً لبطل، فلا يقال إنه صادق بأربع قبل الظهر؛ فقول النبي صلى الله عليه وسلم:«من صلى قبل العصر أربعاً حرمه الله على النار» لا يفيد التحديد بحيث لا يصح غيرها، بل بيان للأفضل. اهـ. من حاشية الأصل.

قوله: [ونفل الصلاة] إلخ: أي لأنها أعظم القربات لجمعها أنواعاً من العبادات لا تجمع في غيرها.

قوله: [وتأكد النفل]: قال ابن دقيق العيد في تقديم النوافل على الفرائض وتأخيرها عنها معنى لطيف مناسب؛ أما في التقديم فلأن النفوس لاشتغالها بأسباب الدنيا بعيدة عن حالة الخشوع والخضوع والحضور التي هي روح العبادة، فإذا قدمت النوافل على الفرائض أنست النفس بالعبادة وتكيفت بحالة تقرب من الخشوع، وأما تأخيرها عنها فقد ورد أن النوافل جابرة لنقص الفرائض، فإذا وقع الفرض ناسب أن يقع بعده ما يجبر الخلل الذي يقع فيه اهـ. قال في المجموع: واعلم أن النفل البعدي وإن كان جابراً للفرض في الواقع، لكنه يكره نية الجبر به لعدم العمل، بل يفوض، وإن كان حكمه الجبر في الواقع.

قوله: [قبل صلاة ظهر] إلخ: أي إن كان الوقت متسعاً وإلا منع.

قوله: [بلا حد]: أي يضر مخالفته.

قوله: [وإن كان الأولى] إلخ: أي فالأفضل الوارد وكونه بعد الأذكار الواردة عقب الصلوات.

قوله: [وتأكد الضحى]: أي لقوله صلى الله عليه وسلم: «ركعتان من الضحى يعدلان عند الله بحجة وعمرة متقبلتين» ، رواه أبو الشيخ في الثواب عن أنس. وأشار الشارح إلى أن الضحى عطف على الضمير في "تأكد" لا على نفل، وإلا لاكتفى بدخول الضحى في عموم ندب نفل.

قوله: [أكثره ثمان]: لا ينافي قولهم: أوسطه ست، لأنه مبني على ضعيف من أن أكثرها اثنا عشر. فما زاد على الثمان بنية الضحى يكره لا بنية مطلق نفل. إن قلت الوقت يصرفها للضحى قبل صرفه إذا لم يصل فيه للقدر المعلوم الذي هو الثمان على المشهور. وقال (بن) ما ذكر من كراهة الزيادة، على الثمانية قول الأجهوري وهو غير ظاهر. والصواب - كما قال الباجي - إنها لا تنحصر في عدد ولا ينافيه قول أهل المذهب أكثرها ثمان؛ لأن مرادهم أكثر الوارد فيها لا كراهة الزائد على الثمان، فلا مخالفة بين الباجي وغيره. قاله المسناوي. اهـ. من حاشية الأصل.

تنبيه: سكت المؤلف عن النفل قبل العشاء كأنه لم يرد عن مالك وأصحابه فيه شيء معين إلا عموم قوله صلى الله عليه وسلم: «بين كل أذانين صلاة» والمراد الأذان والإقامة، والمغرب مستثناة اهـ. من الحاشية.

قوله: [وتأكد التهجد]: أي لقوله صلى الله عليه وسلم: «ركعتان في جوف الليل يكفران

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

زاد بعدها في ط المعارف: (في النوافل).

ص: 145

وأفضله بالثلث الأخير. (والتراويح): برمضان (وهي عشرون ركعة) بعد صلاة العشاء يسلم من كل ركعتين غير الشفع والوتر.

(و) ندب (الختم فيها): أي التراويح، بأن يقرأ كل ليلة جزءاً يفرقه على العشرين ركعة (و) ندب (الانفراد) بها في بيته (إن لم تعطل المساجد): عن صلاتها بها جماعة فإن لزم على الانفراد بها تعطيل المساجد عنها، فالأولى إيقاعها في المساجد جماعة، فعلم أنه يندب للأعيان فعلها في المساجد لأن الشأن أن الأعيان، ومن يقتدي بهم إذا لم يصلوها في المساجد تعطلت المساجد.

(و) ندب (تحية المسجد) بركعتين قبل الجلوس به (لداخل) فيه (يريد الجلوس به) أي: بالمسجد -لا المرور فيه- ولا تفوت بالجلوس (في وقت جواز): لا وقت نهي (وتأدت) التحية (بفرض)، فيسقط طلبها بصلاته. فإن نوى الفرض والتحية حصلا، وإن لم ينو التحية لم يحصل له ثوابها، «إنما الأعمال بالنيات» .

(وتحية مكة): أي مسجدها (الطواف) بالبيت سبعاً وركعتاه لآفاقي وغيره، إلا مكياً ليس مطلوباً بطواف، ودخل المسجد في وقت جواز لغير قصد طواف فيكفيه الركعتان.

(وندب بدء بها): أي التحية (قبل السلام على النبي عليه الصلاة والسلام بمسجده) صلى الله عليه وسلم.

(و) ندب (قراءة شفع): المراد به الركعتان قبل الوتر (بسبح) اسم ربك الأعلى عقب الفاتحة في الركعة الأولى (والكافرون) في الثانية.

(و) ندب قراءة (وتر): أي فيه، بعد الفاتحة (بإخلاص ومعوذتين و) ندب (فصله): أي الشفع (منه) أي من الوتر (بسلام وكره وصله) به من غير سلام. (و) كره (الاقتصار على الوتر):

ــ

الخطايا»، رواه الديلمي في مسند الفردوس عن جابر.

قوله: [وأفضله بالثلث الأخير]: أي والأفضل أيضاً الوارد وهو عشر غير الشفع والوتر، وأكثره لا حد له وقد ورد في فضل التهجد ليلاً من الكتاب والسنة ما لا يحصى.

قوله: [بعد صلاة العشاء]: أي فوقته بعد عشاء صحيحة وشفق للفجر.

قوله: [وندب الختم فيها]: قال ابن عرفة فيها لمالك وليس الختم بسنة ولربيعة لو أقيم بسورة أجزأه، اللخمي والختم أحسن اهـ.

قوله: [وندب الانفراد بها] إلخ: حاصله أن ندب فعلها في البيوت مشروط بشروط ثلاثة: أن لا تعطل المساجد، وأن ينشط لفعلها في بيته، وأن يكون غير آفاقي بالحرمين، فإن تخلف منها شرط كان فعلها في المسجد أفضل.

قوله: [فعلم أنه يندب] إلخ: مقتضى التعليل أن الأعيان لا يصلونها إلا في المساجد ولو لم تتعطل بالفعل، والانفراد لهم بها مكروه.

قوله: [وندب تحية المسجد]: المناسب وتأكد تحية المسجد لأن تحية المسجد من جملة المتأكد وإلا لم يكن لذكره بعد ذكر النفل معنى. وإنما كانت تحية المسجد من المتأكد لما ورد في الحديث: «أعطوا المساجد حقها، قالوا: وما حقها يا رسول الله؟ قال تصلوا ركعتين قبل أن تجلسوا» . وينبغي أن ينوي بهما التقرب إلى الله تعالى لأنها تحية رب المسجد؛ لأن الإنسان إذا دخل بيت الملك إنما يحيي الملك لا بيته.

قوله: [لداخل فيه] إلخ: ذكر سيدي أحمد زروق عن الغزالي وغيره أن من قال: " سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر " أربع مرات قامت مقام التحية، فينبغي استعمالها في وقت النهي أو في أوقات الجواز إذا كان غير متوضئ.

وأما إذا كان في أوقات الجواز وهو متوضئ فلا بد من الركعتين. إن قلت فعل التحية وقت النهي عن النفل منهي عنه فكيف يطلب ببدلها ويثاب عليها؟ قلت: لا نسلم أن التحية وقت النهي عن التنفل منهي عنها، بل هي مطلوبة في وقت النهي وفي وقت الجواز، غير أنها في وقت الجواز يطلب فعلها صلاة وفي وقت النهي يطلب فعلها ذكراً. اهـ. من حاشية الأصل.

قوله: [وتأدت التحية بفرض]: أي غير صلاة الجنازة على الأظهر لأنها مكروهة في المسجد، فكيف تكون تحية له كذا في المجموع.

قوله: [الطواف بالبيت]: ظاهره أن التحية نفس الطواف لا الركعتان بعده، وظاهر كلام الجزولي والقلشاني وغيرهما: أن التحية هي الركعتان بعد الطواف ولكن زيد عليهما الطواف اهـ. (بن) ولكن يؤيد ما للمصنف وخليل المبادرة بالطواف وقوله تعالى: {وطهر بيتي للطائفين} [الحج: 26] والركعتان تبع، عكس ما في (بن) وعليه إذا ركعهما خارجه لم يأت بالتحية اهـ من المجموع.

قوله [فيكفيه الركعتان]: حاصله أن الصور أربع: مكي، وآفاقي. وفي كل إما مأمور بالطواف، أو غير مأمور فالكل تحيتهم الطواف إلا المكي الذي لم يؤمر بطواف ولم يدخله لأجل الطواف بل للمشاهدة أو للصلاة أو لقراءة علم أو قرآن، فتحية المسجد في حقه الصلاة.

قوله: [قبل السلام على النبي] إلخ: يؤخذ من هذا أن من دخل مسجداً وفيه جماعة فإنه لا يسلم عليهم إلا بعد صلاة التحية إلا أن يخشى الشحناء والبغضاء، وإلا سلم عليهم قبل فعلها.

قوله: [والكافرون]: مجرور على الحكاية، وقراءة الشفع والوتر بما ذكر مندوبة ولو لمن له حزب وقول خليل: إلا لمن له حزب، استظهار للمازري خلاف المذهب - كما في المجموع.

قوله: [وكره وصله به]: أي إلا لاقتداء بواصل. في الأجهوري و (عب) والحاشية: إن فاتته معه ركعة قضى ركعة الشفع، وكان وتراً بين ركعتي شفع وركعتان فوتر قبل شفع، وقد يقال: يدخل بنية الشفع ثم يوتر، والنفل خلف النفل جائز مطلقاً وكأنهم أرادوا موافقة الإمام مع أن المحافظة على الترتيب بين الشفع والوتر أولى. على أن المخالفة لازمة،

ص: 146

من غير شفع وصح خلافاً لمن قال بعدم صحته إلا بشفع.

(والفجر) أي ركعتاه (رغيبة): أي مرغب فيها فوق المندوب ودون السنة، وليس لنا رغيبة إلا هي، وقيل: بل هي سنة (تفتقر لنية تخصها): أي تميزها عن مطلق النافلة، بخلاف غيرها من النوافل فيكفي فيها نية الصلاة؛ فإن كانت بالليل فتهجد، وإن كانت بوقت الضحى فضحى، وعند دخول مسجد فتحية وهكذا.

(ووقته) أي الفجر أي ركعتيه (كالصبح) فلا تجزئ إن تبين تقدم إحرامها على طلوع الفجر ولو بتحر، فإن تحرَّ [1] ولم يتبين شيء -وأولى إن تبين أنه أحرم بها بعد الفجر- أجزأت، فإن لم يتحر لم يجز في الصور الثلاث. والتحري: الاجتهاد حتى يغلب على الظن دخول الوقت.

(ولا يقضى نفل) خرج وقته (سواها فـ) إنها تقضى بعد حل النافلة (للزوال) سواء كان معها الصبح أو لا، كمن أقيمت عليه صلاة الصبح قبل أدائها أو صلى الصبح لضيق الوقت أو تركها كسلاً.

(وإن أقيمت الصبح): أي صلاته، بأن شرع المقيم في الإقامة ولم يكن شخص صلى الفجر (وهو بمسجد) أو رحبته (تركها) وجوباً ودخل مع الإمام في الصبح وقضاها بعد حل النافلة للزوال.

(و) إن أقيمت الصبح وهو (خارجه) أي وخارج رحبته أيضاً (ركعها) خارجه (وإن [2] لم يخش) بصلاتها (فوات ركعة) من الصبح مع الإمام.

(وندب) لمن أراد التوجه لمسجد لصلاة الصبح (إيقاعه): أي الفجر (بالمسجد) لا ببيته، (وناب عن التحية فإن صلاه) أي الفجر (بغيره) أي المسجد ثم أتى المسجد قبل إقامة الصبح (جلس) حتى تقام الصبح، (ولم يركع) فجراً ولا تحية لأن الوقت صار وقت نهي كراهة للنافلة.

(و) ندب (الاقتصار فيه) أي الفجر (على الفاتحة و) ندب (إسراره) أي القراءة فيه سراً (كنوافل النهار) كلها، يندب فيها الإسرار.

(و) ندب (جهر) نوافل (الليل وتأكد) ندب الجهر (بوتر و) ندب (التمادي في الذكر إثر صلاة الصبح للطلوع) أي طلوع الشمس.

(و) ندب (آية الكرسي) أي قراءتها (والإخلاص والتسبيح): أي قوله سبحان الله (والتحميد): أي قوله الحمد لله (والتكبير): أي قوله الله أكبر (ثلاثاً وثلاثين) لكل مما ذكر، (وختم المائة بلا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) بإسقاط يحيي ويميت على الرواية الصحيحة.

(واستغفار) بأي صيغة (وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ودعاء) بما تيسر

ــ

فإن الثلاث كلها وتر عند الواصل، وقد قالوا لا يضر مخالفة المأموم له في هذا فليتأمل. اهـ من المجموع. واعلم أن الاقتداء بالواصل مكروه، ولا تبطل إن خالفه وسلم ومن ركعتين مراعاة لقول أشهب بذلك.

قوله: [خلافاً لمن قال] إلخ: قال ابن الحاجب والشفع قبله للفضيلة وقيل للصحة وفي كونه لأجله قولان - التوضيح: كلامه يقتضي أن المشهور كون الشفع للفضيلة.

والذي في الباجي تشهير الثاني؛ فإنه قال: ولا يكون الوتر إلا عقب شفع، قال في التوضيح اختلف في ركعتي الشفع هل يشترط أن يخصهما بنية أو يكتفي بأي ركعتين كانتا؟ وهو الظاهر قاله اللخمي وغيره. اهـ. من حاشية الأصل فتحصل أن المعتمد من المذهب أن تقدم الشفع شرط كمال، وأنه لا يفتقر لنية تخصه. وارتضاه في الحاشية.

قوله: [مرغب فيها]: أي لقوله صلى الله عليه وسلم: «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها» ، رواه مسلم والترمذي والنسائي عن عائشة.

قوله: [ولو بتحر]: حاصله أنه إذا أحرم بالفجر فإما أن يتحرى ويجتهد في دخول الوقت، وإما أن لا يتحرى فإن أحرم بها وهو شاك في دخول الوقت فصلاته باطلة، سواء تبين بعد الفراغ منها أن إحرامه بها وقع قبل دخول الوقت أو بعده أو لم يتبين شيء. وأما إذا أحرم بعد التحري فإن تبين بعد الفراغ منها أن الإحرام بها وقع قبل دخول الوقت فباطلة، وإن تبين أنه وقع بعد الدخول أو لم يتبين شيء فصحيحة.

قوله: [ولا يقضى نفل]: ظاهره أنه يحرم قضاء غيرها من النوافل، وصرح في الأصل بالحرمة، قال في الحاشية: هذا بعيد جداً وليس منقولاً لا سيما الإمام الشافعي يجوز القضاء والظاهر أن قضاء غير الفرائض مكروه فقط.

قوله: [وندب الاقتصار] إلخ: في شرح الرسالة للشيخ أحمد زروق، ابن وهب «كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ فيها بقل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد» وهو في مسلم من حديث أبي هريرة، وفي أبي داود من حديث ابن مسعود، وقال به الشافعي، وقد جرب لوجع الأسنان فصح، وما يذكر من قرأ فيها ب (ألم) و (ألم) لم يصبه ألم لا أصل له وهو بدعة أو قريب منها اهـ. (بن) لكن ذكر العلامة الغزالي في كتاب وسائل الحاجات وآداب المناجاة من الإحياء أن مما جرب لدفع المكاره وقصور يد كل عدو، ولم يجعل لهم إليه سبيلاً قراءة (ألم نشرح) و (ألم تر كيف) في ركعتي الفجر، قال وهذا صحيح لا شك فيه.

قوله: [يندب فيها الإسرار]: وفي كراهة الجهر به وعدمها - بل هو خلاف الأولى - قولان.

قوله: [وندب جهر نوافل الليل] إلخ: أي ما لم يشوش على غيره وإلا حرام.

والسر في نوافل الليل خلاف الأولى إن لم يكن الجهر مشوشاً. وتأكد الجهر بالوتر ولو صلاه بعد الفجر.

قوله: [وندب التمادي في الذكر]: أي بجميع أنواعه فإذا حلت النافلة يصلي ركعتين كما

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

كذا في ط الحلبية، وط المعارف، ولعل الصواب:(تحرى).

[2]

في ط المعارف: (إن).

ص: 147

(عقب كل صلاة) من الصلوات الخمس.

ثم شرع يتكلم على أحكام الوتر فقال:

(والوتر سنة) مؤكدة (آكد) السنن الخمس:

(فالعيد) يلي الوتر سواء عيد الفطر أو النحر وهما في الفضل سواء.

(فالكسوف) يلي العيد في الفضل.

(فالاستسقاء) ولكل باب يأتي الكلام عليه إن شاء الله والكلام هنا في الوتر خاصة.

(ووقته) الاختياري (بعد) صلاة (عشاء صحيحة) ولو بعد ثلث الليل. فإن تبين فسادها لم يدخل وقته. وإن كان صلاه بعد الفاسدة أعاده بعد إعادتها. (و) بعد غياب (شفق) أحمر فإن قدم العشاء عند المغرب لسفر أو مطر لم يدخل وقت الوتر حتى يغيب الشفق، ويمتد اختياريه (للفجر) أي لطلوعه.

(وضروريه) من طلوع الفجر (للصبح) أي لصلاتها بتمامها بدليل ما بعده. فإن صلاها خرج وقتها الضروري وسقط لما تقدم أنه لا يقضى من النوافل إلا الفجر، فيقضى للزوال.

(وندب لفذ) تذكر أن عليه الوتر وهو في الصبح (قطعها): أي الصبح (له): أي لأجل الوتر ما لم يخف خروج وقت الصبح. فيأتي بالشفع والوتر ويعيد الفجر. (وجاز) القطع (لمؤتم) على الراجح (كإمام): يجوز له القطع على إحدى الروايتين. والرواية الأخرى: يندب كالفذ، وإذا قطع، فهل يقطع مأمومه أو يستخلف؟ قولان.

(و) ندب (تأخيره لمنتبه): أي لمن شأنه الانتباه (آخر الليل) لصلاة التهجد ليكون وتره (آخر) صلاته من (الليل)، فإن قدمه أول الليل وانتبه آخره [1] فصلى نفلاً (لم يعده) إذ لا وتران في ليلة.

(وجاز) لمن صلى الوتر أول الليل أو آخره (نفل بعده) إذا لم يوصله به، بل أخره عنه بحيث لا يعد في العرف أنه أوصل وتره بنفل، أخذاً مما يأتي (إن لم ينوه): أي النفل (قبل الشروع فيه): أي في الوتر بأن لم يكن له نية أصلاً أو طرأت له نية التنفل وهو في الوتر، (وإلا): بأن نوى قبل الشروع في الوتر أن يتنفل بعده، (كره) له التنفل بعده ولو لم يوصله به - (كوصله): أي كما يكره وصل النفل (به) أي بالوتر، إذا لم ينوه قبل شروعه فيه.

ــ

في الحديث: «من صلى الصبح في جماعة وجلس في مصلاه يذكر الله حتى تطلع الشمس وصلى ركعتين كان له ثواب حجة وعمرة تامتين تامتين تامتين» قال في الأصل: كرره عليه الصلاة والسلام ثلاثاً؛ فلا ينبغي لعاقل فوات هذا الفضل العظيم. ولكنها الأهواء عمت فأعمت.

قوله: [عقب كل صلاة]: راجع للجميع ومن هنا كان ختم السادة الخلوتية المشهور جامعاً للوارد في السنة، فلذلك كان شيخنا المؤلف رضي الله عنه يقول من لازمه عقب الصلوات وصل إلى الله.

قوله: [والوتر سنة]: بفتح الواو وكسرها.

قوله: [آكد السنن الخمس]: أي التي ذكرها بعد، وأما صلاة الجنازة على القول بسنيتها فهي آكد من الوتر. واستظهر الأشياخ أن آكد السنن ركعتا الطواف الواجب، فهي كالجنازة على القول بسنيتهما، وإن كان الراجح وجوبهما، ثم ركعتا الطواف الغير الواجب؛ لأنه اختلف في وجوبهما وسنيتهما على حد سواء، ثم العمرة لأن قول ابن الجهم بوجوبها ضعيف، ثم الوتر لأنه قد قيل بوجوبه خارج المذهب. ثم العيد لأنه قد قيل بأنه فرض كفاية، ثم الكسوف لأنه سنة بلا نزاع، ثم الاستسقاء لأنه قد قيل إنها لا تفعل، وأما صلاة خسوف القمر فسيأتي أنه مندوب.

قوله: [وضروريه من طلوع الفجر]: الحاصل أن مراده أن الضروري للوتر يمتد من الفجر إلى تمام صلاة الصبح مطلقاً بالنسبة للفذ والإمام والمأموم ولا يقضى بعد صلاة الصبح اتفاقاً كما في ابن عرفة.

قوله: [قطعها أي الصبح]: وأما لو ذكر الوتر في صلاة الفجر فهل يتمها ثم يفعله، أو يقطع كالصبح؟ قولان: وقطعه الصبح مندوب سواء تذكره قبل أن يعقد ركعة أو بعد أن عقدها كما هو قول الأكثر خلافاً لابن زرقون القائل إنه لا يقطع إن عقد ركعة.

قوله: [لمؤتم]: أي فهو مخير بين القطع وعدمه وهو الذي رجع إليه الإمام، وكان أولاً يقول بندب التمادي وعليه فهو من مساجين الإمام، وقد مشى عليه التتائي في نظمه المشهور بمساجين الإمام وهو:

إذا ذكر المأموم فرضاً بفرضه

أو الوتر أو يضحك فلا يقطع العمل

يتممها في الكل خلف إمامه

ويأتي بها في غير وتر بلا كسل

اهـ. من حاشية الأصل.

قوله: [على إحدى الروايتين] إلخ: مقتضى كلام الشيخ أحمد الزرقاني ترجيح رواية الندب فإنه عزاها لابن القاسم وابن وهب ومطرف ولكن الذي يظهر من كلام المواق أن المعتمد في الإمام ندب التمادي وعدم القطع فيكون في الإمام ثلاث روايات: ندب القطع وندب التمادي والتخيير. قوله: [أو يستخلف]: أي وهو الظاهر كما في (عب).

قوله: [وندب تأخيره لمنتبه]: قال في المجموع في (ر): «كان الصديق يوتر أول الليل وعمر يؤخره فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الأول أخذ بالحزم والثاني أخذ بالقوة» ورأيت لبعض الصوفية أن الصديق تحقق بمقام: ما خرج مني نفس وأيقنت أن يعود. وعن علي: يوتر أول الليل بركعة فإذا انتبه صلى ركعة ضمها للأولى فيكون شفعاً، ثم تنفل ما شاء ثم أوتر وهو مذهب له رضي الله عن الجميع وعنا بهم اهـ.

قوله: [لم يعده] إلخ:

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

في ط المعارف: (آخر).

ص: 148

فالحاصل أن جواز النفل بعد صلاة الوتر مقيد بقيدين: أن لا ينوي قبل شروعه فيه النفل بعده، وأن لا يوصله به، وقوله (بلا فاصل عادي) احترز به عن الفاصل اليسير، فكالعدم، بخلاف ما إذا نام ولو قليلاً أو جدد وضوءه أو ذهب من المسجد لبيته أو عكسه فلا يكره.

(و) كره (تأخيره): أي الوتر (للضروري): أي ضروريه بطلوع الفجر (بلا عذر): من نوم أو غفلة أو نحوهما.

(و) كره (كلام) بدنيوي (بعد) صلاة (صبح لا) بعد (فجر) وقبل صبح.

(و) كره (ضِجعة) بكسر الضاد المعجمة أي الهيئة المعلومة بأن يضطجع على شقه الأيمن كما ذهب إليه غيرنا؛ إذ لم يصحبها عمل أهل المدينة (بعد) صلاة (فجر) وقبل صبح. (و) كره (جمع كثير لنفل): أي صلاته في جماعة كثيرة في غير التراويح ولو بمكان غير مشهور؛ لأن شأن النفل الانفراد به.

(أو) صلاته في جماعة قليلة (بمكان مشتهر) بين الناس (وإلا) تكن الجماعة كثيرة -بل قليلة كالاثنين والثلاثة- ولم يكن المكان مشتهراً (فلا) يكره.

(وإن لم يتسع الوقت) أي وقت الصبح الضروري (إلا لركعتين): أي لمقدار ما يسعهما - ولم يكن صلى الوتر وعليه الصبح - (ترك الوتر) وأدرك الصبح (لا) إن اتسع الوقت (لثلاث): أي لقدر ما يسع ثلاث ركعات أو أربعاً؛ فلا يتركه بل يصليه ولو بالفاتحة فقط، ثم يصلي الصبح ويؤخر الفجر لحل النافلة وسقط عنه الشفع.

(و) إن اتسع (لخمس) أو ست (زاد الشفع) وأخر الفجر (ما لم يقدمه) أي الشفع بعد العشاء أي ما لم يصل بعد العشاء نفلاً ولو ركعتين، فإن صلى اقتصر على الوتر وصلى الفجر وأدرك الصبح في الباقي؛ هذا هو الراجح.

وقوله: "ولو قدمه" ضعيف.

(و) إن اتسع (لسبع زاد) على الشفع والوتر (الفجر) وأدرك الصبح في الباقي.

ولما فرغ من بيان أحكام الصلاة وما يتعلق بها شرع في الكلام على أحكام سجود التلاوة وما يتعلق به فقال:

(فصل [1]: سن): على الراجح وقيل: يندب (لقارئ ومستمع): أي قاصد السماع منه، لا مجرد سماع بدليل قوله:(إن جلس) أي المستمع (ليتعلم) من القارئ مخارج الحروف، أو حفظه، أو طرقه، لا لمجرد ثواب أو مدارسة - (و) إن (صلح القارئ للإمامة) - بأن يكون ذكراً محققاً بالغاً عاقلاً، وإلا فلا سجود على المستمع بل على القارئ وحده (بشرط) أي مع حصول شروط (الصلاة): من طهارة حدث وخبث وستر عورة واستقبال في كل منهما. فإن كان القارئ هو المحصل لها وحده سجد دون المستمع. وإن كان المحصل لها هو المستمع وحده لم يسجد لأن سجوده تابع لسجود القارئ. ولا سجود عليه

ــ

تقديماً للنهي المأخوذ من حديث: «لا وتران في ليلة» على حديث: «اجعلوا آخر صلاتكم من الليل وتراً» .

قوله: [كما ذهب إليه غيرنا]: أي فهي سنة عند الشافعية يتذكر بها ضجعة القبر، ويقول عند الاضطجاع: اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل ومحمد صلى الله عليه وسلم أجرني من النار. ومحل كراهة الضجعة إذا فعلها استناناً لا لاستراحة فلا بأس بها.

قوله: [في غير التراويح]: ومن الغير الشفع والوتر، فالأفضل الانفراد فيهما.

قوله: [ترك الوتر]: هذا مذهب المدونة وقال أصبغ: يصلي الصبح والوتر.

قوله: [أو أربعاً]: خالف أصبغ فيما إذا كان الباقي أربعاً، فقال: يصلي الشفع والوتر ويدرك الصبح بركعة.

خاتمة: هل الأفضل في النفل كثرة السجود أي الركعات؟ لخبر: «عليك بكثرة السجود فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحط بها عنك خطيئة» أو طول القيام بالقراءة؟ لخبر: «أفضل الصلاة طول القنوت» أي طول القيام ولفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، «فإنه تورمت قدماه من القيام وما زاد في غالب أحواله على إحدى عشرة ركعة»؟ قولان محلهما: مع اتحاد زمانهما.

قال في الأصل: ولعل الأظهر الأول لما فيه من كثرة الفرائض، وما يشتمل عليه من تسبيح وتحميد وتهليل وصلاة عليه صلى الله عليه وسلم اهـ ولبعضهم كما ذكره في المجموع:

كأن الدهر في خفض الأعالي

وفي رفع الأسافلة اللئام

فقيه صح في فتواه قول

بتفضيل السجود على القيام

فصل

قوله: [سن على الراجح]: أي كما شهره ابن عطاء الله وابن الفاكهاني وعليه الأكثر، فالقول بأنه فضيلة هو قول الباجي وابن الكاتب وينبني على الخلاف كثرة الثواب وقلته.

قوله: [لقارئ]: أي مطلقاً سواء صلح للإمامة أم لا، جلس ليسمع الناس حسن قراءته أم لا.

قوله: [ومستمع]: أي ذكراً كان أو أنثى.

قوله: [وإن صلح القارئ للإمامة]: أي ولو في الجملة ليدخل المتوضئ العاجز فإنه صالح للإمامة في بعض الحالات إذ يصلح أن يكون إماماً بمثله. قوله: [شروط الصلاة]: أي صلاة النافلة

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

زاد بعدها في ط المعارف: (في سجود القرآن).

ص: 149

لفقد شروط الصلاة وهذا ظاهر في الطهارة. وأما الستر والاستقبال، فإن لم يمكنا فكذلك وإن أمكنا فإنه يطلب بها ويسجد، بأن يستقبل إن كان متوجهاً لغير القبلة ويستر عورته إن كان عنده ساتر.

(سجدة واحدة): نائب عن فاعل "سن"(بلا تكبير إحرام): بل يكبر في الهوي له والرفع منه استناناً. (و) بلا (سلام) منه. ولو في غير صلاة؛ ينحط القائم لها سواء كان في صلاة أو غيرها من قيامه ولا يجلس ليأتي بها من جلوس. وينزل لها الراكب -إلا إذا كان مسافراً فيسجدها صوب سفره بالإيماء- لأنها نافلة.

(في أحد عشر موضعاً) من القرآن لا في ثانية الحج، ولا النجم، ولا الانشقاق، ولا القلم [1]؛ تقديماً للعمل على الحديث لدلالته على نسخه.

وبين الأحد عشر موضعاً بقوله: (آخر الأعراف) يجوز فيه الجر والرفع والنصب، (والآصال في) سورة (الرعد، ويؤمرون في النحل، وخشوعاً في الإسراء، وبكياً في مريم و) إن الله يفعل (ما يشاء في الحج، و) زادهم (نفوراً في الفرقان، و) رب العرش (العظيم في النمل و) هم (لا يستكبرون في) سورة (السجدة، و) خر راكعاً (وأناب في ص و)، إن كنتم إياه (تعبدون في فصلت). وقيل: وهم لا يسأمون.

(وكره لمحصل الشروط) المتقدمة (وقت الجواز) لها، ومنه: بعد الصبح والعصر قبل إسفار واصفرار (تركها) أي السجدة، (وإلا) يكن محصلاً للشروط أو كان الوقت ليس وقت جواز (ترك الآية) التي فيها السجود برمتها على التحقيق لا المحل فقط.

(و) كره (الاقتصار على) قراءة (الآية للسجود) أي لأجله؛ كأن يقرأ: {إنما يؤمن بآياتنا} [السجدة: 15] إلخ لقصر السجود على أظهر التأويلين، وقيل: محل الكراهة إن اقتصر على المحل فقط كأن يقول: {وهم لا يستكبرون} [السجدة: 15] ثم يسجد، أو يقول:{إن كنتم إياه تعبدون} [النحل: 114] ويسجد. وأما قراءة الآية للسجود فلا كراهة فيه.

(و) كره لمصل (تعمدها): أي السجدة، بأن يقرأ ما فيه آيتها (بفريضة

ــ

فلذلك تفعل على الدابة.

قوله: [لفقد شروط الصلاة]: أي كلاً أو بعضاً كما إذا كان القارئ غير متوضئ؛ فإن المذهب: لا يسجد المستمع. وذكر الناصر اللقاني سجوده لكنه ضعيف.

تنبيه: بقي شرط ثالث لسجود المستمع: وهو أن لا يجلس القارئ ليسمع الناس حسن قراءته، فإن جلس لذلك فلا يسجد المستمع له، وإن كان هو يسجد. إن قلت: غاية ما فيه فسقه بالرياء والمعتمد صحة إمامة الفاسق، أجاب بعضهم بأن القراءة هنا كالصلاة فالمرائي في قراءته كمن تعلق فسقه بالصلاة، والفاسق الذي اعتمدوا صحة إمامته من كان فسقه غير متعلق بالصلاة كما يأتي.

قاله في الحاشية.

قوله: [سجدة واحدة]: فلو أضاف إليها أخرى فالظاهر عدم البطلان؛ إذ لا يتوقف الخروج منها على سلام، نظير ما قالوه فيمن زاد في الطواف على الأشواط السبعة. ومحل عدم البطلان المذكور إن لم تكن السجدة في الصلاة، وإلا بطلت تلك الصلاة لتعمد الزيادة فيها.

قوله: [بلا تكبير إحرام]: أي وأما الإحرام بمعنى نية الفعل فلا بد منها، ثم محل قوله بلا تكبير إحرام وسلام أن يقصد مراعاة خلاف كما قال (عب).

قوله: [وينزل لها الراكب]: أي فلا يسجدها على الدابة ولا يومئ بها للأرض.

قوله: [فيسجدها صوب سفره]: أي بالشروط المتقدمة في قلة البدل.

قوله: [في أحد عشر موضعاً]: أي وهي العزائم أي المأمورات التي يعزم الناس بالسجود فيها. وقيل: العزائم ما ثبتت بدليل شرعي خال عن معارض راجح.

وليس في المفصل منها شيء على المشهور قوله: [لا في ثانية الحج] إلخ: أي فيكره وقول اللخمي: يمنع، معناها يكره كذا قال الأجهوري فلو سجد في ثانية الحج وما بعدها في الصلاة بطلت صلاته إلا أن يكون مقتدياً بمن يسجدها. وقال بعضهم: لا بطلان، وهو المعتمد للخلاف فيها، فلو سجد دون إمامه بطلت، وإن ترك اتباعه أساء وصحت صلاته. اهـ. من حاشية الأصل.

قوله: [تقديماً للعمل]: أي عمل أهل المدينة من ترك السجود في هذه المواضع الأربعة.

وقوله: [على الحديث]: أي الدال على طلب السجود فيها.

قوله: [يجوز فيه الجر] إلخ: فالجر على البدلية من أحد عشر والرفع خبر مبتدأ محذوف والنصب مفعول لفعل محذوف.

قوله: [وأناب في ص]: وقيل عند قوله تعالى: {لزلفى وحسن مآب} [ص: 25].

قوله: [قبل إسفار واصفرار]: أي فليس الإسفار والاصفرار بوقت لها، بل تكره فيهما. وتمنع عند خطبة الجمعة وعند طلوع الشمس وعند غروبها.

قوله: [لا المحل فقط]: أي فمثل قوله تعالى: {إنما يؤمن بآياتنا} [السجدة: 15] يترك الآية برمتها لا خصوص: {وهم لا يستكبرون} [السجدة: 15] وفي المجموع: وينبغي ملاحظة المتجاوز بقلبه لنظام التلاوة بل لا بأس أن يأتي بالباقيات الصالحات كما في تحية المسجد. وإنما أمر بمجاوزة الآية كلها لئلا يغير المعنى لو اقتصر على مجاوزة محل السجود والمراد أن الاقتصار على مجاوزته مظنة تغير المعنى فلا ينافي أن في بعض المواضع محل السجود فقط لا يغير المعنى.

قوله: [وكره الاقتصار] إلخ: حاصله أنه إذا اقتصر على قراءة محل السجود كره اتفاقاً وإذا فعله لا يسجد، وأما إذا قرأ الآية كلها ففيه خلاف بالكراهة وعدمها. فعلى القول بالكراهة لو قرأها لا يسجد، وعلى القول بالجواز يسجد ومن ذلك ما يفعله أهل الطريقة الخلوتية في ختم صلاة المغرب فهو جائز على هذا القول ويسن السجود عند القراءة.

وقوله [بفريضة]: أي ولو لم يكن على وجه المداومة كما لو اتفق له ذلك مرة وإنما

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

كذا في ط الحلبية، وط المعارف، ولعل الصواب:(العلق).

ص: 150

ولو صبح جمعة) على المشهور (لا) في (نفل) فلا يكره، (فإن قرأها بفرض) عمداً أو سهواً (سجد) لها (ولو بوقت نهي لا) إن قرأها في (خطبة) فلا يسجد لها لاختلال نظامها.

(وجهر بها) ندباً (إمام) الصلاة (السرية) كالظهر ليُسمع المأمومين فيتبعوه في سجوده، (وإلا) يجهر بها بل قرأها سراً وسجد (اتبع) لأن الأصل عدم السهو. فإن لم يتبع صحت لهم.

(ومجاوزها) في القراءة (بكآية) أو آيتين (يسجد) بلا إعادة القراءة لمحلها.

(و) مجاوزها (بكثير يعيدها): أي القراءة التي فيها السجدة بغير صلاة أو بها (ولو بالفرض) ويسجد -وهذا الكلام مما يدل على سنيتها- (ما لم ينحن) بقصد الركوع في نفل أو فرض فإن ركع بالانحناء فات تداركها.

(وأعادها) أي أعاد قراءتها ندباً (بالنفل) لا الفرض (في ثانيته): أي ركعته الثانية. إذا لم تكن قراءتها في ثانيته، وهل بعد الفاتحة أو قبلها، قولان.

(وندب لساجدها بصلاة) فرضاً أو نفلاً (قراءة) ولو من سورة أخرى (قبل ركوعه) ليقع ركوعه عقب قراءة.

(ولو قصدها): أي السجدة بعد قراءة محلها وانخفض بنيتها (فركع ساهياً) عنها (اعتد به): أي بركوعه (عند مالك) -بناء على أن الحركة للركن لا تشترط- (لا) عند (ابن القاسم) فلا يعتد به عنده، وإذا لم يعتد به (فيخر) إذا تذكر (ساجداً ولو بعد رفعه) من ركوعه ثم يأتي بالركوع (وسجد) لهذه الزيادة (بعد السلام إن اطمأن به): أي بركوعه، لظهور الزيادة، فإن لم يطمئن سجدها ولا سجود عليه.

(وكررها) القارئ أي السجدة كل مرة (إن كرر حزباً): أي جملة من القرآن فيه السجدة كالذي يقرأ سورة السجدة؛ مراراً.

(إلا المعلم) للقرآن بأي وجه من وجوه التعليم، حفظاً أو غيره، (والمتعلم) كذلك (فأول مرة) يسجدها فقط للمشقة.

(وكره سجود شكر) عند سماع بشارة (أو) سجود (عند زلزلة) بخلاف الصلاة.

(و) كره (قراءة بتلحين) أي تطريب.

(و) كره (قراءة جماعة) يجتمعون فيقرؤون شيئاً من القرآن معاً نحو سورة يس. ومحل الكراهة (إذا لم تخرج) القراءة (عن حدها) الشرعي في المسألتين وإلا حرمت، وهذا القيد زدناه عليه.

(و) كره (جهر بها): أي بقراءة القرآن (بمسجد) لما فيه من التخليط على المصلين والذاكرين مع مظنة الرياء

ــ

كره تعمدها بالفريضة لأنه إن لم يسجدها دخل في الوعيد أي اللوم المشار له بقوله: {وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون} [الانشقاق: 21]. وإن سجد زاد في عدد سجودها كذا قيل. وفيه أن تلك العلة موجودة في النافلة ويمكن أن يقال إن السجود لما كان نافلة والصلاة نافلة صار كأنه ليس زائداً. إن قلت: إن مقتضى الزيادة في الفرض البطلان، قلت: إن الشارع لما طلبها من كل قارئ صارت كأنها ليست زائدة محضة. اهـ. من حاشية الأصل.

قوله: [ولو صبح جمعة على المشهور]: أي خلافاً لمن قال بندبها فيه لفعله عليه الصلاة والسلام؛ لأن عمل أهل المدينة على خلافه فدل على نسخه. وليس من تعمدها بالفريضة صلاة مالكي خلف شافعي يقرؤها بصبح جمعة، ولو كان غير راتب وحينئذ فلا يكون اقتداؤه به مكروهاً. قاله (عب)

قوله: [سجد لها]: هذا إذا كان الفرض غير جنازة، وإلا فلا يسجد فيها.

قوله: [لا إن قرأها في خطبة] أي سواء كانت خطبة جمعة أو غيرها. فإن وقع ونزل وسجد في الخطبة أو الجنازة هل يبطلان لزوال نظامها أم لا؟ واستظهره الشيخ كريم الدين.

قوله: [فإن لم يتبع صحت لهم] أي لأن اتباعه واجب غير شرط لأنها ليست من الأفعال المقتدى به فيها أصالة، وترك الواجب الذي ليس بشرط لا يوجب البطلان.

قوله: [لا الفرض]: أي يكره إعادتها في ثانية الفرض. فإن أعادها من غير قراءة لم تبطل على الظاهر لتقدم سببها، ويحتمل البطلان لانقطاع السبب بالانحناء.

قوله: [في ثانيته]: أي فإن لم يذكر حتى عقد الثانية فاتت ولا شيء عليه.

قوله: [أو قبلها قولان]: الأول لأبي بكر بن عبد الرحمن والثاني لابن أبي زيد. ووجه الثاني تقدم سببها وهو الظاهر وعليه لو أخرها حتى قرأ الفاتحة فعلها بعدها.

قوله: [ولو من سورة أخرى]: أي كساجد الأعراف فإنه يقرأ من الأنفال أو من غيرها ولا كراهة في ذلك. ومحل كراهة الجمع بين السورتين في الفريضة إن لم يكن لمثل ذلك.

قوله: [بناء على أن الحركة] إلخ: أي فهو مشهور مبني على ضعيف.

قوله: [فلا يعتد به]: أي سواء تذكر قبل أن يطمئن في ذلك الركوع أو بعد طمأنينته أو بعد رفعه منه.

قوله: [فيخر إذا تذكر ساجداً]: أي للتلاوة، ويرجع للركوع بعد ذلك سواء تذكر قبل أن يطمئن في ذلك الركوع أو بعد طمأنينته فيه أو بعد رفعه منه. إلا أنه يلزمه السجود بعد السلام في الحالتين الأخيرتين، ولا سجود عليه في الحالة الأولى.

قوله: [وكره سجود شكر]: وأجازه ابن حبيب لحديث أبي بكر: «أتى النبي صلى الله عليه وسلم أمر فسر به فخر ساجداً» رواه الترمذي ووجه المشهور العمل.

قوله: [بخلاف الصلاة]: أي للشكر والزلزلة فمندوبة.

قوله: [وكره قراءة بتلحين]: وأجازها الشافعي واستحسنها ابن العربي وكثير من فقهاء الأمصار، لأن سماعه بالألحان يزيد غبطة بالقرآن، وإيماناً ويكسب القلب خشية ويدل له قوله عليه الصلاة والسلام:«ليس منا من لم يتغن بالقرآن» وقوله «زينوا القرآن بأصواتكم» وأجيب على مشهور المذهب عن الأول: بأن المراد بالتغني الاستغناء وعن الثاني: بأنه مقلوب.

قوله: [يجتمعون فيقرءون]: إنما كرهت على هذا الوجه لأنه خلاف ما عليه العمل ولأنه مظنة التخليط وعدم

ص: 151

(وأقيم القارئ) جهراً (به): أي بالمسجد من القيام لا الإقامة [1]، أي: أنه ينهى عن القراءة فيه جهراً، ويخرج من المسجد إذا لم يظهر منه الامتثال، (إن قصد) بقراءته (الدوام): أي دوام القراءة كالذي يتعرض بقراءته لسؤال الناس.

فصل: في بيان فضل [2] صلاة الجماعة وأحكامها

(الجماعة): أي فعل الصلاة في جماعة بإمام (بفرض) ولو فائتاً أو كفائياً كالجنازة (غير الجمعة سنة) مؤكدة. وأما غير الفرض فمنه ما يندب فيه الجماعة وهو العيد والكسوف والاستسقاء والتراويح. والأوجه في غير التراويح السنية ومنه ما تكره فيه، كجمع كثير مطلقاً أو قليل بمكان مشتهر في غير ما ذكر، وإلا جازت كما تقدم. وأما الجمعة فالجماعة فيها شرط صحة.

وصلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بخمس وعشرين جزءاً كما ثبت في الحديث الصحيح وفي رواية: «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة» .

(ولا تفاضل [3]): تفاضلاً يقتضي إعادة الصلاة في جماعة أخرى؛ وإلا فلا نزاع أن الصلاة مع الجماعة الكثيرة وأهل الفضل والصلاح أفضل من غيرها، لشمول الدعاء وكثرة الرحمة وسرعة الإجابة (وإنما يحصل فضلها) الوارد به الخبر المتقدم (بركعة) كاملة بسجدتيها مع الإمام لا أقل.

ــ

إصغاء بعضهم لبعض، وأما اجتماع جماعة يقرأ واحد ربع حزب مثلاً، وآخر ما يليه وهكذا فنقل عن مالك جوازها قال (بن) وهو الصواب.

قوله: [وأقيم القارئ] إلخ: يعني أن القارئ في المسجد يوم خميس أو غيره يقام ندباً، ولو كان فقيراً محتاجاً بشروط ثلاثة: أن تكون قراءته جهراً، وداوم على ذلك ولم يشترط ذلك واقف لأنه يجب اتباع شرطه ولو كره. وأما قراءة العلم في المساجد فمن السنة القديمة، ولا يرفع المدرس في المسجد صوته فوق الحاجة لقول مالك: وما للعلم ورفع الصوت؟ وأما قراءة القرآن على الأبواب وفي الطرق قصداً لطلب الدنيا، فحرام، لا يجوز الإعطاء لفاعل ذلك لما فيه من الإعانة على المحرم ولا سيما في مواضع الأقذار، فكادت أن تكون كفراً والرضا بها من أولي الأمر ضلال مبين.

فصل في بيان فضل صلاة الجماعة

قوله: [ولو فائتاً]: طلب الجماعة، في الفائت صرح به عيسى وذكره البرزلي ونقله (ح).

قوله: [كالجنازة]: وقيل تندب بها وهو المشهور. ولابن رشد أن الجماعة شرط فيها كالجمعة فإن صلوا عليه بغير إمام أعيدت ما لم تدفن مراعاة للمقابل.

قوله: [سنة مؤكدة]: وقال الإمام أحمد وأبو ثور وداود الظاهري وجماعة من المجتهدين بوجوبها، فتحرم صلاة الشخص منفرداً عندهم مع الصحة بل قال بعض الظاهرية بالبطلان للمنفرد وظاهر المذهب أنها سنة في البلد وفي كل مسجد وفي حق كل مصل، وهذه طريقة الأكثر، وقتال أهل البلد على تركها لتهاونهم بالسنة. وقال ابن رشد وابن بشير: إنها فرض كفاية بالبلد، فلذلك يقاتلون عليها إذا تركوها، وسنة في كل مسجد ومندوبة للرجل في خاصة نفسه، قال الأبي: وهذا أقرب إلى التحقيق.

قوله: [والأوجه في غير التراويح] إلخ: أي كما قال الحطاب وعياض.

وقال في المجموع نعم: في السنن غير الوتر من تمام السنة، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يفعلها إلا كذلك كما في (ر) ويفيده ما يأتي في العيد أنها إنما تكون سنة مع الإمام، فإذا فاتت فمندوبة خلافاً لمن أطلق الندب في غير الفرض.

قوله: [أفضل من صلاة الفذ]: ويحصل الفضل ولو بصلاة الرجل مع امرأته في بيته، وقد جمع بين الخبرين بأن الجزء أكبر من الدرجة أو أخبر أولاً بالأقل، ثم تفضل بالزيادة فأخبر بها ثانياً.

والحاصل أن المراد بالجزء والدرجة الصلاة فيكون المراد بالجزء جزء ثواب الجماعة لا جزء ثواب الفذ. فالأعداد الواردة كلها أعداد صلوات. فصلاة الجماعة ثمانية وعشرون صلاة؛ واحدة لصلاة الفذ وسبعة وعشرون لفضيلة الجماعة، على رواية سبع وعشرين. ويتخرج على ذلك بقية الأعداد الواردة في الروايات اهـ. من الحاشية. قال شيخنا في حاشية مجموعه: فلا يظهر ما تكلفه الحافظ العسقلاني والبلقيني وغيرهما في حكمة العدد السابق؛ فإنه مقصور على من سعى للمسجد إلى آخر ما ذكروه؛ إلا أن يريدوا تفضل الوهاب بما هو الشأن على الجميع.

فالشأن أن الجماعة ثلاثة كما قال البلقيني وهي حسنة لكل وهي بعشر فالجملة ثلاثون، منها ثلاثة أصول يبقى سبعة وعشرون حصل الفضل بإعطائها لكل اهـ قوله:[وإنما يحصل فضلها] إلخ: نحوه لخليل ولابن الحاجب ونقل ابن عرفة عن ابن يونس وابن رشد أن فضل الجماعة يدرك بجزء قبل سلام الإمام، نعم؛ ذكر ابن عرفة أن حكمها لا يثبت إلا بركعة لا أقل منها وهو أن لا يقتدي به وأن لا يعيد في جماعة؛ وترتب سهو الإمام وسلامه على الإمام وعلى من على اليسار وصحة استخلافه. اهـ. من حاشية الأصل.

قوله: [بركعة كاملة]: قيده حفيد ابن رشد بالمعذور بأن فاته ما قبلها اضطراراً وعليه اقتصر أبو الحسن في شرح الرسالة. ومقتضاه: أن من فرط في ركعة لم يحصل له الفضل،

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

في ط المعارف: (الإمامة).

[2]

قوله: (بيان فضل) ليس في ط المعارف.

[3]

في ط المعارف: (تتفاضل)، ولعلها الصواب.

ص: 152

(وإنما تدرك) الركعة مع الإمام (بانحنائه): أي المأموم (في أولاه): أي في أول ركعة له (مع الإمام قبل اعتداله): أي الإمام من ركوعه ولو حال رفعه، (وإن لم يطمئن) المأموم في ركوعه (إلا بعده): أي بعد اعتدال الإمام مطمئناً، (فإن) كبر قبل ركوعه [1] الإمام و (سها أو زوحم) أو نعس (عنه) أي عن الركوع مع إمامه (حتى رفع) الإمام أي اعتدل من رفعه (تركه) المأموم: أي ترك الركوع وجوباً، (وسجد): أي وخر ساجداً (معه) أي مع إمامه، فإن ركع ورفع سهواً ألغى الركعة. وعمداً: بطلت صلاته لأنه قضاء في صلب الإمام.

(وقضاها) أي الركعة فيما إذا خر معه ساجداً وفيما إذا ركع ورفع سهواً. (بعد السلام): أي سلام الإمام - وقد تقدم هذا في سجود السهو -أعاده توكيداً، ولأنه محله.

(وندب لمن لم يحصله): أي فضل الجماعة (كمصل بصبي) وأولى المنفرد ولو حكماً كمدرك ما دون ركعة (لا) مصل ب (امرأة) لحصول فضلها معها بخلاف الصبي (أن يعيد) صلاته، ولو بالوقت الضروري (مأموماً) لتحصيل فضلها لا إماماً؛ وإلا بطلت عليهم كما يأتي بنية الفرض، (مفوضاً) لله في قبول أيتهما (مع جماعة): اثنين فأكثر (لا) مع (واحد إلا إذا كان) إماماً (راتباً) بمسجد، فيعيد معه، لأن الراتب كالجماعة (غير مغرب): وأما المغرب فلا تعاد لأنها تصير مع الأولى شفعاً ولما يلزم عليه من النفل بثلاث؛ لأن المعادة في حكم النفل. (كعشاء): فلا تعاد لفضل الجماعة (بعد) صلاة (وتر)، وتعاد قبله. (فإن أعاد): أي شرع في الإعادة سهواً عن كونه صلاها ثم تذكر (قطع) صلاته (إن لم يعقد ركعة، وإلا) بأن عقد ركعة مع الإمام برفع رأسه معتدلاً

ــ

قال المؤلف في تقريره: وفي النفس منه شيء، فإن مقتضاه أن يعيد للفضل وها هو ذا الحطاب نقل عن الأقفهسي أن ظاهر الرسالة حصول الفضل، وقال اللقاني: إن كلام الحفيد مخالف لظاهر الروايات.

قوله: [وإنما تدرك الركعة] إلخ: أي ولا بد من إدراكها بسجدتيها قبل سلام الإمام. فإن زوحم أو نعس عنهما حتى سلم الإمام ثم فعلهما بعد سلامه، فهل يكون كمن فعلهما معه فيحصل له الفضل أو لا؟ قولان: الأول لأشهب والثاني لابن القاسم كذا في (بن) وعكس في الحاشية النسبة للشيخين. اهـ. من حاشية الأصل. فإن لم يدركها ورجا جماعة أخرى جاز القطع لأنه ينسحب عليه حكم المأمومية.

قوله: [بنية الفرض] إلخ: ظاهره أنه لا بد من نية الفرض مع نية التفويض، وهو ما نقله الحطاب عن الفاكهاني وابن فرحون، وذكر أيضاً أن ظاهر كلام غيرهما أن نية التفويض لا ينوى بها فرض ولا غيره، وجمع بينهما بعضهم بأن التفويض يتضمن نية الفرض؛ إذ معناه التفويض في قبول أي الفرضين. فمن قال: لا بد معه من نية الفرض لم يرد أن ذلك شرط، بل إشارة إلى ما تضمنته نية التفويض ومن قال: لا ينوى معه فرض، مراده: أنه لا يحتاج إلى نية الفرض مطابقة لتضمن نية التفويض لها. وما ذكره المصنف من كون المعيد ينوي التفويض هو المشهور، وقيل: ينوي الفرض وقيل ينوي النفل وقيل ينوي إكمال الفريضة ونظم بعضهم هذه الأقوال بقوله:

في نية العود للمفروض أقوال

فرض ونفل وتفويض وإكمال

تنبيه: من لم يحصل فضل الجماعة بأحد المساجد الثلاثة فإنه لا يعيدها في غيرها جماعة، ومن صلى في غيرها منفرداً فإنه يعيد فيها ولو منفرداً، ومن صلى في غيرها جماعة أعاد بها جماعة لا فذاً وحينئذ فتستثنى هذه من مفهوم قول المصنف:" وندب لمن لم يحصله " إلخ وهذا هو المذهب، وإذا أعاد فيها من صلى في غيرها جماعة فإنه يعيد مأموماً إذا صلى في غيرها إماماً أو مأموماً، ولا تبطل صلاة المأموم إلا بالإعادة الواجبة كالظهر بعد الجمعة عند الشافعية، أو بالاقتداء به في نفس الإعادة قاله في الحاشية.

قوله: [لا مع واحد]: أي خلافاً لقول خليل: ولو مع واحد، فإنه خلاف الراجح. فإن أعادها مع واحد غير راتب فليس له ولا لإمامه الإعادة على ما مشى عليه خليل، وأما على الراجح الذي مشى عليه مصنفنا فالظاهر أن لهما الإعادة كذا ذكره (عب) في صغيره.

قوله: [غير مغرب] إلخ: وقال أبو إسحاق أجازوا إعادة العصر مع كراهة النفل بعدها وإمكان أن تكون الثانية نافلة، وكذلك الصبح لرجاء أن تكون فريضة، وكره إعادة المغرب لأن النافلة لا تكون ثلاثاً مع إمكان أن تكون هي الفريضة؛ لأن صلاة النافلة بعد العصر والصبح أخف من النفل بثلاث ركعات، وبه تعلم ما في كلام الخرشي اهـ (بن) كذا في حاشية الأصل.

قوله: [كعشاء فلا تعاد] إلخ: قال في الأصل: أي يمنع لأنه إن أعاد الوتر يلزم مخالفة قوله صلى الله عليه وسلم: «لا وتران في ليلة» ، وإن لم يعده لزم مخالفة:«اجعلوا آخر صلاتكم من الليل وتراً» وفي إفادة هذه العلل المنع نظر. اهـ قال محشيه: أي لاحتمال أن يكون النهي في قوله: «لا وتران في ليلة» على جهة الكراهة، والأمر في قوله:"اجعلوا" إلخ للندب؛ فمخالفة الأمر المذكور حينئذ أو الدخول في النهي المذكور حينئذ لا يقتضي المنع. واستبعده في المجموع

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

في ط المعارف: (ركوع)، ولعلها الصواب.

ص: 153

(شفع ندباً) لا وجوباً بأن يضم لها ركعة ويخرج عن شفع (وسلم) إذا قام الإمام للثالثة، أو معه إذا كانت أولى المأموم ثانية المغرب ويأتي بأخرى بعد سلامه إذا دخل معه في ثالثتها، (وإن أتم) معه المغرب (أتى برابعة) إذا لم يسلم معه (ولو سلم معه إن قرب) تذكره بأنه قد كان صلاها منفرداً (وسجد بعد السلام) لهذه الزيادة بخلاف ما إذا لم يسلم فلا سجود عليه، ومفهوم " قرب" أنه إن بعد فلا شيء عليه (فإن تبين) للمعيد لفضل الجماعة (عدم الأولى أو فسادها أجزأته) المعادة لنيته التفويض، (ومن ائتم بمعيد أعاد) صلاته (أبداً) لبطلانها لأنه فرض خلف نفل (ولو في جماعة)، وقول الشيخ:"أفذاذاً" لا يعول عليه.

(والإمام الراتب) بمسجد أو غيره إذا جاء في وقته المعتاد له فلم يجد أحداً يصلي معه فصلى منفرداً (كجماعة) فضلاً وحكماً، فيحصل له فضل الجماعة وينوي الإمامة ولا يعيد في أخرى، ويعيد معه من صلى فذاً ولا يصلي بعده جماعة. ويجمع ليلة المطر.

(وحرم) على المتخلف (ابتداء صلاة) فرضاً أو نفلاً بجماعة أو لا (بعد الإقامة) للراتب، (وإن أقيمت) صلاة لراتب (بمسجد وهو): أي المصلي (بها): أي في صلاة فريضة أو نافلة بالمسجد أو رحبته، (قطع) صلاته ودخل مع الإمام مطلقاً سواء كانت نافلة أو فرضاً غير المقامة أو عينها عقد ركعة أم لا (بسلام أو مناف) ككلام ونية إبطال، هذا (إن خشي) بإتمامها (فوات ركعة) مع الإمام من المقامة (وإلا) يخش بإتمامها فوات ركعة فلا يخلو من أن يكون في نافلة أو فريضة غير المقامة أو نفس المقامة. فإن كان في نافلة أو فريضة غيرها،

ــ

بقوله: مع أنهم أجازوا التنفل بعد الوتر.

قوله: [شفع ندباً] إلخ: ما ذكره هو ما في المدونة ونصها: ومن صلى وحده فله إعادتها في جماعة إلا المغرب، فإن أعادها فأحب إلي أن يشفعها إن عقد ركعة. اهـ. وفي المواق نقلاً عن عيسى: أن القطع أولى. اهـ. ومحل طلب الشفع أو القطع: إذا لم ينو رفض الأولى وجعل هذه صلاته، وإلا لم يقطع ويتمها بنية الفريضة؛ لأن الاحتياط لفرضه أولى ليخرج من الخلاف، كما يؤخذ من حاشية الأصل نقلاً عن البناني.

قوله: [لنيته التفويض]: أي فقط أو الفرض مع التفويض، وأما لو قصد بالثانية النفل أو الإكمال فلا تجزئ هذه الثانية عن فرضه ثم إن قوله:" فإن تبين عدم الأولى " راجع لقوله: " وندب لمن لم يحصله أن يعيد " إلخ فكأنه قال: فإن أعاد فتبين عدم الأولى أو فسادها أجزأته هذه الثانية إن نوى التفويض.

قوله: [ومن ائتم بمعيد] إلخ: صورة المسألة أنه صلى منفرداً ثم خالف ما أمر به من الإعادة مأموماً وصلى إماماً فيعيد ذلك المؤتم به أبداً فذاً أو إماماً أو مأموماً. ولو كان هذا الإمام نوى الثانية الفرض أو التفويض.

قوله: [وقول الشيخ أفذاذاً] إلخ: أي لأنه تابع لابن حبيب. والذي صدر به الشاذلي: أنهم يعيدون جماعة إن شاؤوا على ظاهر المذهب والمدونة، وهو الراجح لبطلان صلاتهم خلف المعيد، وأما الإمام المرتكب للنهي فلا يعيد لاحتمال أن تكون هذه فرضه ولا يحصل له فضل الجماعة عن التحقيق. وقول (عب): ويحصل له فضل الجماعة كما في الناصر، فيه نظر؛ إذ ليس ذلك فيه. قاله في الحاشية. قال في المجموع. تنبيه: مقتضى النظر أن المسائل التي تبطل فيها صلاة الإمام دون المأموم فيها أن يعيد المأموم فيها لانعدام الاقتداء. ألا ترى أنه يستخلف في الأثناء؟ وفي (ح) عن الأقفهسي: إن تبين حدث الإمام فصلاة المأموم صحيحة، ولا يعيدها في جماعة، وإن تبين حدث المأموم، ففي إعادة الإمام خلاف؛ هكذا فرق بين المسألتين وينظر وجهه اهـ.

قوله: [والإمام الراتب] إلخ: أي وهو من نصبه من له ولاية نصبه من واقف أو سلطان أو نائبه في جميع الصلوات أو بعضها على وجه يجوز أو يكره بأن قال: جعلت إمام مسجدي هذا فلاناً الأقطع. لأن الواقف إذا شرط المكروه مضى.

قوله [وينوي الإمامة] إلخ: اعلم أن الإمام إذا كان معه جماعة فغير اللخمي يقول: لا بد في حصول فضل الجماعة من نية الإمامة، واللخمي يقول الفضل يحصل مطلقاً ولا يتوقف على نيتها، وأما إن لم يكن معه جماعة وكان راتباً فاتفق اللخمي وغيره على أنه لا يكون كالجماعة إلا إذا نوى الإمامة لأنه لا تتميز صلاته منفرداً عن صلاته إماماً إلا بالنية. وهل يجمع بين "سمع الله لمن حمده" و"ربنا ولك الحمد"، أو لا يجمع بينهما؟ بل يقتصر على "سمع الله لمن حمده"؟ قال في الحاشية والظاهر جمعه بينهما إذ لا مجيب له.

قوله: [وحرم على المكلف [1] ابتداء] إلخ: أي وحملت الكراهة في المدونة وابن الحاجب على التحريم، قال (ح): وإذا فعل أجزأته وأساء.

قوله: [بالمسجد أو رحبته]: أي لا الطرق المتصلة به فلا يقطع.

قوله: [غير المقامة]: أي فالموضوع أن صلاة الإمام فرض، فإن كانت نفلاً فلا منع - كما إذا كان يصلي الإمام الراتب التراويح في المسجد - فلك أن تصلي العشاء الحاضرة أو الفوائت في صلبه. ولو أردت أن تصلي الوتر، فقيل: يجوز لك ذلك. وقيل: لا، وهو الظاهر. وأما لو أردت صلاة التراويح - والحال أنه يصلي التراويح - فإنه يحرم. والظاهر أن المراد بالمسجد: الموضع الذي اعتيد للصلاة وله راتب كما يرشد له علة الطعن اهـ. من حاشية الأصل نقلاً عن الحاشية.

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

كذا في ط الحلبية، ولعل الصواب:(المتخلف).

ص: 154

(أتم النافلة) - عقد ركعة أم لا - (أو فريضة غير المقامة) سواء (عقد ركعة أم لا. فإن كانت) الصلاة التي هو بها (المقامة) نفسها - بأن كان في العصر فأقيمت للإمام- والموضوع أنه لم يخش بإتمامها فوات ركعة، أي أنه لو أتمها لأدرك الإمام في أول ركعة (انصرف عن شفع) ولا يتمها هذا (إن عقد) منها (ركعة) قبل إقامتها عليه فيضم لها أخرى. وإن كان في الثانية كملها وإن كان في الثالثة قبل كمالها بسجودها رجع للجلوس فيتشهد، ويسلم وهذا إن كان (بغير صبح ومغرب) بأن كان في رباعية (وإلا) -بأن لم يعقد ركعة أو عقدها ولكن كان بصبح أو مغرب فأقيمت- (قطع) ودخل مع الإمام فيها لئلا يصير متنفلاً بوقت نهي.

(فإن عقد ثانية المغرب بسجودها أو) عقد (ثالثة غيرها) كذلك (كملها فرضاً) أي بنية الفريضة، وكذا إن عقد ثانية الصبح بسجودها (ودخل معه) أي مع الإمام (في غير المغرب). وأما في المغرب فيخرج وجوباً من المسجد لأن جلوسه به يؤدي للطعن في الإمام، والشيخ رحمه الله لم يذكر هذا التفصيل بتمامه.

(وإن أقيمت) الصلاة (بمسجد) لراتبه (على) شخص (محصل الفضل) -بأن كان صلاها في جماعة (وهو به) - أي والحال أنه بالمسجد الذي أقيمت فيه أي أو برحبته، (خرج) منه وجوباً لئلا يؤدي إلى الطعن في الإمام. ومثله من صلى المغرب أو العشاء وأوتر (وإلا) يكن محصل الفضل بأن كان صلاها فذاً - (لزمته) الصلاة مع الإمام (كمن لم يصلها) أصلاً فإنها تلزمه، (و) إن أقيمت بمسجد (على مصل) فرضاً أو نفلاً (بغيره) أي المسجد -بأن كان في بيته أو غيره- فلا مفهوم لقوله: ببيته (أتمها) وجوباً، وكذا لو أقيمت بغير مسجد على مصل فيه.

(وكره للإمام) لا الفذ (إطالة ركوع لداخل) أي لأجل داخل معه في الصلاة لإدراك الركعة إلا الضرورة.

ثم شرع في بيان شروط الإمام بقوله:

(وشرطه): أي الإمام (إسلام): فلا تصح خلف كافر ولو لم يعلم بكفره حال الاقتداء.

ــ

قوله: [أتم النافلة] إلخ: أي ويندب أن يتمها جالساً كما في المواق.

قوله: [ولكن كان بصبح أو مغرب]: أما المغرب فلقول المدونة: وإن كانت المغرب قطع ودخل مع الإمام عقد ركعة أم لا، وإن صلى اثنتين أتمها ثلاثاً وخرج، وإن صلى ثلاثاً سلم وخرج ولم يعدها. وأما الصبح فلم يستثنه ابن عرفة ولا غيره، بل ظاهره أنها كغيرها؛ يقطع ما لم يعقد ركعة وإلا انصرف عن شفع، لأن الوقت وقت نفل في الجملة. ألا ترى فعل الورد لنائم عنه في ذلك الوقت؟ فلذلك قال الشيخ أبو علي المسناوي: إن استثناء الصبح مخالف لظاهر كلام الأئمة أو صريحه. اهـ. من حاشية الأصل - نقلاً عن (بن).

قوله: [وإلا يكن محصل الفضل] إلخ: بقي ما إذا أقيمت الصلاة على من بالمسجد، والحال أنه لم يصلها وعليه ما قبلها أيضاً كما لو أقيمت العصر على من بالمسجد، ولم يكن صلى الظهر - فقيل: يلزمه الدخول مع الإمام بنية النفل، وقيل: يجب عليه الخروج من المسجد، وقيل يدخل مع الإمام بنية العصر ويتمادى على صلاة باطلة، واستبعد، وقيل يدخل معه بنية الظهر ويتابعه في الأفعال بحيث يكون مقتدياً به صورة فقط، وهذا أقرب الأقوال، كما في الحاشية.

قوله: [فإنها تلزمه]: أي فيلزمه الدخول معه أي إذا كان محصلاً لشروطها، ولم يكن إماماً بمسجد آخر فكلام الشارح مقيد بهذين القيدين.

قوله: [إطالة ركوع لداخل]: أي وأما التطويل في القراءة لأجل إدراك الداخل أو في السجود، فذكر (عب) أنه كذلك يكره قال (بن): وفيه نظر إذ لم يذكر ابن عرفة والتوضيح والبرزلي في غير الركوع إلا الجواز، وإنما كرهت الإطالة لأنه من قبيل التشريك في العمل لغير الله، كذا قال عياض ولم يجعله تشريكاً حقيقة لأنه إنما فعله ليحوز به أجر إدراك الداخل.

قوله: [إلا لضرورة]: أي بأن يخاف الضرر من الداخل على نفسه أو اعتداده بما فاته فيفسد صلاته كبعض العوام. وقال المؤلف في تقريره ما لم تكن تلك الركعة هي الأخيرة فتحصل أن المنفرد يطيل الركوع للداخل، والإمام إذا خشي ضرراً من الداخل أو فساد صلاته أو تفويت الجماعة عليه بأن كانت تلك الركعة هي الأخيرة. فلا كراهة فيه. والخوف هنا بما يحصل به الإكراه على الطلاق.

قوله: [فلا تصح خلف كافر]: ما ذكره المصنف من بطلان صلاة من صلى خلف إمام يظنه مسلماً فظهر كفره أحد أقوال ثلاثة أشار لها ابن عرفة بقوله: وفي إعادة مأموم اقتدى بكافر ظنه مسلماً أبداً مطلقاً، وصحتها فيما جبر فيه، ثالثها: إن كان آمناً وأسلم لم يعد. الأول: لسماع يحيى ورواية ابن القاسم مع قوله وقول الأخوين، والثاني: لابن حارث عن يحيى وعن سحنون. الثالث: للعتبي عن سحنون. وهذا الخلاف بالنسبة لإعادة الصلاة خلفه وعدم إعادتها؛ وإن كان يحكم بإسلامه لحصول الصلاة منه إذا تحقق النطق فيها بالشهادتين على المعتمد.

لا يقال حيث حكم بإسلامه صحت صلاته لأننا نقول: إسلامه أمر حكمي، ولا يؤمن من صدور مكفر في خلال الصلوات. اهـ. من حاشية الأصل إذا علمت ذلك؛ فإذا ظهر منه كفر يجري عليه حكم المرتد ما لم يبد عذراً في إظهار الإسلام، لقول خليل فيما سيأتي؛ وقبل عذر من أسلم، وقال أسلمت عن ضيق إلخ.

ص: 155

(وتحقق ذكورة) فلا تصح خلف امرأة ولا خنثى مشكل ولو اقتدى بهما مثلهما.

(وعقل) فلا تصح خلف مجنون. فإن كان يفيق أحياناً وأمَّ حال إفاقته صحت خلافاً لمن قال بعدمها أيضاً. وفي عدِّ الإسلام والعقل من شروط الإمام مسامحة؛ إذ هما شرطان في الصلاة مطلقاً، ولا يعد من شروط الشيء إلا ما كان خاصّاً بذلك الشيء والذي سهل التسامح أنهما هناك اعتبرا شرطاً للصلاة، وهنا اعتبرا شرطاً للإمام.

(وكونه غير مأموم) فلا تصح خلف مأموم، ومنه مسبوق قام لقضاء ما عليه فاقتدى به غيره ولو لم يعلم بأن إمامه مأموم إلا بعد الفراغ من صلاته. وليس منه من أدرك مع الإمام ما دون ركعة، فإذا قام لصلاته صحَّ الاقتداء به وينوي الإمامية بعد إن كان ناوياً المأمومية.

(ولا متعمد حدث) فلا تصح خلف متعمد الحدث فيها أو حال الإحرام، وإن لم يعلم المأموم بذلك إلا بعد الفراغ منها.

وأشار لمفهوم متعمد بقوله: (فإن نسيه) أي أحرم الإمام بالصلاة محدثاً وهو ناسٍ لكونه محدثاً وتذكر بعد السلام أو قبله ولم يعمل بهم عملاً؛ بل خرج وأشار لهم بالإتمام أو أحدث فيها ناسياً لكونه في صلاة ولم يعمل بهم عملاً أيضاً. وهذه الصورة يشملها كلامه أيضاً: (أو غلبه) الحدث فيها كأن سبقه البول أو الريح ولم يعمل بهم عملاً (صحت للمأموم) دون الإمام، وهذا معنى قولهم: كل صلاة بطلت على الإمام بطلت على المأموم إلا في سبق الحدث ونسيانه. وقولنا في المواضع الثلاثة: "ولم يعمل بهم عملاً" مفهومه: أنه لو عمل بهم عملاً لبطلت عليهم أيضاً لشمول المتعمد له.

ومحل صحتها للمأموم في أن النسيان (إن لم يعلم) المأموم (به) –أي: بحدث إمامه- (قبلها) أي: قبل دخوله معه فيها، فإن علمه قبلها ودخل معه ولو ناسياً كإمامه بطلت (أو علم) بحدث إمامه (فيها) أي: في الصلاة (ولم يستمر) معه؛ بل فارقه وصلى لنفسه منفرداً أو مستخلفاً فتصح للمأمومين. ومفهومه أنه لو علم بحدث إمامه في الصلاة واستمر معه بطلت عليهم.

والحاصل أن الإمام إذا كان ناسياً الحدث، أو غلبه فيها فتصح للمأموم بشرط أن لا يعلم، أو علم فيها ولم يعمل معه عملاً وإلا بطلت.

(و) شرطه: (قدرة على الأركان، لا إن عجز) عن ركن من أركانها فلا تصح الصلاة خلفه (إلا أن يساويه المأموم) في العجز في ذلك الركن (فتصح) صلاته خلفه، كأخرس صلى بمثله وعاجز عن القيام صلى جالساً بمثله (إلا المومئ) أي: من فرضه الإيماء

ــ

قوله: [وتحقق ذكورة]: يحترز به عن الأنوثة والخنوثة، فلا ينافي صحة الاقتداء بالملك، لأن وصف الملكية أشرف من وصف الذكورة، والغرض نفي خسة الأنوثة وما شابهها كالخنوثة. وقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم خلف جبريل صبيحة الإسراء، والأصل عدم الخصوصية. لا يقال إن صلاتهم نفل لأننا نقول: الحق أنهم مكلفون، أو يستثنون فقد قيل بالفرض خلف نفل. وتصح الصلاة أيضاً خلف ذكور الجن لأن لهم ما لنا وعليهم ما علينا.

قوله: [ولو اقتدى بهما مثلهما]: أي ولو نويا الإمامة فصلاتهما صحيحة وصلاة من خلفهما باطلة وإنما حكم بالصحة إذا نوى كل الإمامة مع أنه متلاعب مراعاة لمن قال بصحة إمامة كل منهما لمثله. كذا في الحاشية.

قوله: [خلافاً لمن قال] إلخ: أي وهو الأجهوري ومن تبعه.

قوله: [ولا متعمد حدث]: مثله علم موته بحدثه ودخل أو تراخى معه بعد العلم كما يأتي.

قوله: [إلا في سبق الحدث ونسيانه]: أي ومسائل أخرى نحو أحد عشر تضم لسبق الحدث ونسيانه؛ الأولى: لو ضحك الإمام غلبة أو سهواً فيستخلف وتبطل عليه دونهم عند ابن القاسم. الثانية: إذا رأى المأموم نجاسة على إمامه وأراه إياها فوراً، واستخلف الإمام من حين ذلك فتبطل عليه دونهم، واختار ابن ناجي البطلان للجميع. الثالثة: إذا سقط ساتر العورة المغلظة فيستخلف في قول سحنون وإن أعاد مع التمادي فقيل: الفساد على الجميع، وقيل بالصحة على الجميع الرابعة: إذا رعف في الصلاة رعاف بناء واستخلف فيه وقد تكلم في حالة الاستخلاف. الخامسة: إذا انحرف الإمام انحرافاً كثيراً عن القبلة ونوى مأمومه المفارقة منه. السادسة: لو طرأ فساد الصلاة للإمام الذي قسم القوم طائفتين في الخلاف بعد مفارقة الأولى فتبطل عليه دون الطائفة الأولى. السابعة: إن ترك السجود القبلي المترتب عن ثلاث سنن وطال وسجده المأموم. الثامنة: إن ترك الإمام سجدة وسبح له المأموم ولم يرجع فسجدها المأموم، واستمر الإمام تاركاً لها حتى سلم وطال. التاسعة: إن قطع الصلاة الإمام لخوف على مال أو نفس. العاشر: إن طرأ له جنون. الحادية عشرة: إن طرأ له موت. وهذه المسائل حاصل نظم شيخنا العلامة البيلي رضي الله عنه.

قوله [أو علم فيها] إلخ: فقد نقل (ح) أول الاستخلاف عن ابن رشد أن حكم من علم بحدث إمامه حكم من رأى النجاسة في ثوب إمامه، فإن أعلمه بذلك فوراً فلا يضر، وأما إن عمل معه عملاً بعد ذلك ولو السلام فقد بطلت عليه. اهـ. من حاشية الأصل نقلاً عن (بن).

قوله: [لا إن عجز عن ركن]: أي قولي: كالفاتحة. أو فعلي: كالركوع أو السجود أو القيام. والفرض أن المقتدي قادر على ذلك الركن بدليل ما بعده. ومن هنا اختلف بعض العلماء في صحة إمامة مقوس الظهر، قال المؤلف في تقريره: إن وصل تقوسه لحد الركوع فلا شك في كونه عاجزاً عن ركن فلا يصح اقتداء القادر به، وإن لم يصل إلى حد الركوع فلا شك في كونه

ص: 156

من قيام أو جلوس أو اضطجاع يأتم (بمثله) فلا تصح له على المشهور.

(و) شرطه: (علم) أي: كونه عالماً (بما تصح) الصلاة (به) من الأحكام كشروط الصلاة وأركانها. وكفى علم كيفية ذلك ولو لم يميز الفرض من السنة بخلاف من يعتقد الفرض سنة.

(وقراءة) بالجر عطف على ما أي وعلم بقراءة (غير شاذة) والشاذ ما وراء العشرة فتبطل الصلاة به إن لم يوافق الرسم العثماني.

(وصحت بها) أي بالقراءة الشاذة (إن وافقت رسم المصحف) العثماني وإن لم تجز القراءة بها. (و) صحت (بلحن) في القراءة (ولو بالفاتحة) إن لم يتعمد، (وأثم) المقتدي به (إن وجد غيره) ممن يحسن القراءة وإلا فلا (و) صحت (بغير) أي: بقراءة غير (مميز بين كضاد وظاء) بالمعجمتين كما في لغة بعض العرب الذين يقلبون الضاد ظاء، وأدخلت الكاف من يقلب الحاء المهملة هاء أو الراء لاماً أو الضاد دالاً كما في بعض الأعاجم. (لا) تصح [1](إن تعمد) اللحن أو تبديل الحروف بغيرها فلا يصح الاقتداء به.

(و) شرطه (بلوغ في) صلاة (فرض) فلا يصح خلف صبي بخلاف النفل خلف الصبي فيصح وإن لم يجز.

(و) شرطه (بجمعة): أي فيها زيادة على ما تقدم.

(حرية) فلا تصح الجمعة خلف عبد ولو مكاتباً؛ لأنها لا تجب عليه.

