الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أي قصته مع ولده، فإن تلفظ بالهدي: كعلي هدي فلان أو ابني أو نوى الهدي أو ذكر مقام إبراهيم عليه السلام (فهدي) يلزمه.
(ولا) يلزم نذر (الحفاء أو الحبو) كأن يقول: لله علي المشي إلى مكة حافياً أو حبواً (بل يمشي) إليها (منتعلاً وندب) له (هدي، ولغا) بالفتح فعل لازم يتعدى بالهمزة: أي بطل قوله لله علي المسير أو الذهاب أو الركوب لمكة (إن لم يقصد) بذلك (نسكاً) حجاً أو عمرة، (فـ) يلزمه ما نواه و (يركب) جوازاً (و) لغا (مطلق المشي) إن لم يقيد بمكة ولا البيت ونحوهما لفظاً ولا نية كقوله لله علي مشي، أو إن كلمت زيداً فعلي مشي (كعلي مشي لمسجد) سماه غير الثلاثة كالأزهر، فإنه يلغى ولا يلزمه مشي لصلاة أو اعتكاف (إلا القريب جداً) بأن يكون على ثلاثة أميال فدون (فقولان) بلزوم الإتيان إليه لصلاة أو اعتكاف وعدم لزومه (أو للمدينة) فيلغي نذر المشي أو الإتيان إليها، (أو) المشي أو الإتيان إلى (أيلة) بفتح الهمزة وسكون التحتية. ويقال: إيلياء بالمد، وقد يقصر: بيت المقدس فيلغى (إن لم ينو صلاة أو صوماً) أو اعتكافاً (بمسجديهما أو يسميهما) أي المسجدين كعلي المشي إلى مسجد المدينة أو مسجد بيت المقدس، فإن نوى ذلك أو سمى المسجد لزمه الذهاب وحينئذ (فيركب) ولا يلزمه المشي لأنه مخصوص بمسجد مكة (إلا أن يكون بالأفضل) من المساجد الثلاثة، أو أمكنتها ونذر الإتيان للمفضول فلا يلزمه.
(والمدينة أفضل) من مكة ومسجدها أفضل من المسجد الحرام عند علماء المدينة، (فمكة) تليها في الفضل، واتفقوا على أن بيت المقدس مفضول بالنسبة لهما.
باب في الجهاد وأحكامه
ــ
وضياع المال فيما لا يعني خصوصاً لطخ الفضة على الأبواب، قال في الأصل: ولا يضر قصد زيارة ولي واستصحاب شيء من الحيوان معه ليذبح هناك للتوسعة على أنفسهم وعلى فقراء المحل من غير نذر ولا تعيين فيما يظهر ا. هـ.
قوله: [أي قصته مع ولده]: هكذا قيل، وقيل المراد بمقام إبراهيم مقام الصلاة وهو عند الحجر الذي وقف عليه في بناء البيت، وكلام المدونة يشهد لما قال الشارح.
قوله: [فهدي يلزمه]: ما قاله المصنف محله فيما إذا كان المنذور نحره حراً وأما لو كان رقيقاً فإن كان ملكه فعليه هدي، وعبد الغير داخل في مال الغير فيما تقدم، والفرق بين الحر والعبد أن الحر لا يملك فلا عوض له بخلاف القن فيخرج عوضه.
قوله: [ولغا] إلخ: إنما ألغى لأن السنة إنما وردت بالمشي.
قوله: [ولغا مطلق المشي] أي لأن المشي بانفراده لا طاعة فيه هذا هو المشهور وألزمه أشهب المشي لمكة.
قوله: [غير الثلاثة]: أي لخبر: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى» .
قوله: [أي المسجدين]: أي لا البلدين وأما تسمية البلدين أو نية الصلاة في البلدين دون المسجدين فلا تلزم.
قوله: [والمدينة أفضل] لما رواه الدارقطني والطبراني من حديث رافع بن خديج: «المدينة خير من مكة» ، ولما ورد في دعائه صلى الله عليه وسلم:«اللهم كما أخرجتني من أحب البلاد إلي فأسكني في أحب البلاد إليك» ؛ وقوله صلى الله عليه وسلم: «رمضان بالمدينة خير من ألف رمضان فيما سواها من البلدان، وجمعة بالمدينة خير من ألف جمعة فيما سواها من البلدان» . اهـ من الجامع الصغير، وقال الشافعي وأبو حنيفة وأحمد في أشهر الروايتين عنه: إن مكة أفضل من المدينة؛ ومحل الخلاف المذكور في غير البقعة التي ضمت أعضاء المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأما هي فهي أفضل من جميع بقاع الأرض والسماء حتى الكعبة والعرش والكرسي واللوح والقلم والبيت المعمور، ويليها الكعبة، فالكعبة أفضل من بقية المدينة اتفاقاً، وأما المسجدان بقطع النظر عن الكعبة والقبر الشريف فمسجد المدينة وما زيد في مسجده الشريف حكم مسجده عند الجمهور خلافاً للنووي كذا في الحاشية.
خاتمة: عدم المجاورة بمكة أفضل، قال مالك: القفول أي الرجوع أفضل من الجوار، وأما المدينة فالمجاورة بها من أعظم القرب، فلذلك اختار مالك التوطن بها حتى لقي الله تعالى.
باب في الجهاد وأحكامه
باب: لما أنهى الكلام على النذر وكان هو أحد الأسباب الثلاثة المعينة للجهاد كما يأتي في قوله: "وتعين بتعيين الإمام وبفجء العدو" أعقبه بالكلام عليه وهو لغة: التعب والمشقة. واصطلاحاً قال ابن عرفة: قتال مسلم كافراً غير ذي عهد لإعلاء كلمة الله تعالى، أو حضوره له أو دخوله أرضه. اهـ.
واعترض قوله في التعريف: لإعلاء كلمة الله تعالى بأنه يقتضي أن من قاتل للغنيمة أو لإظهار الشجاعة مثلاً لا يعد مجاهداً فلا يستحق الغنيمة حيث أظهر ذلك ولا يجوز له تناولها حيث علم من نفسه ذلك. قال في الحاشية: هذا بعيد، والظاهر بل المتعين أنه يسهم له لأنهم لم يعدوا من شروط من يسهم له كونه مقاتلاً لإعلاء كلمة الله.
وأجيب بأن هذا بالنسبة للجهاد الكامل، وإنما قال ابن عرفة لإعلاء كلمة الله إشارة إلى أنه ينبغي أن لا يكون الجهاد إلا لله لا لشيء آخر، فلا ينافي أنه يسهم له فتدبر. اهـ بتصرف.
(الجهاد في سبيل الله) لإعلاء كلمة الله تعالى (كل سنة) فلا يجوز تركه سنة (كإقامة الموسم) بعرفة والبيت وبقية المشاهد كل سنة (فرض كفاية) إذا قام به البعض سقط عن الباقي.
(على المكلف) متعلق بفرض (الحر) دون الرقيق (الذكر) لا الأنثى (القادر) لا العاجز عن ذلك بفقد قدرة أو مال (كالقيام بعلوم الشريعة) فإنه فرض كفاية، أي غير ما يتعين على المكلف منها، وهي: فن الكلام والفقه والتفسير والحديث، لأن في القيام بها صوناً للدين، والمراد بالقيام بها: قراءتها وحفظها وتدوينها وتهذيبها وتحقيقها، ويلحق بذلك ما تتوقف عليه من نحو ومعان وبيان، لا عروض وبديع، ولا هيئة ومنطق.
(والفتوى) وهي الإخبار بالحكم الشرعي لا على وجه الإلزام فرض كفاية.
(والقضاء) وهو الإخبار بالحكم الشرعي لا [1] على وجه الإلزام فرض كفاية، (والإمامة) العظمى أي الخلافة من عالم عدل فطن ذي همة قرشي فرض كفاية، ولا يعزل إن زال وصفه ما لم يعزل نفسه، بخلاف من ولي أمراً من الأمور وخان فيه فإنه يستحق العزل.
(ودفع الضرر عن المسلمين) وأهل الذمة فرض كفاية.
(والأمر بالمعروف) وهو ما طلبه الشارع طلباً جازماً كالصلاة فرض كفاية.
(والنهي عن المنكر) وهو ما نهى عنه الشارع جزماً فرض كفاية. (والشهادة) تحملاً وأداء فرض كفاية، (والحرف) بكسر الحاء وفتح الراء المهملتين جمع حرفة وهي الصنعة (المهمة) التي بها صلاح الناس؛ كالقيانة والحياكة والنجارة، لا كقصر الثياب والطرز والنقش.
(وتجهيز ميت) من غسل وكفن ومواراة فرض كفاية، (والصلاة عليه) فرض كفاية.
(وفك الأسير) من الحربيين إن لم يكن له مال يفك منه فرض كفاية، ولو أتى على جميع أموال المسلمين. وسيأتي رد السلام وتشميت العاطس آخر الكتاب إن شاء الله تعالى.
(وتعين) الجهاد (بتعيين الإمام) لشخص ولو عبداً وامرأة.
(و) تعين أيضاً (بفجء العدو محلة قوم و) تعين
ــ
الجهاد قبل الهجرة كان حراماً، ثم أذن فيه لمن قاتل المسلمين، ثم أذن فيه مطلقاً في غير الأشهر الحرم، ثم أذن فيه مطلقاً اهـ. من شرح البخاري كذا في الحاشية وأول آية نزلت في الجهاد قول الله تعالى:{أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير} [الحج: 39]
قوله: [لإعلاء كلمة الله]: بيان لأعلى المقاصد كما علمت.
قوله: [كل سنة]: أي بأن يوجه الإمام كل سنة طائفة، ويخرج بنفسه معها أو يخرج بدله ممن يثق به.
قوله: [فلا يجوز تركه سنة]: ظاهره مع الأمن والخوف. وهو ما نقله الجزولي عن ابن رشد والقاضي عبد الوهاب، وذلك لما فيه من إعلاء كلمة الله وإذلال الكفرة، ونقل عن ابن عبد البر أنه فرض كفاية مع الخوف، ونافلة مع الأمن، والقول الأول أقوى وهو ظاهر المصنف كما علمت. ويكون في أهم جهة إذا كان العدو في جهات متعددة، فإن استوت الجهات في الضرر خير الإمام في الجهة التي يرسل إليها، إن لم يكن في المسلمين كفاية لجميع الجهات وإلا وجب في الجميع.
قوله: [كإقامة الموسم]: وتحصل إقامته بمجرد حصول الشعيرة، وإن لم يلاحظوا فرض الكفاية، نعم ثواب الفرض يتوقف على نيته.
قوله: [فرض كفاية]: أي ولو مع وال جائر في أحكامه ظالم في رعيته إلا أن يكون غادراً ينقض العهود فلا يجب معه على الأصح كذا في الأصل.
قوله: [على المكلف) إلخ: يشمل الكافر فيجب عليه الجهاد بناء على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة. وثمرة وجوبه عليهم مع أننا لا نتعرض لهم ولا نستعين بهم أنهم يعذبون على تركه عذاباً زائداً على عذاب الكفر، كما يعذبون على ترك الصلاة والزكاة.
قوله: [ولا هيئة ومنطق]: أي خلافاً لمن قال بوجوب تعلم المنطق لتوقف العقائد عليه، ورد ذلك الغزالي بأنه ليس عند المتكلم من عقائد الدين إلا العقيدة التي يشارك فيها العوام، وإنما يتميز عنهم بصفة المجادلة، فالعقائد التي فرضها الله علينا لا تتوقف على منطق كما هو مشاهد، والدليل التفصيلي لا ينحصر في التراكيب المنطقية لأنها اصطلاح حدث كما هو الحق.
قوله: [وهي الإخبار بالحكم الشرعي لا على وجه الإلزام]: لا شك أن هذا من جملة القيام بعلوم الشرع فهو من عطف الخاص على العام كالقضاء.
قوله: [والإمامة العظمى]: سيأتي بقية شروطها في باب القضاء.
قوله: [وأهل الذمة]: أي لأن الله حرم علينا أموالهم ودماءهم ما داموا تحت ذمتنا.
قوله: [والنهي عن المنكر]: أي بشرط معرفة الآمر والناهي، وأن لا يؤدي إلى ارتكاب ما هو أعظم منه مفسدة، وأن يظن الإفاضة [2]. والأولان شرطان للجواز، ويحرم عند فقدهما، والثالث شرط الوجوب فيسقط عند عدم ظن الإفادة. ويشترط في النهي عن المنكر أيضا: أن يكون مجمعاً عليه، أو مختلفاً فيه ومرتكبه يرى تحريمه، لا إن كان يرى حله أو يقلد من يقول بالحل.
قوله: [تحملاً]: أي إن احتيج لذلك.
قوله: [وأداء]: أي إن كثر المتحملون وهل تتعين بالطلب حينئذ وهو ظاهر قول مالك وآية: {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} [البقرة: 282].
قوله: [كالقيانة]: بالياء التحتية: وهي الحدادة كما هو نسخة المؤلف.
قوله: [إن لم يكن له مال]: ظاهره أن ماله مقدم على مال المسلمين وهي طريقة لبعضهم، والطريقة المشهورة أنه يفدي أولاً بالفيء ثم مال المسلمين وهو كواحد منهم، ثم ماله وسيأتي تفصيل ذلك في آخر الباب.
قوله: [ولو أتى على جميع أموال المسلمين]: أي ولا يتبع بشيء في ذمته ومحل بذل جميع أموال المسلمين في ذلك إن لم يحصل لهم ضرر بذلك، وإلا ارتكب أخف الضررين.
قوله: [ولو عبداً وامرأة)
[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]
[1]
ليست في ط المعارف، ولعل حذفها هو الصواب.
[2]
كذا في ط الحلبية، ولعل الصواب:(الإفادة).
(على من بقربهم إن عجزوا) عن دفع العدو بأنفسهم، (وإن) كان من فجئ أو من بقربه (امرأة أو رقيقا) وتعين أيضاً بالنذر،
(ودعوا) أولا وجوباً (للإسلام) ولو بلغتهم دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يبادرونا [1] للقتال، (وإلا) قوتلوا بلا دعوة.
فإن أجابوا للإسلام وأسلموا تركوا بمحل أمن، وإن امتنعوا منه (فالجزية) تطلب منهم. فإن أجابوا تركوا وضربت عليهم (بمحل أمن): أي مأمون بحيث تنالهم أحكامنا فيه، إما بالرحيل إلى بلادنا، وإما أن يكون محلهم نقدر عليهم فيه ولا نخشى فيه غائلتهم.
(وإلا) بأن لم يجيبوا للإسلام أو الجزية أو أجابوا ولكن كان المحل الذي هم فيه غير مأمون ولم يرتحلوا إلى بلادنا (قوتلوا وقتلوا إلا المرأة والصبي) فلا يجوز قتلهما لأنهما من الأموال، (إلا إذا قاتلا قتال الرجال) بالسلاح ونحوه لا برمي حجر ونحوه (أو قتلا) أحداً من الجيش فيجوز قتلهما.
(و) إلا (الزمن) أي العاجز (والأعمى والمعتوه) أي ضعيف العقل وأولى المجنون. (و) الشيخ (الفاني) أي الهرم.
(و) إلا (الراهب المنعزل) عن الناس (بلا رأي) أي تدبير للحروب فلا يجوز قتل واحد منهم، فإن كان لواحد منهم تدبير ورأي للحربيين جاز قتله، فقوله: بلا رأي راجع للزمن وما بعده.
