المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌القسم الثاني: الدراسة التطبيقية ‌ ‌تمهيد: مما سبق يتضح أن خلاف العلماء في - حقيقة الإقالة دراسة نظرية تطبيقية

[عبد الله بن عبد الواحد الخميس]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌القسم الأول: الدراسة النظرية

- ‌المبحث الأول: تحديد المراد بالإقالة

- ‌المطلب الأول: تعريف الإقالة

- ‌المطلب الثاني: الألفاظ ذات الصلة بها

- ‌المبحث الثاني: حكم الإقالة

- ‌المطلب الأول: الحكم التكليفي للإقالة

- ‌المطلب الثاني: الأدلة على مشروعيتها

- ‌المطلب الثالث: الحكمة من مشروعيتها

- ‌المبحث الثالث: صيغة الإقالة

- ‌المطلب الأول: الإقالة بلفظها

- ‌المطلب الثاني: الإقالة بغير لفظها

- ‌المسألة الأولي: الإقالة بلفظ الفسخ أو الترك أو للتراد

- ‌المسألة الثانية: الإقالة بلفظ البيع:

- ‌المسألة الثالثة: الإقالة بلفظ الصلح:

- ‌المسألة الرابعة: الإقالة بلفظ المعطاة

- ‌المسألة السادسة: الإقالة بالإشارة

- ‌المبحث الرابع: التكييف الفقهي للإقالة

- ‌المبحث الخامس: أركان وشروط صحة الإقالة

- ‌تمهيد:

- ‌المطلب الأول: أركان الإقالة

- ‌المطلب الثاني: شروط صحة الإقالة

- ‌المبحث السادس: محل الإقالة

- ‌القسم الثاني: الدراسة التطبيقية

- ‌تمهيد:

- ‌الخاتمة

- ‌مصادر ومراجع

الفصل: ‌ ‌القسم الثاني: الدراسة التطبيقية ‌ ‌تمهيد: مما سبق يتضح أن خلاف العلماء في

‌القسم الثاني: الدراسة التطبيقية

‌تمهيد:

مما سبق يتضح أن خلاف العلماء في حقيقة الإقالة لا يخرج في الجملة عن قولين؛ إما القول بأنها فسخ أو أنها بيع، وقد رجحت أنها فسخ، ولكنني في مجال الدراسة التطبيقية سأبين ما يترتب على القول بأنها فسخ أو بيع، وأغلب التطبيقات الفقهية التي ذكرها الفقهاء في كتاب البيع، وذلك لأنه الأصل بالنسبة للمعاملات المالية، وبعض العقود لها علاقة وثيقة به، فالإجارة يعرفها بعض العلماء بأنها بيع المنافع1، والسلم بيع موصوف في الذمة 2، والرهن يحتاج إليه بعد حصول المبيع، غالباً وهكذا، وذِكْر هذه التطبيقات لا يعني حصرها، ولكنه من باب التمثيل، وهذه التطبيقات ثمرة للخلاف في حقيقة الإقالة.

المسألة الأولى: التقايل بلفظ المصالحة أو الإقالة

إذا تقايل المتبايعان بلفظ الإقالة، أو المصالحة؛ فعلى القول بأن الإقالة بيع لا يصح، لأن ما يصلح للحل لا يصلح للعقد.

وأما على القول بأن الإقالة فسخ وهو ما رجحته فيصح لأن القصد المعنى فيكتفى بما أداه3، وقد سبق الكلام على ذلك 4.

1 ينظر المغني لابن قدامة: 8/7.

2 ينظر روضة الطالبين للنووي: 4/3، وشرح منتهى الارادات للبهوتي: 2/214.

3 ينظر تقرير القواعد لابن رجب: 3/314، والإنصاف للمرداوي: 4/476، ومعونة أولي النهى لابن النجار: 4/186، وشرح منتهى الإيرادات: 2/192، 193، وكشاف القناع: 3/250، والروض المربع للبهوتي: 4/488.