(وإقامة) ببلدها وما في حكمه، فلا تصح خلف خارج عنها بما زاد على كفرسخ، كما لا تصح منهما أيضاً فلا بد من إعادتها، ولو ظهراً، إن لم يمكن إعادتها جمعة.

(وأعاد) صلاته (بوقت) ضروري (في) اقتدائه بإمام (بدعي) لم يكفر ببدعته كحروري وقدري.

ــ

غير عاجز عن ركن وحينئذ فاقتداء القادر به صحيح فلا معنى لهذا الاختلاف اهـ.

قوله: [فلا تصح له على المشهور]: أي في غير قتال المسابقة [2]، وأما فيه فيجوز. وإنما منع في غيره لأن الإيماء لا ينضبط فقد يكون إيماء المأموم أخفض من إيماء الإمام، وهذا يضر ومقابل هذا ما لابن رشد والمازري من صحة اقتداء المومي بالمومي.

قوله: [بخلاف من يعتقد الفرض سنة]: وانظر لو اعتقد أن السنة فرض أو فضيلة، والظاهر كما قالوا إنها صحيحة إن سلمت من الخلل كمن يعتقد أنها كلها فرائض. والحاصل أنه إن أخذ صفتها عن عالم ولم يميز الفرض من غيره فإن صلاته صحيحة إذا سلمت من الخلل سواء علم أن فيها فرائض وسنناً أو اعتقد فرضية جميعها على الإجمال، وإن لم تسلم صلاته من الخلل فهي باطلة في الجميع. ويدل له قوله عليه الصلاة والسلام:«صلوا كما رأيتموني أصلي» ، فلم يأمرهم إلا بفعل ما رأوا، وأهل العلم نوابه عليه الصلاة والسلام.

قوله: [إن وافقت رسم المصحف العثماني]: أي لأنه أحد أركان القرآن كما قال ابن الجزري في الطيبة:

وكل ما وافق وجه النحو

وكان للرسم احتمالاً يحوي

وصح إسناداً هو القرآن

فهذه الثلاثة الأركان

قال شيخنا في تقريره: الحق أن القراءة الملفقة من القراءات السبع الجارية على ألسنة الناس جائزة لا حرمة فيها ولا كراهة، والصلاة بها لا كراهة فيها. اهـ.

قوله: [وصحت بلحن] إلخ: أي غير المعنى أم لا. وهذا القول هو الحق من أقوال ستة، الثاني: تبطل باللحن مطلقاً؛ الثالث: باللحن في الفاتحة، الرابع: إن غير المعنى، الخامس: الكراهة عند ابن رشد، السادس: الجواز.

قوله: [بين كضاد وظاء] إلخ: صرح المصنف بهذه المسألة لأجل التنصيص على عينها، وإن كانت داخلة في اللاحن على كل حال؛ فإنهم لما ذكروا الخلاف في اللحن قالوا: ومنه من لا يميز بين ضاد وظاء.

قوله: [فلا يصح خلف صبي]: اعلم أن الصبي إذا فاته لا ينوي فرضاً ولا نفلاً، وله أن ينوي النفل فإن نوى الفرض هل تبطل صلاته؟ لأنه متلاعب إذ لا فرض عليه، أو لا تبطل؟ في ذلك قولان، والظاهر منهما الثاني كما في الحاشية. وهذا في صلاته في نفسه، وأما إن اقتدى به أحد فصلاة ذلك المقتدي باطلة على الإطلاق إذا كان مأمومه بالغاً في فرض فإن أم في نفل صحت الصلاة وإن لم تجز ابتداء كما يؤخذ من حاشية الأصل.

قوله: [ولو مكاتباً]: أي أو مبعضاً في يوم حريته.

قوله: [فلا تصح خلف خارج عنها]: أي ما لم ينو إقامة أربعة أيام صحاح لغير قصد الخطبة فتصح ولو سافر عقب الصلاة. ومحل عدم صحتها خلف المسافر ما لم يكن خليفة أو نائبه ومر بقرية جمعة من قرى عمله، فيصح أن يؤم بهم بل يندب كما سيأتي في باب مكروه الجمعة.

قوله: [كحروري] إلخ: هذا بيان للحكم بعد الوقوع والنزول، وأما الاقتداء به فقيل ممنوع وقيل مكروه، والأول هو المعتمد. ومراده: كل ما اختلف في تكفيره ببدعته خرج المقطوع بكفره؛ كمن يزعم أن الله تعالى لا يعلم الأشياء مفصلة بل مجملة فقط، فالاقتداء به باطل. وخرج المقطوع بعدم كفره كذي بدعة خفيفة كمفضل علي على أبي بكر وعمر وعثمان؛ فهذا لا إعادة على من اقتدى به.

تنبيه: الحرورية قوم خرجوا على علي رضي الله عنه بحروراء: قرية من قرى الكوفة على ميلين منها نقموا عليه في التحكيم أي عابوا عليه وكفروه بالذنب. والمراد بالتحكيم تحكيمه لأبي موسى الأشعري، قال إن هذا ذنب صدر منك وكل ذنب مكفر لفاعله فأنت كافر. فأولاً كفروا

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

في ط المعارف: (تصح).

[2]

كذا في ط الحلبية، ولعل الصواب:(المسايفة).

ص: 157

(وكره فاسق بجارحة): أي إمامته ولو لمثله على الصحيح.

(و) كره (أعرابي): وهو ساكن البادية (لغيره) من أهل الحاضرة ولو بسفر لا لمثله.

(و) كره (ذو سلس) كبول ونحوه (وقرح): أي دمل سائل (لصحيح) ومثلهما كل من تلبس بنجاسة معفو عنها لسالم منها لا لمثله.

(و) كره (أغلف ومجهول حال) أي: لم يعلم حاله أهو عدل أو فاسق ومثله مجهول النسب.

ثم بين من تكره إمامته في حالة دون أخرى فقال:

(و) كره (ترتب خصي) أي مقطوع الأنثيين (و) ترتب (مأبون) أي متشبه بالنساء أو من يتكسر في كلامه كالنساء أو من كان يفعل به فعل قوم لوط ثم تاب، وأما من لم يتب فهو أرذل الفاسقين (وولد زنا وعبد): أي جعل من ذكر إماماً راتباً (في فرض أو سنة) كعيد لا إن لم يرتب.

(و) كرهت (صلاة) ولو لفذ (بين الأساطين) جمع أسطوانة وهي العمود.

(و) كرهت صلاة مأموم (أمام) بفتح الهمزة: أي قدام (الإمام بلا ضرورة) وإلا لم تكره.

(و) كره (اقتداء من بأسفل السفينة بمن بأعلاها) لعدم تمكنهم من ملاحظة الإمام وقد تدور فيختل عليهم أمر الصلاة بخلاف العكس (كأبي قبيس): أي كما يكره اقتداء من بأبي قبيس بمن يصلي بالمسجد الحرام، وهو جبل عال تجاه ركن الحجر الأسود لعدم تمام التمكن من أفعال الإمام.

(و) كره (صلاة رجل

ــ

معاوية بخروجه على علي، ثم كفروا علياً بتحكيمه لأبي موسى، وخرجوا عن طاعته فقاتلهم قتالاً عظيماً.

قوله: [فاسق بجارحة]: يحترز به عن الفاسق بالاعتقاد أي ففسقه بسبب الجوارح الظاهرة، وإنما كره لما ورد:«إن أئمتكم شفعاؤكم» والفاسق لا يصلح للشفاعة.

قوله: [على الصحيح]: أي خلافاً لما مشى عليه خليل من بطلان الصلاة خلف الفاسق بناء على اشتراط العدالة. والمعتمد أنها شرط كمال ما لم يتعلق فسقه بالصلاة؛ كأن يقصد بتقدمه الكبر كما يأتي، أو يخل بركن أو شرط أو سنة على أحد القولين في بطلان صلاة تاركها عمداً اهـ. من الأصل.

قوله: [وكره أعرابي]: قال أبو الحسن عن عياض: الأعرابي - بفتح الهمزة - هو البدوي كان عربياً أو عجمياً. وحاصله أنه تكره إمامة البدوي - أي ساكن البادية - للحضري سواء كان في الحاضرة أو في البادية، بأن كان الحضري مسافراً؛ ولو كان الأعرابي أكثر قرآناً أو أحكم قراءة ولو كان بمنزل ذلك البدوي، فمحل تقديم رب المنزل إن لم يتصف بمانع نقص أو كره كما يأتي. اهـ. من حاشية الأصل. وفي هذا التقييد نظر لما يأتي أنه يستثنى رب المنزل والسلطان من عدم إسقاط المانع حقهما.

قوله: [وكره ذو سلس] إلخ: هذا هو المشهور وإن كان مبنياً على ضعيف وهو أن الأحداث إذا عفي عنها في حق صاحبها لا يعفى عنها في حق غيره. والمشهور أنه إذا عفي عنها في حق صاحبها عفي عنها في حق غيره. وعليه فلا كراهة في إمامة صاحبها لغيره. وأما صلاة غيره بثوبه فاقتصر في الذخيرة على عدم الجواز قائلاً إنما عفي عن النجاسة للمعذور خاصة فلا يجوز لغيره أن يصلي به. ثم تقييد المصنف الكراهة بالصحيح تبع فيه خليلاً وابن الحاجب، وظاهر عياض وغيره أن الخلاف لا يختص بإمامة الصحيح فتقييد المصنف بالصحيح طريقة.

قوله: [لا لمثله]: أي خلافاً لما مشى عليه عياض وابن بشير.

قوله: [وكره أغلف]: أي وهو من لم يختتن فتكره إمامته مطلقاً راتباً أو لا خلافاً لما مشى عليه خليل من تخصيصه بالراتب.

قوله: [ومثله مجهول النسب]: قال بعضهم فيه نظر، بل مجهول النسب كولد الزنا. إنما تكره إمامته إن كان راتباً كما هو صريح المدونة. والمراد بمجهول النسب: اللقيط لا الطارئ؛ لأن الناس مأمونون على أنسابهم.

قوله: [ترتب خصي]: أي بحضر لا سفر كما في الأصل.

قوله: [وأما من لم يتب] إلخ: أي وتقدم كراهة إمامته مطلقاً وإن لم يكن راتباً.

قوله: [وعبد] إلخ: الحاصل أن إمامة العبد على ثلاث مراتب: جائزة، ومكروهة، وممنوعة. فيجوز أن يكون إماماً راتباً في النوافل، وإماماً غير راتب في الفرائض. وكره أن يكون راتباً فيها، وكذا في السنن كالعيدين والكسوف والاستسقاء، فإن أم في ذلك أجزأت. ويمنع أن يكون إماماً في الجمعة راتباً أو غير راتب، وما ذكره من كراهة ترتبه في الفرض هو قول ابن القاسم، وقال عبد الملك بجواز ترتبه في الفرائض كالنوافل، وقال اللخمي إن كان أصلحهم فلا يكره.

قوله: [بين الأساطين]: أي لأن هذا المحل معد لوضع النعال وهي لا تخلو غالباً من نجاسة، أو لأنه محل الشياطين فيطلب التباعد عنه، فقد «ارتحل عليه الصلاة والسلام عن الوادي الذي ناموا فيه عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس وقال: إن به شيطاناً».

قوله: [أمام الإمام بلا ضرورة]: أي لمخالفة الرتبة، كما لو وقف عن يسار الإمام المنفرد. ورأى بعضهم أن وقوف المأموم أمام الإمام من غير ضرورة مبطل لصلاته، وهو ضعيف.

قوله: [بخلاف العكس]: أي وهو اقتداء من بأعلى السفينة بمن بأسفلها فلا كراهة فيه، وذلك لتمكنه من ضبط أفعال إمامه.

قوله: [أي كما يكره اقتداء] إلخ: إن قلت صحة صلاة من بأبي قبيس مشكلة، لأن من بمكة يجب عليه مسامتة عين الكعبة كما مر، ومن كان بأبي قبيس لا يكون مسامتاً لها لارتفاعه عنها. والجواب: أن يقال: إن الواجب على من كان بأبي قبيس ونحوه أن يلاحظ أنه

ص: 158

بين نساء وعكسه) أي امرأة بين رجال.

(و) كره (إمامة بمسجد بلا رداء) يلقيه الإمام على كتفيه بخلاف المأموم والفذ فلا يكره لهما عدم الرداء، بل هو خلاف الأولى، فعلم أن الرداء يندب لكل مصل والندب للإمام أوكد.

(و) كره (تنفله): أي الإمام (بالمحراب) لأنه لا يستحقه إلا حال كونه إماماً، ولأنه قد يوهم غيره أنه في صلاة فرض فيقتدي به.

(و) كره (صلاة جماعة) في المسجد (قبل الراتب)، وحرم معه، ووجب الخروج عند قيامها للراتب (أو) صلاة جماعة (بعده): أي بعد صلاته (وإن أذن) لغيره في ذلك، (وله) أي للراتب (الجمع) في مسجده (إن جمع غيره) قبله (بلا إذن) منه. ومحل جواز الجمع (إن لم يؤخر) عن عادته تأخيراً (كثيراً، وإلا) - بأن أذن لغيره أن يصلي مكانه بالناس أو أخر كثيراً (كره) له الجمع ثانياً.

(و) إن دخل جماعة مسجداً فوجدوا راتبه قد صلى (خرجوا) ندباً (ليجمعوا خارجه، إلا المساجد الثلاثة، فيصلون) فيها (أفذاذاً إن دخلوها) لأن فذها أفضل من جماعة غيرها، فإن لم يدخلوها جمعوا خارجها.

ثم شرع في بيان جواز إمامة من يتوهم فيه عدم الجواز، وجواز أشياء يتوهم عدم جوازها، فقال:

(وجاز) بمعنى خلاف الأولى (إمامة أعمى) إذ إمامة البصير المساوي في الفضل للأعمى أفضل.

(و) إمامة (مخالف في الفروع) كشافعي وحنفي؛ وإن علم أنه مسح بعض رأسه أو لم يتدلك أو مس ذكره؛ لأن ما كان شرطاً في صحة الصلاة فالعبرة فيه بمذهب الإمام،

ــ

مسامت للبناء، وقولهم: الواجب على من بمكة مسامتة العين أي ولو بالملاحظة كما ذكره بعض الأفاضل. اهـ. من حاشية الأصل.

قوله: [بين نساء]: أي بين صفوف النساء، وكذا محاذاته لهن بأن تكون امرأة عن يمينه وأخرى عن يساره، ويقال مثل ذلك في صلاة امرأة بين رجال. وظاهره وإن كن محارم.

قوله: [وكره تنفله] إلخ: أي وكذا يكره للمأموم تنفله بموضع فريضته كذا في الحطاب نقلاً عن المدخل، لكنه خلاف قول المدونة، قال مالك لا يتنفل الإمام في موضعه وليقم عنه بخلاف الفذ والمأموم فلهما ذلك اهـ. من حاشية الأصل عن (بن)، وكما يكره تنفله بمحرابه يكره له جلوسه على هيئة الصلاة ويخرج من الكراهة بتغير الهيئة لخبر: كان إذا صلى عليه الصلاة والسلام صلاة أقبل على الناس بوجهه.

تنبيه: المشهور أن الإمام يقف في المحراب حال صلاته الفريضة كيفما يقف خارجه ويسجد فيه.

قوله: [وكره صلاة جماعة]: وهذا النهي ولو صلى في صحن المسجد لأنه مثله. وكراهة الجمع قبل الراتب وبعده. وحرمته معه لا تنافي حصول فضل الجماعة لمن جمع معه كما قال في الحاشية، ألا ترى للصلاة جماعة في الدار المغصوبة؟

قوله: [أو صلاة جماعة بعده]: أي سواء كان الراتب صلى وحده أو بجماعة. واعلم أن المصنف جزم بالكراهة تبعاً لخليل والرسالة والجلاب، وعبر ابن بشير واللخمي وغيرهما بالمنع وهو ظاهر قول المدونة. ولا تجمع صلاة في مسجد مرتين إلا مسجد ليس له إمام راتب، ونسب أبو الحسن الجواز لجماعة من أهل العلم، قال ابن ناجي: ومحل النهي المذكور قبله وبعده إذا صلى الراتب في وقته المعلوم؛ فلو قدم عن وقته وأتت جماعة فإنهم يعيدون فيه جماعة من غير كراهة، أو أخر عن وقته فإنهم يصلون جماعة من غير كراهة. ومحل النهي عن تعدد الجماعة في غير المساجد التي رتب فيها الواقف أربعة أئمة على المذاهب الأربعة، كالمسجد الحرام كل واحد يصلي في موضع فأفتى بعضهم بالكراهة، وأفتى بعضهم بالجواز محتجاً بأن مواضعهم كمساجد متعددة، خصوصاً وقد قرره ولي الأمر، ومحل القولين إذا صلوا مترتبين، وأما إذا أقام أحدهم الصلاة مع صلاة الآخر فلا نزاع في حرمته. قال في المجموع: وإذا تم إلحاق البقاع بالمساجد لم يحرم المكث في بقعة من المسجد لإقامة إمام غيرها من البقاع.

قوله: [أو أخر كثيراً]: أي فلا كراهة لمن يجمع قبله ولو لم يأذن، ويكره له الجمع كما قال الشارح.

قوله: [ليجمعوا خارجه]: أي لأجل أن يصلوا جماعة في غيره؛ إما في مسجد آخر أو في غير مسجد. ثم إن الندب من حيث الجماعة خارجه، فلا ينافي أن الجماعة سنة ولو فيه.

قوله: [إن دخلوها]: اعترض بأن الأولى حذفه لأن الاستثناء يفيده.

وأجيب بأنه صرح به دفعاً لما يتوهم أن الاستثناء منقطع، وأنهم مطالبون بالصلاة فيها أفذاذاً وإن لم يدخلوها، وليس كذلك.

قوله: [جمعوا خارجها]: أي ولا يدخلونها. وهذا مقيد بما إذا أمكنهم الجمع بغيرها، وإلا دخلوها وصلوا بها أفذاذاً ففي قوله:"إن دخلوها" تفصيل.

قوله: [أفضل]: أي لتحفظه من النجاسات وقيل: الأعمى أفضل لكونه أخشع، وقيل: سيان والمعول عليه الأول.

قوله: [وإن علم أنه مسح] إلخ: أي ولو أتى ذلك الإمام المخالف في الفروع بمناف للصحة على مذهب المأموم والحال أنه غير مناف على مذهب ذلك الإمام.

قوله: [لأن ما كان شرطاً]: أي خارجاً عن ماهية الصلاة، وأما ما كان ركناً داخلاً فيها فالعبرة فيه: بنية المأموم، مثل شرط الاقتداء. فلو اقتدى مالكي بحنفي لا يرى ركنية السلام ولا الرفع من الركوع، فإن أتى بهما صحت صلاة مأمومه المالكي، وإن ترك الإمام ذلك كانت صلاة مأمومه

ص: 159

وما كان شرطاً في صحة الاقتداء فالعبرة فيه بمذهب المأموم.

فلا يصح فرض خلف معيد ولا متنفل ولا مغاير صلاة الإمام وإن كان الإمام يرى ذلك.

(و) جاز إمامة (ألكن): وهو من لا يكاد يخرج بعض الحروف من مخارجها لعجمة أو غيرها مثل أن يقلب الحاء هاء أو الراء لاماً أو الضاد دالاً.

(و) إمامة (محدود) لقذف أو شرب أو غيرهما (و) إمامة (عنين): وهو من له ذكر صغير لا يتأتى به الجماع أو من لا ينتشر ذكره.

(و) إمامة (أقطع) يداً أو رجلاً (وأشل) على الراجح فيهما، وقيل يكره (ومجذوم) أي: من قام به داء الجذام (إلا أن يشتد جذامه) بحيث يضر بالناس (فليتنح) وجوباً عن الإمامة؛ بل عن الاجتماع بالناس.

(و) جاز إمامة (صبي بمثله).

(و) جاز (إسراع لها): أي لأجل إدراك الصلاة مع الجماعة (بلا خبب) أي هرولة وهي ما دون الجري، وتكره الهرولة؛ لأنها تذهب الخشوع فالجري أولى.

(و) جاز (بمسجد قتل عقرب) وحية (وفأرة و) جاز بمسجد (إحضار صبي) شأنه أنه (لا يعبث أو) يعبث لكن (ينكف) عنه (إذا نهي) وإلا منع إحضاره.

(و) جاز بالمسجد (بصق قل) -لا إن كثر- (إن حصب) أي فرش بالحصباء (فوق الحصباء أو تحت حصيره): أي المحصب، ومثله المترب، (وإلا) بأن كثر البصاق أو لم يحصب بأن كان مبلطاً، أو بصق فوق حصيره (منع كحائطه [1]) أي: كما يمنع البصق بحائط المسجد لتقذيره.

(وقدم المصلي) ندباً في البصق إن احتاج (نوبة [2]) الشامل للرداء (ثم جهة يساره أو تحت قدمه) اليسرى (ثم) إن تعسر عليه ذلك بصق (جهة يمينه، و) إن تعسر بصق (أمامه، و) جاز (خروج) امرأة (متجالة) لا أرب للرجال فيها (لمسجد) تصلي مع الجماعة به (و) خروج (لكعيد) أدخلت الكاف الاستسقاء والكسوف وجنازة القريب والبعيد.

(و) جاز خروج (شابة غير مفتنة لمسجد وجنازة قريب) من أهلها، (ولا يقضي على زوجها به) أي: الخروج لما ذكر أن له منعها، وأما مخشية الفتنة، فلا يجوز لها الخروج مطلقاً.

(و) جاز (فصل مأموم) عن إمامه (بنهر صغير) لا يمنع من رؤية أفعال الإمام أو سماعه (أو طريق) أو زرع؛ للأمن من الخلل في صلاته.

ــ

المالكي باطلة ولو فعل المأموم ذلك. وفي الحطاب عن ابن القاسم لو علمت أن رجلاً يترك القراءة في الأخيرتين لم أصل خلفه نقله عن الذخيرة. اهـ. من حاشية الأصل.

قوله: [وما كان شرطاً في صحة الاقتداء] إلخ: يعلم من هذا صحة صلاة مالكي الظهر خلف شافعي فيها بعد دخول وقت العصر لاتحاد عين الصلاة، والمأموم يراها أداء خلف أداء، والإمام يراها قضاء خلف قضاء، وهي في نفس الأمر إما أداء أو قضاء كما قرره المؤلف.

قوله: [وإمامة محدود]: أي بالفعل وهذا إن حسنت حالته وتاب. ومفهوم (محدود بالفعل) فيه تفصيل، فإن سقط عنه الحد بعفو في حق مخلوق أو بإتيان الإمام طائعاً وترك ما هو عليه من حرابة جازت إمامته إن حسنت حالته، وإلا فلا.

قوله: [وإمامة عنين]: إنما نص عليه لتوهم النهي لضعف أمر الرجولية فيه.

قوله: [فليتنح وجوباً]: أي ويجبر على ذلك.

قوله: [وجاز إمامة صبي بمثله]: وأما ببالغين فلا تصح في الفرض. وتصح في النفل وإن لم تجز ابتداء كما تقدم.

قوله: [وتكره الهرولة]: أي وإن خشي فوات الجمعة إلا أن يخاف فوات الوقت فتجب.

قوله: [قتل عقرب] إلخ: أي مع التحفظ من تقذيره وتعفيشه ما أمكن.

قوله: [وإلا منع إحضاره]: نص ابن القاسم فيها يجنب الصبي المسجد إذا كان يعبث أو لا يكف إذا نهي. اهـ.

قوله: [بصق قل] إلخ: ملخص المسألة أن تقول لا يخلو المسجد: إما أن يكون محصباً أو مبلطاً؛ فالثاني لا يبصق فيه لعدم تأتي دفن البصاق فيه، والأول: إما مفروش أم لا؛ فالأول يبصق تحت فرشه لا فوقه، والثاني يبصق فيه ثم يدفن البصق في الحصباء.

قوله: [وقدم المصلي] إلخ: أي فهذا الترتيب خاص بالمصلي فلا يطلب من غيره وبه قرر المسناوي. واختار الرماصي مثل ما للشيخ أحمد الزرقاني: أن هذا الترتيب يطلب في الصلاة وفي غيرها قال لإطلاق عياض وابن الحاجب وابن عرفة، فهما طريقتان. وهذا الترتيب في المسجد المحصب أو المترب الخالي من الفرش أو في غير المسجد؛ إذ المسجد المبلط أو المفروش لا يجوز فيه بحال، وتعين الثوب أو الخروج منه.

قوله: [وجاز خروج امرأة متجالة]: مراده بالجواز بالنسبة للمتجالة الندب. وبالنسبة للشابة خلاف الأولى كما يؤخذ من الخرشي، قال ابن رشد: تحقيق القول في هذه المسألة عندي أن النساء أربع: عجوز انقطعت حاجة الرجال منها، فهذه كالرجل فتخرج للمسجد وللفرض ولمجالس العلم والذكر، وتخرج للصحراء في العيد والاستسقاء ولجنازة أهلها وأقاربها ولقضاء حوائجها. ومتجالة لم تنقطع حاجة الرجال منها بالجملة فهذه تخرج للمسجد للفرائض ومجالس العلم والذكر ولا تكثر التردد في قضاء حوائجها أي: يكره لها ذلك كما قال في الرواية. وشابة غير فارهة في الشباب والنجابة تخرج للمسجد لصلاة الفرض جماعة وفي جنائز أهلها وأقاربها، ولا تخرج لعيد ولا استسقاء ولا لمجالس ذكر أو علم، وشابة فارهة في الشباب والنجابة فهذه الاختيار لها أن لا تخرج أصلاً اهـ. ذكره في حاشية الأصل.

قوله: [ولا يقضى على زوجها به]: الحاصل أن الشابة غير مخشية الفتنة لا يقضى على زوجها بخروجها

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

في ط المعارف: (كبحائطه).

[2]

في ط المعارف: (ثوبه)، ولعلها الصواب.

ص: 160

(و) جاز (علو مأموم) على إمامه (ولو بسطح) في غير الجمعة (لا) علو (إمام) على المأموم (فيكره) خلافاً لظاهر كلامه من المنع؛ (إلا) أن يكون علو الإمام (بكشبر، أو) كان علوه لأجل (ضرورة أو قصد تعليم) للمأمومين كيفية الصلاة فيجوز.

(وبطلت) الصلاة (إن قصد إمام أو مأموم به): أي بعلوه (الكبر): لمنافاته الصلاة.

(و) جاز (مسمع) أي: نصبه ليسمع الناس برفع صوته بالتكبير والتحميد والسلام فيقتدون بالإمام (واقتداء به) أي بالمسمع أي بسبب سماعه، أي جاز الاقتداء بالإمام بسبب سماع المسمع، وهذا كعطف ما هو علة على معلوله.

(و) اقتداء (برؤية) للإمام أو لمأمومه والباء سببية كالتي قبلها، (وإن) كان المأموم (بدار) مثلاً والإمام بمسجد مثلاً ولا يشترط إمكان التوصل إليه.

ولما فرغ من بيان شروط الإمام وما يتعلق بها شرع في بيان شروط الاقتداء به، وهي ثلاثة فقال:

(وشر ط الاقتداء) بالإمام: (نيته) بأن ينوي الاقتداء أو المأمومية بالإمام أو ينوي الصلاة في جماعة، والمعنى واحد (أولاً): أي أول صلاته قبل تكبيرة الإحرام وهذا هو محط الشرطية؛ فمن صلى فذاً ثم رأى إماماً بعد التكبير فلا يصح الاقتداء به (ولزم) أي: الاقتداءُ المأمومَ إذا نواه بشرطه، فمن اقتدى بإمام لم يجز له مفارقته. فلذا فرع على القيدين على طريق اللف والنشر المرتب قوله:

(فلا ينتقل منفرد) بصلاته (لجماعة) لعدم نيته الاقتداء أولاً (كعكسه): أي لا ينتقل من في جماعة إلى الانفراد للزومه، وإلا بطلت فيهما، فعلم أن المأموم يلزمه نية المأمومية (بخلاف الإمام) لا يلزمه نية الإمامة، وليست شرطاً في الاقتداء به (ولو بجنازة) إذ لا تشترط فيها الجماعة (إلا جمعة) فيشترط فيها نية الإمامة.

ــ

إذا طلبته، وأما المتجالة فقيل: يقضى وهو ما يفيده كلام ابن رشد، وقيل: لا يقضى وهو ظاهر السماع، وقول الأبي وعدم القضاء على الزوج في الشابة ولو اشترط لها في عقد النكاح وإن كان الأولى الوفاء لها كما في السماع. اهـ. من حاشية الأصل.

قوله: [وجاز علو مأموم] إلخ: أي مع كونه يضبط أحوال الإمام من غير تعذر فلا يشكل بكراهة اقتداء من بأبي قبيس بمن بالمسجد الحرام لأنه قد يتعذر عليه ضبط أحوال الإمام.

قوله: [ولو بسطح]: رد "بلو" قول مالك المرجوع إليه ففي المدونة قال مالك ولا بأس أن يصلي في غير الجمعة على ظهر المسجد بصلاة الإمام والإمام في المسجد، ثم كره ذلك وبأول قوليه أقول اهـ. (بن) كذا في حاشية الأصل.

قوله: [في غير الجمعة]: إنما قيد بذلك لأن الجمعة لا تصح بسطح المسجد كما يأتي.

قوله: [فيكره] وهل الكراهة مطلقاً سواء كان الإمام يصلي وحده أو كان معه طائفة من المأمومين من خواص الناس أو عمومهم؟ أو محل النهي إذا كان الإمام وحده في المكان المرتفع، أو معه جماعة من خواص الناس؟ وأما لو كان معه غيرهم من عموم الناس فلا كراهة، وهو المعتمد ومحل الخلاف إذا لم يكن المحل العالي معداً للجميع، وكسل بعض المأمومين وصلى أسفل فلا كراهة اتفاقاً كما يؤخذ من الحاشية.

قوله: [إن قصد إمام] إلخ: ظاهره سواء كان العلو كثيراً أو يسيراً بل قصد الكبر بتقدمه للإمامة، أو بتقدم بعض المأمومين على بعض مبطل، وأما الرياء والعجب فغير مبطل وإن أبطل الثواب.

قوله: [وجاز مسمع]: ظاهره ولو كان صبياً أو امرأة أو محدثاً أو كافراً وهو مبني على أن المسمع علامة على صلاة الإمام؛ وأما على القول بأن المسمع نائب عن الإمام، فلا يجوز الاقتداء به حتى يستوفي شروط الإمامة كما ذكره (بن) كذا في حاشية الأصل.

قوله: [بسبب سماع المسمع]: أي وأولى سماع الإمام.

قوله: [واقتداء برؤية]: أي جاز الاقتداء بالإمام بسبب رؤية له أو للمأمومين. فقد اشتمل كلامه على مراتب الاقتداء الأربع؛ وهي: الاقتداء برؤية الإمام، أو المأموم، أو بسماع الإمام أو المأموم وإن لم يعرف عين الإمام. ومما يلغز به هنا: شخص تصح صلاته فذاً أو إماماً لا مأموماً؟ وهو الأعمى والأصم.

قوله: [ولا يشترط إمكان التوصل] إلخ: أي خلافاً للسادة الشافعية.

قوله: [وهذا هو محط الشرطية]: أي فاندفع ما يقال: إن ظاهر المصنف يقتضي أن الاقتداء يتحقق خارجاً بدون نية، لكنه لا يصح إلا إذا وجدت مع أنه لا يتحقق خارجاً إلا بها، فجعلها شرطاً لا يصح؟ وحاصل الجواب: أن الشرطية منصبة على الأولية كما قال الشارح لا على النية، فلو حصل تأخير النية لثاني ركعة حصل الاقتداء ولكن تبطل الصلاة لفقد شرط وهي الأولية، وهذا لا ينافي عد نية الاقتداء ركناً.

قوله: [فمن صلى فذاً]: تفريع على ما قبله.

قوله: [كعكسه]: إنما لم يصح نية المفارقة لأن الأمومية [1] تلزم بالشروع، وإن لم تجب ابتداء كصلاة النفل. ومحل منع الانتقال المذكور، ما لم يضر الإمام بالمأمومين في الطول وإلا جاز الانتقال وعند الشافعية يجوز وإن لم تكن ضرورة. كذا في المجموع.

قوله: [بخلاف الإمام]: فليست نية الإمامة شرطاً، نعم لو نوى الإمامة ثم رفضها ونوى الفدية، فإن الصلاة تبطل لتلاعبه.

قوله: [ولو بجنازة]: رد "بلو" على ابن رشد القائل لا بد من نية الإمامة في صلاة الجنازة، فإن

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

كذا في ط الحلبية، ولعل الصواب:(المأمومية).

ص: 161

لأن الجماعة شرط فيها فلو لم ينو الإمامة بطلت عليه وعليهم.

(و) إلا (جمعاً) بين عشاءين (لمطر) فلا بد فيه من نية الإمامة؛ لأن الجماعة شرط فيه ولا بد فيه من نية الإمامة في الصلاتين، ويجب فيه نية الجمع عند الأولى وجوباً، فلو تركها لم تبطل بخلاف ترك نية الإمامة، فتبطل الثانية فقط.

(و) إلا (خوفاً) أي: صلاته إذا صليت بطائفتين كما يأتي فلا بد من نية الإمامة؛ لأنها لا تصح كذلك إلا بجماعة.

(و) إلا (مستخلفاً) لأنه كان مأموماً فلا بد له من نية الإمامة لتمييز الحالة الثانية عن الأولى، فإن لم ينوها فصلاته صحيحة غايته أنه منفرد.

وذكر الشرط الثاني بقوله: (ومواساة)[1]: عطف على نيته (في ذات الصلاة): كظهر خلف ظهر فلا يصح خلف عصر مثلاً.

(و) في (صفتها) في الأداء والقضاء؛ فلا يصح أداء خلف قضاء ولا عكسه.

(و) في (زمنها) وإن اتفقا في القضاء فلا يصح ظهر يوم السبت خلف ظهر يوم الأحد ولا عكسه (إلا نفلاً خلف فرض): كركعتي ضحى خلف صبح بعد الشمس، وركعتي نفل خلف سفرية، أو أربع خلف ظهر حضرية، بناء على جواز النفل بأربع.

وفرع على شرط المساواة قوله:

(فلا يصح) لمأموم (صبح) صلاة [2](بعد شمس) باقتدائه (بمن أدرك ركعة قبلها): أي قبل الشمس فاقتدى به في الركعة الثانية؛ لأنها للإمام أداء وللمأموم قضاء.

وذكر شرط الاقتداء الثالث بقوله:

(ومتابعة) للإمام (في إحرام وسلام) بأن يكبر للإحرام بعده ويسلم بعده. (فالمساواة) فيهما (مبطلة) وأولى السبق ولو ختم بعده فيهما. وصحت إن ابتدأ بعده وختم بعده قطعاً أو معه على الصحيح لا إن ختم قبله. فالصور تسع تصح في صورتين وتبطل في الباقي، إلا أن يسلم سهواً قبل إمامه فيعيده بعده وتصح صلاته.

(وحرم) على المأموم (سبقه) أي الإمام (في غيرهما) أي غير الإحرام والسلام من سائر الأركان،

ــ

صلى عليها فرادى أعيدت ما لم تدفن، وإلا فلا إعادة مراعاة للمقابل، وقد تقدم.

قوله: [لأن الجماعة شرط فيها]: أي شرط صحة. وكل صلاة كانت الجماعة شرطاً في صحتها كانت نية الإمامة فيها شرطاً.

قوله: [عند الأولى]: أي وتستمر للثانية على أنه يبعد عدم اشتراطها في الثانية كذا في المجموع.

قوله: [فتبطل الثانية فقط]: أي لأنها هي التي ظهر فيها أثر الجمع، وأما المغرب فقد وقعت في وقتها فلا تبطل، وقال بذلك (بن) وخص هذا الجمع دون سائر الجموع؛ لأن الجماعة شرط فيه بخلاف غيره وتكفي النية الحكمية في الإمامة كغيرها، إنما المضر نية الفدية مثلاً.

قوله: [لأنها لا تصح كذلك] إلخ: أي فلو تركت نية الإمامة فيها فقال في الحاشية: تبطل على الطائفة الأولى فقط لأنها فارقت الإمام في غير محل المفارقة، وأما صلاة الطائفة الثانية وصلاة الإمام فهي صحيحة.

قوله: [فصلاته صحيحة]: أي إلا أن يتلاعب بأن ينوي الفدية مع النيابة فتبطل.

تنبيه: لا يتوقف فضل الجماعة للإمام على نية الإمامة في غير هذه المسائل كما اختاره اللخمي وإن كان خلاف قول الأكثر: قوله: [إلا نفلاً خلف فرض]: أي فإنه صحيح وإن كان مكروهاً فلو اقتدى متنفل بمفترض وترتب على الإمام سهو في الفرض لا يقتضي السجود في النفل -كترك سورة- فاستظهر الأشياخ اتباعه في السجود كمسبوق لم يدرك موجبه ومقتد بمخالف.

تنبيه: لا يجوز اقتداء متيقن الفائتة بشاك فيها لاحتمال براءة الشاك بالفعل وإن وجب ظاهراً فيكون فرضاً خلف نفل، وبهذا ألغز (عب): رجلان في كل شروط الإمامة تصح إمامة أحدهما دون الآخر في صلاة بعينها؟ قال في المجموع: ومن هنا ما وقع: صلى بنا شيخنا العصر -يعني الشيخ العدوي- فقال لنا إنسان: صليتم قبل العصر وعارضه آخر، فحصل شك وأردنا الإعادة فأراد الدخول معنا أناس لم يصلوا أولاً، فقلت قدموا بعض من لم يصل أولاً، واستحسن كلامي بعض العارفين - يعني به شيخنا المؤلف- فقال الشيخ إن إعادتنا واجبة وصلى بالجميع ثانياً والعهدة عليه. اهـ.

قوله [لأنها للإمام أداء] إلخ: أي فالبطلان جاء من هذه الحيثية ومن حيث اختلافهما في النية، وقد تقدم الكلام على ذلك أول باب الوقت المختار.

قوله: [ومتابعة للإمام] إلخ: المفاعلة ليست على بابها.

قوله: [فالمساواة فيهما مبطلة]: أي وإن بشك منهما أو من أحدهما في المأمومية والإمامية أو الفدية، فإذا شك: هل هو مأموم أو إمام أو فذ أو في مأمومية مع أحدهما وساواه أو سبقه بطلت عليه. وكذا لو شك كل منهما بطلت عليهما إن تساويا، وإلا فعلى السابق. ومفهوم قولنا (في المأمومية): أنه إذا شك أحدهما في الإمامية والفذية لا تبطل بسلامه قبل الآخر ما لم يتبين أنه كان مأموماً في الواقع. وكذا لو شك كل منهما في الإمامية والفذية، أو نوى كل منهما إمامة الآخر صحت من كل منهما كما يؤخذ من الأصل.

قوله: [وتبطل في الباقي]: لكن البطلان في أربعة منها اتفاقاً، وهي: ما إذا سبق الإمام ولو بحرف وختم معه، أو قبله، أو بعده، أو ساواه في البدء وختم قبله. وأما إذا ساواه في البدء وختم معه أو بعده فالبطلان فيهما على الراجح قول ابن حبيب وأصبغ، ومقابله لابن القاسم وابن عبد الحكم. وكذلك إذا سبقه الإمام في البدء وختم قبل الإمام فالبطلان فيها على المعتمد خلافاً لاستظهار ابن عرفة الصحة.

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

في ط المعارف: (ومساواة)، ولعلها الصواب.

[2]

في ط المعارف: (صلاه).

ص: 162

ولا تبطل به الصلاة (وكره مساواته) في غيرهما.

(و) إن سبقه في ركوع أو سجود أو رفع منهما ولو سهواً (أمر) وجوباً - وقيل: استناناً - (بعوده له) أي: للإمام (إن علم إدراكه) فيه ليرفع برفعه من الركوع أو السجود، أو يخفض بخفضه لركوع أو سجود إن ركع أو سجد قبله. والمراد بالعلم: ما يشمل الظن، فإن لم يظن إدراكه فلا يؤمر بالعود، وإذا أمر بالعود فلم يعد لم تبطل صلاته إن أخذ فرضه بالطمأنينة، وإلا بطلت إذا لم يعد. وتفصيل الشيخ بين الرفع فيؤمر بالعود والخفض فلا يؤمر ضعيف.

ثم شرع في بيان من الأولى بالتقديم عند اجتماع جماعة كل منهم صالح للإمامة فقال:

(وندب تقديم سلطان): أو نائبه ولو بمسجد له راتب، فإن لم يكن سلطان أو نائبه فراتب المسجد إن كانوا به وإلا (فرب منزل) إن كانوا به.

(و) ندب تقديم (المستأجر) له (على المالك) إن اجتمعا به لأنه مالك لمنافعه، (وإن) كان رب المنزل أو المستأجر (عبداً كامرأة واستخلفت) من يصلح للإمامة، والأولى لها استخلاف الأفضل.

(كمن قام به مانع) للإمامة (منهما) أي: السلطان ورب المنزل كعجز عن ركن؛ فإنه يستخلف من يصلح لها.

(فأب فعم) هو وما بعده بالجر عطف على سلطان، والتعبير بالفاء أولى من التعبير بثم.

(فزائد فقه) على من دونه فيه وإن كان أزيد منه في غيره.

(ف) زائد (حديث) أي: أوسع رواية وحفظاً.

(ف) زائد (قراءة) أي: أدرى بطرق القرآن أو أكثر قرآناً أو أشد إتقاناً أو أقوى من غيره في مخارج الحروف.

(ف) زائد (عبادة) أي أكثر من غيره في نوافل الخير، فإن استووا (فمسن في الإسلام فقرشي) لا فرق بين أولاد علي رضي الله عنه وغيره، كأولاد العباس وأبي بكر وعمر، ويمكن أن يقال بنو علي من الزهراء رضي الله عنه [1]- أولى.

والحاصل أن قريشاً فرق كثيرة سموا باسم جدهم الأعلى. والأكثر أن قريشاً هو النضر وقيل هو فهر أحد أجداد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يميزوا في التقديم قبيلة على أخرى؛ وإن كان النظر يقتضي تقديم بني علي من الزهراء على بنيه من غيرها، وبنوه من غيرها وبنو العباس سواء، وهم يقدمون على غيرهم من بني هاشم وهم يقدمون على بني المطلب أخي هاشم وهم على غيرهم من بني عبد مناف وهكذا.

ــ

قوله: [ولا تبطل به الصلاة]: أي حيث كان يشرع فيه قبل الإمام ويستمر حتى يأخذ فرضه معه. وأما لو كان يركع قبله مثلاً ويرفع قبل ركوع الإمام فهو مبطل لأنه لم يأخذ فرضه معه إلا أن يكون ذلك سهواً فيرجع له كما يأتي.

قوله: [فلا يؤمر بالعود]: أي والحال أنه أخذ فرضه مع الإمام. وإلا أمر بالعود على كل حال، فإن ترك العود والحالة هذه عمداً أو جهلاً بطلت صلاته لأنه كمن سبق الإمام بركن.

وحاصل ما في المسألة أن تقول من رفع من الركوع أو السجود مثلاً فتارة يكون رفعه منهما قبل أخذ فرضه مع الإمام، وتارة يكون بعده فإن كان رفعه بعد فإن صلاته صحيحة وكذلك الركعة مطلقاً -سبق الإمام عمداً أو جهلاً أو سهواً- ويؤمر بالعود بالشرط المذكور، فإن لم يعد مع تمكنه فلا شيء عليه. وأما إن كان رفعه قبل أخذ فرضه فالصلاة باطلة إذا سبق الإمام عمداً أو جهلاً ورفع قبله عمداً أو جهلاً؛ لأنه متعمد ترك ركن إن اعتد بما فعله ولم يعده، وإن لم يعتد بما فعله وأعاده، فقد تعمد زيادة ركن. وأما إن كان رفعه سهواً وجب الرجوع، فإن لم يرجع عمداً أو جهلاً بطلت، وسهواً: كان بمنزلة من زوحم عنه فيجري على تفصيل المزاحمة.

قوله: [ضعيف]: أي لأنه مبحوث في علته.

قوله: [كل منهم صالح للإمامة]: أي بأن لا يكون بأحدهم نقص منع أو كره. فإن كان فيهم نقص منع أو كره فلا حق لهم في التقدم، إلا السلطان ورب المنزل؛ فلا يسقط حقهما وندب لهما الاستخلاف وعدم إهمال الأمر لغيرهما إذا كان النقص غير كفر وجنون، وإلا فلا حق لهما أصلاً.

قوله: [لأنه مالك لمنافعه]: أي ولخبرته بطهارة المكان. والندب في هذه الأمور لا ينافي القضاء عند التنازع، ومثل المستأجر كل من ملك المنفعة بإعارة أو عمرى أو وقف.

قوله: [واستخلفت]: أي ندباً وقيل وجوباً، والحق أن الخلف لفظي؛ لأن من قال وجوباً مراده أنها لا تباشر الإمامة بنفسها، ومن قال ندباً مراده أنها لا تترك القوم هملاً.

قوله: [أولى من التعبير بثم]: أي للاختصار. والمقصود مطلق الترتيب وهو مستفاد بكل، وذكره الأب والعم هنا عقب رب المنزل هو الأولى خلافاً لما مشى عليه خليل من تأخيرهما، فإنه معترض، وتقديم الأب والعم الابن وابن الأخ عند المشاحة. وأما عند التراضي فالابن أو ابن الأخ الزائد في الفضل أولى.

قوله: [فزائد فقه] إلخ: أي لأنه أدرى بأحوال الصلاة فيقدم؛ وإن كان غيره أعلى منه رتبة، كعلماء الحديث والتفسير.

قوله: [أي أوسع رواية] إلخ: واسع الرواية: هو المتلقي كثيراً من كتب الحديث سواء حفظ ما تلقاه أم لا، وواسع الحفظ هو الذي يحفظ كثيراً من الأحاديث.

قوله: [أو أقوى من غيره] إلخ: أي ويقدم الأحسن تجويداً ولو كان أقل حفظاً.

قوله: [فزائد عبادة]: أي لأنه أقرب من غيره لله بنص الحديث والفرض أنه يساوي غيره في الصفات المتقدمة.

قوله: [فمسن في الإسلام]: أي ولا عبرة بالسن قبل الإسلام فابن عشرين نشأ مسلماً مقدم على ابن أربعين لم يكمل له عشرون في الإسلام.

قوله: [فرق كثيرة]: خيارها بنو هاشم.

قوله: [والأكثر أن قريشاً] إلخ: أي لقول العراقي في السيرة:

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

في ط المعارف: (عنهم).

ص: 163

(فمعلوم نسبه) تصح الإضافة وتنوين الأول ورفع الثاني.

(فحسن خلق) بضم الخاء (فخلق) بفتح الخاء (فلباس) أي: فحسن لباس.

(و) ندب تقديم (الأورع والزاهد والحر على غيرهم) راجع للثلاثة قبله، وإنما لم يعطفها بالفاء لأن المراد الأورع في كل ما قرن بالفاء، فقولنا:"فزائد فقه" أي: ويقدم منه الأورع إلخ، فلو عطف بالفاء لاقتضى أن مرتبة الأورع وما بعده تلي مرتبة حسن اللباس -وليس كذلك- فتدبر.

(ووقوف ذكر) عطف على "تقديم": أي وندب وقوف ذكر (ولو صبياً عقل القربة) أي: العبادة وإلا ترك يقف حيث شاء (عن يمينه و) ندب (تأخره عنه) أي: عن الإمام (قليلاً) ليتميز المأموم عن الإمام.

(و) ندب وقوف (اثنين فأكثر خلفه) أي: خلف الإمام.

(و) ندب وقوف (نساء خلف الجميع) أي جميع من ذكر فمع إمام وحده خلفه ومع إمام معه ذكر عن يمينه خلفهما، ومع رجال خلفه خلفهم.

ثم انتقل يتكلم على ما يفعله المسبوق إذا وجد الإمام راكعاً أو ساجداً أو جالساً لتشهد أو غيره فقال:

(وكبر المسبوق بعد) تكبيرة (الإحرام لركوع) إذا وجد الإمام راكعاً أو رافعاً منه ويعتد بتلك الركعة متى انحنى قبل اعتدال الإمام ولو لم يطمئن في ركوعه إلا بعده كما تقدم -إن أتى بتكبيرة الإحرام من قيام كما تقدم أيضاً، وسيأتي أيضاً آخر هذا الفصل (أو سجود): أي وكبر لسجود بعد تكبيرة الإحرام [1] وجد الإمام به، أو أدركه بعد رفعه من الركوع فيخر معه مكبراً (لا) يكبر (لجلوس) أول أو ثان وجد الإمام به أو بين سجدتين، بل يكبر للإحرام من قيام ويجلس بلا تكبير (ولا يؤخر) الدخول مع الإمام في أي حالة من الحالات حتى يقوم للركعة التي تليها هذا شأنه في التكبير عند دخوله في الصلاة مع الإمام، وأما شأنه فيه إذا قام لقضاء ما فاته فأشار له بقوله:

(وقام) المسبوق (للقضاء بتكبير إن جلس) المسبوق (في ثانيته) هو، بأن أدرك مع إمامه الركعتين الأخيرتين من رباعية أو ثلاثية؛ لأن جلوسه حينئذ في محله فيقوم بتكبير (وإلا) يجلس في ثانيته؛ بأن جلس في أولاه كمدرك الرابعة من رباعية، أو الثالثة من ثلاثية، أو الثانية من ثنائية، أو جلس في ثالثة كمن أدرك الثانية من رباعية (فلا) يقوم بتكبير؛ لأن جلوسه في غير محله، وإنما هو لموافقة الإمام، وقد رفع معه بتكبير وهو في الحقيقة لقيامه.

واستثني من ذلك قوله: (إلا مدرك) ما (دون ركعة) كمدرك التشهد الأخير؛ فإنه يقوم بتكبير

ــ

أما قريش فالأصح فهر

جماعها والأكثرون النضر

قوله: [فمعلوم نسبه]: أي لأنه أصون لعرضه.

قوله: [بضم الخاء]: أي واللام مضمومة أو ساكنة وهو الحلم، لأنه التحلي بالفضائل والتنزه عن الرذائل، لا ما يعتقده العوام من أنه مسايرة الناس وإن كان مغضباً لله؛ فإن من كان هذا وصفه فهو مداهن لا حسن الخلق.

قوله: [بفتح الخاء] إلخ: أي وسكون اللام وهو الصورة الحسنة لأن الخير والعقل يتبعانها غالباً. قال (بن) نقلاً عن عياض: قرأت في بعض الكتب عن ابن أبي مليكة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من آتاه الله وجهاً حسناً واسما حسناً وخلقاً حسناً وجعله في موضع حسن فهو من صفوة الله من خلقه» .

قوله: [أي فحسن لباس]: أي شرعاً وعرفاً وهو الجديد مطلقاً من غير الحرير، وإنما قدم صاحب اللباس الحسن على من بعده لدلالة حسن اللباس على شرف النفس والبعد عن المستقذرات، وقدمه الشافعية على جميل الخلقة.

قوله: [تقديم الأورع]: أي وهو التارك لبعض المباحات خوف الوقوع في الشبهات، فيقدم على الورع وهو التارك للشبهات خوف الوقوع في المحرمات، وعطف الزاهد على الأورع من عطف التفسير.

تنبيه: إن تشاح متساوون في الرتبة في طلب التقدم - لا لكبر، وإنما هو لطلب الثواب أو لأخذ الوظيفة - اقترعوا. وأما لو تشاحوا لكبر سقط حقهم لأنهم حينئذ فساق ولا حق لهم فيها، بل تبطل به صلاتهم.

قوله [خلف الجميع]: ويقف الخنثى أمام النساء فيتوسط بين الرجال والنساء. وفي (ح) يكره للرجل أن يؤم الأجنبيات وحدهن. والكراهة في الواحدة أشد.

قوله: [ولا يؤخر الدخول] إلخ: فيحرم التأخير إن وجده راكعاً حيث لم يكن عند الدخول شاكاً في إدراك الركعة وإلا ندب له التأخير. وإنما وجب الدخول بشرطه؛ لأن في التأخير طعناً في الإمام والموضوع أنه راتب. وأما تأخيره في غير الركوع فمكروه إذا لم يكن معيداً لفضل الجماعة، وإلا أخر دخوله حتى يعلم هل بقي معه ركعة أم لا.

قوله: [وقام المسبوق]: أي بعد سلام الإمام فإن قام له قبل سلامه بطلت. وأجاز الشافعية نية المفارقة. وهذا إذا قام عمداً أو جهلاً، فإن قام سهواً ألغى ما فعل ورجع للإمام فإن لم يتذكر إلا بعد سلام الإمام فيلغي ما فعله قبل سلام الإمام.

قوله: [بتكبير]: أي يأتي به بعد استقلاله لا أنه يكبر حال قيامه قبل استقلاله.

قوله: [إلا مدرك ما دون ركعة] إلخ: ما ذكره هو مذهب المدونة. ومقابله ما خرجه سند من قول مالك: إذا جلس في ثانيته يقوم بلا تكبير أيضاً، وما نقله زروق عن عبد الملك: أنه يقوم بتكبير مطلقاً. قال: وكان شيخنا النوري يفتي به العامة لئلا يخطئوا. فالمسألة ذات أقوال ثلاثة.

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

زاد بعدها في ط المعارف: (إذا).

ص: 164

لأنه كمفتتح صلاة.

(و) إذا قام المسبوق لقضاء ما فاته (قضى القول): والمراد به خصوص القراءة وصفتها من سر أو جهر، بأن يجعل ما فاته قبل دخوله مع الإمام بالنسبة إليه أول صلاته وما أدركه معه آخرها، (وبنى الفعل: وهو) أي الفعل؛ أي: والمراد بالفعل (ما عدا القراءة) بصفتها فيشمل التسميع والتحميد والقنوت، بأن يجعل ما أدركه معه أول صلاته بالنسبة للأفعال، وما فاته آخرها فيكون فيه كالمصلي وحده. وإذا كان كذلك (فمدرك ثانية الصبح) مع الإمام (يقنت في ركعة القضاء) لأنها آخرته بالنسبة للفعل الذي منه القنوت، ويجمع بين التسميع والتحميد؛ لأنها آخرته وهو فيها كالمصلي وحده. فمن أدرك أخيرة المغرب قام بلا تكبير لأنه لم يجلس في ثانيته ويأتي بركعة بأم القرآن وسورة جهراً لأنه قاضي القول، أي يجعل ما فاته أول صلاته وأولها بالفاتحة والسورة جهراً ويجلس للتشهد؛ لأنه باني الفعل أي جعل ما أدركه معه أول صلاته، وهذه التي أتى بها هي الثانية، والثانية يجلس بعدها ثم بركعة بأم القرآن وسورة جهراً لأنها الثانية بالنسبة للقول -أي القراءة- ويجمع بين سمع الله لمن حمده وربنا ولك الحمد؛ لأنه باني كالمصلي وحده في الأفعال، ومن أدرك أخيرة العشاء أتى بعد سلام الإمام بركعة بأم القرآن وسورة جهراً لأنها أول صلاته بالنسبة للقول، فيقضي كما فات ويجلس للتشهد لأنها ثانيته بالنسبة للأفعال، ثم بركعة بأم القرآن وسورة جهراً لأنها ثانيته بالنسبة للأقوال، ولا يجلس بعدها لأنها ثانيته بالنسبة للأقوال، ولا يجلس بعدها لأنها ثالثته بالنسبة للأفعال ثم بركعة بالفاتحة فقط سراً لأنها آخر صلاته. ومن أدرك الأخيرتين منها أتى بركعتين بأم القرآن وسورة جهراً لما تقدم. (وأحرم): أي كبر تكبيرة الإحرام وركع (من خشي) باستمراره بسكينة إلى الصف (فوات ركعة) برفع الإمام من ركوعه إن لم يحرم (دون الصف) متعلق بأحرم (إن ظن إدراكه) أي: إدراك الصف في ركوعه دابّاً إليه (قبل الرفع): أي قبل رفع الإمام رأسه من الركوع يعني: أن من وجد الإمام راكعاً وخاف أنه إن استمر للصف رفع الإمام رأسه من الركوع فتفوته الركعة، فإنه يحرم ويركع دون الصف ثم يدب في ركوعه إلى الصف، ويرفع برفع الإمام (وإلا) يظن إدراك الصف قبل رفع الإمام (تمادى إليه) أي إلى الصف بلا خبب ولا يحرم دونه ولو فاته الركوع (إلا أن تكون) الركعة (الأخيرة) من صلاة الإمام فإنه يحرم دونه لئلا تفوته الصلاة (ودب): أي مشى من أحرم دون الصف، وكذا من رأى فرجة وهو في صلاته أمامه أو يمينه أو شماله (كالصفين) غير ما خرج منه أو دخل فيه، والكاف استقصائية على الأرجح (لآخر فرجة) إن تعددت (راكعاً) ولو خبباً لأن كراهة الخبب قبل الدخول فيها لا بعده. (أو قائماً في ثانيته)

ــ

قوله: [لأنه كمفتتح صلاة]: يؤخذ منه أنه يؤخر التكبير حتى يستقل قائماً.

قوله: [قضى القول] إلخ: ما قاله الشارح هو مذهبنا. وذهب أبو حنيفة إلى أنه يقضي القول والفعل، والشافعي إلى أن يبني فيهما ومنشأ الخلاف خبر:«إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم السكينة والوقار، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا» وروى: «فاقضوا» فأخذ الشافعي براوية: «فأتموا» وأخذ أبو حنيفة براوية: «فاقضوا» وعمل مالك بكليهما لقاعدة الأصوليين والمحدثين: إذا أمكن الجمع بين الدليلين جمع، فحمل رواية «فأتموا» على الأفعال، ورواية «فاقضوا» على الأقوال. فإذا أدرك أخيرة المغرب على مذهب الشافعي يأتي بركعة بأم القرآن وسورة جهراً ويجلس، ثم بركعة بأم القرآن فقط فيتشهد. وعلى ما لأبي حنيفة: يأتي بركعتين بأم القرآن وسورة جهراً ولا يجلس بينهما لأنه قاض فيهما قولاً وفعلاً. وأما على ما لمالك يأتي بركعتين بالفاتحة وسورة جهراً ويجلس: بينهما، وعلى ذلك فقس. وما نسب لأبي حنيفة في هذه المسألة تبعنا فيه حاشية الأصل، ولكن الذي رأيناه في الدر المختار أن مذهبهم كمذهبنا سواء بسواء؛ ونصه: ويقضي أول صلاته في حق قراءة وآخرها في حق تشهد، فمدرك ركعة من غير فجر يأتي بركعتين بفاتحة وسورة وتشهد بينهما اهـ بحروفه.

قوله: [فيشمل التسميع] إلخ: أي لأن لها حكم الأفعال التي يكون فيها بانياً.

قوله: [يقنت في ركعة القضاء]: تبع فيه الأجهوري والجزولي وابن عمر والذي في العتبية -واقتصر عليه في التوضيح- أن مدرك ثانية الصبح لا يقنت إذا قام لقضاء الأولى التي فاتته، وأن المراد بالقول الذي يقضي القراءة والقنوت كما ذكره (بن).

قوله: [فإنه يحرم ويركع دون الصف]: إنما أمر بذلك لأن المحافظة على الركعة والصف معاً خير من المحافظة على أحدهما فقط.

قوله: [تمادى إليه]: أي ندباً، وقوله "ولا يحرم دونه" إلخ هو قول مالك، وقال ابن القاسم في المدونة: يركع دون الصف ويدرك الركعة، فرأي المحافظة على الركعة أولى من المحافظة على الصف عكس ما قاله مالك، ولكن رجح ابن رشد قول مالك فلذا اقتصر عليه المؤلف.

قوله: [إلا أن تكون الركعة] إلخ: هذا القيد ذكره اللخمي والتونسي قال الحطاب وهو تقييد حسن.

قوله: [لآخر فرجة]: أي بالنسبة لجهة الداخل، وإن كانت أولى بالنسبة لجهة الإمام.

قوله: [لا بعده]: كذا قيل. قال المسناوي وهو في غاية البعد أو فاسد؛ لأن الخبب إنما كره - كما لابن رشد - لئلا تذهب سكينته، وإذا كان الخبب يكره خارج

ص: 165

لا في رفعه من ركوعه لقصره وهذا حيث خاب ظنه- إذ لا يرفع دون الصف إلا إذ ظن إدراك الصف قبل الرفع كما تقدم - (لا) يدب للصف (جالساً)[ولو في تشهد جالساً][1][(أو ساجداً)][2] لقبح الحالة. ومن وجد الإمام راكعاً أو رافعاً من ركوعه فأحرم وركع، فإن تحقق الإدراك بأن انحنى قبل اعتدال الإمام من الركوع - ولو حال رفعه - فالأمر واضح. وإن تحقق عدم الإدراك بأن اعتدل الإمام قبل أخذه في الانحناء، فهذا لا يجوز له الركوع، بل الواجب عليه أن يتبعه في السجود. فإن ركع وجب عليه أن لا يرفع منه. فإن رفع منه بطلت للزيادة في الصلاة إلا أن يقع منه ذلك سهواً.

(وإن شك في الإدراك): هل ركع قبل اعتدال الإمام أو بعده - والمراد بالشك مطلق التردد الشامل للظن والوهم - (ألغاها) أي الركعة (وقضاها بعد سلامه) أي سلام إمامه، وهذا ظاهر. وإنما الكلام في الرفع من هذا الركوع؛ فهل يطلب منه وإن كانت الركعة لا يعتد بها؟ قالوا: نعم؛ فإن لم يرفع فالظاهر عدم البطلان. ومثل ذلك من أحرم مع الإمام قبل ركوعه ثم زوحم عن الركوع معه أو نعس أو نحو ذلك، فإن تحقق فوات الركعة فلا يركع، وإن ظن الإدراك ركع معه جزماً، ثم إن تحقق الإدراك فظاهر وإن تحقق عدمه لم يرفع منه، وإن شك في الإدراك ألغاها ورفع، كلامه هنا يشمل هذه.

وشبه في إلغاء الركعة قوله: (كأن أدركه) أي أدرك الإمام (في الركوع) وتحقق الإدراك فيه. (و) لكن (كبر للإحرام في) حال (انحطاطه) للركوع ولو ابتدأه من قيام؛ فتلغى تلك الركعة على أحد التأويلين. وأما لو كبر بعد الانحطاط فتلغى جزماً وقد تقدمت هذه المسألة، وذكرها هنا لمناسبة إلغاء الركعة عند شك الإدراك. ثم كان مقتضى الظاهر أن من كبر للإحرام حال الانحطاط أو بعده: إما بطلان الصلاة من أصلها لفقد ركن القيام لتكبيرة الإحرام، وإما صحتها مع صحة الركعة لعذره بالمسبوقية. وجعلهم التأويلين في خصوص الركعة مع صحة الصلاة مما لا وجه له، فتدبر. على أن بعضهم ذهب إلى هذا. انظر التوضيح.

ولما كان الاستخلاف من متعلقات الإمام أتبع الإمامة به فقال:

(فصل) في الاستخلاف

وهو استنابة الإمام غيره من المأمومين لتكميل الصلاة بهم لعذر قام به. وحكمه الندب في غير الجمعة والوجوب فيها.

وبدأ بحكمه وأسبابه المعبر عنها بالشروط بقوله: (ندب للإمام) الذي ثبتت إمامته بنية وإحرام واقتداء به (استخلاف غيره) من المأمومين، لا أجنبي، بشرط حصول عذر للإمام لا تبطل به صلاتهم.

والعذر إما خارج عن الصلاة أو متعلق بها. والمتعلق بها

ــ

الصلاة لأجل السكينة فكيف لا يكره في الصلاة التي فيها طلب الخضوع والتواضع؟ اهـ (بن)، ولذا قال شيخ المشايخ العدوي: والصواب أنه يدب من غير خبب لمنافاته الخشوع. فإن قلت: إذا كان لا يخب فيها فكيف يتأتى أنه إذا استمر بلا إحرام لا يدرك الركعة في الصف؟ فإذا أحرم خارج الصف ودب في ركوعه أدركها مع أن الزمن والفعل واحد. قلنا: إذا خشي الفوات عند عدم الهرولة يؤمر بالركوع خارج الصف، ويمشي بغير هرولة.

وإنما لم نقل يمشي قبل الدخول لئلا يتخلف ظنه فتفوته الركعة، بخلاف مشيه بعد الدخول فقد أدركها. فإن أدرك الصف أيضاً فذاك ولا ندب في أثنائها اهـ. بالمعنى من حاشية الأصل.

قوله: [لا في رفعه من ركوعه] إلخ: فلو دب في رفعه من ركوعه فقد فعل مكروها ولا تبطل.

قوله: [وهذا حيث خاب ظنه]: أي أنه أحرم خلف الصف طامعاً في إدراكه فمشى في حالة الركوع فرفع الإمام قبل أن يصل للصف، وتخلف ظنه فإنه يدب في حالة قيامه للركعة الثانية حتى يدرك الصف.

قوله: [لقبح الحالة]: انظر هل هو حرام أو مكروه، والظاهر الثاني وعلى كل حال فالظاهر عدم البطلان. اهـ. من حاشية الأصل.

قوله: [ولو حال رفعه]: أي فلا يشترط في إدراك الركعة إلا انحناء المأموم قبل استقلال الإمام ولو لم يطمئن إلا بعد استقلاله.

قوله: [فإن رفع منه بطلت] إلخ: ظاهره ولو لم يعتد بتلك الركعة، وتقدم أن المعتمد الصحة إن ألغاها لأنه لم يكن قضاء حقيقة في صلب الإمام حينئذ.

قوله: [إلا أن يقع منه ذلك سهواً]: أي فلا تبطل الصلاة باتفاق حيث لم يعتد بالركعة.

قوله: [والمراد بالشك مطلق التردد]: أي فتحت الشك صور ثلاث؛ وتقدم صورتان: تحقق الإدراك، وتحقق عدمه، فتكون الصور خمساً. قال المؤلف في تقريره: ولا التفات إلى تكثير الصور في هذا المقام ولا عبرة به، بل هو من التخليط على المتعلم وتعسير الفهم عليه وتشتيت ذهنه من غير فائدة ولا ثمرة اهـ.

قوله: [فهل يطلب منه]: أي والحالة هذه -أعني الصور الثلاث- وهي: ظن الإدراك، أو توهمه، أو الشك فيه.

قوله: [فالظاهر عدم البطلان]: تبع المؤلف ابن عبد السلام.

قوله: [وجعلهم التأويلين في خصوص الركعة] إلخ: تقدم له هذا البحث أيضاً في فرائض الصلاة، وتقدم لنا الجواب عنه؛ فانظره.

فصل في الاستخلاف

قوله: [وبدأ بحكمه]: أي بالنسبة لغير الجمعة. قوله: [بنية] إلخ: متعلق "بثبت": أي فتحقق الإمامة

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

ما بين المعكوفين زيادة من ط المعارف.

[2]

ما بين المعكوفين زيادة من «أقرب المسالك» ، وليست في ط الحلبية ولا في ط المعارف.

ص: 166

إما مانع من الإمامة دون الصلاة وإما مانع من الصلاة. وقد أشار للأول من هذه الأقسام الثلاثة بقوله:

(إن خشي) الإمام بتماديه (تلف مال) له بال ولو لغيره. والمراد تلفه على صاحبه ولو كان باقياً في نفسه كأن يخاف عليه من السرقة أو الغصب وسواء كان المال عيناً أو عرضاً أو حيواناً ناطقاً أو غيره.

(أو) خشي تلف (نفس) محترمة ولو كافرة.

وأشار للقسم الثاني بقوله:

(أو منع) بالبناء للمفعول ونائب الفاعل ضمير الإمام و (الإمامة) مفعوله الثاني (لعجز) عن ركن كالقيام أو الركوع (أو) لحصول (رعاف بناء و) إذا استخلف في هذا القسم (رجع مأموماً) إن أمكنه. ولا يجوز له قطع الصلاة في العجز وجاز في الرعاف إذا اتسع الوقت واحترز برعاف البناء عن رعاف القطع، فإنه من موانع الصلاة لا الإمامة.

وأشار للقسم الثالث بقوله:

(أو) منع الإمام (الصلاة) نفسها لبطلانها عليه دونهم (بسبق حدث): من بول أو ريح أو غيرهما وهو يصلي. والباء سببية فيستخلف لبطلانها عليه دونهم. (أو) بسبب (ذكره) أي الحدث فيها فيستخلف، إن لم يعمل بهم عملاً بعد السبق أو الذكر؛ وإلا كان متعمداً للحدث فتبطل على الجميع، ولا استخلاف. ومثل ذلك: ما لو قهقه غلبة أو نسياناً لا عمداً، أو رعف رعافاً تبطل به على المشهور، أو طرأ عليه شك هل دخل الصلاة بوضوء أو لا، أو تحقق الطهارة والحدث وشك في السابق منهما، لا إن شك هل انتقض وضوؤه فإنه يتمادى كما تقدم، ثم إن بان الطهر لم يعد، وإلا أعاد الإمام فقط، وكذا إن طرأ عليه فيها جنون أو إغماء أو موت إلا أن الاستخلاف يكون منهم.

(وإن) حصل السبب (بركوع أو سجود). ويرفع بلا تسميع في الأول وبلا تكبير في الثاني لئلا يقتدوا به ويرفعون برفع الخليفة (ولا تبطل) الصلاة عليهم (إن رفعوا برفعه قبله): أي قبل الاستخلاف، ولا بد من عود الخليفة (وعادوا معه): أي مع الخليفة ولو أخذوا فرضهم مع الأول. فإن لم يعودوا لم تبطل إن أخذوا فرضهم معه وإلا بطلت.

(وندب لهم) الاستخلاف (إن لم يستخلف) الإمام.

(و) ندب (استخلاف الأقرب) للإمام لأنه أدرى بأفعاله ولتيسر تقدمه فيقتدوا به.

(و) ندب (تقدمه) عليهم (إن قرب) كالصفين، فيتقدم على الحالة التي هو بها (وإن بجلوسه) أو سجوده أو ركوعه، بخلاف من رأى فرجة فإنه إنما يدب راكعاً أو قائماً لا جالساً أو ساجداً [1] كما تقدم.

(وإن تقدم غيره): أي غير من استخلفه الإمام وأتم بهم (صحت) صلاتهم (كأن أتموا أفذاذاً أو بعضهم) أفذاذاً والآخر بإمام (أو) أتموا (بإمامين) كل طائفة بإمام فتصح (إلا الجمعة)

ــ

متوقف على ما ذكر. فمن لم تتحقق إمامته بشيء من ذلك فلا استخلاف له. قوله: [وإما مانع من الصلاة]: أي من صحتها للإمام فقط، وأما مانع الصحة للإمام والمأموم معاً فلا يتأتى فيه استخلاف. قوله:[إن خشي الإمام] المراد به الظن أو الشك لا الوهم، فلا يستخلف الإمام لأجله خلافاً ل (عب). قوله:[محترمة]: أي معصومة بالنسبة له؛ كخوفه على صبي أو أعمى أن يقع في بئر أو نار فيهلك أو يحصل له شدة أذى.

قوله: [أو منع] إلخ: أي طرأ له العجز عن ذلك في بقية صلاته، وأما طريان عجزه عن السنة فليس من موجبات الاستخلاف.

قوله: [رعاف بناء]: أي فهو من أمثلة المانع للإمامة فقط، وجعله خليل من موانع الصلاة ولعله نظر إلى الحال قبل الغسل. وأما الجواب بأنه مانع الصلاة على أنه إمام فمشترك في جميع موانع الإمامة.

قوله: [وجاز في الرعاف] إلخ: أي لأن البناء مندوب عند اتساع الوقت كما تقدم.

قوله: [فإنه من موانع الصلاة]: أي فهو كسبق الحدث ونسيانه كما سيأتي؛ أي فإنه يستخلف وتبطل عليه دونهم كما في (بن)، خلافاً للأجهوري و (عب) حيث قالا بالبطلان على الجميع.

قوله: [أو تحقق الطهارة] إلخ: ما ذكره من أنه يستخلف في هذه الصورة تبع فيه (عب) ولكن تقدم لـ (عب) نفسه. وللمؤلف: أنه في هذه الصورة يتمادى في صلاته، ثم إذا بان الطهر لم يعد فانظره.

قوله: [وإن حصل السبب]: أي الذي هو خشية تلف المال وما ذكره بعده.

قوله: [ولا تبطل الصلاة] إلخ: أي على الأصح، ومقابله -وهو البطلان- مخرج لابن بشير. على أن الحركة للركن مقصودة ومحل عدم البطلان ما لم يرفعوا به عالمين بحدثه، وإلا بطلت صلاتهم، كما يقتضيه كلام عبد الحق وغيره. والحاصل أن محل عدم البطلان على الأصح حيث رفعوا برفعه جهلاً أو غلطاً فإن رفعوا برفعه عمداً مع علمهم بحدثه فالبطلان بلا خلاف كما في (بن).اهـ. من حاشية الأصل.

قوله: [لم تبطل إن أخذوا فرضهم]: هذا قول ابن رشد ونقل اللخمي عن ابن المواز البطلان.

قوله: [وإلا بطلت]: أي قولاً واحداً إن كان تركهم العود عمداً وإن كان الترك لعذر وفات التدارك بطلت تلك الركعة فقط.

قوله: [وندب لهم الاستخلاف]: أي ولهم أن يصلوا أفذاذاً وليس مقابله أن لهم الانتظار حتى يرجع إليهم، لأن صلاتهم تبطل حينئذ كما هو مبنى اعتراض ابن غازي. فإن عملوا عملاً ثم استخلفوا بطلت كما حكى (ح) تخريج بعض له على امتناع الإتباع بعد القطع في النحو. قاله في المجموع.

قوله: [وندب استخلاف الأقرب]: أي بأن يكون ذلك الخليفة في الصف الذي يليه، فإن استخلف غيره خالف الأولى.

قوله: [بخلاف من رأى فرجة] إلخ: والفرق أن ما هنا أهم لتعلق إصلاح صلاة المأمومين به.

قوله: [كأن أتموا أفذاذاً]:

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

قوله: (أو ساجداً) ليس في ط المعارف.

ص: 167

فلا تصح أفذاذاً، وتصح للبعض الذي له إمام إن كمل العدد وتوفرت فيه شروط الصحة.

(وقرأ) الخليفة (من انتهاء) قراءة الإمام (الأول إن علم) الانتهاء في فاتحة أو غيرها (وإلا) يعلم (ابتدأ) القراءة من أول الفاتحة وجوباً.

(وصحته): أي شرط صحة الاستخلاف: (بإدراك جزء): أي بإدراك الخليفة مع الإمام الأصلي قبل العذر جزءاً (يعتد به من الركعة) المستخلف هو فيها (قبل عقد الركوع) - متعلق بإدراك - وعقده باعتدال الإمام منه؛ وهذا صادق بدخوله مع الإمام بعد تكبيرة الإحرام وقبل القراءة، أو حال القراءة أو حال الركوع أو حال الرفع منه قبل الاعتدال. فإذا حصل للإمام عذر صح استخلاف من أدركه في ذلك، وسواء حصل له العذر قبل الركوع أو فيه أو بعده في سجوده أو قبله أو بعده إلى آخر صلاته، لأنه في هذه الأحوال صدق عليه أنه أدرك قبل العذر جزءاً يعتد به. ومثله من أدرك الإمام في الركعة الثانية أو الثالثة أو الرابعة حال قيامه للقراءة فيها، أو قبل عقد ركوعها. واحترز بقوله:"يعتد به" عمن أدرك ما قبل الركوع من الركعة الأولى أو غيرها وفاته الركوع لعذر من ازدحام أو نعاس أو نحو ذلك، فهذه الركعة وجميع أجزائها لا يعتد بها بالنسبة له فلا يصح استخلافه، وكذا من أدرك الإمام بعد الرفع من الركوع بأن أدركه في السجود أو الرفع منه أو الجلوس لتشهد، فحصل للإمام عذر في تلك الحالة أو بعدها قبل قيامه للتي تليها فلا يصح استخلافه، لأن ما أدركه لا يعتد به؛ وإنما يفعله موافقة للإمام. نعم إن قام الإمام لقراءة التي تليها وقام معه هذا المسبوق صح استخلافه، لأنه بقيامه معه أدرك جزءاً يعتد به من تلك الركعة.

(وإن جاء) وأحرم (بعد العذر فكأجنبي) الكاف زائدة أي فهو أجنبي من الجماعة إذ لم يدرك مع الإمام جزءاً ألبتة، فلا يصح استخلافه اتفاقاً لأنه ليس منهم، وتبطل صلاة من ائتم به منهم. وأما صلاته هو (فإن صلى لنفسه) صلاة منفردة -بأن ابتدأ القراءة ولم يبن على صلاة الإمام- صحت، (أو بنى) على صلاة الإمام ظناً منه صحة استخلافه (بالأولى) أي بالركعة الأولى

ــ

أي ولو تركوا الخليفة الذي استخلفه عليهم، وظاهره الصحة ولو كانوا وتركوا الفاتحة مع الإمام الأول وهو كذلك لأنهم تركوها بوجه جائز، وإنما صحت لهم إن أتموا أفذاذاً وتركوا الخليفة، لأنه لم يثبت له رتبة الإمامة كالأصلي إلا إذا عملوا معه عملاً.

قوله: [فلا تصح أفذاذاً] إلخ: أي لفقد شرطها الذي هو الجماعة والإمام، وظاهره عدم الصحة ولو حصل العذر بعد ركعة وهو المشهور. وليسوا كالمسبوق الذي أدرك ركعة من الجمعة؛ لأنه يقضي ركعة تقدمت بشرطها بخلافهم؛ فإن الركعة المأتي بها بناء، ولا يصح صلاة شيء من الجمعة مما هو بناء فذاً. ومقابل المشهور: أنها تصح للمؤتمين وحداناً إذا حصل العذر بعد ركعة، لأن من أدرك ركعة فقد أدرك الصلاة. اهـ. من حاشية الأصل. ويرد على قوله:"ولا يصح صلاة شيء من الجمعة مما هو بناء، فذاً" بناء الراعف في الجمعة حيث أدرك الركعة الأولى وفاتته الثانية وهو يغسل الدم؛ فإنه يأتي بها فذاً وهي بناء لا غير. فتأمل.

قوله: [إن كمل العدد]: أي وتصح لمن قدمه الإمام إن كمل معه العدد وإن لم يقدم واحداً منهما صحت للسابق إن كمل معه العدد، وإن تساويا بطلت عليهما، فتأمل.

قوله: [إن علم] إلخ. ولا فرق بين كون الصلاة جهرية أو سرية.

قوله: [من الركعة المستخلف هو فيها] إلخ: حاصله أنه متى حصل العذر قبل تمام الرفع من الركوع كان له استخلاف من دخل معه قبل العذر بكثير أو بقليل. وأما لو حصل للإمام العذر بعد تمام الرفع فليس له أن يستخلف إلا من أدرك معه ركوع تلك الركعة بأن انحنى معه قبل حصول العذر. وأما إذا لم يدرك معه ذلك فلا يصح استخلافه في تلك الركعة؛ كما لو دخل معه بعد تمام الرفع ثم حصل له العذر قبل القيام للركعة التي تليها. والشارح في هذا المقام لا يحتاج إلى إيضاح.