(و) إذا لم يجز قتلهم فإن تعدى أحد على قتلهم (استغفر قاتلهم) لأنه ارتكب ذنباً ولا دية عليه ولا قيمة ولا كفارة. (و) إذا لم يجز قتل واحد منهم (ترك لهم الكفاية) أي ما يكفيهم (ولو من أموال المسلمين) وقدم مالهم على مال غيرهم، فإن كان عندهم زيادة على كفايتهم جاز أخذها وتخمس.
(وإن خُيروا [2]) في المغنم لأنهم -وإن لم يجز قتلهم يجوز أسرهم- إلا الراهب والراهبة لا يجوز قتلهما ولا أسرهما بشرط العزلة وعدم الرأي (فقيمتهم) على قاتلهم بعد الحوز يجعلها الإمام في الغنيمة.
(والراهب والراهبة) المنعزلان بلا رأي (حران) لا يجوز قتلهما ولا أسرهما وإن كان لا دية ولا قيمة على قاتلهما.
(بآلة): متعلق بقوله: "قوتلوا".
أو المراد [3] بالآلة: جميع أنواع السلاح وما ألحق به كمقلاع ومنجنيق، (وقطع ماء) عنهم أو عليهم ليغرقوا، (وبنار) ليحرقوا. لكن (إن لم يمكن غيرها) وإلا لم يقاتلوا بها (ولم يكن فيهم مسلم) وإلا لم يقاتلوا بها
مخافة حرق المسلم (إلا) أن يكونوا (بالحصن مع ذرية ونساء فبغيرهما) أي فيقاتلون بغير التغريق بالماء والتحريق بالنار نظراً لحق الغانمين لما لهم في الذراري والنساء من حق.
ــ
ومثل المرأة والعبد: الصبي المطيق فيتعين على من ذكر بتعيين الإمام، ويخرجون ولو منعهم الولي والزوج والسيد ورب الدين إن كان مديناً، والمراد بتعينه على الصبي: جبره عليه كما يجبر على ما به مصالحه لا عقابه على تركه.
قوله: [على من بقربهم]: محل ذلك إن لم يخشوا على نسائهم وبيوتهم من عدو يهجمهم وإلا فلا يتعين عليهم.
قوله: [امرأة أو رقيقاً]: أي أو غيرها ممن لم يسهم له في الجهاد الكفائي. قوله: [وتعين أيضاً بالنذر]: أي كما تقدم التنبيه عليه.
تنبيه: للوالدين منع الولد من السفر لفرض الكفاية، ولو علما فلا يخرج له إلا بإذنهما حيث كان في بلده من يفيده، وإلا خرج له بغير إذنهما إن كان فيه أهلية النظر. ولهما المنع في فرض الكفاية، ولو كانا كافرين في غير الجهاد. وأما الجهاد فليس للكافرين المنع منه لأنه مظنة قصد توهين الإسلام إلا لقرينة تفيد الشفقة ونحوها. وليس لمن عليه دين يحل في سفره وهو قادر على أدائه أن
يسافر لجهاد أو غيره إلا أن يأذن رب الدين.
قوله: [ولو بلغتهم دعوة النبي صلى الله عليه وسلم]: هذا هو المشهور، وقيل: لا يدعو للإسلام أولاً إلا إذا لم تبلغهم دعوة النبي صلى الله عليه وسلم.
قوله: [ما لم يبادرونا للقتال]: أي ومثل ذلك إذا قل جيش المسلمين ومن ذلك كانت إغارة سراياه عليه الصلاة والسلام.
قوله: [قوتلوا]: أي شرع في قتالهم وقوله وقتلوا أي جاز قتلهم إن قدر عليهم.
قوله: [إلا إذا قاتلا قتال الرجال]: اعلم أن للمرأة والصبي ثمانية أحوال: لأنهما: إما أن يقتلا أحداً أو لا. وفي كل: إما بسلاح أو غيره. وفي كل: إما أن يؤسرا أو لا. فإن قتلا أحداً جاز قتلهما سواء قاتلا بسلاح أو لا، أسرا أو لا، وإن لم يقتلا أحداً فإن قاتلا بسلاح جاز قتلهما أيضاً أسرا أو لا، وإن قاتلا بغير سلاح فلا يقتلا بعد الأسر اتفاقاً ولا في حال المقاتلة على الراجح فتدبر.
قوله: [المنعزل عن الناس]: يحترز به عن رهبان الكنائس المخالطين لهم فإنهم يقتلون. واقتصار المصنف على استثناء تلك السبعة يفيد قتل الأجراء والحراثين وأرباب الصنائع منهم، وهو قول سحنون، وقال ابن القاسم: لا يقتلون بل يؤسرون، قال (بن): والظاهر أن الخلاف لفظي في حال، وأن المدار على المصلحة بنظر الإمام.
قوله: [ولا دية عليه ولا قيمة) إلخ: أي لا فرق بين الراهب وغيره كما في (ر). وما في الخرشي من أن الراهب والراهبة يلزم ديتهما لأنهما حران فهو خلاف النقل كما في الحاشية.
قوله: [ترك لهم الكفاية]: هذا فيمن لا يقتل ولا يؤسر، سواء كان لا يجوز أسره كالراهب والراهبة أو يجوز أسره ولكن ترك من غير أسر كالباقي، وما ذكره من أنه يترك لهم الكفاية فقط لا كل ما لهم هو الأشهر عند ابن الحاجب وهو ظاهر المدونة، وقيل يترك لهم أموالهم كلها وهو ضعيف.
قوله: [جاز أخذها]: أي على ما شهر ابن الحاجب.
قوله: [وإن كان لا دية ولا قيمة] إلخ: أي خلافاً للخرشي. قوله: [وإلا لم يقاتلوا بها]
[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]
[1]
في ط المعارف: (يبادونا).
[2]
في ط المعارف: (حِيزوا)، ولعلها الصواب.
[3]
قوله: (أو المراد) في ط المعارف: (والمراد).
(فإن تترسوا بهم) أي بالذرية [1] والنساء (تركوا) بلا قتال؛ لحق الغانمين (إلا لشدة خوف) على المسلمين فيقاتلون مطلقاً بكل شيء وعلى كل حال (و) إن تترسوا (بمسلم) قوتلوا (وقصد غيره) أي غير الترس المسلم بالرمي، ولا يجوز رمي الترس ولو خفنا على بعض المغازين، (إلا لخوف على أكثر المسلمين) فتسقط حرمة الترس ويرمى على الجميع.
(وحرم فرار) من العدو (إن بلغ المسلمون النصف) من عدد الكفار؛ فلا يفر واحد من اثنين، ولا عشرة من عشرين، لقوله تعالى:{الآن خفف الله عنكم} [الأنفال: 66] الآية (ولم يبلغوا) أي المسلمون (اثني عشر ألفاً)، فإن بلغوها حرم الفرار ولو كثر الكفار جداً.
(إلا) شخصاً (متحرفاً لقتال): أي أظهر من نفسه الهزيمة ليتبعه الكافر فيرجع عليه فيقتله، فاللام في القتال للعلة (أو) شخصاً (متحيزاً لفئة) أي لطائفة من المسلمين ليتقوى بهم، وهذا (إن خاف) المتحيز من العدو خوفاً بيناً وقرب المنحاز إليه.
و(حرم المثلة): أي التمثيل بالكافر بقطع أنفه أو أذنه أو نحو ذلك بعد موته ما لم يقع منهم تمثيل بالمسلمين، وإلا جاز.
(و) حرم (حمل رأس) من كافر (لبلد) آخر غير التي وقع بها [2] القتال، (أو) حملها [3] إلى (وال) أي أمير جيش.
(و) حرم (سفر بمصحف لأرضهم) ولو في جيش أمن خوف إهانته بسقوطه واستيلاء أيديهم عليه.
(كامرأة) يحرم السفر بها لأرضهم (إلا في جيش أمن و) حرم (خيانة أسير) عندهم (ائتمن طائعاً) أي ائتمنوه في حال طوعه، (ولو) ائتمن طائعاً (على نفسه) بأن قالوا له: أمناك على مالنا أو على أنفسنا أو على نفسك فرضي بذلك طائعاً فلا يجوز له الهرب ولا أخذ شيء من مالهم، ولا قتل أحد منهم، فإن لم يؤمنوه أو أمنوه كرهاً جاز له ذلك إن أمن على نفسه وحل له كل ما أخذه حتى النساء، وجاز وطؤها إن خرج بها من بلادهم.
(و) حرم (الغلول) بالضم: أخذ شيء من الغنيمة قبل حوزها، ولو قل (وأدب) بالاجتهاد (إن ظهر عليه) لا إن جاء تائباً قبل القسم وتفرق الجيش. ورد ما أخذ للغنيمة، فإن تعذر بتفريق الجيش رد خمسه للإمام وتصدق بالباقي عنهم ولا يجوز تملكه.
ــ
ما لم يخف منهم وإلا تعينت المقاتلة بها.
قوله: [مخافة حرق المسلم]: أي ولو خفنا منهم كما لابن الحاجب. قال في التوضيح وهو المذهب خلافاً للخمي اهـ ولكن ينبغي تقييده بما إذا لم يعظم الضرر فيرتكب أخف الضررين، كما يؤخذ من الشارح فيما يأتي.
قوله: [وإن تترسوا بمسلم قوتلوا]: أي وأولى إن تترسوا بأموال المسلمين. قوله: [ويرمى على الجميع]: ظاهره أنه يجوز حينئذ رمي الترس ولو كان المسلمون المتترس بهم أكثر من المجاهدين وهو كذلك كما في الحاشية.
قوله: [وحرم فرار]: أي في الجهاد مطلقاً، سواء كان كفائياً أو عينياً؛ لأن الكفائي يتعين بالشروع فيه.
قوله: [إن بلغ المسلمون النصف]: أي ما لم ينفرد الكفار بالمدد وإلا فلا يحرم الفرار.
قوله: [فإن بلغوها حرم الفرار]: أي ما لم تختلف كلمتهم، أو ينفرد الكفار بالمدد. فإن لم ينفرد الكفار بالمدد ولم تختلف المسلمون وفر واحد من هذا العدد كان فراره من الكبائر يغفر له بالتوبة أو عفو الله، وأما لو فر بعد نقص العدد واحد فلا حرمة عليه.
قوله: [متحيزاً لفئة]: محل جواز التحيز إن لم يكن المتحيز الأمير، وأما هو فلا يجوز له ذلك، فإن شجاعة الأمير في الثبات. وشجاعة الجند في الوثبات.
قوله: [أي التمثيل بالكافر]: أي بعد القدرة عليه حياً أو ميتاً فلا مفهوم لقوله: (بعد موته).
قوله: [وإلا جاز]: أي التمثيل بهم بعد القدرة عليهم.
قوله: [أو حملها إلى وال]: أي ولو كان في بلد القتال، وأما حملها في البلد نفسه من غير أن تنقل إلى وال فجائز، بخلاف البغاة فإنه لا يجوز.
قال بعضهم: الظاهر أن محل حرمة حمل الرأس لبلد ثان ما لم يكن في ذلك مصلحة شرعية كاطمئنان قلوب المجاهدين والجزم بعين المقتول مثلاً وإلا جاز. فقد حمل للنبي صلى الله عليه وسلم رأس كعب بن الأشرف من خيبر للمدينة.
قوله: [إلا في جيش أمن]: الاستثناء راجع لما بعد الكاف فقط، والفرق أن المرأة تنبه عن نفسها عند فواتها والمصحف قد يسقط ولا يشعر به.
قوله: [وحرم خيانة أسير]: أي يحرم عليه الخيانة فيما أمن عليه خاصة. وسواء كان الائتمان مصرحاً به مثل أن يقال له أمناك على مالنا أو على كذا. أو كان غير مصرح به كما إذا أعطى الأسير شيئاً يصنعه.
قوله: [ائتمن طائعاً]: إن قلت: الفرض أنه أسير فكيف يتأتى منه طوع؟ أجيب بأنه يمكن ذلك فيمن أسر ابتداء، فلما وصل لبلادهم أحبوه وأطلقوه وعاملوه معاملة الحبيب المؤتمن.
قوله: [جاز له ذلك إن أمن على نفسه]: فإن تنازع الأسير ومن أمنه فقال الأسير: كنت مكرهاً، وقال الكافر: طائعاً، فالقول قول الأسير - قاله الأجهوري قوله:[لا إن جاء تائباً قبل القسم وتفرق الجيش]: أي فلا يؤدب بخلاف مجيئه بعد تفرق الجيش، فإنه يؤدب لقول ابن رشد. ومن تاب بعد القسم وافتراق الجيش أدب عند جميعهم قياساً على مشاهد [4] يرجع بعد الحكم لأن
[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]
[1]
في ط المعارف: (الذرية).
[2]
في ط المعارف: (به).
[3]
في ط المعارف: (حمله).
[4]
كذا في ط الحلبية، ولعل الصواب:(الشاهد).
(وحد زان) بحربية أو جارية من جواري السبي رجماً أو جلداً، (أو سارق) لنصاب من الغنيمة بقطع يده (إن حيز المغنم) ولم يجعلوا كونه من الغانمين الذين لهم حق في الغنيمة شبهة تدرأ عنه الحد، وذكر بعضهم: أن الراجح أن الزاني لا يحد وأن السارق لا يحد إلا إذا سرق فوق منابه نصاباً.
(وجاز أخذ محتاج) من إضافة المصدر لفاعله، أي يجوز للمحتاج منهم أن يأخذ من الغنيمة لا على وجه الغلول، (نعلاً) ينتعل به (وحزاماً) يشد به ظهره (وطعاماً) يأكله (ونحوها) كعلف لدابته وإبرة ومخياط وخيط وقصعة ودلو (وإن نعماً) يذبحه ليأكله، أو يحمل عليه متاعاً ويرد جلده للغنيمة إذا لم يحتج إليه (كثوب) يجوز أخذه إن احتاج للبسه أو ليتغطى به، (وسلاح) يقاتل به إن احتاج، (ودابة) يركبها أو يقاتل عليها أو يحمل عليها متاعاً إن احتاج.
ومحل جواز أخذ الثوب وما بعده للمحتاج، (إن قصد الرد) لها بعد قضاء حاجته لا إن قصد التملك فلا يجوز.
(ورد) وجوباً (ما فضل) عن حاجته من كل ما أخذه مما قبل الكاف وما بعدها (إن كثر) بأن ساوى درهماً فأعلى لا إن كان تافهاً، (فإن تعذر) رده (تصدق به) كله عن الجيش وجوباً بعد إخراج خمسه، ولا يجوز تملكه (و) جاز (المبادلة فيه): أي فيما أخذه المحتاج منهم قبل القسم، (وإن بطعام ربوي) فلمن أخذ لحماً أو شعيراً أو قمحاً أو نحو ذلك لحاجته فاستغنى عنه، أو عن بعضه أن يبدله ممن أخذ لحاجته غيره بذلك الغير، ولو بتفاضل في ربوي متحد الجنس لأنه ليس بمملوك حقيقة، وإنما أخذ للحاجة ويرد ما فضل، ولذا لا يجوز مبادلة بعد القسم إلا إذا خلا عن الربا والموانع الشرعية.
(و) جاز (التخريب) لديارهم بالهدم والإتلاف (والحرق وقطع النخل) من عطف الخاص على العام، لأنهما من التخريب خصهما بالذكر لتوهم منعهما، (وذبح حيوان) لهم (وعرقبته وإتلاف أمتعة) من عرض أو طعام، (عجز عن حملها) أو عن الانتفاع بها (إن أنكى) ذلك: أي أغاظ العدو (أو لم ترج) للمسلمين، فإن أنكى ولم ترج ندب التخريب عند ابن رشد وعند غيره وهو الراجح في هذه الصورة، وإن رجيت للمسلمين ولم تنك حرم التخريب وتعين الإبقاء وقال ابن رشد: الأفضل الإبقاء فالصور أربع.
