الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المناقشة:
ونوقش بأن القول بأنه موضع ضرورة لا يصح، لأن القادر على النطق يمكنه أن يوكل من يبيعه بالقول 1.
ويمكن أن يجاب عن ذلك فيقال إن الإنسان قد لا يجد من يوكله، وربما يجده ولكنه غير أهل للوكالة، وذهابه بنفسه أو تكليفه بالبحث عمن يوكله فيه مشقة وحرج.
دليل القول الثاني:
استدل القائلون بعدم صحة التعاقد والتقايل بالكتابة بالمعقول، فقالوا: إنه قادر على النطق فلا ينعقد بغيره 2.
ويمكن أن يجاب عن ذلك بأن يقال: إن المناط في التعاقد والتقايل هو حصول الرضا من الجانبين، وهو كما يحصل بالقول يحصل بالكتابة.
الترجيح:
والذي يظهر والله أعلم رجحانه هو القول الأول؛ لقوة أدلته، ولأن الكتابة وسيلة من الوسائل المعتادة التي يفصح الناس بها عن إرادتهم ورغبتهم في التقايل، أو التعاقد، حتى أصبحت الكتابة لها أثر كبير بين الناس القادرين على النطق في كثير من المعاملات. والله أعلم.
1 المرجع السابق: 1/264.
2 المهذب للشيرازي: 1/264.
المسألة السادسة: الإقالة بالإشارة
.
المراد بالاشارة في هذه المسألة هي الإشارة المفهومة لكلا الطرفين، فأما الإشارة غير المفهومة لكلا الطرفين أو أحدهما فإنها لا تعتبر.
تحرير محل النزاع:
اتفق الفقهاء على صحة الإقالة بالإشارة المفهومة إذا كانت صادرة ممن لا يستطيع الكلام ولا يحسن الكتابة 1؛ لأنها وسيلة إلى الإفهام والإفصاح عما في نفسه.
وأما إذا كانت الإشارة المفهومة صادرة من القادر على الكلام، أو القادر على الكتابة، فقد اختلف الفقهاء في اعتبارها على قولين:
القول الأول:
أنه لا يحصل التعاقد والتقايل بالإشارة، وهو قول الحنفية2 والشافعية3 والمتقدمين من الحنابلة 4.
القول الثاني: أن التعاقد والتقايل يحصل بالإشارة، وهو قول المالكية 5 والمتأخرين من الحنابلة 6.
الأدلة:
استدل القائلون بأنه لا يحصل التعاقد والتقايل بالإشارة بأن الذي يستطيع
1 ينظر الأشباه والنظائر لابن نجيم ص: 343، 344، وتبيين الحقائق للزيلعي: 1/218، وشرح الزرقاني على خليل:8/176، ومواهب الجليل للحطاب:4/229، والمنثورفي القواعد للزركشي 1/164، والمغني لابن قدامة6/14.
2 ينظر تبيين الحقائق للزيلعي: 6/218، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص: 344، وحاشية ابن عابدين (رد المحتار) : 4/9، وشرح الوجيز للرافعي: 5/397.
3 ينظر المنثور في القواعد للزركشي: 1/164، 166.
4 ينظر المغني لابن قدامة: 6/14.
5 ينظر مواهب الجليل للحطاب: 4/229، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير: 3/3، والمنتقى للباجي: 4/157.
6 ينظر القواعد النورانية ص: 105، وكشاف القناع للبهوتي: 3/149.
الكلام والكتابة يستطيع التعبير عن إرادته بأحدهما، والإشارة لا تساويهما في الإبانة، ولذا لا تعتبر مع وجود ما هو أقوى منها.
واستدل القائلون باعتبار الإشارة في الإقالة لمن يستطيع الكلام أو الكتابة بما يلي:
1 أن الإشارة تسمى كلاما في اللغة كما جاء في القرآن الكريم بقوله سبحانه وتعالى: {آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاّ رَمْزاً} 1 والرمز هنا الإشارة2.
2 أن المناط هو الإفهام، والإشارة يتحقق بها ذلك فتعتبر صيغة لسائر العقود 3.
الرأي المختار:
والذي يظهر لي بعد عرض الأدلة أن أدلة القول الثاني قوية، وما عللوا به له اعتباره، ولكنني أميل إلى القول الأول، وهو أن الإشارة لا تعتبر صيغة للإقالة إذا استطاع المتعاقد النطق أو الكتابة، لأن الكلام والكتابة أدل وأبعد عن الاحتمال، فلا يعدل عنهما إلى إشارة لا يفهمها كثير من الناس، ولا تخلو من احتمال، ولأن الإشارة مهما كانت معتادة ففيها احتمال بأن ما يريده صاحبها قد يكون غير ما يفهمه من يراها، ولأنه لا ضرورة للإشارة لأنه يستطيع التعبير بما هو أولى منها. والله أعلم.
1 سورة آل عمران من آية:41.
2 ينظر المحرر الوجيزلابن عطية:3/80، وتفسير ابي السعود:2/34، مواهب الجليل للحطاب: 4/229.
3 ينظر مواهب الجليل للحطاب: 4/229، والمنتقى للباجي: 4/127.