قوله: [فإن صلى لنفسه] إلخ: قال في التوضيح: لا إشكال أن صلاته صحيحة. قال (ح): والذي يظهر أنه يدخل الخلاف في صلاته لأنه أحرم خلف شخص يظنه في الصلاة فتبين أنه في غير الصلاة. وقد ذكر في النوادر ما نصه، ومن كتاب ابن سحنون ما نصه:" ولو أحرم قوم قبل إمامهم ثم أحدث هو قبل أن يحرم فتقدم أحدهم وصلى بأصحابه فصلاتهم فاسدة، وكذلك إن صلوا فرادى حتى يجددوا إحراماً".اهـ. ويفهم من قول (ح): "لأنه أحرم" إلخ: أنه لو أحرم خلفه وهو عالم بعذره لبطلت صلاته لتلاعبه اهـ. (بن) من حاشية الأصل).

قوله: [ولم يبن على صلاة الإمام]: أي لكونه لم يقبل الاستخلاف بل صلى ناوياً الفذية.

قوله: [أو بنى على صلاة الإمام] إلخ: أي حالة كونه ناوياً الإمامة والمراد ببنائه على صلاة الإمام: بناؤه على ما فعله الإمام من الصلاة، بحيث لو وجد الإمام قرأ بعض الفاتحة كملها ولم يبتدئها، ولو وجد الإمام قرأ الفاتحة ابتدأ بالسورة ولم يقرأ الفاتحة، أو وجده بعد القراءة وحصل له العذر ودخل معه فيركع ويدع القراءة، وإنما صحت صلاته في هذه الحالة مع أنه أجنبي من الإمام وقد خلت ركعة من صلاته من الفاتحة بناء على أن الفاتحة واجبة في الجل؛ فإن كان في الرباعية أو الثلاثية فالأمر ظاهر،

ص: 168

مطلقاً (أو بالثالثة من رباعية) فقط واقتصر على الفاتحة كالإمام (صحت) صلاته، لأنه لا مخالفة بينه وبين المنفرد لجلوسه في محل الجلوس وقيامه في محل القيام -وإن لزم عليه ترك السورة في أولييه وجهره في أخرييه إذا كانت عشاء مع زيادة السورة- لكنه إنما يتمشى على أن تارك السنة عمداً أو جهلاً لا تبطل صلاته، فلعلهم سامحوه هنا للعذر في الجهل، أو بنوا هذا الفرع المشهور على غير المشهور، (وإلا) يبن [1] بالأولى ولا الثالثة من رباعية بأن بنى بالثانية أو الرابعة أو الثالثة من ثلاثية (فلا) تصح. ولا يخفى عليك زيادة القيود التي زدناها وسوق الكلام على أتم نظام.

(وجلس المسبوق) من المأمومين ولا يقوم لقضاء ما فاته (لسلامه): أي إلى سلام الخليفة المسبوق أيضاً، فإذا سلم قام لقضاء ما عليه وفي تقديمنا الفاعل وتأخير "لسلامه" إشارة إلى أن الخليفة مسبوق أيضاً بملاحظة الاستخدام؛ فالضمير عائد على المسبوق بمعنى آخر بخلاف صنيعه، والمعنى أن الخليفة إذا كان مسبوقاً -كأن أدرك الرابعة مع الإمام فاستخلفه لعذر- وكان في المأمومين مسبوق أيضاً، فإذا أتم الخليفة صلاة الإمام -بأن كمل لهم الرابعة وجلس للتشهد وتشهد- أشار لهم جميعاً بأن يجلسوا، وقام لقضاء ما عليه قاضياً للقول بانياً للفعل على ما تقدم. فيأتي بركعة بأم القرآن وسورة ويجلس لأنها ثانيته، ثم بركعة بأم القرآن وسورة ولا يجلس لأنها ثالثة، ثم بركعة بأم القرآن فقط فإذا تشهد وسلم سلم معه من لم يكن مسبوقاً بركعة وقام لقضاء ما عليه من كان مسبوقاً [2] أو أكثر، فإن لم يجلس وقام لقضاء ما عليه بطلت ولو لم يسلم إلا بسلامه. وشبه في الجلوس لسلام الخليفة قوله:(كأن استخلف) إمام (مسافر) خلفه مسافرون ومقيمون رجلاً (مقيماً) ممن خلفه فإذا أتم بهم صلاة المسافر أشار لهم بالجلوس حتى يأتي ببقية صلاته، فإذا سلم سلم معه المسافر وقام المقيم لبقية صلاته، هذا هو الراجح وما مشى عليه الشيخ من أن المسافر يسلم إذا قام الخليفة لبقاء ما عليه، ويقوم المقيم للقضاء ضعيف. (أو سبق هو): أي الخليفة وحده فإنهم ينتظرونه ليسلموا بسلامه وإلا بطلت عليهم.

فصل: في بيان قصر صلاة المسافر [3] والأحكام المتعلقة بها

(سن) سنة مؤكدة (لمسافر سفراً

ــ

وإن كانت الصلاة ثنائية فقال الشيخ أحمد: لا يصح البناء لأنه لا جل لها، فيحمل قوله:"أو بنى بالأولى" على ما عدا الثنائية، وقيل بالصحة بناء على أن الفاتحة واجبة في ركعة، وعلى هذا يتمشى قول الشارح أو بنى بالأولى مطلقاً.

قوله: [مطلقاً]: أي كانت الصلاة ثنائية أو ثلاثية أو رباعية.

قوله: [واقتصر على الفاتحة]: أي أو على بعضها أو تركها لقراءة الإمام لها كما علمت.

قوله: [ترك السورة] إلخ: بل ولو ترك بعض الفاتحة أو كلها كما تقدم.

قوله: [مع زيادة السورة]: أي عند قيامه لقضاء ما عليه.

قوله: [فلعلهم سامحوه] إلخ: أي كما سامحوه في ترك الفاتحة كلاً أو بعضاً بناء على وجوبها في الجل أو الأقل كما تقدم.

قوله: [على غير المشهور]: فيه نظر بل بنوه في ترك السورة على مشهور لما تقدم أن تارك السنة المتفق على سنيتها عمداً أو جهلاً يستغفر الله ولا شيء عليه على المشهور، فلا يظهر بناؤه على غير المشهور إلا بالنسبة لترك الفاتحة كلاً أو بعضاً تأمل.

قوله: [فلا تصح]: أي لاختلاف نظامها لجلوسه في غير محل الجلوس وقيامه في غير محل القيام. قوله: [ولا يخفى عليك]: أي ففي كلام خليل إجمال وتقديم وتأخير وحذف، ومصنفنا سالم من ذلك كله.

قوله: [بمعنى آخر]: أي وهو الخليفة.

قوله: [فإن لم يجلس وقام] إلخ: هذا مفهوم قوله: "جلس" ومقابله ما للخمي من أنه يخير المسبوق بين أن يقوم لقضاء ما عليه وحده إذا قام الخليفة للقضاء قياساً على الطائفة الأولى في صلاة الخوف، أو يستخلف من يصلي به إماماً ويسلم معه؛ لأن كليهما قاض والسلامان واحد، أو ينتظر فراغ إمامه من قضائه ثم يقضي منفرداً. اهـ. من الحاشية.

قوله: [ضعيف]: أي لأنه قول ابن كنانة. وما مشى عليه مصنفنا قول ابن القاسم وسحنون والمصريين قاطبة. اهـ. من حاشية الأصل.

قوله: [وإلا بطلت عليهم]: أي لأن السلام من بقية صلاة الأول. وقد حل هذا الخليفة محله فيه، فلا يخرج القوم من إمامته لغير معنى يقتضيه، وانتظار القوم لفراغه من القضاء أخف من الخروج من إمامته. وقيل: إن ذلك الخليفة يستخلف لهم من يسلم بهم قبل أن يقوم لقضاء ما عليه.

خاتمة: إن جهل الخليفة المسبوق ما صلى الأول أشار لهم فأفهموه بالإشارة، أو الكلام إن لم يفهم بالإشارة. وإن قال للخليفة: أسقطت ركوعاً مثلاً، عمل عليه إن لم يعلم خلافه.

فصل في بيان قصر صلاة المسافر

قوله: [سنة مؤكدة]: هذا هو الراجح قال عياض في الإكمال: كونه سنة هو المشهور من مذهب مالك وأكثر أصحابه وأكثر العلماء من السلف والخلف اهـ. وقيل إن القصر فرض وقيل مستحب وقيل مباح. وعلى السنية ففي آكديتها على سنية الجماعة وعكسه قولا ابن رشد واللخمي. وتظهر فائدة الخلاف فيما إذا تعارضا كما إذا لم يجد المسافر أحداً يأتم به إلا مقيماً؛ فلا يأتم به على الأول ويأتم به من غير كراهة على الثاني.

قوله: [لمسافر]: أي ولو كان سفره على خلاف

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

في ط المعارف: (يبني).

[2]

قوله: (وقام لقضاء ما عليه من كان مسبوقاً) ليس في ط المعارف.

[3]

قوله: (بيان قصر صلاة المسافر) في ط المعارف: (قصر الصلاة وجمعها).

ص: 169

جائزاً) أي مأذوناً فيه فيشمل، الواجب والمندوب والمباح (أربعة برد) متعلق بمسافر، برد بضم الموحدة والراء: جمع بريد بفتح الموحدة، والبريد أربعة فراسخ ثلاثة أميال، فمسافة القصر ستة عشر فرسخاً ثمانية وأربعون ميلاً، والميل ثلاثة آلاف ذراع وخمسمائة على الصحيح، وقيل ألفا ذراع وهي باعتبار الزمن مرحلتان أي سير يومين معتدلين أو يوم وليلة بسير الإبل المثقلة بالأحمال على المعتاد من سير وحط وترحال وأكل وشرب وصلاة معتبرة (ذهاباً) بفتح الذال المعجمة (ولو ببحر) كلها أو بعضها، تقدمت مسافة البحر أو تأخرت (أو) كان المسافر (نوتياً بأهله) ولا تمنعه صحة [1] أهله عن القصر.

(قصر) صلاة (رباعية) نائب فاعل سن لا ثنائية وثلاثية (سافر بوقتها) ولو الضروري، لا إن خرج وقتها الضروري فلا تقصر ولو قضاها في سفره (أو فاتته) عطف على سافر أي أو رباعية فاتته (فيه) أي في سفره فتقصر، ولو صلاها بحضر أو عطف على محذوف أي أداها في سفره أو فاتته فيه.

ومحل القصر (إن عدا): أي جاوز المسافر (البلدي) أي من سكنه ببلد (البساتين) لتلك البلد (المسكونة [2]) بالأهل، ولو في بعض الأحيان كأيام الثمار، بخلاف غير المسكون ولو كان به الحراس فلا يشترط تعديته كالمزارع، بل يقتصر بمجرد تعدي البيوت كالخالية عن البساتين (ولو بقرية جمعة) والقول بأنه فيها لا بد من مجاوزة ثلاثة أميال ضعيف، (و) إن عدا (العمودي حلته) أي بيوت حلته، ولو تفرقت حيث جمعها اسم الحي والدار، أو الدار فقط؛ بأن يتوقف رحيلهم ونزولهم على بعضهم -ولو كانوا من قبيلتين أو أكثر لا إن لم يتوقف ولو كانوا من قبيلة واحدة. (و) إن (انفصل غيرهما): أي غير البلدي والعمودي عن مكانه،

ــ

العادة بأن كان بطيران أو خطوة.

قوله: [جائزاً]: خرج غير الجائز كالمسافر لقطع الطريق والعاق والآبق؛ فلا يجوز له القصر. وإن قصر فقولان: بالحرمة، والكراهة، والراجح الحرمة مع الصحة. وخرج المكروه أيضاً؛ كالسفر للهو فيكره القصر، والصلاة صحيحة على كل حال ولا إعادة في وقت ولا غيره وسيأتي للمصنف.

قوله: [أي سير يومين معتدلين] إلخ: فالمراد أنها أربعة وعشرون ساعة، فلا فرق بين عبارة يومين معتدلين ويوم وليلة، قال في المجموع: ولا معنى لما في الحاشية عن كبير الخرشي: هل مبدأ اليوم الشمس أو الفجر؟ فإن معنى يوم وليلة واجبة أربعة وعشرون ساعة فما خرج عن اليوم دخل في الليل. اهـ.

قوله: [ولو ببحر]: أشار بهذا إلى أن العبرة في التحديد بالمسافة خلافاً لمن قال: العبرة في البحر بالزمان مطلقاً، ولمن قال: العبرة فيه بالزمان إن سافر فيه لا بجانب البر وإن سافر فيه بجانبه فالعبرة بالأربعة برد. وأما أصل القصر في البحر فلا خلاف فيه.

قوله: [كلها أو بعضها] إلخ: هذا التعميم قول عبد الملك واعتمده المؤلف، وقال في تقريره: وهو الذي أدين الله به ومقابله قول ابن المواز - وحل به في الأصل - فقال: ولو كان سفرها ببحر أي جميعها أو بعضها سواء تقدمت مسافة البحر أو تأخرت حيث كان السير فيه بالمجاذيف أو بها وبالريح، كأن كان بالريح فقط وتأخرت مسافة البر وتقدمت، وكانت قدر المسافة الشرعية وإلا فلا يقصر حتى ينزل البحر ويسير بالريح. اهـ. وفي المجموع ما يوافق هذا.

قوله [نوتياً بأهله]: أي خلافاً للإمام أحمد. فأولى في قصر الصلاة غير النوتي إذا سافر بأهله والنوتي إذا سافر بغير أهله، فالمصنف نص على المتوهم.

قوله: [سافر بوقتها]: أي وقتها الحاضر.

قوله: [البلدي] إلخ: اعلم أن شرط تعدية البلدي البساتين المذكورة إذا سافر من ناحيتها أو من غير ناحيتها وكان محاذياً لها، وإلا فيقصر بمجرد مجاوزة البيوت كذا في (عب). وفي (بن) أنه لا يشترط مجاوزتها إلا إذا سافر من ناحيتها، فإن سافر من غير ناحيتها فلا يشترط مجاوزتها ولو كان محاذياً لها.

قوله: [ولو بقرية جمعة] إلخ: الحاصل أن المعول عليه إنما هو مجاوزة البساتين المسكونة لا فرق في ذلك بين قرية الجمعة وغيرها، وروى مطرف وابن الماجشون عن مالك: إن كانت قرية جمعة فلا يقصر المسافر منها حتى يجاوز بيوتها بثلاثة أميال من السور إن كان للبلد سور، وإلا فمن آخر بنيانها إن لم تكن قرية جمعة فيكفي مجاوزة البساتين فقط. وقد علمت ضعف هذا التفصيل.

قوله: [وإن عدا العمودي] إلخ: هو ساكن البادية، والحلة بكسر الحاء: أي محلته، وهي منزلة قومه. فالحلة والمنزل بمعنى واحد.

قوله: [حيث جمعهما اسم الحي والدار] إلخ: المراد بالحي: القبيلة. والمراد بالدار: المنزل الذي ينزلون فيه. وحاصله أنه إذا جمعهم اسم الحي والدار، أو الدار فقط فإنه لا يقصر في هاتين الحالتين إلا إذا جاوز جميع البيوت لأنها بمنزلة الفضاء والرحاب المجاور للأبنية. فكما أنه لا بد من مجاوزة الفضاء، لا بد من مجاوزة جميع البيوت. وأما لو جمعهم اسم الحي فقط دون الدار - بأن كانت كل فرقة في دار - فإنها تعتبر كل دار على حدة حيث كان لا يرتفق بعضهم ببعض. وإلا، فهم كأهل الدار الواحدة. وكذا إذا لم يجمعهم اسم الحي والدار فإنه يقصر إذا جاوز بيوت حلته هو.

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

في ط المعارف: (صحبة)، ولعلها الصواب.

[2]

قوله: (لتلك البلد المسكونة) في ط المعارف: (لهذا البلد المسكون).

ص: 170

كساكن بجبل أو بقرية صغيرة لا بساتين لها. وينتهي القصر (إلى) مثل (محل البدء) في ذهابه أو إليه نفسه في عوده، فيتم بوصوله إلى البساتين المسكونة، أو إلى البيوت فيما لا بساتين لها (لا) إن سافر (أقل) من أربعة برد فلا يقصر. (وبطلت) إن قصر (في) مسافة (ثلاثة برد) أو أقل (لا أكثر) منها فلا تبطل بقصرها، وذلك من سبعة وثلاثين ميلاً إلى سبعة وأربعين، (وإن منع) القصر في ذلك؛ إذ لا يلزم من المنع البطلان (كالعاصي بسفره) فإنه يحرم عليه القصر، ولكنه إن قصر لم تبطل وأما العاصي في سفره فإنه يسن له القصر قطعاً. والفرق بينهما أن العاصي به نفس سفره معصية، كآبق ومسافر لقطع طريق أو لسرقة أو غصب، والعاصي فيه سفره جائز في نفسه، لكن قد يقع منه فيه المعصية [1] كشرب أو زنا أو سرقة أو غصب. (وكره) القصر (للاهٍ به): أي بالسفر وتصح بالأولى مما قبله وقيل: لا يجوز أيضاً. (ولا يقصر راجع) من سفر لمحل إقامته الذي خرج منه إذا رجع (لدونها) أي دون مسافة القصر، لأن الرجوع يعتبر سفراً مستقلاً. هذا إن رجع تاركاً للسفر، بل (ولو) رجع (لشيء نسيه، إلا أن يخرج رافضاً سكناها) بأن كانت نيته عدم العود إليها باستيطان غيرها (ولم ينو برجوعه الإقامة) القاطعة لحكم السفر، بل لشيء [2] طرأ له ويرجع لسفره فيقصر في رجوعه. لأن رجوعه حينئذ لا يقطع حكم سفره، فقوله إلا إن إلخ قيد لما بعد المبالغة. وحاصله أن من رجع لدون المسافة لا يقصر ولو رجع لحاجة ما لم يكن خروجه من تلك [3] البلد بنية رفض سكناها [4]، ورجوعه لها [5] إنما هو لمجرد قضاء حاجة منها [6] بلا نية إقامة أربعة أيام وإلا فيقصر.

(ولا) يقصر (عادل عن) طريق (قصير) دون مسافة القصر إلى السفر في طريق طويل فيه مسافة القصر (بلا عذر) يقتضي العدول إليه، فإن قصر فصحيحة لأن غايته أنه لاهٍ بسفره، والمراد بالعذر مطلق سبب، فإن عدم ولو لأمر مباح قصر قطعاً. (ولا) يقصر (كهائم) الكاف بمعنى مثل والهائم: السائح في الأرض، ولا يقصد إقامة بمحل مخصوص وأدخلت الكاف الراعي يطلب الرعي بمواشيه حيث وجد الكلأ، وطالب ضالة أو آبق متى وجدها رجع (إلا أن يعلم) الهائم ونحوه (قطع المسافة) الشرعية (قبل مرامه): أي مقصده وقد عزم على قطعها حين خروجه فيقصر.

(ولا) يقصر (منفصل) عن البلد أو البساتين المسكونة (ينتظر رفقة) يسافر معهم (إلا أن يجزم بالسير دونها) أي الرفقة؛ أي أنه يسير قبل أربعة أيام ولو لم تجئ (أو) أنه لا يسافر إلا معها وجزم (بمجيئها) والسفر معها (قبل أربعة أيام) فإن جزم بما ذكر قصر في محل الانتظار.

(ولا) يقصر مسافر (ناو إقامة بمكان) في طريقه على دون مسافة القصر (تقطعه) صفة لإقامة: أي إقامة قاطعة للقصر -بأن كانت أربعة أيام فأكثر- كأن يسافر على محل مسافة أربعة برد فأكثر ثم نوى حين خروجه أي [7] يقيم بمكان على بريدين مثلا أربعة أيام أو أكثر فلا يقصر فيما دون ذلك المكان، (أو) ناو (دخول وطنه) الكائن في أثناء المسافة، (أو) ناو دخول (محل زوجة دخل بها) في ذلك المحل الكائن في أثناء المسافة -لا إن لم يدخل بها فيقصر- ولو كان به أقاربه كولد أو والد حتى ينوي إقامة أربعة أيام، (وهو) أي ما ذكر من المكان أو الوطن أو محل الزوجة. والواو للحال: أي والحال أن ما ذكر (دون المسافة) الشرعية. مثاله: مقيم بمكة أراد السفر إلى المدينة ونوى

ــ

قوله: [كساكن بجبل] إلخ: أي فإنه يقصر إذا جاوز محله، وساكن القرية التي لا بساتين بها مسكونة فإنه يقصر إذا جاوز بيوت القرية والأبنية الخراب التي في طرفها. وكذلك ساكن البساتين يقصر بمجرد انفصاله عن مسكنه سواء كانت تلك البساتين متصلة بالبلد أو منفصلة عنه. كذا في حاشية الأصل.

قوله: [فلا يقصر]: أي يحرم. وليس المراد ما يعطيه لفظه وهو نفي السنية.

قوله: [بطلت إن قصر] إلخ: اعلم أن القصر فيما دون أربعة برد ممنوع اتفاقاً، والنزاع إنما هو فيما بعد الوقوع قال الأجهوري:

من يقصر الصلاة في أميال

بعد له تبطل بلا إشكال

وقصرها بعد ميم لا ضرر

وفيما بين ذا وذا الخلف اشتهر

فقيل لا يعيدها أصلاً وقيل

يعيدها في الوقت فافهم يا نبيل

فمقتضى كلام الأجهوري صحتها في السادس والثلاثين، وكلام شارحنا يقتضي البطلان وهو الذي عول عليه في تقريره.

قوله: [لدونها]: مفهومه أنه إذا رجع بعدها قصر في رجوعه، كما يرشد التعليل.

قوله: [لشيء نسيه]: قال (ر) إذا رجع للبلد الذي سافر منه. وأما لو رجع لغيره لشيء نسيه لقصر في رجوعه قاله ابن عبد السلام. اهـ. (بن) من حاشية الأصل. ورد بالمبالغة على ابن الماجشون القائل: إذا رجع لشيء نسيه فإنه يقصر، لأنه لم يرفض سفره. ومحل الخلاف إذا لم يدخل بعد رجوعه وطنه الذي نوى الإقامة فيه على التأبيد، فإن دخله فلا خلاف في إتمامه.

قوله: [عن طريق قصير]: مقتضى ما ذكره (ح) من تعليلهم بأن ذلك مبني على عدم قصر اللاهي أنه إذا قصر لا يعيد وهو الظاهر، لأن العدول عن القصير للطويل غير محرم. وفي التوضيح: هذا مبني على أن اللاهي بصيده وشبهة لا يقصر فلا شك في قصر هذا. .اهـ. من حاشية الأصل.

قوله: [قصر قطعاً]: أي من غير نهي.

قوله: [ولا يقصر منفصل] إلخ: حاصله أنه إذا خرج من البلد عازماً على السفر ثم أقام قبل مسافته ينتظر

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

في ط المعارف: (معصية).

[2]

في ط المعارف: (شيء).

[3]

في ط المعارف: (هذا).

[4]

في ط المعارف: (سكناه).

[5]

في ط المعارف: (له).

[6]

في ط المعارف: (منه).

[7]

في ط المعارف: (أن)، ولعلها الصواب.

ص: 171

حين خروجه من مكة أن يقيم بالجعرانة أربعة أيام، أو كانت الجعرانة وطنه -أي محل زوجته المدخول بها- ونوى أن يدخلها ولو لم يقم بها ما ذكر؛ فإنه لا يقصر من مكة إلى الجعرانة لأنها دون المسافة. ثم إذا خرج إلى المدينة قصر، فإن كان سفره دون المدينة اعتبر الباقي، فإن كان مسافة قصر، قصر وإلا فلا.

ثم شرع يتكلم على من كان متلبساً بالقصر وطرأ عليه ما يقطعه بقوله:

(وقطعه) أي القصر التي [1] كان متلبساً به (دخوله) أي دخول وطنه المار عليه، أو دخول محل زوجته المدخول بها، حال كونه (بعدها): أي المسافة؛ أي مسافة القصر. فإن طرأت له نية دخوله في أثناء سفره استمر على القصر حتى يدخل بالفعل، ولو كان الباقي دون المسافة. وكذا إذا كان دونها حيث خرج من البلد التي [2] ابتدأ السفر منها [3] غير قاصد دخول ما ذكر فطرأ له الدخول، فإنه يتم من وقت نية الدخول في هذا الثاني، أو الدخول بالفعل إذا لم يطرأ له قصد الدخول.

(ثم) إذا شرع في بقية سفره (اعتبر ما بقي) فإن كان مسافة القصر قصر وإلا فلا. وهذا راجع لجميع ما تقدم.

(و) قطع القصر أيضاً (دخول بلده): التي [4] سافر منها [5] إن رجع اختياراً بل (وإن رد) إلى ما ذكره من الوطن وما بعده (غلبة بكريح) ردت السفينة التي هو بها، فهذه المبالغة ترجع لما قبل بلده أيضاً؛ وهو وطنه أو محل زوجته الكائن في أثناء المسافة. ولا يتكرر هذا مع قوله سابقاً:"ولا يقصر راجع" لأن الكلام هنا في كون الدخول في البلد يقطع حكم السفر. وهناك في كون الراجع لا يقصر في رجوعه إذا كانت مسافته دون مسافة القصر.

(و) قطعه (نية إقامة أربعة أيام صحاح): تستلزم عشرين صلاة وإلا فلا (أو العلم بها) أي بإقامة الأربعة الأيام في محل (عادة) بأن كانت عادة القافلة أن تقيم في ذلك المحل أربعة أيام فإنه يتم (لا الإقامة) المجردة عن كونها أربعة أيام، كالمقيم لحاجة متى قضيت سافر فإنها لا تقطع القصر (ولو طالت)، إلا إذا علم أنها لا تقضى إلا بعد الأربعة (وإن نواها): أي الأربعة أيام وهو (بصلاة) أي فيها (قطع) الصلاة (وشفع) ندباً (إن ركع): أي صلى ركعة بسجدتيها (ولم تجز حضرية) إن أتمها أربعاً لعدم دخوله عليها (ولا سفرية) لنية الإقامة فيها (و) إن نواها (بعدها): أي بعد الفراغ منها (أعاد بوقت) اختياري.

ــ

رفقة لاحقة له، فإن جزم أنه لا يسافر دونها ولم يعلم وقت مجيئها فإنه لا يقصر بل يتم مدة انتظاره. فإن نوى انتظارها أقل من أربعة أيام فإن لم تأت سافر دونها أو جزم بمجيئها قبل الأربعة أيام قصر مدة انتظاره لها.

قوله: [فإن كان سفره دون المدينة] إلخ: حاصله أن الأقسام أربعة:

الأول: أن يستقل ما قبل وطنه وما بعده بالمسافة وفي هذه يقصر قبل دخوله لوطنه وبعده.

الثاني: عكسه والمجموع فيه المسافة، وفي هذا إن نوى الدخول أتم قبل دخوله وطنه وبعده، وإن لم ينو دخوله قصر، وإن نوى دخوله بعد سيره شيئاً ففي قصره قولا سحنون وغيره. الثالث: أن يكون قبل وطنه أقل من المسافة وبعد مسافة مستقلة، فإن نوى الدخول فلا يقصر قبله وإن لم ينو الدخول قصر، وأما بعده فيقصر مطلقاً ولو نوى دخوله في أثناء سفره، فحكى في التوضيح في هذه قولين القصر لسحنون والإتمام لغيره. الرابع: أن يكون قبل وطنه مسافة مستقلة وبعده أقل منها فيقصر قبل وطنه مطلقاً نوى الدخول أم لا، وأما بعده فلا يقصر مطلقاً. اهـ. من حاشية الأصل. وما قيل في الوطن يقال في مكان الزوجة وفي مكان نوى إقامة أربعة أيام صحاح فيه، فتأمل.

قوله: [دخوله] إلخ: أي وأما مجرد المرور بالوطن أو مكان الزوجة فلا يقطع حكم السفر ولو حاذاه. ولذا قال في التوضيح: إنما يمنع المرور بشرط دخوله أو نية دخوله لا إن اجتاز، والمراد بمكان الزوجة: البلد الذي هي به لا خصوص المنزل الذي هي به، ولا يكون محل الزوجة قاطعاً إلا إذا كانت غير ناشزة، ففي المجموع أن الزوجة الناشزة لا عبرة بها مثل الزوجة أم الولد والسرية.

قوله: [استمر على القصر]: أي على قول سحنون.

قوله [بكريح]: ومثله دابة جمحت ولا يجد غيرها لا الغاصب إذ يمكن التخلص منه ولو بمال، فهو على نية سفره. كذا في المجموع.

قوله: [نية إقامة أربعة أيام] إلخ: الأولى نزول مكان نوى إقامة أربعة أيام صحاح فيه، وذلك لأن ظاهره أنه بمجرد النية المذكورة ينقطع حكم السفر ولو كان بين محلها. ومحل الإقامة المسافة وليس كذلك.

قوله: [تستلزم عشرين صلاة]: أي في مدة تلك الإقامة بأن دخل قبل فجر السبت ونوى الارتحال بعد عشاء يوم الثلاثاء، واعتبر سحنون العشرين فقط سواء كانت في أربعة أيام صحاح أو لا.

قوله: [والعلم بها] إلخ: أي وإن لم ينوها، كما يعلم من عادة الحاج أنه إذا دخل مكة يقيم فيها أكثر من أربعة أيام فيتم. ومحل قطع القصر بإقامة أربعة أيام صحاح في غير العسكر بدار الحرب وأما هو فيقصر ولو طالت إقامته. كما قال خليل: إلا العسكر بدار الحرب.

قوله: [وإن نواها]: أي الأربعة أيام، ومثل نية الإقامة المذكورة ما إذا أدخلته الريح في الصلاة التي أحرم بها سفرية، محلاً يقطع دخوله حكم السفر من وطنه، أو محل زوجة بنى بها.

قوله: [أعاد بوقت] إلخ: استشكل بأن الصلاة قد وقعت مستجمعة للشروط قبل نية

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

في ط المعارف: (الذي)، ولعلها الصواب.

[2]

في ط المعارف: (الذي).

[3]

في ط المعارف: (منه).

[4]

في ط المعارف: (الذي).

[5]

في ط المعارف: (منه).

ص: 172

(وكره اقتداء مقيم بمسافر): لمخالفة نية إمامه (كعكسه): أي اقتداء مسافر بمقيم. (وتأكد) الكره لمخالفة المسافر سنته من القصر. (وتبعه) المسافر في الإتمام وجوباً ولو نوى القصر.

(وأعاد بوقت) على المعتمد خلافاً لما مشى عليه من عدم الإعادة (كأن نوى) المسافر (الإتمام ولو سهواً) عن كونه مسافراً فإنه يندب له الإعادة في الوقت سفرية.

(وأتم) وجوباً بالدخول على الإتمام (فإن قصر) بعد نية الإتمام (عمداً أو تأويلاً بطلت و) إن قصر (سهواً فكأحكام السهو). فإن تذكر بالقرب أتم وسجد بعد سلامه، وإن طال أو خرج من المسجد بطلت.

(وإن نوى القصر فأتم عمداً بطلت عليه وعلى مأمومه) أتم معه أو لا، لأن كل صلاة بطلت على الإمام بطلت على المأموم إلا فيما استثني.

(و) إن أتم (سهواً أو تأويلاً) بأن يرى أن القصر لا يجوز أو أن الإتمام أفضل (أو جهلاً؛ ففي الوقت) الضروري يعيد، (وصحت لمأمومه) أيضاً (بلا إعادة) عليه (إن لم يتبعه) في الإتمام. بل جلس حتى سلم، فإن تبعه بطلت.

(و) إذا قام الإمام للإتمام سهواً أو جهلاً بعد نية القصر (سبح له) المأموم بأن يقول سبحان الله، فإن رجع سجد لسهوه، وإن لم يرجع فلا يتبعه بل يجلس حتى يسلم إمامه.

(وسلم المسافر بسلامه، وأتم غيره): أي غير المسافر صلاته (بعده): أي بعد سلامه، فإن سلم المسافر قبله أو أقام [1] غيره للإتمام قبله بطلت عليهم كما لو تبعوه في الإتمام عمداً لتعمدهم الزيادة دونه، ولم يجعلوا الجاهل هنا والمتأول [2] كالعامد في البطلان حيث نوى القصر وهو مشكل.

(وإن ظن) شخص (الإمام مسافراً) فاقتدى به (فظهر خلافه) وأنه مقيم (أعاد) المأموم صلاته (أبداً) لبطلانها (كعكسه)، بأن ظن أن إمامه مقيم، فإذا هو مسافر؛ فيعيد أبداً (إن كان) المأموم في المسألتين (مسافراً)؛ لأنه نوى القصر وإمامه نوى الإتمام في الأولى، وإن سلم من اثنتين فقد خالف إمامه نية وفعلاً، وإن أتم معه فقد خالف فعله نيته. وأما في الثانية فهو قد نوى الإتمام لظنه أن إمامه مقيم، والإمام قد نوى القصر لأنه مسافر؛ فإن قصر معه فقد خالف فعله نيته. وإن أتم بمقتضى نيته فقد خالف إمامه نية وفعلاً. واعترض باقتداء المقيم بمسافر؛

ــ

الإقامة. وحينئذ فلا وجه للإعادة. وقد يقال إن نية الإقامة على جري العادة لا بد لها من تردد قبلها في الإقامة وعدمها، فإذا جزم بالإقامة بعد الصلاة فكأنه متردد عند نية الصلاة السفرية، فاحتيط له بالإعادة في الوقت.

قوله: [وكره اقتداء مقيم] إلخ: أي إلا إذا كان ذلك المسافر ذا فضل أو سن كما في سماع ابن القاسم وأشهب، وذكر ابن رشد أنه المذهب ونقله (ح) على وجه يقتضي اعتماده، وذكر (ر) أن المعتمد إطلاق الكراهة. وبالجملة فكل من القولين قد رجح. كذا في حاشية الأصل.

قوله: [ولو نوى القصر]: استشكل إتمامه مع ما يأتي في قوله: "وإن نوى القصر فأتم عمداً بطلت"، ومع قوله:"وإن ظن الإمام مسافراً فظهر خلافه أعاد أبدا" إلخ، وأجاب (ر): بأن نية عدد الركعات ومخالفة فعله لتلك النية أصل مختلف فيه، فتارة يلغونه وتارة يعتبرونه. ففي كل موضع مر على قول، فمر هنا على اغتفار مخالفة الفعل للنية لأجل متابعة الإمام، وفيما يأتي مر على عدم اغتفار مخالفة النية؛ لأن عنده نوع تلاعب.

قوله: [وأعاد بوقت على المعتمد]: أي لكونه مذهب المدونة، وعدم الإعادة قول ابن رشد.

قوله: [ولو سهواً]: ما قبل المبالغات ثلاث صور: وهي نية الإتمام عمداً، أو جهلاً، أو تأويلاً.

والرابعة المبالغ عليها وقوله بعد ذلك: "وأتم": أي كما نوى. ففي الإتمام أربعة أيضاً مضروبة في أربعة، تكون الصور ست عشرة صورة. كما يؤخذ من الأصل: يندب له في جميعها الإعادة في الوقت؛ سفرية إن لم يحضر، وحضرية إن حضر. ومأمومه تبع له.

قوله: [فإن قصر بعد نية الإتمام] إلخ: في هذه المسألة ست عشرة صورة أيضاً لأن قوله بعد نية الإتمام صادق بأربع صور: العمد، والجهل، والتأويل، والسهو. وفي كل من الأربع: إما أن يقصر عمداً - ومثله الجهل - أو تأويلاً. فهذه ثلاثة في الأربعة أجاب عنها المصنف بقوله: "بطلت"، وبقي ما إذا قصر سهواً في الأربعة، أجاب عنها المصنف بقوله:"فكأحكام السهو" إلخ.

قوله: [وإن نوى القصر] إلخ: لا يتأتى هنا تعداد الصور في أصل النية لأنها الأصل. ففي هذا القسم أربع صور فقط أفادها المصنف بقوله: " فأتم عمداً بطلت عليه وعلى مأمومه، وسهواً أو تأويلاً أو جهلاً ففي الوقت" فجملة صور هذا المبحث ست وثلاثون صورة.

قوله: [بأن يرى أن القصر لا يجوز] إلخ: أراد مراعاة من يقول بذلك ولو خارج المذهب، ففي كتب الحديث بعض السلف كان يرى أن القصر مقيد بالخوف من الكفار كما في آية:{وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح} [النساء: 101] الآية وكانت عائشة لا تقصر.

قوله: [فإن تبعه بطلت]: أي حيث كان متيقناً انتفاء الموجب وإلا فيأمر بالاتباع لجريانها على مسألة قيام الإمام لزائدة قوله: [بل يجلس]: أي حيث كان متيقناً انتفاء الموجب

قوله: [وهو مشكل]: ولعله خفف الأمر في الجاهل والمتأول القول بعدم جواز القصر أو أن الإتمام أفضل.

قوله: [فظهر خلافه]: أي وأما إن لم يظهر خلافه بل وافق ظنه فالصلاة صحيحة، وإن لم يظهر شيء فباطلة أيضاً كما في النقل عن ابن رشد، فالمفهوم فيه تفصيل.

قوله: [نية وفعلاً]: أي لأن هذا الداخل نوى القصر وسلم من اثنتين والإمام نوى الإتمام وسلم من أربع.

قوله: [فقد خالف فعله نيته]: أي فهو كمن نوى القصر وأتم عمداً.

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

في ط المعارف: (قام).

[2]

في ط المعارف: (المتأول).

ص: 173

وفرق بأن المقيم دخل على مخالفة إمامه من أول الأمر فاغتفر، وهذا دخل على موافقته فأخطأ ظنه فلم يغتفر. ومفهوم "إن كان مسافراً" أنه لو كان مقيماً صحت فيهما، لكن يرد على الثانية أنه قد دخل على الموافقة لإمامه فتبين خطأ ظنه.

(وإن لم ينو) المسافر (قصراً ولا إتماماً) بأن نوى الظهر مثلاً من غير ملاحظة واحد منهما (ففي صحتها) وعدمها (قولان، وعلى الصحة فهل يلزمه الإتمام) لأنه الأصل (أو يخير) في الإتمام والقصر؟ لأن شأن المسافر القصر: (قولان ولا تجب) على المسافر (نية القصد [1] عند السفر) بل عند الصلاة، حتى إنه لو كان يتم إلى أن بقي من المسافة دون مسافة القصر لطلب منه القصر

(وندب) للمسافر (تعجيل الأوبة) بفتح الهمزة أي الرجوع لوطنه بعد قضاء وطره.

(و) ندب له (الدخول نهاراً) - لا خصوص الضحى - وكره الطروق ليلاً

(و) ندب له (استصحاب هدية) لعياله وجيرانه لأنه أبلغ في السرور.

ولما كان السفر من أسباب الجمع بين مشتركتي الوقت، شرع في الكلام على جمعهما فيه، وأتبعهما بالكلام على جمعهما في غيره. وأسبابه ستة: السفر، والمطر، والوحل مع الظلمة، ونحو الإغماء، وعرفة، ومزدلفة - إلا أنه أخر الأخيرين لمحلهما - فقال:

(ورخص) جوازاً (له): أي للمسافر رجلاً أو امرأة (في جمع الظهرين) والعشاءين كما يأتي (ببر): أي فيه لا في بحر؛ قصراً للرخصة على موردها،

(وإن قصر) السفر على مسافة القصر (أو لم يجد) بتشديد الدال المهملة أي ولم يكن حثيثاً (إن زالت الشمس) على المسافر حال كونه (نازلاً) بمكان -منهلاً أو غيره- (ونوى) عند الرحيل قبل وقت القصر (النزول بعد الغروب)، فيجمعهما جمع تقديم؛ بأن يصلي الظهر في وقتها الاختياري، ويقدم العصر فيصليها معها قبل رحيله لأنه وقت ضرورة لها، اغتفر للمشقة. (فإن نواه) أي النزول (قبل) دخول (الاصفرار أخر العصر) وجوباً لوقتها الاختياري، فإن قدمها أجزأته (و) إن نوى النزول (بعده) أي بعد دخول الاصفرار (خير فيها): أي العصر إن شاء قدمها

ــ

قوله: [وفرق] إلخ: حاصل الفرق أن المأموم هنا لما خالف سنة -وهي القصر- وعدل إلى الإتمام لاعتقاده أن الإمام المقيم كانت نيته معلقة، فكأنه نوى الإتمام إن كان الإمام متماً، وقد ظهر بطلان المعلق عليه وحينئذ فيبطل المعلق وهو الإتمام بخلاف المسألة الأخرى، فإنه ناو الإتمام على كل حال. اهـ. من حاشية الأصل.

قوله: [قولان]: أي سواء صلاها حضرية أو سفرية. هذا هو الصواب خلافاً ل (عب) حيث قال: محل التردد إن صلاها سفرية، وإلا صحت اتفاقاً قال في الحاشية: ينبغي أن يكون محل التردد في أول صلاة صلاها في السفر؛ فإن كان قد سبق له نية القصر، فإنه يتفق على الصحة فيما بعد إذا قصر لأن نية القصر قد انسحبت عليه فهي موجودة حكماً. وكذا يقال فيما إذا نوى الإتمام في أول صلاة ثم ترك نية القصر والإتمام فيما بعدها وأتم.

قوله: [وندب للمسافر تعجيل الأوبة] إلخ: أي فمكثه بعد قضاء حاجته في المكان الذي كان فيه خلاف الأولى، لأنه من ضياع الزمن فيما لا يعني، والوطر هو الحاجة قال الله تعالى:{فلما قضى زيد منها وطرا} [الأحزاب: 37] أي حاجة.

قوله: [وندب له الدخول نهاراً]: أي ويكره ليلاً في حق ذي زوجة، ففي مسلم والنسائي من طريق جابر بن عبد الله:«نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطرق الرجل أهله ليلاً يتخونهم أو يطلب عثراتهم» اهـ والطروق: هو الدخول من بعد.

واعلم أنه يستحب لمن أراد الخروج للسفر أن يذهب لإخوانه يسلم عليهم ويودعهم ويسألهم الدعاء، وأن يودعوه ويدعوا له بما دعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن جاء يريد سفراً، ويلتمس أن يزوده فقال له صلى الله عليه وسلم:«زودك الله التقوى، ووقاك الردى، وغفر ذنبك، ويسرك للخير حيثما كنت» رواه الترمذي والحاكم عن أنس.

وأما إذا قدم من السفر فالمستحب لإخوانه أن يأتوا إليه ويسلموا عليه، وما يقع من قراءة الفاتحة عند الوداع فأنكره الشيخ عبد الرحمن التاجوري، وقال: إنه لم يرد في السنة. وقال الأجهوري: بل ورد فيها ما يدل لجوازه، وهو غير منكر. وما ذكره من كراهة القدوم ليلاً - في حق ذي الزوجة - كانت الغيبة قريبة أو بعيدة على المعتمد، خلافاً لما يفيده (عب) من اختصاص الكراهة بطول الغيبة. ومحل الكراهة المذكورة لغير معلوم القدوم، وأما من علم أهله بوقت قدومه فلا يكره له الطروق ليلاً، ويستحب ابتداء دخوله بالمسجد.

قوله: [وندب له استصحاب هدية] إلخ: أي لورود الأمر بها في الأحاديث.

قوله: [لمحلهما]: أي وهو باب الحج.

قوله: [رجلاً أو امرأة]: أي وسواء كان راكباً أو ماشياً على ما في طرر ابن عات خلافاً لمن خصه بالراكب.

قوله: [ببر] إلخ: وأجازه الشافعية بالبحر أيضاً.

قوله: [وإن قصر السفر] إلخ: أي ولكن لا بد في الجواز من كونه غير عاص به ولاه جمعاً فلا إعادة بالأولى من القصر. كذا في حاشية الأصل.

قوله: [أو لم يجد] إلخ: أي فقول الشيخ خليل وفيها شرط الجد بالكسر أي الاجتهاد في السير ضعيف.

قوله: [بمكان منهلاً أو غيره]: أي فقول خليل بمنهل مراده مكان النزول وإن لم يكن به ماء، وإن كان المنهل في الأصل مكان الماء.

قوله: [فيجمعهما جمع تقديم]: أي ويؤذن لكل منهما.

قوله: [لأنه وقت ضرورة لها] إلخ: أي بالنسبة للمسافر.

قوله: [أخر العصر وجوباً]: أي غير شرط بدليل قوله فإن قدمها أجزأت

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

في ط المعارف: (القصر)، ولعلها الصواب.

ص: 174

وإن شاء أخرها وهو الأولى.

(وإن زالت) الشمس عليه (سائراً، أخرهما إن نوى الاصفرار): أي النزول فيه (أو قبله، وإلا) - بأن نوى النزول بعد الغروب - (ففي وقتيهما) الاختياري؛ هذه في آخر وقتها وهذه أول وقتها جمعاً صورياً، (كمن) زالت عليه سائراً، ولكن (لا يضبط نزوله): هل ينزل بعد الغروب أو قبله فإنه يجمع جمعاً صورياً. (وكالمريض) - مبطوناً أو غيره - يجمع جمعاً صورياً. (وللصحيح فعله): أي الجمع الصوري بكراهة.

(والعشاءان كالظهرين) في جميع ما تقدم على الراجح بتنزيل طلوع الفجر منزلة الغروب، والثلثين الأخيرين منزلة الاصفرار، وما قبلهما منزلة ما قبل الاصفرار.

وأشار للجمع بسبب الإغماء ونحوه بقوله:

(ومن خاف إغماء أو) حمى (نافضاً أو ميداً) بفتح الميم: أي دوخة بفتح الدال المهملة (عند دخول وقت) الصلاة (الثانية) العصر أو العشاء (قدمها) أي الثانية عند الأولى جوازاً على الراجح، (فإن سلم) من الإغماء وما بعده - وقد كان قدم الثانية (أعاد الثانية بوقت) ضروري، بخلاف المسافر إذا قدم ولم يرتحل فلا يعيد على المعتمد.

ثم أشار لجمع العشاءين خاصة لأحد سببين بقوله:

(و) رخص (في جمع العشاءين) فقط جمع تقديم (بكل مسجد) تقام به الصلاة ولو غير مسجد الجمعة (لمطر) واقع أو متوقع (أو طين مع ظلمة) لآخر الشهر لا لغيم ولا لأحدهما فقط.

وذكر صفة الجمع بقوله:

(يؤذن للمغرب) على المنار بصوت مرتفع (كالعادة وتؤخر) الصلاة تأخيراً (قليلاً) بقدر ما يدخل وقت الاشتراك لاختصاص الأولى بقدر ثلاث ركعات بعد الغروب (ثم صليا) أي المغرب والعشاء (بلا فصل) بينهما بنفل أو غيره (إلا) فصلاً (بأذان للعشاء منخفض) لا برفع [1] صوت

ــ

أي وتندب إعادتها بالوقت في هذه الحالة.

قوله: [وإن شاء أخرها وهو الأولى]: أي لأنه ضروريها الأصلي، ولا يؤذن لها حينئذ لما تقدم في الأذان من كراهته في الوقت الضروري.

قوله: [أخرهما]: قيل وجوباً كما في الأصل. وفيه شيء؛ إذ مقتضى القياس جواز تأخيرهما في المسألة الأولى، وأما الثانية فتأخير الصلاة الأولى جائز والثانية واجب لنزوله بوقتها الاختياري، كذا كتب والد (عب) وللخمي: أن تأخيرهما جائز أي ويجوز إيقاع كل صلاة في وقتها ولو جمعاً صورياً، ولا يجوز جمعهما جمع تقديم لكن إن وقع فالظاهر الإجزاء، وندب إعادة الثانية في الوقت. ويمكن الجمع بأن من قال بوجوب تأخيرهما مراده عدم جواز تقديمهما معاً فلا ينافي جواز إيقاع كل صلاة في وقتها، والجواز في كلام اللخمي بهذا المعنى فالخلف لفظي كذا في الحاشية.

قوله: [جمعاً صورياً]: أي ويحصل له فضيلة أول الوقت.

قوله: [وللصحيح فعله]: أي ولكن تفوته فضيلة أول الوقت.

قوله: [والعشاءان كالظهرين] إلخ: وعليه إذا غربت عليه الشمس وهو نازل ونوى الارتحال والنزول بعد الفجر جمعهما جمع تقديم قبل ارتحاله، وإن نوى النزول في الثلث الأول أخر العشاء وجوباً، وإن نوى النزول بعد الثلث وقبل الفجر خير في العشاء، والأولى تأخيرها لأنه ضروريها الأصلي، وأن من غربت عليه الشمس وهو سائر ونوى النزول في الثلث الأول أو بعده، وقبل الفجر أخرهما جوازاً على ما مر، وإن نوى النزول بعد الفجر جمع جمعاً صورياً بناء على امتداد مختار المغرب للشفق.

قوله: [جوازاً على الراجح]: أي عند ابن عبد السلام، وندباً عند ابن يونس وفي (بن) ما يفيد اعتماد الأول، وقال ابن نافع: يمنع الجمع بين الصلاتين ويصلي كل صلاة بوقتها بقدر الطاقة ولو بالإيماء فلو أغمي عليه حتى ذهب وقتها لم يكن عليه قضاؤها. واستظهر ذلك؛ لأنه على تقدير استغراق الإغماء للوقت، فلا ضرورة تدعو إلى الجمع، وكما إذا خافت المرأة أن تموت أو تحيض فإنه لا يشرع لها الجمع، وفرق بين الإغماء والحيض، بأن الحيض يسقط الصلاة قطعاً بخلاف الإغماء فإن فيه خلافاً، وبأن الغالب في الحيض أن يعم الوقت بخلاف الإغماء اهـ. من حاشية الأصل نقلاً عن كبير الخرشي.

قوله: [بخلاف المسافر] إلخ: أي حيث جمع وهو ناو للارتحال ثم طرأ له عدمه، وأما لو جمع وهو غير ناو الارتحال فيعيدها في الوقت اتفاقاً.

قوله: [لمطر]: أو برد بفتح الباء والراء. وأما الثلج فذكر في المعيار أنه سئل عنه ابن سراج فأجاب بأني لا أعرف فيه نصاً، والذي يظهر أنه إن كثر بحيث يتعذر نفضه جاز الجمع وإلا فلا. كذا في حاشية الأصل نقلاً عن (بن).

قوله: [أو متوقع]: إن قلت المطر إنما يبيح الجمع إذا كثر، والمتوقع لا يتأتى فيه ذلك؟ وأجيب: بأنه علم كثرته بالقرينة فإن تخلف ولم يحصل فينبغي إعادة الثانية في الوقت، كما في مسألة سلامة المغمى كما في الخرشي.

قوله: [أو طين مع ظلمة]: أي بشرط كون الطين كثيراً يمنع أواسط الناس من لبس المداس.

قوله: [وأخر قليلاً]: وقال ابن بشير: لا يؤخر المغرب أصلاً. قال المتأخرون: وهو الصواب إذ لا معنى لتأخيرها قليلاً إذ في ذلك خروج الصلاتين معاً عن وقتهما المختار. انظر: (بن).اهـ. من حاشية الأصل. ولكن قال المؤلف في تقريره: لم يلزم من تأخيرها بقدرها إيقاعها في وقتها الضروري.

قوله: [بأذان للعشاء]: اعلم أن الأذان للعشاء بعد صلاة المغرب مستحب ولذا جرى قولان

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

في ط المعارف: (يرفع).

ص: 175

(في المسجد) لا على المنار (ثم ينصرفون) لمنازلهم (من غير تنفل) في المسجد: أي يكره بحمل المنع في النفل على الكراهة. ولا بد فيه من جماعة (ووجب نيته) عند الأولى كنية الإمامة كما تقدم.

(و) جاز الجمع (لمنفرد) ذكراً أو أنثى (بالمغرب): أي عن جماعة الجمع ولو صلاها في جماعة (يجدهم) في المسجد الذي صلى به المغرب أو غيره (بالعشاء) فيدخل معهم فيها، ويغتفر له نية الجمع عند صلاته المغرب لأنه تابع لهم.

(و) جاز الجمع (لمقيم بمسجد) لأجل اعتكاف أو مجاورة (تبعاً) للجماعة (لا استقلالاً) إذ لا مشقة عليه في إيقاع العشاء بوقتها، (ولا لجار المسجد ولو) كان مريضاً يشق عليه الخروج للمسجد (أو) كان (امرأة) ولا يخشى منها الفتنة: أي لا يجوز لجار المسجد أن يجمع ببيته تبعاً لجماعة المسجد، بل إما أن يذهب للمسجد فيجمع معهم أو يصلي كل صلاة بوقتها.

فصل: في بيان [1] شروط الجمعة وآدابها ومكروهاتها وموانعها وما يتعلق بذلك

ولها شروط وجوب وهي ما يتوقف وجوبها عليها، وشروط صحة وهي ما تتوقف صحتها عليها.

وبدأ بالأول فقال: (الجمعة فرض عين) لا كفاية ولا تتوقف إقامتها ابتداء على إذن الإمام خلافاً لمن ذهب إلى ذلك. (على الذكر الحر): أي على كل ذكر حر لا على امرأة أو رقيق (غير المعذور) لا على معذور بعذر مما يأتي، (المقيم ببلدها): أي بلد، الجمعة الآتي بيانها [2] (أو) المقيم (بقرية) أو خيم فلا مفهوم لقرية (نائية): أي خارجة ومنفصلة (عنها [3]) أي عن بلد الجمعة (بكفرسخ)، ثلاثة أميال وأدخلت الكاف ثلث الميل لا أكثر معتبراً (من المنار)، فتجب على المقيم المذكور (وإن) كان (غير مستوطن)، ببلدها بأن كان مقيماً بها [4] لمجاورة أو تجارة أو غير ذلك إقامة تقطع حكم السفر أربعة أيام فأكثر وإن لم تنعقد به.

ــ

في إعادته عند غيبة الشفق. والمعتمد إعادته لأجل السنة.

قوله: [في المسجد]: أي عند محرابه كما في المدونة، وقيل بصحته لا فوق المنار على كل حال لئلا يلبس على الناس.

قوله: [من غير تنفل]: أي فالمعتمد كراهة النفل بين الصلاتين وبعدهما ولو استمر في المسجد حتى غاب الشفق، فهل يطلب بإعادة العشاء أو لا؟ قولان.

وقيل: إن قعد الكل أو الجل أعادوا، وإلا فلا. واستظهر وجوب الإعادة على القول بها. كما في الحاشية.

قوله: [وجاز الجمع لمنفرد بالمغرب]: أي بناء على القول بأن نية الجمع تجزي عند الثانية، ولكونه تابعاً لهم كما قال الشارح فلا ينافي منع الجمع لو حدث السبب بعد الأولى.

قوله: [وجاز الجمع لمقيم بالمسجد]: مراده بالجواز في هذا وما قبله: الإذن الصادق بالندب لأنه لتحصيل فضل الجماعة.

تنبيه: حيث كان إمام المسجد معتكفاً لا يجوز له الجمع إلا تبعاً، فلذلك يلزمه استخلاف من يصلي بهم ويصلي هو مأموماً، ولا تصح إمامته. ولا يصح الجمع بمسجد لشخص منفرد غير راتب إلا بالمساجد الثلاث إذا دخلها فوجد إمامها قد جمع، صلى المغرب مع العشاء جمعاً. وأما إذا لم يدخل وعلم أن إمامها قد جمع فلا يطالب بدخولها، ويبقي العشاء للشفق. هذا هو الموافق لما مر كما جزم به بعضهم. .اهـ. من حاشية الأصل.

فصل في بيان شروط الجمعة

سميت الجمعة بذلك لاجتماع آدم وحواء بالأرض فيه، وقيل: لما جمع فيه من الخير، وقيل: لاجتماع الناس للصلاة فيه. وقيل غير ذلك.

فائدة: لا شك أن العمل فيها له مزية عن العمل في غيرها، ولذلك ذهب بعضهم إلى أنه إذا وقع الوقوف بعرفة يوم الجمعة كان لتلك الحجة فضل على غيرها. وأما ما رواه ابن رزين أنه أفضل من سبعين حجة في غير يوم الجمعة، ففيه وقفة كما نص على ذلك المناوي - ذكره (شب) في شرحه. اهـ. من الحاشية.

قوله: [وآدابها]: مراده ما يشمل السنن.

قوله: [وما يتعلق بذلك]: أي من تفاصيل تلك الأحكام. وأعقبها لصلاة القصر لكونها شبه ظهر مقصورة.

قوله: [الجمعة فرض عين]: الأشهر فيها ضم الميم وبه قرأ جماعة، وحكي إسكانها وفتحها وكسرها وبهن قرئ شاذاً وهي بدل في المشروعية، والظهر بدل منها في الفعل. ومعنى كونها بدلاً في المشروعية: أن الظهر شرعت ابتداء ثم شرعت الجمعة بدلاً عنها، ومعنى كونها بدلاً عنها في الفعل أنها إذا تعذر فعلها أجزأت عنها الظهر. اهـ. خرشي. وقال ابن عرفة: الجمعة ركعتان يمنعان وجوب الظهر على رأي، وعليه فهي فرض يومها، والظهر بدل عنها وهذا هو المعتمد. والقول بأنها بدل عن الظهر شاذ إذ لو كانت بدلاً عن الظهر لم يصح فعلها مع إمكان فعله.

وحينئذ فمن صلى الظهر وقت سعي الجمعة ثم فاتته الجمعة فإن صلاته باطلة، ولا بد من الإعادة لأنه لم يصل الواجب عليه، وعلى القول الشاذ لا إعادة عليه لأنه أتى بالواجب عليه. اهـ. من الحاشية.

قوله: [ولا تتوقف إقامتها] إلخ: أي وإنما يندب الاستئذان فقط. ووجبت عليهم إن منع وأمنوا ضرره، وإلا لم تجزهم لأنها محل اجتهاد، سيما في شروطها. واستظهر بعضهم الصحة. كذا في المجموع.

قوله: [لا على امرأة أو رقيق]: فالمرأة لا تجب عليها الجمعة وإن كانت مسنة لا أرب للرجال فيها. ولا تجب

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

ليست في ط المعارف.

[2]

في ط المعارف: (بيانه).

[3]

في ط المعارف: (عنه).

[4]

في ط المعارف: (به).

ص: 176

فلا تجب على مسافر إذا لم ينو إقامة أربعة أيام صحاح.

فعلم أن شروط وجوبها: الذكورية، والحرية، والسلامة من الأعذار المسقطة لها، والإقامة. ولا يعد من شروطها البلوغ والعقل لأنهما لا يختصان بها؛ لأنهما شرطان في الصلاة مطلقاً، ولا يعد الشيء شرطاً في شيء إلا إذا كان مختصاً بذلك الشيء، ألا ترى أن الوضوء وستر العورة لا يعدان من شروطهما؛ لكونهما لا يختصان بها.

ولما فرغ من بيان شروط الوجوب، شرع في بيان شروط صحتها؛ وهي خمسة على سبيل الإجمال، إذ [1] كل شرط منها له شروىط. ومعلوم أن شرط الشرط شرط [2]. فقال:

(وصحتها): أي وشروط صحتها خمسة: أولها: الاستيطان، وهو أخص من الإقامة لأنه [3] الإقامة بقصد التأبيد؛ والإقامة [4] أعم وإليه أشار بقوله:(باستيطان بلد): مبنية بطوب أو حجر أو غيرهما (أو) استيطان (أخصاص) من قصب أو أعواد ترم بحشيش، (لا خيم) من شعر أو قماش، لأن الغالب على أهلها الارتحال فأشبهوا المسافرين، نعم إن أقاموا على كفرسخ من بلدها وجبت عليهما تبعاً لأهله كما تقدم، ومعنى كون الاستيطان شرط صحة أنه لولاه ما صحت جمعة لأحد؛ وكما أنه شرط صحة هو شرط وجوب، أيضاً؛ إذ لولاه ما وجبت على أحد جمعة.

ويشترط لهذا الشرط شرطان: الأول كونه ببلد أو أخصاص [5] كما قدمنا.

الثاني: كونه (بجماعة تتقرى) أي تقام وتستغني (بهم القرية) عادة بالأمن على أنفسهم والاستغناء في معاشهم العرفي عن غيرهم. ولا يحدون بحد؛ كمائة أو أقل أو أكثر، فلو كانوا لا تتقرى بهم قرية بأن كانوا مستندين في معاشهم لغيرهم، فإن كانوا على كفرسخ من قرية الجمعة وجبت عليهم تبعاً لهم، وإن كانوا خارجين عن كفرسخ لم تجب عليهم كأهل الخيم، ولو أحدث جماعة تتقرى بهم قرية بلداً على كفرسخ من بلد الجمعة لوجبت عليهم الجمعة استقلالاً.

الشرط الثاني: حضور اثني عشر رجلاً لصلاتها وسماع الخطبتين، وإليه أشار بقوله:

ــ

على عبد ولو كان فيه شائبة حرية، ولو أذن له سيده على المشهور.

قوله: [فلا تجب على مسافر]: الحاصل أن اشتراط هذه الشروط يقتضي أن المتصف بأضدادها لا تجب عليه الجمعة، وإنما الواجب عليه الظهر، فإذا حضرها وصلاها حصل له ثوابها من حيث الحضور وسقط عنه الظهر. وقال القرافي: إنها واجبة على العبد والمرأة والمسافر على التخيير، إذ لو كان حضورها مندوباً فقط لورد عليه أن المندوب لا يقوم مقام الواجب. ورد: بأن الواجب المخير إنما يكون بين أمور متساوية؛ بأن يقال: الواجب إما هذا وإما هذا. والشارع إنما أوجب على من لم يستوف شروط الجمعة الظهر ابتداء. لكن لما كانت الجمعة فيها الواجب من حيث إنها صلاة، وزيادة من حيث حضور الجماعة والخطبة، كفت عن الظهر. قال شيخنا في حاشية مجموعه: لا يلزم هذا التعب من أصله لأن العبد ينوي إذا أحرم بالجمعة الفرضية فلم ينب عن الواجب إلا واجب، فالندب من حيث سعيه لحضورها فقط. اهـ.

قوله: [إذ كل شرط منها له شروط]: علة لقوله: (خمسة) إجمالاً. وحاصل ذلك أن شروط الصحة إجمالاً خمسة: أولها الاستيطان وله شرطان: أن يكون ببلد أو أخصاص، وأن يكون بجماعة تتقرى بهم تلك القرية عادة بالأمن على أنفسهم والاستغناء إلى آخر ما قال الشارح. والشرط الثاني: حضور اثني عشر رجلاً؛ وله ثلاثة شروط: الأول: كونهم من أهل البلد. الثاني: بقاؤهم من أول الخطبتين للسلام. الثالث: كونهم مالكيين أو حنفيين أو شافعيين مقلدين لمالك أو أبي حنيفة، وإن لم ينص على هذا الشارح، والشرط الثالث: الإمام. وله شرطان: كونه مقيماً إن لم يكن هو الخليفة. وكونه الخاطب إلا لعذر؛ والشرط الرابع: الخطبتان وذكر الشارح لهما شروطاً ثمانية، ويزاد تاسع: وهو اتصالهما بالصلاة. والشرط الخامس: الجامع وله شروط أربع كما قال الشارح. فتكامل تفصيل شروط الصحة خمسة وعشرين.

قوله: [لأنه الإقامة بقصد التأبيد]: أي وأما لو نزل جماعة في بلد خراب مثلاً، ونووا الإقامة فيه مدة ثم يرتحلون فأرادوا صلاة الجمعة فيه فلا تصح منهم، بل ولا تجب عليهم إلا تبعاً لمن استوفى شروط الجمعة.

قوله: [ومعنى كون الاستيطان] إلخ: حاصله أن كون البلد مستوطنة أي: منوياً الإقامة فيه على التأبيد شرط صحة، واستيطان الشخص في نفسه شرط وجوب. فمتى كان البلد مستوطنة والجماعة متوطنة وجبت عليهم، وصحت منهم مطلقاً ولو كانت البلد تحت حكم الكفار؛ كما لو تغلبوا على بلد من بلاد الإسلام وأخذوه ولم يمنعوا المسلمين من التوطن ولا من إقامة الشعائر الإسلامية فيه كما هو ظاهر إطلاقاتهم. اهـ. من حاشية الأصل.

قوله: [كونه ببلد أو أخصاص]: أي لا خيم فلا تجب إلا تبعاً.

قوله: [بجماعة تتقرى] إلخ: أي قال شيخنا في حاشية مجموعه: بأن يدفعوا عن أنفسهم الأمور الغالبة، ولا يضر خوفهم من الجيوش الكثيرة لأن هذا يوجد في المدن، ولا بد أن يكون الأمن بنفس العدد فلا يعتبر جاه ولا اعتقاد ولاية مثلاً لأن الأمن بواسطة ذلك قد يكون مع قلة العدد جداً. اهـ.

قوله: [كأهل الخيم]: تشبيه تام في التفصيل المتقدم.

قوله: [ولو أحدث جماعة] إلخ: فعلى هذا يسوغ للكفور التي تحدث بجانب القرى إحداث جمعة

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

في ط المعارف: (إذا).

[2]

في ط المعارف: (شروط).

[3]

كذا في ط الحلبية وط المعارف، ولعل الصواب:(لأن).

[4]

في ط المعارف: (الإقامة).

[5]

في ط المعارف: (خصاص).

ص: 177

(وحضور اثني عشر) رجلاً للصلاة والخطبة، ويشترط لهذا الشرط شرطان أيضاً: الأول أن يكونوا (منهم) أي من أهل البلد فلا تصح من المقيمين به لنحو تجارة إذا لم يحضرها العدد المذكور من المستوطنين بالبلد. الثاني أن يكونوا (باقين) مع الإمام من أول الخطبة (لسلامها) أي إلى السلام من صلاتها، أي سلام جميعهم، فلو فسدت صلاة واحد منهم ولو بعد سلام الإمام بطلت الجمعة، وحضور من ذكر شرط صحة (وإن) كان (في أول جمعة) أقيمت بهذا البلد فلا يشترط في أول جمعة حضور جميع أهل البلد جزماً هذا هو الصواب.

الشرط الثالث: الإمام، وإليه أشار بقوله:

(وإمام مقيم) فلا تصح أفذاذاً. ويشترط فيه الإقامة ولو لم يكن متوطناً كما أشرنا له بالوصف وأن يكون هو الخاطب، فلو صلى بهم غير الخاطب لم تصح إلا لعذر يبيح الاستخلاف كرعاف ونقض وضوء، وجب انتظاره إن قرب زوال العذر، وإليه أشار بقوله:(وكونه الخاطب، إلا لعذر).

الشرط الرابع الخطبتان وإليه أشار بقوله:

(وبخطبتين) بشروط ستة. أشار لأولها بقوله: (من قيام)، وقيل القيام فيهما سنة والأول قول الأكثر، والأظهر أنه واجب غير شرط، فإن جلس أتم وصحت.

وثانيها: أن يكونا (بعد الزوال) فإن تقدمتا عليه لم تجز.

وثالثها: أن يكونا (مما تسميه العرب خطبة) ولو سجعتين نحو: اتقوا الله فيما أمر، وانتهوا عما عنه نهى وزجر. فإن سبح أو هلل أو كبر لم يجزه.

ورابعها: (داخل المسجد) فلو خطبهما خارجه لم يصحا.

وخامسها: أن يكونا (قبل الصلاة) فلا تصح الصلاة قبلهما (فإن أخرهما) عنهما (أعيدت) الصلاة (إن قرب) الزمن عرفاً ولم يخرج من المسجد فإن طال أعيدتا لأنهما من الصلاة كركعتين من الظهر، فالطول والقرب كالمتقدمين في البناء.

وسادسها، أشار له بقوله:(يحضرهما الجماعة) الاثنا عشر؛ فإن لم يحضروا من أولهما لم يجزيا لأنهما كركعتين كما تقدم. وبقي شرطان: أن يجهر بهما وأن يكونا بالعربية ولو لأعجميين.

الشرط الخامس: الجامع وإليه أشار بقوله:

(وبجامع) فلا تصح في البيوت، ولا في براح من الأرض، ولا في خان، ولا في رحبة دار.

وله شروط أربعة: أن يكون مبنياً، وأن يكون بناؤه على عادتهم، وأن يكون متحداً، ومتصلاً بالبلد. وإليهما أشار بقوله (مبني) فلا تصح فيما حوط عليه بزرب أو أحجار أو طوب من غير بناء (على عادتهم) أي أهل البلد فيشمل بناءه من بوص لأهل الأخصاص لا لغيرهم (متحدًا [1]) بالبلد.

(فإن تعدد فالعتيق): هو الذي تصح فيه الجمعة دون غيره.

ــ

استقلالاً.

قوله: [وحضور اثني عشر رجلاً]: أي غير الإمام، وأن يكونوا مالكيين أو حنفيين أو شافعيين قلدوا واحداً منهما، لا إن لم يقلدوا. فلا تصح جمعة المالكي مع اثني عشر شافعيين لم يقلدوا. لأنه يشترط في صحتها عندهم أربعون يحفظون الفاتحة بشداتها.

قوله: [بطلت الجمعة]: أي ولو دخل بدله مسبوق فاتته الخطبة.

قوله: [هذا هو الصواب]: أي وهو أن الجماعة الذين تتقرى بهم القرية وجودهم فيها شرط وجوب وصحة، وإن لم يحضروا الجمعة بالفعل. والاثنا عشر حضورهم شرط صحة تتوقف الصحة على حضورهم بالفعل في كل جمعة، لا فرق في ذلك بين الأولى أو غيرها. فلو تفرق من تتقرى بهم القرية يوم الجمعة في أشغالهم - ولم يبق إلا اثنا عشر رجلاً والإمام - جمعوا، كما قاله ابن عرفة. وما مشى عليه خليل ضعيف.

قوله: [ويشترط فيه الإقامة] إلخ: هذا هو المعتمد وهو ما عليه ابن غلاب والشيخ يوسف بن عمر وجمهور أهل المذهب، فلو اجتمع شخص مقيم واثنا عشر متوطنون تعين أن يكون إماماً لهم. ويلغز بها فيقال: شخص إن صلى إماماً صحت صلاته وصلاة مأموميه، وإن صلى مأموماً فسدت صلاة الجميع انظر المج.

قوله: [ووجب انتظاره]: أي والفرض أن ذلك العذر طرأ بعد الشروع في الخطبة، سواء كان قبل تمامها أو بعده، أما لو حصل قبل الشروع فيها فإنه ينتظر إلى أن يبقى من الاختياري ما يسع الخطبة والجمعة، ثم يصلونها هذا إذا أمكنهم الجمعة دونه، وأما إذا كان لا يمكنهم الجمعة دونه فإنه ينتظر إلى أن يبقى مقدار ما يسع الظهر ثم يصلون الظهر أفذاذاً في آخر الوقت المختار، وهذا هو المنقول. اهـ. من الحاشية.

قوله: [إن قرب زوال العذر]: ويعتبر فيه العرف، وقال البساطي: بقدر أولتي الرباعية، والقراءة فيهما بالفاتحة وما تحصل به السنة من السورة.

قوله: [فإن سبح أو هلل] إلخ: أي خلافاً للحنفية فإنهم قالوا بإجزاء ذلك.

قوله: [كالمتقدمين في البناء]: أي في سجود السهو وهو العرف، أو الخروج من المسجد.

قوله: [يحضرهما الجماعة]: أي سواء حصل منهم إصغاء أم لا، فالذي هو من شروط الصحة الحضور لا الاستماع والإصغاء. وذكر بعضهم: أن حضور الخطبة فرض عين ولو كثر العدد جداً، وهو ضعيف، والحق أن العينية إذا كان العدد اثني عشر، فما زاد على ذلك لا يجب عليه حضور الخطبة.

قوله: [أن يجهر بها] أي ولو كانت الجماعة صماً.

قوله: [وأن يكونا بالعربية]: فلو كان ليس فيهم من يحسن الإتيان بالخطبة لم يلزمهم جمعة.

قوله: [فلا تصح في البيوت] إلخ: أي لأنه لا يسمى مسجداً إلا إذا كان ذا بناء معتاد خارجاً لله لخصوص الصلاة والعبادة قال تعالى: {وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا} [الجن: 18].

قوله: [فإن تعدد فالعتيق]: أي ولا تصح في الجديد، ولو صلى فيه السلطان فإن لم يكن هناك عتيق بأن بنيا في وقت واحد ولم يصل في واحد منهما صحت الجمعة فيما أقيمت فيه بإذن السلطان أو نائبه، فإن أقيمت فيهما بغير إذنه صحت للسابق

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

في ط المعارف: (متحد).

ص: 178

والمراد بالعتيق ما أقيمت فيه الجمعة ابتداء ولو تأخر بناؤه عن غيره فالجمعة له، (وإن تأخر أداء) أي وإن تأخر أداء الجمعة فيه عن الجديد فالصلاة في الجديد، وإن سبقت فاسدة ما لم يهجر العتيق، فالجمعة لا تكون إلا متحدة في البلد متى أقيمت لا تصلى بجماعة بعد لا في العتيق ولا غيره، وإن صليت في غيره قبله فباطلة (متصل ببلدها) حقيقة أو حكماً بأن انفصل عنها انفصالاً يسيراً عرفاً (لا إن انفصل كثيراً) فلا تصح به الجمعة (أو خف بناؤه) عن عادة أهل البلد فلا تصح فيه، وهذا مفهوم قوله: على عاداتهم.

ثم أشار لنفي أمور قيل بشرطيتها، والراجح عدم اشتراطها بقوله:

(ولا يشترط سقفه) على الراجح (ولا قصد تأبيدها): أي إقامة الجمعة (به): أي فيه، فتصح في مسجد قصدوا بعد مدة الانتقال لغيره ولو لغير عذر، (أو إقامة) الصلوات (الخمس) فيه لا يشترط فتصح في جامع لم يصل فيه إلا الجمعة.

(وصحت) الجمعة (برحبته) وهي ما زيد خارج محيطه لتوسعته (وطرقه المتصلة) به من غير فصل بيوت أو حوانيت أو أشياء محجورة (مطلقاً) ضاق المسجد أو اتصلت الصفوف أم لا.

(ومنعت) الجمعة (بهما) أي بالرحبة والطرق المتصلة - وإن صحت - (إن انتفى الضيق و) انتفى (اتصال الصفوف). وما مشى عليه الشيخ ضعيف. (لا) تصح (بسطحه)، ولو ضاق بالناس.

(ولا بما) أي بكل مكان (حجر) أي كان محجوراً (كبيت قناديله) أو حصره أو خلوه لخادم من خدمته كمؤذن. (ودار وحانوت) بجواره [1].

ثم شرع في بيان السنن والمندوبات فقال:

ــ

بالإحرام إن علم وإلا حكم بفسادها في كل منهما كذات الوليين، ووجب إعادتها للشك في السبق جمعة إن كان وقتها باقياً وإلا ظهراً.

قوله: [والمراد بالعتيق] إلخ: أشار بهذا إلى أن العتاقة تعتبر بالنسبة للصلاة لا بالنسبة للبناء.

قوله: [وإن تأخر أداء]: أي في غير المرة الأولى التي صار بها عتيقاً.

قوله: [ما لم يهجر العتيق]: أي وينقلوها للجديد، وسواء كان الهجر للعتيق لموجب أو لغيره. وظاهره: دخلوا على دوام هجران العتيق أو على عدم دوام ذلك، فإن رجعوا للعتيق مع الجديد فالجمعة للعتيق، وينبغي أن لا يتناسى الأول بالمرة فيكون الحكم للثاني. قال شيخنا في حاشية مجموعه: واعلم أن خشية الفتنة بين القوم -إذا اجتمعوا في مسجد- تبيح التعدد كالضيق، وأما خوف شخص وحده فهو من الأعذار الآتية، ولا يحدث له مسجداً أو يأخذ معه جماعة. والضيق على من يخاطب بها شرعاً ولعله إن خشي من التوسعة التخليط وإلا فيجبر الملاك على التوسعة. اهـ. ومثل هجر العتيق حكم حاكم بصحتها في الجديد تبعاً لحكمه بصحة عتق عبد معين مثلاً علق سيده عتقه على صحة الجمعة في ذلك المسجد، بأن يقول باني المسجد أو غيره لعبد معين مملوك له: إن صحت صلاة الجمعة في هذا المسجد فأنت حر فبعد الصلاة فيه يذهب ذلك العبد إلى القاضي الحنفي فيقول ادعى علي سيدي أنه علق على صحة صلاة الجمعة في ذلك المسجد عتقي، وقد صليت الجمعة فيه، فيقول ذلك القاضي حكمت بعتقك فيسري حكمه بالعتق إلى صحة الجمعة المعلق عليها، لا فرق بين السابقة على الحكم والمتأخرة عنه، فالحكم بالصحة تابع للحكم بالعتق، لأن الحكم بالمعلق يتضمن الحكم بحصول المعلق عليه، وإنما لم يحكم بالصحة من أول الأمر لأن الحكم الحاكم لا يدخل العبادات استقلالاً، بل تبعاً كما للقرافي وهو المعتمد، خلافاً لابن رشد حيث قال: حكم الحاكم يدخلها استقلالاً كالمعاملات قوله: [حقيقة أو حكماً] إلخ: ولا يضر خراب ما حوله، وفي الحطاب عن ابن عمر وغيره: أن الانفصال اليسير هو أن ينعكس عليه دخانها، وحده بعضهم بأربعين ذراعاً أو باعاً كما يؤخذ من المجموع وغيره.

قوله: [أو خف بناؤه]: أي بأن كان أهل البلد يبنون بالأحجار أو بالطوب المحروق وبناؤه بالنيء، أو كان أهل البلد يبنون بالنيء وبناؤه بالبوص.

قوله: [ولا يشترط سقفه] إلخ: هذا هو الحق في تلك المسائل الثلاث كما في الحاشية وغيرها.

قوله: [من غير فصل ببيوت] إلخ: أي فلو فصل بين حيطانه والطرق بحوانيت كالجامع الأزهر بمصر، فظاهره يضر وهو ما يفيده كلام الشيخ سالم واستظهره في الحاشية

قوله: [ومنعت الجمعة] إلخ: أي كرهت كراهة شديدة كما في المجموع ومما يلحق بالطرق المتصلة المدارس التي حول الجامع الأزهر، وأما الأروقة التي فيه فهي منه فتصح الجمعة فيها من غير شرط ما لم تكن محجورة، وإلا كانت كبيت القناديل ومقامات الأولياء التي في المسجد كمقام أبي محمود الحنفي أو الحسين أو السيدة من قبيل الطرق المتصلة، فتصح فيها الجمعة ولو كان ذلك المقام لا يفتح إلا في بعض الأوقات كما قرره شيخ مشايخنا العدوي.