ــ
افتراق الجيش كنفوذ الحكم بل هو أشد لقدرته على الغرم للمحكوم عليه وعجزه عن ذلك في الجيش اهـ. بن من حاشية الأصل
قوله: [وحد زان بحربية]: أي في بلادهم. وقوله: [أو جارية] إلخ: أي بعد حيازة المغنم فصار يحد للزنا مطلقاً قبل حيازة المغنم أو بعدها.
قوله: [إن حيز المغنم]: قيد في الثاني فقط، وأما السرقة قبل الحيازة فلا حد فيها لأن مال الحربي يجوز لنا تناوله بأي وجه كان.
قوله: [أن الزاني لا يحد]: أي الزاني بأمة السبي حيث كان من الغانمين نظراً للشبهة، وأما الزاني بالحربية فيحد باتفاق حيث زنى بها في محل يعجز عن تملكها فيه.
قوله: [بعد إخراج خمسه] إلخ: الذي في التوضيح أنه يتصدق بجميعه ولابن المواز يتصدق منه حتى يبقى اليسير، فإذا صار الباقي يسيراً جاز لذلك الآخذ أكله كما لو كان الباقي يسيراً من أول الأمر، فالأقوال ثلاثة أرجحها ما قاله شارحنا.
قوله: [وجاز المبادلة فيه] إلخ: هذا هو الصواب كما عبر به ابن الحاجب خلافاً لظاهر خليل من كراهتها ابتداء، ومضيها بعد الوقوع وعليه مشى التتائي.
قوله: [ولو بتفاضل في ربوي]: قال في الحاشية: والظاهر جواز اجتماع ربا الفضل والنساء هنا لأنها ليست معاوضة حقيقية، ثم إن جواز التفاضل بين الغزاة إنما هو فيما استغني عنه واحتيج لغيره، وأما إن لم يكن عند كل واحد إلا ما يحتاج إليه فلا يجوز فيه ربا بل يمنع وبهذا قيد الجواز أبو الحسن في شرح المدونة.
قوله: [وذبح حيوان] إلخ: قال في التوضيح: إذا عجز المسلمون عن حمل مال الكفار أو عن حمل بعض متاعهم، فإنهم يتلفونه لئلا ينتفع به العدو، وسواء الحيوان وغيره على المشهور المعروف. وعلى المشهور فاختلف ماذا يتلف به الحيوان فقال المصريون: تعرقب أو تذبح أو يجهز عليها، وقال المدنيون يجهز عليها وكرهوا أن تعرقب أو تذبح. وبهذا تعلم أن المصنف درج على قول المصريين، وأن الواو في كلامه بمعنى "أو" إذ لا يشترط اجتماع الذبح والعرقبة معاً، بل أحدهما كاف وحيث تلف الحيوان بالموت، وكان يظن رجوعهم إليه قبل فساده وينتفعون به وجب التحريق لأن القصد عدم انتفاعهم به كالأمتعة التي عجز عن حملها.
قوله: [فالصور أربع]: حاصلها أنه لا يجوز في صورتين، ويندب في صورة، ويحرم أو يكره في صورة. أما الجواز. ففيما إذا أنكت ورجيت، وعكسه وهو ما إذا لم تنك ولم ترج؛ والندب فيما إذا أنكت ولم ترج عند ابن رشد، وقال غيره فيها بالوجوب، واعتمدوه والحرمة أو الكراهة فيما إذا لم تنك ورجيت.
تنبيه: إتلاف النحل فيه صور أربع: إن قصد بإتلافها أخذ عسلها كان جائزاً اتفاقاً قلت أو كثرت، وإن لم يقصد أخذ عسلها فإن قلت كره اتفاقاً، وإن كثرت فروايتان بالجواز والكراهية
(و) جاز (وطء أسير) في أيديهم (حليلته) من زوجة أو أمة. ومحله (إن علم) الأسير (سلامتها) من وطء الحربي.
(و) جاز (الاحتجاج عليهم بقرآن) نحو قوله تعالى: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء} [آل عمران: 64] الآية.
(و) جاز (بعث كتاب) إليهم (فيه كالآية) والآيتين من القرآن إن أمن الامتهان والسب وإلا لم يجز.
(و) جاز (إقدام الرجل) المسلم (على كثير) من الكفار بقصد نشر دين الله حيث علم تأثيره فيهم.
(و) جاز (انتقال من سبب موت لآخر): أي لسبب موت آخر، كأن ينتقل من ضرب مثلاً للسقوط في بئر أو بحر، (ووجب) الانتقال (إن رَجَا) به (حياةً أو طولها) ولو مع ضيق.
(و) جاز (للإمام) أو نائبه (الأمان) للكافرين بأن يعطيهم الأمان على أنفسهم وأموالهم (لمصلحة) اقتضته تعود على المسلمين لا لغير مصلحة (مطلقاً) إقليماً أو غيره لخاص أو عام.
(كغيره)، أي الإمام يجوز له الأمان لمصلحة (إن كان) غير الإمام (مميزاً): فلا [1] يصح أمان غير المميز كصبي أو مجنون أو سكران (طائعاً) لا مكرهاً، فلا يصح تأمينه (مسلماً): فلا يمضي تأمين كافر ذمي؛ لأن كفره يحمله على سوء الظن بالمسلمين، (ولو) كان المؤمن المميز المسلم (صبياً أو امرأة أو رقيقاً أو خارجاً على الإمام)، فإنه يجوز ويمضي، وقيل الصبي وما بعده لا يجوز أمانه، ولكن إن وقع مضى إن أمضاه الإمام وإن شاء رده.
(وأمن) غير الإمام (دون: إقليم) بأن أمن عدداً محصوراً وكان أمان غير الإمام (قبل الفتح) أي استيلاء الجيش على المدينة والظفر بها.
(وإلا) بأن أمن غير الإمام إقليماً أي عدداً غير محصور ولو لم يكن أحد أقاليم الدنيا أو أمن عدداً محصوراً بعد فتح البلد، (نظر الإمام) في ذلك، فإن كان صواباً أبقاه وإلا رده.
(و) إذا وقع الأمان من الإمام أو من غيره بشروطه (وجب) على المسلمين جميعاً (الوفاء به)، فلا يجوز أسرهم ولا أخذ شيء من مالهم إلا بوجه شرعي ولا أذيتهم بغير وجه شرعي.
(وسقط به): أي بالأمان،
ــ
قوله: [وجاز وطء أسير] إلخ: أي لأن سبيهم لا يهدم نكاحنا ولا يبطل ملكنا، وأراد بالجواز عدم الحرمة وإلا فهو مكروه خوفاً من بقاء ذريته بأرض الحرب.
قوله: [وجاز الاحتجاج عليهم بقرآن]: أي كما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه كان يخاطبهم بالآية التي ذكرها الشارح، ومثل القرآن الأحاديث.
قوله: [على كثير]: مراده أكثر من مثليه، لأن إقدامه على مثليه واجب والفرار منه كبيرة، والجواز المذكور بشرطين: أحدهما: قصد نصر دين الله بأن لا يكون قصده إظهار شجاعة ولا طمعاً في غنيمة، ثانيهما: أن يعلم أو يغلب على ظنه نكايته لهم وإلا لم يجز، وإن مات يكون عاصياً وإن كان شهيداً ظاهراً.
قوله: [من سبب موت]: إنما عبر بالسبب لأن الموت لا تعدد فيه والتعدد إنما هو في أسبابه قال بعضهم:
ومن لم يمت بالسيف مات بغيره
…
تعددت الأسباب والموت واحد
فيجوز له الانتقال بطرح نفسه في البحر مثلاً هروباً من النار وهذا هو المشهور، ومقابله في كتاب محمد من عدم الجواز، وفرض المسألة استواء الأمرين بأن علم إن استمر في النار مات حالاً، وإن رمى بنفسه في البحر مات حالاً.
قوله: [ووجب الانتقال إن رجا]: مراده بالرجاء ما يشمل الشك.
قوله: [الأمان للكافرين]: عرف ابن عرفة الأمان بقوله: رفع استباحة دم الحربي ورقه وماله حين قتاله أو العزم عليه مع استقراره تحت حكم الإسلام مدة ما. فقوله: رفع: مصدر مناسب للأمان، لأنه اسم مصدر، وقوله: استباحة إلخ احترز به من رفع استباحة دم غيره كالعفو عن القاتل، وقوله: ورقه أخرج به المعاهد، وقوله: حين قتاله احترز به عن الصلح والمهادنة والاستئمان - كذا في الحاشية.
قوله: [إقليماً]: أي عدداً غير محصور وإن لم يكن أحد الأقاليم السبعة الآتي بيانها.
قوله: [إن كان غير الإمام مميزاً]: حاصله: أن من كملت فيه تسعة شروط وهي: الإسلام، والعقل، والبلوغ، والحرية، والذكورة، والطوع، ولم يكن خارجاً على الإمام، وأمن دون إقليم، وكان تأمينه قبل الفتح إذا أعطى أماناً؛ كان كأمان الإمام اتفاقاً. وأما الصبي المميز، والمرأة والرقيق، والخارج عن الإمام إذا أمن واحد منهم دون إقليم قبل الفتح ففيه خلاف، فقيل: يجوز ويمضي، وقيل: لا يجوز ابتداء، ويخير فيه الإمام إن وقع إن شاء أمضاه وإن شاء رده، وأما الكافر وغير المميز فلا يمضي اتفاقاً.
قوله: [أو خارجاً على الإمام]: ظاهره أنه من موضوع الخلاف، وقيل: إن كان مسلماً عاقلاً بالغاً حراً ذكراً وأمن دون إقليم قبل الفتح يجوز ويمضي باتفاق ومشى عليه في الأصل.
قوله: [أحد أقاليم الدنيا]: وهي سبعة: الهند، والحجاز، ومصر، وبابل، والروم، والترك مع يأجوج ومأجوج، والصين. وأما المغرب، والشام، والعراق، فمن مصر بدليل اتحاد الدية، والميقات واليمن والحبشة من الحجاز.
وكل إقليم من هذه الأقاليم سبعمائة فرسخ في مثلها من غير أن يحسب من ذلك جبل ولا واد. والبحر الأعظم محيط بذلك ويحيط به جبل قاف.
[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]
[1]
ليست في ط المعارف، ولعل حذفها هو الصواب.
(القتل وإن) وقع (من غير الإمام بعد الفتح): فأولى إن وقع من الإمام أو من غيره قبل الفتح، وأما غير القتل من جزية أو استرقاق أو فداء فلا يسقط إن وقع الأمان بعد الفتح؛ فلا يسقط الأمان بعده إلا القتل خاصة.
فلذا قال: (فينظر) الإمام (في غيره) أي غير القتل من أسر أو من أو فداء أو ضرب جزية.
ثم الأمان من الإمام أو غيره يكون (بلفظ) دال عليه نحو: أمناك (أو إشارة مفهمة) برأس أو يد.
(ولو ظنه): أي الأمان (حربي) والحال أن المسلم لم يؤمنه وإنما خاطب غيره أو خاطبه بكلام لم يفهمه (فظن) أنه أمنه (فجاء) إلينا معتمداً على ظنه.
(أو نهى الإمام الناس عنه): أي عن الأمان (فعصوا) وأمنوا واحداً أو طائفة.
(أو نسوا) أن الإمام نهى عنه فأمنوا (أو جهلوا) نهيه أي لم يعلموا به فأمنوا، (أو) أمنه ذمي و (ظن) الحربي (إسلامه) فجاء إلينا معتمداً على ذلك (أمضى) الأمان في المسائل الخمس: أي أمضاه الإمام إن شاء، (أو رد) الحربي (لمأمنه)، ولا يجوز قتله ولا أسره ولا سلب ماله. (كأن): أي كما يرد لمأمنه إن (أخذ) حال كونه (مقبلاً) إلينا (بأرضهم فقال: جئت لأطلب الأمان) منكم، (أو) أخذ (بأرضنا وقال: ظننت أنكم لا تتعرضون لتاجر) ومعه تجارة، (أو) أخذ (بينهما) أي بين أرضنا وأرضهم وقال ما ذكر فيرد لمأمنه.
(إلا لقرينة كذب) فلا يرد، ويرى الأمان [1] فيه ما يراه في الأسرى، كما إذا لم يدع شيئاً من ذلك في المسائل الثلاثة.
(وإن مات) المؤمن (عندنا فماله لوارثه إن كان معه) وارثه عندنا دخل على التجهيز أم لا (وإلا) يكن معه وارثه [2](أرسل) المال (له) أي لوارثه بأرضهم (إن دخل) عندنا (على التجهيز) لقضاء مصالحه من تجارة أو غيرها، لا على الإقامة عندنا، (ولم تطل إقامته) عندنا (وإلا) بأن دخل على الإقامة أو على التجهيز، ولكن طالت إقامته عندنا (ففيء) محله بيت مال المسلمين.
(وانتزع منه) أي من المستأمن (ما سرق): أي ما سرقه منا معاهد زمن عهده سواء كان هو أو غيره، (ثم عيد) أي رجع (به) إلينا ويقطع إن كان هو السارق، ولو شرط عند الأمان أنه لا يقطع إن سرق، ولا يوفى له بشرطه، بخلاف ما أغاروا عليه وسلبوه منا من الأموال أو سرقوه في غير زمن عهدهم،
ــ
قوله: [وإن وقع من غير الإمام بعد الفتح]: وهذا قول ابن القاسم وابن المواز، ورد المصنف بالمبالغة على ما قاله سحنون: لا يجوز لمؤمنه قتله ويجوز لغيره لعدم صحة أمانه بالنسبة لغير مؤمنه. فمحل الخلاف في سقوط القتل بالتأمين بعد الفتح، إنما هو بالنسبة لغير المؤمن، وأما هو فلا يجوز له القتل اتفاقاً - كذا في التوضيح.
قوله: [وأما غير القتل من جزية] إلخ: ظاهره ولو من الإمام.
قوله: [من أسر]: أي استرقاق ويكونون غنيمة.
قوله: [أو من]: أي بأن يترك سبيله ويحسبه من الخمس.
قوله: [أو فداء]: أي من الخمس أيضاً سواء كان بالأسارى الذين عندهم أو بمال يأخذه منهم.
قوله: [أو ضرب جزية]: أي عليهم، ويحسب المضروب عليهم من الخمس أيضاً، وهذه الوجوه الأربعة بالنسبة للرجال المقاتلة، وأما النساء والذراري فليس فيهم إلا الاسترقاق أو الفداء.
قوله: [بلفظ دال عليه]: أي عربي أو غيره.
قوله: [مفهمة]: أي يفهم الحربي منها الأمان، وإن قصد المسلم بها ضده. ويثبت الأمان من غير الإمام ببينة لا بقول المؤمن كنت أمنته، بخلاف الإمام فقوله مقبول.
قوله: [أو رد الحربي لمأمنه]: أو للتخيير أي أن الإمام مخير بين إمضائه أو رده إلى المحل الذي كان فيه قبل التأمين، سواء كان يأمن فيه أو يخاف فيه فلا يتعرض له في حال مكثه عندنا ولو طالت إقامته، أولا في حال توجهه إلى المحل الذي كان فيه.