قوله: [لا تصح بسطحه] إلخ: أفهم كلامه صحتها بدكة المبلغين وهو كذلك إن لم تكن محجورة في سائر الأوقات، والفرق بين سطحه والطرق أن الطرق متصلة بأرضه، فتصح فيها وإن كانت أعلى من السطح، والقول بعدم صحتها على السطح قول ابن القاسم في المدونة، وقيل بصحتها عليه مطلقاً وهو لمالك وأشهب ومطرف وابن الماجشون، قالوا وإنما يكره ابتداء وقيل بصحتها عليه للمؤذن لا غيره وقيل إن ضاق المسجد

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

قوله: (ودار وحانوت بجواره) ليس في ط المعارف.

ص: 179

(وسن) حال الخطبة (استقبال الخطيب) بذاته لا استقبال جهته فقط. وقيل: يجب وهو ظاهر المدونة. وإذا قام الإمام يخطب فحينئذ يجب قطع الكلام واستقباله والإنصات إليه. وهذا لا يمكن لجميع الناس بالمسجد الحرام ولا المسجد النبوي؛ أما المسجد الحرام فلأن المنبر بجانب المقام والمطاف حائل بينهما وبين الكعبة فإذا رقى الخطيب على المنبر استقبله بعض الناس وباقيهم في المطاف خلف ظهره، وأكثرهم خلف البيت وجوانبه. وأما المسجد النبوي فإن زيادة عثمان خلف المنبر النبوي وخلف الروضة الشريفة من الجهة القبلية، فالجالس فيها يكون خلف ظهر الخطيب. فإذا فرغ من الخطبة في أيام الحج نزل وتخطى الصفوف حتى يصل للمحراب الذي في الزيادة

(و) سن (جلوسه) أي الخطيب (أول كل خطبة) أي في أول الأولى وأول الثانية.

(و) سن (غسل لكل مصل ولو لم تلزمه) الجمعة كالمسافرين والعبيد والنساء.

(وصحته): أي الغسل: (بطلوع الفجر) فلا يصح قبله (واتصاله بالرواح) إلى المسجد، ولا يضر الفصل اليسير (فإن فصل كثيراً أو تغذى) خارجه (أو نام خارجه اختياراً) أو اضطراراً وطال (أعاده) لبطلانه.

(وندب) لمريد صلاة الجمعة (تحسين هيئة): من قص شارب، وأظفار، وحلق عانة، ونتف إبط - إن احتاج لذلك - وسواك؛ وقد يجب لإزالة رائحة كريهة كبصل.

(وجميل ثياب) وأفضلها الأبيض.

(وتطييب لغير نساء) ويحرم التجميل بالثياب والطيب عليهن لتعلق الرجال بهن.

(ومشي) في الذهاب فقط للقادر عليه.

(وتهجير) أي ذهاب في الهاجرة والمراد بها الساعة السادسة التي يليها الزوال.

(وتقصير الخطبتين،

ــ

جازت الصلاة على سطحه.

قوله: [وسن حال الخطبة] إلخ: أي لقول عليه الصلاة والسلام: «إذا قعد الإمام على المنبر يوم الجمعة فاستقبلوه بوجوهكم وارمقوه بأجفانكم» وظاهر الحديث طلب استقباله بمجرد قعوده على المنبر ولو لم ينطق، لكن الذي في (عب) أن طلب استقباله عند نطقه لا قبله ولو كان قبل النطق جالساً على المنبر.

قوله: [وقيل يجب] إلخ: أي وهو ما عليه الأكثر كما قال (ح) ولكن المعتمد السنية. وقيل: إنه مستحب وصرح به أبو الحسن في شرح المدونة، وظاهره طلب الاستقبال حتى للصف الأول، وهو الذي جزم به ابن عرفة خلافاً لما مشى عليه خليل تبعاً لابن الحاجب، فإنه ضعيف.

قوله: [والمطاف حائل]: المناسب طريق.

قوله: [وسن جلوسه]: قال ابن عات قدر: (قل هو الله أحد).

قوله: [ولو لم تلزمه]: ولا يشكل كون الغسل للجمعة في حق الصبي سنة مع أن نفس الجمعة في حقه مندوبة، فإن الوضوء لها واجب وإن شئت فانظر إلى السورة ونحوها في صلاة الصبي كما أفاده في المجموع.

قوله: [واتصاله بالرواح]: استعمل الرواح فيما قارب الزوال، وإلا فالرواح في الأصل السير بعد الزوال هكذا قيل، ولكن قال المؤلف في تقريره: التحقيق أن الرواح هو الذهاب مطلقاً لا بقيد كونه بعد الزوال خلافاً لجمع. فالمطلوب عندنا هو وقت الهاجرة فلو راح قبله متصلاً بغسله - قال ابن وهب - يجزيه واستحسنه اللخمي.

قوله: [أو تغذى خارجه] إلخ: وأما إن تغذى أو نام في المسجد أو في ذهابه إليه فلا يضر كما في المجموع.

قوله: [اختياراً]: راجع لكل من الأكل والنوم على المعتمد لا للنوم فقط كما قيل.

قوله: [وندب لمريد صلاة الجمعة]: المراد التأكد، وإلا فتحسينها مندوب مطلقاً.

قوله: [وأفضلها الأبيض]: اعلم أن لبس الثياب الجميلة يوم الجمعة مندوب لا لأجل اليوم بل لأجل الصلاة، فيجوز لبس البياض في غير الصلاة، ويلبس الأبيض فيها. بخلاف العيد فإن لبس الجديد فيه مندوب لليوم لا للصلاة. فإن كان يوم الجمعة يوم عيد لبس الجديد غير الأبيض في غير وقت صلاة الجمعة، والأبيض عند حضورها.

قوله: [وتطييب]: إنما ندب استعمال الطيب يومها لأجل الملائكة الذين يقفون على أبواب المساجد يكتبون الأول فالأول، وربما صافحوه أو لمسوه.

قوله: [ومشى في الذهاب]: أي لما فيه من التواضع لله عز وجل لأنه عبد ذاهب لمولاه فيطلب منه التواضع له فيكون ذلك سبباً في إقباله عليه، ولقوله عليه الصلاة والسلام:«من اغبرت قدماه في سبيل الله» أي في طاعته «حرمه الله على النار» وشأن الماشي الاغبرار وإن اتفق عدم الاغبرار فيمن منزله قريب، واغبرار قدمي الراكب نادر. والحاصل أن الاغبرار لازم للمشي عادة فأطلق اسم اللازم وأريد الملزوم الذي هو المشي على طريق الكناية.

قوله: [فقط]: أي وأما في رجوعه فلا يندب المشي لأن المقصود بالذات قد حصل.

قوله: [والمراد بها الساعة السادسة]: أي وهي المقسمة إلى الساعات أي الأجزاء في حديث الموطأ، وهو قوله عليه الصلاة والسلام:«من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر» وما قلناه من أن تلك الساعات أجزاء للسادسة التي يليها الزوال هو ما ذهب إليه الباجي وشهره الرجراجي خلافاً لابن العربي القائل: إنه تقسيم للساعة السابعة، وذلك لأن الإمام يطلب خروجه في أولها وبخروجه تحضر

ص: 180

والثانية أقصر) من الأولى، أي يندب كونها أقصر. (و) ندب (رفع صوته بهما) زيادة على أصل الجهر الواجب. (وبدؤهما بالحمد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وأوجبهما الشافعي كما أوجب الاستغفار وأمر بالتقوى ولو في أحدهما. (وختم الثانية بيغفر الله لنا ولكم وأجزأ) في الندب (اذكروا الله يذكركم و) ندب (قراءة فيهما) ولو آية والأولى سورة من قصار المفصل، وروي: أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ فيها: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا} [الأحزاب: 70] إلى قوله تعالى: {فوزا عظيما} [الأحزاب: 71]، وأوجب الشافعي القراءة وجعل أركانها خمسة الأربعة المتقدمة والقراءة؛ فيكفي عنده: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، اتقوا الله لقوله تعالى:{فمن يعمل مثقال ذرة} [الزلزلة: 7] إلخ، غفر الله لنا ولكم، ثم يجلس، ثم مثل ذلك. وكذا عندنا لأنه مما تسميه العرب خطبة، ولم يصرحوا بندب قراءة حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، فلعله من البدع الحسنة.

(و) ندب للإمام (توكؤ) حال الخطبة (على عصا) وأجزأ قوس وسيف.

(و) ندب (قراءة) سورة (الجمعة) بعد الفاتحة في الأولى، (وهل أتاك أو سبح) بعدها في الثانية.

(و) ندب (حضور صبي و) امرأة (متجالة) أي عجوز لا أرب للرجال فيها، (ومكاتب) ولو لم يأذن له سيده (و) حضور (قن) أو مدبر (أذن سيده) له في الحضور.

(و) ندب (تأخير معذور) كمحبوس ومكره ومريض وعريان وخائف من الذهاب لأمر (الظهر): أي صلاة الظهر إلى أن تصلى الجمعة، ولا يستعجل بصلاتها (إن ظن زوال عذره) قبل أداء الجمعة وإدراكها فإن قدم صحت وأعادها جمعة وجوباً إن أمكن وظاهر قوله "وأخر الظهر" إلخ الوجوب (وإلا) يظن زوال عذره بل شك أو ظن عدمه (فله التقديم) لصلاة الظهر أول الوقت قبل إقامتهم الجمعة؛ كالنساء والعبيد (وغير المعذور) ممن تجب عليه الجمعة ولو لم تنعقد به؛ كالمقيم ببلدها (إن صلاه): أي الظهر في مسجد أو غيره (مدركاً) أي حال كونه ظاناً الإدراك (لركعة) من الجمعة (لو سعى) لها (لم يجزه) أي الظهر الذي صلاه، ويعيده إن لم تمكنه الجمعة أبداً (كمعذور) صلى الظهر لعذره ثم (زال عذره): كأن قدم من السفر أو صح من مرضه أو انفك من وثاقه قبل إقامة الجمعة بحيث لو سعى لأدرك منها ولو ركعة، فإنه تجب عليه الجمعة، فإذا لم يصلها مع الإمكان فهل يعيد الظهر أو لا؟ ولأنه قد صلاها حال العذر وهو الذي يفيده صدر المبحث (أو صبي بلغ) بعد أن صلى الظهر وقبل إقامة الجمعة فتجب عليه الجمعة، فإن لم يصلها مع الجماعة أعاد الظهر أبداً، لأن فعله الأول وقع نافلة وقد بلغ في الوقت.

(و) ندب (حمد عاطس سراً حال الخطبة) وكره جهراً لأنه يؤدي إلى التشميت والرد وهو من اللغو الممنوع (كتأمين) تشبيه في الندب أي في قوله آمين (وتعوذ واستغفار عند ذكر السبب) في الجميع بأن يشرع في دعاء أو ذكر جهنم أو استغفار، فيندب بشرط السر به ويكره الجهر.

ثم ذكر ما يجوز بقوله: (وجاز) بمعنى خلاف الأولى لداخل (تخط) لرقاب الجالسين (قبل جلوس الخطيب) على المنبر (لفرجة) يجلس فيها ويكره لغيرها كما يأتي في المكروهات،

ــ

الملائكة لسماع الذكر.

قوله: [والثانية أقصر]: أي وكذا يندب تقصير الصلاة لما مر أن التخفيف لكل إمام مطلوب.

قوله: [وندب رفع صوته بهما] إلخ: ولذلك ندب للخطيب أن يكون مرتفعاً على منبر.

قوله: [وأجزأ في الندب: اذكروا الله] إلخ: أي وأما ختمها بقوله تعالى: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان} [النحل: 90] الآية فظاهر كلامهم أنه غير مطلوب في ختمها وأول من قرأ في آخرها: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان} [النحل: 90] عمر بن عبد العزيز فإنه أحدث ذلك بدلاً عما كان يختم به بنو أمية خطبتهم من سبهم لعلي رضي الله عنه، لكن عمل أهل المدينة على خلافه.

قوله: [وندب قراءة فيهما]: أي في مجموعهما لأن القراءة إنما تندب في الأولى كما في (شب).

قوله: [يقرأ فيها]: أي في خطبته الأولى.

قوله: [وهل أتاك أو سبح] إلخ: أي فيكون الخطيب مخيراً بين الاثنين في الثانية.

قوله: [ولو لم يأذن له سيده]: أي لسقوط تصرفه فيه بالكتابة.

قوله: [أو مدبر أذن سيده] إلخ: الظاهر أنه يندب للسيد الإذن لأنه وسيلة للمندوب. قال الأجهوري:

من يحضر الجمعة من ذي العذر

عليه أن يدخل معهم فادر

وما على أنثى ولا أهل السفر

والعبد فعلها وإن لها حضر

قال في المجموع: وقد نازع (ر) و (بن) في عدم الوجوب على ذي الرق بعد الحضور، وإن كان هو مقتضى بحث القرافي المشهور في إجزائها عن الظهر. اهـ. قال في حاشيته: لكن منازعتهما في عدم وجوب الدخول عند الإقامة، وذلك أن الأجهوري قال به وخص وجوب الدخول بالإقامة بما إذا كانت تلك الصلاة واجبة عليه، فقال (ر): الصواب أن الوجوب عام، وأن معنى كلام الأشياخ: أن المريض والمعذور بخوف أو وحل أو مطر مثلاً - إذا حضر في المسجد، وتحمل المشقة - وجبت عليهم لارتفاع عذرهم لما حضروا، فارتفع المانع المسقط للوجوب، وأما العبد ومن معه فعذرهم قائم بهم حال حضورهم فلهم الخروج من المسجد، وأما اللزوم فالإقامة فقدر مشترك. اهـ.

قوله: [لم يجزه]: أي على الأصح وهو قول ابن القاسم وأشهب وعبد الملك، لأن الواجب عليه جمعة ولم يأت بها. وسواء أحرم

ص: 181

ويحرم حال الجلوس كما يأتي أيضاً.

(و) جاز التخطي (بعدها) أي الخطبة (وقبل الصلاة مطلقاً) أي لفرجة أو غيرها، (كمشي بين الصفوف) يجوز مطلقاً ولو حال الخطبة.

(و) جاز (كلام بعدها) أي الخطبة (للصلاة): أي للأخذ في إقامتها إذ الكلام حال الإقامة مكروه، ويحرم بعد إحرام الإمام في الجمعة وغيرها، لكن الذي نص عليه ابن رشد أنه مكروه، ونص غيره على جوازه حال الإقامة.

(و) جاز (ذكر) كتسبيح وتهليل (قل سراً) حال الخطبة ومنع الكثير جهراً لأنه يؤدي إلى ترك واجب وهو الاستماع، والظاهر أن الجهر باليسير مكروه. ومن البدع المحرمة ما يقع بدكة المبلغين بالقطر المصري من الصريخ على صورة الغناء والترنم، ولا ينكر عليهم أحد من أهل العلم. ومن البدع المذمومة أن يقول الخطيب الجهول في آخر الخطبة الأولى: ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، ثم يجلس فتسمع من الجالسين ضجة عظيمة يستمرون فيها حتى يكاد الإمام أن يختم الثانية، وعلى دكة التبليغ جماعة يرفعون أصواتهم جداً بقولهم آمين آمين يا مجيب السائلين إلى آخر كلام طويل، وهكذا، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

(و) جاز (نهي خطيب) حال الخطبة (أو أمره) إنساناً بالغاً [1] أو وقع منه ما لا يليق كأن يقول: أنصت أو لا تتكلم، أو لا تتخط أعناق الناس ونحو ذلك.

(و) جاز للمأمور (إجابته) فيما يجوز إظهاراً لعذره، كأنا فعلت كذا خوفاً على نفس أو مال أو نحو ذلك، ولا يكون كل من الخطيب والمجيب لاغياً.

ثم شرع في ذكر المكروهات فقال:

(وكره تخط قبل الجلوس): أي جلوس الخطيب على المنبر (لغير فرجة) لأنه يؤذي الجالسين.

(و) كره (ترك طهر) بأن يخطب وهو محدث (فيهما) أي الخطبتين فليس من شرطهما الطهارة على المشهور.

(و) كره ترك (العمل يومها): أي الجمعة لأجله لما فيه من التشبه باليهود والنصارى في السبت والأحد.

(و) كره (تنفل عند الأذان) الأول لا قبله (لجالس) في المسجد، لا داخل (يقتدى به) من عالم أو سلطان أو إمام لا لغيرهم؛ خوف اعتقاد العامة وجوبه. ويكره التنفل بعد صلاتها أيضاً

ــ

بالظهر عازماً على عدم الجمعة أم لا، فإن لم يكن وقت إحرامه بالظهر مدركاً لركعة من الجمعة لو سعى إليها أجزأته ظهره. ومقابل الأصح ما في التوضيح عن ابن نافع: أن غير المعذور إذا صلى الظهر مدركاً لركعة فإنها تجزئه، قال: إذ كيف يعيدها أربعاً وقد صلى أربعاً؟ لأنه قد أتى بالأصل وهو الظهر. وذكر ابن عرفة أن المازري بنى هذا الفرع على الخلاف في الجمعة هل هي فرض يومها أو بدل عن الظهر. اهـ. من حاشية الأصل.

تنبيه: تكره صلاة الظهر جماعة يوم الجمعة لغير أرباب الأعذار الكثيرة الوقوع، وأما عن أرباب الأعذار الكثيرة الوقوع فالأولى لهم الجمع، ويندب صبرهم إلى فراغ صلاة الجمعة، وإخفاء جماعتهم لئلا يتهموا بالرغبة عن الجمعة. واحترزنا بكثرة الوقوع عن نادرة الوقوع كخوف بيعة الأمير الظالم فإنه يكره للخائف الجمع، وإذا جمعوا لم يعيدوا على الأظهر خلافاً لمن قال بإعادتهم إذا جمعوا. وقد وقعت هذه المسألة بالإسكندرية فتخلف ابن وهب وابن القاسم عن الجمعة فلم يجمع ابن القاسم، ورأى أن ذلك نادر وجمع ابن وهب بالقوم وقاسها على المسافر، ثم قدما على مالك فسألاه؟ فقال: لا تجمعوا ولا يجمع إلا أهل السجن والمرض والمسافر.

قوله: [ويحرم حال الجلوس]: أي ولو لفرجة.

قوله: [وجاز التخطي] إلخ: أي لأنه ليس من مقدمات الخطبة بخلاف الجلوس قبلها فإنه تأهل لها.

قوله: [ونص غيره] إلخ: وهو (بن) تبعاً للمواق والحطاب.

قوله: [وجاز ذكر]: أي بمرجوحية خلافاً لقول (عب) إنه مندوب، فالأولى الإنصات على كل حال.

قوله: [والظاهر أن الجهر] إلخ: أي فتحصل أن الأقسام أربعة: مندوب وهو الذكر سراً عند السبب، وخلاف الأولى وهو الذكر القليل سراً من غير سبب، ومكروه وهو الذكر القليل جهراً، وحرام وهو كثرة الذكر جهراً كالواقع بدكة المبلغين.

قوله: [على صورة الغناء]: بالمد مع كسر الغين: وهو تطريب الصوت.

قوله: [أن يقول الخطيب الجهول]: صيغة مبالغة لأن جهله مركب لزعمه أنه يأمر بالمعروف وهو يأمر بالمنكر؛ لأن أصل قراءة الحديث لم يكن مأموراً بها في الخطبة أصلاً فهو من البدع كما تقدم، والإنصات ولو بين الخطبتين واجب، ورفع الأصوات الكثيرة ولو بالذكر حرام، فهذا الخطيب ضل في نفسه وأضل غيره.

قوله: [فإنا لله وإنا إليه راجعون]: إنما استرجع لكونها من أعظم المصائب حيث جعلوا شعيرة الإسلام ملحقة بالملاهي بحضور كبار العلماء والخلق مجمعون على ذلك ولم يوجد لها مغير.

قوله: [فليس من شروطهما الطهارة] إلخ: أي ولكن يحرم عليه في الكبرى من حيث المكث بالجنابة في المسجد. ابن يونس عن سحنون: إن ذكر في الخطبة أنه جنب نزل للغسل وانتظروه إن قرب وبنى - أي على ما قرأه من الخطبة. قال غيره فإن لم يفعل وتمادى في الخطبة واستخلف في الصلاة أجزأه.

قوله: [في السبت والأحد لف ونشر مرتب]: وهذا حيث تركه تعظيماً كما يفعله أهل الكتاب لسبتهم وأحدهم. وأما تركه لاستراحة فمباح، وتركه لاشتغاله بأمر الجمعة من تنظيف ونحوه فحسن يثاب عليه، ولذلك يكره اشتغاله يوم الجمعة بأمر يشغله عن وظائف الجمعة.

قوله: [عند الأذان الأول]: أي وأما عند

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

في ط المعارف: (لغى)، ولعلها الصواب.

ص: 182

إلى أن ينصرف الناس من المسجد.

(و) كره (حضور شابة غير مفتنة) لصلاتها وحرم لفتنة [1].

(و) كره (سفر بعد الفجر) إلى الزوال لا قبله، (وحرم) السفر (بالزوال) لتعلق الوجوب به.

(كتخط) لرقاب الجالسين (أو كلام) من الجالسين بالمسجد (في) حال (خطبتيه) لا قبلهما، ولو جلس على المنبر الجلسة الأولى (وبينهما) في الجلسة الثانية (ولو لم يسمع) الخطبة لبعده أو صممه (إلا أن يلغو) في خطبته: أي يأتي بكلام لغو أي ساقط كأن يسب من لا يجوز سبه، أو يمدح من لا يجوز مدحه، أو يتكلم بكلام خارج عن قانون الخطبة فيجوز الكلام حينئذ.

(و) حرم (سلام) من داخل أو جالس على أحد فهو الرفع عطف على الضمير المستتر في حرم لوجود الفصل، ويجوز جره عطفاً على تخط.

(و) حرم (رده) أي السلام ولو بالإشارة بخلاف رده بالإشارة من المصلي فيجب كما تقدم.

(و) حرم (تشميت عاطس) فأولى الرد عليه.

(و) حرم (نهي لاغ) بأن يقول كف عن هذا اللغو، أو نحوه (أو إشارة له): أي للاغي بأن ينكف.

(وأكل أو شرب وابتداء صلاة) نفلاً (بخروجه) أي الخطيب للخطبة لجالس بل (وإن لداخل). وقطع ولو عقد ركعة ولو لم يتعمد إن كان جالساً، (ولا يقطع الداخل إلا إن تعمد) النفل، بأن علم بخروج الخطيب وأحرم عمداً فيقطع، ولو عقد ركعة، لا إن جهل خروجه أو ناسياً فلا يقطع ولو لم يعقد ركعة لكن يخفف بأن يقتصر على الأركان والسنن، ومفهوم ابتداء إلخ أنه لو كان متلبساً بنفل قبل خروج الخطيب، أنه لا يحرم عليه الإتمام مطلقاً، وهو كذلك بل يجب عليه الإتمام.

(وفسخ بيع ونحوه) من إجارة وتولية وشركة وشفعة وإقالة وقع شيء من ذلك (بأذان ثان) إلى الفراغ من الصلاة، ودل ذلك على حرمة ما ذكر وإلا لم يفسخ لا قبله ولو حال الأذان الأول إلا إذا بعدت داره، ووجب عليه السعي قبله فاشتغل به عن السعي فيفسخ وترد السلعة [2] لربها إن لم تفت (فإن فات)

ــ

الأذان الثاني فحرام فلا يعارضه حرمة الصلاة عند خروج الخطيب للمنبر، قال الخرشي: وكذا يكره للجالس التنفل وقت كل أذان للصلوات غير الجمعة، نص عليه في مختصر الوقار، فقال: ويكره قيام الناس للركوع بعد فراغ المؤذنين من الأذان يوم الجمعة أو غيرها. اهـ. كلام مختصر الوقار. ولكن قيد في المجموع الكراهة، كما قيدها شارحنا بقوله: إلا لغير مقتدى به وكذا الداخل أو من استمر يتنفل حتى أذن.

قوله: [إلى أن ينصرف الناس]: أي أو يأتي وقت انصرافهم.

قوله: [بعد الفجر]: أي لمن لا يدركها أمامه.

قوله: [وحرم السفر بالزوال]: أي لضرورة.

قوله: [ولو لم يسمع الخطبة]: إنما منع الكلام لغير السامع سداً للذريعة لئلا يسترسل الناس على الكلام حتى يتكلم من يسمع الإمام، وأشار المصنف ب "لو" لرد ما نقله ابن زرقون عن ابن نافع من جواز الكلام لغير السامع ولو لداخل المسجد كما حكاه ابن عرفة. ومفهوم قوله:"من الجالسين بالمسجد" أنه لا يحرم الكلام في الطرق المتصلة بالمسجد ولو سمع الخطبة، وكذلك رحبته على المعتمد. والحاصل أن حرمة الكلام وقت الخطبة، قيل: خاصة بمن في المسجد. وقيل بمن فيه والرحاب، وقيل: بمن فيهما أو في الطرق، ولكن المؤلف عول على القول الأول.

قوله: [إلا أن يلغو] إلخ: من جملة اللغو: الدعاء للسلطان، وكذا الترضي عن الصحب كذا في الحاشية، لكن قال المؤلف في تقريره نقلاً عن البناني: إن الترضي عن الصحب والدعاء للسلطان ليس من اللغو، بل من توابع الخطبة فحينئذ يحرم الكلام على المشهور خلافاً ل (عب) اهـ.

قوله: [عطف على الضمير المستتر في حرم]: أي في قول المصنف وحرم بالزوال.

قوله: [ولو بالإشارة]: نقل ابن هارون عن مالك جواز الرد بالإشارة، وأنكره في التوضيح.

قوله: [بخلاف رده] إلخ: والفرق بين المصلي ومستمع الخطبة عظم هيبة الصلاة فإنه مانع من كون الإشارة ذريعة للكلام.

قوله: [وابتداء صلاة بخروجه]: حاصل ما يؤخذ من المتن والشارح أن الصور ثمانية عشر، لأن المصلي: إما أن يبتدئ صلاة النفل بعد خروج الخطيب، أو قبله. فإن ابتدأها قبل خروج الخطيب فلا يقطع مطلقاً عقد ركعة أم لا، عامداً، أو جاهلاً، أو ناسياً؛ فهذه ست تؤخذ من قوله: ومفهوم "ابتداء" إلخ، وإن ابتدأها بعد خروج الخطيب وكان جالساً قطع مطلقاً عقد ركعة أم لا، عامداً، أو جاهلاً، أو ناسياً. وإن ابتدأها بعد خروج الخطيب وكان داخلاً قطع إن تعمد، عقد ركعة أم لا، فهاتان صورتان تضم للست قبلها يقطع فيها. وأما إن ابتدأها جاهلاً أو ناسياً - سواء عقد ركعة أم لا - فلا يقطع ولكنه يخفف كما قال الشارح، ويتمها جالساً فهذه أربع صور تضم للست الأول لا يقطع فيها.

قوله: [وإن لداخل]: رد بالمبالغة على السيوري القائل بجوازه للداخل حال خروج الإمام للخطبة وهو مذهب الشافعي.

قوله: [وفسخ بيع] إلخ: وهو ما حصل ممن تلزمه ولو مع من لا تلزمه. ونص المدونة: فإن تبايع اثنان تلزمهما الجمعة أو أحدهما فسخ البيع، وإن كانا ممن لا تجب الجمعة على واحد منهما لم يفسخ. اهـ. والحرمة والفسخ ولو في حال السعي وهو أحد قولين سداً للذريعة كما في الحاشية و (عب) عن ابن عمر، ويستثنى من انتقض وضوؤه ولا يجد الماء إلا بالشراء فلا حرمة على بائع ولا مشتر.

قوله: [من إجارة]: وهي بيع المنافع. والتولية: أن يولي غيره ما اشتراه بما اشتراه. والشركة: أن يبيعه

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

في ط المعارف: (لمفتنة).

[2]

في ط المعارف: (السلة).

ص: 183

البيع ولو بتغير سوقه (فالقيمة) لازمة (حين القبض) لا حين العقد ولا الفوات ومفهوم بيع ونحوه أن النكاح والهبة والصدقة والكتابة لا تفسخ إن وقعت عند الأذان الثاني وإن حرم.

ثم شرع يتكلم على الأعذار المسقطة لها فقال:

(وعذر تركها) أي الموجب لتركها أي السبب فيه (كالجماعة) أي كعذر ترك الجماعة في المساجد (شدة وحل) بفتح الحاء وهو ما يحمل الناس على خلع المداس.

(و) شدة (مطر) وهو ما يحملهم على تغطية الرأس.

(وجذام) تضر رائحته بالناس (ومرض) يشق معه الذهاب (وتمريض) لقريب وإن كان عنده من يمرضه أو لأجنبي أو بعيد القرابة إذا لم يكن عنده من يقوم به غيره.

(وشدة مرض قريب ونحوه) كصديق ملاطف وزوجة وسرية وإن كان عنده من يعوله، وأولى إشراف من ذكر على الموت وأولى موته بالفعل.

(وخوف على مال) له بال (ولو لغيره، أو حبس أو ضرب) أي خوفهما وأولى ما هو أشد منهما كقتل وقطع وجرح.

(وعري) بأن لا يجد ما يستر عورته (ورائحة كريهة) تؤذي الجماعة كرائحة ثوم بضم المثلثة وقد تبدل فاء كما في الآية: {وفومها} ، ودباغ وبصل وكراث، ويجب ترك أكل ذلك يومها وكذا في المسجد ولو في غير جمعة (فيجب) على من تلبس برائحة كريهة (إزالتها) بما يقدر عليه (إن أمكن و) من الأعذار (عدم وجود قائد لأعمى) إن كان (لا يهتدي بنفسه)، وإلا وجب عليه السعي والله أعلم.

ــ

بعض ما اشتراه، والشفعة: هي أخذ الشريك الشقص من مشتريه بثمنه الذي اشتراه به، والإقالة: هي قبول رد السلعة لربها بعد لزومها. وهذا الحكم وهو الفسخ من خصوصيات الجمعة على المعول عليه؛ فلا يفسخ بيع من ضاق عليه وقت غيرها لأن السعي للجماعة هنا مقصود، وإلا لزم فسخ بيع من عليه فوائت، بل الغصاب لوجود اشتغالهم برد ما عليهم - كما قال في التوضيح انظر (ح) كذا في المجموع.

قوله: [فالقيمة لازمة] إلخ: أي وإن كان مختلفاً فيه فهو مستثنى من فوات المختلف فيه بالثمن.

قوله: [لا تفسخ]: أي إما لعدم العوض أو لأنها من قبيل العبادات. واستظهر في المجموع إلحاق الخلع بالنكاح، وهبة الثواب كالبيع فقول الشارح والهبة ": أي لغير الثواب.

قوله: [بفتح الحاء]: أي على الأفصح. ويجمع على أوحال كسبب وأسباب، ومقابل الأفصح: السكون، كفلس ويجمع على أوحل كأفلس.

قوله: [وهو ما يحمل الناس]: أي أوسطهم.

قوله: [تضر رائحته بالناس]: وأما من لا تضر فليس بعذر، ومثل الجذام البرص وكل بلاء منفر، ومحل كون ما ذكر مسقطاً إذا كان المجذوم ونحوه لا يجد موضعاً يتميز فيه، أما لو وجد موضعاً تصح فيه الجمعة ولا يضر بالناس فإنه تجب عليه اتفاقاً لإمكان الجمع بين حق الله وحق الناس.

قوله: [ومرض يشق] إلخ: أي ومنه كبر السن يشق معه الإتيان إليها راكباً أو ماشياً.

قوله: [وتمريض لقريب] إلخ: حاصله أن الأجنبي والقريب الغير الخاص لا يباح التخلف عنده إلا بقيدين: أن لا يكون له من يقوم به، وأن يخشى عليه الضيعة لو تركه. وأما الصديق الملاطف وشديد القرابة فيباح عنده التخلف. ولو وجد من يعوله وإن لم يخش عليه ضيعة؛ لأن تخلفه عنده ليس لأجل تمريضه بل لما دهمه من شدة المصيبة.

قوله: [وأولى موته بالفعل]: نقل ابن القاسم عن مالك يجوز التخلف لأجل النظر في أمر الميت من إخوانه من مؤن تجهيزه. وفي المدخل جواز التخلف للنظر في شأنه مطلقاً ولو لم يخف عليه ضيعة ولا تغيراً. كما في الحاشية.

قوله: [وخاف على مال]: أي من ظالم أو لص أو نار.

وقوله: [له بال]: أي وهو الذي يجحف بصاحبه. ومثل الخوف على المال: الخوف على العرض أو الدين كأن يخاف قذف أحد من السفهاء له أو إلزام قتل شخص أو ضربه ظلماً أو إلزام بيعة ظالم لا يقدر على مخالفته.

قوله: [بأن لا يجد] إلخ: كذا نقل (ح) عن بهرام والبساطي، ابن عاشر: ولا يقيد بما يليق بأهل المروءات اهـ. (بن)، فعلى هذا: إذا وجد ما يستر عورته فلا يجوز له التخلف ولو كان من ذوي المروءات. وهناك طريقة أخرى حاصلها أن المراد بالعري أن لا يجد ما يليق بأمثاله ولا يزري به وإلا لم تجب عليه، وهذه الطريقة هي الأليق بالحنيفية السمحاء. كذا في الحاشية، قال في المجموع: والظاهر أنه لا يخرج لها بالنجس لأن لها بدلاً. كما قالوا: لا يتيمم لها.

قوله: [ويجب ترك أكل ذلك يومها]: أي حيث لم يستحضر له على مزيل وإلا فلا حرمة في أكله خارج المسجد. وسمعت عن بعض الصالحين أن من أكل البصل ونحوه ليلة الجمعة أو يومها لا يموت حتى يبتلى بتهمة باطلة ولم تظهر له براءة.

قوله: [وإلا وجب عليه السعي]: أي حيث اهتدى بنفسه أو وجد قائداً ولو بأجرة حيث لم تزد على أجرة المثل وكانت لا تجحف به.

خاتمة: من أعذار الجماعة شدة الريح بالليل لا بالنهار. وليس العرس من الأعذار ولا شهود العيد وإن أذن لهم الإمام في التخلف على المشهور، إذ ليس حقاً له.

ص: 184

فصل: في حكم [1] صلاة الخوف وكيفيتها

(سن لقتال جائز) أي مأذون فيه؛ واجباً كان كقتال الحربيين والبغاة القاصدين الدم وهتك الحريم، أو جائزاً كقتال مريد المال من المسلمين.

(أمكن [2] تركه) أي القتال (لبعض) من القوم والبعض الآخر فيه مقاومة للعدو أيضاً (قسمهم) أي القوم (قسمين وعلمهم) الإمام كيفيتها وجوباً إن جهلوا وندباً إن كانوا عارفين، حذراً من تطرق الخلل (وصلى بأذان وإقامة بالأولى) من الطائفتين (ركعة في) الصلاة (الثنائية) كالصبح والمقصورة (و) صلى بهم (ركعتين بغيرها): أي الثنائية وهي الرباعية بأن كانوا يحضروا [3] الثلاثية، (ثم قام) بعد التشهد في غير الثنائية ولا تشهد في الثنائية (داعياً أو ساكتاً مطلقاً) في الثنائية وغيرها (أو قارئاً في الثنائية) فقط؛ ففي الثنائية يخير بين أمور ثلاثة: الدعاء بالنصر والفرج ورفع الكرب، والسكوت والقراءة لأنه يعقب الفاتحة فيها السورة فله أن يطول ما شاء، ويخير في غير الثنائية وهي الرباعية والثلاثية بين أمرين الدعاء والسكوت، إذ لا قراءة بعد الفاتحة (فأتمت) الطائفة الأولى حال قيامه صلاتها (أفذاذاً وانصرفت) بعد سلامها تجاه العدو للقتال (فتأتي) الطائفة (الثانية) التي كانت تجاه العدو فتحرم خلفه (فيصلي بها ما بقي) له (فإذا سلم) الإمام

ــ

فصل في كم صلاة الخوف

قوله: [وكيفيتها]: أي الكيفية المخصوصة التي تفعل حال الخوف، والمعول عليه «أن النبي صلى الله عليه وسلم صلاها في ثلاثة مواضع: ذات الرقاع وذات النخيل وعسفان»، خلافاً لمن قال صلاها في عشرة مواضع.

قوله: [سن لقتال]: أي وهو الذي في الرسالة ونقله ابن ناجي عن ابن يونس وقيل إنها مندوبة وهو ما نقله سند عن المواز، والراجح الأول.

قوله: [كقتال مريد المال]: إن قلت إن حفظ المال واجب وحينئذ فمقتضاه أن يكون قتال مريد أخذه واجباً حتى يتحقق الحفظ الواجب. قلت معنى وجوب حفظه أنه لا يجوز إتلافه بنحو إحراق أو تغريق مثلاً، وهذا لا ينافي جواز تمكين الغير من أخذه له ما لم يحصل موجب لتحريمه؛ كأن يخاف على نفسه التلف إن أمكن غيره منه.

وقوله: [من المسلمين]: حال من مريد المال.

ومفهوم قوله: "جائزاً": لو كان القتال حراماً كقتال البغاة للإمام العدل وكقتال أهل الفسوق الذين اشتهروا بسعد وحرام، فلا يجوز لهم ذلك.

قوله: [قسمهم]: نائب فاعل سن، أي فيقسمهم ويصلي بهم في الوقت. فالآيسون من انكشاف العدو يصلون أول المختار، والمترددون وسطه والراجون آخره. وفي (بن) طريقة بعدم هذا التفصيل وأنهم يصلون أول المختار مطلقاً. وإذا قسمهم فلا يشترط تساوي الطائفتين؛ بل المدار على أن الأخرى تناوئ العدو. ويصلي بهم صلاة القسمة وإن كانوا متوجهين جهة القبلة خلافاً لمن قال بعدم القسم حينئذ، بل يصلون جماعة واحدة. بل وإن كانوا على دوابهم يصلون بالإيماء، وكذلك إمامهم يصلي بالإيماء. وهذه مستثناة مما مر من قولهم: المومئ؛ لا يؤم المومئ لأن المحل محل ضرورة. والحاصل أنهم هنا يصلون على الدواب إيماء مع القسم لإمكانه، بخلاف ما يأتي فإنهم يصلون على دوابهم أفذاذاً لعدم إمكان القسم كذا في الحاشية.

قوله: [وصلى بأذان] إلخ: إما عطف على قوله: "وعلمهم": أي والحكم أنه يصلي بأذان وإقامة، ويحتمل أن تكون هذه الجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً كأن قائلاً قال له إذا قسمهم فما كيفية ما يفعل؟ فأجابه بقوله: وصلى إلخ، والباء في قوله:"بأذان": بمعنى مع، وفي قوله:"بالأولى": للملابسة وكل منهما متعلق بصلى. فلم يلزم عليه تعلق حرفي جر متحدي اللفظ والمعنى بعامل واحد.

قوله: [كالصبح والمقصورة]: أي وكالجمعة؛ فإنها من الثنائية، لكن لا يقسمهم إلا بعد أن تسمع كل طائفة الخطبة، ولا بد أن تكون كل طائفة اثني عشر فإن كان كل طائفة أكثر من اثني عشر فلا بد من سماع الخطبة لاثني عشر من كل، ثم إنه يصلي بالطائفة الأولى ركعة وتقوم فتكمل صلاتها وتسلم أفذاذاً، ثم تأتي الطائفة الثانية تدرك معه الركعة الباقية ويسلمون بعد إكمال صلاتهم، وهذا مستثنى من قولهم: لا بد من بقاء الاثني عشر لسلامها لأن المحل ضرورة، ولذلك قال في المجموع - فيلغز من جهتين: جمعة لا يكفي فيها اثنا عشر يسمعون الخطبة، وجمعة صحت من غير بقاء اثني عشر لسلام الإمام. اهـ. قال في حاشيته: ومقابل هذا يخطب لاثني عشر يستمرون مع الإمام في الطائفتين لكن يلزمه أنهم قسموا أثلاثاً. اهـ.

قوله: [والقراءة]: أي بما يعلم أنه لا يتمها حتى تفرغ الأولى من صلاتها وتدخل معه الطائفة الثانية.

قوله: [فأتمت الطائفة الأولى]: وهل يسلمون على الإمام كالمسبوق؟ ذكر شيخ المشايخ في حاشية أبي الحسن عدمه، ويردون على من باليسار. وإذا بطلت صلاة الإمام بعد مفارقتهم لم تبطل عليهم.

قوله: [أفذاذاً]: فإن أمهم أحدهم سواء كان باستخلافهم له أم لا فصلاته تامة وإن نوى الإمامة، إلا لتلاعب، وصلاتهم فاسدة كما في الطراز عن ابن حبيب. وكذلك يقال في الطائفة الثانية. وإنما فسدت عليهم لأنه لا يصلى بإمامين في صلاة واحدة في غير الاستخلاف.

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

ليست في ط المعارف.

[2]

زاد قبلها في ط المعارف: (إن).

[3]

في ط المعارف: (يحضرون).

ص: 185

(قضوا ما فاتهم) من الصلاة من ركعة أو ركعتين بفاتحة وسورة جهراً في الجهرية (وإن سها مع الأولى سجدت) الأولى (بعد إكمالها) صلاتها السجود (القبلي قبل السلام)، أي سلامها والبعدي بعده (وسجدت الثانية) السجود (القبلي معه)، فإذا سلم قامت لقضاء ما عليها (و) سجدت (البعدي بعد القضاء)

وذكر مفهوم قوله أمكن إلخ بقوله:

(وإن لم يمكن تركه) أي القتال (لبعض صلوا آخر) الوقت (المختار إيماء) أي بالإيماء بخفض للسجود أكثر من الركوع (أفذاذاً إن لم يمكن ركوع وسجود)، فإن أمكن صلوها تامة.

(وحل) للمصلي صلاة الالتحام (للضرورة) أي لأجلها (مشي) وهرولة وجري وركض (وضرب وطعن) للعدو (وكلام) من تحذير وإغراء وأمر ونهي، (وعدم توجه) للقبلة (ومسك) سلاح (ملطخ) بدم (وإن أمنوا) أي حصل لهم الأمان (بها) أي فيها أي في صلاة الالتحام (أتمت صلاة أمن) بركوع وسجود.

ثم شرع في الكلام على السنن المؤكدة - وقدم الكلام على الوتر وأنه آكدها فقال:

فصل [1]: في أحكام صلاة العيدين

(صلاة العيدين): أي عيد الفطر وعيد الأضحى،

ــ

قوله: [قضوا ما فاتهم]: عبر في الأولى بقوله: "فأتمت" وهنا بقوله: "قضوا" إشارة إلى أن الأولى بانية والثانية قاضية كما هو معلوم.

قوله: [وإن سها مع الأولى] إلخ: وأما لو سها بعد مفارقة الأولى فلا يلزم شيء وإنما يلزم الثانية.

قوله: [القبلي معه]: وانظر لو أخرت لإكمال صلاتها وسجدته قبل سلامها. والظاهر أنه يجري فيه ما جرى من المسبوق المتقدم في سجود السهو، وتقدم أن البطلان قول ابن القاسم، وأن الصحة قول عيسى بن دينار، واختاره (بن) ثم إنها تسجد القبلي ولو تركه الإمام وتبطل صلاته إن كان مترتباً عن ثلاث سنن، وطال كذا في الحاشية.

قوله: [وسجدت البعدي بعد القضاء]: فإن سجدته معه بطلت صلاتها كما مر في المسبوق.

قوله: (آخر الوقت المختار) إلخ: هذا إذا رجوا الانكشاف قبل خروج الوقت بحيث يدركون الصلاة فيه. وأما إن أيسوا من انكشافه في الوقت صلوا صلاة مسايفة في أول الوقت، فإن ترددوا أخروا الصلاة لوسطه، كذا في الحاشية. كأن دهمهم عدو بها فيصلون كيفما تيسر، قال شيخنا في مجموعه: وسئلت إن دهمهم العدو في الجمعة، فقلت: الظاهر إن دهمهم بعد ركعة حصلت الجماعة وأتموا جمعة حيث أمكن المسجد كالمسبوق، وإلا أتموا ظهراً وتكفي نية الجمعة كما سبق وانظر النص اهـ.

قوله: [أفذاذاً]: أي لأن مشقة الاقتداء هنا أشد من مشقته فيما إذا أمكن القسم، ولذا تقدم أنه إذا أمكن القسم فإن لهم أن يصلوا ولو على دوابهم إيماء.

قوله: [وحل للمصلي] إلخ: أي في صلاة المسايفة المذكورة.

قوله: [وكلام]: أي لغير إصلاحها ولو كان كثيراً إن احتاج له في أمر القتال.

قوله: [ومسك سلاح ملطخ]: أي سواء كان محتاجاً لمسكه أو في غنية عنه لأنه محل ضرورة. وقيل: لا يجوز إلا إذا كان محتاجاً له، وهذا هو المعتمد.

قوله: [أي فيها]: الضمير راجع لصلاة الخوف مطلقاً؛ كانت مسايفة أو قسماً وقوله: [أتمت]: أي إن كانت سفرية فسفرية، وإن كانت حضرية فحضرية.

وقوله: [صلاة أمن]: حال من ضمير "أتمت" فإن حصل الأمن بعد مفارقة الطائفة الأولى فمن فعل منهم فعلاً أمهل حتى يأتي الإمام ليقتدي به ولو في السلام، فإن ألغى ما فعل ورجع بطلت على غير الساهي وهو العامد والجاهل بخلاف جماعة السفن؛ فمن فعل منهم فعلاً بعد المفارقة لا يعود للإمام أصلاً لعدم أمنهم من التفريق ثانياً كما يؤخذ من (المج).

تنبيه: لو صلوا في الخوف بإمامين فأكثر أو بعض فذاً، جاز: أي مضى ذلك بعد الوقوع، وإن كان الدخول على ذلك مكروهاً لمخالفة السنة أو المندوب.

خاتمة: إن صلى في ثلاثية أو رباعية بكل ركعة، بطلت على الأولى كثالثة الرباعية لمفارقتها قبل محل المفارقة، وصحت لغيرهما. ويقدم البناء كما سبق في الرعاف. اهـ. من المجموع.

فصل في أحكام صلاة العيدين

أي في أحكام الصلاة التي تفعل في اليوم المسمى عيداً. وسمي ذلك اليوم عيداً: لاشتقاقه من العود: وهو الرجوع لتكرره. ولا يرد أن أيام الأسبوع والشهر تتكرر أيضاً ولا يسمى شيء منها عيداً لأن هذه مناسبة ولا يلزم اطرادها، وقال عياض: لعوده على الناس بالفرح، وقيل تفاؤلاً بأن يعود على من أدركه من الناس. وهو من ذوات الواو قلبت ياء كميزان وجمع بها، وحقه أن يرد لأصله فرقاً بينه وبين أعواد الخشب. وأول عيد صلاها النبي صلى الله عليه وسلم عيد الفطر في السنة الثانية من الهجرة، وهي سنة مشروعيتها ومشروعية الصوم والزكاة وأكثر الأحكام، واستمر مواظباً عليها حتى فارق الدنيا صلى الله عليه وسلم. وما ورد من تسمية الجمعة عيداً، فمن باب التشبيه بدليل أنه عند الإطلاق

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

زاد بعدها في ط المعارف: (في صلاة العيدين).

ص: 186

(سنة مؤكدة) تلي الوتر في التأكيد، وليس أحدهما أوكد من الآخر (في حق مأمور الجمعة): وهو الذكر البالغ الحر المقيم ببلد الجمعة أو النائي على كفرسخ منه، لا لصبي وامرأة وعبد ومسافر لم ينو إقامة تقطع حكم السفر، ولا بناء على أكثر من كفرسخ وندبت لغير الشابة، ولا تندب لحاج ولا لأهل منى ولو غير حاجين.

(وهي ركعتان) لا أكثر.

وقتها (من حل النافلة) بارتفاع الشمس عن الأفق قيد رمح لا قبله، فتكره بعد الشروق وتحرم حال الشروق ولا تجزئ (للزوال)، فلا تصلى بعده لفوات وقتها والنوافل لا تقضى.

وأشار لكيفيتها بقوله:

(يكبر) المصلي في الركعة الأولى (ستاً بعد) تكبيرة (الإحرام) فيكون التكبير بها سبعاً (ثم) يكبر في الركعة الثانية (خمساً غير) تكبيرة (القيام) ويكون التكبير (موالى) بلا فصل بين التكبيرات (إلا بتكبير المؤتم) فيفصل ساكتاً بقدره (وتحراه مؤتم لم يسمع) تكبير الإمام أو مأمومه.

ومحل التكبير قبل القراءة ولو اقتدى بحنفي يؤخره (فإن نسيه) وتذكره في أثناء قراءته أو بعدها (كبر) أي أتى به، أو بما تركه منه (ما لم يركع وأعاد القراءة وسجد) لزيادة إعادتها (بعد) أي بعد السلام (فإن ركع تمادى) وجوباً ولا يرجع له؛ إذ لا يرجع من فرض لنفل، وإلا بطلت.

(و) إذا تمادى (سجد) غير المؤتم (قبل، ولو لترك) تكبيرة (واحدة) إذ كل تكبيرة منها سنة مؤكدة، وأما المؤتم فالإمام يحمله عنه.

(ومدرك القراءة) مع الإمام من المسبوقين (يكبر) فمدرك الأولى يكبر (سبعاً) بالإحرام (ومدرك الثانية يكبر خمساً) غير تكبيرة الإحرام.

(ثم) إذا قام للقضاء كبر (سبعاً بالقيام) أي بتكبيرة القيام.

واستشكل بأن مدرك ركعة لا يقوم بتكبير

ــ

لم يتبادر للذهن الجمعة ألبتة.

قوله: [سنة مؤكدة]: أي عينية هذا هو المشهور وقيل سنة كفائية، وقيل: فرض عين، وقيل: فرض كفاية. فإن قلت: يؤخذ من استحباب إقامتها لمن فاتته أنها سنة كفائية؟ إذ لو كانت سنة عين لسنت في حق من فاتته؛ أجيب بأنها سنة عين في حق من يؤمر بالجمعة وجوباً بشرط إيقاعها مع الإمام، فلا ينافي استحبابها لمن فاتته جماعتها، أو يقال: إن استحباب فعلها لمن فاتته مشهور مبني على ضعيف: وهو القول بأنها سنة كفاية.

قول: (ولا تندب لحاج): أي لأن وقوفهم بالمشعر الحرام يوم النحر يكفيهم عنها.

قوله: [ولا لأهل منى]: أي لا تشرع في حقهم جماعة، بل تندب لهم فرادى إذا كانوا غير حجاج، وإنما لم تشرع في حقهم جماعة لئلا يكون ذريعة لصلاة الحجاج معهم.

قوله: [وقتها من حل النافلة] إلخ: هذا مذهب مالك وأحمد والجمهور، وقال الشافعي: وقتها من طلوع الشمس للغروب.

قوله: [فتكره بعد الشروق]: أي عندنا وأما عند الشافعي فتجوز، فاتفق المذهبان على الصحة، واختلفا في الجواز والكراهة.

قوله: [ولا تجزئ]: أي حال الطلوع باتفاق المذاهب.

تنبيه: لا ينادى: "الصلاة جامعة". أي لا يندب ولا يسن، بل مكروه أو خلاف الأولى لعدم ورود ذلك فيها فبالكراهة صرح في التوضيح، وقال ابن ناجي وابن عمر إنه بدعة وما ذكره الخرشي من أنه جائز فغير صواب، بل ما ورد ذلك إلا في صلاة الكسوف ومحل كونه مكروهاً أو خلاف الأولى إن اعتقد مطلوبية ذلك، وأما مجرد قصد الإعلام فلا بأس به.

قوله: [والنوافل لا تقضى]: أي لا يجوز قضاؤها إلا فجر يومه للزوال كما تقدم.

قوله: [ستاً بعد تكبيرة الإحرام]: أي وكونه بعد تكبيرة الإحرام وقبل القراءة مستحب. والحاصل أن كل تكبيرة منها سنة كما يأتي، وتقديم ذلك التكبير على القراءة مندوب فلو أخره بعد القراءة وقبل الركوع أتى بالسنة وفاته المندوب.

قوله: [ثم يكبر في الركعة الثانية خمساً] إلخ: فلو اقتدى بشافعي يزيد، فلا يزيد معه وهذا العدد الذي ذكره المصنف وارد عن أبي هريرة في الموطأ، ومرفوع في مسند الترمذي قال الترمذي سألت عنه البخاري فقال صحيح.

قوله: [وتحراه مؤتم]: أي تكبير العيد، وأما تكبيرة الإحرام فلا يجزئ فيها التحري، بل لا بد فيها من اليقين بأن الإمام أحرم.

قوله: [قبل القراءة]: أي ندباً كما علمت.

قوله: [ولو اقتدى بحنفي] إلخ: مبالغة في القبلية أي يؤخره تبعاً له، بل يكبره حال قراءة الإمام والمخالفة القولية لا تضر.

قوله: [وإعادة القراء]: أي على سبيل الاستحباب لما علمت أن الافتتاح بالتكبير مندوب، فإن ترك إعادتها لم تبطل صلاته.

قوله: [لزيادة إعادتها]: هذا يفيد أن سبب السجود القراءة الثانية وليس كذلك بل هي مطلوبة بل السبب في الحقيقة القراءة الأولى لأنها هي التي لم تصادف محلها، فهي الزائدة في الجملة، وإنما قلنا في الجملة لأنه لو فرض اقتصاره عليها لأجزأت، ويجاب بأنه إنما جعل العلة زيادة الإعادة لكونه لا يؤمر بالسجود إلا عند حصولها.

قوله: [وإلا بطلت]: أي ليس كمن رجع للجلوس الوسط بعد أن يستقل قائماً لأن الركن المتلبس به هنا وهو الركوع أقوى من المتلبس به هناك لوجوب الركوع باتفاق والاختلاف في الفاتحة.

قوله: [يكبر خمساً] إلخ: بناء على أن ما أدركه

ص: 187

وأجيب: بأنه مبني على القول الضعيف؛ وهو أنه يقوم بتكبير (كمدرك التشهد): تشبيه في التكبير سبعاً؛ أي إن فاتته مع الإمام صلاة العيد، وأدرك الإمام في السجود من الثانية أو التشهد، فإنه يكبر سبعاً بتكبير القيام، وقيل ستاً ولا يكبر لقيامه. واستشكل بأن مدرك التشهد يقوم بتكبير

وأجيب: بأنه في العيد خاصة لا يقوم به، لأن تكبير العيد يقوم مقامه والأول أظهر، فلذا اقتصرنا عليه. والشيخ ذكر التأويلين.

(ورفع يديه في الأولى) أي تكبيرة الإحرام (فقط).

(وندب إحياء ليلته): أي العيد الصادق بالاثنين بالعبادة من صلاة وذكر وتكبير وتسبيح واستغفار، ويحصل بالثلث الأخير من الليل والأولى إحياء كله.

(و) ندب (غسل) يدخل وقته بالسدس الأخير.

(و) ندب كونه (بعد) صلاة الصبح.

(و) ندب (تطيب وتزين) بالثياب الجديدة إظهاراً لنعمته وشكره، (وإن لغير مصل) كالصبيان والنساء في بيوتهن.

(و) ندب (مشي في ذهابه) بالفتح لا في رجوعه، (ورجوع في طريق أخرى) غير التي ذهب فيها.

(و) ندب (فطر قبله) أي قبل ذهابه للمصلى (في) عيد (الفطر و) ندب (كونه على تمر) وتراً إن وجده، وإلا حسا حسوات من ماء كفطر رمضان.

(و) ندب (تأخيره) أي الفطر (في) عيد (النحر و) ندب (خروج): أي ذهاب للصلاة (بعد) طلوع (شمس لمن قربت داره) وإلا خرج بقدر ما يدرك الصلاة مع الجماعة.

(و) ندب (تكبير فيه) أي في خروجه.

(و) ندب (جهر به) أي بالتكبير لإظهار الشعيرة، ويستمر على التكبير فيكبرون وهم جالسون في المصلى

ــ

آخر صلاته وحينئذ فيكبر في ركعة القضاء سبعاً بالقيام كما سيقول المصنف وأما على القول بأن ما أدركه المسبوق مع الإمام أول صلاته فإنه يكبر سبعاً بالإحرام، ويقضي خمساً غير القيام فإن جاء المأموم فوجد الإمام في القراءة، ولم يعلم هل هو في الركعة الأولى أو الثانية، فقال الأجهوري الظاهر أنه يكبر سبعاً بالإحرام احتياطاً ثم إن تبين أنها الأولى، فظاهر وإن تبين أنها الثانية قضى الأولى بست غير القيام، ولا يحسب ما كبره زيادة على الخمس من تكبير الركعة الثانية.

قوله: [بأنه مبني] إلخ: أي أن يقوم بتكبير مطلقاً سواء جلس مع الإمام في ثانية نفسه أم لا، فما هنا مبني على ذلك القول ولا غرابة في بناء مشهور على ضعيف، وتقدم لزروق قال: كان شيخنا القوري يفتي به العامة لئلا يخلطوا، ففي ذلك القول نوع قوة.

قوله: [والأول أظهر]: أي الذي هو قول ابن رشد وسند وابن راشد، وإنما كان أظهر لأن سنة العيد أن يجتمع في إحدى ركعتيه سبع موالاة، واليوم يوم تكبير ولمقتضى القاعدة.

قوله: (وندب إحياء ليلته): أي لقوله عليه الصلاة والسلام: «من أحيا ليلة العيد وليلة النصف من شعبان لم يمت قلبه يوم تموت القلوب» ، ومعنى عدم موت قلبه عدم تحيره عند النزع وعند سؤال الملكين وفي القيامة، بل يكون مطمئناً ثابتاً في تلك المواضع.

قوله: [ويحصل بالثلث الأخير من الليل]: واستظهر ابن الفرات أنه يحصل بإحياء معظم الليل، وقيل بساعة، وقيل بصلاة العشاء والصبح في جماعة، ولكن الأولى كما قال الشارح إحياؤه كله، وقولهم إحياء الليل كله مكروه في غير الليالي التي رغب الشارع في قيامها كلها لما في الحديث الشريف:«إن لله في أيام دهركم نفحات فتعرضوا لها» .

قوله: [وندب غسل]: هذا هو المشهور، وقال (ح) ورجح اللخمي وسند سنيته. وعلى كل حال لا يشترط اتصاله بالغدو إلى المصلى.

قوله: [وندب تطيب وتزين]: هذا في حق غير النساء وأما هن إذا خرجن فلا يتطيبن ولا يتزين لخوف الافتتان بهن.

تنبيه: لا ينبغي لأحد ترك إظهار الزينة والطيب في الأعياد تقشفاً مع القدرة عليه، فمن تركه رغبة عنه فهو مبتدع، قاله (ح) وذلك لأن الله جعل ذلك اليوم فرحاً وسروراً وزينة للمسلمين وورد:«إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده» ، قال (ح) أيضاً ولا ينكر في ذلك اليوم لعب الصبيان وضرب الدف فقد ورد.

قوله: [في ذهابه]: أي لأنه عبد ذاهب لخدمة مولاه فيطلب منه التواضع لأجل إقباله عليه. ومحل ذلك ما لم يشق عليه؛ وإلا فلا يندب له ذلك.

قوله: [في طريق أخرى]: أي لأجل أن يشهد له كل من الطريقين وملائكتهما.

قوله: [في عيد الفطر]: أي لأجل أن يقارن فطره إخراج زكاة فطره المأمور بإخراجها قبل صلاة العيد.

قوله: [وندب كونه على] إلخ: أي فكونه على تمر مندوب ثان، وكونه وتراً مندوب ثالث، وقوله على تمر إلخ أي إن لم يجد رطباً.

قوله: [وندب تأخيره] إلخ: أي ليكون أول أكله من كبد أضحيته فهذه هي العلة، وأجرى الباب على وتيرة وإن لم يضح.

قوله: [أي في خروجه]: أي ولو قبل الشمس فيمن بعدت داره، ويستحب الانفراد في التكبير حالة المشي للمصلى. وأما التكبير جماعة وهم جالسون في المصلى فهذا هو الذي استحسن. قال ابن ناجي افترق الناس بالقيروان فرقتين بمحضر أبي عمرو الفارسي وأبي بكر بن عبد الرحمن، فإذا فرغت إحداهما من التكبير كبرت الأخرى فسئلا عن ذلك؟ فقالا: إنه لحسن.

قوله: [ويستمر على التكبير] إلخ

ص: 188

(للشروع في الصلاة و) ندب (إيقاعها) أي صلاة العيد (بالمصلى)، في الصحراء لا في المسجد (إلا بمكة) فبمسجدها أفضل.

(و) ندب (قراءتها) أي القراءة فيها بعد الفاتحة (بكسبح) اسم ربك الأعلى أو {هل أتاك} في الأولى، ({والشمس) وضحاها} أو {والليل إذا يغشى} في الثانية.

(و) ندب (خطبتان كالجمعة) يجلس في أول الأولى وأول الثانية، يعلم الناس فيهما زكاة الفطر ومن تجب عليه، ووجوب إخراجها يوم الفطر وحرمة تأخيرها عنه، والضحية ومن تتعلق به وما تجزئ منها وما لا تجزئ في النحر.

(و) ندب (بعديتهما) أي كونهما بعد الصلاة (وأعيدتا) ندباً (إن قدمتا) على الصلاة.

(و) ندب (استفتاحهما): أي الخطبتين (بتكبير) بلا حد بثلاثة أو سبعة أو غير ذلك، (وتخليلهما به) أي بالتكبير (بلا حد): راجع للافتتاح والتخليل (واستماعهما): بخلاف الجمعة فيجب كما تقدم.

(و) ندب (إقامتها) أي صلاة العيد (لغير مأمور الجمعة): من الصبيان والعبيد والنساء غير الشابة، ويحرم على مخشية الفتنة، ولا يحتاج مكاتب لإذن لأنه أحرز نفسه وماله، (أو لمن فاتته) صلاتها (مع الإمام) من مأمور الجمعة. فقولهم: سنة عين؛ أي لمن يمكنه فعلها مع الإمام فإن فاتته لعذر أو غيره فتندب للزوال.

(و) ندب لكل مصل ولو صبياً (التكبير إثر) كل صلاة من (خمس عشرة فريضة وقتية من ظهر يوم النحر) لا قبله إلى صبح اليوم الرابع لا بعد نافلة ولا مقضية فيها، ولو فاتته منها (فإن نسي) التكبير (كبر) إذا تذكر (إن قرب) الزمن لا إن خرج من المسجد أو طال عرفاً (وكبر مؤتم) ندباً (ترك إمامه) وندب تنبيه الناسي ولو بالكلام.

(و) ندب (لفظه الوارد) أي الاقتصار عليه (وهو: الله أكبر، ثلاثاً) فإن زاد بعد الثالثة: لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد فحسن والأول أحسن

(وكره تنفل قبلها وبعدها بمصلى) أي فيه (لا بمسجد) فلا يكره.

فصل: في صلاة الكسوف والخسوف

(سن وتأكد) الاستنان المفهوم من سن: تأكيداً يلي العيدين (لكسوف الشمس): أي لأجل كسوفها (ولو) كان المكسوف (بعضاً) منها كما هو الغالب (ركعتان): نائب فاعل لسن (بزيادة قيام، وركوع)

ــ

واختلف في ابتداء وقت التكبير في. المصلى فقيل بعد صلاة الصبح، وقيل عند طلوع الشمس أو من الإسفار. قوله:[للشروع في الصلاة]: هذا هو المشهور، وقيل لمجيء الإمام للمصلى وإن لم يدخل الصلاة بالفعل.

قوله: [وندب إيقاعها] إلخ: أي لأجل المباعدة بين الرجال والنساء، لأن المساجد وإن كبرت يقع الازدحام فيها وفي أبوابها بين الرجال والنساء دخولاً وخروجاً فتتوقع الفتنة في محل العبادة.

قوله: [لا في المسجد]: أي ولو مسجد المدينة المنورة وبيت المقدس، فلا يغتفر المسجد إلا الضرورة.

قوله: [إلا بمكة]: إنما كان أفضل في صلاة العيد - مع أن مسجد المدينة أفضل منه عندنا - للمزايا التي تقع فيه لمن يصلي العيد، وهي النظر والطواف المعدومان في غيره لخبر:«ينزل على البيت في كل يوم مائة وعشرون رحمة ستون للطائفين، وأربعون للمصلين، وعشرون للناظرين إليه» .

قوله: [وندب خطبتان]: انظر هل هما مندوب واحد أو كل واحدة مندوب مستقل؟ قال شيخ المشايخ العدوي: الأول هو الظاهر وقد اقتصر ابن عرفة على سنية الخطبتين.

قوله: [يجلس في أول الأولى]: الظاهر أن الجلوس فيهما مندوب لا سنة كما في الجمعة، وانظر هل يندب القيام فيهما أم لا؟ .اهـ. من حاشية الأصل. والظاهر الندب. قوله:[وأعيدتا ندبا] ً: ما ذكره من ندب إعادتهما مبني على ما مشى عليه من أن بعديتهما مستحبة وأما على أن بعديتهما سنة فإعادتهما سنة.

قوله: [بتكبير]: أي بخلاف خطبتي الجمعة، فإنه يطلب افتتاحهما بالتحميد، وسيأتي أن خطبة الاستسقاء تفتتح بالاستغفار.

قوله: [واستماعهما]: ما ذكره من ندب الاستماع لهما بأن لا يشغل فكره فمسلم، وأما الكلام وقتهما فاختلف فيه؛ قيل مكروه، وقيل حرام بعد الحضور المندوب ابتداء، وهو ظاهر النقل على ما أفاده (ر) كذا في المجموع.

قوله: [فإن فاتته لعذر] إلخ: أي وأما من صلاها قبل الإمام فالظاهر أنه لم يأت بالسنة فيعيدها معه كذا في المجموع.

قوله: [من خمس عشرة فريضة] إلخ: هذا هو المعتمد خلافاً لابن بشير القائل إثر ست عشرة فريضة من ظهر يوم النحر لظهر الرابع.

قوله: [والأول أحسن]: أي لأنه الذي في المدونة والثاني في مختصر ابن عبد الحق.

قوله: [لا بمسجد فلا يكره]: أي النفل فيه قبل صلاتها وبعدها. أما عدم كراهته قبل صلاتها فنظراً للتحية، وأما عدم كراهته بعدها فلندور حضور أهل البدع لصلاة الجماعة في المسجد.

فصل في صلاة الكسوف والخسوف

اعلم أن الكسوف والخسوف قيل مترادفان وأنه ذهاب الضوء كلاً أو بعضاً من شمس أو قمر، وقيل الكسوف ذهاب ضوء الشمس، والخسوف ذهاب ضوء القمر، قال في القاموس: وهو المختار، وقيل عكسه ورد بقوله تعالى:{وخسف القمر} [القيامة: 8] وقيل الكسوف اسم لذهاب بعض الضوء والخسوف اسم لذهاب جميعه وقيل عكسه.

قوله: [سن]: أي عيناً على المشهور وقيل سنة كفاية.

ص: 189

على الصلاة المعهودة (فيهما): أي في كل ركعة منهما؛ بأن يقرأ الفاتحة وسورة ولو من قصار المفصل، ثم يركع ثم يرفع منه فيقرأ الفاتحة وسورة، ثم يركع، ثم يرفع، ويسجد السجدتين ثم يفعل في الركعة الثانية كذلك ويتشهد ويسلم (لمأمور الصلاة) متعلق: بـ "سن"، (وإن) كان مأمور الصلاة (صبياً) على ظاهر الرواية.

(وعمودياً ومسافراً إلا أن يجد سيره) أي المسافر (لـ) أمر (مهم) فلا يسن له.

(ووقتها كالعيد) من حل النافلة للزوال.

(وندب صلاتها بالمسجد) لا الصحراء.

(وإسرارها) أي القراءة فيها سراً [1].

(و) ندب (تطويل القراءة بنحو) سورة (البقرة) بعد الفاتحة (وموالياتها في القيامات) آل عمران والنساء والمائدة.

(والركوع) فيها (كالقراءة) في الطول ندباً فالركوع الأول نحو البقرة، والركوع الثاني نحو آل عمران يسبح في الركوعات، لأن الركوع يعظم فيه الرب بلا دعاء كما هو الشأن في الصلاة. (والسجود كالركوع) في الطول ندباً يسبح فيه ويدعو بما شاء، وأما الجلسة بين السجدتين فعلى العادة لا تطويل فيها اتفاقاً (إلا لخوف خروج الوقت) بالزوال (أو) خوف (ضرر المأموم) بالتطويل فلا يطول، وينبغي حينئذ النظر لحال الوقت والمأمومين، فقد يقتضي قراءة يس ونحوها، أو طوال المفصل أو وسطه أو قصاره، وجاز اقتداء الجالس بالقائم لأنها نفل.

ــ

قوله: [يقرأ الفاتحة وسورة] إلخ: بيان لكيفية صلاة الكسوف بقطع النظر عن الأحكام، وسيأتي بيانها.

قوله: [لمأمور الصلاة]: أي الخمس ولو على سبيل الندب فيشمل الصبيان المميزين.

قوله: [وإن كان مأمور الصلاة صبياً] إلخ: هكذا أراد المصنف بمأمور الصلاة ولو على سبيل الندب، فيشمل الصبيان المميزين كما علمت تبعاً لغيره من الشراح، ووجهه في المجموع بقوله: ولا يستبعد كونه له أعلى من الخمس؛ لأنها محل خوف، وهو مقبول، ولا يرد الخسوف فإنه مندوب مع أنه يأتي وهو نائم، ولا يلحق مصيبة الشمس، وكذا الاستسقاء فإنه دونها في التأكيد مع أنه لا يعم العالم ويغني عنه نحو العيون اهـ. لكن قال (بن) لم أر من ذكر السنية في حق الصبي إلا ما نقله الحطاب عن ابن حبيب وهو يحتمل أن يكون إنما عبر بالسنية تغليباً لغير الصبي، وإنما عبر ابن بشير وابن شاس وابن عرفة بلفظ يؤمر الصبي بها فيحمل الأمر على الندب كما هو حقيقة، وإذا صح هذا سقط استغراب أمر الصبي بالكسوف استناناً وبالفرائض الخمس ندباً اهـ. كلام (بن) من حاشية الأصل. فعلى هذا فسنيتها إنما تتعلق بالمكلف.

قوله: [لأمر مهم]: أي فتعلق بالسنية به حيث لم يجد أصلاً أو جد لغير مهم هكذا مفاد الشارح، ومفاد المواق أنه إذا جد السير مطلقاً لا تسن في حقه وهو ظاهر كلام خليل.

تنبيه: لا يصلى لغير الكسوف والخسوف من الآيات كالزلازل كما قال (ح) في الذخيرة، وحكى اللخمي عن أشهب الصلاة واختاره (بن).اهـ. من حاشية الأصل.

قوله: [ووقتها كالعيد]: حكى ابن الجلاب في وقتها ثلاث روايات عن مالك: إحداها أنها من حل النافلة للزوال كالعيد والاستسقاء. والثانية أنها من طلوع الشمس للغروب. والثالثة أنها من طلوع الشمس إلى العصر، والأولى هي التي في المدونة فلو طلعت مكسوفة لم تصل حتى يأتي حل النافلة، وكذا إذا كسفت بعد الزوال لم تصلَّ على رواية المدونة التي مشى عليها المصنف، وأما على رواية غيرها فإنه يصلي لها حالاً ويصلي لها بعد العصر على الرواية الثانية.

قوله: [وندب صلاتها بالمسجد]: أي مخافة أن تنجلي قبل الذهاب إلى المصلى، وقال ابن حبيب: إن شاءوا فعلوها في المصلى أو في المسجد، قال خليل في توضيحه وهذا إذا وقعت في جماعة كما هو المستحسن، فأما الفذ فله أن يفعلها في بيته. ولا أذان لها ولا إقامة لأنها من خواص الفرض - ابن عمر. ولا يقول: الصلاة جامعة - ابن ناجي، نقل ابن هارون أنه لو نادى مناد الصلاة جامعة، لم يكن به بأس وهو قول الشافعي، واستحسنه عياض وغيره لما في الصحيحين أنه عليه الصلاة والسلام بعث منادياً ينادي الصلاة جامعة، اهـ. خرشي.

قوله: [وإسرارها]: هذا هو المشهور، وقيل جهراً لئلا يسأم الناس، واستحسنه اللخمي. ابن ناجي وبه عمل بعض شيوخنا بجامع الزيتونة، وإنما طلب فيها الإسرار على ما مشى عليه المصنف لأنها صلاة نفل نهارية لا خطبة لها ومن المعلوم أن كل صلاة نفل نهارية لا خطبة لها، فالقراءة فيها سراً.

قوله: [بنحو سورة البقرة]: أي البقرة ونحوها في الطول، وقيل إن المندوب خصوص البقرة.

قوله: [آل عمران والنساء والمائدة]: أي فخصوص هذه السور مندوب وقيل مقدارها.

قوله: [كالقراءة] إلخ: أي يقرب منها فكل ركوع نحو القراءة التي يليها وكل سجود نحو الركوع الذي يليه. واعلم أن تطويل الركوع كالقراءة وتطويل السجود كالركوع قيل إنه مندوب كما قال الشارح وهو لعبد الوهاب، وقال سند إنه سنة ويترتب السجود على تركه واقتصر عليه (ح) والشيخ زروق، وحيث قرأ النساء عقب آل عمران فيسرع

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

في ط المعارف: (سر).

ص: 190

(و) ندب (الجماعة فيها): أي صلاتها جماعة بخلاف خسوف القمر.

(و) ندب (وعظ بعدها): مشتملاً على الثناء على الله والصلاة والسلام على نبيه لفعله عليه الصلاة والسلام ذلك.

(وتدرك الركعة) من الركعتين مع الإمام (بالركوع الثاني) فيكون هو الفرض، وأما الأول في الركعتين فسنة، وقيل فرض. والراجح أن الفاتحة فرض مطلقاً وقيل الأولى سنة.

(وإن انجلت) الشمس (قبل ركعة أتمها) المصلي (كالنوافل. و) إن انجلت (بعدها) أي بعد إتمام ركعة (فقولان) قال سحنون: كالنوافل بقيام وركوع فقط بلا تطويل وقال أصبغ: أتمت على سننها [1](بلا تطويل وندب لخسوف القمر ركعتان جهراً كالنوافل) بقيام وركوع فقط على العادة.

(و) ندب (تكرارها) أي الصلاة (حتى ينجلي) القمر (أو يغيب) في الأفق (أو يطلع الفجر) فإن حصل واحد من هذه الثلاثة فلا صلاة.

ثم شرع في بيان السنة الخامسة وهي صلاة الاستسقاء فقال:

(فصل: في صلاة الاستسقاء)[2]: أي طلب السقي من الله تعالى بمطر أو نيل لأمر مما يأتي (حكماً): أي في الحكم؛ وهو السنة المؤكدة، إلا أن العيد أوكد كما تقدم (ووقتاً): أي وفي الوقت من حل النافلة للزوال.

(وصفة): أي وفي الصفة من كونها ركعتين كالنوافل يقرأ فيهما جهراً بما تقدم في العيد وبعدها خطبتان (كالعيد إلا التكبير) الذي في العيد فليس في الاستسقاء بل فيه الاستغفار بدل التكبير في الجملة كما يأتي.

وتسن صلاة الاستسقاء (لزرع): أي لأجل زرع أي لأجل إنباته أو لأجل حياته، (أو) لأجل (شرب) لآدمي أو غيره لعطش واقع أو متوقع لتخلف مطر أو نيل أو لقلتهما، أو لقلة جري عين أو غورها إن كانوا ببلد أو بادية حاضرين أو مسافرين، (وإن) كانوا (بسفينة) في بحر ملح أو عذب.

(وكررت) الصلاة في أيام لا يوم (إن تأخر) السقي بأن لم يحصل أو حصل دون ما فيه الكفاية.

(يخرج الإمام والناس) لها (ضحى) بعد حل النافلة (مشاة) للمصلى لا راكبين لإظهار العجز والانكسار (ببذلة): أي بثياب المهنة أي ما يمتهن منها بالنسبة للابسها (وذلة): أي خشوع وخضوع، لأنه إلى الإجابة أقرب. واستثنى من عموم الناس قوله:(إلا شابة): ولو غير مخشية الفتنة، إلا أن مخشية الفتنة يحرم عليها الخروج وتمنع، وغيرها يكره لها ولا تمنع، وأما المتجالة فتخرج مع الناس.

(وإلا غير مميز) من الصبيان فلا يخرج لأنه لا يعقل القربة،

ــ

حتى تكون أقصر منها.

قوله: [وندب الجماعة فيها] إلخ: تبع المصنف التوضيح. والذي تقدم له في فضل الجماعة أنها من تمام السنة كالعيدين والاستسقاء.

قوله: [وندب وعظ بعدها]: أي لا على طريقة الخطبة لأنه لا خطبة لها.

قوله: [والراجح أن الفاتحة] إلخ: قال في المجموع: حاصل ما أفاده شيخنا وغيره أن الواجب الركوع الثاني لأنه على الشأن بعد قراءة وقبل سجود والأول في أثناء القراءة وهي ساقطة عن المأموم، وكذا قال: الواجب القيام الثاني، والأول سنة مع القول بأن الفاتحة واجبة في الأول والثاني على المشهور، وقيل سنة في الثاني، وقيل: لا تكرر، مع أن الظاهر أن قيام الفاتحة تابع لها اهـ.

قوله: [أتمها المصلي كالنوافل]: قال في المجموع ينبغي إذا انجلت بعد الركوع الأول أن يأتي بالثاني على ما سبق أنه الواجب.

قوله: [وندب لخسوف] إلخ: أي لبالغ، وأما الصبي فلا يخاطب بها لأنها تأتي وهو نائم.

قوله: [جهراً كالنوافل]: الليلية ووقتها الليل كله وفي (ح) أن الجزولي ذكر في صلاتها بعد الفجر أي إذا غاب عند الفجر منخسفاً أو طلع منخسفاً، قولين. وأن التلمساني اقتصر على الجواز، وأن صاحب الذخيرة اقتصر على عدمه. ووجه القول بعدم الجواز ما مر أنه لا يصلى نفل بعد طلوع الفجر إلا الورد لنائم عنه والشفع والوتر وركعتا الفجر. والأفضل فعلها في البيوت وفعلها في المساجد مكروه سواء كانت جماعة أو فرادى.

فصل: صلاة الاستسقاء

هو بالمد: طلب السقي، إذ هو استفعال من سقيت. ويقال سقى وأسقى لغتان، وقيل سقى ناوله الشرب بكسر الشين وسكون الراء الحظ من الماء، قاله في المختار، وأسقاه جعله مسقياً والاستفعال غالباً لطلب الفعل كالاستفهام والاسترشاد لطلب الفهم والرشد، وشرعاً طلب السقي من الله لقحط نزل بهم أو غيره بالصلاة المعهودة. قوله:[أي طلب السقي]: أي فالسين والتاء للطلب أي فالسنة الصلاة لا الطلب.

قوله: [هو السنة المؤكدة]: أي العينية والجماعة شرط في سنيتها، فمتى فاتته مع الجماعة ندبت له الصلاة فقط كالعيد والكسوف. ومقتضى التشبيه الآتي أيضاً أنها تسن في حق من تلزمه الجمعة، وتندب في حق من لا تلزمه.