قوله: [أو أخذ بينهما]: ما ذكره المصنف من أنه يرد في هذه لمأمنه أحد قولين، وقيل: إنه يخير فيه الإمام ويرى فيه رأيه، ومحل الخلاف إذا أخذ بحدثان مجيئه وإلا خير فيه الإمام باتفاق كما في التوضيح.
قوله: [إلا لقرينة كذب]: أي كوجود آلة الحرب معه.
تنبيه: إن رد المؤمن بريح قبل وصوله لمأمنه فهو على أمانه السابق حتى يصل إلى مأمنه، فإذا قام فليس للإمام إلزامه الذهاب لأنه على الأمان، ومثل الرد بالريح رجوعه قبل الوصول، ولو اختياراً على ظاهر كلام ابن يونس. وأما إن رجع بعد بلوغه مأمنه بريح أو غيرها، فقيل: الإمام مخير إن شاء أنزله وإن شاء رده، وقيل: هو حل، وقيل: إن رد غلبة فالإمام مخير وإن رد اختياراً فهو حل.
قوله: [وإن مات المؤمن عندنا] إلخ: اعلم أن الأحوال أربعة لأن الحربي المؤمن: إما أن يموت عندنا، وإما أن يموت في بلده ويكون له مال عندنا نحو وديعة، وإما أن يؤسر، وإما أن يقتل في المعركة، فأشار المصنف إلى الحالة الأولى بقوله:[وإن مات عندنا فماله لوارثه] إلخ، ولم يستوف الأحوال الأربعة، بل بين حكم الحالة الأولى فقط، ونحن نبينها فنقول: أما الحالة الثانية: وهي ما إذا مات في بلده وكان له عندنا نحو وديعة، فإنها ترسل لوارثه، وأما الحالة الثالثة: وهي أسره وقتله، فماله لمن أسره وقتله حيث حارب فأسر ثم قتل، وأما الحالة الرابعة: وهي ما إذا قتل في معركة بينه وبين المسلمين من غير أسر، ففي ماله قولان، قيل، يرسل لوارثه، وقيل: فيء. ومحلهما: إذا دخل على التجهيز، أو كانت العادة ذلك ولم تطل
[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]
[1]
في ط المعارف: (الإمام)، ولعلها الصواب.
[2]
في ط المعارف: (وارثة).
فلا ينزع منهم إن دخلوا به عندنا بأمان إلا الحر المسلم، فإنه ينزع على المعتمد بالقيمة، وما مشى عليه الشيخ من عدم النزع ضعيف ولذا قيل:(و) انتزع من المعاهد (الأحرار المسلمون) الذين قدم بهم بعد أسرهم أو سرقتهم بالقيمة على فرض كونهم أرقاء، وأما ما سرقه زمن عهده فينزع منه بلا قيمة قولاً واحداً.
(وملك) حربي دخل عندنا بأمان أو لا (بإسلامه) جميع ما بيده من أموالنا وغيرها كذمي وماله (غيرهما) أي غير الحر المسلم وما سرقه منا أيام عهده فلا يملكهما وينزعان منه
(ووقفت الأرض غير الموات) من أرض الزراعة والدور بمجرد الاستيلاء عليها، ولا يحتاج وقفها لصيغة من الإمام، ولا لتطييب أنفس المجاهدين بشيء من المال، ولا يؤخذ للدور كراء، بخلاف أرض الزراعة. وفائدة وقف الدور أنها لا تباع ولا يتصرف فيها تصرف الملاك، وهذا ما دامت باقية بأبنيتها التي فتحت عليها، فإن تهدمت وجدد فيها بناء جاز بيعها وهبتها،
والأخذ بالشفعة كما هو الآن بمصر ومكة وغيرهما. وأما الموات فلا كلام لأحد عليها، ومن أحيا منها شيئا فهو له ملكاً [1](كـ) أرض (مصر والشام والعراق) من كل ما فتحت عنوة.
(وخمس غيرها) أي غير الأرض من سائر الأموال قال تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} [الأنفال: 41] الآية.
(فخراجها): أي الأرض، (والخمس) المذكور،
ــ
إقامته. فإن طالت إقامته وقتل في معركة بينه وبين المسلمين كان ماله ولو وديعة فيئاً قولاً واحداً.
قوله: [فلا ينزع منهم إن دخلوا به عندنا بأمان]: أي ولا يتعرض لهم فيه، غاية ما فيه يكره لغير مالكه اشتراؤه منهم لأن فيه تسليطاً لهم على أموال المسلمين، وشراؤها يفوتها على المالك. وأما لو قدم الحربي عندنا قهراً كالدولة الفرنساوية فإذا نهبوا أمتعة المسلمين وأرادوا بيعها فلا يجوز الشراء منها وهي باقية على ملك أربابها، فلهم أخذها ممن اشتراها بقصد التملك مجاناً. وأما إن اشتراها بقصد الفداء لربها فالأحسن أخذها بالفداء، لأن بلاد الإسلام لا تصير دار حرب بأخذ الكفار لها بالقهر ما دامت شعائر الإسلام قائمة بها. كذا في حاشية الأصل. وبهذا تعلم أن ما وهبه الفرنساوية من أموال المسلمين لا يملكه الموهوب له ولا يفوت على مالكه بالهبة. بخلاف من دخل بلادنا بأمان وبيده شيء من أموال المسلمين أخذها منهم وهو بدار الحرب، فإنه يملكها الموهوب له إما لأن الأمان يحقق ملكه أو لأنه بالعهد صار له حرمة ليست له في دار الحرب. بخلاف ما باعوه أو وهبوه في ديارهم فإن لربه أخذه بالثمن في البيع ومجاناً في الهبة.
قوله: [إلا الحر المسلم]: أي ذكراً أو أنثى.
قوله: [وما مشى عليه الشيخ] إلخ: هو أحد قولين لابن القاسم. والقول الآخر: أنه ينتزع منهم الإناث دون الذكور فالأقوال ثلاثة قد علمتها.
قوله: [فلا يملكها] إلخ: أي لعدم الشبهة حينئذ، ومثل الحر المسلم الدين الذي في ذمته، الوديعة وما استأجره منا حال كفره.
تنبيه: يدخل في قوله: [غير الحر المسلم]: أم الولد والمدبر والمعتق لأجل والمكاتب. لكنه يجب فداء أم الولد بدفع القيمة لشبهها بالحرة، واتبعت ذمة سيدها إن أعسر ويملك من المدبر والمعتق لأجل ما يملكه السيد منهما، فإن مات السيد المدبر والمعتق من ثلث ماله، فإن حمل بعضه رق باقيه لمن أسلم عليه ولا خيار للوارث في المدبر إذا مات سيده ورق بعضه، بل الحق فيه لمن أسلم عليه لأن السيد لم يكن له انتزاعه ممن أسلم، فكذا وارثه. بخلاف العبد الجاني والمعتق لأجل يصير حراً بفراغ الأجل. والمكاتب يعتق إذا أدى ما عليه له، وإن عجز رق له، ولا شيء لسيده والولاء في الجميع لمن عقد الحرية.
قوله: [بمجرد الاستيلاء] إلخ: قال (ر): لم أر من قال: إنها تصير وقفاً بمجرد الاستيلاء عليها، إذ كلام الأئمة فيما يفعله الإمام فيها - هل يقسمها كغيرها أو يتركها لنوائب المسلمين؟ وحينئذ فمعنى وقفها تركها غير مقسومة لا الوقف المصطلح عليه وهو الحبس وأقره (بن)، وقد يقال: هذا المعنى هو المراد من قولهم: تصير وقفاً بمجرد الاستيلاء، فإنها تترك للمصالح ولا معنى للوقف والتحبيس إلا ذلك. وهذا الوقف لا يحتاج لصيغة كما قال الشارح - كذا يؤخذ من حاشية الأصل.
قوله: [ولا يؤخذ للدور كراء]: أي هي كالمساجد يقضى فيها للسابق، ونقل عن بعض الأشياخ أنه ينبغي أن يؤخذ للدور كراء ويكون في المصالح كخراج أرض الزراعة
قوله: [فلا كلام لأحد عليها]: أي ولو السلطان.
قوله: [فخراجها]: أي أرض العنوة، ومثلها: خراج أرض الصلح ولا تورث أرض العنوة لأنها لا تملك، قال في الأصل: ولو مات أحد الفلاحين وله ورثة وقد جرت العادة بأن الذكور تختص بالأرض دون الإناث كما في بعض قرى الصعيد - فإنه يجب إجراؤهم على عاداتهم على ما يظهر، لأن هذه العادة والعرف صارت كإذن من السلطان في ذلك. ومقتضى ما تقدم أنه يجوز للسلطان أو نائبه أن يمنع الورثة من وضع أيديهم عليها ويعطيها لمن يشاء. وقد يظهر أنه
[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]
[1]
في ط المعارف: (ملك).
(والجزية وعشر) تجارة (أهل الذمة)، وكذا عشر الحربيين إذا دخلوا عندنا بأمان، (وما) أي وكل مال (جهلت أربابه) ومال المرتد إذا قتل لردته (وتركة ميت لا وارث له)، وما [1] أخذه الإمام في نظير معدن أو إقطاع، كل ذلك محله بيت مال المسلمين يصرف (لآله عليه الصلاة والسلام بقدر كفاية سنة أو ما يقتضيه الحال، وينفلون عن غيرهم لمنعهم من الزكاة وهم بنو هاشم فقط عندنا، وعند غيرنا بنو هاشم والمطلب.
(ولمصالح المسلمين من جهاد) يشترى خيل وسلاح ويعطى للعسكر ما ينفقونه في سفرهم أو رباطهم ونحو ذلك، (و) من (قضاء دين معسر وتجهيز ميت) لا مال له، (وإعانة محتاج من أهل العلم) وهم أولى من غيرهم لا سيما المنقطعين لقراءته وتدوينه، وللإفتاء والقضاء ونحو ذلك (وغيرهم) من كل محتاج ويتيم وأرمل وتزويج أعزب وإعانة حاج، (و) من (مساجد وقناطر ونحوها) كحصن، وسور، وسفن، وعقل جراح، وعمارة ثغور.
(والنظر) في ذلك كله (للإمام) بالمصلحة والمعروف.
(وله) أي للإمام (النفقة منه) أي من بيت المال (على) نفسه و (عياله بالمعروف) لا بالإسراف.
(وبدأ [2]) وجوباً بالإعطاء (بمن): أي بالمستحقين [3] من آل البيت وغيرهم الذين جبي (فيهم المال) الخراج أو الجزية أو الخمس أو غيرها، فيعطون كفاية سنة إن أمكن، ثم ينقل الباقي لغيرهم الأحوج فالأحوج.
(ونظر) الإمام أي له النظر بالمصلحة (في الأسرى) غير النساء بأحد أمور خمسة: (بمن) أي عتق (أو فداء) بمال منهم (أو) ضرب (جزية أو قتل أو استرقاق) ويحسب غير الاسترقاق من الخمس.
(ونفل) الإمام (من الخمس) أي له ذلك (لمصلحة) ككون المنفل شجاعاً أو ذا تدبير ورأي في الحروب، أو خصوصية لم تكن في غيره زيادة على ما يستحقه من الغنيمة.
(ولا يجوز) للإمام (قبل انقضاء القتال) أن يقول: (من قتل قتيلاً فله سلبه) بفتح اللام لأنه يصرف نيتهم لقتال الدنيا، ولذا جاز بعد القدرة عليهم،
(و) إن وقع ذلك منه (مضى) وعمل بمقتضاه، (إن لم يبطله قبل حوز المغنم) بأن لم يبطله أصلاً أو أبطله بعد الحوز فإن أبطله قبل حوزه بطل واعتبر إبطاله فيما بعد الإبطال لا فيما قبله.
(و) إذا قلنا بمضيه أو قاله بعد انقضاء القتال فيكون (لمسلم فقط) لا ذمي (سلب): وهو ما يسلب من الحربي المقتول
ــ
لا يجوز له لما فيه من فتح باب يؤدي إلى الهرج والفساد، ولأن لمورثهم نوع استحقاق، وأيضا العادة تنزل منزلة حكم السلاطين المتقدمين، لأن كل من بيده شيء فهو لوارثه أو لأولاده الذكور دون الإناث رعاية لحق المصلحة، نعم إذا مات ولم يكن له وارث فالأمر للملتزم. وما اشتهر من فتاوى معزوة لبعض أئمتنا كالشيخ الخرشي والشيخ عبد الباقي والشيخ يحيى الشاوي وغيرهم، من أن أرض الزراعة تورث، فهي فتوى باطلة لمنافاتها ما تقدم، وغالبهم قد شرح هذا المختصر ولم يذكر الإرث ولا بالإشارة، فالظاهر أن هذه الفتاوى مكذوبة عليهم فلا يلتفت إليها اهـ. بحروفه قوله:[والجزية]: أي عنوية أو صلحية.
قوله: [كل ذلك]: أي جميع العشرة التسعة التي ذكرها المصنف والشارح، والعاشر إخراج أرض الصلح. ولا تضم لها الزكاة بل تصرف للأصناف الثمانية، ولو تولاها السلطان.
قوله: [وعند غيرنا]: أي الشافعي فقط، وأما عند أبي حنيفة فهم فرق خمسة: آل علي، وآل جعفر، وآل الحارث، وآل العباس، وآل عقيل، وهؤلاء أقل أفراداً من بني هاشم.
قوله: [بالمعروف]: أي ولو استغرق الجميع كما قال عبد الوهاب. واختلف هل يبدأ الإمام بنفسه وعياله؟ وبه قال عبد الوهاب. أو لا يبدأ بنفسه وعياله؟ وبه قال ابن عبد الحكم.
قوله: [أو غيرها]: أي من باقي العشرة.
قوله: [والأحوج فالأحوج]: أي ينقل الإمام ممن فيهم المال لغيرهم الأكثر إذا كان ذلك الغير أحوج منه
قوله: [غير النساء) أي الصبيان فهذه الوجوه بالنسبة للرجال المقاتلين، وأما النساء والذراري فليس فيهم إلا الاسترقاق والفداء.
قوله: [ويحسب غير الاسترقاق من الخمس]: أي فيكون على بيت المال بخلاف الاسترقاق فإنه يقسم أخماساً للمجاهدين وبيت المال.
قوله: [ونفل الإمام] إلخ: اعلم أن النفل ما يعطيه الإمام من خمس الغنيمة لمستحقها لمصلحة، وهو جزئي وكلي، فالأول ما يعطيه بالفعل كأن يقول خذ يا فلان هذا الدينار أو البعير مثلاً، والثاني ما ثبت بقوله:«من قتل قتيلاً فله سلبه» .
قوله: [ولا يجوز للإمام]: أي يكره له أو يحرم، وظاهر صنيع (عب) اعتماد الكراهة وهو الأوجه، لأن القتال لأجل الغنيمة ليس حراماً، بل خلاف الأكمل كما تقدم التنبيه عليه.
قوله: [من قتل قتيلاً فله سلبه]: أي ما يسلب من المقتول، والمراد من الفعل الماضي المستقبل لأن ذلك قبل انقضاء القتال، فمعنى من قتل قتيلاً من يقتل قتيلاً في المستقبل، وأما لو قاله الإمام بعد انقضاء القتال فلا تجوز فيه، بل هو ماضي اللفظ والمعنى، لأن المعنى من كان قتل منكم قتيلاً.
قوله: [لا فيما قبله]: أي فمن كان قتل قتيلاً قبل إبطال الإمام استحق سلبه.
قوله: [لا ذمي]: أي ما لم ينفذه له الإمام وإلا فيمضي، وإن كان
[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]
[1]
في ط المعارف: (ما).
[2]
في ط المعارف: (وبُدئ).
[3]
في ط المعارف: (المستحقين).
(اعتيد) من ثياب وفرس يركبها، ومنطقة وسلاح ودرع وسرج ولجام، لا سوار وصليب وعين ودابة غير مركوبة، ولا ممسوكة له للركوب، بل جنيب يقاد أمامه للافتخار، لأنه من غير المعتاد ويكون له المعتاد.
(وإن لم يسمع) مناداة الإمام: "من قتل قتيلاً فله سلبه"(أو تعدد) مقتوله فله سلب الجميع (إن لم يعين) الإمام (قاتلاً وإلا) بأن عين قاتلاً كأن قال: إن قتلت يا فلان قتيلاً فلك سلبه فقتل قَتلى (فالأول) منهم له سلبه دون من بعده.
(ولم يكن) السلب (لكامرأة) عطف على اعتيد، فإن كان لامرأة أو صبي أو شيخ فان أو لراهب منعزل لم يكن له سلبهم، لأنه لا يجوز قتلهم كما تقدم (إلا إن قاتلت) مقاتلة الرجال بالسلاح، أو قتلت إنساناً فيكون لقاتلها سلبها لجواز قتلها حينئذ، وكذا من ذكر معها الداخل تحت الكاف.
(كالإمام): له سلب اعتيد، ولم يكن لكامرأة لأن المتكلم يدخل في عموم كلامه، (إن لم يقل): من قتل قتيلاً (منكم)، وإلا فلا سلب له لأنه خص غيره (ولم يخص نفسه)، بأن قال: إن قتلت أنا قتيلاً فلي سلبه فلا سلب له لأنه حابى نفسه.
(وقسم الأربعة الأخماس) الباقية على الجيش (لذكر) لا أنثى، (مسلم) لا ذمي، (حر) لا رقيق، (عاقل) لا مجنون، (حاضر) للقتال لا غائب إلا أن يكون غيابه لتعلقه بأمر الجيش كما يأتي.
(كتاجر وأجير) يقسم لهما (إن قاتلا) بالفعل، (أو خرجا) مع الجيش (بنيته) أي القتال، وإلا فلا يسهم لهما.
(وصبي) يسهم له (إن أطاقه) أي القتال، (وأجيز) أي أجازه الإمام، (وقاتل) بالفعل وإلا فلا. لكن ظاهر المدونة وشهره ابن عبد السلام أنه لا يسهم له مطلقاً (لا ضدهم) من أنثى وذمي ورقيق إلخ فلا يسهم لهم، ولو قاتلوا.
(كميت قبل اللقاء) من آدمي أو فرس لا يسهم له: (وأعمى وأعرج وأشل وأقطع) لا يسهم لهم (إلا لتدبير) ورأي منهم في الحرب فيسهم لهم.
(ومتخلف) عن الجيش (لحاجة) لا يسهم له (إلا أن تتعلق) الحاجة (بالجيش) من كزاد وماء ومدد ونحو ذلك.
(بخلاف ضال) عن الجيش فيسهم له (وإن) ضل (بأرضنا) خلافاً لما مشى عليه الشيخ.
(ومريض شهد) القتال وإن لم يقاتل بالفعل، فإن منعه مرضه من حضور القتال لم يسهم له.
ــ
لا يجوز ابتداء لأنه حكم بمختلف فيه.
قوله: [اعتيد]: أي وجوده مع المقتول، ويثبت كونه قتيلاً بعدلين إن شرط الإمام البينة وإلا فقولان.
قوله: [فالأول منهم]: أي إن علم وإلا فنصف كل منهما كما لو قتلهما معاً، وقيل له الأقل في الفرع الأول والأكثر في الثاني، والتفرقة بين قوله: إن قتلت يا فلان قتيلاً وبين من قتل قتيلاً مشكل، إذ في كليهما النكرة في سياق الشرط وهي تعم. وأجيب بأنه إذا عين الإمام الفاعل لم يكن داخلاً على اتساع العطاء فيقتصر على ما يتحقق به العطاء، وهو يتحقق في شخص واحد بخلاف ما إذا قال: من قتل قتيلاً، فإن العموم يقوي العموم - كذا قرر شيخ مشايخنا العدوي.
قوله: [لا أنثى]: أي فلا يسهم لها، ولو قاتلت إلا إذا تعين الجهاد عليها بفجء العدو، وإلا أسهم لها كما قال الجزولي ومثلها الصبي والعبد.
قوله: [حاضر للقتال]: أي ولو لم يقاتل بالفعل.
قوله: [إن قاتلا بالفعل]: وقيل يكفي في الإسهام لهما شهود القتال، وقيل بعدم الإسهام للأجير مطلقاً ولو قاتل؛ ففي الأجير ثلاثة أقوال، وفي التاجر قولان، حيث كان خروجهما بقصد التجارة والخدمة. وأما لو كان خروجهما للغزو ثم طرأت التجارة والخدمة، فإنه يسهم لهما كما قال الشارح قولاً واحداً.
قوله: [أو خرجا مع الجيش بنيته]: ظاهره كانت نية الغزو تابعة أو متبوعة، والذي في التوضيح اعتماد توقف الإسهام على كونها غير تابعة.
قوله: [فلا يسهم لهم ولو قاتلوا]: الضمير راجع للجماعة الذين شملهم لفظ الضد والمبالغة راجعة لغير ضد الحاضر، إذ لا يتصور القتال مع الغيبة ورد بالمبالغة على من قال بالإسهام لهم حينئذ، فالخلاف موجود حتى في الذمي إذا قاتل كما في التوضيح وابن عرفة. تنبيه: كما لا يسهم لتلك الأضداد لا يرضخ لهم. والرضخ: مال موكول تقديره للإمام محله الخمس كالنفل.
قوله: [كميت قبل اللقاء]: أي القتال فلا يسهم له ولا يرضخ له.
قوله: [وأعرج]: قال في الأصل إلا أن يقاتل أي راكباً أو راجلاً، فيسهم له على المعتمد كما في المواق خلافاً لما يفيده كلام التتائي من أنه لا يسهم للأعرج مطلقاً، ولو قاتل. قال في حاشية الأصل وينبغي جريان القيد في الأعمى أيضاً.
قوله: [إلا أن تتعلق الحاجة بالجيش]: أي أو بأميره كتخلفه لأجل تمريض ابن الأمير مثلاً لقضية «عثمان حين أمره النبي صلى الله عليه وسلم بالرجوع لتجهيز زوجته بنت المصطفى صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر وأسهم له» .
قوله: [وإن ضل بأرضنا]: ومثله من ردته الريح ببلد الإسلام، قال مالك في المدونة: ومن ردتهم الريح لبلد الإسلام فإنه يسهم لهم مع أصحابهم الذين وصلوا وغنموا، وقال ابن القاسم فيها: ولو ضل رجل من العسكر فلم يرجع حتى غنموا فله سهمه لقول مالك في الذين ردتهم الريح اهـ.
قوله: [ومريض شهد القتال]: أي ولم يمنعه مرضه كما هو السياق سواء كان المرض حصل بعد
(كفرس رهيص) يسهم له، والرهص: مرض بباطن قدم الفرس لأنه بصفة الصحيح.
(و) يسهم (للفرس سهمان) ولراكبه بشروطه المتقدمة سهم واحد، (وإن لم يسهم لراكبه) لفقد شروطه (كعبد) وذمي، (وإن) كان القتال (بسفينة) لأن المقصود من الخيل إرهاب العدو، ولأنه لو قدر الخروج من السفينة لقوتل عليها.
(أو) كان الفرس (برذوناً) وهو العظيم الخلقة الغليظ الأعضاء، (وهجيناً) وهو ما كان أبوه عربياً وأمه نبطية أي رديئة، وعكس الهجين -وهو ما أمه عربية وأبوه نبطي- كذلك سهمان؛ ويسمى مقرفاً بالفاء اسم فاعل من أقرف، (وصغيراً يقدر بها) أي بالثلاثة (على الكر) على العدو (والفر) منه.
(و) الغازي (المستند للجيش) واحداً أو أكثر؛ بأن كان في حال انفراده عنه سائراً تحت ظله وأمانه ولا استقلال له بنفسه (كالجيش) فيما غنمه في انفراده عنه، فيقسم بينه وبين بقية الجيش كما أن ما غنمه الجيش يدخل فيه المستند له إذا كان المستند ممن يقسم. فإن كان عبداً أو ذمياً اختص به الجيش، إلا أن يكون له قوة تكافئ قوة الجيش أو تزيد، فيقسم ما غنمه بينه وبين الجيش نصفين، ثم يخمس الجيش نصيبه منه.
(وإلا) يستند المنعزل للجيش بأن كان مستقلاً بنفسه، (فله ما غنمه) ولا دخل للجيش فيه.
(وخمس مسلم ولو عبداً) على الأصح عند الشيخ (لا ذمي) فلا يخمس واختص بجميع ما غنمه.
(والشأن) الذي عليه عمل السلف (القسم ببلدهم) لأنه أسر للغانمين وأغيظ للكافرين (وأخذ) شخص (معين) أي معروف بعينه حاضر - (وإن) كان (ذمياً- ما عرف له) في الغنيمة كفرس أو ثوب أو غير ذلك (قبله) أي: قبل القسم (مجاناً) لا في نظير شيء (وحمل له) إذا كان غائباً (إن كان) حمله (أحسن) له وإلا بيع له وحمل له ثمنه.
(وحلف) المعين الذي عرف له متاعه سواء كان حاضراً أو غائباً (أنه) باق (على ملكه) لم يخرج عنه بناقل شرعي، فإن حلف أخذه وإلا كان من الغنيمة.
(و) لو قسم ما عرف ربه قبل القسم (لا يمضي قسمه) فلربه أخذه مجاناً.
(و) إن عرف ما لمعين (بعده): أي بعد القسم، أخذه ربه ممن وقع بيده (بقيمته) إن قسمت الأعيان (أو ثمنه) الذي اشتراه به إن بيع وقسمت الأثمان،
ــ
الإشراف على الغنيمة أو حصل له في ابتداء القتال، ولم يزل كذلك حتى هزم العدو، ففي الأولى يسهم له اتفاقاً، وفي الثانية على الراجح.
قوله: [كفرس رهيص]: أي ومثله الفرس المريض إذا رجي برؤه يسهم له على قول مالك، خلافاً لأشهب وابن نافع. ولو لم يشهد القتال. ومحل الخلاف إذا منعه المرض من القتال عليه، ولكن يرجى برؤه، وأما إذا كان يمكنه القتال عليه أو قاتل عليه بالفعل فإنه يسهم له بلا خلاف.
قوله: [وهجينا]: أي من الخيل لا الإبل إذ لا يسهم لها ولو قوتل عليها بالفعل.
تنبيهان:
الأول: إذا كان الفرس محبساً فسهماه للمقاتل عليه لا للمحبس، ولا في مصالحه كعلف ونحوه، والمغصوب سهماه للمقاتل عليه أيضاً، وللمغصوب منه أجرة مثله إن لم يكن المغصوب منه من آحاد المجاهدين، ولم يكن له غيره وإلا فسهماه لربه.
الثاني: لا يسهم للفرس الأعجف وهو الهزيل الذي لا نفع به، ولا الكبير الذي لا ينتفع به، ولا البغل والفرس المشترك بين اثنين فأكثر سهماه للمقاتل عليه وحده، وعليه أجرة حصة الشريك كثرت أو قلت.
قوله: [فيقسم ما غنمه بينه] إلخ: أي ولو كان المستند طائفة قليلة.
قوله: [ولو عبداً]: رد بـ "لو" على قول من قال: إن المسلم لا يخمس ما أخذه من الحربيين إلا إذا كان حراً. ومحل تخميس المسلم إن لم يكن أخذه على وجه التلصص؛ وإلا فلا تخميس عليه كما يأتي.
قوله [القسم ببلدهم] ويكره تأخيره لبلد الإسلام، وهذا إذا كان الغانمون جيشاً وأمنوا من كر العدو، فإن خافوا كر العدو عليهم أو كانوا سرية أخروا القسم حتى يعودوا لمحل الأمن وللجيش.
قوله: [وإلا بيع له]: أي لأجل ربه فاللام للتعليل لا صلة بيع لأن الشيء لا يباع لمالكه، ولو جعلت اللام بمعنى على كان أولى لإفادة لزوم البيع حيث حصل فليس لربه نقضه بعد ذلك.
قوله: [سواء كان حاضراً أو غائباً]: تبع الشارح في هذا التعميم (عب) التابع للبساطي، قال (بن): وفيه نظر، إذ النقل أن الغائب الذي يحمل له لا يمين عليه لأن حمله له إنما هو برضا الجيش، بخلاف الحاضر فإنه يحلف لمنازعة الجيش له. اهـ.
قوله: [ولو قسم ما عرف ربه] إلخ: أي سواء كان حاضراً حين القسم كما فرضه ابن بشير أو غائباً كما فرضه ابن يونس.
قوله: [لا يمضي قسمه]: أي إلا لتأويل على الأحسن كما قال خليل، قال الخرشي: وإذا قسم الإمام ما تعين مالكه على المجاهدين لم يمض قسمه جهلاً أو عمداً، ولربه أخذه بلا ثمن إلا أن يكون الإمام قسم ذلك المتاع، متأولاً بأن يأخذ بقول بعض العلماء: إن الكافر يملك مال المسلم فيمضي على صاحبه، وليس له أخذه إلا بالثمن لأنه حكم بما اختلف فيه الناس، فلا ينتقض على ما قال ابن عبد السلام اهـ. قال في الحاشية: ومقابله أنه يمضي مطلقاً فلا يأخذه ربه إلا بالثمن وهو قول سحنون، قال لأنه حكم وافق اختلافاً بين الناس، وقيل: لا يمضي مطلقاً ويأخذه ربه
(و) أخذه (بالأول) من الأثمان (إن تعدد) البيع.
(فإن جهل) ربه -وإن علم أنه لمسلم كمصحف وكتاب فقه أو حديث- (قسم)، ولا يوقف حتى يعلم ربه ولا يتصدق به.
(وعلى الآخذ) لشيء من المغانم في سهمه (إن علم بربه ترك تصرف) فيه ببيع أو إهداء أو وطء إن كان جارية (ليخيره): أي ليخير ربه بين أن يأخذه بثمنه أو قيمته أو بتركه له، وهذا فيما علم بعد القسم، وأما ما علم به قبله فلا يمضي ويأخذه ربه مجاناً كما تقدم.
(فإن تصرف) ببيع أو هبة فلربه أخذه. وإن تصرف (بكاستيلاد) أو تدبير أو كتابة أو عتق لأجل - وأولى بعتق ناجز- (مضى)، وليس لربه أخذه.
(كالمشتري من حربي) بدار الحرب -وقدم به المشتري وعرف ربه- فعليه ترك التصرف حتى يخبر ربه بذلك. فإن تصرف بكاستيلاد مضى، وكذا إن تصرف ببيع فإنه يمضي بخلاف المأخوذ من الغنيمة كما تقدم، ومحل مضي الاستيلاد ونحوه في المأخوذ من الغنيمة (إن لم يأخذه على أن يرد له): أي لربه بأن أخذه ناوياً لتملكه، أو لا نية له. فإن أخذه على أن يرده لربه فلا يمضي تصرفه فيه، ولربه رد عتقه وأخذه على الراجح، وقيل بالمضي أيضاً.