قوله: [جهراً بما تقدم في العيد] إلخ: وهو قراءته بعد الفاتحة بكسبح والشمس والقراءة المذكورة، والجهر بها مندوب لأنها صلاة ذات خطبة وكل صلاة لها خطبة فالقراءة فيها جهراً لاجتماع الناس يسمعونه. ولا يرد الصلاة يوم عرفة لأن الخطبة ليست للصلاة بل لتعليم المناسك.

قوله: [أي لأجل زرع] إلخ: أي فهي لأحد سببين: وهما احتياج الزرع أو الحيوان للماء.

قوله: [وكررت الصلاة]: قال في الأصل تبعاً ل (عب) استناناً واعترضه (ر) وتبعه (بن) بأن المدونة وغيرها إنما عبر بالجواز، وقال شيخ مشايخنا العدوي والظاهر الندب، وقال شيخنا الأمير يراد بالجواز في كلام المدونة وغيرها: الإذن الصادق بالسنية والندب.

قوله: [يخرج الإمام والناس لها] إلخ: أصل الخروج سنة وكونه ضحى ومشاة

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

في ط المعارف: (سنتها)، ولعلها الصواب.

[2]

زاد بعدها في ط المعارف: (صلاة الاستسقاء).

ص: 191

فأولى البهائم والمجانين.

(ولا يمنع ذمي) من الخروج مع الناس، (وانفرد) عن المسلمين بمكان (لا بيوم) مخافة أن يسبق القدر بالسقي في يومه فتفتن [1] بذلك ضعفاء القلوب.

(وندب خطبتان بعدها) أي الصلاة (كالعيد) أي كخطبة يجلس في أول كل منهما ويتوكأ على عصا لكن (بالأرض) لا بالمنبر يعظهم فيهما ويخوفهم ببيان أن سبب الجدب معاصي الله، ويأمرهم بالتوبة والإنابة والصدقة والبر والمعروف.

(و) ندب (إبدال التكبير) في خطبتي العيد (بالاستغفار) بلا حد في أول الأولى والثانية.

(ثم) بعد الفراغ من الخطبتين (يستقبل القبلة) بوجهه حال كونه (قائماً فيحول) ندباً (رداءه) الذي على كتفيه (يجعل ما على عاتقه الأيسر): أي يأخذه بيده اليمنى ويجعله (على) عاتقه (الأيمن) ويأخذ بيده اليسرى ما على عاتقه الأيمن يجعله على الأيسر (بلا تنكيس) للرداء فلا يجعل الحاشية السفلى التي على رجليه على أكتافه.

(ثم) إذ استقبل القبلة وظهره للناس (يبالغ في الدعاء) برفع الكرب والقحط وإنزال الغيث والرحمة وعدم المؤاخذة بالذنوب، ولا يدعو لأحد من الناس.

(وحول الذكور فقط) أرديتهم دون النساء (كذلك): أي كتحويل الإمام المتقدم حال كونهم (جلوساً): أي جالسين، (وأمنوا): أي الحاضرون ذكوراً وإناثاً (على دعائه): أي الإمام بأن يقولوا آمين حال كونهم (مبتهلين): أي متضرعين.

(و) ندب لهم (صيام ثلاثة أيام قبلها) أي الصلاة.

(و) ندب لهم (صدقة) على الفقراء بما تيسر.

(وأمر الإمام) الناس (بهما): أي بالصوم والصدقة ندباً (كالتوبة): أي كما يأمرهم بالتوبة.

(ورد التبعات) بكسر الباء الموحدة أي المظالم لأهلها.

(و) ندب لمن نزل عليهم مطر مثلاً بقدر الكفاية (إقامتها) أي صلاة الاستسقاء (لطلب سعة)، ولا يسن إلا لمن قام به ضيق كما تقدم.

(و) ندب (دعاء غير المحتاج لمحتاج) لأنه من التعاون على البر والتقوى.

(لا) تندب (الصلاة) خلافاً للخمي القائل بندبها.

(وجاز تنفل) في المصلى (قبلها وبعدها) والله أعلم.

ــ

إلخ مندوب.

قوله: [فأولى البهائم والمجانين]: أي فليس خروجهم بمشروع، بل هو مكروه على المشهور خلافاً لمن قال يندب خروج من ذكر لقوله عليه الصلاة والسلام:«لولا شيوخ ركع وأطفال رضع وبهائم رتع لصب عليكم العذاب صباً» ، وأجيب بأن المراد لولا وجودهم وليس المراد لولا حضورهم.

قوله: [ولا يمنع ذمي]: أي من الخروج كما لا يؤمر به، وسواء خرج من غير شيء يصحبه أو أخرج معه صليبه، فلا يمنع من إخراجه معه ولا من إظهاره حيث تنحى به عن الجماعة.

قوله: [بعدها أي الصلاة]: فلو قدم الخطبة على الصلاة استحب إعادتها بعد الصلاة.

قوله: [وندب إبدال التكبير] إلخ: أي فيبتدئها ويتخللها بالاستغفار عوضاً عن التكبير في خطبة العيد.

قوله: [فيحول رداءه]: أي وأما البرانس والغفائر فإنها لا تحول إلا إن كانت تلبس كالرداء والتحويل المذكور خاص بالرجال دون النساء الحاضرات فلا يحولن لأنه مظنة الكشف. ولا يكرر الإمام ولا الرجال التحويل.

قوله: [وأمر الإمام الناس بهما]: هذا قول ابن حبيب، قال ولو أمرهم الإمام أن يصوموا ثلاثة أيام آخرها اليوم الذي يبرزون فيه كان أحب إلي اهـ.

وهو يقتضي أنهم يخرجون صائمين ولكن المعتمد أنهم يخرجون مفطرين لأجل التقوي على الدعاء، والصوم يكون قبل يوم الخروج. وقال ابن حبيب في الصدقة أيضاً: ويحض الإمام على الصدقة ويأمر بالطاعة ويحذر من المعصية اهـ.

وفي بهرام قال ابن شاس يأمرهم بالتقرب والصدقة بل حكى الجزولي الاتفاق على ذلك.

قوله: [ورد التبعات]: أي لتوقف صحة التوبة على ذلك حيث كانت باقية بأعيانها، فإن عدمت عينها فرد العوض واجب مستقل لا تتوقف عليه صحة التوبة.

واعلم أن توبة الكافر مقبولة قطعاً، وأما توبة المؤمن العاصي فمقبولة ظناً على التحقيق، وقيل قطعاً وعلى كل فإذا أذنب بعدها لا تعود ذنوبه الأولى والذي عليه الجمهور عدم قبول التوبة من الكفر والمعصية عند طلوع الشمس من مغربها وعند الغرغرة، وقيل إن توبة المؤمن عند الغرغرة وعند طلوع الشمس من مغربها مقبولة، ويحمل ما ورد من عدم قبول التوبة عندهما على الكافر دون المؤمن كذا في (بن).اهـ. من حاشية الأصل.

قوله: [لطلب سعة]: أي فهو مندوب خلافاً لمن قال بالإباحة؛ إذ ليس ثم عبادة مستوية الطرفين، والمراد بالجواز في المدونة: الإذن الصادق بالندب.

قوله: [وندب دعاء غير المحتاج] إلخ: محل ندب الدعاء فقط دون الصلاة -ما لم يذهب لمحل المحتاج - وإلا صار من جملة المحتاجين فيخاطب معهم بالصلاة اتفاقاً.

قوله: [وجاز تنفل في المصلى] إلخ: لا مفهوم للمصلى بل وفي المسجد بخلاف العيد فإنه يكره قبلها وبعدها بالمصلى لا بالمسجد كما مر لأن المقصود من الاستسقاء الإقلاع عن الخطايا والاستكثار من فعل الخير.

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

في ط المعارف: (فيفتن).

ص: 192

فصل: في [1] بيان أحكام غسل الميت والصلاة عليه،

وما يتعلق به من مؤن تجهيزه وغير ذلك.

(غسل الميت المسلم) ولو حكماً؛ فلا يغسل كافر (المستقر الحياة) أي الذي استقرت حياته بعد ولادته ولو لحظة بأن استهل صارخاً، أو قامت به أمارة الحياة؛ فلا يغسل السقط (غير شهيد المعترك) في قتال الحربيين لإعلاء كلمة الله، وأما هو فلا يغسل لمزيد شرفه (بمطلق): متعلق بغسل فلا يجزئ فيه الماء المضاف (كالجنابة) أي غسلاً مثل غسل الجنابة الإجزاء كالإجزاء والكمال كالكمال.

(والصلاة عليه) عطف على غسل المبتدأ والخبر قوله: (فرضا كفاية) إذا قام به البعض من المسلمين سقط عن الباقي وهما متلازمان، فكل من وجب غسله وجبت الصلاة عليه وبالعكس ويقوم مقام الغسل التيمم عند التعذر كما يأتي.

(ككفنه) بسكون الفاء: أي إدراجه في الكفن بفتحها.

(ودفنه) أي مواراته في القبر أو ما في حكمه كما يأتي فإنهما فرضا كفاية إجماعاً.

(فإن تعذر الغسل يمم) وجوباً كفائياً وسيأتي قريباً تفصيله.

(وقدم) في الغسل (الزوجان) على العصبة (بالقضاء): أي بحكم الحاكم عند التنازع أي يقدم الحي منهما في غسل صاحبه ويقضى له بذلك (إن صح النكاح ولو) كانت صحته (بالفوات) أي بسببه كالدخول، أو هو مع الطول لا إن فسد إذ المعدوم شرعاً كالمعدوم حساً.

(وإباحة الوطء برق): أي بسبب رق الأنثى (تبيح الغسل لكل) من السيد لأمته والأمة لسيدها وخرجت المكاتبة والمبعضة لعدم إباحة وطئهما،

ــ

فصل في بيان أحكام غسل الميت والصلاة عليه

تقدم دخول صلاة الجنازة في رسم مطلق الصلاة من قول ابن عرفة: ذات إحرام وسلام. والموت كيفية وجودية تضاد الحياة فلا يعرى الجسم عنهما، ولا يجتمعان فيه، وصريح كلام الأشعري أنه عرض لأن الكيفية عرض. وفي بعض الأحاديث أنه معنى خلقه الله في كف ملك الموت، وفي بعضها أن الله خلقه في صورة كبش لا يمر بشيء يجد ريحه إلا مات.

والروح جسم لطيف متحلل في البدن تذهب الحياة بذهابه. اهـ. خرشي.

فائدتان: الأولى: تردد بعض: هل شرعت الجنازة بمكة أو بالمدينة؟ وظاهر بعض الأحاديث أنها بالمدينة. اهـ. من الحاشية.

الثانية: قال في حاشية المجموع: ورأيت بخط النفراوي شارح الرسالة: لو أحيي ميت كرامة لولي ثم مات وجب له غسل وتجهيز ثان. قلت: هو ظاهر لأن الحكم يتكرر بتكرر مقتضيه، لكن ينبغي حمله على الحياة المتعارفة لا مجرد نطق وهو في نعشه أو قبره مثلاً. اهـ.

قوله: [غسل الميت]: أي كلاً أو بعضاً كما إذا سقطت عليه صخرة لم يمكن إزالتها عنه وظهر قدمه فيغسل ويلف ويصلى عليه ويوارى عملاً بحديث: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه بما استطعتم» هكذا يظهر، ولا ينافي قولهم الآتي:"ولا دون الجل" لأن ذاك انعدم باقيه، وهنا موجود لم يتوصل إليه. ولا يخرج على ما سبق في الجبيرة من إلغاء الصحيح إذا قل جداً كيد؛ لوجود البدل هناك، أعني التيمم. .اهـ. من حاشية الأصل. قوله:[ولو حكماً]: وهو المجوسي الذي نوى به مالكه الإسلام كما يأتي.

قوله: [بمطلق]: أي ولو بزمزم بل هو أبرك، والآدمي طاهر خلافاً لابن شعبان والمعتمد الذي عليه مالك وأشهب وسحنون أن غسل الميت تعبد.

قوله: [كالجنابة] إلخ: أي إلا ما يختص به الميت من تكرار غسل وسدر وغير ذلك مما يأتي، ولا يتكرر الوضوء بتكرر الغسل على الأرجح فيغسل يديه أولاً ثلاثاً ثم يبدأ بغسل الأذى فيوضئه مرة مرة فيثلث رأسه، ثم يقلبه على شقه الأيسر فيغسل الأيمن، ثم على شقه الأيسر فيغسل الأيمن، ثم على شقه الأيمن فيغسل الأيسر. اهـ. من الأصل.

قوله: [فرضا كفاية]: أما فرضية الغسل فهو قول عبد الوهاب وابن محرز وابن عبد البر وشهر ابن راشد وابن فرحون ومقابله السنية حكاها ابن أبي زيد وابن يونس وابن الجلاب، وشهر ابن بزيزة، وأما فرضية الصلاة فهو قول سحنون ابن ناجي وعليه الأكثر وشهره الفاكهاني، والقول بالسنية لم يعزه في التوضيح ولا ابن عرفة إلا لأصبغ، ولذلك لما كان الأشهر فيها الفرضية اقتصر عليه المصنف.

قوله: [سقط عن الباقي]: قال في حاشية المجموع نقلاً عن السيد: وهل يتعين غسل الميت بالشروع على قاعدة فرض الكفاية أم لا؟ لجواز غسل كل شخص عضواً. أقول: الظاهر الثاني فصار كل جزء كأنه عبادة مستقلة كما قال المحلي في شرح جمع الجوامع. إنما يتعين طلب العلم الكفائي بالشروع لأن كل مسألة منه بمنزلة عبادة مستقلة. ولو غسله ملك أو صبي كفى وإن لم يتوجه الخطاب له لأن إقرار البالغين له بمنزلة فعلهم بخلاف الصلاة. اهـ.

قوله: [وهما متلازمان]: أي في الطلب كما أشار له الشارح بقوله: فكل من غسله " إلخ وليس المراد أنهما متلازمان في الفعل وجوداً وعدماً؛ لأنه قد يتعذر الغسل والتيمم وتجب الصلاة عليه، كما إذا كثرت الموتى جداً فغسله أو بدله مطلوب ابتداء لكن إن تعذر سقط للتعذر فلا تسقط الصلاة عليه، وبهذا قرر (ر) عند قول خليل: " وعدم الدلك لكثرة الموتى " قوله: [ويقضى له بذلك]: أي إن أراد المباشرة بنفسه.

قوله: [إن صح النكاح] إلخ: أي لا إن فسد ولو لم يمض

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

زاد بعدها في ط المعارف: (الجنائز).

ص: 193

وكذا المشتركة (بلا قضاء): أي للأمة، بالتقديم على عصبة سيدها. وأما السيد فهو أولى بأمته من كل أحد.

(ثم الأقرب فالأقرب من أوليائه) أي عصبته على ما سيأتي في الصلاة عليه.

(ثم) إذا لم يكن عصبة أو كانوا ولم يتولوا غسله (أجنبي) من العصبة ومن الأخ لأم والخال والجد لأم.

(ثم) بعد الأجنبي (امرأة محرم) كأم وبنت وأخت وعمة وخالة تغسله.

وهذا كله فيما إذا كان الميت ذكراً.

(ثم) إن لم توجد امرأة محرم ولو بمصاهرة (يمم): أي يممته امرأة غير محرم (لمرفقيه) لا لكوعيه فقط كما قيل؛ فعدم وجود المحرم من الأعذار المسقطة للغسل الموجبة للتيمم (كعدم الماء) حقيقة أو حكماً بأن احتيج له فيمم.

(وتقطع الجسد) بالماء (أو تسلخه من صبه) عليه فيمم.

ويجب غسله. (وسقط الدلك) فقط (إن [1] خيف منه): أي من الدلك (تسلخ) للجسد.

(ككثرة الموتى جداً) بحيث يتعذر الدلك فيسقط الدلك.

(فإن لم يكن للمرأة زوج أو سيد) يغسلها، أو كان وأسقط حقه (فأقرب امرأة) لها تغسلها (فالأقرب) لها فتقدم البنت فالأم فأخت شقيقة فلأب فبنت أخ كذلك، فجدة فعمة شقيقة فلأب فبنت عم كذلك.

(ثم) بعد من ذكرت (أجنبية ثم) إن لم توجد أجنبية غسلها (محرم) على الترتيب السابق، (ويستر) وجوباً (جميع بدنها ولا يباشر جسدها بالدلك بل بخرقة كثيفة) يلفها الغاسل على يده ويدلك بها.

(ثم) إذا لم يوجد محرم (يممت) الميتة (لكوعيها) لا لمرفقيها.

(ووجب) على الغاسل (ستر عورته من سرته لركبته [2]) الذكر مع الذكر والأنثى مع الأنثى. وأما الذكر المحرم مع الأنثى فيستر جميع بدنها كما مر. وكذا إن غسلت الأنثى المحرم رجلاً من محارمها وقيل بل تستر العورة فقط.

(وندب) ستر العورة (لأحد الزوجين) بغسل صاحبه (كأمة مع سيد) إذا غسل أحدهما الآخر يندب له ستر العورة، ولا يجب وظاهر المصنف الوجوب وهو ضعيف.

(و) ندب (سدر) وهو ورق النبق. وأشار لكيفية الوجه المندوب بقوله: (يسحق) السدر (ويضرب بماء قليل) في إناء حتى تبدو له رغوة ثم (يعرك به جسده) لإزالة الوسخ ثم يفاض عليه الماء المطلق حتى يزول، فهذه هي الغسلة الأولى.

فإن لم يوجد سدر (فكصابون)

ــ

بشيء مما يمضي به الفاسد من دخول ونحوه. ومحل كونه إذا فسد لا يقدم الحي منهما إذا وجد من يجوز منه الغسل. فإن عدم وصار الأمر للتيمم كان غسل أحدهما للآخر من تحت ثوب أحسن لأن غير واحد من أهل العلم أجازه كذا نقل (ح) عن اللخمي. اهـ. من حاشية الأصل أي وموضوع المسألة في نكاح مختلف في فساده.

تنبيه: يقضى لأحد الزوجين -وإن رقيقاً- أذن سيده في الغسل، ولا يكفي إذنه له في الزواج. ويكره تغسيل الرجل امرأته إن تزوج أختها، كما يكره لها تغسيله إن تزوجت غيره، وحيث كان مكروهاً فلا قضاء لهما إن طلباه.

قوله: [وكذا المشتركة]: أي والمعتقة لأجل وأمة القراض، وأمة المديون بعد الحجر، والمتزوجة والمولى منها؛ أي المحلوف على ترك وطئها ولو كانت المدة أقل من أربعة أشهر، والمظاهر منها؛ ففي النوادر كل أمة لا يحل للسيد وطؤها لا يغسلها ولا تغسله، قال في المجموع والظهار والإيلاء يمنعان منه في الأمة لا الزوجة، والفرق أن الغسل في الأمة منوط بإباحة الوطء، وفي الزوجة بالزوجية كما ارتضاه (ر) ولا يضر منع حيض أو نفاس اهـ.

قوله: [ثم الأقرب فالأقرب] إلخ: أي من عصبة المسلمين. وأما الكفار فلا إذ لا علقة لهم به لقول خليل: ولا يترك مسلم لوليه الكافر. لكن لو غسله بحضرة مسلم أجزأ، كما في تغسيل الكتابية زوجها المسلم، ولو على أنه تعبدي.

وقولهم: الكافر ليس من أهل التعبد، مقيد بالتعبد الذي يتوقف على نية له؛ فيقدم ابن فابنه إلى آخر ما ذكر في النكاح. ويقدم الأخ وابنه على الجد كالنكاح. وما أحسن قول الأجهوري:

بغسل وإيصاء ولاء جنازة

نكاح أخاً وابناً على الجد قدم

وعقل ووسطه بباب حضانة

وسوه مع الآباء في الإرث والدم

قوله: [ولو بمصاهرة]: لكن يقدم محرم النسب على محرم الرضاع، ومحرم الرضاع على المصاهرة عند الاجتماع.

قوله: [فيستر جميع بدنها]: أي وجوباً، ما عدا الأطراف فيندب كما هو مقتضى الفقه. ويستر وجوباً جميع بدنه وصفة الساتر على ما قال بعضهم أن يعلق الثوب من السقف بينها وبينه ليمنع النظر إلى آخر ما قال المصنف.

قوله: [وقيل بل تستر العورة فقط]: أي وهو المعتمد، فإن لم يوجد ساتر غضت بصرها ولا تترك غسله.

قوله: [فهذه هي الغسلة الأولى]: هذا يخالف قول محشي الأصل عند قول خليل: وللغسل سدر أي في الغسلة التي بعد الأولى، إذ هي بالماء القراح للتطهير.

والثانية بالماء والسدر للتنظيف.

والثالثة بالماء والكافور للتطييب.

وقوله في المجموع: وندب للغسل سدر بغير الأولى لأنها بالقراح، ومثل السدر نحو الصابون وطيب في الأخيرة وأفضله الكافور اهـ. فلعل ما قاله شارحنا هنا وفيما يأتي طريقة، وما قاله الشيخان طريقة أخرى وعلى كل حال فالغسل صحيح وإنما الاختلاف في الكيفية.

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

في ط المعارف: (وإن).

[2]

في ط المعارف: (لركبتيه).

ص: 194

أي صابون أو نحوه من أشنان أو غاسول يعرك به جسده، ثم يفيض عليه الماء للتنظيف.

(و) ندب (تجريده) أي الميت من ثيابه بعد ستر عورته كما تقدم، (ووضعه على مرتفع): حين غسل لأنه أمكن لغاسله.

(و) ندب (إيتاره): أي الغسل؛ أي جعله وتراً ثلاثاً أو خمساً (لسبع) ثم المدار على الإنقاء. (ولا يعاد) الغسل (كوضوئه): لا يعاد. (لخروج نجاسة) بعده (وغسلت) النجاسة فقط إن خرجت بعد الوضوء أو الغسل.

(و) ندب (عصر بطنه) حال الغسل (برفق) لا بشدة لإخراج ما في بطنه من النجاسة.

(و) ندب حينئذ (كثرة صب الماء في) حال (غسل مخرجيه) لإزالة النجاسة، وتقليل العفونة؛ لأن الشأن في الأموات كثرة ذلك.

(و) لا يفضي الغاسل بيده لغسل ذلك بل (يلف خرقة كثيفة بيده): حال غسل العورة من تحت السترة، (وله الإفضاء) للعورة (إن اضطر) له.

(و) ندب (توضئته أولاً) أي في أول الغسلات (بعد إزالة ما عليه): أي الميت (من أذى) نجاسة أو وسخ، بالسدر أو الصابون، فإذا أزاله شرع في توضئته كالجنابة؛ فيغسل يديه إلى كوعيه ثلاثاً، ويمضمضه بأن يضع الماء في فمه عند إمالة رأسه.

(و) ندب (تعهد أسنانه و) تعهد (أنفه) عند الاستنشاق بعد المضمضة (بخرقة نظيفة) كمنديل.

(و) ندب حينئذ (إمالة رأسه برفق) للتمكن من غسل الفم والأنف، ولئلا يدخل الماء في جوفه (لمضمضة) أي واستنشاق، ثم يتمم وضوءه مرة مرة، ثم يجعله على شقه الأيسر فيغسل الأيمن، ثم يديره على الأيمن فيغسل الأيسر بعد تثليث رأسه، ثم يجعل الكافور في ماء فيغسله به للتبريد. ولا يعيد الوضوء ولو خرجت منه نجاسة كما تقدم وهذه هي الغسلة الثالثة.

وهذا معنى قول بعضهم: الأولى بسدر للتنظيف، والثانية بمطلق للتطهير، والثالثة بكافور للتبريد، فإن احتيج بعد ذلك للخامسة أو السابعة لكون جسده يحتاج لذلك من أجل دمامل أو جدري أو نحو ذلك زاد ما يحتاج إليه الحال.

وندب (عدم حضور غير معين) للغاسل، وكره حضور غيره.

(و) ندب (كافور في) الغسلة (الأخيرة) كما تقدم.

(و) ندب (تنشيفه [1]): أي الميت بخرقة طاهرة قبل إدراجه في الكفن.

(و) ندب (عدم تأخير التكفين): أي إدراجه في الكفن (عن الغسل) لما في الإسراع من الاهتمام بأمره، ولئلا تخرج نجاسة منه فيحتاج لإزالتها.

(و) ندب (اغتسال الغاسل) للميت بعد فراغه من غسله.

(و) ندب (بياض الكفن) من كتان أو قطن وهو أولى، (وتجميره)، بالجيم. أي تبخيره بالعود ونحوه (والزيادة على) الكفن (الواحد)؛ فالاثنان أفضل من الواحد

ــ

قوله: [يعرك به جسده] إلخ ونص ابن ناجي في شرح الرسالة وقول الشيخ: بماء وسدر مثله في المدونة. وأخذ اللخمي منه جواز غسله بالماء المضاف كقول ابن شعبان. وأجيب بأن المراد أنه لا يخلط الماء بالسدر، بل يحك الميت بالسدر ويصب عليه الماء. وهذا الجواب عندي متجه، وهو اختيار أشياخي والمدونة قابلة لذلك.

قوله: [وندب تجريده]: قال في المجموع: وتغسيله صلى الله عليه وسلم في ثوبه تعظيم، وغسله العباس وعلي والفضل وأسامة وشقران مولاه صلى الله عليه وسلم وأعينهم معصوبة، ومات ضحوة يوم الاثنين. ودفن ليلة الأربعاء، فما يقال استمر ثلاثة أيام بلا دفن في جعل الليلة يوماً تغليباً وتأخيره للاجتماع اهـ.

قوله: [لخروج نجاسة]: أي ولا إيلاج.

قوله: [إن اضطر له]: وفي (بن) استحباب عدم المباشرة قال اللخمي: ومنعه ابن حبيب وهو أحسن؛ لأن الحي إذا كان لا يستطيع إزالتها لعلة أو غيرها إلا بمباشرة غيره فإنه لا يجوز أن يوكل من يمس فرجه لإزالة ذلك، ويجوز أن يصلي على حالته فهو في الموت أولى بذلك، إذ لا يكون الميت في إزالة تلك النجاسة أعلى من الحي.

قوله: [بخرقة نظيفة]: أي غير الخرقة التي غسل بها مخرجه.

قوله: [ثم يجعل الكافور في ماء]: اعلم أن الندب يحصل بأي نوع من الطيب في ماء الغسلة الأخيرة وأفضله الكافور لمنعه سرعة التغير، وإمساكه للجسد، ويؤخذ من هنا أن الأرض التي لا تبلى أفضل، وعكس الشافعي فقال بأفضلية التي تبلى، قال في المجموع وقد يقال إنا قبل الدفن مأمورون بالحفظ فتدبر. قوله:[وهذا معنى قول بعضهم]: تقدم التنبيه على أن هذا مخالف لقول محشي الأصل والمجموع.

قوله: [وندب اغتسال الغاسل]: أي لأمر النبي صلى الله عليه وسلم به كما في حديث أبي هريرة الذي في الموطأ: «من غسل ميتاً فليغتسل» .

وقد اختلف العلماء في ذلك فقال بعضهم: إن الأمر هنا تعبدي لا معلل، وحمله على مقتضاه من الوجوب، وقال بعضهم: إنه معلل وحمله على الندب، ثم اختلفوا في العلة؛ فمنهم من قال: إنما أمر بالغسل لأجل أن يبالغ في غسل الميت لأنه إذا غسل الميت موطناً نفسه على الغسل لم يبال بما يتطاير عليه منه، فكان سبباً لمبالغته في غسله. ومنهم من قال: ليس معنى أمره بالغسل أن يغسل جميع بدنه كغسل الجنابة، وإنما معناه أن يغسل ما باشره به أو تطاير عليه منه لأنه ينجس بالموت، وإلى هذا ذهب ابن شعبان، وعلى كلا القولين لا يحتاج هذا الغسل لنية فليس كغسل الجنابة، وإنما لم يؤمر بغسل ثيابه على الثاني للمشقة.

قوله: [وندب بياض الكفن] إلخ: قال (ح) عن سند ويندب أن يكون قطناً لأنه أستر، قال (ح): وفيه نظر؛ لأن

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

في ط المعارف: (تنشيقه).

ص: 195

وإن كان وتراً. (و) ندب (وتره): أي الكفن، فالثلاثة أفضل من الاثنين ومن الأربعة.

(و) ندب (تقميصه) أي إلباسه قميصاً (وتعميمه) بعمامة. (و) ندب (عذبة فيها) قدر ذراع تجعل على وجهه، (وأزرة) بوسطه أقلها من سرته لركبته. فإن زادت على ذلك فأحسن (ولفافتان) فهذه خمسة [1] أفضل كفن الذكر.

(والسبع للمرأة) أي الأنثى لا الذكر (بزيادة لفافتين) على الأزرة والقميص واللفافتين؛ فتكون اللفائف التي تدرج فيها أربعة (و) ندب (خمار) يلف على رأسها ووجهها (بدل العمامة) للرجل؛ فالمجموع للمرأة سبع.

(و) ندب (حنوط): من كافور أو فيه كافور أو غيره يزر [2](داخل كل لفافة) من الكفن، (و) يجعل (على قطن، يلصق) القطن (بمنافذه) عينيه وأنفه وفمه وأذنيه ومخرجه، (ومساجده): جبهته وكفيه وركبتيه وأصابع رجليه (ومراقه): رفغيه وإبطيه وباطن ركبتيه ومنخره وخلف أذنيه.

ويندب تحنيطه، (وإن) كان الميت (محرماً) بحج أو عمرة لانقطاع التكليف بالموت (و) إن امرأة (معتدة) عدة وفاة أو طلاق (و) لكن إن كان الغاسل لميت مطلقاً محرماً أو معتدة (تولاه): أي الحنوط، أي تولى أمره للميت (غيرهما): لأنهما لا يجوز لهما مس الحنوط. (و) ندب (تكفينه بثياب كجمعته) الشرعية لحصول البركة بثياب مشاهد الخير.

(وهو): أي الكفن (من مال الميت كمؤن التجهيز) من حنوط وسدر وماء وأجرة غاسل وحامل وقبر وغير ذلك من ماله، (يقدم على دين غير المرتهن) لرهن في دينه من مال الميت، فإن كان ماله مرتهناً عند مدين، فالمرتهن أحق بالرهن من الكفن ومؤن التجهيز، فإذا لم يكن للميت مال أو مال ومرتهن (فعلى المنفق بقرابة): كأب لولده الصغير أو العاجز عن الكسب وكابن لوالديه الفقيرين (أو رق) كسيد رقيق (لا) على منفق بسبب (زوجية) فلا يجب على الزوج تكفين زوجته ولا مؤن تجهيزها، ولو كان غنياً وهي فقيرة على المذهب فإن لم يكن له مال ولا منفق (فمن بيت المال) فإن لم يكن (فعلى المسلمين) فرض كفاية (والواجب) من الكفن للذكر (ستر العورة) ما بين السرة والركبة (والباقي) وهو ما يستر بقية البدن حتى الرأس والرجلين (سنة) على أحد المشهورين والثاني أن ستر جميع البدن واجب، قال الشيخ في توضيحه وهو ظاهر كلامهم.

وأما المرأة فيجب ستر جميع بدنها قولاً واحداً، وما زاد على الكفن الواجب أو السنة فمندوب كما تقدم. (و) ندب (مشي مشيع) للجنازة. (و) ندب (تقدمه) عليها (وإسراعه) في المشي (بوقار) وسكينة لا بهرولة. (و) ندب (تأخير [3] راكب) عنها (و) تأخر (امرأة) وإن ماشية، وتأخرها أيضاً عن الرجال. (و) ندب (سترها): أي المرأة الميتة (بقبة): من جريد أو غيره يجعل على النعش، ويلقى عليه ثوب أو رداء لمزيد الستر.

ثم شرع يتكلم على الصلاة على الجنازة وأركانها فقال: (وأركان الصلاة) على الجنازة خمسة:

ــ

من الكتان ما هو أستر من القطن.

والظاهر أن يقال لأن النبي صلى الله عليه وسلم كفن فيه، ولكونه أبهج بياضاً.

قوله: [وإن كان وتراً]: أي فمحل كون الإيتار أفضل من الشفع إذا كان غير واحد، وإذا شح الوارث لا يقضى إلا بواحد كما في الخرشي، وفي (عب): ثلاث، فإن أوصى بزائد ففي ثلثه إن لم يكن أوصى بمنهي عنه.

قوله: [وندب تقميصه] إلخ: قال في التوضيح: والمشهور من المذهب أن الميت يقمص ويعمم أما استحباب التعميم فهو في المدونة، وأما استحباب التقميص ففي الواضحة عن مالك.

قوله: [وأزرة]: أي تحت القميص أو سراويل بدلها وهو أستر منها.

قوله: [فهذه خمسة]: أي الأزرة واللفافتان والقميص والعمامة.

قوله: وندب خمار: سمي بذلك لتخمير الرأس والعنق أي تغطيتها به.

قوله: [أو فيه كافور] إلخ: أي فالمراد بالحنوط: الطيب بأي نوع من مسك أو زبد أو شند أو عطر شاه أو عطر ليمون أو ماء ورد، والأكمل أن يكون فيه كافور.

قوله: [ومراقه]: أي ما رق من جسده.

قوله: [ورفغيه]: هما أعلى الفخذين مما يلي العانة.

قوله: [لأنه لا يجوز لهما]: مفهومه لو تحيلاً في عدم مسه فإنه يجوز لهما توليته ولو كان هناك من يتولاه غيرهما وهو كذلك.

قوله: [بثياب كجمعته]: أي وقضي له به عند التنازع إلى أن يوصى بأقل من ذلك، كذا في الأصل.

قوله: [غير المرتهن]: ومثله كل مال تعلق حق الغير بعينه؛ كالعبد الجاني، وأم الولد وزكاة الحرث والماشية، بل ولو كان الكفن مرهوناً فالمرتهن أحق به.

تنبيه: إن سرق الكفن طلب كالابتداء. ثم إن وجد الأول فتركة كأن ذهب منه الميت.

قوله: [كسيد رقيق]: فلو مات السيد وعبده وعنده ما يكفن به أحدهما فقط، كفن العبد لأن لا حق له في بيت المال، ويكون السيد على بيت المال لكونه من فقراء المسلمين نقله الحطاب.

مسألة: لو مات الأب والابن القاصر وكان عند الأب كفن واحد، قيل: يقدم الأب وهو الأظهر، وقيل يتحاصان، ولو مات الأب والأم الفقيران وكان ولدهما لا يقدر إلا على كفن واحد، قيل يتحاصان، وقيل تقدم الأم.

قوله: [على المذهب]: ومقابله قولان يلزمه مطلقاً أو إن كانت فقيرة.

قوله: [قال الشيخ في توضيحه]: أي ويؤيده القضاء به عند التنازع.

قوله: [لا بهرولة]: أي لأنها تنافي الخشوع، واستحبت الشافعية القرب من الميت حال تشييعه للاعتبار، والحنفية التأخر في صفوف الصلاة تواضعاً في الشفاعة.

قوله: [وندب سترها] إلخ: أي في حال

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

زاد بعدها في ط المعارف: (هي).

[2]

في ط المعارف: (يذر)، ولعلها الصواب.

[3]

في ط المعارف: (تأخر).

ص: 196

أولها (النية) بأن يقصد الصلاة على هذا الميت أو على من حضر من أموات المسلمين. ولا يشترط معرفة كونه ذكراً أو أنثى. ولا يضر عدم استحضار أنها فرض كفاية ولا اعتقاد أنها ذكر فتبين أنها أنثى ولا عكسه؛ إذ المقصود هذا الميت.

(و) ثانيها: (أربع تكبيرات) كل تكبيرة بمنزلة ركعة في الجملة.

(فإن زاد) الإمام خامسة عمداً أو سهواً (لم ينتظر) بل يسلمون قبله وصحت لهم وله أيضاً إذ التكبير ليس كالركعات من كل وجه، فإن انتظروا سلموا معه وصحت. (وإن نقص) عن الأربع (سبح له، فإن رجع) وكبر الرابعة كبروا معه وسلموا بسلامه؛ (وإلا) يرجع (كبروا) لأنفسهم وسلموا وصحت، وقيل تبطل لبطلانها على الإمام. وإنما خالفت صلاة الجنازة غيرها لأن بعض السلف كان يرى أنها أكثر من أربع تكبيرات، وبعضهم يرى أنها أقل.

(و) ثالثها (دعاء له) أي للميت (بينهن) أي التكبيرات (بما تيسر) ولو "اللهم اغفر له". (ودعاء بعد) التكبيرة (الرابعة إن أحب)، وإن أحب لم يدع وسلم (يثني): بفتح: المثلثة وتشديد النون المكسورة: أي يأتي بضمير التثنية أو بالاسم الظاهر مثنى إن كان الميت اثنين، (ويجمع إن احتاج) للتثنية أو الجمع بأن كانوا جماعة، فيقول إن كانا اثنين:"اللهم إنهما عبداك وابنا عبديك وابنا أمتيك كانا يشهدان" إلخ وإن كانوا جماعة قال: " اللهم إنهم عبيدك وأبناء عبيدك وأبناء إمائك كانوا يشهدون" إلخ، وإن شاء قال في الاثنين:"اللهم اغفر لهما وارحمهما"، وقال في الجماعة:"اللهم اغفر لهم وارحمهم"(يغلب) بضم الياء التحتية وتشديد اللام مكسورة (المذكر على المؤنث) إن اجتمع ذكور وإناث. (وإن والاه): أي التكبير -بأن [1] يدع بعد كل تكبيرة - (أو) دعا (وسلم بعد ثلاث عمداً، أعاد) الصلاة. وكذا إن سلم بعد ثلاث سهواً وطال (إن لم تدفن) الجنازة، فإن دفنت فلا إعادة في الصورتين، وقيل لا إعادة في الأولى وإن لم تدفن. فقول الشيخ:"وإن دفنت فعلى القبر" لا يعول عليه.

(و) رابعها (تسليمة) واحدة يجهر بها الإمام بقدر التسميع. (وندب لغير الإمام إسرارها و) خامسها:

ــ

الحمل والدفن.

قوله: [أولها النية]: أي وحينئذ فتعاد على من لم تنو عليه كاثنين اعتقدهما واحداً إلا أن يعين واحداً، فتعاد على غيره، وأما إن اعتقد الواحد متعدداً فإنه لا يضر لأن الجماعة تتضمن الواحد.

تنبيه: لا يشترط وضعها على الأعناق في الأظهر.

قوله: [أربع تكبيرات]: أي لانعقاد الإجماع زمن الفاروق عليها بعد أن كان بعضهم يرى التكبير أربعاً، وبعضهم خمساً وهكذا إلى سبع، والذي لابن ناجي أن الإجماع انعقد بعد زمن الصحابة على أربع، ما عدا ابن أبي ليلى فإنه يقول إنها خمس، ومثل ما لابن ناجي ما للنووي على مسلم. .اهـ. من حاشية الأصل.

قوله: [كل تكبيرة بمنزلة ركعة]: فإذا كبر على جنازة وطرأت جنازة أخرى فلا يشركها معها، بل يتمادى في صلاته على الأولى حتى يتمها، ثم يبتدئ الصلاة على الثانية قال أبو الحسن: لأنه لا يخلو؛ إما أن يقطع الصلاة ويبتدئ عليهما جميعاً وهذا لا يجوز لقوله تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم} [محمد: 33]، أو لا يقطع ويتمادى عليهما إلى أن يتم تكبير الأولى ويسلم، وهذا يؤدي إلى أن يكبر على الثانية أقل من أربع، أو يتمادى إلى أن يتم التكبير على الثانية، فيكون قد كبر على الأولى أكثر من أربع، فلذا منع من إدخالها معها.

قوله: [لم ينتظر]: هذا مذهب ابن القاسم، وقال أشهب إنه ينتظر ويسلمون معه.

قوله: [صحت]: أي فيما يظهر مراعاة لقول أشهب: وسواء كانت الزيادة عمداً أو سهواً أو تأويلاً.

قوله: [وإن نقص]: أي سهواً، وأما عمداً فسيأتي.

وحاصله أن الإمام إذا سلم عن أقل من أربع فإن مأمومه لا يتبعه، بل إن نقص ساهياً سبح له، فإن رجع وكمل سلموا معه، وإن لم يرجع وتركهم كبروا لأنفسهم، وصحت صلاتهم مطلقاً سواء تنبه عن قرب وكمل صلاته أم لا، هذا هو المعتمد. وإن كان نقص عمداً وهو يراه مذهباً لم يتبعوه، وأتموا بتمام الأربع، وصحت لهم وله وإن كان لا يراه مذهباً - بطلت عليهم. ولو أتوا برابعة تبعاً لبطلانها على الإمام، وحينئذ فتعاد إن لم تدفن كما سيأتي.

قوله: [دعاء له]: أي من إمام ومأموم؛ لأن المطلوب كثرته للميت، وأوجب الشافعية الفاتحة بعد الأولى، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الثانية. ومن الورع مراعاة الخلاف، قال شيخنا في مجموعه: والأظهر أن الاقتصار على الفاتحة لا يكفي عندنا، ويبعد إدراج الميت في نستعين اهدنا الصراط. نعم يظهر كفاية من سمع دعاء الإمام فأمن عليه، لأن المؤمن أحد الداعين كما قالوه في:{قد أجيبت دعوتكما} [يونس: 89] أن موسى كان يدعو وهارون كان يؤمن.

قوله: [إن أحب]: وقال اللخمي وجوباً، والمشهور خلافه، ولذا قال المصنف إن أحب.

قوله: [يثني] إلخ: أي يتبع في دعائه الألفاظ العربية فلو دعا بملحون فالعبرة بقصده والصلاة صحيحة.

قوله: [لا يعول عليه] أي لأن الذي ارتضاه (ر) وتبعه في الحاشية إذا دفنت لا إعادة في الأولى ولا في الثانية كما هو قول يونس.

قوله: [تسليمة]: أي لكل من الإمام والمأموم فلا يرد المأموم ولا على إمامه ولا على من على يساره خلافاً

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

زاد بعدها في ط المعارف: (لم).

ص: 197

(قيام لها لقادر) على القيام لا لعاجز عنه وهذا مما زدناه عليه.

(و) إن سبق أحد بالتكبير مع الإمام والمأموم: بأن شرعوا في الدعاء، (صبر المسبوق) به وجوباً (للتكبير)، أي إلى أن يكبروا فلا يكبر حال اشتغالهم بالدعاء لأنه كالقاضي خلف الإمام، (فإن كبر صحت ولا يعتد بها) عند الأكثر من الأشياخ (ودعا) المسبوق بعد تكبيره الكائن بعد سلام الإمام (إن تركت) الجنازة (وإلا) بأن رفعت (والى) التكبير بلا دعاء وسلم.

(وندب رفع اليدين) حذو المنكبين (بالأولى) أي عند التكبيرة الأولى (فقط)

(و) ندب (ابتداء الدعاء بحمد الله والصلاة على نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يقول: الحمد لله الذي أمات وأحيا، والحمد لله الذي يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما صليت وباركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد. وأحسن الدعاء ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه وهو:" اللهم إنه عبدك وابن عبدك وابن أمتك، كان يشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمداً عبدك ورسولك، وأنت أعلم به، اللهم إن كان محسناً فزد في إحسانه، وإن كان مسيئاً فتجاوز عن سيئاته، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده"، فإن كانت امرأة قال:"اللهم إنها أمتك وبنت عبدك وبنت أمتك كانت تشهد" إلخ.

(و) ندب (إسراره) أي الدعاء.

(و) ندب (وقوف إمام وسط) الميت (الذكر وحذو منكبي غيره)، من أنثى أو خنثى جاعلاً (رأس الميت عن يمينه) أي الإمام، (إلا في الروضة) الشريفة فتجعل رأسه على يسار الإمام تجاه رأس النبي صلى الله عليه وسلم، وإلا لزم قلة الأدب.

(والأولى بالصلاة) على الميت (وصي رجي خيره) أوصى الميت بأن يصلي عليه (فالخليفة) إن لم يكن وصي (لا فرعه) أي نائبه فلا حق له في الصلاة على غيره (إلا إذا ولي الخطبة) من الخليفة فيكون كالخليفة أولى من العصبة، (ثم الأقرب فالأقرب من عصبته) فيقدم ابن فابنه فأب فأخ فابنه، فجد فعم فابنه إلخ، وقدم الشقيق على غيره (وأفضلهم عند التساوي ولو) كان الأفضل (ولي امرأة) صلى عليها مع رجل.

(وصلت النساء) عند عدم الرجال (دفعة): أي في آن واحد (أفذاذاً) إذ لا تصح إمامتهن، ويلزم على ترتبهن تكرار الصلاة.

(و) ندب (اللحد): وهو أن يحفر في أسفل القبر جهة قبلته من المغرب للمشرق بقدر ما يوضع فيه الميت (في الأرض الصلبة) بضم الصاد المهملة أي المتماسكة التي لا تنهال (وإلا) تكن الأرض صلبة (فالشق): بأن يحفر وسط القبر بقدر الميت ويسد باللبن كما يأتي.

(و) ندب (وضعه على) شق (أيمن مقبلاً) بفتح القاف والباء المشددة أي مجعولاً وجهه للقبلة.

(و) ندب (قول واضعه) في قبره (بسم الله) أي وضعته (وعلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، اللهم تقبله بأحسن قبول).

ــ

لابن حبيب القائل بندب رده على الإمام إن سمعه، ولابن غانم من ندب رد المأموم على الإمام وعلى من على اليسار.

قوله: [قيام لها]: أي على القول بأنها فرض كفاية، وإلا فلا يجب القيام.

قوله: [لأنه كالقاضي] إلخ: أي لأن كل تكبيرة بمنزلة ركعة في الجملة.

قوله: [ولا يعتد بها] إلخ: هذا قول ابن القاسم وكأن وجهه أنه كمن أدرك الإمام في التشهد. فالتكبير عنده يفوت بمجرد الشروع في الدعاء، ومقابله ما قاله (عب): مقتضى سماع أشهب اعتداده بها، بل الذي في سماع أشهب أنه إذا جاء وقد فرغ الإمام ومأمومه من التكبير، واشتغلوا بالدعاء فإنه يدخل معهم ولا ينتظر لأنه لا تفوت كل تكبيرة إلا بالتي بعدها اهـ. (بن) من حاشية الأصل.

قوله: [والى التكبير]: أي لئلا تصير صلاة على غائب، واستشكل هذا بأن الصلاة على الغائب مكروهة كما يأتي، والدعاء ركن كما تقدم، فكيف يترك الركن خشية الوقوع في مكروه؟ وأجيب: بأن الدعاء ركن لغير المسبوق كما قالوا في القيام لتكبيرة الإحرام في الفرض العيني، وما ذكره المصنف من التفصيل بين ما إذا تركت فيدعو، وإذا لم تترك فيوالي التكبير أيده، (بن)، والذي ارتضاه في الحاشية تبعاً للرماصي: أن المسبوق إذا سلم إمامه فإنه يوالي التكبير مطلقاً.

قوله: [عند التكبيرة الأولى فقط]: أي وأما في غير أولاه فخلاف الأولى. هذا هو المشهور.

قوله: [وندب ابتداء الدعاء]: أي إثر كل تكبيرة على المعتمد، وفي الطراز: لا تكن الصلاة والتحميد في كل تكبيرة؛ بل في الأولى ويدعو في غيرها. وعزاه ابن يونس للنوادر.

قوله: [وابن عبدك] إلخ: لم يكن في مسودة المؤلف لفظ أمتك ولعلها مسقطة.

قوله: [وندب إسراره]: أي ولو صلى عليها ليلاً.

قوله: [وسط الميت]: أي عند وسطه من غير ملاصقة، بل يسن أن يكون بينهما فرجة قدر شبر وقيل قدر ذراع.

قوله: [أوصى الميت]: أي لرجاء خيره، وأما لو أوصاه لإغاظة أوليائه لعداوة لم تنفذ وصيته بذلك.

قوله: [أي نائبه]: أي في الحكم فقط بدليل ما بعده.

قوله: [فيقدم ابن] إلخ: أي كما تقدم في النظم.

قوله: [ولو ولي امرأة]: مبالغة في محذوف، والتقدير: كاجتماع جنائز فيقدم الأفضل ولو ولي امرأة.

قوله: [ويلزم على ترتبهن] إلخ: أي وهو مكروه.

قوله: [وندب اللحد]: إنما فضل لخبر: «اللحد لنا والشق لغيرنا» .

قوله: [للقبلة]: أي لأنها أشرف

ص: 198

(وتدورك) الميت (إن خولف) بأن جعل ظهره للقبلة، أو نكس بأن جعل رجلاه مكان رأسه بأن يحول إلى الحالة المطلوبة (إن لم يسو عليه التراب)، وإلا ترك وشبه في مطلق التدارك قوله:(كترك الغسل أو الصلاة) عليه فإنه يتدارك ويخرج من القبر لهما ولو سوي عليه التراب (إن لم يتغير) الميت (وإلا) -بأن مضى زمن يظن به تغيره (صلى على القبر ما بقي) أي مدة ظن بقاء الميت (به)، أي فيه ولو بعد سنين، وهذا ظاهر إذا غسل وإلا ففيه نظر.

(و) ندب (سده) أي اللحد والشق (بلبن) وهو الطوب النيء، فإن لم يوجد (فلوح) من خشب (فقرمود) بفتح القاف وسكون الراء -طوب يجعل على صورة وجوه الخيل، (فقصب) لكن يقدم عليه الآجر بالمد وضم الجيم الطوب المحروق:(وإلا) يوجد شيء من ذلك (فسن التراب) بباب اللحد، وينبغي أن يلت بالماء ليتماسك (أولى) عند العلماء (من) دفنه في (التابوت) أي السحلية تجعل كالصندوق يدفن فيها النصاري أمواتهم وهو من سنتهم.

(و) ندب (رفعه) أي القبر برمل وحجارة أو نحو ذلك (كشبر مسنماً) أي كسنام البعير لا مسطباً.

(و) ندب للناس (تعزية أهله) أي تسليتهم وحملهم على الصبر.

(و) ندب للجار ونحوه (تهيئة طعام لهم) أي لأهل الميت (إلا أن يجتمعوا على محرم) من ندب ولطم ونياحة، فلا.

(و) ندب لأهله (التصبر): أي إظهار الصبر، (والتسليم للقضاء): أي لقضاء الله مالك الملك العليم الخبير، (كتحسين المحتضر): تشبيه في الندب وهو من إضافة المصدر لفاعله و (ظنه) مفعوله: أي يندب للمحتضر أن يحسن ظنه (بالله بقوة الرجاء فيه)، أي بسبب قوة رجائه في الله تعالى، أي فيما عنده من الكرم والرحمة والمسامحة، لأنه أكرم الأكرمين يعفو عن السيئات ويقيل العثرات فيقدم الرجاء على الخوف.

(و) يندب للحاضر عنده (تلقينه الشهادتين بلطف) بأن يقول عنده: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله" ولا يقول له: "قل"، ولا يلح عليه لأن الساعة ساعة ضيق وكرب، وربما كان الإلحاح عليه سبباً في تغيره والعياذ بالله تعالى أو زيادة الضيق عليه.

(ولا يكرر) التلقين عليه (إن نطق بهما إلا أن يتكلم بأجنبي) من الشهادتين فيلقن ليكون آخر كلامه من الدنيا التكلم بهما.

(و) ندب (استقباله) للقبلة (عند شخوصه) ببصره

ــ

المجالس، أي وتحل عقد كفنه وتمد يده اليمنى على جسده، ويعدل رأسه بالتراب ورجلاه برفق، ويجعل التراب خلفه وأمامه لئلا ينقلب، فإن لم يتمكن من جعله على شقه الأيمن فعلى ظهره مستقبلاً للقبلة بوجهه، فإن لم يمكن فعلى حسب الإمكان.

قوله [وتدورك الميت]: أي استحباباً.

قوله: [وشبه في مطلق التدارك]: أي لأن هذا التدارك واجب إن لم يخف عليه التغير تحقيقاً أو ظناً فالتشبيه مختلف.

قوله: [وإلا ففيه نظر]: وجه النظر المنافاة لقوله فيما تقدم "وهما متلازمان" ويجاب بما تقدم عن (ر): بأن معنى التلازم في الطلب ابتداء فإن تعذر أحدهما وجب الآخر لما في الحديث الشريف: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه بما استطعتم» .

قوله: [وهو الطوب النيء]: أي كما فعل به عليه الصلاة والسلام وأبي بكر وعمر، وظاهره سواء كان مصنوعاً بالقالب أم لا.

قوله: [الآجر]: وبعد الآجر الحجر.

قوله: [وهو من سنتهم]: ولذا قال ابن عات التابوت مكروه عند أهل العلم وليس هو من عادة العرب، بل هو من عادة الأعاجم وأهل الكتاب.

قوله: [كشبر مسنماً]: إنما استحب ذلك ليعرف به، وإن زيد على الشبر فلا بأس به، وكراهة مالك لرفعه محمولة على رفعه بالبناء لا رفع ترابه عن الأرض مسنماً، وعلى هذا تأولها عياض بأن قبره عليه الصلاة والسلام مسنم كما في البخاري وكذا قبر أبي بكر وعمر وهو أثبت من رواية تسطيحها، لأنه زي أهل الكتاب وشعار الروافض. اهـ. خرشي.

قوله: [تعزية أهله]: أي لخبر: «من عزى مصاباً كان له مثل أجره» ، قال الجوهري: هي الحمل على الصبر بوعد الأجر والدعاء للميت والمصاب. ابن حبيب في التعزية ثواب كثير، ابن القاسم ثلاثة أشياء: أحدها: تهوين المصيبة على المعزى وتسليته عنها وحضه على التزام الصبر واحتسابه الأجر والرضا بالقدر والتسليم لأمر الله تعالى.

الثاني: الدعاء بأن يعوضه الله تعالى عن مصابه جزيل الثواب.

الثالث: الدعاء للميت والترحم عليه والاستغفار له. ويجوز أن يجلس الرجل للتعزية كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم حين جاء خبر جعفر وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة ومن قتل معهم بمؤتة، اسم مكان. وواسع كونها قبل الدفن وبعده، والأولى عند رجوع الولي إلى بيته.

قوله: [أي لأهل الميت]: أي لاشتغالهم بميتهم، وجمع الناس على طعام بيت الميت بدعة مكروهة لم ينقل فيها شيء وليس ذلك موضع ولائم. وأما عقر البهائم وذبحها على القبر فمن أمر الجاهلية مخالف لقوله صلى الله عليه وسلم:«لا عقر في الإسلام» ، قال العلماء العقر الذبح على القبر. كذا في الحاشية.

قوله: [فيقدم الرجاء على الخوف]: أي وأما الصحيح ففيه أقوال ثلاثة: قيل مثل المحتضر وهو لابن العربي، وقيل: يعتدل عنده جانب الخوف والرجاء فيكون كجناحي الطائر متى رجح أحدهما سقط، وقيل: يطلب منه غلبة الخوف ليحمله على كثرة العمل، وهذا هو التحقيق عندنا.

قوله: [تلقينه الشهادتين]: أي لحديث: «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله»

ص: 199

(على شقه الأيمن ثم) إذا تعسر على الشق الأيمن فعلى (ظهره) رجلاه للقبلة.

(و) ندب (تجنب): أي تباعد (جنب وحائض وتمثال وآلة لهو) لأن ملائكة الرحمة تنفر من ذلك.

(و) ندب (إحضار طيب) كبخور عود أو جاوي عند المحتضر لأن الملائكة تحبه.

(و) ندب إحضار (أحسن أهله) خلقاً وخلقاً (و) أحسن (أصحابه) ممن كان يحبهم ولا ينبغي إحضار الوارث إلا أن يكون ابناً وزوجة ونحوهما.

(و) ندب (دعاء) من الحاضرين: لأنفسهم وللميت لأنه من أوقات الإجابة.

(و) ندب (عدم بكى) بالقصر وهو الخفي الذي لا يرفع فيه الصوت لأن التصبر [1] أجمل.

(و) ندب (تغميضه) أي قفل عينيه (وشد لحييه) بعصابة (إذا قضي) أي خرجت روحه بالفعل، فلا يغمض قبل ذلك كما يفعله الجهلة.

(و) ندب (رفعه) بعد موته (عن أرض [2]) على طراحة أو سرير لئلا تسرع له الهوام

(وستره بثوب وإسراع تجهيزه) خوفاً من تغيره (إلا كالغرق) بكسر الراء: أي الغريق، ومن مات تحت هدم أو فجأة؛ فإنه يؤخر ولا يسرع بتجهيزه حتى تظهر أمارات التغير وتحقق موته لاحتمال أن يكون حياً ثم ترد له روحه.

(و) ندب (زيارة القبور بلا حد) بيوم أو وقت أو ليل أو نهار، (والدعاء والاعتبار) أي الاتعاظ وإظهار الخشوع (عندها) أي القبور، ويكره الأكل والشرب والضحك وكثرة الكلام، وكذا قراءة القرآن بالأصوات المرتفعة واتخاذ ذلك عادة لهم كما يقع في قرافة مصر، وربما خرجوا عن قانون القراءة إلى قانون الغناء والتمطيط وتقطيع الحروف كما هو مشاهد وهو لا يجوز.

ثم شرع في الكلام على الجائزات فقال: (وجاز غسل امرأة) من إضافة المصدر لفاعله ومفعوله قوله (ابن ثمان) أي يجوز للمرأة أن تغسل صبياً ابن ثمان سنين فأولى من دونه، لا ابن تسع، وإن جاز لها النظر لعورته.

(و) جاز (غسل رجل كرضيعة) أي رضيعة وما قاربها كزيادة شهر على مدة الرضاع لا بنت ثلاث سنين،

ــ

ليكون ذلك آخر كلامه وليطرد به الشياطين الذين يحضرونه لدعوى التبديل والعياذ بالله. ولا يلقن إلا بالغ، وظاهر الرسالة مطلقاً والمدار على التمييز.

قوله: (أي خرجت روحه بالفعل): وعلامة ذلك أربع: انقطاع نفسه. وإحداد بصره، وانفراج شفتيه فلا ينطبقان، وسقوط قدميه فلا ينتصبان. ومن علامة البشرى لأهل الخير الذين لا يلحقهم عذاب كما قيل وقيل -علامة الإيمان مطلقاً- أن يصفر وجهه ويعرق جبينه وتذرف عيناه دموعاً، ومن علامات السوء والعياذ بالله أن تحمر عيناه وتربد شفتاه، ويغط كغطيط البكر وتربد -بالباء. الموحدة بعدها دال مشددة - لون الغبرة.

قوله: [لئلا تسرع له الهوام]: أي لمفارقة الحفظة له بخروج روحه.

قوله: [وستره بثوب]: أي زيادة على ما عليه حال الموت، وقال بعضهم يغطى وجهه لأنه ربما يتغير من المرض فيظن من لا معرفة له ما لا يجوز.

تنبيه: قال حلولو في قول خليل وتليين مفاصله برفق ورفعه عن الأرض، ووضع ثقيل على بطنه - ما ذكره من هذه المندوبات: لم أر من نبه عليها من الأصحاب وهي منصوصة للشافعية اهـ.

قوله: [خوفاً من تغيره]: وتأخيره عليه الصلاة والسلام للأمن من ذلك؛ واستثنوا من قاعدة العجلة من الشيطان ست مسائل: التوبة، والصلاة إذا دخل وقتها، وتجهيز الميت عند موته إلا ما استثني، ونكاح البكر إذا بلغت وتقديم الطعام للضيف إذا قدم، وقضاء الدين إذا حل. وزيد تعجيل الأوبة من السفر ورمي أيام التشريق، وإخراج الزكاة عند حلولها.

قوله: [بلا حد]: أي في أصل الندب، فلا ينافي التأكد في الأوقات التي ورد الأمر فيها بخصوصها كيوم الجمعة ورد عنه عليه الصلاة والسلام:«من زار والديه كل جمعة غفر له وكتب باراً» ، وعن بعضهم: أن الموتى يعلمون بزوارهم يوم الجمعة ويوماً قبله ويوماً بعده، وعن بعضهم: عشية الخميس ويوم الجمعة ويوم السبت إلى طلوع الشمس، قال القرطبي: ولذلك يستحب زيارة القبور ليلة الجمعة ويومها، ويكره السبت فيما ذكره العلماء، لكن ذكر في البيان: قد جاء أن الأرواح بأفنية القبور، وأنها تطلع برؤيتها، وأن أكثر اطلاعها يوم الخميس والجمعة وليلة السبت، وفي القرطبي أنه عليه الصلاة والسلام قال:«من مر على المقابر وقرأ {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1] إحدى عشرة مرة ثم وهب أجره للأموات أعطي من الأجر بعدد الأموات» اهـ. من الحاشية، ومما ورد أيضاً أن يقول العبد عند رؤية القبور:"اللهم رب الأرواح الباقية والأجساد البالية والشعور المتمزقة، والجلود المتقطعة والعظام النخرة التي خرجت من الدنيا وهي بك مؤمنة أنزل عليها روحاً منك وسلاماً مني".

تنبيه: ذكر في المدخل في زيارة النساء للقبور ثلاثة أقوال: المنع، والجواز بشرط التحفظ، والثالث الفرق بين المتجالة فيباح بل يندب، والشابة فيحرم إن خشيت الفتنة.

قوله: [ويكره الأكل والشرب] إلخ: أي لحديث: «زوروا القبور تذكركم الآخرة» ، وفي رواية:«زوروا القبور ولا تقولوا هجراً» أي كلاماً لغواً أو باطلاً.

قوله: [وإن جاز لها النظر] إلخ: أي ما لم يناهز الحلم، وإلا فلا يجوز

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

في ط المعارف: (التصير).

[2]

في ط المعارف: (الأرض)، ولعلها الأقرب للصواب.

ص: 200

فلا يجوز للرجل تغسيلها.

(و) جاز (تسخين ماء) للغسل كالبارد.

(و) جاز (تكفين بملبوس) للميت أو غيره -أي عند وجود غيره- وإلا تعين الملبوس، (أو مزعفر أو مورس) أي مصبوغ بزعفران أو ورس لأنهما من الطيب بخلاف المصبوغ بغيرهما فيكره.

(و) جاز (حمل غير أربعة) للنعش من الرجال كأن يحمله اثنان أو ثلاثة.

(و) جاز (بدء بأي ناحية) في حمل السرير (بلا تعيين): قال المصنف:

والمعين مبتدع؛ أي لأنه عين ما لا أصل له في الشرع.

(و) جاز (خروج متجالة) لجنازة مطلقاً (كشابة لم يخش فتنتها) يجوز خروجها (في) جنازة من عظمت مصيبته عليها (كأب) وأم (وزوج وابن) وبنت (وأخ) وأخت، وحرم على مخشية الفتنة مطلقاً، وعلم من هذا النص أن الزوجة المتجالة وغير مخشية الفتنة يجوز لها الخروج لجنازة زوجها مع أنها بموته لزمها الإحداد وعدم الخروج إلا فيما سيأتي بيانه في العدة؛ فيكون هذا من جملة المستثنى.

(و) جاز (نقله): أي الميت من مكان إلى آخر وإن من بلد لأخرى [1] قبل دفنه أو بعده (لمصلحة) كأن يخاف عليه أن يأكله البحر أو السبع، وكرجاء بركته للمكان المنقول إليه أو زيارة أهله أو لدفنه بين أهله ونحو ذلك (إن لم تنتهك حرمته) بانفجاره أو نتانته، وهل من انتهاك حرمته تكسير عظامه بعد يبسه في قبره أو لا؟

(و) جاز (بكى) بالقصر (عند موته وبعده) وقوله (بلا رفع صوت) كالتفسير لبكى المقصور، لأن ما كان برفع صوت يسمى بكاء بالمد وهو لا يجوز.

(و) بلا (قول قبيح) وإلا منع.

(و) جاز (جمع أموات بقبر) واحد (لضرورة)، كضيق مكان أو تعذر حافر ولو ذكوراً وإناثاً أجانب. (و) إذا دفنوا في وقت واحد (ولي القبلة الأفضل) فالأفضل، وقدم الذكر على الأنثى والحر على العبد (وفي الصلاة) عليه (يلي الإمام أفضل رجل) فالأفضل (فالطفل الحر فالعبد) كبير فصغير، (فالخصي) حر كبير فصغير فعبد كبير فصغير (فالمجبوب) كذلك (فالخنثى) كذلك (فالحرة) كبيرة فصغيرة (فالأمة) كذلك.

ثم شرع في بيان المكروهات فقال:

ــ

لها النظر لعورته كما لا يجوز لها تغسيله، فالأقسام ثلاثة: ابن ثمان فأقل يجوز لها تغسيله والنظر لعورته، وابن تسع لاثنتي عشرة فأكثر لا يجوز لها تغسيله ويجوز [2] لها النظر لعورته، وابن ثلاث عشرة فأكثر لا يجوز لها تغسيله ولا النظر لعورته؛ فلا يلزم من جواز النظر جواز التغسيل، لأن في التغسيل زيادة الجس باليد.

قوله: [فلا يجوز للرجل تغسيلها]: أي وإن كان له نظر عورتها ما لم تطق الوطء لما سبق، والمحرم في الأنثيين أو الذكرين بلوغ أو فتنة بالغ.

قوله: [كالبارد]: واستحب الشافعي البارد لأنه يشد الأعضاء.

قوله: [بملبوس]: أي نظيف طاهر لم يشهد فيه مشاهد الخير وإلا كره في الأولين كما يأتي، وندب في الأخير كما تقدم اهـ. من الأصل.

قوله: [أو ورس]: وهو نبت باليمن أصفر يتخذ منه الحمرة للوجه.

قوله. [بخلاف المصبوغ بغيرهما]: أي كالمصبوغ بالخضرة ونحوها؛ حيث أمكن غيرهما إذ ليس في صبغهما طيب.

قوله: [وجاز حمل غير أربعة]: أي خلافا لمن قال يندب [3] الأربعة، وهو أشهب وابن حبيب، وفي الخرشي أن ابن الحاجب شهر قول أشهب وابن حبيب باستحباب الأربعة، ومثله في الأجهوري، قال بن: وهو غلط منهما؛ فابن الحاجب لم يشهر إلا ما عند المصنف ونصه ولا يستحب حمل أربعة على المشهور اهـ. من حاشية الأصل.

قوله: [والمعين مبتدع] إلخ: أي للبدء كأشهب وابن حبيب؛ فأشهب يقول: يبدأ بمقدم السرير الأيمن فيضعه الحامل على منكبه الأيمن، ثم بمؤخرة الأيمن، ثم بمقدمه الأيسر، ثم بمؤخره الأيسر. وابن حبيب يقول يبدأ بمقدم يسار السرير، ثم بمؤخر يساره، ثم بمؤخر بيمينه، ثم بمقدم يمينه. كذا في عب.

قوله: (وحرم على مخشية الفتنة مطلقاً): أي وإن عظمت مصيبته عليها.

قوله: [إن لم تنتهك حرمته]: إلا لضرر أعظم.

وقوله: [وهل من انتهاك حرمته تكسير عظامه] إلخ؟ استظهر المؤلف في تقريره أنه من الانتهاك.

قوله: [وإلا منع]: حاصله أن البكى يجوز عند الموت وبعده بقيدين: عدم رفع الصوت، وعدم القول القبيح، وأما معهما أو مع أحدهما فهو حرام، ومحل جواز البكى بالقيدين المذكورين إن لم يجتمعوا له، وإلا كره.

قوله: [بقبر واحد]: أي وبكفن واحد، والمدار على الضرورة وكره جمعهم في قبر واحد لغير ضرورة في فور واحد، وإلا فلا يجوز النبش حيث لم تكن ضرورة، لأن القبر حبس لا يمشى عليه ولا ينبش.

وأما الجمع في كفن واحد لغير ضرورة فحرام.

قوله: [ولي القبلة الأفضل] إلخ: أي فالأفضل يجعل وجهه في الحائط القبلي، والمفضول يجعل خلف ظهره وهكذا، هذا بالنسبة للدفن. وبالنسبة للصلاة يجعل الفاضل يلي الإمام، والمفضول بعده لجهة القبلة، وهكذا عجز [4] القبر. فالمراتب التي تؤخذ من المتن والشرح عشرون حاصلها: حر كبير، حر صغير، عبد كبير، عبد صغير، خصي حر كبير، خصي حر صغير، خصي عبد كبير، خصي عبد صغير، مجبوب حر كبير، مجبوب حر صغير، مجبوب عبد كبير، مجبوب عبد صغير، خنثى حر كبير، خنثى حر صغير، خنثى عبد كبير، خنثى عبد صغير. حرة كبيرة، حرة صغيرة، أمة

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

في ط المعارف: (لآخر).

[2]

قوله: (تغسيله ويجوز) في ط المعارف: (لا يجوز).

[3]

في ط المعارف: (بندب).

[4]

في ط المعارف: (عكس).

ص: 201

(وكره حلق رأسه) إن كان ذكراً وإلا حرم (وقلم ظفره وضم معه) في كفنه (إن فعل) به ذلك.

(و) كره (قراءة) لشيء من القرآن (عند الموت وبعده على القبور) لأنه ليس من عمل السلف، وإنما كان شأنهم الدعاء بالمغفرة والرحمة والاتعاظ (إلا لقصد تبرك) بالقرآن (بلا عادة) فإنه يجوز.

(و) كره (انصراف عنها) أي الجنازة (بلا صلاة) عليها ولو بإذن أهلها لما فيه من الطعن فيها، (أو) انصراف (بعدها) أي بعد الصلاة (بلا إذن) من أهلها (إن لم يطولوا)، فإن أذنوا بعد الصلاة أو طولوا ولم يأذنوا جاز الانصراف.

(و) كره (صياح خلفها بكاستغفروا لها): أي بـ استغفروا لها ونحوه.

(و) كره (إدخالها المسجد) ولو لغير صلاة.

(و) كره (الصلاة عليها فيه) أي في المسجد ولو كانت هي خارجه.

(و) كره (تكرارها) أي الصلاة على الميت (إن أديت) أولاً جماعة. (وإلا) تؤد جماعة بأن صلى عليها فذ (أعيدت) ندباً (جماعة) لا أفذاذاً، فالصور أربع تكره الإعادة في ثلاث، وتندب في واحدة.

(و) كره (صلاة فاضل على بدعي) لم يكفر ببدعته، (أو) على (مظهر كبيرة) كشرب خمر أي يفعلها عند بعض الناس من غير مبالاة، (أو) على (مقتول بحد) كقاتل أو زان محصن رجم.

(و) كره (تكفين) لميت ولو أنثى (بحرير وخز ونجس وكأخضر ومعصفر) أي مصبوغ بخضرة أو صفرة إذا (أمكن غيره) وإلا لم يكره، ويستثنى من ذلك المورس والمزعفر كما تقدم.

(و) كره (زيادة رجل) أي ذكر ولو صبياً (على خمسة) من الأكفان.

(و) كره زيادة (امرأة على سبعة) لأنه من الإسراف.

(و) كره (اجتماع نساء لبكى سراً) ومنع جهراً كالقول القبيح مطلقاً.

(و) كره (تكبير نعش) لميت صغير لما فيه من المباهاة والنفاق.

(و) كره (فرشه) أي النعش (بحرير) أو خز.

(و) كره (إتباعه) أي الميت (بنار وإن) كانت (ببخور) أي مصاحبة له لما فيه من التشاؤم بأنه من أهل النار.

(و) كره (نداء به) أي بسببه أي صياح (بمسجد أو ببابه) بأن يقال: فلان قد مات فاسعوا لجنازته مثلاً (إلا الإعلام بصوت خفي): أي من غير صياح فلا يكره.

(و) كره (قيام لها): أي للجنازة إذا مروا بها على جالس؛ لأنه ليس من عمل السلف.

(و) كره (الصلاة على) ميت (غائب) ولو في البلد.

ــ

كبيرة، أمة صغيرة. وجمع هؤلاء في الصلاة مطلوب لرجاء البركة، وفي القبر للضرورة. وبقيت صفة أخرى في جمعهم للصلاة، وهي جعلهم صفاً واحداً؛ الأفضل أمام الإمام، ثم المفضول عن يساره. قال الخرشي ويكمل الصف لليسار، والراجح أنه إذا وجد فاضل فعن اليمين أيضاً، ثم مفضول فعن اليسار، وهكذا، ورأس المفضول عند رجل [1] الفاضل، فالتفاوت بالقرب للإمام، وقدم أفضل كل صنف فيه كالأعلم، والشرعي ومن قويت شائبة حريته، ومن لا تخنث فيه على متضح ونحو ذلك كذا في المجموع.

قوله: [وكره حلق رأسه]: أي وكذا سائر شعره غير ما يحرم حلقه في حال الحياة وكما أنه لا يفعل به لا يفعله لنفسه بقصد أن يكون ميتاً على هذه الحالة، وأما إن قصد إراحة نفسه فلا يكره.

قوله: [وإلا حرم]: أي في حق الأنثى الكبيرة التي يكون الحلق فيها مثله.

قوله: [وضم معه]: أي على سبيل الاستحباب لأن هذه الأجزاء لا يجب مواراتها، ولأنها ليست أجزاء حقيقة كاليد والرجل.

قوله: [فإنه يجوز]: أي ولذا استحبه ابن حبيب، وبعضهم يسن.

قوله: [ولو بإذن أهلها]: أي ولو طولوا.

قوله: [وكره صياح خلفها]: أي لأنه ليس من فعل السلف.

قوله: [ولو بغير [2] صلاة]: أي لاحتمال قذره وللقول بنجاسة الميت وإن كان ضعيفاً.

قوله: [ولو كانت هي خارجة]: أي لأنه ذريعة لدخولها.

قوله: [وتندب في واحدة]: أي وهي ما إذا صليت فذاً وأعيدت جماعة وظاهره ولو تعدد الفذ أو لا.

قوله: [أو على مظهر كبيرة]: ومثله مظهر الصغيرة المصر عليها.

قوله: [رجم]: أي وأما لو كان حده الجلد فلا كراهة في الصلاة عليه، ولو مات به.

قوله: [ونجس]: يؤخذ منه أن لا يشترط في صلاة الميت طهارته بل طهارة المصلى.

قوله: [لما فيه من المباهاة والنفاق]: أي من مظنة النفاق، ومظنة المباهاة وإلا لو حصل بالفعل حرم.

قوله: [وكره فرشه] إلخ: مفهومه أن الستر لا يكره، قال ابن حبيب: ولا بأس أن يستر الكفن بثوب ساج ونحوه، وينزع عند الحاجة، والساج طيلسان أخضر، والظاهر أن المراد هنا مطلق طيلسان سواء كان أحمر أو أخضر ونحو ذلك وظاهره ولو حريراً.

قوله: [لما فيه من التشاؤم]: أي ولأنه من فعل النصارى وإن كان فيها طيب فكراهة ثانية للسرف.

قوله: [فلا يكره]: أي بل هو مندوب لأن وسيلة المطلوب مطلوبة.

قوله: [وكره قيام لها]: قال الخرشي: صادق بثلاث صور:

إحداها للجالس تمر به جنازة، فيقوم لها.

الثانية: أنه يكره لمن يتبعها أن يستمر قائماً حتى توضع.

الثالثة أنه يكره لمن سبق للمقبرة أن يقوم إذا رآها حتى توضع، وأما القيام عليها حتى تدفن فلا بأس به، والقول بنسخه غير صحيح، وفعله علي رضي الله عنه وقال قليل لأخينا قيامنا على قبره وأما القيام للحي فقد أطال القرافي فيه. وحاصله أنه يحرم لمن يحبه ويعجب به، ويكره لمن لا يحبه ويتأذى منه، ويجوز لمن لا يحبه ولا يعجب به، ويستحب للعالم والصهر والوالدين ولمن نزل به هم فيعزى أو سرور فيهنأ وللقادم من السفر؛ وهذا كله ما لم يترتب

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

في ط المعارف: (رجلي).

[2]

في ط المعارف: (لغير).

ص: 202

وصلاته صلى الله عليه وسلم على النجاشي وقد مات في أرض الحبشة - من خصوصياته بدليل أنه لم يصحبه عمل.

(و) كره (تطيين قبر) أي تلبيسه بالطين (أو تبييضه) بالجير (ونقشه) بالحمرة أو الصفرة، (وبناء عليه) أي على القبر نفسه (أو تحويز) عليه ولو بلا قبة إن كان (بأرض مباحة) إما بملك للميت أو غيره بإذنه أو أرض موات (بلا مباهاة) بما ذكر، (وإلا): بأن كان بأرض غير مباحة أو فعل ذلك للمباهاة بكونه كان كبيراً أو أميراً أو نحو ذلك (حرم) لأنه من الإعجاب والكبر المنهي عنهما، وكذا إذا كان البناء أو التحويز ذريعة لإيواء أهل الفساد فيه فيحرم.

(و) كره (مشي عليه) أي على القبر بشرطين (إن كان مسنماً) أو مسطباً، (والطريق دونه) الواو للحال، فإن زال تسنيمه أو لم تكن هناك طريق جاز المشي عليه.

(و) كره (تغسيل من فقد): أي عدم (أكثر من ثلثه) كنصفه فأكثر، ووجد نصفه فأقل.

(و) كرهت (صلاة عليه) لتلازمهما، فإن وجد جله فأكثر وجبا كما تقدم، وشبه في الكراهة قوله:(كمن لم يستهل صارخاً): يكره غسله والصلاة عليه، (ولو تحرك أو بال أو عطس إن لم تتحقق حياته)، فإن تحققت وجبا كما تقدم.

(و) كره (تحنيطه وتسميته) أي السقط.

(و) كره (دفنه بدار وليس) دفنه فيها (عيباً) ترد به إذا بيعت، (بخلاف) دفن (الكبير) فيها فإنه عيب ترد به.

(وغسل دمه): أي السقط (ولف بخرقة وووري) وجوباً فيهما وندباً في الأول.

(وحرما): أي الغسل والصلاة (لكافر وإن صغيراً

ــ

على تركه فتنة فيجب. اهـ.

قوله: [على النجاشي]: بفتح النون على المشهور وقيل بكسرها وخفة الجيم، وأخطأ من شددها، هو لقب لكل من ملك الحبشة واسمه أصحمة أسلم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يهاجر إليه.

قوله: [من خصوصياته]: وأجيب بجواب آخر بأن الأرض رفعته له وعلم يوم موته وأخبر به أصحابه، وخرج بهم فأمهم في الصلاة قبل أن يوارى فتكون صلاته عليه كصلاة الإمام على ميت رآه ولم يره المأمومون، ولا خلاف في جوازها فلا تكون على غائب، وليست من الخصوصيات.

قوله: [وكره تطيين قبر] إلخ: أي ما لم يتوقف منع الرائحة عليه.

قوله: [ونقشه]: ويشتد النهي في القرآن وقد وقع التردد قديماً في الوصية بوضعه في القبر، هل تبطل أو يرفع عن القذر؟ كذا في المجموع.