(ولمسلم أو ذمي أخذ ما وهبوه): الحربيون لمسلم أو ذمي (بدارهم) فقدم به وعرفه [1] ربه (مجاناً) بلا عوض، معمول لـ" أخذ " أي يأخذه من الموهوب له مجاناً.
(وما عاوضوا عليه): بأن بذلوه لنا بدارهم في نظير شيء يأخذه ربه المسلم أو الذمي، (بالعوض) أي بمثل الذي أخذ به مقوماً أو مثلياً، (إن لم يبع) أي إن لم يبعه آخذه منهم في المسألتين. (وإلا) -بأن باعه- (لمضى [2]) البيع وليس لربه كلام في أخذه، (و) لكن (لربه الثمن) الذي بيع به فيما إذا وهبوه مجاناً (أو الربح) في مسألة المعاوضة [3]، فإذا اشتراه منهم بمائة وباعه بمائتين أخذ ربه من البائع المائة التي ربحها.
وما أخذه لصوص المسلمين من الحربيين فهو لهم حلال ولا يخمس على التحقيق، ولربه المسلم أو الذمي إن عرفه أخذه منهم بقيمته، وأما ما أخذه اللصوص من المسلمين أو من أهل الذمة فيجب رده على ربه ولو فداه إنسان منهم بمال، فهل يأخذه ربه من الفادي مجاناً -ويقال له: اتبع اللص- أو بما فداه به؟ الأرجح الثاني، وإليه أشار بقوله:(وما فُدي) بمال (من كلص) من كل ظالم لا قدرة على التلخيص منه إلا بمال يدفع له كغاصب وسارق ومكاس وجند أخذه ربه من الفادي (بالفداء) الذي بذله في تخليصه من الظالم بشرطين: أشار للأول بقوله: (إن لم يأخذه) الفادي من الظالم بالفداء،
ــ
بلا شيء وهو قول ابن القاسم وابن حبيب اهـ. فلذلك اختار شارحنا هذا الأخير.
قوله: [وأخذه بالأول] إلخ: والفرق على هذا بينه وبين الشفيع يأخذ بما شاء من الأثمان: أنه هنا إذا امتنع من أخذه بالثمن الأول، فقد سلم صحة ملك آخذه من الغنيمة فسقط حقه، والشفيع إذا سلم للأول صارا شريكين، وكل شريك باع حظه فلشريكه عليه الشفعة فلذلك يأخذ بما شاء.
قوله: [قسم]: أي بين المجاهدين لتعلق حقهم به، وهذا هو المشهور، ومقابله ما لابن المواز والقاضي عبد الوهاب من أنه يوقف كذا في الحاشية، فقوله: ولا يوقف رد به على ابن المواز والقاضي عبد الوهاب.
تنبيه: محل قسمة ما لم يتعين صاحبه إذا كان غير لقطة، وأما اللقطة توجد مكتوباً عليها فإنها لا تقسم بل توقف اتفاقاً، ثم إن عرف ربها حملت له إن كان خيراً ولو وجد في الغنيمة معتق لأجل ومدبر ومكاتب عرف أنه لمسلم غير معين، بيعت خدمة المعتق لأجل، وخدمة المدبر وكتابة المكاتب، ثم إن جاء السيد فله الفداء بالثمن، وله الترك فيصير حق المشتري في الخدمة وفي الكتابة، فإن عجز المكاتب رق له وإن أدى عتق وولاؤه لسيده إن علم، وإلا فولاؤه للمسلمين.
وأما لو وجد أم ولد لمسلم جهل ربها فلا تباع هي ولا خدمتها إذ ليس لسيدها فيها إلا الاستمتاع، ويسير الخدمة وهو لغو فينجز عتقها، ولا بد من ثبوت العتق لأجل، وما بعده بالبينة وكيفيتها مع عدم معرفة السيد أن تقول: أشهدنا قوم يسمونهم أن سيده أعتقه لأجل مثلاً، ولم نسألهم عن اسم سيده أو سموه ونسبناه اهـ. من الأصل.
قوله: [وهذا فيما علم بعد القسم]: أي علم أنه ملك شخص معين بعد القسم سواء كان حين القسم لم يعلم أنها سلعة مسلم أو ذمي، أو كان يعلم أنها سلعة واحد منهما لكن لم يعلم عنه إلا بعد القسم.
قوله: [بخلاف المأخوذ من الغنيمة] إلخ: والفرق بين المسألتين ما ذكره عبد الحق عن بعض القرويين: أن ما وقع في المقاسم قد أخذ من العدو على وجه القهر والغلبة، فكان أقوى في رده لربه، والمشتري من دار الحرب إنما دفعه الحربي الذي كان في يده طوعاً، ولو شاء ما دفعه فهو أقوى في إمضاء ما فعل به.
قوله: [بدارهم]: أي وكذا بدارنا قبل تأمينهم، وأما ما باعوه أو وهبوه بدارنا بعد تأمينهم فقد تقدم أنه يفوت على ربه.
قوله: [مقوماً أو مثلياً]: الذي في التوضيح و (ح) أن الواجب مثل العرض في محله ولو كان مقوماً كمن استلف عرضاً فلا يلزمه إلا مثله في موضع السلف، نعم من عجز عن المثل في محله اعتبرت القيمة في العوض ولو كان مثلياً.
قوله: [في المسألتين]: أي مسألة الهبة والمعاوضة.
قوله: [أخذه منهم بقيمته]: والفرق بينه وبين ما عرف من الغنيمة قبل القسم، أن المال في مسألة الغنيمة حاصل غير مقصود بخلاف ما هنا.
قوله: [الأرجح الثاني]: أي من قولين عند ابن عبد السلام قياساً على ما فدي
[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]
[1]
في ط المعارف: (عرفه).
[2]
في ط المعارف: (مضى)، ولعله الصواب.
[3]
في ط المعارف: (المعارضة).
(ليتملكه) وإلا أخذه ربه منه مجاناً.
وإلى الثاني بقوله: (ولم يمكن خلاصه) أي: تخليصه من الظالم (إلا به) أي بالفداء، فإن أمكن خلاصه مجاناً أخذ منه مجاناً، وإن أمكن بأقل مما فداه أخذه ربه بالأقل.
(وعبد الحربي يسلم) دون سيده (حر إن فر إلينا أو بقي) بدار الحرب (حتى غنم قبل إسلام سيده).
(وإلا) بأن فر إلينا بعد إسلام سيده أو لم يفر وأسلم سيده (فرق له) أي لسيده.
(وهدم السبي) منا لزوجين حربيين (نكاحهم)، وجاز لمن سباها أو وقعت في سهمه أو اشتراها من المغنم وطؤها.
(وعليها الاستبراء بحيضة) لأنها أمة.
(إلا أن تُسبى وتُسلِمَ بعد إسلامه) الظرف متعلق بالفعلين أي: أنها إذا سبيت بعد إسلام زوجها وأسلمت لم ينهدم نكاحهما، وتبقى أمة مسلمة تحت حر مسلم.
فصل في الجزية وبعض أحكامها
(الجزية مال يضربه): أي يجعله (الإمام على كافر) كتابي أو مشرك أو غيرهما ولو قرشياً.
ــ
من دار الحرب، ولأنه لو أخذه ربه ممن فداه بغير شيء مع كثرة اللصوص لسد هذا الباب مع كثرة حاجة الناس إليه ابن ناجي وبه كان يفتي شيخنا الشبيبي.
قوله: [ليمتلكه]: هذا القيد لابن هارون، قال في التوضيح: ولا يجوز دفع الأجرة للفادي إن كان دفع الفداء من عنده لأنه سلف وإجارة، وأما إن كان الدافع للفداء غيره ففي جواز دفع الأجرة له نظر كذا في (بن). وانظر لو تنازع رب الشيء والفادي في نية التملك وعدمها، هل القول للفادي بيمينه - لأنه لا يعلم إلا منه - إن لم تكن له بينة؟ ولو تنازعا في قدر ما فدي به فهل القول للفادي إن أشبه؟ كما إذ تنازعا في أصل الفداء.
قوله: [وعبد الحربي يسلم] إلخ: الحاصل: أن عبد الحربي إذا فر إلينا قبل إسلام سيده كان حراً لأنه غنم نفسه، سواء أسلم أو لم يسلم، وسواء كان فراره قبل نزول الجيش في بلادهم أو بعده، ولا ولاء للسيد عليه ولا يرجع له إن أسلم، وكذا يكون حراً إن أسلم أو بقي حتى غنم قبل إسلام سيده. وأما إذا فر إلينا بعد إسلام سيده أو مصاحباً لإسلامه فإنه يحكم برقه لسيده، إذا علمت ذلك فلا مفهوم لقول الشارح يسلم، وإنما أتى به لأجل قوله أو بقي حتى غنم.
قوله: [وهدم السبي] إلخ: بالمعجمة بمعنى قطع وبالمهملة بمعنى أسقط، وسواء سبيا معاً أو مترتبين.
قوله: [إلا أن تسبى وتسلم]: أي قبل أن تحيض، وقوله [بعد إسلامه] أي غير مسبي بأن جاءنا مسلماً أو دخل بلادنا بأمان، ثم أسلم، وأما لو أسلم قبلها بعد سبيه ثم سبيت وأسلمت بعده فينهدم نكاحها أيضاً.
والحاصل أنهما إذا سبيا معاً أو مترتبين ينهدم نكاحهما سواء حصل إسلام من أحدهما بين سبيهما أو حصل بعدهما، فالأول: كما لو سبي هو وأسلم ثم سبيت هي بعد إسلامه وأسلمت، أو بالعكس، والثاني: كما لو سبي أولاً وبقي على كفره ثم سبيت وأسلم بعد ذلك أو بالعكس فينهدم النكاح على كل حال.
قوله: [الظرف متعلق بالفعلين]: أي لفظ بعد تنازع فيه الفعلان فهما طالبان له من حيث المعنى وإن كان العامل أحدهما.
قوله: [وتبقى أمة مسلمة تحت حر مسلم]: أي ولا يشترط في إقراره عليها ما اشترط في نكاح الأمة من عدم الطول وخوف العنت، لأن هذه الشروط في نكاح الأمة في الابتداء والدوام ليس كالابتداء على المعتمد.
خاتمة: الحربي الذي أسلم وفر إلينا أو بقي حتى غزا المسلمون بلده: ولده فيء إن حملت به أمه قبل إسلام أبيه وماله وزوجته التي أسرت بعد ذلك كذلك، وأقر عليها إن أسلمت قبل حيضة كما تقدم. وأما أولاد الكتابية والمسلمة إذا سباهما حربي وأولدهما ثم غنم المسلمون الكتابية والمسلمة: وأولادهما الصغار أحرار تبعاً لأمهم. وأما الكبار فرق إن كانوا من كتابية قاتلونا أم لا، وهل كبار أولاد المسلمة كأولاد الكتابية رق مطلقاً أو إن قاتلونا؟ قولان. وأما ولد الأمة التي سباها الحربيون منا فولدت عنده فهو لمالكها صغاراً أو كباراً من زوج أو غيره.
فصل في الجزية وبعض أحكامها
لما أنهى الكلام على قتال الكفار أتبعه بما ينشأ عنه جزية وغير ذلك من متعلقاته، وبدأ بالكلام على الجزية لأنها الأمر الثاني المانع من القتال كما مر في قوله ودعوا للإسلام فالجزية.
والجزية بكسر الجيم لغة مأخوذة من المجازاة لأنها جزاء لكفنا عنهم وتمكينهم من سكنى دارنا، وقيل: من جزى يجزي إذا قضى قال تعالى: {واتقوا يوماً لا تجزي} [البقرة: 48] أي لا تقضي، وجمعها الجزى بكسر الجيم مثل لحية ولحى. وشرعت في السنة الثامنة وقيل التاسعة من الهجرة. واصطلاحاً: ما أشار إليه المصنف بقوله: [مال] إلخ.
قوله: [أي يجعله الإمام]: فلا يصح من غيره بغير إذنه، إلا أنه إن وقع يمنع القتل والأسر، وحينئذ فيرد لمأمنه حتى يعقدها معه الإمام أو نائبه.
قوله: [ولو قرشياً]: أي فتؤخذ الجزية منه على
(ذكر حر) لا أنثى ولا رقيق (مكلف) لا صبي ومجنون (قادر) على الأداء لا فقير (مخالط) لأهل دينه ولو منعزلاً بكنيسة، لا راهب منعزل بدير ونحوه فلا تضرب عليه.
(يصح سباؤه) خرج المرتد والمعاهد زمن عهده (لم يعتقه مسلم) بأن لم يعتقه أحد أبداً أو أعتقه كافر فإن أعتقه مسلم ببلاد الإسلام لم تضرب عليه لعدم صحة سبيه، فلو أعتقه ببلاد الحرب ضربت عليه لصحة سبيه فالعبرة بصحة السبي، فلو حذف قوله:"لم يعتقه" إلخ ما ضر (لاستقراره) علة لقوله: يضربه أي لأجل أن يستقر (آمناً) على نفسه وماله (بغير الحجاز واليمن) من بلاد الإسلام. وأما في جزيرة العرب من الحجاز واليمن، فلا يجوز لنا أن نؤمنه على السكنى فيها لقوله عليه الصلاة والسلام:«لا يبقين دينان بجزيرة العرب» (ولهم الاجتياز) فيها في سفرهم لتجارة ونحوها، (وإقامة الأيام) كالثلاثة (لمصالحهم) إن دخلوها لمصلحة كبيع طعام ونحوه (على العُنْوِيِّ)، متعلق بـ "يضربه" أي يجعل على العنوي: وهو من فتحت بلده قهراً (أربعة دنانير) شرعية إن كان من أهل الذهب، (أو أربعون درهماً) على كل واحد إن كان من أهل الورق، (كل سنة) من السنين القمرية (تؤخذ) منه (آخرها) لا أولها. (ولا يزاد) أي لا تجوز الزيادة على ذلك،
ــ
الراجح، قال المازري: إنه ظاهر المذهب، ومقابله ما لابن رشد لا تؤخذ منه إجماعاً، إما لمكانتهم من رسول الله أو لأن قريشاً أسلموا كلهم، فإن وجد منهم كافر فمرتد، وإذا ثبتت الردة فلا تؤخذ منه بل يجري عليه أحكامها.
قوله: [لا صبي ومجنون]: فإن بلغ الصبي، أو عتق العبد، أو أفاق المجنون، أخذت منهم ولا ينتظر حول بعد البلوغ أو العتق أو الإفاقة، ومحل أخذها منهم إن تقدم لضربها على كبارهم الأحرار الذكور العقلاء حول فأكثر، وتقدم له هو عندنا حول صبياً أو عبداً أو مجنوناً.
قوله: [قادر على الأداء]: أي ولو بعضاً فلا يؤخذ منه إلا ما قدر عليه، وهذا القيد لا يلتفت له إلا عند الأخذ لا عند الضرب، فالأولى حذفه من هنا وسيأتي التنبيه عليه.
قوله: [ونحوه]: أي كشيخ فان أو زمن أو أعمى. والمراد بالراهب: الذي لا رأي له، لأنه هو الذي يترك وإلا قتل ولا يبقى؛ فالراهب لا تضرب عليه جزية مطلقاً، بل إما أن يقتل إن كان له رأي معهم أو يبقى بغير جزية.
قوله: [يصح سباؤه]: بالمد أي أسره.
قوله: [لعدم صحة سبيه]: هذا التعليل فيه نظر، بل متى نقض العهد وقاتلنا صح سباؤه، فقول الشارح فلو حذف قوله لم يعتقه إلخ ما ضر لا يسلم، بل الحق مع المتن، والقيد لا بد منه كما أجمع عليه خليل وشراحه، فليس كل من يصح سباؤه تضرب عليه بل تنخرم القاعدة في عبد المسلم المعتوق ببلاد الإسلام فتأمل.
قوله: [وأما في جزيرة العرب] إلخ: مأخوذة من الجزر وهو القطع سميت به لانقطاع الماء من وسطها إلى أجنابها بحر القلزم من ناحية الغرب، وبحر فارس من ناحية الشرق، وبحر الهند من الجنوب. قال الأصمعي: هي ما بين أقصى عدن إلى ريف العراق طولاً، ومن جدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام عرضاً.
قوله: [وإقامة الأيام كالثلاثة]: أي فليست الثلاثة قيداً، بل المدار على الإقامة للمصالح، والممنوع الإقامة لغير مصلحة، وظاهره أن لهم المرور ولو لغير مصلحة وهو كذلك.
قوله: [متعلق بـ يضربه]: يلزم على هذا التقدير تعلق حرفي جر متحدي اللفظ والمعنى بعامل واحد؛ لأن قوله: "على كافر" متعلق بـ يضربه أيضاً، فالمناسب جعل الجار والمجرور خبراً مقدماً، و "أربعة دنانير" إلخ مبتدأ مؤخراً، والجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً جواباً عن سؤال مقدر: كأن قائلاً قال له: أنت ذكرت المال فما مقداره، فقال: على العنوي كذا إلخ، وعلى الصلحي ما شرطه: والعنوي منسوب للعنوة بفتح العين وهو القهر. واختلف في المال المضروب، قيل: شرط وقيل: ركن، ومقتضى المصنف الثاني لأنه أخبر عن الجزية بأنها مال. واعلم أن الإمام لو أقرهم بغير مال أخطأ، ويخيرون بين الجزية والرد لمأمنهم فعقد الذمة متوقف على المال على كل حال، سواء قيل إنه ركن أو شرط.
قوله: [أربعة دنانير شرعية]: أي وهي أكبر من دنانير مصر، لأن الدينار الشرعي إحدى وعشرون حبة خروب وسبع حبة ونصف سبع حبة، وأما الدينار المصري فثماني عشرة حبة فتكون الأربعة الدنانير الشرعية أربعة دنانير مصرية وثلثا دينار وستة أسباع حبة خروب، لكن الثمان عشرة خروبة الآن لم تعهد إلا في البندقي والفندقلي، وأما المسمى بالمحبوب فهو ثلاث عشرة خروبة ونصف.
قوله: [أو أربعون درهماً]: أي شرعية وهي أقل من دراهم مصر، لأن الدرهم الشرعي أربع عشرة خروبة وثمانية أعشار خروبة ونصف عشر خروبة، والمصري ست عشرة خروبة، فزيادة الأربعين المصرية على الأربعين الشرعية ست خروبات.
قوله: [من السنين القمرية]: أي لا الشمسية لئلا تضيع على المسلمين سنة في كل ثلاث وثلاثين سنة.
قوله: [لا تجوز الزيادة على ذلك]: أي لما رواه مالك عن نافع عن أسلم مولى عمر بن الخطاب: " أن عمر بن الخطاب ضرب الجزية على أهل الذهب أربعة دنانير، وعلى أهل الورق أربعين درهما "، وما ورد من زيادة عمر على ذلك القدر منعه مالك لكثرة الظلم الآن سداً للذريعة
(والفقير) يضرب عليه (بوسعه): أي بقدر طاقته إن كان له طاقة، وإلا سقطت عنه. فإن أيسر بعد لم يحاسب بما مضى لسقوطه عنه.
(و) يضرب (على الصلحي ما شرط) عليه (مما رضي به الإمام) قل أو كثر.
(وإن أطلق) الصلحي في صلحه ولم يبين قدراً معلوماً (فكالعنوي) أربعة دنانير على كل ذكر أو أربعون درهماً (مع الإهانة والصغار) أي المذلة حين أخذها منهم لقوله تعالى: {حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} [التوبة: 29] ولا تقبل من نائب حتى يأتي من هي عليه بنفسه ليذوق المذلة بصفعه على قفاه، لعله أن يتخلص من ذلك بدخوله في الإسلام.
(وسقطتا): أي الجزية العنوية والصلحية (بالإسلام) وبالموت ولو متجمدة من سنين مضت، بخلاف خراج الأرض العنوية فلا يسقط بالإسلام بل هو على الزارع ولو مسلماً كما يأتي فيما بعده.
(والعنوي حر) أحرز بضرب الجزية عليه نفسه وماله، وعلى قاتله نصف دية المسلم وله هبة ماله، والوصية به ولو بجميعه.
(وإن مات أو أسلم فالأرض) الموقوفة بالفتح (فقط) دون ماله (للمسلمين) لا لوارثه [1]، يعطيها السلطان لمن يشاء، وخراجها في بيت المال. (كماله) يكون فيئاً للمسلمين (إن) مات، و (لم يكن له وارث) في دينهم وإلا فلوارثه هذا حكم أرض العنوي.
(وأرض الصلحي له ملكاً) كماله (ولو أسلم، فإن مات) كافراً (ورثوها) على حكم دينهم، (فإن لم يكن) له (وارث) عندهم (فلهم) ولا نتعرض لهم فيها.
وهذا (إن أجملت جزيتهم عليها) أي على الأرض (وعلى الرقاب) كأن يجعل الإمام عليهم كل سنة ألف دينار من غير تفصيل، على ما يخص كل شخص وما يخص كل فدان (كبقية مالهم) يكون لوارثهم، فإن لم يكن وارث ترك لهم يفعلون فيه رأيهم، ولا نتعرض لهم فيه ولهم الوصية ولو بجميع مالهم (وإلا) تجمل عليهما معاً بأن فرقت على الرقاب، ككل رقبة كذا أجملت على الأرض أو سكت عنها أو فصلت عليها أيضاً ككل فدان كذا، أو فرقت على الأرض فقط سواء أجملت على الرقاب أو سكت، فإن مات منهم شخص ولا وارث له عندهم (فللمسلمين) أرضه وماله. (وحينئذ) أي حين حصل تفصيل ومات بلا وارث (فوصيتهم) إنما تنفذ (في الثلث) فقط، لأن لنا في مالهم حقاً من حيث إن الباقي لنا، بخلاف ما لو أجملت أو فرقت وله وارث فلا كلام لنا معهم.
ــ
قوله: [والفقير يضرب عليه بوسعه]: المناسب يؤخذ منه بوسعه، وأما الضرب فتضرب عليه كاملة كما في الحاشية وغيرها، قال في المجموع تبعاً للحاشية فتضرب كاملة فإن عجز خفف عنه عند الأخذ.
قوله: [ولم يبين قدراً معلوماً]: أي بأن وقع الصلح على الجزية مبهمة.
والحاصل أن الإمام تارة يصالح على الجزية مبهمة من غير أن يبين قدرها، وفي هذه الحالة يلزمه قبول جزية العنوي إذا بذلوها، وتارة يتراضى معهم على قدر معين فيلزمهم ما تراضوا معه عليه، وتارة لا يتراضون معه على قدر معين ولا على جزية مبهمة. وفي هذه الحالة اختلف إذا بذلوا الجزية العنوية هل يلزمه قبولها ولا يجوز له مقاتلتهم حينئذ، أو لا يلزمه القبول، ويجوز له مقاتلتهم حتى يرضونه، قولان: الأول: لابن رشد ورجحه (بن)، والثاني: لابن حبيب ورجحه القرافي.
قوله: [وسقطتا] إلخ: وفي سقوطهما بالترهب الطارئ وعدم سقوطهما قولا ابن القاسم والأخوين قال ابن شاس نقلاً عن القاضي أبي الوليد: ومن اجتمعت عليه جزية سنين فإن كان ذلك لفراره بها أخذت منه لما مضى، وإن كان لعسر لم تؤخذ منه، ولا يطالب بها بعد غناه.
تنبيه: مما أسقطه مالك عنهم أيضاً أرزاق المسلمين التي قدرها عليهم الفاروق مع الجزية، وهي على من بالشام والحيرة في كل شهر على كل نفس مديان من الحنطة - تثنية مدي - وهو مكيال يسع خمسة عشر صاعاً ونصفاً كما في (بن) نقلاً عن النهاية، وثلاثة أقساط زيت، والقسط ثلاثة أرطال، وعلى من بمصر كل شهر على كل واحد إردب حنطة، قال مالك: ولا أدري كم من الودك والعسل والكسوة، وعلى أهل العراق خمسة عشر صاعاً من التمر على كل واحد مع كسوة كان يكسوها عمر للناس، قال مالك: لا أدري ما هي؟ وإضافة المجتاز عليهم من المسلمين ثلاثاً من الأيام، وإنما أسقطها مالك عنهم للظلم الحادث عليهم من ولاة الأمور كما تقدم التنبيه عليه.
قوله: [وعلى قاتله نصف دية المسلم]: أي إذا كان المقتول ذكراً كتابياً.
قوله: [ولو بجميعه]: أي إن كان له وارث في دينه وإلا فوصيته في الثلث بدليل ما يأتي.
قوله: [للمسلمين]: أي لأنها صارت وقفاً بمجرد الفتح، وإنما أقرت تحت يده لأجل أن يعمل فيها إعانة على الجزية.
قوله: [لا لوارثه]: أي إلا لمصلحة تقتضي ذلك.
قوله: [وإلا فلوارثه]: أي وسواء كان المال عيناً أو عرضاً لا فرق بين المال الذي اكتسبه بعد الفتح أو قبله كما هو قول ابن القاسم وابن حبيب.
قوله: [وإلا تجمل عليهما معاً]: تحته خمس صور مأخوذة من الشارح، فجملة الصور ست بالصورة التي قبل إلا.
قوله: [فللمسلمين أرضه وماله]: أي في الصور الخمس.
قوله: [بخلاف ما لو أجملت]: أي على الأرض والرقاب.
قوله: [وله وارث]: قيد في قوله "أو فرقت".
[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]
[1]
في ط المعارف: (لوارثة).
(وليس لعنوي إحداث كنيسة) ببلد العنوة، (ولا رَمُّ منهدمٍ إلا إن شرط) الإحداث عند ضرب الجزية عليه، أي إن سأل من الإمام (ورضي الإمام) به، وإلا فهو مقهور لا يتأتى منه شرط. وهذا الذي أثبتناه هو قول مالك وابن القاسم في المدونة، وأقره أبو الحسن فهو المعتمد خلافاً لما ذكره بعض الشراح من أنه ليس له ذلك مطلقاً شرط أو لم يشترط على الراجح، فما مشى عليه الشيخ هو المعتمد.
ونص المدونة في باب الجعل والإجارة. مالك: وليس لأهل الذمة أن يحدثوا ببلد الإسلام كنائس إلا أن يكون لهم أمن أعطوه، ابن القاسم: ليس لهم أن يحدثوا الكنائس في بلاد العنوة لأنها فيء لا تورث عنهم، وإن أسلموا لم يكن لهم فيها شيء. اهـ.
(وللصلحي ذلك): أي الإحداث والترميم في أرضه مطلقاً شرط أو لا (في غير ما اختطه المسلمون) كالقاهرة، فليس لعنوي ولا صلحي إحداث كنيسة فيها قطعاً، ولا ترميم منهدم فيما أحدثوه بها، بل يجب هدمها (إلا لمفسدة أعظم) من الإحداث فلا يمنع ارتكاباً لأخف الضررين، وملوك مصر لضعف إيمانهم قد مكنوهم من ذلك ولم يقدر عالم على الإنكار إلا بقلبه أو بلسانه لا بيده، وزاد أمراء الزمان أن أعزوهم، وعلى المسلمين رفعوهم، ويا ليت المسلمين عندهم كمعشار أهل الذمة وترى المسلمين كثيراً ما يقولون: ليت الأمراء يضربون علينا الجزية كالنصارى واليهود، ويتركونا بعد ذلك كما تركوهم، {وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون} [الشعراء: 227].
(ومنع) ذمي (ركوب خيل وبغال، و) ركوب (سروج) أي عليها (وبراذع نفيسة) ولو على حمير، (و) مشي في (جادة) أي وسط (طريق) بل يمشي بجانبها (إلا لخلوها) فيمشي وسطها (وألزم) قهراً عنه (بلبس يميزه) عن المسلمين كزنار وطرطور وبرنيطة وعمامة زرقاء.
(وعزر لإظهار السكر) التعزير اللائق به، (و) عزر لإظهار (معتقده) أي الذي كفر به مما لا ضرر فيه على المسلمين، (و) على (بسط) أي إطلاق (لسانه) بين المسلمين.
(وأريقت الخمر وكسر الناقوس) إن أظهرهما (وانتقض عهده) فيكون هو وماله فيئاً (بقتال لعامة المسلمين): أي على وجه يقتضي الخروج عليهم.
(ومنع الجزية) لأنه إنما أمن في نظير دفعها، (وتمرد على الأحكام) الشرعية بإظهار عدم المبالاة بها. (وغصب حرة مسلمة) لا كافرة ولا رقيق؛ أي على أن يزني بها أو زنى بالفعل وإلا لم ينتقض عهده (وغرورها) أي الحرة المسلمة بأنه مسلم وتزوجها ووطئها.
(وتطلعه على عورات المسلمين) بأن يكون جاسوساً يطلع الحربيين على عورات المسلمين بنفسه أو رسوله أو كتابه، والمراد بالعورات المحلات الخالية عن الحرس والرباط.
(وسب نبي بما لم يكفر به): أي بما لم نقرهم عليه من كفرهم لا بما أقر به، نحو عيسى ابن الله، أو ثالث ثلاثة، أو محمد لم يرسل إلينا وإنما أرسل للعرب، (كليس): أي كقوله ليس (بنبي) أصلاً (أو لم يرسل أو لم ينزل عليه قرآن أو تقوله) من عند نفسه.
ــ
قوله: [ببلد العنوة]: أي التي أقر بها ذلك العنوي، سواء كان به مسلمون أم لا. ومفهوم "إحداث" أن القديمة تبقى ولو بلا شرط كما هو مذهب ابن القاسم، ولو أكل البحر كنيستهم فهل لهم أن ينقلوها أو يفصل بين كونهم شرطوا ذلك أم لا؟ وهو الظاهر كذا في الحاشية نقلاً عن كبير الخرشي.
قوله: [خلافاً لما ذكره بعض الشراح]: أي وهو البساطي.
والحاصل أن العنوي لا يمكن من الإحداث في بلد العنوة، سواء كان أهلها كلهم كفاراً، أو سكن المسلمون معهم فيها إلا باستئذان من الإمام وقت ضرب الجزية، وكذا رم المنهدم على المعتمد.
قوله: [في غير ما اختطه المسلمون]: أي أنشأه المسلمون استقلالاً، فإن القاهرة أنشأها المسلمون بعد الفتح بالزمن الطويل، وما قيل في القاهرة يقال في غيرها من البلاد التي اختطها المسلمون.
قوله: [وأريقت الخمر]: ظاهره أنها لا تكسر أوانيها، وفي ابن عرفة أنها تكسر وهو الصواب وقد اقتصر عليه المواق والبرزلي وإنما أريقت الخمر دون غيرها من النجاسات لأن النفس تشتهيها، وظاهر المصنف أن كل مسلم له إراقتها ولا يختص ذلك بالحاكم، ومثل إظهار الخمر والناقوس حملهما من بلد لآخر، فإن لم يظهرهما وأتلفهما عليه مسلم ضمن له قيمتها لتعديه وكذا يكسر صليبه إن أظهره.