قوله: [غير مباحة]: أي كالموقوفة للدفن مثل قرافة مصر. واختلف هل يجوز إعداد قبر في الأرض الموقوفة حال الحياة؟ في الحطاب ما يقتضي المنع قال في المجموع، وسمعت شيخنا يقول ترب مصر كالملك فيجوز إعدادها. اهـ. ومحل الخلاف إذا لم يكن تحويز زائد على الحاجة وإلا فيحرم باتفاق دفن فيه صاحبه أم لا؛ قال في الأصل: ومن الضلال المجمع عليه أن كثيراً من الأغنياء يبقون بقرافة مصر أسبلة ومدارس ومساجد وينبشون الأموات ويجعلون محلها الأكنفة، وهذه الخرافات ويزعمون أنهم فعلوا الخيرات، كلا ما فعلوا إلا المهلكات. اهـ. ولكن ذكر في المجموع نقلاً عن الشعراني أن السيوطي أفتى بعدم هدم مشاهد الصالحين بالقرافة قياساً على أمره صلى الله عليه وسلم بسد كل خوخة في المسجد إلا خوخة أبي بكر، قال الشيخ وهي فسحة في الجملة لكن سياقه بعد الوقوع والنزول. اهـ.

قوله: [وكره تغسيل من فقد] إلخ: شروع في شروط وجوب الغسل والصلاة بذكر أضدادها وهي أربعة:

الأول: وجود كله أو جله. الثاني: أن يتقدم له استقرار حياة، الثالث: أن يكون مسلماً ولو حكماً، الرابع: أن لا يكون شهيد معترك، فذكر محترزاتها على هذا الترتيب فتدبر.

قوله: [ووجد نصفه فأقل]: مثله وجود ما دون الثلثين ولو زاد على النصف كذا في المجموع. ولا تجب الصلاة عليه إلا إذا وجد الثلثان فأكثر، وتلغى الرأس: فالعبرة بثلثي الجسد كان معهما رأس أم لا فإن وجد أقل من الثلثين ولو معه الرأس كره تغسيله والصلاة عليه هذا هو التحرير.

قوله: [لتلازمهما]: أي في أصل الشروط فإن شروطهما واحدة؛ وهي الأربعة المتقدمة. متى تخلف شروط منها انتفى الغسل والصلاة معاً وإذا وجدت وجداً إن لم يتعذر أحد الواجبين [1] وإلا أتى بالمستطاع، وسقط المتعذر كما تقدم لنا فيمن دفن بغير غسل ولا صلاة وتغير في القبر فإنه لا يغسل، ولكن تجب الصلاة عليه على القبر فتأمل. إن قلت: إن أصل الصلاة واجب، والصلاة على ما دون الجل مكروهة لما فيها من الصلاة على غائب، فكيف يترك واجب خوف الوقوع في مكروه؟ وأجاب في التوضيح بما حاصله: أنه لا يخاطب بالصلاة على الميت إلا بشرط الحضور، وحضور جله كحضور كله وحضور الأقل بمنزلة العدم. اهـ.

قوله: [فإن وجد جله]: أي وهو الثلثان كان معهما رأس أم لا.

قوله: [كمن لم يستهل] إلخ: شروع في محترز الشرط الثاني.

قوله: [فإن تحققت]: أي بأن وضع [2] كثيراً أو وقعت منه أمور لا تكون إلا من حي.

قوله: [وندباً في الأول]: أي فغسل الدم مندوب كما استظهره في الحاشية بخلاف المواراة واللف بالخرقة، فكل واجب كما قال الشارح.

قوله: [وحرما]: شروع في محترز الشرط الثالث.

قوله: [لكافر]: اللام بمعنى على

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

في ط المعارف: (الوجهين).

[2]

في ط المعارف: (رضع).

ص: 203

ارتد) لأن ردة الصغير معتبرة فأولى غيره (أو) كان الكافر الصغير عبداً (نوى به مالكه الإسلام وهو): أي والحال أنه (كتابي): وهذا قيد لا بد منه تركه المصنف، فإن كان مجوسياً ونوى به مالكه الإسلام فإنه يغسل ويصلى عليه لأنه مسلم حكماً. وقولنا:"مالكه" أعم من قوله: "سابيه".

(وإن اختلطوا) أي الكفار بمسلمين ولم يميزوا (غسلوا) جميعاً للضرورة وصلي عليهم. (وميز المسلم) منهم (في) حال (الصلاة) عليهم (بالنية) بأن ينوى بالصلاة على المسلم منهم (كشهيد معترك) يحرم الغسل والصلاة عليه (لحياته ولو) كان شهيداً (ببلاد الإسلام أو لم يقاتل) كأن يصيبه السهم وهو نائم، (أو قتله مسلم خطأ) يظنه كافراً أو قصد كافراً فأصابه، وكذا إذا رجع عليه سيفه أو سهمه أو تردى من شاهق فمات حال القتال، (أو رفع) عطف على ما في حيز المبالغة أي ولو رفع حياً (منفوذ المقاتل) فإنه لا يغسل ولا يصلى عليه، خلافاً للمصنف.

(كالمغمور) فإنه لا يغسل اتفاقاً إذا استمر في غمرته لم يأكل ولم يشرب ولم يتكلم حتى مات.

(ودفن) وجوباً (بثيابه المباحة) لا المحرمة كالحرير (إن سترته) جميعه، (وإلا) تستره (زيد) عليها قدر ما يستر ما لم يكن مستوراً من وجه أو رجل أو غيرهما، فإن وجد عرياناً ستر جميع جسده (بخف) أي مع خف (وقلنسوة) هي ما يلف عليها العمامة (ومنطقة) قل ثمنها لا إن كثر (وخاتم) مباح (قل فصه) أي قيمة فصه (لا) يدفن بآلة حرب من (درع وسلاح) لأنه من إضاعة المال بغير وجه شرعي.

(والقبر حبس على الميت لا ينبش): أي يحرم نبشه (ما دام) الميت (به): أي فيه (إلا لضرورة) شرعية كضيق المسجد الجامع، أو دفن آخر معه عند الضيق أو كان القبر في ملك غيره وأراد إخراجه منه أو كفن بمال الغير بلا إذنه وأراد ربه أخذه

ــ

والمراد أنه كافر عند الموت، سواء كان كفره سابقاً أو طرأ له الكفر عند الموت والعياذ بالله.

قوله: [ارتد]: أي ومات على ذلك وهذا حيث كان مميزاً، وإلا فلا تعتبر ردته بالإجماع. قوله:[أي والحال أنه كتابي]: أي لأن صغار الكتابيين لا يجبرون على الإسلام على الراجح، وكبارهم لا يجبرون عليه اتفاقاً، والمراد بالكبير من يعقل دينه لا البالغ فقط.

قوله: [لأنه مسلم حكماً]: أي لأنه يجبر على الإسلام.

وهل الذي يجبر على الإسلام يكون مسلماً بمجرد ملك المسلم له؟ وهو لابن دينار.

أو حتى ينوي مالكه إسلامه؟ وهو لابن وهب.

أو حتى يقدم ملكه ويزييه بزي الإسلام؟ وهو لابن حبيب.

أو حتى يعقل ويجيب حين إثغاره؟ نقله ابن رشد.

خامسها حتى يجيب بعد احتلامه وظاهر كلام شارحنا ترجيح القول الثاني ولا فرق بين كون المجوسي كبيراً أو صغيراً.

قوله: [غسلوا جميعاً] إلخ: أي ومؤنة غسلهم وكفنهم من بيت المال، إن كان المسلم فقيراً لا مال له، ولا يقال: الكافر لا حق له في بيت المال؛ لأنه يقال غسل المسلم وتكفينه ومواراته لا تتأتى إلا بفعل ذلك في الكافر، وما لا يتحقق الواجب إلا به فهو واجب. وأما إن كان للمسلم مال فإن مؤنة جميعهم تؤخذ من مال المسلمين منهم. وهذا إذا كان المختلط بالكفار مسلماً غير شهيد، أما إذا اختلط الشهيد بالكفار فإنه لا يغسل واحد منهم، ويدفنون بمقبرة المسلمين تغليباً لحق المسلم. بقي ما لو اختلط مسلم يغسل بشهيد معركة، فالظاهر أن يغسل الجميع ويكفنوا مع دفنهم بثيابهم احتياطا في الجانبين وصلي عليهم ويميز غير الشهيد بالنية.

قوله: [كشهيد [1] معترك]: شروع في محترز الشرط الرابع، ثم إن كلامه يقتضي أن مقتول الحربي بغير معركة يغسل ويصلى عليه وهو قول ابن القاسم، ومقتضى موضع من المدونة. وروى ابن وهب: لا يغسل شهيد كافر حربي بغير معركة لكونه له حكم من قتل به وهو نص المدونة في محل آخر، وتبعه سحنون وأصبغ وابن يونس وابن رشد. وذكر شيخ المشايخ العدوي أن ما قاله ابن وهب

هو المعتمد وقد اتفق سنة 1052 اثنين وخمسين وألف أن أسرى نصارى بأيدي مسلمين أغاروا بسكندرية وقت صلاة الجمعة والمسلمون في صلاتها فقتلوا جماعة من المسلمين فأفتى العلامة الأجهوري بعدم غسلهم وعدم الصلاة عليهم. اهـ. من حاشية الأصل.

قوله: [لحياته]: علة لحرمة الغسل والصلاة عليه، وقيل علة ذلك أنه مغفور له وقيل كماله. واعترض بأن الأنبياء أحياء كاملون مغفور لهم مع أن غسلهم والصلاة عليهم مطلوبان. أجيب بأن عدم الغسل والصلاة مزية، والمزية لا تقتضي الأفضلية.

قوله: [أو قتله مسلم]: في الحطاب أن هذا يغسل ويصلى عليه، ومثله من داسته الخيل واعتمده بن.

قوله: [فإنه لا يغسل ولا يصلى عليه]: أي لو كان في جميع المسائل جنباً قاله أشهب وأصبغ وابن الماجشون.

قوله: [خلافاً للمصنف]: أي العلامة خليل.

وحاصل كلامه: أنه إذا رفع حياً فإنه يغسل ولو منفوذ المقاتل ما لم يكن مغموراً وهو المشهور من قول ابن القاسم كما نقله في التوضيح عن ابن بشير، ولكن شارحنا اعتمد طريقة سحنون من أنه متى رفع منفوذ المقاتل أو مغموراً فلا يغسل ولا يصلى عليه، وهو الذي اقتصر عليه ابن عبد البر، فهما طريقتان واعتمد بن ما قاله خليل محتجاً بتغسيل عمر رضي الله عنه بمحضر الصحابة مع أنه رفع منفوذ المقاتل، وفي هذا الاحتجاج نظر لأهل النظر.

قوله. [ودفن وجوباً]: أي لقوله صلى الله عليه وسلم: «زملوهم بثيابهم اللون لون الدم والريح ريح المسك» .

قوله: [لا المحرمة كالحرير]: أي فالظاهر كراهة دفنه بها.

قوله: [من وجه أو رجل]: بيان ل "ما".

قوله: [وأراد إخراجه منه] إلخ: حاصله أنه إذا دفن في ملك غيره بغير إذنه فقال ابن رشد للمالك إخراجه مطلقاً

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

في ط المعارف: (وكشهيد).

ص: 204

قبل تغيره، أو دفن معه مال من حلي أو غيره، ومفهوم "ما دام" أنه إذا علم أن الأرض أكلته ولم يبق شيء من عظامه فإنه ينبش؛ لكن للدفن أو اتخاذ محلها مسجداً لا للزرع والبناء.

(وأقله): أي القبر (ما منع رائحته) أي الميت (وحرسه) من السباع، ولا حد لأكثره، وندب عدم عمقه.

(ورمي ميت البحر) بعد غسله والصلاة عليه (به) أي فيه (إن لم يرج البر قبل تغيره)، وإلا وجب تأخيره للبر.

(وحرم نياحة): على الميت من نساء أو رجال (ولطم) على وجه وصدر (وشق جيب وقول قبيح) نحو وا مصيبتاه وا ولداه (وتسخيم وجه أو ثوب) بطين أو نيلة.

(و) حرم (حلق) لشعر رأس لما في ذلك من إظهار عدم الرضاء بالقضاء والصبر لحكم الله المالك لكل شيء.

(ولا يعذب) الميت ببكائه عليه من أهله إذا (لم يوص) الميت (به) وإلا عذب لأنه أوصى بحرام.

(و) الميت (ينفعه صدقة) عليه من أكل أو شرب أو كسوة أو درهم أو دينار، (ودعاء) له بنحو: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه بالإجماع لا بالأعمال البدنية كأن تهب له ثواب صلاة أو صوم أو قراءة قرآن كالفاتحة، وقيل ينتفع بثواب ذلك والله أعلم بحقيقة الحال.

ولما أنهى الكلام على أحكام الصلاة انتقل ليتكلم على أحكام الزكاة [1] وهي [2] لغة: النمو والزيادة، وشرعاً: إخراج مال مخصوص من مال مخصوص بلغ نصاباً لمستحقه

ــ

سواء طال الزمان أم لا، وقال اللخمي: له إخراجه إن كان بالفور، وأما مع الطول فلا، وجبر على أخذ القيمة، وقال ابن أبي [3] زيد: إن كان بالقرب فله إخراجه، وإن طال فله الانتفاع بظاهر الأرض ولا يخرجه، انظر بن كذا في حاشية الأصل، وأما لو كان القبر في حبس على عموم الناس ودفن فيه شخص غير بانيه فليس للباني إلا قيمة الحفر والبنيان ولا يخرج منه الميت أصلاً.

قوله: [قبل تغيره]: أي وأما بعد التغير فليس له إلا قيمته من تركة الميت يبدأ بها.

قوله: [أو دفن معه مال]: وتشق بطنه أيضاً إن ثبت أنه ابتلع مالاً نصاب زكاة ولو بشاهد ويمين، قال في المجموع الظاهر أنه لا يتأتى هنا يمين استظهار لعدم تعلقها بالذمة فيلغز بها دعوى على ميت ليس فيها يمين استظهار، فإن لم يوجد في بطنه المال عزر المدعي والشاهد، ولا يشق بطن المرأة عن جنين ولو رجي حياته على المعتمد لأن سلامته مشكوكة فلا تنتهك حرمتها له، ولكن لا تدفن حتى يتحقق موته ولو تغيرت. وأما جنين غير الآدمي فإنه يبقر عنه إذا رجي حياته قولاً واحداً. وهناك قول ضعيف يقول: بالبقر في جنين الآدمي أيضاً. وعليه: يشق عليه من خاصرتها اليسرى إن كان الحمل أنثى، ومن اليمنى إن كان الحمل ذكراً، واتفقوا على أنه إن أمكن إخراجه بحيلة غير الشق وجب.

قال بعضهم: إنه مما لا يستطاع لأنه لا بد لإخراجه من القوة الدافعة، وشرط وجودها الحياة إلا لخرق العادة كذا في الحاشية.

قوله: [لكن للدفن] إلخ: قال صاحب المدخل اتفق العلماء على أن الموضع الذي يدفن فيه المسلم وقف ما دام شيء موجوداً فيه حتى يفنى فإن فني فيجوز حينئذ دفن غيره فيه، فإن بقي شيء من عظامه فالحرمة باقية لجميعه.

قال بعضهم: ولا يجوز أخذ أحجار المقابر العافية لبناء قنطرة أو دار، ولا حرثها للزراعة، لكن لو حرثت جعل كراؤها في مؤن دفن الفقراء.

قوله: [ورمي ميت البحر] إلخ: ولا يثقل بحجر ونحوه لرجاء أن يأتي إلى البر فيدفنه أحد.

قوله: [ولطم] إلخ: لما في الحديث: «ليس منا من حلق وخرق وذلق وسلق» .

الأول: حلق الشعر.

والثاني: خرق الثوب

والثالث: ضرب الخدود.

والرابع: الصياح في البكاء وقبيح [4] القول. قال زروق عن القوري: ووه معناها بالفارسية: لا أرضى يا رب، وأما ما يفعله النساء من الزغروتة عند حمل جنازة صالح أو عند فرح، فإنه من معنى رفع الصوت وإنه بدعة يجب النهي عنها.

قوله: [لأنه أوصى بحرام]: ومثل وصيته علمه به ورضاه.

قوله: [وقيل ينتفع] إلخ: وأيده بن بقوله إن القراءة تصل للميت وإنها عند القبر أحسن مزية، وإن العز بن عبد السلام رؤي بعد الموت فقيل له: ما تقول فيما كنت تنكر من وصول ما يهدى من قراءة القرآن للموتى؟ فقال: هيهات، فقد وجدت الأمر على خلاف ما كنت أظن.

قوله: [ولما أنهى الكلام على أحكام الصلاة]: قدمها لأنها أعظم أركان الإسلام بعد الإيمان بالله، وأوصل بها الزكاة؛ لأنهما لم يقعا في كتاب الله إلا هكذا [5].

قوله: [النمو والزيادة]: يقال زكا الزرع إذا نما وطاب وحسن، ويقال فلان زاك أي كثير الخير، وسميت به وإن كانت تنقص المال حساً لنموه في نفسه عند الله كما في حديث:«ما تصدق عبد بصدقة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، إلا كأنما يضعها في كف الرحمن فيربيها له كما يربي أحدكم فلوه أو فصيلة حتى تكون كالجبل» وأيضاً تعود على المال بالبركة والتنمية باعتبار الأرباح، ولأن صاحبها يزكو بأدائها. قال الله تعالى:{خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} [التوبة: 103]. قوله: [إخراج [6] مال] إلخ: تعريف لها بالمعنى المصدري وأما الاسمي فيقال فيه: مال مخصوص مخرج من مال مخصوص إلخ، والمال المخصوص المخرج هو الشاة من الأربعين مثلاً، أو العشر أو نصفه أو ربعه مثلاً. قوله:[من مال مخصوص]: هو النعم والحرث والنقدان. وعروض التجارة والمعادن.

قوله: [بلغ نصاباً]: هو في اللغة الأصل، وشرعاً: القدر الذي إذا بلغه المال

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

زاد بعدها في ط المعارف: (باب الزكاة).

[2]

في ط المعارف: (هي).

[3]

ليست في ط المعارف.

[4]

في ط المعارف: (وقبح).

[5]

زاد بعدها في ط المعارف: (باب).

[6]

في ط المعارف: (وإخراج).

ص: 205

إن تم الملك وحول غير معدن وحرث.

فقال: (باب [1] الزكاة) التي هي أحد أركان الإسلام الخمسة (فرض عين على الحر) ذكراً أو أنثى، فلا تجب على الرقيق ولو بشائبة حرية لعدم تمام ملكه.

(المالك للنصاب) فلا تجب على غير مالك كغاصب ومودع حال كون النصاب (من) أجزاء أنواع ثلاثة من الأموال:

(النعم) بفتح النون والعين المهملة أي الأنعام الإبل والبقر والغنم.

(والحرث): الحبوب وذوات الزيوت الأربع. والتمر والزبيب وسيأتي تفصيلها.

(والعين): الذهب والفضة.

فلا تجب في غير هذه الأنواع كخيل وحمير وبغال وعبيد، ولا في فواكه كتين ورمان، ولا في معادن غير عين كما لا تجب على مالك دون النصاب منها. والمراد أنها تجب على الحر في المال المذكور ولو غير مكلف كصبي ومجنون. والمخاطب بالإخراج وليه فليس التكليف من شروط وجوبها، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: إنما تجب على المكلف كغيرها من أركان الإسلام؛ فلا تجب على صبي ومجنون عنده. وتجب عند غيره على الحر مطلقاً في ماله. والخطاب بها فيه من باب خطاب الوضع: أي متعلق بجعل المال المذكور -إذا توفرت شروطه- سبباً في وجوب زكاته.

فشروط وجوبها أربعة: اثنان عامان في الأنواع الثلاثة وهما: الحرية وملك النصاب. واثنان خاصان ببعضها أولهما: تمام الحول؛ فإنه خاص بالماشية وبالعين من غير المعدن والركاز وإليه أشار بقوله: (إن تم الحول في غير الحرث والمعدن والركاز) وغيرهما: هو الماشية والعين. وأما الحرث فتجب فيه بطيبه كما سيأتي؛ وتجب في المعدن بإخراجه، وفي الركاز في بعض أحواله بوضع اليد عليه كما يأتي تفصيله إن شاء الله تعالى. وثانيهما: مجيء الساعي؛ فإنه خاص بالماشية وإليه أشار بقوله: (و) إن (وصل الساعي) إلى محل الماشية

ــ

وجبت الزكاة فيه، وسمي نصاباً أخذاً له من النصب؛ لأنه كعلامة نصبت على وجوب الزكاة.

وقوله: [لمستحقه]: متعلق بإخراج والمستحقون هم الأصناف الثمانية المذكورون في الآية الكريمة.

قوله: [إن تم الملك وحول] إلخ: اختلف في الملك التام، قيل سبب لوجوب الزكاة لا شرط؛ لأنه يلزم من عدمه عدم الوجوب، ومن وجوده وجود السبب بالنظر لذاته، وقال ابن الحاجب: إنه شرط نظراً إلى الظاهر وهو أنه يلزم من عدمه عدم الوجوب ولا يلزم من وجوده وجود الوجوب ولا عدمه لتوقفه على شروط أخر، كالحول والحرية وانتفاء المانع كالدين. وأما الحول فهو شرط بلا خلاف لصدق تعريف الشرط عليه؛ لأنه يلزم من عدمه عدم وجوب الزكاة، ولا يلزم من وجوده وجود وجوبها ولا عدمه لتوقف وجوبها على مال النصاب وفقد المانع كالدين.

قوله: [غير معدن وحرث]: أي وأما هما فلا يتوقفان على الحول، بل وجوب الزكاة في المعدن بالخروج أو بالتصفية وفي الحرث بالطيب وسيأتي.

(وجوب الزكاة)[2]

قوله: [فلا تجب على الرقيق] إلخ: أي ولو لم يجز لسيده انتزاع ماله كالمكاتب. وكما أنها لا تجب على الرقيق في ماله لا يجب على السيد إخراجها عن الرقيق؛ لأن من ملك أن يملك لا يعد مالكاً. اللهم إلا أن ينتزع المال منه، فيمن يجوز له انتزاعه ويمكث عنده حولاً. قال في المجموع: وفي الشاذلي على الرسالة، قال ابن عبد السلام: عندي أن مال العبد يزكيه السيد أو العبد، لأنه مملوك لأحدهما قطعاً، فكأنه جعلها من فروض الكفاية. إن قلت: قوله تعالى: {ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء} [النحل: 75]: يقتضي أن العبد لا ملك له كما يقول غيرنا، فكيف نقول إنه يملك لكن ملكاً غير تام؟ فالجواب: أن الصفة مخصصة على الأصل لا كاشفة، وهو معنى ما قيل لا يلزم من ضرب المثل بعبد لا يملك أن كل عبد لا يملك. اهـ.

قوله: [كغاصب]: من ذلك الظلمة المستغرقون للذمم؛ لا تجب عليهم زكاة حيث كان جميع ما بأيديهم من أموال الناس.

قول: [النعم]: إما من التنعم: لكونها: يتنعم بها، أو من لفظ نعم: لأن بها السرور كما يسر السائل بقول المجيب: نعم. والنعم اسم جمع لا اسم جنس لأنه لا واحد له من لفظه بل من معناه. واسم الجنس هو الذي: يفرق بينه وبين واحده بالتاء غالباً.

قوله: [والحرث]: سمي حرثاً لأنه تحرث الأرض لأجله غالباً.

قوله: [فلا تجب في غير هذه الأنواع]: أي ما لم تكن عروضاً للتجارة فتزكى زكاة إدارة أو احتكار كما يأتي.

قوله: [ولو غير مكلف]: أي لتعلق الخطاب به وضعاً كما سيقول.

قوله: [والمخاطب بالإخراج وليه]: أي ولى من ذكر من صغير ومجنون؛ فإن خشي غرماً رفع للحاكم المالكي ليحكم له: بلزوم الزكاة لهما: فلا ينفع المجنون والصبي بعد ذلك مذهب أبي حنيفة القائل بعدم وجوبها عليهما، لأن الحكم الأول رفع الخلاف.

قوله: [من باب خطاب الوضع]: وتعريفه عند الأصوليين: جعل الشيء سبباً أو شرطاً أو مانعاً أو صحيحاً أو فاسداً.

قوله: [في الأنواع الثلاثة]: أي النعم والحرث والعين.

قوله: [وملك النصاب]: تقدم فيه خلاف هل هو سبب أو شرط.

قوله: [بطيبه]: والطيب في كل شيء بحسبه.

قوله: [بإخراجه]: هو أحد قولين. وقيل بالتصفية.

قوله: [وفي الركاز في بعض أحواله]:

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

ليست في ط المعارف.

[2]

قوله: (وجوب الزكاة) ليس في ط المعارف.

ص: 206

(إن كان) ثم ساع - (في النعم) لا في غيرها، فإن لم يكن ساع فتجب بتمام الحول. كما تجب بتمامه في العين وبالطيب في الحرث، ولو كان هناك ساع. وسيأتي تفصيل مسألة الساعي إن شاء الله تعالى.

(و) إن (تم النصاب) في النعم. وهذا الشرط مستفاد من قوله السابق: "المالك للنصاب" - فليس ذكره مقصوداً لذاته - وإنما أتى به ليرتب عليه قوله:

(وإن بنتاج): كما لو كان عنده من النوق أو من البقر أو من الغنم دون النصاب فنتجت عند الحول أو عند مجيء الساعي وما يكمل النصاب فتجب فيها الزكاة؛

(أو) كان بسبب (إبدال من نوعها): كما لو كان عنده أربع من الإبل فأبدلها بخمس منها ولو قبل الحول بيوم أو أقل، أو عنده ثلاثون من الغنم فأبدلها بأربعين منها، فتجب فيها الزكاة لحول من يوم ملك الأصل بخلاف ما لو أبدلها بغير نوعها فإنه يستقبل بها الحول.

(أو) كانت (عاملة) في حرث أو حمل فتجب فيها.

(أو) كانت (معلوفة) ولو في جميع العام فتجب فيها كما لو كانت سائمة؛ (لا) إن كانت (متولدة منها): أي من النعم، (ومن وحش): كما لو ضربت فحول الظباء إناث الغنم أو عكسه مباشرة بواسطة فلا تجب فيها زكاة.

(وضمت الفائدة منها): أي من النعم. والمراد بالفائدة هنا: ما تجدد من النعم بهبة أو صدقة أو غيرهما؛ (وإن بشراء) لا خصوص ما يأتي من أنها ما تجددت لا عن مال أو عن مال مقتنى (له) أي للنصاب؛ فمن كان عنده نصاب من النعم كخمس من الإبل وثلاثين من البقر وأربعين من الغنم فأكثر. فاستفاد بهبة أو صدقة أو استحقاق في وقف أو دين أو بشراء قدر نصاب آخر أو ما يكمل نصاباً آخر، فإنه يضم للأول الذي كان عنده ويزكيه معه فيكون عليه شاتان بعد أن كان عليه واحدة مثلاً، أو تبيعان بعد أن كان عليه تبيع أو حقة مثلاً.

(وإن) ملكها (قبل الحول بيوم) فأولى أكثر ولا يستقبل بالفائدة المذكورة حولاً

ــ

وهو ما إذا احتاج إلى كبير عمل ونفقة وإلا ففيه الخمس كما سيأتي.

قوله: [إن كان ثم ساع]: أي وأمكن بلوغه.

قوله: [فإن لم يكن ساع]: أي أو كان وتعذر بلوغه.

قوله: [وإن بنتاج]: أي هذا إذا كان كمال النصاب بنفسه، بل وإن كان بنتاج بل وإن صار كله نتاجاً خلافاً لداود الظاهري القائل: إن النتاج لا يذكى [1]. ولا يلزم من وجوب الزكاة في النتاج الأخذ منه، بل يكلف ربها شراء ما يجزئ. ووجوب الزكاة في النتاج ولو كان من غير صنف الأصل؛ كما لو نتجت الإبل أو البقر غنماً، وتزكى على حول الأمهات زكاة نوعها إن كان فيها نصاب. فإذا ماتت الأمهات كلها زكى النتاج على حول الأمهات حيث كان فيه نصاب، وكذا إذا مات بعض الأمهات وكان في الباقي منها مع النتاج نصاب، زكى الجميع لحول الأمهات.

قوله: [أو كان بسبب إبدال] إلخ: حاصله أن من أبدل ماشية بنصاب من نوعها، فإنه: يبني على حول المبدلة كانت المبدلة؛ نصاباً أو دون نصاب. كانت للتجارة أو للقنية. كان الإبدال اختيارياً أو اضطرارياً. فهذه ثمان [2] صور، فتمثيل الشارح بدون النصاب مفهومه أحروي.

قوله: [بخلاف ما لو أبدلها] إلخ: حاصله أن من عنده ماشية وأبدلها بغير نوعها من المواشي -كمن أبدل بقراً بغنم- فإنه يستقبل مطلقاً؛ كانت المبدلة نصاباً أو دون نصاب، كانت للتجارة أو للقنية كان البدل اختيارياً أو اضطرارياً. فهذه ثمان [3] صور أيضاً. يستقبل فيها، ما لم يقصد الفرار وكان المبدل نصاباً كما يأتي، بقي ما لو أبدلها بنصاب عين؛ فإن كانت للتجارة بنى على حول أصلها، كانت المبدلة نصاباً أو دون نصاب. كان البدل اختيارياً أو اضطرارياً. فهذه أربع. وأما إن كانت للقنية وكانت نصاباً فكذلك: أي يبني على حول أصلها كان البدل اختيارياً أو اضطرارياً فهاتان صورتان، وأما إن كان دون نصاب فإنه يستقبل بالثمن مطلقاً. كان البدل اختيارياً أو اضطرارياً. فهاتان صورتان أيضاً. فجملة الصور أربع وعشرون. وكذلك ما لو أبدل نصاب عين بماشية فإنه يستقبل بالماشية مطلقاً هذا حاصل ما قرر به الشراح قول خليل، وكمبدل ماشية تجارة وإن دون نصاب بعين أو نوعها وإن لاستهلاك؛ كنصاب قنية لا بمخالفها أو عيناً بماشية. قدم هذا المبحث المصنف هنا. وقد أفدناك إياه والحمد لله.

قوله: [أو عاملة]: أي هذا إذا كانت مهملة، بل وإن كانت عاملة فتجب فيها الذكاة. خلافاً للشافعية.

قوله: [أو كانت معلوفة]: أي خلافاً للشافعية أيضاً. والتقييد بالسائمة في الحديث لأنه الغالب على مواشي العرب؛ فهو لبيان الواقع لا مفهوم له.

قوله: [أو بواسطة]: كذا في الخرشي وعب والمج. قال بن: وفيه نظر. بل ظاهر النقل خلافه؛ وذلك لأن المواق قصر ذلك على المتولد منها ومن الوحش مباشرة، وأما إذا كان ذلك النتاج بواسطة أو أكثر فالزكاة واجبة فيه من غير خلاف. واستظهر ذلك البدل [4] القرافي كذا في حاشية الأصل.

قوله: [وضمت الفائدة منها] إلخ: أي سواء كانت نصاباً أو أقل. وحاصله: أن من كان له ماشية وكانت نصاباً، ثم استفاد ماشية أخرى من نوعها بشراء أو دية أو هبة، نصاباً أو لا، فإن الثانية تضم

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

في ط المعارف: (يزكى).

[2]

في ط المعارف: (ثماني).

[3]

في ط المعارف: (ثماني).

[4]

في ط المعارف: (البدر).

ص: 207

بخلاف الفائدة في العين؛ فإنه يستقبل بها كما يأتي (لا)[1] تضم الفائدة من النعم (لأقل) من نصاب سواء كانت هي نصاباً أم لا، ويستقبل بها حول. وتضم الأولى لها. والحول: من وقت تمام النصاب بالفائدة، فإذا استفاد بعد تمام النصاب شيئاً ضم له كما تقدم والكلام في غير النتاج، والإبدال بها من نوعها؛ إذ فيهما يضم ما تجدد منها. ولو لغير النصاب كما تقدم.

ولما قدم أن الزكاة تجب في الأنواع الثلاثة إجمالاً شرع في بيان تفصيل ذلك فقال:

(أما الإبل ففي كل خمس) منها (ضائنة): أي شاة من الضأن خلاف المعز، وتاؤه للوحدة لا للتأنيث فيشمل الذكر والأنثى.

(إن لم يكن جل غنم البلد المعز)، وإلا فالواجب الإخراج من المعز؛ فإن تطوع بإخراج الضأن أجزأه لأنه الأصل والأفضل. ففي الخمسة، شاة، وفي العشرة، شاتان، وفي الخمسة عشر، ثلاث شياه، وفي العشرين، أربع شياه (إلى أربع وعشرين) ثم يتغير الواجب كما قال:

(وفي خمس وعشرين) من الإبل (بنت مخاض) ولا يكفي ابن مخاض ولا ابن لبون إلا إذا عدمت بنت المخاض فيكفي ابن اللبون إن كان عنده، وإلا كلفه الساعي بنت مخاض، وهي: ما (أوفت سنة) ودخلت في الثانية، إلى خمس وثلاثين.

(وفي ست وثلاثين، بنت لبون أوفت سنتين) ودخلت في الثالثة إلى خمس وأربعين.

(وفي ست وأربعين، حقة) بكسر الحاء (أوفت ثلاثاً) من السنين إلى ستين.

(وفي إحدى وستين، جذعة أوفت أربعاً) إلى خمس وسبعين.

(وفي ست وسبعين: بنتا لبون) إلى تسعين.

(وفي إحدى وتسعين: حقتان) إلى مائة وعشرين.

(وفي مائة وإحدى وعشرين إلى تسع وعشرين): إما (حقتان، أو ثلاث بنات لبون الخيار) في ذلك (للساعي) لا لرب المال عند وجود الأمرين أو فقدهما.

ــ

للأولى وتزكى على حولها سواء حصل استفادة الثانية قبل كمال حول الأولى بقليل أو كثير. فإن كانت الأولى أقل من نصاب فلا تضم الثانية لها، ولو كانت الثانية نصاباً. ويستقبل بهما من يوم حول الثانية.

قوله: [بخلاف الفائدة في العين]: والفرق أن زكاة الماشية موكولة للساعي فلو لم تضم الثانية للنصاب الأول لأدى ذلك لخروجه مرتين وفيه مشقة واضحة، بخلاف العين فإنها موكولة لأربابها، وأما إذا كانت الماشية الأولى دون النصاب وقلنا يستقبل فلا مشقة كذا في الأصل.

قوله: [أما الإبل] إلخ: قدمها لأنها أشرف النعم ولذا سميت جمالاً للتجمل بها قال تعالى: {ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون} [النحل: 6]. قوله: [فيشمل الذكر والأنثى]: أي لأن الشاة المأخوذة عن الإبل كالمأخوذة عن الغنم سناً وصفة. وسيأتي أنه يؤخذ عنها الذكر أو الأنثى وهو مذهب ابن القاسم وأشهب. واشترط ابن القصار الأنثى في الموضعين. كذا في حاشية الأصل.

قوله: [أجزأه]: أي ويجبر الساعي على قبوله.

قوله: [ففي الخمسة شاة]: فلو أخرج عنها بعيراً أجزأ ولو كان سنه أقل من عام وهو ما ارتضاه الأجهوري. وأما لو أخرج البعير عن الشاتين فأكثر فلا يجزئ قولاً واحداً ولو زادت قيمته عليهما.

قوله: [إلا إذا عدمت]: أي بأن لم توجد عنده بنت مخاض سليمة، فلو وجدت لزم إخراجها ولو كانت من كرائم الأموال، ولا ينتقل للبدل مع إمكان الأصل. هكذا ظاهر المصنف.

قوله: [فيكفي ابن اللبون]: وتجزئ بنت اللبون بالأولى. وهل يخير الساعي في قبولها أو لا يخير بل يجبر على قبولها؟ قولان. اقتصر في التوضيح على جبره، وهو المعتمد. وليس لنا في الإبل ما يؤخذ فيه الذكر عن الأنثى إلا ابن اللبون عن بنت المخاض؛ وحينئذ لا يجزئ ابن المخاض عن بنت المخاض وابن اللبون عن بنت اللبون وهكذا، كذا في حاشية الأصل. وسميت بنت مخاض: لأن الحمل مخض في بطن أمها؛ لأن الإبل تحمل سنة وتربي سنة.

قوله: [بنت لبون]: أي ولا يجزئ عنها حق ولو لم توجد أو وجدت معيبة، وأما أخذ الحقة عن بنت اللبون فتجزئ، والفرق بين ابن اللبون يجزئ عن بنت المخاض والحق لا يجزئ عن بنت اللبون أن ابن اللبون يمتنع من صغار السباع ويرد الماء ويرعى الشجر، فقابلت هذه الفضيلة فضيلة الأنوثة التي في بنت المخاض. والحق ليس فيه ما يزيد على بنت اللبون، فليس فيه ما يعادل فضيلة الأنوثة التي فيها، وسميت بنت لبون: لأن أمها ولدت عليها وصار لها لبن جديد.

قوله: [حقة]: أي لا يجزئ عنها جذع. وسميت حقة لأنها استحقت الحمل عليها أو طروق الفحل.

قوله: [جذعة]: سميت بذلك: لأنها أجذعت أسنانها أي بدلتها.

قوله [والخيار في ذلك للساعي]: اعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن بين ما تقدم من التقادير، وبين أن في الإحدى وتسعين إلى مائة وعشرين حقتان قال:«ثم ما زاد ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة» ، ففهم مالك أن الزيادة زيادة عقد أي عشرة وهو الراجح، وفهم ابن القاسم مطلق زيادة ولو حصلت: بواحدة ففي مائة وثلاثين حقة وبنتا لبون باتفاق. وأما في مائة وإحدى وعشرين إلى تسع الخلاف بينهما؛ فعند مالك: يخير الساعي بين حقتين وثلاث بنات لبون وهو ما مشى عليه المصنف، وعند ابن القاسم: يتعين ثلاث بنات لبون.

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

في ط المعارف: (ولا).

ص: 208

(وتعين) عليه (ما وجد) عند رب المال من الحقتين أو ثلاث بنات اللبون.

(ثم) إن زادت على المائة والتسعة والعشرين: (في كل عشر يتغير الواجب فـ) يجب (في كل أربعين: بنت لبون وفي كل خمسين حقة): ففي مائة وثلاثين: حقة وبنتا لبون، وفي مائة وأربعين حقتان وبنت لبون، وفي مائة وخمسين ثلاث حقاق، وفي مائة وستين: أربع بنات لبون، وفي مائة وسبعين: حقة وثلاث بنات لبون، وفي مائة وثمانين: حقتان وبنتا لبون، وفي مائة وتسعين: ثلاث حقاق وبنت لبون، وفي مائتين: إما أربع حقاق أو خمس بنات لبون. الخيار للساعي. وتعين ما وجد.

(وأما البقر: ففي كل ثلاث تبيع) ما أوفى: سنتين و (دخل في الثالثة، وفي) كل (أربعين) بقرة: (مسنة) أنثى كملت ثلاثاً و (دخلت في) السنة (الرابعة) إلى تسع وخمسين، وفي الستين: تبيعان، وفي السبعين: مسنة وتبيع، وفي الثمانين: مسنتان، وفي التسعين: ثلاثة أتبعة، وفي مائة مسنة وتبيعان، وفي مائة وعشر: مسنتان وتبيع، وفي مائة وعشرين خير الساعي في أخذ ثلاث مسنات أو أربعة أتبعة.

(وأما الغنم؛ ففي أربعين) منها (جذعة أو جذع ذو سنة) ودخل في الثانية، إلى مائة وعشرين. (وفي مائة وإحدى وعشرين: شاتان) جذعتان أو جذعان إلى مائتين (وفي مائتين وشاة: ثلاث) من الشياه، كذلك إلى ثلاثمائة وتسعة وتسعين، (وفي أربعمائة: أربع) من الشياه، (ثم لكل مائة شاة) جذع أو جذعة.

(وضم) في الإبل (بخت): وهي إبل خراسان ذات سنامين (لعراب) بكسر العين، فإذا اجتمع من الصنفين خمسة ففيها شاة وهكذا

(و) ضم (جاموس لبقر): فإذا ملك من كل خمسة عشر، وجب في الثلاثين تبيع

(و) ضم (ضأن لمعز وخير الساعي إن وجبت) ذات (واحدة) في صنفين (وتساويا)، كخمسة عشر من الجواميس ومثلها من البقر. وكعشرين من الضأن ومثلها من المعز في أخذها من أي صنف شاء.

(وإلا) يتساويا كعشرين من البقر وعشرة من الجواميس وكثلاثين من الضأن وعشرة من المعز أو عكس ذلك (فمن الأكثر): يأخذها؛ لأن الحكم للغالب. (وإن وجب) في الصنفين (اثنتان: فمنهما) يأخذهما أي: يأخذ من كل صنف واحدة (إن تساويا): كثلاثين من البقر ومثلها من الجواميس، وكاثنين وستين من الضأن ومثلها من المعز، وكستة وأربعين من البخت ومثلها من العراب فمن كل حقة.

(أو) لم يتساويا، (و) كان (الأقل نصاباً) ويجوز رفع "نصاب" على أن الجملة اسمية والواو للحال وهو الأقعد (غير وقص): نعت لنصاب، والوقص ما بين الفريضتين من كل الأنعام؛ مثل ذلك: مائة وعشرون ضأناً وأربعون معزاً؛ فالأقل -وهو الأربعون- نصاب. وغير وقص لأنه هو الذي أوجب الثانية فتؤخذ منه واحدة ومن الأكثر واحدة؛ أي فلا تؤخذ الثانية من الأقل إلا بشرطين كونه نصاباً أي لو انفرد لوجبت فيه الزكاة، وغير وقص لإيجابه الثانية، فإن عدم الشرطان أو أحدهما فالثانية تؤخذ من الأكثر كالأولى وإلى ذلك أشار بقوله:(وإلا) يكن الأقل نصاباً -ولو غير وقص- كمائة وعشرين ضأناً وثلاثين معزاً أو كان نصاباً إلا أنه وقص أي لم يوجب الثانية كمائة وإحدى وعشرين ضأناً وأربعين معزاً

ــ

قوله [وتعين ما وجد]: فإذا زادت على المائتين عشرة ففيها حقة وأربع بنات لبون فإذا زادت عشرة ففيها حقتان وثلاث بنات لبون. فإذا زادت عشرة ففيها ثلاث حقاق وبنتا لبون، فإذا زادت عشرة ففيها أربع حقاق وبنت لبون، فإذا زادت عشرة ففيها خمس حقاق. فإذا زادت عشرة ففيها حقتان وأربع بنات لبون، وهكذا على ضابط المؤلف ولا ينتقض بشيء.

قوله: [وأما البقر] إلخ: مأخوذ من البقر وهو الشق: لأنه يشق الأرض بحوافره، وهو اسم جنس، واحدة بقرة والبقرة تقع على المذكر والمؤنث. لأن تاءه للوحدة لا للتأنيث.

قوله: [تبيع]: سمي بذلك: لأن قرنيه يتبعان أذنيه. أو لأنه يتبع أمه.

قوله: [ذو سنة]: أي تامة كما قال ابن حبيب، وقيل ابن عشرة أشهر وقيل ثمانية، وقيل ستة. والمعتمد الأول، ولذا اقتصر عليه المصنف.

قوله: [شاتان]: تثنية شاة والتاء فيه للوحدة لا للتأنيث بدليل قوله فيما تقدم "جذع أو جذعة" فتصدق بالذكر والأنثى.

قوله: [ثم لكل مائة] إلخ: أي بعد الأربعمائة فلا يتغير الواجب بعدها إلا بزيادة المائة.

قوله: [بخت]: هي إبل ضخمة مائلة للقصر لها سنامان أحدهما خلف الآخر، وإنما ضمت البخت للعراب لأنهما صنفان مندرجان تحت نوع الإبل، وكذا الضأن والمعز مندرجان تحت نوع الغنم. وكذا الجاموس صنف من البقر.

قوله: [وخير الساعي]: دليل للضم كأنه قال: وإذا ضم أحد الصنفين للآخر فإن وجبت واحدة في الصنفين وتساويا خير الساعي في أخذها من أيهما، وهذا إذا وجد السن الواجب في الصنفين أو فقد منهما وتعين المنفرد كما نقله الحطاب عن الباجي.

قوله: [لأن الحكم للغالب]: قال ابن عبد السلام: وهذا متجه إن كانت الكثرة ظاهرة، وأما إن كانت كالشاة والشاتين فالظاهر أنهما كمتساويين كذا في الحاشية.

قوله: [وهو الأقعد]: أي لأن حذف كان بدون أحد الجزأين من غير تعويض ما قليل.

ص: 209

(فمن الأكثر) يؤخذان.

(و) إن وجب في الصنفين (ثلاث) وتساويا: كمائة وواحدة ضأناً ومثلها معزاً، (فمنهما) أي: فمن كل صنف يأخذ واحدة (وخير في الثالثة) في أخذها من أيهما شاء (إن تساويا وإلا) يتساويا (فكذلك): أي فالحكم كالحكم السابق في الاثنتين، فإن كان الأقل نصاباً غير وقص أخذت منه واحدة، وأخذ الباقي من الأكثر، وإلا أخذ الجميع من الأكثر.

(ومن أبدل) ما فيه الزكاة أو بعضه، (أو ذبح ماشيته فراراً) من الزكاة -ويعلم فراره بإقراره أو بقرائن الأحوال -وسواء أبدلها بنوعها؛ كأن يبدل خمسة من الإبل بأربعة- أو بغير نوعها؛ كأن يبدل الإبل بغنم أو عكسه؛ أو بعروض، أو بعين -بأن يبيعها بدنانير أو دراهم- (أخذت) الزكاة (منه) إذا كان الإبدال بعد تمام الحول، بل (ولو) كان (قبل الحول إن قرب) الحول -كقرب الخليطين لا إن بعد، لما تقرر عندنا أن الحيل لا تفيد في العبادات ولا في المعاملات كما يأتي إن شاء الله تعالى في بيوع الآجال، ولا يكون فاراً إلا إذا كان مالكاً للنصاب.

ومن الحيل الباطلة أن يهب ماله أو بعضه لولده أو لعبده قرب الحول ليأتي عليه الحول ولا زكاة عليه، ثم يعتصره أو ينتزعه منه ليكون -في زعمه- ابتداء ملكه، وقد يقع للزوج مع زوجته ثم يقول لها: ردي إلي ما وهبته لك؛ بقصد إسقاط الزكاة عنه، فتؤخذ منه، ويجب عليه إخراجها، فلا مفهوم للإبدال ولا للماشية.

(وبنى) المزكي على الحول الأصلي (في) ماشية (راجعة) إليه بعد بيعها (بعيب أو فلس) لمشتريها منه (أو فساد) لبيع فيزكيها لحولها، وكأنها لم تخرج عن ملكه (لا) إن رجعت إليه بسبب (إقالة) لأن الإقالة ابتداء بيع.

ثم انتقل يتكلم على حكم خلط المواشي من مالكين فأكثر فقال:

(وخلطاء الماشية)

ــ

قوله: [فمن الأكثر يؤخذان]: هذا هو مذهب ابن القاسم ومقابله ما لسحنون من أن الحكم للأكثر مطلقاً. ولو كان الأقل نصاباً وغير وقص.

قوله: [وإلا أخذ الجميع من الأكثر]: وما قيل في هذه الثالثة يقال في الرابعة؛ كما إذا وجب أربع من الغنم إذا كان أربعمائة منها ثلثمائة ضأناً ومائة بعضها ضأن وبعضها معز: أخرج ثلاثة من الضأن، واعتبرت الرابعة على حدة، ففي التساوي خير الساعي. وإلا فمن الأكثر ومن ذلك قول خليل:"وفي أربعين جاموساً وعشرين بقرة منهما"؛ وذلك لأن في الثلاثين من الجاموس تبيعاً تبقى عشرة فتضم للعشر من البقر فيخرج التبيع الثاني منها لأنها الأكثر. ولا يخالف هذا ما مر من أنه يؤخذ من الأقل بشرطين كونه نصاباً وغير وقص، لأن ذاك حيث لم تقرر النصب. وما هنا بعد تقررها وهي إذا تقررت نظر لكل ما يجب فيه شيء واحد بانفراده فيؤخذ من الأكثر والأخير كما مر في المائة الرابعة من الغنم. والمراد بتقرر النصب: أن يستقر النصاب في عدد مضبوط. كذا يؤخذ من الأصل.

قوله: [ومن أبدل ما فيه الزكاة] إلخ: حاصله أن من كان عنده نصاب من الماشية سواء كان للتجارة أو للقنية -ثم أبدله بعد الحول أو قبله بقرب كشهر بماشية أخرى من نوعها أو من غير نوعها، كانت الأخرى نصاباً أو أقل من نصاب، أو أبدلها بعرض أو نقد فراراً من الزكاة - ويعلم ذلك من إقراره أو من قرائن الأحوال - فإن ذلك الإبدال لا يسقط عنه زكاة المبدلة بل يؤخذ بزكاتها، معاملة بنقيض قصده، ولا يؤخذ بزكاة البدل وإن كانت زكاته أكثر، لأن البدل لم تجب فيه زكاة لعدم مرور الحول عليه.

قوله: [كقرب الخليطين]: اعترض بأنه لم يذكر فيما سيأتي قرب الخليطين ففيه إحالة على مجهول. وأجيب بأنه اتكل على شهرته في المذهب، وقد صرح في الأصل به في شرح الشرط الخامس لخلطاء الماشية بقوله: ما لم يقرب جداً كشهر اهـ. فعلم أن قرب الخليطين الشهر، ورد بالمبالغة قول ابن الكاتب: أنه لا يؤخذ بزكاتها إلا إذا كان الإبدال بعد مرور الحول وقبل مجيء الساعي، وأما إذا وقع الإبدال قبل مرور الحول ولو بقرب فلا يكون هارباً.

قوله: [لا إن بعد]: أي لا إن كان الإبدال قبل الحول بأكثر من شهر فإنه لا تؤخذ بزكاتها، ولو قامت القرائن على هروبه. هذا ظاهره؛ وهو الصواب خلافاً لما في (عب) كذا قرر شيخ المشايخ العدوي.

قوله: [لما تقرر]: علة لأخذه بالمبادلة كأنه قال: إنما أخذ بها ولو كان قبل الحول إن قرب الحول للتهمة لما تقرر إلخ.

قوله: [ولا يكون فاراً] إلخ: علم هذا من قوله: "ومن أبدل ما فيه الزكاة".

قوله: [وبنى المزكي] إلخ: أي سواء باعها بعين أو بنوعها أو بمخالفها. وحاصله: أن من باع ماشية بعد أن مكثت عنده نصف عام مثلاً - سواء باعها بعرض أو عين أو بنوعها أو بمخالفها - كان فاراً من الزكاة أم لا - فمكثت عند المشتري مدة ثم ردت على بائعها بعيب أو فلس للمشتري أو فساد البيع - فإنه يبني على حولها عنده ولا يلغي الأيام التي مكثتها عند المشتري، فإذا ملكها في رمضان وباعها في المحرم ورجعت له في شعبان وجب عليه زكاتها في رمضان وحمل زكاتها في رجوعها بالبيع الفاسد ما لم تفت عند المشتري بمفوتات البيع الفاسد وإلا فيستقبل بها.

قوله: [لا إن رجعت إليه] إلخ: أي فيستقبل [1] ولا يبني ومثلها الراجعة بهبة أو صدقة.

قوله: [على حكم خلط المواشي]: أي وأما

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

في ط المعارف: (يستقبل).

ص: 210

المتحدة النوع (كمالك واحد) أي حكمهما أو حكمهم حكم المالك الواحد (في الزكاة): كثلاثة لكل واحد أربعون من الغنم فعليهم شاة واحدة على كل ثلثها، فالخلطة أثرت التخفيف، ولو كانوا متفرقين لكان على كلٍّ شاة. وكاثنين لكل واحد منهما ست وثلاثون من الإبل فعليهما جذعة على كل نصفها. فلو كانا متفرقين لكان على كل بنت لبون، فأوجبت الخلطة التغير في السن. وقد توجب التثقيل؛ كاثنين لكل منهما مائة من الغنم وشاة فعليهما ثلاث شياه، ولولا الخلطة لكان على كل منهما شاة واحدة، فالخلطة أوجبت الثالثة. وإنما يكونون كالمالك الواحد بشروط ثلاثة: أفاد أولها بقوله: (إن نويت) الخلطة: أي نواها كل واحد منهما أو منهم. وثانيها بقوله: (وكل) منهما أو منهم (تجب عليه) الزكاة؛ بأن يكون حراً مسلماً ملك نصاباً تم حوله. فإن كان أحدهما تجب عليه فقط وجبت عليه وحده حيث توفرت الشروط، فهذا الشرط قد تضمن أربعة شروط. وثالثها بقوله:(واجتمعا): أي الخليطان، أو اجتمعوا إن كانوا جماعة (بملك) للذات (أو منفعة) بإجارة أو إعارة أو إباحة لعموم الناس؛ كنهر أو مراح بأرض موات (في الأكثر) متعلق: بـ "اجتمعا": أي واجتمعا بما ذكر في الأكثر من الأمور الخمسة الآتي بيانها -وأولى اجتماعهما في جميعها وبينها بقوله: (من مراح) بفتح الميم: المحل الذي تقيل فيه أو الذي تجتمع فيه آخر النهار، ثم تساق منه للمبيت، وأما بالضم: فهو المبيت وسيأتي، (وماء): بأن تشرب من ماء واحد مملوك لهما أو لأحدهما ولا يمنع الآخر، أو مباح (ومبيت) كذلك (وراع) متحد أو متعدد يرعى الجميع (بإذنهما، وفحل) كذلك يضرب في الجميع. بإذنهما إذا كانت من صنف واحد.

(و) إذا أخذ الساعي من أحدهما أو أحدهم ما عليهما أو عليهم (رجع المأخوذ منه على صاحبه) الذي لم يؤخذ منه (بنسبة عدد ما لكل) منهما - أو منهم (بالقيمة)، أي قيمة المأخوذ معتبرة (وقت الأخذ) لا وقت الرجوع، ولا الحكم؛ كما لو كان لأحدهما أربعون من الغنم، وللآخر ثمانون، فإن أخذ الشاة من ذي الأربعين رجع على صاحبه بثلثي قيمتها يوم أخذها، وإن أخذها من ذي الثمانين رجع بثلث القيمة على ذي الأربعين. ولو كان لكل أربعون فالتراجع بالنصف.

(وتعين) على الساعي (أخذ الوسط) من الواجب فلا يؤخذ من خيار الأموال، ولا من شرارها (ولو انفرد الخيار) عند المزكي كما لو كان عنده ست وثلاثون من الحقاق أو من المخاض أو ذات اللبن فلا يؤخذ عنها إلا بنت لبون سليمة ولا يأخذ من الأعلى إلا أن يتطوع المزكي به (أو) انفرد (الشرار) عنده فقوله:(إلا أن يتطوع المزكي) أي بإعطاء الخيار راجع للأول، وقوله (أو يرى الساعي أخذ المعيبة أحظ) للفقراء راجع للثاني والمراد يرى المعيبة المستوفية للسن الواجب شرعاً فلا يصح أخذ بنت لبون عن حقة؛ وإنما يأخذ ما وجب شرعاً من بنت لبون عن حقة لكنها معيبة لعور ونحوه وهي أكثر لحماً أو أكثر ثمناً.

ــ

الخلط في غيرها. فالعبرة بملك كل على حدة. فلا ثمرة في الخلط.

قوله: [المتحدة النوع]: قال بعد هذا قيد لا بد منه في كون الخليطين يزكيان زكاة المالك الواحد.

قوله: [إن نويت الخلطة]: قال في الأصل: وفي الحقيقة، الشرط عدم نية الفرار.

قوله: [حيث توفرت الشروط]: أي شروط الزكاة الأربعة المتقدمة.

قوله: [من مراح]: أي فلا بد أن يكون مملوكاً لهما ذاتاً أو منفعة أو أحدهما يملك نصف ذاته والآخر يملك نصف منفعته، وكذا يقال فيما بعده.

قوله: [بفتح الميم]: هكذا فرق الشارح بين الموضعين، وقال في المجموع: تضم ميمه وتفتح، وقال الخرشي: المراح بضم الميم، وقيل: بفتحها، قيل: هو حيث تجمع الغنم للقائلة، وقيل: حيث تجمع للرواح للمبيت. فلعل المؤلف اطلع على نقل آخر.

قوله: [للمبيت]: أي أو للسروح.

قوله: [أو متعدد]: أي وكذا يقال في المراح. والحاصل: أنه إذا كان كل من المبيت أو المراح متعدداً فلا يضر بشرط الحاجة لذلك. وتعدد الراعي لا يضر ولو لم يحتج إليه على المعتمد، خلافاً للباجي حيث قال: لا بد من اشتراط الاحتياج في تعدد الراعي. واعترض ابن عرفة كلام الباجي بأنه خلاف ظاهر النقل عن ابن القاسم من الاكتفاء بالتعاون في تعداد [1] الراعي، كثرت الغنم أو قلت اهـ. من حاشية الأصل.

قوله: [بإذنهما]: فإن اجتمعت مواش بغير إذن أربابها واشترك رعاتها في الرعي والمعاونة لم يصح عد الراعي من الأكثر، لأن أرباب الماشية لم تجتمع فيه فلا بد من اجتماعها في ثلاثة غيره.

قوله: [وفحل كذلك]: أن يكون مشتركاً أو مختصاً بأحدهما ويضرب في الجميع أو لكل ماشية فحل يضرب في الجميع.

قوله: [بنسبة عدد] إلخ: أي ولو انفرد وقص لأحدهما، كتسع من الإبل لأحدهما وللآخر خمس؛ فعليهما شاتان: على صاحب التسعة تسعة أسباع، وعلى صاحب الخمسة خمسة أسباع. فالمأخوذ منه يرجع على صاحبه بما عليه.

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

في ط المعارف: (تعدد).

ص: 211

(ومجيء الساعي إن كان) ثم ساع (شرط وجوب) في الزكاة فلا تجب قبل مجيئه كما تقدم صدر الباب. وإنما أعاده هنا ليرتب فوائده عليه. وإذا كان شرط وجوب (فلا تجزئ إن أخرجها قبله): أي قبل مجيئه؛ لأنه فعل ما لم يجب عليه كالصلاة قبل دخول وقتها فيكون المجيء شرط صحة أيضاً، وإنما لم تجز -مع أن تقديم زكاة العين على الحول بكشهر يجزئ- لأن التقديم في زكاة العين رخصة لاحتياج الفقراء إليها دائماً مع عدم المانع، وليس الأمر هنا كذلك لأن الإخراج قبل مجيء الساعي فيه إبطال لأمر الإمام الذي عينه لجبي الزكاة على نهج الشريعة: ومحل عدم الإجزاء (ما لم يتخلف) الساعي عن المجيء لأمر من الأمور فإن تخلف أجزأت، فإن لم يكن ساع فالوجوب بمرور الحول.

(ويستقبل الوارث) إن مات ربها قبل مجيء الساعي ولو بعد تمام الحول؛ لأنه ملكها قبل الوجوب على المورِّث ما لم يكن عنده نصاب؛ وإلا ضم ما ورثه له وزكى الجميع كما تقدم أول الباب.

(ولا تبدأ) الوصية بالزكاة على ما يخرج قبل الوصايا من الثلث؛ كفك الأسير وصداق المريض، (إن أوصى) رب الماشية قبل مجيء الساعي (بها) أي بالزكاة ومات قبل مجيئه، بل تكون في مرتبة الوصايا بالمال يقدم عليها فك الأسير وما معه كما يأتي إن شاء الله تعالى.

ولا تجب الزكاة فيما ذبحه أو باعه قبل مجيئه إذا لم يقصد الفرار (وتجب فيما ذبحه أو باعه بعده): أي بعد مجيء الساعي

ــ

تنبيه:

يتراجعان بالقيمة لو أخذ الساعي من نصاب لهما متأولاً؛ كلكل عشرون من الغنم لا يملك غيرها أو لأحدهما نصاب وزاد للخلطة، كما لو كان لواحد مائة وللثاني أحد وعشرون لا يملك غيرها وأخذ الساعي شاتين. وأما لو كان عند الشريكين أقل من نصاب وأخذ الساعي من أحدهما فمصيبة على صاحبها كالغصب.

مسألة: قال في المجموع خليط الخليط خليط؛ فذو خمسة عشر بعيراً خالط ببعضها صاحب خمسة، وببعضها صاحب عشرة: على الكل بنت مخاض اهـ.

قوله: [ومجيء الساعي]: أي وصوله لأرباب المواشي.

وقوله: [شرط وجوب]: أي وجوب موسع كدخول وقت الصلاة؛ فإنه شرط في وجوبها وجوباً موسعاً لأنه قد يطرأ مسقط كحيض ونفاس وإغماء وجنون. وكذلك هنا قد يطرأ مسقط بعد المجيء والعد، بحصول موت فيها مثلاً؛ فإن العبرة بما بقي بعده. فإذا مات من المواشي أو ضاع منها شيء بغير تفريط بعد الحول وبعد بلوغه وقبل أخذه - ولو عدها - لا يحسب على ربها، كمسقطات الصلاة بعد الدخول وقتها. وليس العد والأخذ هما الشرط في الوجوب - خلافاً لما توهمه الشيخ سالم السنهوري - إذ لو توقف الوجوب على العد والأخذ لاستقبل الوارث إذا مات مورثه بعد مجيئه وقبل عده وأخذه، وليس كذلك. وأيضاً الوجوب هو المقتضي للعد والأخذ وهو سابق عليهما، ولأنه لو جعل الأخذ شرطاً في الوجوب للزم أنها لا تجب إلا بعد الأخذ، فيكون الأخذ واقعاً قبل الوجوب. وأما الزيادة والنقص فمبحث آخر يأتي.

تنبيه: يندب لجابي الزكاة أن يكون خروجه في أول الصيف لاجتماع المواشي إذ ذاك على المياه وذلك أيام طلوع الثريا بالفجر. واختلف في تولية الإمام لذلك الجابي؛ فقيل بوجوبه. وقيل بعدم وجوبه. وعلى كل إذا ولاه وجب خروجه فلا يلزم رب الماشية سوق صدقته إليه، بل هو يأتيها ويخرج الساعي لها كل عام ولو في جدب، لأن الضيق على الفقراء أشد فيحصل لهم ما يستغنون به، خلافاً لأشهب القائل إنه لا يخرج سنة الجدب، وعليه فهل تسقط الزكاة عن أربابها في ذلك العام؟ أو لا تسقط ويحاسب بها أربابها في العام الثاني؟ قولان. وعلى المعتمد من خروجه عام الجدب فيقبل من أرباب المواشي ولو العجفاء.

قوله [مع أن تقديم زكاة العين] إلخ: أي ومثلها الماشية التي لا ساعي لها كما يأتي في قوله كتقديمها بشهر في عين وماشية.

قوله: [وليس الأمر هنا كذلك]: ولا يقال إن زكاة الحرث كالعين فمقتضاه أنها تجزئ قبل الحول بكشهر؛ لأنا نقول إن الإجزاء في العين رخصة فيقتصر فيها على ما ورد.

قوله: [على نهج الشريعة]: مفهومه لو كان جائزاً في صرفها أنه لا يكون مجيئه شرطاً وهو كذلك، ولذلك لا يجوز إعطاؤها له، فإن أكره الناس عليه أجزأت.

قوله: [فإن تخلف أجزأت]: قال الخرشي: إذا كان السعاة موجودين وشأنهم الخروج فتخلفوا في بعض الأعوام لشغل، فأخرج رجل زكاة ماشيته أجزأت. وحملنا كلام المؤلف على ما إذا تخلف لعذر لأنه محل الخلاف على ما قاله الرجراجي، وأما إن تخلف لا لعذر فإنهم يخرجون زكاتهم ولا خلاف في هذا الوجه. اهـ.

قوله [بمرور الحول]: أي اتفاقاً. وكذا إن كان ولم يمكن بلوغه، فلو أمكن بلوغه ولم يبلغ فإن الزكاة لا تجب بمرور الحول.

قوله: [كما تقدم أول الباب]: أي في قوله: "وضمت الفائدة منها وإن بشراء له".

قوله: [ولا تبدأ] إلخ: أشار بهذا لقول مالك في المدونة: من له ماشية تجب فيها الزكاة فمات بعد حولها وقبل مجيء الساعي. وأوصى بزكاتها فهي من الثلث غير مبتدأة وعلى الورثة أن يصرفوها للمساكين التي تحل

ص: 212

(بغير) قصد (فرار)، فإن قصد الفرار أخذت منه مطلقاً.

(و) تجب (من رأس المال إن مات) ربها بعد مجيء الساعي، أي يأخذها الساعي من رأس المال لوجوبها فيه بخلاف ما لو مات قبله فيستقبل الوارث كما تقدم، فإن لم يكن ساع أخرجها الوارث من رأس المال إن مات المورث بعد الحول (لا إن ماتت) الماشية بعد مجيء الساعي (أو ضاعت بلا تفريط) من ربها فلا تجب لعدم اختياره في ذلك، بخلاف الذبح والبيع كما تقدم.

ولما فرغ من الكلام على زكاة الماشية انتقل يتكلم على زكاة الحرث فقال:

(وفي خمسة أوسق) جمع وسق -بفتح الواو وسكون المهملة- ستون صاعاً (فأكثر): إذ لا وقص في الحب.

(من الحب): بيان لخمسة أوسق، ودخل فيه أربعة عشر صنفاً: القطاني السبعة، والقمح والسلت والشعير والعلس والذرة والدخن والأرز، (وذوات الزيوت الأربع) وهي الزيتون، والسمسم، والقرطم وحب الفجل الأحمر. (والتمر والزبيب) فالأصناف التي تجب فيها الزكاة عشرون (فقط): لا في تين، ورمان، وتفاح. وسائر الفواكه. ولا في بزر كتان وسلجم، ولا في جوز ولوز ولا غير ذلك؛ (وإن) زرعت هذه العشرون (بأرض خراجية) - كأرض مصر والشام التي فتحت عنوة. وخراجها لا يسقط عنها الزكاة -كما أن العلف لا يسقط زكاة الماشية- وغير الخراجية هي أرض الصلح التي أسلم أهلها وأرض الموات (نصف عشر الحب) مبتدأ مؤخر خبره وفي خمسة أوسق، وجاز أن يكون فاعلاً لفعل محذوف أي يجب نصف إلخ ومراده بالحب هنا ما يشمل التمر والزبيب.

ــ

لهم الصدقة وليس للساعي قبضها لأنها لم تجب على الميت وكأنه مات قبل حولها إذ حولها مجيء الساعي بعد عام مضى. اهـ.

قوله: [بغير قصد فرار]: هذه العبارة ركيكة وإن كان المعنى صحيحاً.

قوله: [أي يأخذها الساعي من رأس المال]: أي قبل قسمة التركة بل تقدم على مؤن التجهيز.

قوله: [كما تقدم]: وتقدم تقييده بما إذا لم يكن عنده نصاب يضمه له وإلا فلا يستقبل.

قوله: [فإن لم يكن ساع]: أي أو لهم ساع وتخلف في تلك السنة لعذر أو غيره.

قوله: [بخلاف الذبح والبيع]: أي لأن كلاً فعل اختياري.

تنبيه: قد علم مما تقدم أنه إن أمكن وصول الساعي وتخلف لعذر أو غيره لم تجب الزكاة بمرور الحول، لكن إن أخرجها أجزأت. وليس للساعي المطالبة بها إن تخلف لغير عذر وادعى صاحبها الإخراج. أو تخلف لعذر وأثبت صاحبها إخراجها بالنية. فإن اعترف بعدم إخراجها عمل الساعي في الماضي على ما وجد بتبدئة العام الأول. فيعتبر نقصها بما أخذ منه كالهارب على الراجح، لكن يعامل

الهارب إن نقصت على ما فر به. ولو جاء تائباً - كما قال ابن عرفة راداً على ابن عبد السلام. نعم إن قامت بينة عمل بها إلا عام الأخذ فعلى ما وجد كذا في (عب). وفي (بن) اعتبار تبدئة العام الأول حتى في عام الاطلاع.

مسألة: يؤخذ من الخوارج عن طاعة الإمام زكاة الأعوام الماضية وقت القدرة عليهم، إلا أن يدعوا دفعها فيصدقوا. ما لم يكن خروجهم على الإمام لمنعها فلا يصدقون في دفعها إلا ببينة.

قوله: [وفي خمسة أوسق]: أي بشرط أن تكون في ملك واحد. فلو خرج من الزرع المشترك ستة عشر وسقاً على أربعة فلا زكاة عليهم لعدم كمال النصاب لكل.

قوله: [ستون صاعاً]: كل صاع: أربعة أمداد، كل مد: رطل وثلث، كل رطل: مائة وثمانية وعشرون درهماً مكياً، لأنه ورد:«الوزن وزن مكة والكيل كيل المدينة» ، لأن مكة محل التجارة الموزونة والمدينة محل الزرع والبساتين، فيعتنون بالكيل. وكل درهم خمسون وخمسا حبة من وسط الشعير. قال في المجموع: فيوزن القدر المعلوم من الشعير، ويكال. ثم الضابط مقدار الكيل فلا يقال الوزن يختلف باختلاف الحبوب. وتقريب النصاب بكيل مصر أربعة أرادب وويبة؛ وذلك لأن كل ربع مصر: ثلاثة آصع. فالأربعة أرادب وويبة: ثلثمائة صاع وذلك قدر الخمسة الأوسق. لأن الجملة ألف مد ومائتان هذا كيلها ووزنها ألف وستمائة رطل.

قوله: [القطاني السبعة]: أي وهي الحمص بكسر الميم وفتحها. والفول واللوبيا والعدس بفتح المهملتين، والترمس بوزن بندق، والجلبان بضم الجيم وسكون اللام، والبسيلة - بالياء المثناة وبدونها - من لحن العوام كذا في الحاشية.

قوله: [الفجل الأحمر]: صفة للفجل لا للحب؛ يوجد في بلاد المغرب.

قوله: [لا في تين] إلخ: أي لا تجب في غير هذه العشرين وإن كان بعضها ربوياً.

قوله: [ولا غير ذلك]: أي كحب الفجل الأبيض والعصفر والتوابل وهي: الفلفل والكزبرة والأنيسون والشمار والكمون والحبة السوداء وغير ذلك من مصلحات الطعام وإن كانت ربوية.

قوله: [بأرض خراجية]: رد المصنف بالمبالغة على الحنفية القائلين: لا زكاة في زرع الأرض الخراجية.

قولة [كما أن العلف لا يسقط] إلخ: أي خلافاً للشافعية.

قوله: [التي أسلم أهلها]: أي بغير قتال.

قوله: [وأرض الموات]: أي كأرض الجبال والبراري مثلاً وتعريفها: ما سلم عن الاختصاص.

قوله: [نصف عشر الحب]: هذا بالنسبة لما شأنه الجفاف من الحب

ص: 213

(و) نصف عشر (زيت ما له زيت) من ذوات الزيوت الأربع. (وجاز) الإخراج (من حب غير الزيتون) وهو السمسم والقرطم وحب الفجل، وأما الزيتون فلا بد من الإخراج من زيته إن كان له زيت. فإن لم يكن له زيت -كزيتون مصر- فهو داخل في قوله:

(و) نصف عشر (ثمن ما): أي زيتون (لا زيت له) إن باعه، وإلا أخرج نصف عشر قيمته يوم طيبه، فقوله:"ثمن" عطف على الحب.

(و) نصف عشر ثمن (ما لا يجف من عنب ورطب) كعنب مصر ورطبها إن بيع وإلا فنصف عشر القيمة يوم طيبه (ولا يجزي) الإخراج (من حبه) وأما ما يجف فلا بد من الإخراج من حبه. ولو أكله أو باعه رطباً، ويتحرى. وهذا داخل في قوله:"نصف عشر الحب" كما أشرنا إليه بقولنا: "ومراده بالحب" إلخ (وكفول أخضر) الكاف بمعنى: مثل معطوفة على عنب أي من عنب ومن مثل فول أخضر: أي أن الفول الأخضر وما ماثله من القطاني كالحمص الأخضر - مما شأنه عدم اليبس كالمسقاوي- يخرج نصف العشر من ثمنه إن بيع، ونصف عشر قيمته إن لم يبع، بأن أكل أو أهدى به ونحو ذلك.

(وجاز) أن يخرج عنه حباً يابساً بعد اعتبار جفافه. فإن كان شأنه اليبس -كالذي يزرع بمحل النيل- فهو [1] يتعين فيه الإخراج (من حبه) إن أكل أخضر أو بيع كالرطب والعنب اللذين شأنهما اليبس، أو لا يتعين؟ بل يجوز الإخراج من ثمنه أو قيمته كالذي شأنه عدم اليبس: قولان. رجح بعضهم الثاني؛ وهو الذي ذكره ابن المواز عن مالك، وفي العتبية عنه: يتعين فيه الإخراج من أصل حبه، وظاهر ابن رشد وابن عرفة ترجيحه، وهو ظاهر المدونة فهو المعتمد. ومحل إخراج نصف العشر على ما تقدم. (إن سقي بآلة): كالسواقي والدواليب والدلاء. (وإلا) يسق بآلة - بأن سقي بالمطر أو النيل أو العيون أو السيح - (فالعشر) كاملاً على ما تقدم من إخراج الحب أو الزيت أو الثمن أو القيمة.

(ولو اشترى السيح) ممن نزل في أرضه (أو أنفق عليه) نفقة -كأجرة أو عمل حتى أوصله من أرض مباحة مثلاً إلى أرضه- فعليه العشر. ولا ينزل الشراء أو الإنفاق منزلة الآلة لخفة المؤنة غالباً.

(ويقدر الجفاف) إن أخذ من الحبوب أو الرطب أو العنب شيء بعد إفراكه وقبل يبسه لأكل أو بيع هذا إذا كان شأنه الجفاف، بل (وإن لم يجف) عادة -كعنب مصر ورطبها والفول المسقاوي - فإنه يقدر جفافه بالتخريص؛ بأن يقال: ما قدر ما ينقصه هذا الرطب إذا جف؟ أو ما قدره بعد جفافه؟ فإذا قيل النصف مثلاً اعتبر الباقي ليخرج منه الزكاة ولو بالضم لغيره.

(وإن سقي) زرع (بهما): أي بالآلة وغيرها، (فعلى حكمهما): أي فالزكاة في ذلك الزرع تجري على حكم السقي بالآلة والسقي بغيرها بأن يقسم الخارج نصفين. نصف فيه العشر والآخر فيه نصف العشر. وظاهره سواء استوى السقي بكل منهما في الزمن أو في عدد السقيات أم لا.

ــ

سواء ترك حتى جف بالفعل أم لا.

قوله: [ونصف عشر زيت] إلخ: أي إن بلغ حبه نصاباً، فمتى بلغ حبه نصاباً أخرج نصف عشر زيته وإن قل الزيت.

قوله: [فلا بد من الإخراج من زيته]: أي سواء عصره أو أكله أو باعه. ولا يجزئ إخراج حب أو من الثمن أو القيمة. وهذا إذا أمكن معرفة قدر الزيت ولو بالتحري، أو بإخبار موثوق بإخباره؛ وإلا أخرج من قيمته إن أكله أو أهداه أو من ثمنه إن باعه، وإلا أخرج نصف عشر قيمته، أي وإلا يبعه بل أكله أو أهداه أو تصدق به فيلزمه نصف عشر القيمة. ولو أخرج زيتوناً فإنه لا يجزئ، ومثله يقال في الرطب والعنب الذي لا يجف.

قوله: [ولا يجزئ الإخراج من حبه]: وروى علي وابن نافع: من ثمنه إلا أن يجد زبيباً فيلزم شراؤه. ابن حبيب: من ثمنه. وإن أخرج عنباً أجزأه. وكذا الزيتون الذي لا زيت له، والرطب الذي لا يتتمر؛ إن أخرج من حبه أجزأه، ولكن القول الأول الذي مشى عليه شارحنا هو مذهب المدونة كما في المواق. اهـ بن - من حاشية الأصل.

قوله: [وأما ما يجف]: أي شأنه الجفاف جف بالفعل أم لا، بدليل ما بعده.

قوله [أو باعه رطباً]: أي لمن يجففه أو لمن لا يجففه كما هو مذهب المدونة ما لم يعجز عن تحريه إذا باعه. وإلا أخرج من ثمنه. (هـ. بن من حاشية الأصل.

قوله: [وكفول أخضر]: اعلم أن وجوب الزكاة في الفول الأخضر والفريك الأخضر والحمص والشعير الأخضرين. مبني على القول بين [2] الوجوب بالإفراك وهو المعتمد. وسيأتي أن معنى الإفراك هو طيبه وبلوغه حد الأكل منه. واستغناؤه عن السقي. وأما لو أكل قبل ذلك فلا زكاة فيه باتفاق. ولو بنينا على أن الوجوب باليبس فلا زكاة في هذه الأشياء حيث قطعت قبله. وهو ضعيف كما سيأتي.

قوله: [فهو المعتمد]: ويؤيد اعتماده تقوية (بن) فيه. والذي قال به (ر) ودرج عليه في الحاشية التخيير مطلقاً ولو كان شأنه الجفاف (قوله كالسواقي) أدخلت الكاف: النطالة والشادوف. خلافاً لمن قال إنهما لا يدخلان في الآلة.

قوله: [أو السيح]: عطف عام يشمل جميع ما قبله، فالمناسب الواو.

قوله: [فالعشر كاملاً] إلخ: ومما يجب فيه العشر ما يزرع من الذرة ويصب عليه عند زرعه فقط قليل من الماء كذا في حاشية الأصل.

قوله: [ولو اشترى السيح]: رد بلو على المخالف.

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

في ط المعارف: (فهل)، ولعلها الصواب.

[2]

في ط المعارف: (بأن).

ص: 214

وهو أحد المشهورين. وعليه؛ فإذا سقي بالآلة شهرين وبالمطر شهر [1] أو سقي بالآلة أربع مرات وبغيرها مرتين. فالثلثان لهما نصف العشر والثلث له العشر. والمشهور الثاني يعتبر الأغلب لأن الحكم للغالب. وقولنا: "فعلى حكمهما" هو لفظ الشيخ رحمه الله ونسخة المبيضة: "فكل على حكمه": أي فكل من السقيين جارٍ على حكمه، قل أو كثر. فهي موافقة للنسخة التي شرحنا عليها.

(وتضم القطاني) السبعة (لبعضها) بعضاً لأنها جنس واحد في الزكاة. فإذا اجتمع من جميعها أو من اثنين منها ما فيه الزكاة زكاه وأخرج من كل صنف منها ما ينوبه.

وأجزأ إخراج الأعلى عن الأدنى لا عكسه (كقمح وسلت وشعير) تشبيه في الضم، لأن الثلاثة جنس واحد.

(لا) يضم شيء منها (لعلس): حب طويل يشبه البر باليمن؛ لأنه جنس منفرد في نفسه، (وذرة) عطف على علس: أي ولا يضم شيء منها لذرة، (و) لا (دخن، و) لا (أرز، وهي) في نفسها (أجناس): أي كل واحد منها جنس على حدة (لا تضم) أي لا يضم واحد منها لآخر، بل يعتبر كل واحد على حدته.

(و) ذوات الزيوت الأربع وهي: (الزيتون، والسمسم، وبزر [2] الفجل) الأحمر بضم الفاء يوجد بقطر الغرب (والقرطم؛ أجناس) لا يضم بعضها لبعض. (والزبيب) بأصنافه (جنس) كذلك؛ تضم أصنافه ولا يضم هو لغيره. (والتمر) بأصنافه (جنس) كذلك.

(واعتبر الأرز والعلس) في الزكاة (بقشره) الذي يخزن به (كالشعير) لا مجرداً عنه، فإذا كان فيما ذكر نصاب بقشره زكاه، وإن كان بعد التنقية منه أقل.

(والوجوب): أي وجوب الزكاة كائن ومحقق (بإفراك الحب): أي طيبه وبلوغه حد الأكل منه

ــ

قوله: [وهو أحد المشهورين]: أي لما أشهره في الإرشاد.

قوله: [والمشهور الثاني] إلخ: شهره في الجواهر.

قوله: [ونسخة المبيضة]: يعني بها مبيضة نفسه، وإنما نبه عليها لانتشار نسخة المتن قبل الشرح فدفع به توهم مخالفة النسختين ونسخة مبيضته أبلغ في العربية كما هو معلوم.

تنبيه: على القول بتغليب الأكثر اختلف: هل المراد به الأكثر مدة ولو كان السقي فيها أقل؟ كما لو كانت مدة السقي ستة أشهر منها شهران بالسيح، وأربعة بالآلة لكن سقيه بالسيح عشر مرات، وبالآلة خمس - فعلى هذا تغلب الآلة ويخرج نصف العشر في الجميع أو المراد الأكثر سقياً وإن قلت مدته؟ فعليه يغلب السيح في المثال، ويخرج عن الجميع العشر. وقد استظهره في الأصل.

قوله: [لأنها جنس واحد في الزكاة]: أي لا البيع فإنها فيه أجناس يجوز بيع بعضها ببعض متفاضلاً يداً بيد كما يأتي. والقطاني: كل ما له غلاف وتقدم عدها.

قوله: [وأجزأ إخراج الأعلى]: أي أو المساوي. والعبرة بكونه أعلى أو مساوياً عرف المخرج. وإذا أخرج الأعلى عن الأدنى فإنه يخرج بقدر مكيلة المخرج عنه لأنه عوض عنه. ولا يخرج عنه أقل من مكيلته لئلا يكون رجوعاً للقيمة، فيدخله دوران الفضل من الجانبين وهو حرام.

قوله: [كقمح] إلخ: أي ويجزئ إخراج الأعلى أو المساوي كما تقدم نظيره.

قوله: [وسلت]: حب بين الشعير والقمح لا قشر له يعرف عند المغاربة بشعير النبي عليه الصلاة والسلام.

قوله: [لأن الثلاثة جنس واحد]: أي في هذا الباب وغيره يحرم بيع بعضها ببعض متفاضلة خلافاً لعبد الحميد الصائغ.

قوله: [أجناس]: أي في الزكاة والبيع.

قوله: [بل يعتبر كل واحد على حدته]: أي فإن كمل النصاب زكى وإلا فلا.

قوله: [والزبيب بأصنافه جنس]: أي في باب الزكاة والبيع.

قوله: [جنس كذلك]: تشبيه تام.

قوله: [بقشره]: أي وله أن يخرج عن الأرز مقشوراً أو غير مقشور خلافاً لمن قال بتعين الثاني.

تنبيه: يضم متحد الجنس في الحبوب ولو زرعت ببلدين، حيث زرع أحدهما قبل وجوب زكاة الآخر وبقي من الأول إلى وجوبها في الثاني ما يكمل به النصاب مع الثاني. وإن زرع ثالث بعد حصاد أول، وقبل حصاد ثان زرع ذلك الثاني قبل حصاد الأول: ضم الوسط للطرفين على سبيل البدلية إذ كان فيه مع كل منهما نصاب؛ مثل أن يكون فيه ثلاثة أوسق، وفي كل منهما وسقان ولم يخرج زكاة الأولين حتى حصل الثالث فيزكي الجميع زكاة واحدة. ولا يضم الأول للثالث إذا لم يكن في الوسط مع كل منهما على البدلية نصاب؛ مثل أن يكون في كل وسقان وزرع الثالث بعد حصاد الأول، ولو كان في الوسط مع أحد الطرفين فقط نصاب؛ كما لو كان الوسط اثنين والأول ثلاثة والثالث اثنين أو العكس، فإنه يضم له ما يكمله نصاباً ولا زكاة في الآخر. وقال ابن عرفة: إن كمل مع الأول زكى الثالث معهما دون العكس، لأنه إذا كمل من الأول مضموم للثاني وهو خليط الثالث، وإذا كمل من الثاني والثالث فالمضموم الثاني للثالث. فالحول الثالث ولا خلطة للأول به، ورجح ما لابن عرفة اهـ. من الأصل.

قوله: [بإفراك الحب] إلخ: أي كما صرح به في الأمهات، ونص اللخمي الزكاة تجب عند مالك بالطيب أي بلوغه حد الأكل، فإذا أزهى النخل أو طاب الكرم وحل بيعه وأفرك الزرع واستغنى عن الماء وأسود الزيتون أو قارب الاسوداد اهـ. فقد اقتصر في الزرع على الإفراك وذكر إباحة البيع

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

في ط المعارف: (شهراً)، ولعله الصواب.

[2]

في ط المعارف: (وبذر).

ص: 215

واستغنائه عن السقي كما هو مشاهد. لا باليبس ولا بالحصاد ولا بالتصفية (وطيب الثمر) بالمثلثة وفتح الميم وهو الزهو في بلح النخل، وظهور الحلاوة في العنب.

وإذا كان الوجوب بما ذكر (فيحسب) من الخمسة أوسق فأكثر (ما أكله) أو وهبه (أو تصدق) به (أو استأجر به) الحصاد أو غيره منه (بعده): أي بعد الإفراك أو الطيب تنازعه كل من العوامل قبله؛ (لا) يحسب (أكل دابة حال درسها) أي حال دورانها بالنورج، وأما ما أكلته حال ربطها فيحسب.

(ولا زكاة على وارث) ورث الزرع (قبله) أي قبل الطيب (إلا إذا حصل له) أي للوارث (نصاب) من ذلك الزرع. فإذا مات عن أخ لأم وعاصب، وحصل من الزرع ستة أوسق، فلا زكاة على الأخ للأم. لأن منابه وسق واحد. وعلى العاصب الزكاة.

(ولا) زكاة (على من): أي عبد أو كافر زرع و (عتق [1] أو أسلم بعده): أي بعد الطيب، لأنه حال الطيب لم يكن مخاطباً بالزكاة، بخلاف ما لو عتق أو أسلم قبله فعليه الزكاة.

(وخرص التمر والعنب فقط) التخريص: التحزير؛ أي يجب تخريص هذين الجنسين فقط دون غيرهما، أي يجب على الإمام أن يعين عارفاً لأرباب الحوائط يخرص عليهم. فإن لم يوجد فعلى رب الحائط أن يأتي بعارف يخرص ما في حائطه من التمر والعنب. وسواء كان شأنهما اليبس أم لا كرطب وعنب مصر ليضبط ما تجب فيه الزكاة منهما (بعده): أي الطيب لا قبله وهذا أخصر من قوله: "إذا حل بيعهما". وأشار لعلة وجوب التخريص فيهما دون غيرهما بقوله: (للاحتياج لهما): أي لأن الشأن الاحتياج لهما بالأكل والبيع والإهداء والتصدق دون غيرهما، فلو تركا بلا تخريص لحصل الغبن على الفقراء إذ لا تكاد تضبط الزكاة إلا به، وقوله رحمه الله:"لاختلاف حاجة أهلهما"

ــ

في غيره. كذا في (بن). ثم بعد أن ذكر كلاماً طويلاً قال: فتحصل أن المشهور تعلق الوجوب بالإفراك كما لخليل وابن الحاجب وابن شاس والمدونة، وما لابن عرفة من أن الوجوب باليبس ضعيف اهـ. من حاشية الأصل. والحق أن اليبس غير الإفراك كما هو معلوم بالمشاهدة.

قوله: [واستغنائه عن السقي]: أي ولا يلزم من ذلك أنه إذا قطع لا ينقص، بل المشاهد أنه إذا قطعه في هذه الحالة قبل يبسه يضمر وينقص.

قوله: [لا باليبس] إلخ: أي ولا يرد عليه قوله تعالى: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] لأن المراد وأخرجوا حقه يوم حصاده. ووقت الإخراج متأخر عن وقت الوجوب.

قوله: [أو تصدق به]: أي على الفقراء ما لم يقصد به الزكاة، أو يتصدق بجميعه فلا يحسب عليه زكاة.

قوله: [لا يحسب أكل دابة]: أي لمشقة التحرز منه، فنزل منزلة الآفات السماوية، وحينئذ فلا يجب عليه تكميمها لأنه يضر بها. وفي حاشية الأجهوري على الرسالة: أنه يعفى عن نجاسة الدواب حال درسها، فلا يغسل الحب من بولها النجس. اهـ. من حاشية الأصل. فرع: قال البرزلي: لا زكاة فيما يعطيه لأهل الشرطة وخدمة السلطان، وهو بمنزلة الجائحة.

قوله: [إلا [2] إذا حصل له] إلخ: أي لكونه حصل قبل الوجوب، فهو إنما يزكي على ملك الوارث. فإن ورث نصاباً زكاه، وإن ورث أقل فلا زكاة عليه إلا أن يكون له زرع يضمه له. وقيد عبد الحق زكاة الزرع الذي مات مالكه قبل الوجوب على ملك الوارث بما إذا لم تستغرق ذمة الميت الديون. وإلا لوجب أن يزكي على ملك الميت لأنه باق على ملكه. ولا ميراث فيه لتقدم الدين.

قوله: [فلا زكاة على الأخ للأم]: أي ما لم يكن عنده ما يكمل به النصاب من زرع آخر كما تقدم.

تنبيه: تجب الزكاة على بائع الزرع بعد الإفراك والطيب، ويصدق المشتري في إخباره بالقدر حيث كان مأموناً. وإلا احتاط؛ فإن أعدم البائع فعلى المشتري زكاته نيابة إن بقي البيع عنده أو أتلفه هو. ثم يرجع على البائع بحصتها من الثمن، ونفقته عليها من أجرة حصاد وتصفية. فإن تلف بسماوي فلا زكاة أصلاً، وإن أتلفه أجنبي لم يتبع بزكاته المشتري وأتبع بها البائع إن أيسر.

مسألة: من أوصى بشيء من الزرع بعد وجوب الزكاة فيه أو قبله ومات بعده، فالزكاة على الموصي، كانت بكيل أو بجزء، لمساكين أو لمعين. وأما إن مات قبل الوجوب فعلى الموصي أيضاً إن كانت بكيل لمساكين أو لمعين. وإن كانت بجزء لمعين: زكاها المعين إن كانت نصاباً، ولو بانضمامها لماله. ولمساكين: زكيت على ذمته إن كانت نصاباً ولا ترجع على الورثة بما أخذ من الزكاة. اهـ. من الأصل.

قوله [أو أسلم بعده]: إن قلت: لا يظهر هذا على التحقيق من أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؛ فمقتضاه الوجوب سواء أسلم بعد أو قبل، لأن الوجوب حاصل على كل حال. وأجيب: بأن الفرع مشهور مبني على ضعيف، ولذا قال بعد:"لأنه حال الطيب لم يكن مخاطباً بالزكاة".

قوله: [وخرص التمر والعنب فقط]: اعترض الحصر بأن الشعير الأخضر إذا أفرك وأكل أو بيع زمن المسغبة. والفول الأخضر والحمص تخرص أيضاً بناء على أن الوجوب بالإفراك. وأجيب بجوابين: الأول أن الحصر منصب على الشرط. الثاني أن الشعير والفول والحمص لا تخريص فيها لأنه وإن كان يقدر جفافه ويحسب ما أكل منه تحرياً إلا أن هذا الأمر موكول لربه. والتخريص: أن يعين الإمام عارفاً لأرباب الحوائط يخرص عليهم إلى آخر ما قال الشارح.

قوله: [من التمر]:

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

قوله: (أي عبد أو كافر زرع وعتق) في ط المعارف: (عتق أي عبد أو كافر زرع).

[2]

ليست في ط المعارف.

ص: 216

لا يفيد المراد ولا يفهم منه العلة (شجرة شجرة) هذا أعم من قوله رحمه الله: "نخلة" لأنه لا يشمل العنب إلا بتجوز أو حذف للعاطف والمعطوف، أي يخرص كل شجرة من النخل أو العنب على حدتها لأنه للصواب أقرب من الضم.

(وكفى) مخرص (واحد) إن كان عدلاً عارفاً.

(وإن) تعدد المخرصون و (اختلفوا فالأعرف) منهم يعتبر قوله.

(وإن أصابته) بعد التخريص (جائحة) من أكل طير أو جيش أو برد أو نحو ذلك، (اعتبرت) في السقوط فيزكي ما بقي إن وجبت فيه زكاة وإلا فلا.

(فإن زادت) الثمرة (على قول عارف) بالتخريص (وجب الإخراج عنه): أي عن ذلك الزائد وهو مراد الإمام بالأحب عند الأكثر، وحمله الأقل على ظاهره، وأما غير العارف فلا يعتبر قوله فيخرج عن الزائد وجوباً اتفاقاً.

(وأخذ) الواجب (عن أصنافهما): أي التمر والعنب (من) الصنف (الوسط) لا من الأعلى ولا من الأدنى. ولا من كل نوع للمشقة؛ إلا أن يتطوع المزكي بدفع الأعلى. فإن أخرج من كل منابه أجزأ لا إن أخرج من الأدنى عن الأعلى فإن لم يكن إلا صنف أو صنفان تعين الإخراج منه أو منهما. وهذا (بخلاف غيرهما): أي التمر والعنب من سائر الحبوب، (فمن كل) من أصنافها يؤخذ (بحسبه) أي بقدره قل أو كثر. ولا يجزئ الأخذ من الوسط، فإن أخرج الأعلى أو المساوي أجزأ وإلا فلا.

ولما أنهى الكلام على زكاة الماشية والحرث شرع في الكلام على زكاة العين فقال:

(وفي مائتي درهم): شرعي فأكثر -وهي بدراهم مصر لكبرها- مائة وخمسة وثمانون ونصف وثمن درهم.

(أو عشرين ديناراً شرعية فأكثر) إذ لا وقص في العين كالحرث.

(أو مجتمع منهما) أي من الدراهم والدنانير كمائة درهم وعشرة دنانير حال كون ما ذكر منهما.

(غير حلي جائز)

ــ

فيه مجاز الأول لأنه حين التخريص لم يكن تمراً.

قوله: [لا يفيد المراد] إلخ: أجيب عنه: بأنه أطلق الملزوم -وهو الاختلاف- وأراد لازمه، وهو الاحتياج. لأنه يلزم من اختلاف الحاجة وجود أصل الاحتياج. وفي الحقيقة هذه العلة شرط ثان لا بد منه، ولذلك ساقها في المجموع مساق الشرط.

قوله: [إلا بتجوز]: أي من إطلاق الخاص وإرادة العام.

قوله: [أو حذف]: أي أو عنبة ففيه اكتفاء.

وقوله: [شجرة] إلخ: منصوب على الحال بتأويله ب مفصلاً مثل باباً باباً.

قوله: [لأنه للصواب أقرب من الضم]: فإن جمع أكثر من نخلة. فإن اتحدت في الجفاف جاز ولو اختلفت الأصناف وإلا فلا. ففي المفهوم تفصيل.

قوله: [وكفى مخرص واحد]: أي لأنه حاكم فيجوز أن يكون واحداً. «وكان عليه الصلاة والسلام يبعث عبد الله بن رواحة وحده خارصاً إلى خيبر» .

قوله: [فالأعرف منهم يعتبر قوله]: أي سواء كان رأي الأقل أو الأكثر. والموضوع أنه وقع التخريص منهم في زمن واحد. وأما إذا وقع التخريص في أزمان فيؤخذ بقول الأول، فقوله:"الأعرف" مفهومه: لو استووا في المعرفة لا يكون الحكم كذلك، بل يؤخذ من كل واحد جزء على حسب عددهم، فإن كانوا ثلاثة أخذ من قول كل الثلث وأربعة الربع وهكذا.

قوله: [وهو مراد الإمام] إلخ: قال فيها: ومن خرص عليه أربعة أوسق فوجد خمسة فأحب إلي أن يزكي لقلة إصابة الخراص اليوم، فقول الإمام:"أحب إلي أن يزكي". حمله بعض الأشياخ على الوجوب كالحاكم يحكم ثم يظهر أنه خطأ صراح، وهذا حمل الأكثر. وحمله بعض على الاستحباب كابن رشد وعياض لتعليله بقلة إصابة الخراص. فلو كان على الوجوب لم يلتفت إلى إصابة الخراص ولا إلى خطئهم. وهذا الموضع أحد مواضع من المدونة حمل فيها أحب على الوجوب. ومنها: ولا يتوضأ بشيء من أبوال الإبل وألبانها. ولا بالعسل الممزوج، ولا بالنبيذ، والتيمم أحب إلي من ذلك، ومنها قولها في العبد يظاهر: أحب إلي أن يصوم، ومنها قولها في السلم الثاني إذا باع الوكيل بغير العين: أحب إلي أن يضمن، وفي السلم الثلث في النصراني يبيع الطعام قبل قبضه وقد اشتراه من مثله: أحب إلي ألا يشتريه مسلم حتى يقبضه من النصراني، ومنها قولها في استبراء الأمة الرائعة يغيب عليها غاصب: أحب إلي أن يستبرئها. وفي الحج الثالث: أحب إلي أن يصوم مكان كسر المد يوماً، وفي الصلاة وإن صلى بقرقرة ونحوها أو بشيء مما يشغل: أحب له الإعادة أبداً، وفي الحجر - ولا يتولى الحجر إلا القاضي - قيل: فصاحب الشرطة؟ قال: القاضي أحب إلي، وفي السرقة: أحب إلي أن لا تقطع الآباء والأجداد لأنهم آباء، ولأن الدية تغلظ عليهم. اهـ. خرشي.

قوله: [من الصنف الوسط]: أي لقول المدونة: وإذا كان في الحائط أجناس من التمر أخذ من وسطها. اهـ. وقيس على التمر العنب.

قوله: [فإن لم يكن إلا صنف] إلخ: أي فالصنف والصنفان بمنزلة أصناف الحب. يؤخذ من كل صنف قسطه، أو يخرج الأعلى أو المساوي عن غيره.

قوله: [درهم شرعي]: قد تقدم أن قدره خمسون وخمسا حبة من الشعير الوسط.

قول: [أو عشرين ديناراً]: قدر الدينار اثنتان وسبعون حبة من وسط الشعير.

قوله: [إذ لا وقص في العين]: أي خلافا لأبي حنيفة حيث قال: لا شيء في الزائد على النصاب حتى يبلغ أربعة دنانير في الذهب أو أربعين درهماً في الفضة.

قول [كالحرث]: أي بخلاف الماشية والفرق أن الماشية - لما كانت تحتاج إلى كثرة - كلفة خفف عن صاحبها بخلاف الحرث فكلفته يسيرة.

ص: 217

إذ لا زكاة في الحلي الجائز كما يأتي؛ فشمل كلامه المسكوك وغيره؛ كالسبائك والتبر والأواني والحلي الحرام كالحياصة للذكور وعدد الخيل وغير ذلك.

(ربع العشر) إذا حال حولها على الحر المسلم ولو صغيراً أو مجنوناً كما تقدم أول الباب. ففي العشرين ديناراً، نصف دينار، وفي المائتي درهم: خمسة دراهم فلا زكاة في النحاس والرصاص وغيرهما من المعادن؛ ولو سكت كالفلوس الجدد.

والوجوب في الدنانير والدراهم ظاهر في الخالصة ولو ردية المعدن. وفي الكاملة الوزن بل (ولو) كانت (مغشوشة) أي مخلوطة بنحو نحاس (أو) كانت (ناقصة) في الوزن نقصاً لا يحطها عن الرواج كالكاملة، كنقص حبة أو حبتين ولذا قال:

(إن راجت) المغشوشة أو الناقصة (ككاملة): أي رواجاً كرواج الكاملة.

(وإلا) ترج كالكاملة بأن لم ترج أصلاً أو تروج رواجاً لا كالكاملة؛ بأن انحطت عن الكاملة في المعاملات (حسب الخالص) على تقدير التصفية في المغشوشة، واعتبر الكمال في الناقصة بزيادة دينار أو أكثر. فمتى كملت زكيت وإلا فلا، فإذا كانت العشرون لنقصها إنما تروج رواج تسعة عشر لم تجب الزكاة إلا بزيادة واحد عليها وهكذا.

(وتزكى) العين (المغصوبة) من ربها قبل مرور الحول عليها أو بعده.

وقبل التمكن من إخراج زكاتها. (والضائعة): بأن سقطت من ربها أو دفنها في محل ثم ضل عنها قبل مرور الحول أو بعده قبل التمكن (بعد قبضها) من الغاصب أو وجودها بعد الضياع (لعام) مضى ولو مكثت عند الغاصب، أو ضائعة أعواماً كثيرة فلا تزكى ما دامت عند الغاصب، أو ضائعة فإذا قبضت زكيت لعام واحد.

(بخلاف المودعة): إذا مكثت أعواماً عند المودع (فـ) تزكى بعد قبضها

ــ

فائدة: لا زكاة على الأنبياء، لأن ما بأيديهم ودائع لله، وهذا على مذهبنا كما قال بعضهم وهو خلاف مذهب الشافعي كما قاله بعض شراح الرسالة. كذا في الحاشية.

قوله: [إذ لا زكاة في الحلي الجائز] إلخ: أي إلا ما يستثنيه المصنف.

قوله: [ولو صغيراً أو مجنوناً]: أي لأن الخطاب بها خطاب وضع كما تقدم، والعبرة بمذهب الوصي في الوجوب وعدمه، لا بمذهب الطفل ولا بمذهب أبيه، فإن كان مذهبه يرى سقوطها عن الطفل سقطت كالحنفي، وإلا وجب عليه إخراجها من غير رفع لحاكم إن لم يكن في البلد حنفي لا يخفى عليه أمر الصبي، وإلا رفع الوصي الأمر للمالكي لأجل رفع الخلاف كما تقدم، وانظر إذا كان مذهب الوصي الوجوب ولم يخرجها حتى بلغ الصبي، ومذهبه سقوطها، وانفك الحجر عنه، فهل تؤخذ عن الأعوام الماضية من المال أو تؤخذ من الوصي أو تسقط؟ وانظر عكسه: وهو ما إذا كان مذهب الوصي عدم وجوبها وبلغ الصبي، وقلد من يقول بوجوبها، هل تؤخذ من المال أو تسقط؟ كذا قال الأجهوري، قال (بن): وكل من النظرين قصور، والنقل: اعتبار مذهب الصبي بعد: بلوغه حيث لم يخرجها وصيه قبله، فإن قلد من قال بسقوطها فلا زكاة عليه ولا على الوصي، وإن قلد من قال بوجوبها وجبت الزكاة عليه في الأعوام الماضية. اهـ. من حاشية الأصل.

تنبيه: يقبل قول الوصي في إخراجها حيث وجبت عليه بلا يمين إن لم يتهم، وإلا فبيمين. كذا في الحاشية.

قوله [فلا زكاة في النحاس] إلخ: أي ما لم تكن معدة للتجارة وإلا فتزكى زكاة العروض كما يأتي.

قوله [كنقص حبة أو حبتين]: أي من كل دينار من النصاب، سواء كان التعامل بها عدداً أو وزناً بشرط رواجها رواج الكاملة، بأن كانت السلعة التي تشترى بدينار كامل تشترى بذلك الدينار الناقص لاتحاد مصرفهما. ففي الحقيقة: المدار على الرواج كالكاملة قل نقص الوزن أو كثر. كذا قال ابن الحاجب وارتضاه، ولكن شارحنا قيد بالحبة والحبتين تبعاً لبهرام والتتائي، وظاهره أنه لو كثر النقص اعتبر ولو راجت كالكاملة. قال في حاشية الأصل: وهو الصواب، إذ هو قول مالك وابن القاسم وسحنون. اهـ.

قوله: [إلا بزيادة واحد]: مراده به كمال النصاب، فلو فرض أن كل دينار ينقص ثلاث حبات من وزن الدينار الشرعي الذي هو اثنتان وسبعون حبة، يكون النصاب أحداً وعشرين ديناراً إلا تسع حبات، وكون العشرين تسعة عشر لا يكون المكمل واحداً كاملاً، فلذلك قلنا: المراد بالواحد ما به كمال النصاب.

قوله [وتزكى العين المغصوبة من ربها]: أي وأما الغاصب فلا زكاة عليه قيده الحطاب بما إذا لم يكن عنده وفاء بما يعوضه به. وإلا زكاه وعلى هذا يحمل قول الشيخ أحمد الزرقاني.

فائدة: قال بعضهم: يؤخذ من شرط تمام الملك عدم زكاة حلي الكعبة والمساجد من قناديل وعلائق وصفائح أبواب. وصدر به عبد الحق قائلاً: وهو الصواب عندي، وقال ابن شعبان: يزكيه الإمام كالعين الموقوفة للقرض، كذا في الحاشية. لكن قال في حاشية الأصل: سيأتي في النذر أن نذر ذلك لا يلزم، والوصية به تكون باطلة، وحينئذ فهي على ملك ربها، فهو الذي يزكيها لا خزنة الكعبة ولا نظار المساجد، ولا الإمام. تأمل انتهى.

قوله [والضائعة]: أي بموضع لا يحاط به أو يحاط به، خلافاً لمحمد بن المواز من أنها إن دفنت بصحراء - أي في موضع لا يحاط به - تزكى لعام واحد وإن دفنت

ص: 218

(لكل عام) مضى مدة إقامتها عند الأمين، وهذا معنى قوله:"وتعددت بتعدده في مودعة لا مغصوبة ومدفونة وضائعة".

(ولا زكاة في حلي جائز وإن) كان (لرجل) كقبضة سيف للجهاد. وسن وأنف وخاتم فضة بشرطه (إلا إذا تهشم) بحيث لا يمكن إصلاحه إلا بسبكه ثانياً ففيه الزكاة. وإن لامرأة فتجب لأنه صار ملحقاً بالنقار [1]، سواء نوى إصلاحه أم لا، (كأن انكسر) ولم ينو إصلاحه بأن نوى عدم إصلاحه أو لم ينو شيئاً فتجب زكاته في هاتين الصورتين كما تجب في المهشم مطلقاً فإن نوى إصلاحه لم تجب لأنه بمنزلة الصحيح حينئذ.

(أو أعد) معطوف على ما في حيز الاستثناء: أي لا زكاة في حلي مباح إلا إذا تهشم، وإلا إذا أعد (للعاقبة أو) أعد (لمن سيوجد): له من زوجة أو سرية أو بنت. فتجب فيه الزكاة ودخل في ذلك حلي امرأة اتخذته بعد كبرها وعدم التزين به لعاقبة الدهر أو لمن سيوجد لها من بنت صغيرة حتى تكبر، أو أخت أو أمة حتى تتزوج؛ فتجب فيه الزكاة ما دام معداً لما ذكر من يوم اتخاذه له حتى يتولاه من أعد له.

(أو) أعد (لصداق) لمن يريد زواجها لنفسه أو لولده أو لشراء جارية به.

(أو نوى به): عطف على "تهشم" كالذي قبله، أي: وإلا إذا نوى به (التجارة): أي التكسب والربح بالبيع والشراء فتجب فيه الزكاة،

وأفهم قوله "حلي جائز" أن المحرم: كالأواني والمرود والمكحلة -وإن لامرأة- يجب فيه الزكاة. وإن رصع بالجواهر أو طرز بسلوك الذهب أو الفضة ثياب أو عمائم فإنها تزكى زنتها إن علمت وأمكن نزعها بلا فساد وإلا تحري ما فيه من العين وزكي.

ثم شرع يتكلم على حكم ما حصل من العين بعد أن لم يكن؛ وهو ثلاثة

أقسام: ربح، وغلة مكترى -وهي من الربح عند ابن القاسم- وفائدة وبدأ بالأول وهو ما زاد على ثمن مشترى

ــ

في البيت والموضع الذي يحاط به زكاه لكل عام، وعكس هذا ابن حبيب. كذا في الحاشية. وزاد في الشامل قولاً رابعاً: وهو زكاتها لكل عام مطلقاً، دفنت بصحراء أو ببيت، والمعول عليه الأول الذي مشى عليه المصنف.

قوله: [لكل عام مضى]: أي مبتدئاً بالعام الأول فما بعده إلا أن ينقص الأخذ النصاب، وما ذكره من تعدد زكاة المودعة بتعدد الأعوام هو المشهور، ومقابله ما روي عن مالك من زكاتها لعام واحد بعد قبضها لعدم التنمية، وما رواه ابن نافع أنه يستقبل بها حولاً بعد قبضها، وقوله: بعد قبضها؛ ظاهره أنه قبل القبض لا يزكيها وإنما تزكى بعد القبض، واستظهر ابن عاشر أن المالك يزكيها كل عام وقت الوجوب من عنده كذا في (بن) نقله محشي الأصل، فتكون الأقوال فيه أربعة؛ مشهورها ما مشى عليه المصنف.

تنبيه: لا زكاة في عين موصى بتفرقتها على معينين أو غيرهم، وقد مر عليها حول بيد الوصي قبل التفرقة. ومات الموصي قبل الحول؛ لأنها خرجت عن ملكه بموته، فإن فرقت بعد الحول وهو حي زكاها على ملكه إن كانت نصاباً، ولو مع ما بيده ولا يزكيها من صارت له إلا بعد حول من قبضها، لأنها فائدة. وأما الماشية إن أوصى بها ومات قبل الحول فلا زكاة فيها إن كانت لغير معينين، وإلا زكيت إن صار لكل نصاب لماضي الأعوام كإرثها، وأما الحرث ففيه تفصيل كذا في الأصل.

قوله: [كقبضة سيف]: قال الناصر: وانظر لو كان السيف محلى واتخذته المرأة لزوجها، هل لا زكاة فيه عليها كما لو اتخذ الرجل الحلي لنسائه؟ قال شيخ المشايخ العدوي: والظاهر وجوب الزكاة فيه لأن الشأن اتخاذ الرجل الحلي لنسائه لا العكس. كذا في حاشية الأصل.

قوله: [إلا إذا تهشم]: حاصل الفقه في هذه المسألة على ما قال المصنف: أن الحلي إذا تكسر فلا يخلوا: إما أن يتهشم أو لا، فإن تهشم وجبت زكاته سواء نوى إصلاحه أو عدمها أو لا نية له. وإن لم يتهشم - بأن كان يمكنه إصلاحه وعوده على ما كان عليه من غير سبك - فلا يخلو: إما أن ينوي عدم إصلاحه أو لا، فإن نوى عدم إصلاحه أو لا نية له فالزكاة. وإن نوى إصلاحه فلا زكاة فيه. فالصور ستة يزكيه في خمسة.

قوله: [وإلا إذا نوى به التجارة] إلخ: أي البيع والشراء كما قال الشارح، أما إذا اتخذه للكراء فإنه لا زكاة فيه سواء كان المتخذ له رجلاً أو امرأة، وسواء كان يباح استعماله لمالكه أم لا. ويكون قولهم: محرم الاستعمال على مالكه فيه الزكاة في غير المعد للكراء، وهذا ما ارتضاه في الحاشية تبعاً للرماصي، والذي اعتمده (بن): أن محل كون المعد للكراء لا زكاة فيه إذا كان يباح لمالكه استعماله كأساور أو خلاخل لامرأة أما لو كان ذلك لرجل لوجبت فيه الزكاة كذا في حاشية الأصل.

قوله: [تجب فيه الزكاة]: سواء كان معداً للاستعمال أو للعاقبة.

قوله: [بلا فساد]: أي أو غرم. وحكم ما رصع عليه حكم العروض.

قوله: [وهو ما زاد على ثمن مشترى] إلخ: هذا تعريف من الشارح للربح وهو معنى تعريف ابن عرفة المشهور الذي قال فيه: زائد: ثمن مبيع تجر على ثمنه الأول ذهباً أو فضة، فقول الشارح:"وهو": أي الربح، واحترز بقوله:"ما زاد على ثمن مشترى" إلخ عن زيادة غير ثمن المشتري كنمو المشتري [2] فلا يسمى ربحا بل هو غلة يستقبل بها. وقوله: [للتجارة]: يحترز به عمن اشترى سلعة للقنية بعشرة ثم باعها بعشرين فلا يقال

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

في ط المعارف: (بالنقد).

[2]

قوله: (كنمو المشتري) ليس في ط المعارف.

ص: 219

للتجارة ببيعه فقال:

(وحول الربح حول أصله): فمن ملك دون نصاب ولو درهماً أو ديناراً في المحرم فتاجر فيه حتى ربح تمام نصاب، فحوله المحرم. فإن تم بعد الحول بكثير أو قليل زكاه حينئذ. وإن تم في أثنائه صبر لتمام حوله وزكاه، إلا أنه إذا زكاه بعد الحول بمدة فانتقل حوله ليوم التزكية، كمن ملك دون نصاب في المحرم فمر عليه المحرم ناقصاً، وتم النصاب في رجب: زكاه حينئذ وصار حوله في المستقبل رجباً. وذكر الثاني مشبهاً له بالأول فقال: (كغلة ما): أي شيء - من حيوان أو غيره - (اكترى) بعين (للتجارة): أي لأجلها فحولها حول أصلها وهي العين التي اكترى بها ذلك الشيء، فمن ملك نصاباً أو دونه في المحرم فاكترى به داراً أو بعيراً أو غير ذلك - للتجارة لا للسكنى ولا للركوب - ثم أكراها لغيره في رجب مثلاً بأربعين ديناراً، فإنها تزكى في المحرم لأن حولها يوم ملك أصلها أو زكاه احترز بما اكترى للتجارة عن غلة مشترى للتجارة أو مكترى للقنية - كالسكنى أو الركوب - فأكراه لأمر حدث؛ فإنه يستقبل بها حولاً بعد قبضها لأنها من الفوائد. وبالغ على أن حول الربح حول أصله بقوله:(ولو) كان الربح (ربح دين) في ذمته (لا عوض له): أي لذلك الدين (عنده) فإن حوله حول أصله وهو الدين. مثاله: من تسلف عشرين ديناراً مثلاً فاشترى بها سلعة للتجارة أو اشترى سلعة بعشرين في ذمته في المحرم، ثم باعها بعد مدة قليلة أو كثيرة بخمسين، فالربح ثلاثون تزكى لحول أصلها وهو المحرم. وأما العشرون التي هي الأصل فلا تزكى لأنها في نظير الدين إلا أن يكون عنده عوض يقابلها على ما سيأتي بيانه، ومثل ربح الدين غلة مكترى. بدين للتجارة كمن اكترى داراً سنة مثلاً بدين في ذمته لأجل معلوم كعشرة، ثم أكراها بثلاثين، فالغلة عشرون يزكيها لحول أصلها أي من يوم اكترى. ولا يزكي العشرة لأنها في نظير الدين إلا إذا كان عنده عوضها، والمتن يشمل ذلك بجعل الربح شاملاً للغلة إذ هي ربح في الحقيقة.

وذكر الثالث بقوله: (واستقبل) حولاً

ــ

له ربح، بل يستقبل بذلك. وقوله [1]:[ببيعه]: يحترز به عما لو اشترى السلعة للتجارة، ثم اغتلها بالكراء، فإنه يستقبل بذلك.

قوله: [وحول الربح حول أصله]: لم يبين المصنف أول الحول الذي يضم له وفيه تفصيل. وهو: إما أن يكون عيناً تسلفها، أو عرضاً تسلفه للتجر، أو اشتراه للقنية، ويبدو له التجر؛ فالحول في الأولى من يوم القرض. وفي الثانية من يوم التجر، وفي الثالثة من يوم الشراء، وفي الرابعة من يوم البيع، وقد نظم ذلك العلامة الأجهوري بقوله:

وحول القرض من يوم اقتراض

إذا عيناً يكون بلا خفاء

ويوم التجر أول حول عرض

تسلفه لتجر للغناء

ومن يكن اشترى عرضاً لتجر

فإن الحول من يوم الشراء

وإن عرضاً لقنية اشتراه

ويبدو التجر فيه للنماء

فأول حوله من يوم بيع

له فاحفظ وقيت من الرداء

والمعتمد في الرابع أنه من يوم قبض ثمن العرض كما في البناني.

قوله: [فحوله المحرم]: أي فيضم لحول أصله على المشهور لا من يوم الشراء ولا من يوم الربح، ولا يستقبل به خلافاً لمن يقول بذلك كله.

قوله: [عن غلة مشترى للتجارة]: أي اشترى للتجارة في ذات المبيع فاغتله فالغلة فائدة كما قال الشارح وسيأتي.

قوله: [وبالغ على أن حول الربح] إلخ: قال في الحاشية حاصل ما في ذلك: أن المشهور كما عند ابن رشد أن الربح يضم لأصله سواء نقد الثمن أو بعضه، أو لم ينقد شيئاً وكان عنده ما يجعله في مقابلة الدين وعلى المشهور اختلف إذا لم يكن عنده شيء انتهى [2] وفي المبالغة رد على أشهب القائل باستقباله بالربح حينئذ.

قوله: [على ما سيأتي بيانه]: أي في قوله: "إلا أن يكون له من العرض ما يفي به، إن حال حوله عنده" إلى آخر ما يأتي.

قوله: [والمتن يشمل ذلك]: أي قوله "ولو ربح دين". والحاصل أن الذي يضم لأصله أربعة أقسام: ثمن ما اشترى للتجارة، وبيع لها، وغلة ما اكترى للتجارة، واكترى [3] بالفعل لها. وفي كل: كان الثمن من عنده، أو في ذمته، لكن إذا كان من عنده زكى الجميع لحول أصله وإن كان في ذمته زكى الربح فقط، ولا يزكي رأس المال إلا إذا كان عنده ما يجعل فيه.

مسألة: من كان بيده أقل من نصاب من العين قد حال عليها الحول عنده ثم اشترى ببعضه سلعة للتجارة وأنفق البعض الباقي بعد الشراء: فإنه إذا باع السلعة بما يتم به النصاب إذا ضم لما أنفقه، تجب عليه الزكاة. مثاله: من كان عنده عشرة دنانير حال عليه الحول فاشترى بخمسة منها سلعة للتجارة، ثم أنفق الخمسة الباقية، ثم باع السلعة بخمسة عشر، فإنه يزكي عن عشرين؛ منها الخمسة المنفقة لحولان الحول عليها مع الخمسة التي هي أصل الربح، فلو أنفق الخمسة قبل شراء السلعة فلا زكاة إلا إذا باعها بنصاب. وهذه المسألة هي معنى قول خليل:"ولمنفق بعد حلوله مع أصله وقت الشراء".

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

في ط المعارف: (قوله).

[2]

في ط المعارف: (وانتهى).

[3]

في ط المعارف: (وما اكترى).

ص: 220

(بفائدة، وهي) قسمان: الأولى: (ما تجددت عن غير مال؛ كعطية) من هبة وصدقة واستحقاق وقف أو وظيفة (وإرث وأرش) لجناية (ودية) لنفس أو طرف (وصداق) قبضته من زوجها (ومنتزع من رقيق).

والثانية: أشار لها بقوله (أو) تجددت (عن) مال (غير مزكى كثمن) شيء (مقتنى) عنده من (عرض)، كثياب وحيوان وأسلحة وحديد ونحاس، (وعقار): وهو الأرض وما اتصل بها من بناء أو شجر، (وفاكهة) كخوخ ورمان وتين، (وماشية) مقتناة كما هو الموضوع، وسواء (ملك) ما ذكر (بشراء أو غيره) كهبة وإرث، فيستقبل بثمن ما ذكر حولاً بعد قبضه. (ولو أخره) أي أخر قبضه من مشتريه (فراراً) من الزكاة خلافاً لمن قال: إن أخره فراراً زكاه لكل عام مضى.

(وتضم) فائدة (ناقصة) عن النصاب (لما): أي لفائدة ملكت (بعدها)، ولو تعدد حتى يتم النصاب فيتقرر الحول. فمن استفاد عشرة من المحرم ومثلها في رجب. فمبدأ الحول رجب فيزكي العشرين في رجب المستقبل. ولو استفاد خمسة في المحرم، ومثلها في ربيع، ومثلها في رجب، ومثلها في رمضان، فمبدأ الحول رمضان فيستقبل بها حولاً منه، وعلى هذا القياس.

(إلا أن تنقص) الأولى عن النصاب (بعد حولها) أي بعد مرور الحول عليها (كاملة) ووجوب الزكاة فيها؛ فلا تضم لما بعدها لتقرر حولها. كما لا يضم ما بعدها لها. بل يزكي كلاًّ في حوله ما دام في المجموع نصاب. مثاله: استفاد عشرين في المحرم. وحال حولها ووجبت زكاتها ثم نقصت، واستفاد في رجب ما يكمل النصاب فأكثر، فكل منهما على حولها. فإذا جاء المحرم زكى المحرمية، فإذا جاء رجب زكى الرجبية.

(و) استقبل (بالمتجدد) من العين (عن سلع التجارة) وأولى سلع القنية (بلا بيع) لها، وإلا كان ربحاً حوله حول أصله كما مر، ومثل له بقوله:(كغلة عبد) أو بعير أو دار اشتري للتجارة فأكراه وقبض من الكراء ما فيه نصاب، فإنه يستقبل به حولاً من يوم قبضه (و) مثل (نجوم كتابة) كعبد اشتراه للتجارة، ثم كاتبه (وثمن ثمرة) شجرة (مشترى) للتجارة (ولو) كانت الأشجار (مؤبرة) يوم الشراء، خلافاً للمصنف فإنه يستقبل به (إلا الصوف التام) المستحق للجز وقت شراء الغنم للتجارة فلا يستقبل بثمنه،

ــ

قوله: [بفائدة]: مراده بها ما ليس بربح تجر وغلة تجر.

قوله: [وتضم فائدة ناقصة]: اعلم أن أقسام الفوائد أربع: إما كاملتان، أو ناقصتان، أو الأولى كاملة والثانية ناقصة، أو عكسه. فالكامل لا يضم والناقص الذي بعده كامل يضم إليه، والناقص بعد الكامل لا يضم لسبقه بالكامل، والناقص يضم للناقص بعده كما يضم للكامل بعده. وهذا التفصيل مخصوص بفائدة العين كما هو معلوم؛ وأما الماشية، فقد تقدم أن ما حصل من فائدتها بعد النصاب الأول يضم له.

قوله: [وجوب الزكاة فيها]: أي استحقاقها للتزكية سواء زكيت بالفعل أم لا.

قوله: [بل يزكي كلاً في حوله] إلخ: استشكله في التوضيح بما حاصله أنه إذا زكينا الأولى عند حولها. فإما أن ننظر في زكاتها للثانية أولاً، فإن نظرنا للثانية -كما قال الشارح- ورد عليه أن الثانية لم تجتمع مع الأولى في كل الحول، فحينئذ يلزم عليه وجوب الزكاة في النصاب قبل حوله، لأن الثانية لم يحل حولها. وإن لم ننظر للثانية لزم زكاة ما دون النصاب. ولأجل هذا الإشكال استظهر قول ابن مسلمة من ضم الأولى للثانية في الحول كما لو نقصت الأولى قبل أن يحول عليها الحول وهي كاملة. وأجيب عن ذلك باختيار الشق الأول، ونقول: إن هذا فرع مشهور مبني على ضعيف، وهو قول أشهب: إنه يكفي في إيجاب الزكاة في المالين القاصر كل منهما عن النصاب وفي المجموع نصاب اجتماعهما في بعض الحول.

قوله: [ما دام في المجموع نصاب]: مفهومه لو نقصتا معاً عن النصاب كصيرورة المحرمية خمسة، والرجبية مثلها، ففيها تفصيل: حاصله: أنه إن حال عليهما الحول الثاني ناقصتين بطل حولهما ورجعتا كمال واحد لا زكاة فيه. وإن أتجر قبل مرور الحول الثاني، فربح فيهما أو في إحداهما تمام نصاب، فلا يخلو وقت التمام من خمسة أوجه: إن حصل عند حول الأولى، أو قبله فعلى حوليهما وفض ربحهما عليهما، وإن حصل الربح بعد حول الأولى وقبل الثانية انتقل إليه حول الأولى وتبقى الثانية على حولها، وإن حصل عند حول الثانية أو شك فيه فحولهما منه، وإن حصل بعد حصول الثانية بشهر مثلا كشعبان فحولهما منه. كذا أفاده الأصل.

مسألة: من كان عنده عشرون في المحرم وعشرة في رجب فجاء الحول على المحرمية فأنفقها بعد زكاتها أو ضاعت، سقطت عنه زكاة الرجبية حيث نقصت عن النصاب.

قوله: [وأولى سلع القنية]: ومثلها المكتراة للقنية، وأما المكتراة للتجارة فتقدم أن غلتها كالربح يضم لأصلها.

قوله: [ومثل نجوم كتابة]: أي لأن الكتابة ليست بيعاً حقيقياً وإلا لرجع العبد بما دفع إن عجز.

قوله: [ولو كانت الأشجار مؤبرة]: أي وسواء باع الثمرة مفردة أو باعها مع الأصل، لكن إن باعها مع الأصل فإن كان بعد طيبها فض الثمن على قيمة الأصل والثمرة فما ناب الأصل زكاه لحول الأصل وما ناب الثمرة

ص: 221

بل حوله حول أصله لأنه حينئذ كسلعة قائمة بنفسها.

(و) إلا (ثمراً بدا صلاحه) في الأصول المشتراة لا للتجارة، فلا يستقبل بثمنه كالصوف التام. واعلم أن قوله:"وبالمتجدد" إلخ: يوهم أنه ليس من الفائدة مع أنه من القسم الثاني منها في التحقيق، فكان الأولى تقديمه على قوله:"وتضم" إلخ ودرجه في أمثلته.

(واستقبل من عتق أو أسلم من يومئذ) أي من يوم العتق أو الإسلام.

ثم شرع يتكلم على زكاة الدين الذي له على الغريم فقال:

(ويزكى الدين) بعد قبضه -كما يأتي- (لسنة) فقط، وإن أقام عند المدين أعواماً وتعتبر السنة (من يوم ملك أصله) بهبة ونحوها أو قبضه إن كان عما لا زكاة فيه (أو) من يوم (زكاه) إن استمر عنده عاماً. ومحل تزكيته لسنة فقط إذا لم يؤخره فراراً من الزكاة، وإلا زكاه لكل عام مضى عند ابن القاسم.

ولزكاته لسنة شروط أربعة: أولها: أن يكون أصله عيناً بيده فيسلفها، أو عروض تجارة يبيعها بثمن معلوم لأجل، وإليه أشار بقوله:(إن كان) الدين الذي هو على المدين (عيناً) كائنة (من قرض أو) ثمن (عروض تجارة) لمحتكر، أي سببه أحد هذين الأمرين، لا إن كان الدين عارضاً [1] فلا يزكي إلا على ما سيأتي في المدير.

الشرط الثاني: أن يقبض من المدين وإليه أشار بقوله: (وقبض) لا إن لم يقبض فلا يزكي اللهم إلا أن يكون أصله ثمن عرض تجارة لمدير فلا يزكي بتمام شروطه الآتية في المدير.

الشرط الثالث: أن يقبض (عيناً) ذهباً أو فضة لا إن قبضه عرضاً فلا زكاة حتى يبيعه على ما سيأتي من احتكار أو إدارة، إذا كان القابض له رب الدين بل (ولو) كان القابض له (موهوباً له) من رب الدين (أو أحال) ربه به من له عليه دين على المدين، فإن ربه المحيل يزكيه من غيره بمجرد قبول الحوالة. ولا يتوقف على قبضه من المحال عليه. ولذا عبرنا بالفعل المعطوف على كان المحذوفة بعد لو. والمعنى: وقبضه عيناً ولو أحال به؛ فإن الحوالة تعد قبضاً بخلاف ما لو وهبه فلا بد من زكاته على ربه الواهب من قبض الموهوب له بالفعل، خلافاً لما يوهمه قول الشيخ:"ولو بهبة أو إحالة"، فقولنا:"ولو أحال" في قوة "ولو إحالة" أي ولو كان القبض إحالة فيزكيه المحيل.

ــ

فإنه يستقبل به حولاً من يوم يقبضه، فيصير حول الأصل على حدة، والثمرة على حدة، وإن باعها مع الأصل قبل طيبها زكى ثمنها لأنه تبع لحول الأصل.

قوله: [بل حوله حول أصله]: أي كما قال ابن القاسم خلافاً لأشهب.

قوله: [فكان الأولى تقديمه] إلخ: وأجاب المؤلف في تقريره بقوله سهل ذلك كونه ناشئاً عن سلع التجارة، فكأنه ليس بفائدة انتهى.

قوله: [واستقبل من عتق] إلخ: أي في جميع ما يملكه لا في خصوص الفوائد، ونص عليه هنا دفعاً لتوهم أنه يفصل في ماله بين الفوائد والغلة والربح.

مسألة: من اكترى أرضاً للتجارة وزرع فيها للتجارة، زكى ثمن ما حصل فيها من غلتها من حول زكاة حرثها إن بلغ نصاباً، وإلا فمن حصول رأس مال التجارة. وهو [2] يشترط لزكاة الثمن كون البذر للتجارة فلو كان لقوته استقبل بثمن ما حصل من زرعها، لأنه، كفائدة، أو لا يشترط بل يزكي ثمن الغلة مطلقاً. قولان.

قوله: [على زكاة الدين]: أي دين غير المدير [3] القرض، بدليل قول المصنف الآتي:"لسنة من يوم ملك أصله أو زكاه"، وسيأتي في الشارح بيانه.

قوله: [أو قبضه إن كان عما لا زكاة فيه]: أي كعقار. ظاهره أن ما قبله يكفي فيه الملك ولو من غير قبض، وليس كذلك. بل الهبة ونحوها كالميراث لا يعتبر فيه السنة إلا من يوم قبضة من الواهب والمورث.

قوله: [فيسلفها]: أي سواء كان مدبراً أو محتكراً أو لا، ولا لأن الفرض خارج عن نوعي التجارة.

قوله: [أو عروض تجارة]: أي ملكها بشراء وكان محتكراً وباعها بدين.

قوله: [لا إن كان الدين عرضاً]: محترز قول المصنف: "عيناً" وقول الشارح: ثمن.

قوله: [اللهم إلا أن يكون] إلخ: الاستدراك بهذا بعيد، لأن الموضوع يحرزه لكونه في غير المدير.

قوله: [فلا زكاة حتى يبيعه]: أي فإذا باعه زكاه لسنة من يوم قبضه. والحاصل أن غير المدير إنما يزكي الدين لسنة من أصله إذا قبضه عيناً. وأما إذا قبضه عرضاً فلا يزكيه حتى يبيعه، وحوله الذي يزكيه عنده من يوم قبض العرض لا من حول أصله كالعين. فإذا باع ذلك العرض زكاه لسنة من يوم قبضه هذا إذا كان غير مدير كما هو الموضوع، وأما إن كان مديراً قومه كل عام، وإن لم يقبضه حيث نض له ولو درهماً كما يأتي.

قوله: [على ما سيأتي] إلخ: الأولى الاقتصار على ما قبله لأن ما يأتي موضوع آخر.

قوله: [ولو كان القابض له موهوباً] إلخ: أشار بلو لرد قول أشهب: لا زكاة في الموهوب لغير من عليه الدين.

قوله: [أو أحال ربه]: حاصله: أن كلاً من الهبة والحوالة قبض حكمي للدين إلا أنه لا بد في زكاة الدين الموهوب لغير المدين من قبض الموهوب له، بخلاف الحوالة فإن الزكاة تجب على المحيل بمجرد حصولها وإن لم يقبضه المحال على المذهب، خلافاً لابن لبابة. والفرق بين الحوالة والهبة أن الهبة -وإن كانت تلزم بالقبول- قد يطرأ عليها ما يبطلها من فلس أو موت فلا تتم إلا بالقبض، بخلاف الحوالة. ومفهوم قولنا: لغير المدين؛ أن هبة الدين للمدين تسقط الزكاة على الواهب لعدم القبض الحسي والحكمي، وفي الحقيقة هو إبراء. ومحل كون الواهب يزكي الدين الموهوب لغير المدين إن لم يشترط زكاته على الموهوب له أو يدعي أنه

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

في ط المعارف: (عرضاً)، ولعلها الصواب.

[2]

في ط المعارف: (وهل).

[3]

زاد بعدها في ط المعارف: (أو دين المدير).

ص: 222

وأما المحال فيزكيه أيضاً منه لكن بعد قبضه. وأما المحال عليه فيزكيه أيضاً من غيره بشرط أن يكون عنده، ولو من العروض ما يفي بدينه.

الشرط الرابع: أن يقبض نصاباً كاملاً ولو في مرات، كأن يقبض منه عشرة، ثم عشرة، فيزكيه عند قبض ما به التمام. أو يقبض بعض نصاب وعنده ما يكمل النصاب. وإليه أشار بقوله:(وكمل) المقبوض (نصاباً) بنفسه ولو على مرات بل (وإن) كمل (بفائدة) عنده (تم حولها) كما لو قبض عشرة وعنده عشرة حال عليها الحول فيزكي العشرين (أو كمل) المقبوض نصاباً (بمعدن) لأن المعدن لا يشترط فيه الحول على ما سيأتي.

(و) لو اقتضى من دينه دون نصاب، ثم اقتضى ما يتم به النصاب في مرة أو مرات كان (حول المتم) بفتح التاء اسم مفعول: وهو ما قبض أولاً (من) وقت (التمام)، فإذا قبض خمسة فخمسة فعشرة، فحول الجميع وقت قبض العشرة، فيزكي العشرين حينئذ (ثم زكى المقبوض) بعد ذلك (ولو قل) كدرهم حال قبضه ويكون كل اقتضاء بعد التمام على حوله لا يضم لما قبله، ولا بعده ولو نقص النصاب بعد تمامه لاستقرار حوله بالتمام.

ثم انتقل يتكلم على زكاة العروض، ومرادهم زكاة العين التي هي عوض العروض، إذ العروض لا تزكى: أي لا تتعلق بها زكاة من حيث ذاتها. فقال:

(وإنما يزكى عرض تجارة): لا قنية فلا زكاة فيه، إلا إذا باعه بعين أو ماشية فيستقبل بثمنه حولاً من قبضه كما تقدم في الفائدة.

وقوله: "عرض": أي عوض، فيشمل قيمة عروض المدير وثمن عروض المحتكر حيث باعها بشروط خمسة: أشار لأولها بقوله: (إن كان لا زكاة في عينه) كالثياب والرقيق، وأما ما في عينه زكاة كنصاب ماشية أو حلي أو حرث فلا يقوم على مدير، ولا يزكي ثمنه محتكر بل يستقبل بثمنه من يوم قبضه إلا إذا قرب الحول وباعه فراراً من الزكاة

ــ

أراد الزكاة منه وإلا فلا زكاة عليه.

قوله: [وأما المحال فيزكيه] إلخ: أي لسنة من أصله.

قوله: [وأما المحال عليه] إلخ: تحصل من هذا أن هذا الدين يزكيه ثلاثة: المحيل بمجرد الحوالة، والمحال بعد قبضه، والمحال عليه. لكن الأول والثالث يزكيانه من غيره والثاني يزكيه منه.

قوله: [عند قبض ما به التمام]: ولو لم يستمر المقبوض الأول، بل تلف قبل التمام، وهو معنى قول خليل:"ولو تلف المتم" كما إذا قبض من دينه عشرة فتلفت منه بإنفاق أو ضياع، ثم قبض منه عشرة فإنه يزكي عن العشرين، ولا يضر تلف العشرة الأولى لأنه جمعهما ملك وحول، خلافاً لابن المواز حيث قال: إذا تلف المتم من غير سببه سقطت زكاته وسقطت زكاة باقي الدين إن لم يكن فيه نصاب. وأما إذا تلفت بسببه فالزكاة اتفاقاً: قوله: [حال عليها الحول]: يفيد أنه لو مر للفائدة عنده ثمانية أشهر، واقتضى من دينه ما يصيرها نصاباً فإنه لا يزكي ما اقتضاه، إلا إذا بقيت وما اقتضاه لتمام الحول لها. فلو قبض عشرة فأنفقها بعد حولها وقبل حول الفائدة، أو استفاد وأنفق بعد حولها، ثم اقتضى من دينه قبل حوله ما يكمل النصاب فلا زكاة. كذا في الحاشية. واعلم أنه لا يشترط تقدم ملك الفائدة على الاقتضاء، بل لا فرق بين أن تكون الفائدة متقدمة أو متأخرة. لكن إن تأخرت يشترط بقاء الاقتضاء لتمام حولها، وإن تقدمت فالشرط مضي حول عليها سواء بقيت للاقتضاء الذي حال حوله أو تلفت قبله.

قوله: [أو كمل المقبوض نصابا بمعدن]: أي على ما للمازري، وهو قول القاضي عياض. واختار الصقلي عدم ضم المعدن للمقبوض. تنبيه: من اقتضى من دينه الذي حال حوله ديناراً في المحرم مثلاً فأخر في رجب مثلاً، فاشترى بكل سلعة باعها بعشرين، ففيه تسع صور؛ لأن الشراء إما أن يكون بهما معاً، أو الدينار الأول قبل الثاني، أو الثاني قبل الأول، وفي كل: إما أن يبيع السلعتين معاً، أو إحداهما قبل الأخرى؛ وجب عليه زكاة الأربعين إن اشتراهما معاً سواء باعهما معاً أو إحداهما قبل الأخرى، لكن إذا باعهما معاً زكى الأربعين دفعة واحدة، وإن باع واحدة زكاها الآن، وأصل الثانية فيزكى الآن إحدى وعشرين. فإذا باع الأخرى زكى تسعة عشر. وما بقي من الصور يزكي إحدى وعشرين لا غير - كما اعتمده في الأصل تبعاً للرماصي.

تتمة: إذا تعددت أوقات الاقتضاءات وعلم المتقدم منها والمتأخر، ونسي المتوسط فإن يضم للمتقدم ويجعل حوله منه عكس الفوائد التي علم أولها وآخرها، فإن المجهول الوسط يضم للمتأخر؛ وذلك أن الاقتضاءات تزكى لما مضى، فهي بالتقديم أنسب. والفوائد بالاستقبال أنسب.

قوله: [على زكاة العروض]: أعقبها بالكلام على زكاة الدين لمشاركتها له في الحكم، لأن أحد قسميها - وهو المحتكر - يقاس به.

قوله: [بل يستقبل بثمنه من يوم قبضه]: كلامه يوهم أنه كالفوائد، وليس كذلك. بل مقتضى

ص: 223

فيؤخذ بزكاة المبدل كما تقدم. ولثانيها بقوله: (وملك) العرض (بشراء) لا إن ورثه، أو وهب له، أو أخذه في خلع أو أخذته صداقاً ونحو ذلك من الفوائد. وقولنا:"بشراء" أحسن من قوله: "بمعاوضة" لأنه يشمل الصداق والخلع، فيحتاج إلى تقييده بقولنا: مالية، لإخراجهما. وشمل هذا الشرط والذي قبله الحب المشترى للتجارة، فإنه لا زكاة في عينه. وعلم بذلك أن المراد بالعرض ما يشمل المثليات. ولثالثها بقوله:(بنية تجر) أي إن ملك بشراء مع نية تجر مجردة حال الشراء (أو مع نية غلته): بأن ينوي عند شرائه للتجارة أن يكريه إلى أن يجد ربحاً (أو مع) نية (قنية): بأن ينوي عند الشراء ركوبه أو سكناه أو حملاً عليه إلى أن يجد فيه ربحاً فيبيعه، (لا) إن ملكه (بلا نية) أصلاً (أو نية قنية) فقط، (أو) نية (غلة) فقط (أو هما): أي بنية القنية والغلة معاً، فلا زكاة. ولرابعها بقوله:(وكان ثمنه) الذي اشترى به ذلك العرض (عيناً أو عرضاً كذلك): أي ملك بشراء سواء كان عرض تجارة أو قنية كمن عنده عرض مقتنى اشتراه بعين، ثم باعه بعرض نوى به التجارة، فيزكي ثمنه إذا باعه لحوله من وقت اشترائه. بخلاف ما لو كان عنده عرض ملك بلا عوض -كهبة وميراث- فيستقبل بالثمن. ولخامسها بقوله:(وبيع منه) أي من العرض، وأولى بيعه كله (بعين) نصاباً فأكثر في المحتكر أو أقل، (ولو درهماً في المدير) فإن توفرت هذه الشروط زكي (كالدين): أي كزكاة الدين المتقدمة؛ أي لسنة من أصله إن قبض ثمنه عيناً نصاباً فأكثر كمل بنفسه ولو قبضه في مرات أو مع فائدة تم حولها، أو معدن.

وهذا (إن رصد) ربه (به) أي بالعرض المذكور (الأسواق) أي ارتفاع الأثمان، وهو المسمى بالمحتكر، فقوله:"كالدين" خاص بالمحتكر والشروط الخمسة المتقدمة عامة فيه وفي المدير، فكأنه قال: إن توفرت الشروط زكاه كزكاة الدين إن كان محتكراً شأنه يرصد الأسواق.

(وإلا) يرصد الأسواق بأن كان مديراً: وهو الذي يبيع بالسعر الواقع كيف كان ويخلف ما باعه بغيره؛ كأرباب الحوانيت والطوافين بالسلع،

ــ

الفقه أنه يزكى الثمن من حول تزكية الأعيان كما في (عب) نقلاً عن ابن الحاجب.

قوله: [فيؤخذ بزكاة المبدل كما تقدم]: أي في قوله: " ومن أبدل أو ذبح ماشية فراراً أخذت منه ".

قوله: [فإنه لا زكاة في عينه]: أي لأن الحرث لا تجب زكاته إلا على من كان وقت الوجوب في ملكه، والحب المشترى لا يكون إلا بعد الوجوب.

وقوله: [وعلم بذلك]: أي بشموله للحب.

قوله: [مجردة حال الشراء]: سيأتي محترزه في قوله: "لا بلا نية أو نية قنية".

قوله: [أو مع نية غلته]: وإنما وجبت الزكاة حينئذ لأن مصاحبة نية الغلة لنية التجارة أخف من مصاحبة القنية للتجارة، فإذا لم تؤثر مصاحبة الأقوى فأولى مصاحبة الأضعف.

قوله: [أو مع نية قنية]: أي على المختار عند اللخمي. والمرجح عند ابن يونس وفاقاً لأشهب. وروايته خلافاً لابن القاسم وابن المواز. والاختيار والترجيح يرجعان للتجر مع القنية كما في التوضيح. قال ابن غازي: وأما التجر مع الغلة فهذا الحكم فيه أبين.

قوله: [أو غلة فقط]: أي فلا زكاة على ما رجع إليه مالك، خلافاً لاختيار اللخمي أن فيه الزكاة قائلاً: لا فرق بين التماس الربح من رقاب أو منافع.

قوله: [أو هما]: أصله أو نيتهما. فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فانفصل الضمير، وحينئذ فهو في محل جر بطريق النيابة لا الأصالة، لأن "هما" ليست من ضمائر الجر، لأن ضمير الجر لا يكون إلا متصلاً.

قوله: [أي ملك بشراء]: طريقة لابن حارث، وطريق اللخمي الإطلاق كما في حاشية الأصل.

قوله: [أو قنية]: هذا هو الصواب الذي ارتضاه المؤلف في تقريره كما ارتضاه (ح) و (ر) خلافاً لمن يقول: إن الذي أصله عرض قنية يستقبل به.

قوله: [بخلاف ما لو كان] إلخ: الحاصل أن الصور أربع: ما أصله عين أو عرض تجر يزكي اتفاقاً، وما أصله عرض قنية ملك بمعاوضة: المشهور زكاة عوضه لحول من أصله، وما أصله عرض ملك بغير معاوضة مالية -بأن ملك بغير معاوضة أصلاً أو بمعاوضة غير مالية- ففيه طريقتان: الأولى للخمي تحكي قولين مشهورهما الاستقبال، والثانية لابن حارث: استقبل [1] اتفاقاً.

قوله: [أو أقل]: أي فهذه الشروط عامة في المحتكر والمدير، وإنما يختلفان من جهة أن المحتكر لا بد أن تكون العين التي باع بها نصاباً سواء بقي ما باع به أم لا، بخلاف المدير؛ فإن الشرط بيعه بشيء من العين ولو قل. فلو لم يبع المحتكر نصاباً فلا زكاة عليه ما لم يتقصد البيع بالعروض فراراً من الزكاة، فإنه يؤخذ بها كما نقله الحطاب عن الرجراجي لأنه من التحيل.

قوله: [ولو درهماً]: فهم الأجهوري من ذكرهم الدرهم في المدونة وغيرها: أنه تحديد لأقل ما يكفي في التقويم، والذي قاله أبو الحسن شارح المدونة: أن ذكر الدرهم مثال للقليل لا تحديد، وأنه مهماً نض له شيء وإن قل لزمته الزكاة، وهو الصواب. اهـ بن نقله في حاشية الأصل.

قوله: [بالسعر الواقع]: أي ولو كان فيه خسر.

قوله: [كأرباب الحوانيت] إلخ ابن عاشر: الظاهر أن أرباب الصنائع كالحاكة والدباغين مديرون وقد نص في المدونة

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

في ط المعارف: (يستقبل).

ص: 224

(زكى عينه) التي عنده (ودينه) أي عدده (النقد) الذي أصله عرض (الحال): أي الذي

حل أجله أو كان حالاً أصالة (المرجو) خلاصه ولو لم يقضه بالفعل. وما تقدم في زكاة الدين - من أنه إنما يزكى بعد قبضه مع بقية الشروط - ففي غير المدير أو في المدير إذا كان أصله قرضاً كما تقدمت الإشارة إليه، وكما سيأتي قريباً إن شاء الله. (وإلا) يكن نقداً حالاً -بأن كان عرضاً أو مؤجلاً- مرجواً فيهما؛ فالنفي راجع لقوله:"النقد الحال" فقط بدليل ما بعده. ومرادنا بالعرض: ما يشمل طعام السلم (قوَّمه) على نفسه قيمة عدل (كل عام) وزكى القيمة، لأن الموضوع أنه مرجو فهو في المدير في قوة المقبوض (كسلعه) أي المدير أي كما يقوم كل عام سلعه التي للتجارة (ولو بارت) سنين إذ بوارها بضم الباء أي كسادها لا ينقلها لاحتكار ولا قنية، وأما البوار بفتح الباء، فمعناه: الهلاك.

(لا إن لم يرجه) بأن كان على معدم أو ظالم لا تأخذه الأحكام فلا يقومه. فإن قبضه زكاه لعام واحد كالعين الضائعة والمغصوبة (أو كان): أي ولا إن كان دينه الذي على المدين (قرضاً): أي كان أصله سلفاً -ولو مرجواً- فلا يقومه على نفسه ليزكيه لعدم النماء فيه فهو خارج عن حكم التجارة. (فإن قبضه زكاه لعام) واحد، وإن أقام عند المدين سنين إلا أن يؤخره فراراً من الزكاة فلكل عام مضى.

(وحوله) أي والمدير الذي يقوم فيه سلعه لزكاتها مع عينه ودينه الحال المرجو (حول أصله) أي المال الذي اشترى به السلع فيكون ابتداء الحول من يوم ملك الأصل أو زكاه، ولو تأخرت الإدارة عنه كما لو ملك نصاباً أو زكاه في المحرم، ثم أداره في رجب؛ أي شرع في التجارة على وجه الإدارة في رجب فحوله المحرم، وقيل حوله وسط بين حول الأصل ووقت الإدارة كربيع الثاني.

(ولا تقوم الأواني) التي توضع فيها سلع التجارة كالزلع (والآلات) كالمنوال والمنشار والقدوم والمحراث، (وبهيمة العمل) من حمل وحرث وغيرهما لبقاء عينها فأشبهت القنية.

(وإن اجتمع) لشخص (احتكار) في عرض (وإدارة) في آخر (وتساويا، أو احتكر الأكثر) وأدار في الأقل (فكل) من العرضين (على حكمه) في الزكاة. (وإلا) بأن أدار [1] أكثر سلعه واحتكر الأقل (فالجميع للإدارة)، وبطل حكم الاحتكار.

(والقراض) الذي عند العامل (الحاضر) ببلد رب المال

ــ

على أن أصحاب الأسفار الذين يجهزون الأمتعة إلى البلدان مديرون.

قوله: [زكى عينه]: إنما نص على زكاة العين - مع أنه لا خصوصية للمدير بزكاتها - لأجل أن يستوفي الكلام على أموال المدير.

قوله: [ودينه]: أي: الكائن من التجارة المعد للنماء. واحترز بذلك عن دين القرض فإنه لا يزكيه كل عام بل لسنة بعد قبضه كما يأتي.

قوله: [ما يشمل طعام السلم]: كذا قال أبو بكر بن عبد الرحمن، وصوبه ابن يونس.

قوله: [وزكى القيمة]: أي لأنها هي التي تحسب عليه لو قام غرماء ذلك المدين.

قوله: [كسلعه]: اعلم أن الذي يقومه المدير من السلع هو ما دفع ثمنه وما حال عليه الحول عنده وإن لم يدفع ثمنه. وحكمه في الثاني حكم من عليه دين وبيده مال. وأما إن لم يدفع ثمنه ولم يحل عليه الحول عنده فلا زكاة عليه فيه. ولا يسقط عنه من زكاة ما حال حوله عنده شيء بسبب دين ثمن هذا العرض الذي لم يحل حوله إن لم يكن عنده ما يجعل في مقابلته، نص عليه ابن رشد في المقدمات. انتهى (بن) كذا في حاشية الأصل.

قوله: [لا ينقلها]: هذا هو المشهور وهو قول ابن القاسم. ومقابله ما لابن نافع وسحنون لا يقوم ما بار منها وينتقل للاحتكار.

قوله: [فمعناه الهلاك]: كذا في المصباح والذي في الصحاح والقاموس أنه بالفتح بمعنى الكساد والهلاك معاً، كذا في حاشية الأصل.

قوله: [فحوله المحرم]: هو للباجي ورجحه جماعة من الشيوخ وهو قول مالك، واستحسنه ابن يونس. وقوله: وقيل حوله وسط هو للخمي وهو خلاف المعول عليه. وقد علمت أن محل الخلاف عند اختلاف وقت الملك والإدارة، أما إذا لم يختلفا فحوله الذي يقوم فيه ويزكي الشهر الذي ملك فيه الأصل اتفاقاً.

قوله: [وبهيمة العمل]: كالإبل التي تحمل مال التجارة. وبقر الحرث ما لم تجب الزكاة في عين تلك المواشي. واختلف في الكافر المدير إذا أسلم ونض له بعد إسلامه ولو درهماً؛ فقيل: يقوم لحول من إسلامه، وقيل يستقبل بالثمن إن بلغ نصاباً حولاً من قبضه؛ وأما المحتكر إذا أسلم فيستقبل بالثمن حولاً من قبضه اتفاقاً. كذا في الأصل.

تنبيه: ينتقل المدير للاحتكار وللقنية بمجرد النية. وكذلك المحتكر ينتقل للقنية. لا بالعكس؛ وهو انتقال المحتكر والمقتني للإدارة فلا تكفي فيهما النية بل لا بد من التعاطي؛ لأن النية سبب ضعيف تنقل للأصل ولا تنقل عنه، والأصل في العروض القنية والاحتكار قريب منها.

قوله: [فكل على حكمه]: وإنما لم يغلب الاحتكار فيما الأكثر مراعاة لحق الفقراء إذا غلبت الإدارة غلبت.

قوله: [الحاضر ببلد رب المال]: أي ولو حكماً، بأن علم في غيبته، كذا في الأصل.

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

في ط المعارف: (أدارا).

ص: 225

(يزكيه ربه) -لا العامل- زكاة إدارة (كل عام) بما فيه (من غيره): لا من مال القراض لئلا ينقص على العامل والربح يجبره -وهو ضرر على العامل- لا أن يرضى بذلك (إن أدار العامل) سواء كان ربه مديراً أو محتكراً أو لا.

وذكر مفهوم الحاضر بقوله: (وصبر) ربه بلا زكاة (إن غاب) المال عن بلد ربه غيبة لا يعلم فيها حاله ولو سنين. ولا يزكيه العامل أيضاً إلا أن يأمر ربه بها فتجزيه. ويحسبها العامل على ربه من رأس المال حتى يحضر المال (فيزكي عن سنة الحضور ما) وجد (فيها) سواء زاد عما قبلها أو نقص أو ساوى.

فإن كان المال في سنة الحضور مساوياً لما مضى فأمره ظاهر، (و) إن كان فيما قبلها أزيد (سقط ما زاد قبلها) فلا زكاة فيه، لأنه لم يصل له ولم ينتفع به، وصار حكمه حكم ما لو كان في كل سنة مساوياً لسنة الحضور، فيبتدئ في الإخراج بسنة لحضور، ثم بما قبلها وهكذا. ويراعى تنقيص الأخذ النصاب.

(وإن نقص) ما قبلها عنها (فلكل) من السنين الماضية (ما فيها) كما إذا كان في الأولى مائة. وفي الثانية مائة وخمسون وفي الثالثة مائتان (وإن زاد) المال فيما قبلها تارة (ونقص) تارة أخرى، كما لو كان فيها مائتان، وفيما قبلها ثلاثمائة (قضى بالنقص على ما قبله) فيزكي في سنة الحضور عن مائتين، وعن كل ما قبلها مائة، لأن الزائد لم يصل لربه ولم ينتفع به، ولا يقضي بالنقص على ما بعده. وذكر مفهوم "إن أدار" العامل بقوله:(وإن احتكر العامل) سواء احتكر ربه أم لا

ــ

قوله: [يزكيه ربه كل عام] إلخ: هو أحد أقوال ثلاثة، وهي طريقة لابن يونس. قال في التوضيح: وهو ظاهر المذهب. والثاني - وهو المعتمد: أنه لا يزكي إلا بعد المفاصلة، ويزكي حينئذ للسنين الماضية على حكم ما يأتي في الغائب. وهذا القول هو الذي اقتصر عليه ابن رشد وعزاه لقراض المدونة والواضحة، ولرواية ابن أبي زيد ولابن القاسم وسحنون. والثالث: أنه لا يزكي إلا بعد المفاصلة ولكن لسنة واحدة كالدين، حكاه ابن بشير وابن شاس انظر التوضيح انتهى (بن) كذا في حاشية الأصل، وذكر في المجموع ما يفيد اعتماد القول الوسط أيضاً. وعلى كل حال يخرج رب المال زكاته من غيره أو منه ويحسبه على نفسه. ولم يجعلوا ذلك وزيادة في مال القراض بتوفيره، وهو ممنوع كالنقص إما اليسارة جزء الزكاة فتسامح به النفوس أو لأنه لازم شرعاً فكأنه مدخول عليه. انظر الخرشي وغيره كذا في المجموع.

قوله: [إن أدار العامل] إلخ: تقدم أن المدير لا بد في وجوب الزكاة عليه أن ينض له ولو درهماً. فهل إذا كان كل من العامل ورب المال مديراً يكفي النضوض لأحدهما؟ وإذا أدار العامل فقط فلا بد أن ينض له شيء - وهو ظاهر ما لابن عبد السلام - أم لا؟ قاله الشيخ أحمد الزرقاني، وقال اللقاني: يشترط النضوض فيمن له الحكم في الحاشية.

قوله: [ولا يزكيه العامل] إلخ: أي لاحتمال دين ربه أو موته، فإن وقع وزكاه ربه قبل علمه بحاله، فالظاهر الإجزاء. ثم إن تبين زيادة المال على ما أخرج أخرج عنها. وإن تبين نقصه عما أخرج رجع بها على الفقير إن كانت باقية بيده وبين له أنها زكاة، وإلا فلا رجوع له خلافاً لاستظهار (عب) من عدم رجوعه مطلقاً ولو كان باقياً بيده لأنه مفرط بإخراجه قبل علم قدره.

قوله: [سقط ما زاد قبلها]: ولو زكاه العامل عن ربه لم يرجع بزكاة تلك الزيادة.

قوله: [فيبتدئ في الإخراج بسنة الحضور]: اعترضه الرماصي بأن الذي قاله ابن رشد وغيره: أنه يبدأ بالأولى فالأولى، فإذا كان المال في أول سنة أربعمائة دينار. وفي الثانية ثلاثمائة، وفي الثالثة وهي سنة الحضور مائتين وخمسين. فإنه يزكي عن الأولى في المثال المذكور عن مائتين وخمسين، ويسقط عنه في السنة الثانية والثالثة ما نقصته الزكاة فيما قبلها. قلت: الظاهر كما قال بعض الشراح: إن المال واحد سواء بدأ بالأولى أو سنة الحضور. ومثل هذا يقال في بقية الصور انتهى بن. كذا في حاشية الأصل.

قوله: [ويراعي] أي في غير سنة الحضور. وكما يراعي تنقيص الأخذ النصاب يراعي أيضاً تنقيصه لجزء الزكاة. فالأول: كمن عنده أحد وعشرون ديناراً فغاب بها العامل خمس سنين، ووجدت بعد الحضور كما هي فيبدأ بالعام الأول فما بعده ويراعي تنقيص الأخذ النصاب. وحينئذ فلا يزكي عن الثالثة الباقية. والثاني: أن يكون المال في العام الأول أربعمائة، وفي الثاني ثلاثمائة، وفي عام الحضور مائتين وخمسين؛ فإذا زكى عنها لعام الحضور أخرج ستة دنانير وربعاً، وزكى عن العام الذي قبله عن مائتين وخمسين إلا ستة وربعاً التي أخرجها زكاة، وعن العام الأول عن مائتين وثمانية وثلاثين إلا ربعاً ونحو العشر، قال (بن): ولا يقال إن اعتبار تنقيص الأخذ النصاب أو لجزء الزكاة مقيد بما إذا لم يكن له ما يجعل في مقابلة دين الزكاة - وإلا فيزكي عن الجميع كل عام كما هو المعهود - لأنا نقول: لا يجري ذلك هنا، لأن هذا لم يقع فيه تفريط فلم يتعلق بالذمة بل بالمال، فيعتبر نقصه مطلقاً. نقله محشي الأصل.

قوله: [قضى بالنقص على ما قبله]: هذا ظاهر فما إذا تقدم الأزيد على الأنقص كما في مثال الشارح. وأما إن تقدم الأنقص على الأزيد؛ كما لو كان في سنة الحضور أربعمائة، وفي التي قبلها خمسمائة؛ وفي التي قبلها مائتين، فإنه يزكي أربعمائة

ص: 226

(فكالدين) يزكيه لعام واحد بعد قبضه بانفصاله من العامل، ولو أقام عند العامل أعواماً وهذا كله في العروض المشتراة بمال. وأما الماشية فحكمها ما أفاده بقوله:(وعجلت زكاة ماشيته): أي القراض إذا بلغت نصاباً حال حوله (مطلقاً) حضرت أو غابت احتكرها العامل، أو أدار ومثل الماشية الحرث وأخذت منها إن غابت (وحسبت على ربه) من رأس المال فلا تجبر بالربح كالخسارة، فإن حضرت فهل كذلك أو تؤخذ من ربها (كزكاة فطر رقيقه): أي القراض فإنها على ربه قولاً واحداً قال فيها: "وزكاة الفطر عن عبيد القراض على رب المال خاصة". وفي كلام الشيخ نظر.