قوله: [لعامة المسلمين]: أي غير مختص بواحد.
قوله: [ومنع الجزية]: يقيد كما قال البدر بمنعها تمرداً ونبذاً للعهد لا لمجرد بخل فيجبر عليها ولا يعد ناقضاً.
قوله: [وغصب حرة]: أي وأما زناه بها طائعة فإنما يوجب تعزيره وحدت هي.
قوله: [لا كافرة ولا رقيق]: فلو زنى بأمة مسلمة أو بحرة كافرة طوعاً أو كرهاً فلا يكون ذلك نقضاً لعهده وإنما يعزر.
قوله: [وتزوجها ووطئها]: أي وأما لو تزوجها مع علمها بكفره من غير غرور فلا يكون نقضاً لعهده ويعزر.
قوله: [بأن يكون جاسوساً] إلخ: ففي المواق عن سحنون إن وجدنا في أرض المسلمين ذمياً كاتباً لأهل الشرك بعورات المسلمين قتل ليكون نكالاً لغيره.
قوله: [وسب نبي]: أي مجمع على نبوته عندنا معشر المسلمين وإن أنكرها اليهود كنبوة داود وسليمان. وأما سبه المختلف فيه عندنا كالخضر ولقمان فلا ينتقض به عهده وإنما يعزر.
قوله: [أي بما لم نقرهم عليه]: من ذلك ما وقع من بعض نصارى مصر كما حكاه خليل بقوله: مسكين محمد يخبركم أنه في الجنة، ما له لم ينفع نفسه حين أكلته الكلاب؟ فأرسل لمالك
(وتعين قتله في السب) بما لم يقر عليه (إن لم يسلم)، وحكى بعضهم الاتفاق عليه، وأما غصب الحرة المسلمة وغرورها فيخير فيه الإمام على المختار كما في منعه الجزية، ومقاتلة أهل الإسلام.
(وإن خرج لدار الحرب ناقضاً) للعهد (وأخذ استرق)، ورأى الإمام فيه رأيه (إن لم يظلم) أي إن لم يكن خروجه لظلم لحقه وإلا رد لجزيته، وصدق إن ادعى الظلم.
(وأخذ من تجارهم) أي أهل الذمة، (ولو) كانوا (أرقاء أو صبية عشر ثمن) بفتح المثلثة (ما باعوه) من العروض والأطعمة عند ابن القاسم، فإذا لم يبيعوا شيئاً لم يؤخذ منهم شيء، وقيل: يؤخذ منهم عشر ما جلبوه كالحربيين، فيؤخذ منهم ولو لم يبيعوه (مما) أي من عرض أو طعام (قدموا به من أفق) أي قطر وإقليم (إلى) أفق (آخر) كمصر والشام والروم والمغرب،
ــ
الاستفتاء فيه فقال: أرى أن يضرب عنقه، فقال ابن القاسم: يا أبا عبد الله اكتب ويحرق بالنار، فقال: إنه لحقيق بذلك، قال ابن القاسم: فكتبتها ونفذت الصحيفة بذلك ففعل به ذلك، قال عياض: ويجوز إحراق الساب بالنار حياً وميتاً.
قوله: [وتعين قتله في السب]: أي ويجوز حرقه حياً وميتاً كما تقدم.
قوله: [فيخير فيه الإمام على المختار]: وقيل يتعين قتله إن لم يسلم كالسب.
تتميم: للإمام المهادنة على ترك القتال بالمصلحة مدة باجتهاده، وندب أن لا تجاوز أربعة أشهر إلا لمصلحة، ولا يجوز شرط فاسد كإبقاء مسلم عندهم، أو إخلاء قرية من المسلمين لهم، أو دفع مال مثلاً لهم، أو رد مسلمة إلا لخوف أعظم من ذلك. والظاهر أن الخنثى ليس كالأنثى هنا لأن الشأن عدم وطئه كما في المجموع. فإن عقد معهم صلحاً بشرط ثم استشعر خيانتهم نبذه وأنذرهم، ووجب الوفاء بالشرط وأن يرد رهائن ولو أسلموا، ولا يلزم منه بقاء مسلم عندهم بل يجب علينا فداؤه بعد ذلك ككل أسير بالفيء، ثم مال المسلمين والأسير كواحد منهم، ثم إن تعذر مال المسلمين فماله، فإن تعذر وفداه إنسان من عنده رجع عليه إن لم يقصد صدقة، وهل بجميع ما دفع؟ وهو المعتمد كما في الحاشية. أو بما لا يمكن الخلاص بدونه؟ وهو الوجيه - خلاف. ومحل رجوع الفادي على الوجه المذكور إن لم يكن المفدى محرماً أو زوجاً إن عرفه أو كان المحرم يعتق عليه وإن لم يعرفه ما لم يأمر المحرم أو الزوج الفادي بالفداء أو يلتزمه، وإلا فيرجع به عليه. ويفض الفداء على عدد المفدين إن جهل الكفار قدر الأسارى من غنى وفقر وشرف ووضاعة، فإن علموا قدرهم فض على قدر ما يفدى به كل واحد بحسب عادتهم، ولو تنازع الأسير والفادي، فالقول للأسير في إنكار الفداء من أصله أو قدره، ولو كان الأسير بيد الفادي. ويجوز فداء أسارى المسلمين بأسارى الكفار الذين عندنا ولو كانوا شجعاناً إذا لم يرضوا إلا بذلك لأن قتالهم لنا مترقب، وخلاص الأسارى محقق، وقيده اللخمي بما إذا لم يخش منهم وإلا حرم. ويجوز أيضاً بالخمر والخنزير على الأحسن، وصفة ما يفعل في ذلك أن يأمر الإمام أهل الذمة بدفع ذلك للعدو ويحاسبهم بقيمة ذلك مما عليهم من الجزية، فإن لم يمكن جاز شراؤه للضرورة. ولو فدى مسلم مسلماً أو ذمياً بخمر أو خنزير فلا رجوع له به عليه، سواء كان من عنده أو اشتراه. وفي جواز فداء الأسير المسلم بالخيل وآلة الحرب قولان: إذا لم يخش من الفداء بهما الظفر على المسلمين، وإلا منع اتفاقاً.
قوله: [وأخذ من تجارهم] إلخ: سبب ذلك قول مالك في الموطإ: وليس على أهل الذمة ولا على المجوس في نخيلهم ولا كرومهم ولا زرعهم ولا على مواشيهم صدقة، لأن الصدقة إنما وضعت على المسلمين تطهيراً لهم ورداً على فقرائهم، ووضعت الجزية على أهل الكتاب صغاراً لهم فهم وإن كانوا ببلدهم الذي صالحوا عليه ليس عليهم شيء سوى الجزية في شيء من أموالهم، إلا أن يتجروا في بلاد المسلمين ويختلفوا فيها. فيؤخذ منهم العشر فيما يديرون من التجارات، وذلك أنهم إنما وضعت عليهم الجزية وصالحوا عليها على أن يقروا ببلادهم، ويقاتل عنهم عدوهم. فمن خرج من بلاده منهم إلى غيرها يتجر فعليه العشر من تجر منهم من أهل مصر إلى الشام، أو من أهل الشام إلى العراق أو من أهل العراق إلى المدينة، أو إلى اليمن وما أشبه هذا من البلاد فعليه العشر ولا صدقة على أهل الكتاب ولا المجوس في شيء من مواشيهم ولا ثمارهم ولا زروعهم مضت بذلك السنة، ويقرون على دينهم ويكونون على ما كانوا عليه، وإن اختلفوا في العام الواحد مراراً إلى بلاد المسلمين فعليهم كلما اختلفوا العشر لأن ذلك ليس مما صالحوا عليه، ولا مما شرط لهم وهذا الذي أدركت عليه أهل العلم ببلدنا.
قوله: [عند ابن القاسم]: أي وهو المشهور.
قوله: [فإذا لم يبيعوا شيئاً لم يؤخذ منهم شيء]: أي خلافاً لابن حبيب لأن الأخذ في نظير النفع لا في دخول الأرض لأنهم مكنوا منها بالجزية.
فإذا قدم من إقليم إلى إقليم آخر أخذ منه ما ذكر، وما دام في إقليمه كالمصري ينتقل بتجارته من الإسكندرية إلى القاهرة مثلاً، لم يؤخذ منه شيء كما سينص عليه (و) أخذ منهم (عشر عرض) أو حيوان (اشتروه) في غير إقليمهم (بعين أو عروض قدموا بها) من بلادهم لا بثمن ما باعوه، لأنه قد أخذ منهم عشره فلا يؤخذ منهم مما اشتروه بالباقي شيء.
وبالغ على أخذ عشر الثمن منهم بقوله: (ولو اختلفوا) أي ترددوا إلى غير إقليمهم (في السنة مراراً) لفعل عمر رضي الله عنهم، ولأن العلة الانتفاع، وقالت الحنفية: لا يؤخذ منهم في الحول إلا مرة كالزكاة، وقالت الشافعية: لا يؤخذ من الذمي شيء كالمسلم.
وفرع على ما قدمه قوله: (فلو اشتروا) سلعاً (بإقليم) غير إقليمهم (وباعوا) ما اشتروه (بآخر) أي بإقليم آخر كأن يشتري مصري سلعاً في الشام ويبيعها بالروم (أخذ منهم) العشر (عند كل) من الإقليمين فأكثر لكن الذي اشتروا فيه يؤخذ منهم فيه عشر السلع المشتراة، والذي باعوا فيه يؤخذ منهم فيه عشر ثمن ما باعوه على ما تقدم (إلا) إذا باعوا أو اشتروا (بإقليمهم) ولو بانتقالهم من بلد لآخر فلا يؤخذ منهم شيء ولو تباعد ما بين البلدين ثم استثنى من قوله:"أخذ عشر ثمن" إلخ قوله (إلا) إذا جلبوا (الطعام بالحرمين فقط)، أي إليهما والمراد مكة والمدينة وما ألحق بهما من البلاد، ومراده بالطعام كل ما يقتات به أو يجري مجراه فيشمل جميع الحبوب والزيوت والأدهان وما ألحق بذلك كملح وبصل وتابل، (فنصف عشر ثمنه) أي يؤخذ منهم. وإنما خفف عنهم في الطعام في البلدين لشدة حاجة أهلهما له فيكثر جلبه إليهما وهذه العلة كما تجري في أهل الذمة تجري في الحربيين إذا دخلوهما بأمان.
(وأخذ من تجار الحربيين النازلين) عندنا (بأمان عشر ما قدموا به) للتجارة من عروض وطعام باعوا أو لم يبيعوا والذي له الأخذ منهم عامل أول قطر دخلوه، ولا يؤخذ منهم إذا انتقلوا لآخر ما داموا في بلادنا حتى يذهبوا لبلادهم وينقلبوا إلينا مرة أخرى، لأن جميع بلاد الإسلام كالبلد الواحد بالنسبة إليهم، وأما أهل الذمة فعلة الأخذ منهم الانتفاع وهم غير ممنوعين من بلاد الإسلام، فكلما تكرر نفعهم تكرر الأخذ منهم، (إلا لشرط) فيؤخذ منهم ما وقع الاشتراط عليه قل أو كثر، ولا [1] قدموا بعين للتجارة أخذ عشر قيمة ما اشتروه بها، ولا يمكنون من بيع خمر إلا إذا حملوه لأهل الذمة فيمكنون من بيعه لهم، ويؤخذ منهم عشر ثمن ما باعوه منه.
(ولا يعاد) الأخذ منهم (إن رحلوا) من أفق (لأفق آخر) لما قدمنا من أن جميع بلاد الإسلام كالبلد الواحد بالنسبة إليهم، فما داموا فيها لم يتكرر الأخذ منهم حتى يذهبوا لبلادهم، ثم يرجعوا بأمان آخر ولو تكرر في السنة مراراً؛ وقال الشافعي وأبو حنيفة: يؤخذ منهم مرة فقط في العام.
(والإجماع على حرمة الأخذ من المسلمين
ــ
قوله: [من إقليم إلى إقليم آخر]: مراده بالإقليم القطر وإن لم يكن أحد الأقاليم السبعة التي تقدم بيانها بدليل الأخذ ممن أخذ سلعاً من الشام، وباعها بمصر أو عكسه، فالعبرة بها لا بالسلاطين إذ لا يجوز تعدد السلطان كما قاله التتائي، وقيل يجوز عند تباعد الأقطار.
قوله: [وأخذ منهم عشر عرض أو حيوان] إلخ: انظر هذا مع قول العلامة العدوي في حاشية أبي الحسن: الحاصل أنهم إن قدموا من أفق إلى أفق آخر بعوض [2] وباعوه بعين أخذ منهم عشر الثمن، وإن قدموا بعين واشتروا به عرضاً أخذ منهم عشر العرض على المشهور، لا عشر قيمته. وإن قدموا بعرض واشتروا به عرضاً آخر فعليهم عشر قيمة ما اشتروا لا عشر عين ما قدموا به. ولا يتكرر عليهم الأخذ بتكرر بيعهم وشرائهم ما داموا بأفق واحد، فإن باعوا بأفق كالشام أو العراق، واشتروا بآخر كمصر أخذ منهم عشر في الأول وعشر في الثاني. كما أنه يتكرر الأخذ منهم إن قدموا بعد ذهابهم لبلدهم، ولو مراراً في سنة واحدة اهـ فإن بين الكلامين مخالفة لا تخفى.
قوله: [ثم استثنى من قوله] إلخ: إنما استثنى ذلك لما رواه مالك في الموطإ عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن أبيه: " أن عمر بن الخطاب كان يأخذ من القبط من الحنطة والزيت نصف العشر، يريد بذلك أن يكثر الحمل إلى المدينة ".
قوله: [لشدة حاجة أهلهما]: وقيل لفضلهما، وفي ابن ناجي ظاهر كلام الشيخ يعني صاحب الرسالة أن قرى مكة والمدينة ليست كهما وألحقها ابن الجلاب بهما اهـ وهو المعتمد. قوله:[تجري في الحربيين]: قال ابن عمر وهل الحربيون مثل ذلك أم لا؟ فإن نظرنا إلى العلة فالعلة جارية في الجميع، قال الشيخ العدوي في حاشية أبي الحسن والظاهر أنهم مثلهم.
قوله: [وأما أهل الذمة]: أي فهذا هو الفرق بين أهل الذمة والحربيين.
قوله: [قل أو كثر]: حاصله أنه قبل نزولهم يجوز أن يتفق معهم على أكثر من العشر وإن بأضعاف وإن كان بعد النزول لم يؤخذ منهم إلا العشر كما أفاده الشيخ العدوي في حاشية أبي الحسن.
قوله: [فيمكنون من بيعه لهم]: أي على المشهور. ومقابله لا يمكنون والخلاف مبني على تكليفهم بفروع الشريعة أو لا ذكره في التوضيح.
قوله: [وقال الشافعي وأبو حنيفة] إلخ: هذا في الحربيين. ومثلهم أهل الذمة عند أبي حنيفة كما تقدم، وأما عند الشافعي فهم كالمسلمين لا شيء عليهم كما تقدم.
[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]
[1]
في ط المعارف: (ولو)، ولعله الصواب.
[2]
كذا في ط الحلبية، ولعل الصواب:(بعرض).