ثم شرع يتكلم على زكاة ربح العامل من مال القراض فقال:

(ويزكي العامل ربحه) بعد النضوض والانفصال (وإن أقل [1]) عن النصاب ولو لم يكن عنده ما يضمه إليه (لعام) واحد بشروط خمسة ذكرها بقوله:

(إن أقام) القراض (بيده حولاً فأكثر) من يوم التجر لا أقل من حول.

(وكانا) معاً (حرين مسلمين بلا دين) عليهما.

(وحصة ربه بربحه نصاب) فأكثر، والواو للحال: لا أقل وإن نابه هو نصاب بل يستقبل حينئذ به (أو) حصة ربه بربحه (أقل) من نصاب، (و) لكن (عنده) أي ربه (ما يكمله) فيزكي العامل وإن أقل لأن زكاته تابعة لزكاة ربه.

(ولا يسقط الدين) ولو عيناً (زكاة حرث وماشية ومعدن) لتعلق الزكاة بعينها.

(بخلاف العين) الذهب والفضة (فيسقطها) الدين (ولو) كان الدين (مؤجلاً

ــ

لسنة الفصل ولما قبلها ويزكي عن مائتين للعام الأول.

قوله: [فكالدين]: أفاد بهذا التشبيه فائدتين؛ الأولى: أنه لا يزكيه قبل رجوعه لربه ولو نض بيد العامل، والثانية: أنه إنما يزكيه بعد قبضه لسنة واحدة ولو أقام أعواماً كما أفاده الشارح؛ وهذا إذا لم يكن رب المال مديراً وكان ما بيده أكثر مما بيد العامل؛ وإلا كان تابعاً للأكثر يبطل حكم الاحتكار، وحينئذ فيقوم رب المال ما بيد العامل كل سنة ويزكيه إن علم به، كما يؤخذ من الأصل وحاشيته.

قوله: [وعجلت زكاة ماشيته]: أي فتخرج من عينها ولا ينتظر بها المفاصلة ولا علم ربها بحالها لتعلق الزكاة بعينها.

قوله: [وحسبت على ربه] إلخ: فلو كان رأس المال أربعين ديناراً اشترى بها العامل أربعين شاة، أخذ الساعي منها بعد مرور الحول شاة؛ فلو كانت الشاة تساوي ديناراً ثم باع الباقي بستين ديناراً فالربح على المشهور أحد وعشرون ديناراً ورأس المال تسعة وثلاثون لحساب الشاه على رب المال. وعلى مقابلة [2]: الربح عشرون ويجبر رأس المال ويبقى المال على حاله الأول.

قوله: [فلا تجبر بالربح] إلخ: أي على المشهور كما تقدم، بخلاف الخسارة فإنها تجبر به.

قوله: [وفي كلام الشيخ نظر]: أي لحكايته التأويلين مع تصريح المدونة بكونها على رب المال خاصة كما قال الشارح. وأما نفقته فمن مال القراض ويجبر بالربح [3] كما يؤخذ من المدونة أيضاً.

قوله: [ويزكي العامل]: أي لا رب المال خلافاً لبهرام حيث: قال ما خص العامل من الربح يزكيه رب المال.

قوله: [لعام واحد]: أي سواء كان العامل ورب المال مديرين أو محتكرين أو مختلفين، فلا يزكيه إلا لعام واحد بعد قبض حصته ولو أقام مال القراض بيده أعواماً. وقيل: إن كان العامل مديراً زكاه لكل عام بعد المفاصلة. واقتصر عليه ابن عرفة ورجحه بعضهم وقال: إنه مذهب المدونة، كما في حاشية الأصل.

قوله: [إن أقام القراض بيده حولاً]: هذا الشرط مبني على أنه شريك لرب المال لا أجير وإلا لاكتفى بحول صاحب المال قوله: [حرين مسلمين بلا دين]: اشتراط هذه الشروط الثلاثة في رب المال بناء على أن العامل أجير. أما لو نظر لكونه شريكاً فلا يشترط ما ذكر في رب المال بالنسبة لتزكية العامل؛ لان المنظور له ذات المال. واشتراطها في العامل بناء على أنه شريك؛ إذ لو قلنا إنه أجير لاكتفى بحصولها في رب المال. قال في المجموع: وبالجملة فقد اضطربوا في النظر لذلك، والفقه: مسلم.

قوله: [وحصة ربه]: المراد بالحصة: رأس المال.

قوله: [لا أقل وإن نابه هو نصاب]: بناء على أن العامل أجير، فإن كان رأس المال عشرة دنانير ودفعها ربها للعامل على أن يكون لربها جزء من مائة جزء من الربح فربح المال مائة، فإن ربه لا يزكي لأن مجموع رأس المال وحصته من الربح أحد عشر، وكذلك العامل لا يزكي بل يستقبل بما خصه وهو تسعة وتسعون حولاً من وقت قبضه.

قوله: [ولكن عنده]: هكذا في نقل ابن يونس ونصه قال ابن المواز، قال أشهب فيمن عنده أحد عشر ديناراً فربح فيها خمسة وله مال حال حوله: إن ضمه إلى هذا صار فيه الزكاة، يريد وقد حال على أصل هذا المال حول فليزك العامل حصته، لأن المال وجبت فيه الزكاة. انتهى كذا في حاشية الأصل نقلاً عن البناني.

تنبيه: قال خليل: وفي كونه شريكاً أو أجيراً خلاف. قال شراحه: تظهر ثمرة الخلاف في المبني على القولين فبعضهم شهر ما ابتنى على كونه شريكاً، وبعضهم شهر على كونه أجيراً، وكل مسلم كما علمت مما تقدم.

قوله: [ومعدن]: مثله الركاز؛ إذا وجبت فيه الزكاة فلا يسقطها الدين ولا ما معه من فقد وأسر، بل وكذلك إذا وجب فيه الخمس.

قوله: [بخلاف العين]: أي فتسقط بسبب دين على أربابها؛ سواء كان الدين عيناً اقترضها أو اشتراها في الذمة، أو كان عرضاً أو طعاماً كدين السلم.

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

في ط المعارف: (قل)، ولعلها الصواب.

[2]

في ط المعارف: (مقابله).

[3]

ليست في ط المعارف.

ص: 227

أو) كان (مهراً) عليه لامرأته أو مؤخراً (أو) مقدماً كان (نفقة كزوجة) أو أب أو ابن (تجمدت) عليه (أو) كان (دين زكاة) انكسرت عليه، (لا) دين (كفارة) ليمين أو غيره كظهار وصوم، (و) لا دين (هدي) وجب عليه في حج أو عمرة فلا يسقطان زكاة العين (إلا أن يكون له) أي لرب العين المدين (من العروض ما) أي شيء (يفي به) أي بدينه؛ فإنه يجعله في نظير الدين الذي عليه ويزكي ما عنده من العين.

ولا تسقط عنه الزكاة بشرطين:

أشار لأولهما بقوله: (إن حال حوله): أي العرض (عنده).

وللثاني بقوله: (وبيع) ذلك العرض: أي وكان مما يباع (على المفلس): كثياب، ونحاس وماشية ولو دابة ركوب أو ثياب جمعة أو كتب فقه، لا ثوب جسده أو دار سكناه إلا أن يكون فيها فضل عن ضرورته. فإن كان عنده من العرض ما يفي ببعض ما عليه نظر للباقي: فإن كان فيه الزكاة زكاه، كما لو كان عنده أربعون ديناراً وعليه مثلها وعنده عرض يفي بعشرين زكى العشرين.

(والقيمة) لذلك العرض تعتبر (وقت الوجوب): أي وجوب الزكاة آخر الحول (أو) يكون (له دين مرجو ولو مؤجلاً) فإنه يجعله فيما عليه ويزكي ما عنده من العين. (لا غير مرجو): كما لو كان على معسر أو ظالم لا تناله الأحكام، (ولا) إن كان له (آبق): فلا يجعل في نظير الدين الذي عليه (ولو رجي) تحصيله لعدم جواز بيعه بحال.

(فلو وهب الدين له): أي لمن هو عليه -بأن أبرأه ربه منه ولم يحل حوله من يوم الهبة- فلا زكاة في العين التي عنده لأن الهبة إنشاء لملك النصاب الذي بيده فلا تجب الزكاة فيه إلا إذا استقبل حولاً من يوم الهبة (أو) وهب له (ما): أي شيء من العروض أو غيره؛ أي وهب له إنسان ما؛ أي شيئاً (يجعل فيه): أي في نظير الدين، (ولو لم يحل حوله) أي حول الشيء الموهوب عند

ــ

ويدخل في العين قيمة عروض التجارة فتسقط زكاتها بالدين والفقد والأسر.

قوله: [أو كان مهراً عليه]: هذا قول مالك وابن القاسم وهو المشهور، وقال ابن حبيب: تسقط الزكاة بكل دين إلا مهور النساء؛ إذ ليس شأنهن القيام به إلا في موت أو فراق، فلم يكن في القوة كغيره. كذا في الحاشية.

قوله: [أو كان نفقة كزوجة]: أي فإنها مسقطة للزكاة مطلقاً -حكم بها حاكم أم لا- لقوتها بكونها في مقابلة الاستمتاع.

قوله: [أو ابن]: أي إن حكم بها -أي قضى بما تجمد منها في الماضي- حاكم غير مالكي يرى ذلك. وصورتها أنه تجمد عليه فيما مضى شيء من النفقة فطلب الولد أباه به، فامتنع فرفع لحاكم يرى ذلك فحكم بها. فإن تجمدت عليه ولم يحكم بها حاكم، فقال ابن القاسم: لا تسقط، وقال أشهب: تسقط، وإطلاق شارحنا يؤيد قول أشهب. وأما إن تجمدت نفقة الوالد -أباً وأماً- على الابن فلا تسقط زكاته إلا بشرطين: حكم الحاكم بها، وتسلفه، فإن لم يحكم بها حاكم أو حكم بها ولم يتسلف الوالد بل تحيل في الإنفاق بسؤال أو غيره، لم تسقط عن الابن كذا في الأصل. وإنما شدد في نفقة الوالد حيث جعلت مسقطة لزكاة العين بمجرد الحكم بها أو بمجرد تجمدها -على قول أشهب- دون نفقة الأبوين، لأن مسامحة الوالدين للولد أكثر من مسامحة الولد لهما لأن حب الوالد لولده موروث من آدم، ولم يكن يعرف حب الولد لوالده.

قوله: [لا دين كفارة] إلخ: والفرق بينهما وبين دين الزكاة أن دين الزكاة تتوجه المطالبة به من الإمام العدو ويأخذها كرهاً بخلاف الكفارة والهدي، فإنه لا يتوجه فيهما ذلك وتعقب هذا الفرق أبو عبد الله بن عتاب من أصحاب ابن عرفة قائلاً: لا فرق بين دين الزكاة والهدي والكفارة في مطالبة الإمام بها، ونقل ذلك عن اللخمي والمازري فتحصل أن في دين الكفارة والهدي طريقتين: طريقة ابن عتاب تقول كالزكاة، وطريقة المصنف وخليل وشراحه أنهما ليسا كالزكاة.

قوله: [إن حال حوله]: أي مضى له حول. والمراد بالحول: السنة كما هو المأخوذ من كلامهم. وإنما يشترط هذا الشرط إذا مر على الدين حول وهو عند المدين، وإلا فالشرط مساواة الدين لما يجعل فيه زماناً. واشتراط مرور الحول على ما يجعل في الدين من العرض قول ابن القاسم. وقال أشهب بعدم اشتراطه بل يجعل قيمته في مقابلة الدين، وإن لم يمر عليه حول عنده. قال (ر): وبنوا هذا الخلاف على أن ملك العرض في آخر الحول هو منشئ لملك العين التي بيده من الآن وحينئذ فلا زكاة عليه فيها لفقد الحول - وهو قول ابن القاسم - أو كاشف أنه كان مالكاً لها، وحينئذ فيزكي، وهو قول أشهب. وأنت خبير بأن هذا البناء يوجب عموم شرط الحول عند ابن القاسم في كل ما يجعل في مقابلة الدين من معشر ومعدن وغيرهما، مع أنهم لم يشترطوا مرور الحول إلا في العرض، ولم يشترطوه في المعشر والمعدن وغيرهما كما في المواق. انظر (بن) كذا في حاشية الأصل.

قوله: [دين مرجو ولو مؤجلاً]: لكن إن كان حالاً بحسب عدده وإن كان مؤجلاً بحسب قيمته.

قوله: [ولا إن كان له آبق]: ومثله البعير الشارد.

قوله: [بأن أبرأه ربه منه]: تصوير لهبة الدين لمن هو عليه إشارة إلى أنه يسمى إبراء، لأن الهبة الحقيقية تكون لغير من عليه الدين.

قوله: [إنشاء لملك النصاب]: أي من الآن.

قوله: [أو وهب له] إلخ: ومن ذلك قول خليل: أو مر لكمؤجر نفسه بستين ديناراً ثلاث سنين حول

ص: 228

رب العين (فلا زكاة) في العين التي عنده حتى يحول الحول، لما تقدم في الذي قبله. وهذا التصريح بمفهوم قوله:"إن حال حوله".

ثم شرع في الكلام على زكاة المعدن فقال:

(ويزكى معدن العين): الذهب والفضة (فقط) لا معدن نحاس أو رصاص أو زئبق أو غيرها.

(وحكمه) أي المعدن (مطلقاً) سواء كان معدن عين أو غيره (للإمام) أي السلطان أو نائبه يقطعه لمن شاء من المسلمين، أو يجعله في بيت المال لمنافعهم لا لنفسه (ولو) وجد (بأرض) شخص (معين) ولا يختص به رب الأرض (إلا أرض الصلح)، إذا وجد بها معدن (فلهم). ولا نتعرض لهم فيه ما داموا كفاراً فإن أسلموا رجع الأمر للإمام.

(ويضم) في الزكاة (بقية العرق) المتصل لما خرج أولاً، فإن بلغ الجميع نصاباً فأكثر زكاه إن اتصل العمل بل:(وإن تراخى العمل) والزكاة بإخراجه أو بتصفيته: قولان. وعلى الثاني: لو أنفق شيئاً قبل تصفيته أو ضاع شيء أو تلف لم يحسب. وعلى الأول يحسب.

ــ

فلا زكاة، قال شارحه: لأن عشرين السنة الأولى لم يتحقق ملكه لها إلا الآن، فلم يملكها حولاً كاملاً، فإذا مر الحول الثاني زكى عشرين. وإذا مر الثالث زكى أربعين إلا ما نقصته الزكاة. وإذا مر الرابع زكى الجميع. فموضوع المسألة أنه أجر نفسه ثلاث سنين بستين ديناراً وقبضها، وحكم زكاتها ما علمت.

فائدتان:

الأولى من كان له مائة محرمية ومائة رجبية وعليه مائة دينار وجب عليه زكاة المحرمية عند حولها، وتسقط عنه زكاة الرجبية لأن عليه مثلها.

الثانية من وقف عيناً للسلف يأخذها المحتاج ويرد مثلها يجب على الواقف زكاتها لأنها على ملكه فتزكى كل عام ولو بانضمامها لماله، وإلا أن تسلف فتزكى لعام واحد بعد قبضها من المدين كزكاة الدين، ولو مكثت عنده أعواماً. وكذلك من وقف حباً ليزرع كل عام في أرض مملوكة أو مستأجرة، أو حوائط ليفرق ثمرها فيزيد الحب والثمر إن كان فيه نصاب، ولو بالضم لحب الواقف وثمرة. وكذلك وقف الأنعام لتفرقة لبنها أو صوفها أو الحمل عليها أو لتفرقة نسلها، فإن الجميع تزكى على مالك الواقف إن كان فيها نصاب ولو بالانضمام لمال ولا فرق بين كون الموقوف عليهم معينين أو غيرهم، ويقوم مقام الواقف ناظر الوقف في جميع ما تقدم إلا أنه يزكيها على حدتها إن بلغت نصاباً، ولا يتأتى الضم لماله لأنه ليس مالكاً.

قوله [ويزكى معدن العين]: يشترط فيه ما يشترط في الزكاة من حرية المالك له وإسلامه، ولا مرور الحول. وهذا هو الذي قدمه أول الباب تبعاً لخليل وابن الحاجب. وقيل: لا يشترط فيه حرية ولا إسلام وأن الشركاء فيه كالواحد، قال الجزولي وهذا هو المشهور. نقله الحطاب في حاشية الأصل.

قوله [أو غيرها]: أي كالقصدير والعقيق والياقوت والزمرد والزرنيخ والمغرة والكبريت فلا زكاة في شيء من هذه المعادن، إلا إن صارت عروض تجارة فتزكى زكاتها.

قوله [يقطعه لمن شاء من المسلمين]: أي يعطيه لمن يعمل فيه بنفسه مدة من الزمان أو مدة حياة المقطع - بفتح الطاء - وسواء كان في نظير شيء يأخذه الإمام من المقطع أو مجاناً. وإذا أقطعه لشخص في مقابلة شيء كان ذلك الشيء لبيت المال، فلا يأخذ الإمام عنه إلا بقدر حاجته، قال الباجي: وإذا أقطعه لأحد فإنما يقطعه انتفاعاً لا تمليكاً ولا يجوز لمن أقطعه له الإمام أن يبيعه - ابن القاسم. ولا يورث عمن أقطعه له لأن ما لا يملك لا يورث اهـ. (بن) كذا في حاشية الأصل، فقد علمت حكم ما إذا أقطعه لشخص معين، ويجب على ذلك المعين زكاته إن خرج منه نصاب حيث كان عيناً وأما إذا أمر بقطعه لبيت مال المسلمين فلا زكاة فيه لأنه ليس مملوكاً لمعين حتى يزكي.

قوله: [بأرض شخص معين]: أي هذا إذا كان بأرض غير مملوكة كالفيافي أو ما انجلى عنه أهله ولو مسلمين، أو مملوكة لغير معين كأرض العنوة، بل ولو بأرض معين، مسلماً أو كافراً. ويغتفر إقطاعه في الأراضي الأربع إلى حيازة على المشهور، فإن مات الإمام قبلها بطلت العطية كذا في الأصل، ورد المصنف بلو على من قال: إن المعدن الذي يوجد في المملوكة لمعين يكون لمالكها مطلقاً، وعلى من قال: إن كان المعدن عيناً فللإمام وإن كان غير عين، فلمالك الأرض المعين، والمعتمد أنها للإمام، لأن المعادن قد يجدها شرار الناس فلو لم يكن حكمه للإمام لأدى إلى الفتن والهرج.

قوله: [رجع الأمر للإمام]: أي على مذهب المدونة وهو الراجح خلافاً لسحنون القائل إنها تبقى لهم ولا ترجع للإمام.

قوله: [بقية العرق]: يعني أن العرق الواحد من المعدن - ذهباً كان أو فضة. أو كان بعضه ذهباً وبعضه فضة - يضم بعضه لبعض إذا كان متصلاً، فإذا أخرج نصاباً زكى ما يخرج بعد ذلك ولو كان الخارج شيئاً قليلاً ولو تلف الخارج أولاً.

قوله: [بل وإن تراخى العمل]: أي فالمدار على اتصال العرق ولو حصل في العمل انقطاع.

قوله: [قولان]: الأول للباجي واستظهره بعضهم كما قال في الحاشية.

قوله: [وعلى الثاني لو أنفق] إلخ:

ص: 229

(لا) يضم (عرق لآخر) بل إن أخرج ما فيه الزكاة من كل على انفراده زكاه وإلا فلا. وأولى في عدم الضم معدن لآخر.

(وتخمس ندرة العين) بفتح النون وسكون الدال المهملة: القطعة من الذهب أو الفضة الخالصة أي التي لا تحتاج لتخليص، أي يخرج منها الخمس ولو دون نصاب.

(كالركاز) يخمس: أي يخرج منه الخمس (مطلقاً) عيناً أو غيره قل أو كثر. (ولو كرخام) وأعمدة ومسك وعروض. (أو وجده عبد أو كافر)، والإطلاق راجع لكل من ندرة العين والركاز والبالغة [1] بقوله: ولو كرخام، خاصة بالركاز، وقوله:"أو وجده" إلخ عام فيهما. واستثنى منهما معاً قوله: (إلا لكبير نفقة أو) كبير (عمل) بنفسه أو عبيده (في تحصيله): أي ما ذكر من الندرة والركاز ولو بمشقة سفر على الأرجح (فالزكاة) حينئذ ربع العشر دون التخميس.

(وهو): أي الركاز (دفن) بكسر المهملة: أي مدفون (جاهلي): أي غير مسلم وذمي.

ــ

شروع في بيان ثمرة الخلاف.

قوله: [لا يضم عرق لآخر]: أي ولو اتصل العمل، ظاهره عدم ضم أحد العرقين للآخر ولو من معدن واحد، ولو وجد الثاني قبل فراغ الأول. وفي الحطاب ما يفيد أنه يضم حيث بدأ العرق الثاني قبل انقطاع الأول، وسواء ترك العمل فيه حتى تمم الأول، أو انتقل للثاني قبل تمام الأول، وهذا هو المعتمد حيث كان المعدن واحداً كما قرره شيخ المشايخ العدوي.

تنبيه: إن وجد عنده فائدة حال حولها وحصل عنده من المعدن ما يكمل به النصاب، فهل يضمه لها وتجب الزكاة وهو للقاضي عبد الوهاب؟ أو لا يضم قياساً على عدم ضم المعدنين وهو لسحنون؟ والمعتمد الأول.

مسألة: يجوز دفع معدن العين لمن يعمل فيه بأجرة معلومة غير نقد يأخذها من العامل في نظير أخذ العامل ما يخرج من المعدن، بشرط كون العمل مضبوطاً بزمن أو عمل خاص كحفر قامة أو قامتين. ولا يجوز أن تكون نقداً لأنه يؤدي إلى التفاضل في النقدين، أو إلى الصرف المؤخر. ووجه الجواز -إذا كانت غير نقد- أنه هبة للثواب، وهي تجوز مع الجهالة، وأما معدن غير النقد فيجوز دفعه

بأجرة ولو نقداً، ويكون في نظير إسقاطه حقه لا في مقابلة ما يخرج منه. وأما لو استأجره على أن ما يخرج لربه والأجرة يدفعها ربه للعامل، فيجوز ولو بأجرة نقد.

مسألة أخرى: لو تعدد المشتركون في المعدن فإنه يعتبر ملك كل على حدة. فمن بلغت حصته نصاباً زكى وإلا فلا. واختلف: هل يجوز دفع المعدن لمن يعمل فيه بجزء قل أو كثر؟ لأن المعادن لما لم يجز بيعها جازت المعاملة عليها بجزء كالمساقاة والقراض - وهذا قول مالك - أو لا يجوز لأنه غرر؟ ولأنه كراء الأرض بما يخرج منها، وهذا قول أصبغ. رجح كلاً منهما.

قوله: [وتخمس ندرة العين]: أي عند ابن القاسم. وعند ابن نافع فيها الزكاة ربع العشر لأن الخمس مختص بالزكاة، وهي عنده ليست منه بل من المعدن؛ لأن الركاز عنده مختص بدفن الجاهلي، وأما عند ابن القاسم فالركاز ما وجد من ذهب أو فضة في باطن الأرض مخلصاً، سواء دفن فيها أو كان مخلقاً.

قوله: [القطعة من الذهب]: كذا فسرها عياض وغيره. وفسرها أبو عمران بالتراب الكثير الذهب السهل التصفية، وهذا ليس مخالفاً لما قبله؛ لأن ما نيل من المعدن مما لا يحتاج لكبير عمل فهو الندرة وفيه الخمس، وعلى هذا يدل كلامه كما قاله (ر).

قوله: [الخالصة]: أي التي توجد في الأرض من أصل خلقتها لا بوضع واضع لها.

قوله: [الركاز]: اعلم أن مصرف الخمس في الندرة. والركاز غير مصرف الزكاة، أما خمس الركاز فقد قال اللخمي: ليس كمصرف الزكاة، وإنما هو كخمس الغنائم. فمصرفه مصالح المسلمين، ويحل للأغنياء وغيرهم نقله المواق.

ثم قال: وأما مصرف خمس الندرة من المعدن فلم أجده، ومقتضى رواية ابن القاسم أنه كالمغنم والركاز -أي فمصرفه- مصالح المسلمين، ولا يختص بالأصناف الثمانية اهـ. بناني كذا في حاشية الأصل.

قوله: [ولو كرخام]: أي خلافاً لما روي عن مالك من أنه لا يخمس في العروض.

قوله: [والإطلاق راجع] إلخ: أي في قوله مطلقاً عيناً أو غيره قل أو كثر ظاهره. ولكن هذا ينافيه تفسيره - هو وغيره من شراح خليل - الندرة بأنها القطعة من الذهب أو الفضة الخالصة، فالصواب رجوع الإطلاق للركاز فقط، وأجاب المؤلف في تقريره: بأن الإطلاق في الندرة بالنسبة للقلة والكثرة فقط.

قوله: [عام فيهما]: أي فكان الأولى: أو وجدهما.

قوله: [فالزكاة]: أي على تأويل اللخمي تأويل ابن يونس الخمس مطلقاً كما في البناني، ونقل عن ابن عاشر أن المراد بالزكاة ربع العشر من غير اشتراط نصاب ولا غيره من شروط الركاز.

قوله: [أي غير مسلم وذمي]: أي فالمراد دفن غير معصوم. ومفهوم دفن مفهوم موافقة، لأن في المدونة: ما وجد على وجه الأرض من مال جاهلي، أو بساحل البحر من

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

في ط المعارف: (والمبالغة)، ولعلها الصواب.

ص: 230

(وكره حفر قبره): أي الجاهلي لأنه مما يخل بالمروءة (والطلب فيه) علة لما قبله، فإنهم كانوا يدفنون الأموال مع أمواتهم.

(و) إن وقع (خمس) لأنه ركاز (وباقيه): أي الركاز (للمالك الأرض) بإحياء أو بإرث منه لا لواجده ولا لمالكها بشراء أو هبة، بل للبائع الأصلي أو الواهب. فإن علم، وإلا فلقطة، وقيل: لمالكها في الحال مطلقاً، وأما باقي الندرة فكالمعدن لمخرجه بإذن الإمام.

(وإلا) تكن الأرض مملوكة (فلواجده ودفن مسلم أو ذمي لقطة) كالموجود من مالهما على ظهر الأرض يعرف سنة إذا لم يعلم ربه أو وارثه. فإن قامت القرائن على توالي الأعصار عليه بحيث يعلم أن ربه لا يمكن معرفته ولا معرفة وارثه في هذا الأوان. فهل ينوي تملكه؟ أو يكون محله بيت مال المسلمين؟ لقولهم: كل مال جهلت أربابه فمحله بيت المال؟ وهو الظاهر بل المتعين.

(وما لفظه) بالفاء والظاء المعجمة: أي طرحه (البحر) مما لم يتقدم ملك أحد عليه (كعنبر) ولؤلؤ ومرجان وسمك (فلواجده) الذي وضع يده عليه أولاً (بلا تخميس)، لأن أصله الإباحة. فلو رآه جماعة فتدافعوا عليه فجاء آخر فوضع يده عليه فهو له دون المتدافعين.

(فإن تقدم عليه) أي على ما لفظه البحر (ملك) لأحد (فإن كان) من تقدم له ملك (حربياً فكذلك): أي فهو لواجده لكنه يخمس لأنه من الركاز، فالتشبيه ليس بتام بدليل ما بعده، ومراده بالحربي المتحقق حرابته وإلا فما بعده يغني عنه أي قوله؛ (و) إن كان من تقدم ملكه (جاهلياً) أي غير مسلم وذمي (ولو بشك) في جاهليته وغيرها (فركاز) يخمس والباقي لواجده.

(وإلا) بأن علم أنه لمسلم أو ذمي (فلقطة) يعرف. ولا يجوز تملكه ابتداء خلافاً لبعضهم.

فصل: في بيان مصرفها [1]

وهو من شروط صحتها، كالإسلام

(ومصرفها): أي محل صرفها أي من تصرف. أي من تعطى له. (فقير لا يملك قوت عامه، ولو ملك نصاباً): فيجوز الإعطاء له وإن وجبت عليه.

(ومسكين لا يملك شيئاً) فهو أحوج من الفقير.

ــ

تصاوير الذهب والفضة فلواجده مخمساً، واقتصر على [2] الدفن لأنه الغالب.

هذا إذا تحقق أنه مال جاهلي، بل وإن شك في ذلك: بأن لا يكون عليه علامة أصلاً أو علامة وطمست. لأن الغالب أن المدفون من فعلهم، وأما ما عليه علامة الإسلام أو الذمي فلقطة كما سيأتي.

قوله: [وكره حفر قبره]: إنما كره لأن ترابهم نجس وخيف أن يصادف قبر صالح، وأما نبش قبر المسلم لغير ضرورة مما تقدم فحرام. وحكم ما يوجد حكم اللقطة.

قوله: [لقطة]: أي على حكمها وفي (بن) عن المدونة أن مال الذمي ينظر فيه الإمام وليس لقطة.

قوله: [بالفاء]: أي المفتوحة.

قوله: [ولا يجوز تملكه ابتداء]: أي ما لم تقم القرائن على توالي الأعصار عليه وإلا فهو عين ما نظر فيه.

تتمة: في الحطاب وكبير التتائي الخلاف فيمن ترك شيأه فأخذه غيره: هل هو لربه؟ حتى لو رماه الآخذ في كالجب ثانياً ضمنه، وليس له إلا أجرة تخليصه أو نفقته على الدابة، أو لآخذه مطلقاً؟ أو إن تركه ربه معرضاً عنه بالمرأة [3] أو الدابة في محل مجدب؟ فانظره كذا في المجموع.

[فصل في بيان مصرفها [4]]

قوله: [ومصرفها]: المصرف اسم مكان لا مصدر؛ لأن الأصناف اسم محل الزكاة فلذلك قال: "أي محل صرفها". وفي كلامه لطيفة: وهي الإشارة إلى أن اللام الواقعة في قوله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء} [التوبة: 60] إلخ، لبيان المصرف عند المالكية لا للاستحقاق والملك، وإلا لكان يشترط تعميم الأصناف.

قوله: [لا يملك قوت عامه]: الأولى أن يقول هو من يملك شيئاً لا يكفيه عامه، وإلا فكلامه يقتضي أن الفقير أعم من المسكين وليس كذلك بل بينهما تباين حيث ذكرا مع بعضهما. وهو معنى قول بعضهم إذا اجتمعا افترقا، بخلاف ما لو اقتصر على أحدهما كما في قوله تعالى:{فإطعام ستين مسكينا} [المجادلة: 4]، فالمراد به ما يشمل الفقير وهو معنى قول بعضهم وإذا افترقا اجتمعا تأمل.

قوله: [فهو أحوج] إلخ: أفهم كلامه أن الفقير والمسكين صنفان متغايران كما علمت، خلافاً لمن قال إنهما صنف واحد. وتظهر ثمرة الخلاف فيما إذا أوصى بشيء للفقراء دون المساكين أو العكس: فهي صحيحة على الأول دون الثاني. وإذا ادعى شخص الفقر أو المسكنة ليأخذ من الزكاة فإنه يصدق بلا يمين إلا لريبة بأن يكون ظاهره يخالف ما يدعيه، فإنه لا يصدق إلا ببينة وهل يكفي الشاهد واليمين أو لا بد من الشاهدين؟ كما ذكروه في دعوى المدين العدم ودعوى الولد العدم، لأجل نفقة والديه. وعلى أنه لا بد من شاهدين فهل يحلف معهما؟ كما في المسألتين المذكورتين أو لا يحلف؟ كما في مسألة دعوى الوالد العدم لأجل أن ينفق عليه ولده. كذا في الحاشية.

تنبيه: من لزمت نفقته ملياً أو كان له مرتب في بيت المال يكفيه، لا يعطي منها. وظاهر كلامهم: ولو كان ذلك المليء لم يجر النفقة بالفعل، وهو كذلك؛ لأنه قادر على أخذها منه بالحكم.

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

في ط المعارف: (مصرف الزكاة).

[2]

في ط المعارف: (عن).

[3]

في ط المعارف: (بالمرة).

[4]

قوله: (في بيان مصرفها) ليس في ط المعارف.

ص: 231

(وعامل عليها): أي على الزكاة؛ (كساع وجاب): وهو الذي يجبي الزكاة (ومفرق) وهو القاسم، وكاتب وحاشر: وهو الذي يحشر -أي يجمع- أرباب المواشي للأخذ منهم.

(ولو) كان العامل (غنياً): لأنه يأخذ منها بوصف العمل لا بوصف الفقر (إن كان كل) من الفقير وما بعده (حراً مسلماً غير هاشمي): فلا يجزئ لعبد أو كافر أو هاشمي: أي من بني هاشم بن عبد مناف، لأن آل البيت تحرم عليهم الزكاة لأنها أوساخ الناس، ولهم في بيت المال ما يكفيهم. وأما بنو المطلب أخو هاشم فليسوا عندنا من آل البيت فيعطون منها، قال بعضهم: إذا حرموا حقهم من بيت المال وصاروا فقراء جاز أخذهم وإعطاؤهم منها كما هو الآن. ويشترط في العامل ما ذكر وأن يكون عدلاً عالماً بأحكامها؛ فلا يستعمل عليها عبد ولا كافر ولا هاشمي ولا فاسق ولا جاهل بأحكامها

(ومؤلف) قلبه قال تعالى: {والمؤلفة قلوبهم} [التوبة: 60]: وهو (كافر) يعطى منها (ليسلم) أي لأجل أن يسلم، وقيل: وهو مسلم قريب عهد بإسلام يعطى منها ليتمكن من الإسلام.

ــ

وأما من له منفق ينفق عليه تطوعاً فله أخذها كما ذكره (ح)، لأن للمنفق المذكور قطع النفقة، ولا فرق بين كون ذلك المنفق المتطوع قريباً أو أجنبياً. والحاصل [1]: من كانت نفقته لازمة لمليء لا يعطى اتفاقاً، وإن تطوع بها مليء ففيها أربعة أقوال: قيل يجوز له أخذها وتجزئ ربها مطلقاً، وهو الذي في (ح) وهو المعتمد، وقيل لا تجزئ مطلقاً وهو لابن حبيب، وقيل: لا تجزئ إن كان المنفق قريباً وتجزئ إن كان أجنبياً وهو ما نقله الباجي، وقيل: إنها تجزئ مطلقاً لكن مع الحرمة وهو ما نقله ابن أبي زيد.

فائدة: نقل (ح) عن البرزلي عن بعض شيوخه أن من كان عنده يتيمة، يجوز له أن يشورها من الزكاة بقدر ما يصلحها من ضروريات النكاح، والأمر الذي يراه القاضي حسناً في حق المحجور. (اهـ. بن نقله محشي الأصل).

قوله: [وحاشر]: اعترض بأن السعاة عليهم أن يأتوا أرباب الماشية وهم على المياه ولا يقعدون في قرية ولا يبعثون لأربابها إذ لا يلزمهم السير لقرية أخرى؛ وحينئذ فلا حاجة للحاشر؟ وأجيب: بأن مراد الشارح -كما قاله غيره- أنه هو الذي يجمع أرباب الأموال من مواضعهم في قريتهم إلى الساعي بعد إتيانه إليها، فتحصل أن العامل عليها يصدق بالساعي والجابي والمفرق والكاتب والحاشر، لا راع وحارس، لأن الشأن عدم احتياج الزكاة لهما لكونها تفرق غالباً عند أخذها، بخلاف من ذكر فإن شأن الزكاة احتياجها إليهم، فإن دعت الضرورة لراع أو الحارس للمواشي المجموعة فأجرتهم من بيت المال مثل حارس الفطرة.

قوله: [لأنه يأخذ منها بوصف العمل]: ولذلك إذا كان فقيراً يأخذ بوصف الفقر أيضاً كما قال خليل، وأخذ الفقير بوصفيه وكذا يقال في كل من جمع بين وصفين فأكثر.

قوله: [إن كان كل من الفقير وما بعده] إلخ: أي ما عدا المؤلفة قلوبهم. كما هو معلوم. واعلم أن الحرية والإسلام وعدم كونه هاشمياً شرط في صحة أخذ الزكاة. وأما اشتراط كون العامل عدلاً عالماً بأحكامها الآتيين في الشرح فيهما [2] شرط لصحة كونه عاملاً؛ فلو كان هاشمياً أو عبداً، وكان عدلاً عالماً بأحكامها نفذت توليته ولكن لا يعطى منها بل يعطى أجرة مثله من بيت المال.

قوله: [فليسوا عندنا من آل البيت]: أي على الراجح.

قوله: [قال بعضهم إذا حرموا حقهم] إلخ: قال في الحاشية تنبيه محل عدم إعطاء بني هاشم إذا أعطوا ما يستحقونه من بيت المال، فإن لم يعطوه وأضر بهم الفقر أعطوا منها، وإعطاؤهم أفضل من إعطاء غيرهم، قال في الخصائص وظاهره: وإن لم يصلوا إلى إباحة أكل الميتة. وقيد الباجي إعطاءهم بوصولهم لها ولعله الظاهر أو المتعين، كذا في (عب). أقول قد ضعف اليقين في هذه الأعصار المتأخرة؛ فإعطاء الزكاة لهم أسهل من تعاطيهم خدمة الذمي والفاجر والكافر اهـ. وأما صدقة التطوع فهي للآل جائزة على المعتمد. فائدة: الهاشمي من لهاشم عليه ولادة: كأولاد العباس وحمزة وأبي طالب وأبي لهب وأولاد فاطمة فتحرم على الجميع الزكاة، ويجوز لهم لبس الشرف. ومن كانت أمه منهم فقط ليس بآل فتجوز له الزكاة ويجوز له لبس الشرف على ما اعتمده الأجهوري في شرحه، لأن له نسبة بهم على كل حال، ففي الحديث:«ابن أخت القوم منهم» وورد أيضاً: «الخال أب» ، وورد أيضاً:«تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس» ، فلذلك جاز له لبس الشرف ليحترم، ثم إن لبس الشرف هذا حادث في زمن السلطان الأشرف وكان قبل ذلك لا يعرف الشريف من غيره، فأحدث لهم ذلك السلطان ليتميزوا عن غيرهم فصار شعارهم فلبسه من غير نسبة حرام.

قوله: [ليسلم]: هذا القول لابن حبيب ومقابله لابن عرفة، قال خليل وحكمه باق أي لم ينسخ، لأن المقصود من دفعها إليه ترغيبه في الإسلام لأجل إنقاذ مهجته من النار لا لإعانته لنا حتى يسقط بفشو الإسلام. وقيل إنه منسوخ بناء على أن العلة إعانتهم لنا

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

زاد بعدها في ط المعارف: (أن).

[2]

في ط المعارف: (فيهم).

ص: 232

(ورقيق مؤمن) لا كافر (يعتق منها) بأن يشترى منها رقيق فيعتق، أو يكون عنده عبد أو أمة يقومه قيمة عدل ويعتقه عن زكاته، وهذا معنى قوله تعالى:{وفي الرقاب} [التوبة: 60]. ويشترط في الرقيق أن يكون خالصاً (لا عقد حرية فيه): كمكاتب ومدبر ومعتق لأجل وأم ولد، وإلا فلا يجزئ (وولاؤه) إذا عتق منها (للمسلمين) لا للمزكي، فإذا مات ولا وارث له وترك مالاً فهو في بيت المال. (وغارم): أي مدين ليس عنده ما يوفي به دينه (كذلك): أي حر مسلم غير هاشمي يعطى منها لوفاء دينه. (ولو مات): فيوفي دينه منها إذا (تداين لا في فساد) كشرب خمر وقمار، (ولا لأخذها): أي لأجل أن يأخذ منها، ومعناه: أن من عنده كفايته وتداين للتوسع في الإنفاق على أن يأخذ منها فلا يعطى، وأما فقير تداين للإنفاق على نفسه وعائلته بقصد أن يعطى منها فلا ضرر في ذلك. (إلا أن يتوب) من تداين لفساد أو لأخذ منها، بأن تظهر توبته ويبقى عليه ما تداينه في فساده فيعطى منها، لا بمجرد دعواه التوبة. (ومجاهد كذلك): أي حر مسلم غير هاشمي. (وآلته) بأن يشترى منها سلاح أو خيل ليغازي عليها، والنفقة عليها من بيت المال، ويعطى المجاهد منها ويدخل فيه الجاسوس والمرابط (ولو) كان (غنياً): لا إن أخذه بوصف الجهاد وهذا معنى قوله تعالى: {وفي سبيل الله} [التوبة: 60](وابن سبيل): وهو الغريب (كذلك): أي حر مسلم غير هاشمي وهو (محتاج لما يوصله) لوطنه إذا سافر من بلده (في غير معصية)، وإلا لم يعط. (إلا أن يجد) الغريب (مسلفاً) لما يوصله (وهو): أي الحال أنه (غني ببلده) فلا يعطى حينئذ فالإعطاء في ثلاث صور: للفقير مطلقاً، والغني الذي لم يجد مسلفاً، وعدمه في صورة. ومفهوم محتاج: أن غيره لا يعطى وهو ظاهر. وأما الهاشمي فيه وفي الذي قبله فعلى الإمام أو نائبه أن يعطيه من بيت المال ما يوصله، فإن عدم بيت المال -كما هو الآن-

ــ

وقد استغنينا عنهم بعزة الإسلام، والخلاف مفرع على القول الذي مشي عليه المصنف من أن المؤلف كافر يعطى ترغيباً له في الإسلام أما على القول المقابل له الذي ذكره الشارح فحكمه باق اتفاقاً.

قوله: [ورقيق]: أي ذكر أو أنثى.

وقوله [مؤمن]: قال (عب): ولو هاشمياً وارتضاه شيخ المشايخ العدوي، لأن تخليص الهاشمي من الرق أولى ولأنه لم يصل له من تلك الأوساخ شيء، ويتصور ذلك فيما إذا تزوج هاشمي أمة مملوكة لشخص لعدم وجود طول للحرائر، وخشي على نفسه العنت فأولاده أرقاء لسيد الأمة، وأشراف، ويؤلف منها الهاشمي أيضاً؛ لأن تخليصه من الكفر أهم، ولأن الكفر قد حط قدره فلا يضر أخذه الأوساخ. فعلى هذا يكون كل من المؤلف والرقيق مستثنى من قول المصنف:"غير هاشمي". ولا يشترط في عتق الرقيق منها سلامته من العيوب خلافاً لأصبغ.

قوله: [بأن يشترى منها رقيق فيعتق] إلخ: بشرط أن لا يعتق بنفس الملك على رب المال كالأبوين والأولاد والحواشي القريبة الإخوة والأخوات. فإن اشترى من زكاته من يعتق عليه فلا يجزئه إلا أن يدفعها للإمام، فيشتري بها والد رب المال وولده ويعتقه فيجزئ حيث لا تواطؤ.

قوله: [وولاؤه إذا عتق منها للمسلمين]: وسواء صرح المعتق بذلك أو سكت، بل ولو شرطه لنفسه، وأما لو قال: أنت حر عني وولاؤك للمسلمين، فلا تجزئه عن الزكاة والعتق لازم والولاء له لأن الولاء لمن أعتق.

قوله: [وغارم]: اشترط فيه الشارح أيضاً أن يكون غير هاشمي لأنها أوساخ الناس. ولا يقال: الدين يضع القدر أكثر من أخذ الزكاة، لأنا نقول: قد تداين رسول الله صلى الله عليه وسلم ومات وعليه الدين فمذلتها أعظم من مذلة الدين، وفي هذا التعليل شيء ولذلك سيأتي في الشارح أنه يعطي إذا لم يكن بيت مال يوفي منه دينه.

قوله: [ليس عنده ما يوفي] إلخ: أي مما يباع على المفلس.

قوله: [ولو مات]: رد بلو على من قال: لا يقضى دين الميت من الزكاة لوجوب وفائه من بيت المال. ويشترط في هذا الدين أن يكون شأنه أن يحبس فيه؛ فيدخل دين الولد على والده، والدين على المعسر. ويخرج دين الكفارات والزكاة، لأن الدين الذي يحبس فيه ما كان لآدمي، وأما الكفارات والزكوات فهي لله.

قوله: [إلا أن يتوب]: رجعه الشارح للأمرين معاً وهو الذي قاله في الحاشية خلافاً لبهرام حيث رجعه لخصوص الفساد محتجاً بأن التداين لأخذها ليس محرماً فلا يحتاج لتوبة، ورد عليه بأن من تداين وعنده كفايته كان سفيهاً، والسفه حرام يحتاج لتوبة.

قوله: [ومجاهد كذلك]: أي متلبس به أو بالرباط.

قوله: [أي حر مسلم] إلخ: فإن تخلف وصف من هذه الأوصاف فلا يعطى ذلك المجاهد منها شيئاً.

قوله: [ويدخل فيه الجاسوس]: أي ولو كان كافراً لكن إن كان مسلماً فلا بد من كونه حراً غير هاشمي؛ وأما إن كان كافراً فلا بد من كونه حراً، ولا يشترط فيه كونه غير هاشمي لخسة الكفر.

قوله: [ولو كان غنياً]: رد بلو على ما نقل عن عيسى بن دينار من أن المجاهد الغني لا يأخذ منها. فإنه ضعيف.

قوله: [في غير معصية]: أي بأن كان غير عاص أصلاً أو كان عاصياً في السفر فيعطى في هاتين الحالتين. بخلاف ما لو كان عاصياً بالسفر فلا يعطى ولو خشي عليه الموت، لأن نجاته في يد نفسه بالتوبة، ونقل أبو علي المسناوي عن التبصرة: لا يعطى

ص: 233

فالجاري على ما تقدم في الفقير أن يعطى المدين أو الغريب الهاشمي منها لوفاء الدين أو لما يوصله لبلده، فهذه الأصناف الثمانية هي المذكورة في قوله تعالى:{إنما الصدقات للفقراء} [التوبة: 60] إلخ فلا تجزئ لغيرهم كسور وسفن لغير جهاد في سبيل الله وشراء كتب علم ودار لتسكن أو ضيعة لتوقف على الفقراء.

(وندب إيثار المضطر) أي المحتاج على غيره بأن يخص بالإعطاء أو يزاد له فيه على غيره على حسب ما يقتضيه الحال، إذ المقصود سد الخلة (لا تعميم الأصناف) فلا يندب بل متى أعطى لأي شخص موصوف بكونه من أحد الأصناف الثمانية كفى.

(و) ندب (الاستنابة) فيها: لأنها أبعد من الرياء وحب المحمدة.

(وجاز دفعها): أي الزكاة (لقادر على الكسب) إذا كان فقيراً ولو ترك التكسب اختياراً.

(و) جاز (كفاية سنة) أي إعطاء فقير أو مسكين ما يكفيه سنة (ولو) كان (أكثر منه): أي من نصاب لا أكثر من كفاية سنة ولا أقل منه.

(و) جاز (ورق) أي إعطاؤه (عن ذهب وعكسه) بلا أولوية لأحدهما عن الآخر، وقيل بأولوية الورق عن الذهب لأنه أيسر في الإنفاق، وأما إخراج الفلوس عن أحد النقدين فالمشهور الإجزاء مع الكراهة، معتبراً إخراج أحدهما عن الآخر.

(بصرف الوقت) أي وقت الإخراج لا وقت الوجوب؛ المسكوك بصرفه، وغيره بصرفه. ولا تعتبر قيمة الصياغة؛ فمن عنده حلي أخرج صرف زنته لا قيمة صياغته.

ــ

ابن السبيل منها إن خرج في معصية، وإن خشي عليه الموت نظر في تلك المعصية؛ فإن كان يريد قتل نفس أو هتك حرمة لم يعط إلا إن تاب. ولا يعطى منها ما يستعين به على الرجوع إلا أن يكون قد تاب أو يخاف عليه الموت في بقائه: فقد فصلت بين سيره للقتل وهتك الحريم - فلا يعطى إلا إن تاب - وبين رجوعه لبلده فيعطى إن تاب أو خيف عليه الموت وهو ظاهر.

قوله: [فالجاري على ما تقدم]: تحصل أن اشتراط عدم كونه هاشمياً في تلك الأصناف إنما هو لشرفه، فإن أدى منعه منها إلى الضرر به قدم ويلغى الشرط ارتكاباً لأخف الضررين.

قوله: [لغير جهاد في سبيل الله]: أي وأما له فيجوز. كما قال ابن عبد الحكم: ينشئ منها المركب للغزو ويعطى منها كراء النواتية ويبنى منها حصن على المسلمين. ولم ينقل اللخمي غيره، واستظهره في التوضيح. وقال ابن عبد السلام هو الصحيح - كذا في البناني نقله في حاشية الأصل. قال الخرشي: ومثل السور والمركب؛ الفقيه والقاضي والإمام، لكن قال في الحاشية: محل كون الفقيه الذي يدرس العلم أو يفتي لا يأخذ منها إذا كان يعطى من بيت المال، وإلا فيعطى منها ولو كثرت كتبه حيث كان فيه قابلية، فإن لم تكن فيه قابلية لم يعط إلا أن تكون كتبه على قدر فهمه، ولكن قال اللخمي وابن رشد: إذا منعوا حقهم من بيت المال جاز لهم أخذ الزكاة مطلقاً، سواء كانوا فقراء أو أغنياء بالأولى من الأصناف المذكورة في الآية. اهـ.

قوله: [لا تعميم الأصناف فلا يندب]: أي لأن اللام في قوله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء} [التوبة: 60] الآية لبيان المصرف لا للملك. وأوجب الشافعي تعميم الأصناف إذا وجدوا، ولا يجب تعميم أفرادهم إجماعاً لعدم الإمكان، واستحب أصبغ مذهب الشافعي قال: لئلا يندرس العلم باستحقاقهم ولما فيه من الجمع بين المصالح، ولما فيه من سد الخلة والغزو ووفاء الدين وغير ذلك، ولما يوجبه من دعاء الجميع ومصادفة ولي فيهم. كذا في الخرشي.

قوله: [كفى]: أي ولو كان الآخذ لها العامل إذا كانت قدر عمله وأخذ الزائد بوصف الفقر.

قوله: [وندب الاستنابة]: أي وقد تجب على من تحقق وقوع الرياء منه، ومثله الجاهل بأحكامها ومصرفها. ومن آدابها دفعها باليمين، ودعاء الجابي والإمام لدافعها، وأوجبه داود.

قوله: [فالمشهور الإجزاء]: خلافاً لمن يقول بعدمه لأنه من باب إخراج القيمة عرضاً.

وقوله: [مع الكراهة]: هكذا في التوضيح والحطاب عن النوادر.

قوله: [بصرف الوقت]: الباء للملابسة متعلقة بإعطاء، أي: متلبساً ذلك الإعطاء بصرف الوقت.

قوله: [المسكوك بصرفه] إلخ: أي فمن وجب عليه دينار من أربعين مسكوكة وأراد أن يخرج عنه مسكوكاً من غير نوعه أو من نوعه فالأمر ظاهر، وإن أراد أن يخرج عنه فضة غير مسكوكة وجب عليه مراعاة سكة الدينار زيادة على صرفه غير مسكوك، لأن الأربعين المسكوكة يجب فيها واحد مسكوك. وكذا إن أراد يخرج عنها ديناراً غير مسكوك من التبر مثلاً وجب عليه مراعاة السكة فيزيدها على وزن الدينار. وسواء ساوى الصرف الشرعي - وهو كل دينار بعشرة دراهم - أو نقص أو زاد. وما ذكر من إخراج قيمة السكة إذا أخرج من نوعه غير مسكوك هو ما لابن الحاجب وابن بشير وابن عبد السلام؛ لأن الفقراء شركاء وإن لم تعتبر السكة في النصاب كما سبق. وفي (ر) و (بن): اعتراضه بأنه ربا لم يقل القابسي القائل باعتبار السكة.

قوله: [لا قيمة صياغته]: فمن كان عنده ذهب مصوغ وزنه أربعون ديناراً ولصياغته يساوي خمسين، فإنه يخرج عن الأربعين ويلغي الزائد وهذا إذا أخرج عنه من نوعه كذهب عن ذهب. وأما لو أخرج ورقاً عن ذهب مصوغ، فهل هو

ص: 234

(ووجب نيتها): عند الدفع، ويكفي عند عزلها، ولا يجب إعلام الفقير بل يكره كما قال اللقاني لما فيه من كسر قلب الفقير.

(و) وجب (تفرقتها فوراً بموضع الوجوب) وهو في الحرث والماشية الموضع الذي جبيت منه، وفي النقد -ومنه قيمة عرض التجارة- موضع المالك حيث كان ما لم يسافر، ويوكل من يخرج عنه ببلد المال، فموضع المال. (أو قربه) أي قرب موضع الوجوب وهو ما دون مسافة القصر؛ لأنه في حكم موضع الوجوب فيجوز دفعها لمن بقربه ولو وجد مستحق في موضعه أعدم. ولا يجوز نقلها لمن على مسافة القصر.

(إلا لأعدم) ممن بموضع الوجوب أو قربه، (فأكثرها) تنقل (له) أي للأعدم وجوباً وأقلها في موضعه، فإن أداها لمن بموضعه فقط أجزأت.

(وأجزأ) نقلها (لمثلهم) في العدم، وأثم. إذ الواجب تفرقتها كلها بموضع الوجوب عند المماثلة في العدم. (لا) إن نقلها كلاً أو بعضاً (لدونهم) أي لمن هو دون أهل الموضع (في العدم) فلا تجزئ (كأن قدم معشراً) أي زكاة ما فيه العشر أو نصفه قبل وجوبه بإفراك الحب وطيب الثمر لم يجزه عليه وزكاته [1] إذا وجبت؛ إذ هو كمن صلى قبل دخول الوقت.

(و) زكى [2](ديناً) حال حوله (أو عرضاً محتكراً) ولو باعه (قبل القبض) أي قبض الدين ممن هو عليه. وقبض [3] ثمن عرض الاحتكار لم يجزه. والمراد بالدين: الدين الذي لا يزكى كل عام وهو دين المحتكر مطلقاً ودين المدير من قرض أو على معسر؛ وأما دين المدير من بيع وهو حال مرجو فيزكى كما تقدم كل عام.

(أو دفعت) الزكاة (لغير مستحق) لها كعبد، أو كافر هاشمي، أو غني، فلا تجزئ. (أو) دفعت (لمن تلزمه نفقته أو دفع عرضاً) عنها بقيمته لم يجزئه.

(أو) دفع (جنساً) مما فيه الزكاة (عن غيره): مما فيه زكاة؛ لم تجزئه كأن دفع ماشية عن حرث أو عكسه. ومراده بالجنس: ما يشمل الصنف؛ فلا يجزئ تمر عن زبيب ولا عكسه. ولا شيء من القطاني عن آخر، ولا زيت ذي زيت عن آخر، ولا شعير عن قمح أو سلت أو ذرة أو أرز.

(إلا العين) ذهباً أو فضة يخرجها (عن حرث وماشية) بالقيمة (فتجزئ بكره) أي مع كراهة. وهذا شامل لزكاة الفطر (كتقدمها)[4] أي الزكاة قبل وجوبها (بكشهر) فقط لا أكثر. والكاف في قوله: بكشهر زائدة الأولى حذفها (في عين) ومنها عرض تجارة المدير، (وماشية) لا ساعي لها فتجزئ مع الكراهة، بخلاف ما لها ساع وبخلاف الحرث فلا تجزئ كما تقدم. (وإن تلف) بعد الوجوب (جزء نصاب) وأولى كله (ولم يمكن الأداء) إما لعدم تمام طيب الحرث أو لعدم مستحق، أو لغيبة المال (سقطت) الزكاة فإن أمكن الأداء ولم يؤد ضمن، وأما ما تلف قبل الوجوب فيعتبر الباقي وشبه في السقوط قوله:(كعزلها بعد الوجوب) ليدفعها لمستحقها (فضاعت بلا تفريط) منه،

ــ

كالنوع الواحد تلغى الصياغة؟ وهو الراجح، وقيل: لا تلغى وهو ضعيف، فلذلك المصنف أطلق في إلغاء الصياغة.

قوله: [ووجب نيتها]: فإن لم ينو ولو جهلاً أو نسياناً لم تجز والنية الواجبة إما عن نفسه أو عن محجوره بأن ينوي أداء ما وجب في ماله أو مال محجوره، قال سند: والنية الحكمية كافية فإذا عد دراهمه وأخرج ما يجب فيها ولم يلاحظ أن هذا المخرج زكاة - لكن لو سئل لأجاب - أجزأه.

قوله: [ويكفي عند عزلها]: كما لسند، فإذا نواها عند العزل وسرقها من يستحقها: أجزأت.

قوله: [موضع المالك]: وقيل موضع المال.

قوله: [فأكثرها تنقل له]: أي بأجرة من الفيء، فإن لم يوجد بيعت واشترى مثلها أو فرق الثمن بحسب المصلحة. وهذا إذا كان النقل على مسافة القصر، وأما لدون مسافة القصر فبأجرة منها كما قرره شيخ المشايخ العدوي.

قوله: [وجوباً]: تبع الشارح (عب)، وأورد عليه أنه سبق أن إيثار المضطر مندوب فقط.

قوله: [أجزأت]: وكذلك لو نقلها كلها فإنها تجزئ مع الحرمة.

قوله: [فلا تجزئ]: في (بن): اعترضه المواق أن المذهب الإجزاء نقله ابن رشد والكافي. انظره كذا في المجموع.

قوله: [فيزكي كما تقدم]: أي إن نض له ولو درهماً، وأما إن زكى قبل النضوض فلا يجزئ على مقتضى كلامهم.

قوله: [أو غني فلا تجزئ] أي إلا الإمام يدفعها باجتهاده فتبين أن الآخذ غير مستحق فتجزئ حيث تعذر ردها، والوصي ومقدم القاضي كذلك. فتحصل: أن ربها إذا دفعها لغير مستحقها لا تجزئه مطلقاً، والإمام ومقدم القاضي والوصي تجزئه إن تعذر ردها هذا هو المعول عليه.

قوله: [أو دفع عرضاً]: أي حيث أطاع بذلك، وإلا -فإن أكره- أجزأت اتفاقاً. وحاصل ما في المتن والشارح كما في الأصل: أنه إذا أخرج العين عن الحرث والماشية يجزئ مع الكراهة. وأما إخراج العرض عنهما أو عن العين فلا يجزئ؛ كإخراج الحرث أو الماشية عن العين. أو الحرث عن الماشية أو عكسه. فهذه تسع المجزئ منها اثنتان. قال أبو علي المسناوي: هذا التفصيل للأجهوري ولم أره لأحد. قال في حاشية الأصل - بل الموجود في المذهب - طريقتان: عدم إجزاء القيمة مطلقاً وإجزاؤها مطلقاً، فعدم الإجزاء لابن الحاجب وابن بشير، وقد اعترضه في التوضيح بأنه خلاف ما في المدونة، ومثله لابن عبد السلام والباجي من أن المشهور فيه الإجزاء مع الكراهة، هذا زبدة ما في حاشية الأصل. وفي تقرير المؤلف ما يوافقه؛ فما تقدم أول باب الزكاة من عدم إجزاء القيمة بدل الشيء الواجب في المواشي وغيرها مبني على إحدى الطريقتين هنا فليحفظ هذا المقام.

قوله: [ولا شيء من القطاني عن آخر]: أي من غيرها أو منها وكان المخرج أدون.

قوله: [لا أكثر]: أي على المعتمد وهو رواية عيسى عن ابن القاسم. وقيل: يغتفر الشهران ونحوهما، وقيل يوم أو يومان، وقيل: ثلاثة أيام،

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

قوله: (عليه وزكاته) في ط المعارف: (وعليه زكاته)، ولعلها الصواب.

[2]

في ط المعارف: (أو زكى).

[3]

في ط المعارف: (أو قبض).

[4]

في ط المعارف: (كتقديمها).

ص: 235

(لا إن ضاع أصلها) بعد الوجوب وبقيت هي فلا تسقط، ووجب عليه إخراجها فرط أم لا، ولا إن عزلها قبل الوجوب فضاعت أو تلفت فيضمن أو يعتبر الباقي. ولا إن عزلها بعده وفرط بأن أمكن الأداء فلم يؤد، أو وضعها في غير حرزها فيضمن.

(وزكى مسافر) في البلد التي هو بها [1](ما معه) من المال وإن دون نصاب، (وما غاب) عنه (إن لم يكن) هناك (مخرج) عنه بتوكيل؛ لأن العبرة بالمالك. فإن كان هناك مخرج زكى ما معه فقط (ولا ضرورة) عليه من نحو إنفاق فيما يخرجه عن الغائب، وإلا أخر حتى يصل لبلده، فالمراد بالضرورة: الحاجة.

(وأخذت) الزكاة ممن تجب عليه حيث امتنع من أدائها (كرها) بضم الكاف وفتحها (وإن بقتال)، وتجزئ نية الإمام أو من يقوم مقامه عن نيته، بخلاف ما لو سرق مستحق بقدرها فلا تكفي لعدم النية.

فصل: في زكاة الفطر

ــ

وقيل: خمسة، وقيل: عشرة. وهذا التقديم المجزئ مع الكراهة سواء كان لأربابها أو لوكيل يوصلها له.

قوله: [لا إن ضاع أصلها]: أي دونها؛ وذلك بأن عزل الزكاة من ماله بعد الحول، ثم ضاع المال الذي هو أصلها وبقيت هي كما قال الشارح.

قوله: [فرط]: حاصله: أنه إذا حل الحول وأخر تفرقتها عن الحول - مع تمكنه من التفرقة - فتلفت، سواء تلف أصلها أم لا، فإنه يضمن الزكاة لتفريطه.

قوله: [أو وضعها في غير حرزها]: أي إذا لم يجد فقراء يأخذونها فوضعها في غير حرزها، فيضمن إن ضاعت وأما لو وجد مستحقيها وأخرها عنهم فإنه يضمن إن ضاعت ولو في حرزها. ومن ذلك الذين يكنزون الأموال السنين العديدة ثم تأتيها جائحة فإن زكاة السنين الماضية متعلقة بذممهم لا يخلصون منها إلا بأدائها.

قوله: [وزكى مسافر]: مفهومه أن الحاضر يزكي ما حضر وما غاب من غير تأخير مطلقاً، ولو دعت الضرورة لصرف ما حضر بخلاف المسافر، فإنه لا يزكيهما إلا بالشرطين.

قوله: [وما غاب عنه]: هذا شامل للماشية إذا لم يكن لها ساع، وأما إن كان لها ساع فإنها تزكى في محلها فلا يشملها كلامه، وما ذكره المصنف من أن المسافر يزكي ما غاب عنه بالشرطين ولا يؤخر زكاته حتى يرجع له، أحد قولي مالك. وقال أيضاً: إنه يؤخر زكاته اعتباراً بموضع المال. ويتفرع على الخلاف في اعتبار موضع المال أو المالك: ما لو مات شخص ولا وارث له إلا بيت المال ببلد سلطان وماله ببلد سلطان آخر. والذي في أجوبة ابن رشد: أن ماله لمن مات ببلده.

قوله: [ولا ضرورة عليه]: وينفي الضرورة وجود مسلف يمهله لبلده.

قوله: [وإلا أخر]: أي وإلا فإن اضطر أخر الإخراج عن الحاضر معه والغائب حتى: يرجع لبلده.

قوله: [وأخذت الزكاة]: أي إن كان له مال ظاهر، فإن كان ليس له مال ظاهر - وكان معروفاً بالمال - فإنه يحبس حتى يظهر ماله. فإن ظهر بعض المال واتهم في إخفاء غيره فقال مالك: يصدق ولا يحلف إنه ما أخفى وإن اتهم، وأخطأ من يحلف الناس.

قوله: [وإن بقتال]: أي ولا يقصد قتله، فإن اتفق أنه قتل أحداً قتل به وإن قتله أحد كان هدراً. ويؤدب الممتنع من أدائها بعد أخذها منه كرهاً إن لم يقاتل حالة الأخذ وإلا كفى في الأدب.

قوله: [وتجزئ نية الإمام]: أي ويجب دفعها له إن كان عدلاً في صرفها. وأخذها. وإن كان جائراً في غيرها - إن كانت ماشية أو حرثاً، بل وإن كانت عيناً. فإن طلبها العدل وادعى إخراجها لم يصدق. وتقدم أنها لا تدفع للجائر في صرفها، بل الواجب جحدها والهروب بها، فإن أخذها كرهاً أجزأت.

قوله: [بخلاف ما لو سرق مستحق] إلخ: يؤخذ منه أن الفقراء ليس لهم المقاتلة عليها إلا بإذن السلطان أو نائبه لتوقف الزكاة على نيته أو نية المالك، ولو جاز لهم المقاتلة عليها بغير إذن السلطان أو نائبه لأدى إلى الفساد في الأرض.

تتمة: إن غر عبد بحرية فدفعت له الزكاة فظهر رقه فجناية في رقبته إن لم توجد معه على الأرجح؛ فيخير سيده بين فدائه وإسلامه فيباع فيها. واختلف في جواز دفعها لمدين عديم ثم أخذها منه في دينه حيث لم يتواطأ عن ذلك؟ قولان على حد سواء. وإن دفعت لغريب محتاج لما يوصله أو لغاز، ثم ترك كل السفر لما دفعت الزكاة لأجله نزعت منهما إلا بوصف الفقر كالغريم إذا استغنى، بأن ظهر لنا قدرته على وفاء الدين من غيرها فيجب نزعها على ما اختاره اللخمي.

[فصل في زكاة الفطر [2]]

لما أنهى الكلام على زكاة الأموال أتبعه بالكلام على زكاة الأبدان وهي زكاة الفطر. واختلف في وجه إضافتها للفطر، فقيل: من الفطرة وهي الخلقة لتعلقها بالأبدان، وقيل لوجوبها بالفطر. وحكمة مشروعيتها الرفق بالفقراء في إغنائهم عن السؤال ذلك اليوم. وأركانها أربعة: المخرج بكسر الراء،

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

قوله: (التي هو بها) في ط المعارف: (الذي هو به).

[2]

قوله: (في زكاة الفطر) ليس في ط المعارف.

ص: 236

(زكاة الفطر واجبة بغروب آخر رمضان) على قول (أو بفجر) أول (شوال) على قول آخر.

(على الحر المسلم القادر) عليها وقته.

(وإن بتسلف لراجي القضاء) لأنه قادر حكماً، بخلاف من لم يرجه. (عن نفسه وعن كل مسلم يمونه) أي تلزمه مؤنته.

(بقرابة): كوالديه الفقيرين؛ وأولاده الذكور للبلوغ قادرين على الكسب، والإناث للدخول بالزوج أو الدعاء إليه.

(أو زوجية): أي كونها زوجة له أو لأبيه الفقير. وكذا تلزم لخادم القريب المذكور أو الزوجة إن كان رقيقاً لا بأجرة، ويمكن إدخاله في قولنا:

(أو رق): أي أو بسبب رق؛ كعبيده وعبيد أبيه أو أمه أو ولده حيث كان خادماً وهم أهل للإخدام (ولو) كان الرقيق (مكاتباً و) الرقيق (المشترك) بين اثنين. أو أكثر يجب على كل (بقدر الملك) فيه من نصف أو ثلث أو سدس أو غير ذلك (كالمبعض) يجب الإخراج على مالك بعضه بقدر

ما يملك فيه.

ــ

والمخرج بالفتح، والوقت المخرج فيه، والمدفوعة إليه، وإنما قدم المؤلف زكاة الأموال عليها. وإن كان متعلقها أشرف - لأن زكاة الأموال دعامة من دعائم الإسلام، ولوقوع الخلاف في وجوبها وسنيتها. والمشهور الوجوب ولذلك لا يقاتلون عليها. قال الخرشي في كبيره: وانظر الفرق بينها وبين بعض السنن التي يقاتل على تركها، وانظر هل يكفر جاحدها أو لا؟ وينبغي التفصيل بين أن يجحد مشروعيتها: فيكفر، وبين أن يجحد وجوبها: فلا يكفر، لأنه قيل بالسنية اهـ. قال في الحاشية: وكذا لا يقاتلون على صلاة العيد بخلاف الأذان والجماعة فيقاتلون على تركهما، لأنه يتكرر ويتوقف الإعلام بدخول الوقت عليه اهـ.

قوله: [واجبة]: أي وجوباً ثابتاً بالسنة ففي الموطإ عن ابن عمر: «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر في رمضان على المسلمين» وحمل الفرض على التقدير بعيد، خلافاً لمن زعم ذلك وقال إنها سنة، لا سيما وقد خرج الترمذي:«بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم منادياً ينادي في فجاج مكة: ألا إن صدقة الفطر واجبة على كل مسلم» إلى آخر الحديث. ولا يقال: إن فرضها في السنة الثانية من الهجرة ومكة حينئذ دار حرب، فكيف يتأتى فيها النداء بما ذكر؟ لأنه يقال:"بعث المنادي": يحتمل أنه سنة فتحها وهي سنة ثمان من الهجرة، ويحتمل أنه سنة حج أبو بكر بالناس وهي سنة تسع، ويحتمل أنه سنة حجة الوداع وهي سنة عشر، وليس بلازم أن يكون بعث المنادي عقب الفرض، ورواية:"فجاج مكة" هي الصواب. خلافاً لما مشى عليه في الأصل من إبدال مكة بالمدينة. وإنما قلنا بالسنة، لأن آيات الزكاة العامة سابقة عليها، فعلم أنها غير مرادة بها أو غير صريحة في وجوبها.

قوله: [بغروب آخر رمضان على قول] إلخ: الأول لابن القاسم في المدونة وشهره ابن الحاجب وغيره. والثاني لرواية ابن القاسم والأخوين عن مالك وشهره الأبهري وصححه ابن رشد وابن العربي. قال بعضهم؛ الأول: مبني على أن الفطر الذي أضيفت إليه في خبر: «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر من رمضان» : الفطر الجائز وهو ما يدخل وقته بغروب شمس آخر رمضان، والثاني مبني على أن المراد الفطر الواجب الذي يدخل وقته بطلوع الفجر. واعترضه شيخ مشايخه العدوي بأن عدم نية الصوم واجب فيهما. وتناول المفطر جائز فيهما، وحينئذ فلا وجه لذلك. وبقي ثلاثة أقوال أخر: الأول: أن وقته بطلوع الشمس ولا يمتد على هذا القول أيضاً كاللذين قبله. الثاني: أن وقته من غروب ليلة العيد ممتداً إلى غروب يومها. الثالث: من غروب ليلة العيد ممتداً إلى زوال يومها. ذكره في التوضيح (اهـ. بن - كذا في حاشية الأصل).

قوله: [وإن بتسلف]: وقيل لا تجب بالتسلف بل يستحب وعليه اقتصر ابن رشد. فعلم أنها لا تسقط بالدين.

قوله: [أو الدعاء إليه]: أي حيث كانت الزوجة مطيقة ولم يكن بها مانع يوجب الخيار.

قوله: [حيث كان خادماً]: يحترز به عما إذا قصد به الربح أو اشترى للفخر.

قوله: [وهم أهل للإخدام]: فلو كان أهلاً للإخدام بأكثر من واحد إلى أربع أو خمس، فقيل: يلزمه زكاة فطر الجميع؛ وقيل: لا يلزمه إلا زكاة فطر واحد فقط. ونص ابن عرفة في وجوبها عن أكثر من خادم إلى أربع أو خمس إن اقتضاه شرفها. ثالثها: عن خادمين فقط.

قوله: [يجب على كل بقدر الملك]: هذا هو الراجح. ومقابله: أنها على عدد رؤوس المالكين. ولهذه المسألة نظائر في هذا الخلاف، وضابطها: كل ما يجب بحقوق مشتركة؛ هل الواجب بقدر الحقوق أو على عدد الرؤوس؟ قولان. لكن الراجح منهما مختلف، فالراجح الثاني، وهو اعتبار عدد الرؤوس: في أجرة القسام، وكنس المراحيض، والسواقي، وحارس أعدال المتاع، وبيوت الطعام، والجرين، والبساتين. وكاتب الوثيقة وكذا صيد الكلاب لا ينظر فيه لكثر الكلاب وإنما ينظر في اشتراك الصيد لرؤوس الصائدين. والراجح

ص: 237

(ولا شيء على المبعض) في بعضه الحر. ثم من ولد له ولد، أو تزوج أو اشترى عبداً قبل الغروب من آخر يوم من رمضان، ثم مات قبل الفجر وجبت على الأب أو الزوج أو سيد العبد على القول الأول دون الثاني. ولو حصل شيء مما ذكر بعد الغروب وطلع عليه الفجر وجبت على من ذكر على القول الثاني دون الأول. ولو مات قبل الفجر لم يجب على كل من القولين. وقس على ذلك من طلقت أو عتق أو باع. ومن لم يقدر عليها إلا بعد فجر شوال لم تجب عليه، لأنه كان عاجزاً عنها وقت الوجوب، وإن ندبت إن زال فقره أو عتق يومها كما يأتي.

(وهي): أي زكاة الفطر (صاع) أربعة أمداد عبرة المد حفنة ملء اليدين المتوسطتين.

(فضل عن قوته وقوت عياله يومه) أي يوم عيد الفطر، وقد ملكه وقت الوجوب.

(من أغلب قوت أهل المحل من) أصناف تسعة: (قمح أو شعير أو سلت أو ذرة أو دخن أو أرز أو تمر أو زبيب أو أقط): وهو يابس اللبن المخرج زبده. وقوله: (فقط): إشارة لرد قول ابن حبيب بزيادة العلس على التسعة المذكورة، فعلى قوله تكون الأصناف عشرة. فيتعين الإخراج مما غلب الاقتيات منه من هذه الأصناف التسعة، فلا يجزئ الإخراج من غيرها، ولا منها إن اقتات غيره منها إلا أن يخرج الأحسن؛ كما لو غلب اقتيات الشعير فأخرج قمحاً.

(إلا أن يقتات غيرها) أي غير هذه الأصناف كعلس ولحم وفول وعدس وحمص ونحوها (فمنه) يخرج، فإن غلب شيء تعين الإخراج منه وإن ساوى غيره خير.

(وندب إخراجها بعد الفجر وقبل الصلاة) أي صلاة العيد.

(و) ندب إخراجها (من قوته الأحسن) من قوت أهل البلد.

(و) ندب إخراجها (لمن زال فقره أو) زال (رقه) بأن عتق (يومها و) ندب (عدم زيادة على الصاع). بل تكره الزيادة لأن الشارع إذا حدد شيئاً كان ما زاد عليه بدعة؛ فتارة تقتضي الفساد كما في الصلاة، وتارة تكون مكروهة كما هنا وكما في زيادة التسبيح على ثلاث وثلاثين. ومحل الكراهة إن تحققت الزيادة وإلا فيتعين أن يزيد ما يزيل به الشك.

(وجاز دفع صاع) واحد (لمساكين) يقتسمونه.

ــ

القول الأول وهو اعتبار الملك في مسألتنا هذه، والشفعة، ونفقة الوالدين؛ أي فإنها توزع على الأولاد بقدر اليسار لا على الرؤوس ولا بقدر الميراث، وكذا زكاة فطرهما. (اهـ. من حاشية الأصل).

تنبيه: العبد المخدم إن كان مرجعه بعد الخدمة لسيده فزكاته عليه، وإن كان مرجعه لحرية فزكاته على المخدم بالفتح، وإن كان مرجعه لشخص آخر فزكاته على ذلك الشخص الذي مرجعه له.

قوله: [ولا شيء على العبد في بعضه الحر]: وكذلك عبيد العبيد لا يلزم السيد الأعلى ولا سيدهم زكاة فطرهم، وفي (بن): أن العبد لا يخرج عن زوجته خلافاً ل (عب)، وأما الموقوف فعلى ملك الواقف.

قوله: [ثم من ولد له ولد]: شروع منه في بيان ثمرة الخلاف المتقدم، لكن الوجوب لا يمتد على كل من القولين.

قوله: [ولو مات قبل الفجر لم يجب على كل] إلخ: أي والموضوع أن هذا الشيء حصل بعد الغروب.

قوله: [ملء اليدين المتوسطتين]: أي لا مقبوضتين ولا متوسطتين وذلك قدح وثلث، فعلى هذا: الربع المصري يجزئ عن ثلاثة.

قوله: [من أغلب قوت أهل المحل]: أي البلد من غير نظر لقوت المخرج. والمنظور له غالب قوتهم في رمضان على ما يظهر من الحطاب ترجيحه، لا في العام كله، ولا في يوم الوجوب. كذا في البناني واستظهر في المجموع اعتبار الغلبة عند الإخراج.

قوله: [من أصناف تسعة]: وجمعها بعضهم ما عدا الأقط بقوله:

قمح شعير وزبيب سلت *** تمر مع الأرز ودخن ذرة

قوله: [فلا يجزئ الإخراج من غيرها]: أي إذا لم يكن ذلك الغير عيناً، وإلا فالأظهر الإجزاء لأنه يسهل بالعين سد خلته في ذلك اليوم (اهـ. تقرير مؤلفه [1]).

قوله: [إلا أن يقتات غيرها]: أي في زمن الرخاء والشدة لا في زمن الشدة فقط، كما قال أبو الحسن وابن رشد. والذي يظهر من عبارات أهل المذهب: أن غير التسعة -إذا كان غالباً- لا يخرج منه؛ وإنما يخرج منه إذا كان عيشهم من غير التسعة كما في المدونة، فمعنى قول المصنف "إلا أن يقتات غيره": أي إلا أن ينفرد بالاقتيات فيخرج منه.

قوله: [فمنه يخرج]: أي ولو وجد شيء من التسعة، وكان غير مقتات لهم فلا عبرة به كما قاله الرماصي. قال في الأصل: والصواب أنه يخرج صاعاً بالكيل من العلس والقطاني، وبالوزن من نحو اللحم. قال محشيه: ورد بقوله.

والصواب على من قال إنه يخرج من اللحم واللبن مقدار شبع الصاع، فإذا كان الصاع من الحنطة يغدي إنساناً ويعشيه أعطي من اللحم أو من اللبن مقدار الغداء والعشاء، وفي المجموع: هل يقدر نحو اللحم بجرم المد أو شبعه؟ وصوب كما في الحطاب أو بوزنه خلاف اهـ.

قوله: [أي صلاة العيد]: أي فالمندوب إخراجها قبل الغدو للمصلى، لكن إن أداها قبل الصلاة وبعد الغدو للمصلى فقد كفى في المستحب، وكذا يندب غربلة القمح وغيره، إلا الغلث فيجب غربلته إن زاد غلثه على الثلث، وقيل بل يندب ولو كان الثلث أو ما قاربه يسيراً وهو الأظهر

[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]

[1]

في ط المعارف: (مؤلفين).

ص: 238