4 في المبحث الثالث في المطلب الأول، وفي المطلب الثاني المسألة الثانية.

ص: 280

المسألة الثانية: شروط صحة الإقالة

على القول بأن الإقالة بيع يشترط لها ما يشترط للبيع 1، وأما على القول بأنها فسخ وهو ما رجحته فتصح بلا شروط البيع المختصة به 2 من معرفة المقال فيه، ومن القدرة على تسليمه، وتمييزه عن غيره ونحو ذلك 3، وقد سبق الكلام عن شروط صحة الإقالة على القول بأنها فسخ 4.

المسألة الثالثة: الإقالة في المسجد

إذا اشترى زيد من عمرو سيارة بخمسين ألف ريال، وتقابضا، ثم لقيه في المسجد، وطلب منه الإقالة فما الحكم؟

إذا قيل بأن الإقالة بيع فإن حكم الإقالة كحكم البيع في المسجد، فلا تصح الإقالة عند القائلين بأن البيع في المسجد حرام وإن وقع لم يصح5، وهذا

1 ينظر في شروط صحة البيع بدائع الصنائع للكاساني: 5/308، وتبيين الحقائق للزيلعي: 4/71، وحاشية ابن عابدين: 4/144، 145، والشرح الصغير (مطبوع بهامش بلغة السالك) : 2/75، وروضة الطالبين للنووي: 3/336 وما بعدها و3/493، وشرح منتهى الإيرادات: 2/141، 192، والروض المربع للبهوتي: 4/331 وما بعدها.

2 بخلاف ما كان مشتركا مثل شرط الرضا فإنه يشترط على القول بأنها فسخ. ينظر شروط صحة الإقالة في المطلب الثاني من المبحث الخامس.

3 ينظر العباب المحيط للمزجد: 3/1255، والمغني لابن قدامة: 6/595، وتقرير القواعد لابن رجب: 3/314، والإنصاف للمرداوي: 4/476، وشرح منتهى الإرادات: 2/192، وكشاف القناع للبهوتي: 3/294.

4 في المبحث الخامس المطلب الثاني.

5 والقول الثاني: يكره البيع في المسجد، ويصح إن وقع فيه، وهذا قول جمهور العلماء، ورواية عن الإمام أحمد، وقد استثنى بعض علماء الشافعية القليل، واستثنى بعضهم بيع المعتكف وشراءه لتحصيل قوته فقالوا إنه لا يكره.

والقول الثالث: جواز البيع بلا كراهة، وهومذهب الحنفيةإن لم يحضر السلعة في المسجد، فإن أحضرها كره. ينظر المهذب للشيرازي:1/201، والمجموع شرح المهذب: 6/459، 460، وروضة الطالبين للنووي:2/393، والمغني لابن قدامة:6/383، وتصحيح الفروع للمرداوي (مطبوع بحاشية الفروع) :4/633، والإنصاف للمرداوي: 3/385، وجواهر الإكليل للأزهري: 2/203، وبدائع الصنائع للكاساني: 2/117، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص:370، وحاشية ابن عابدين (رد المحتار) :2/134.

ص: 281

القول رواية في مذهب الحنابلة1، وذكر المرداوي أن في صحة البيع في المسجد وجهين، ثم قال وقاعدة المذهب تقتضي عدم الصحة 2.

وأما على القول بأن الإقالة فسخ وهو ما رجحته فإنها غير داخلة في التحريم أو الكراهة، لأنها من قبيل الإحسان وفعل المعروف، كما أنها لا تستغرق في العادة وقتاً طويلاً. والله أعلم.

المسألة الرابعة: التقايل بعد النداء الثاني للجمعة

إذا باع زيد على عمرو سيارة بخمسين ألف ريال، وتقابضا، ثم لقي أحدهما الآخر بعد النداء الثاني للجمعة وهما أو أحدهما ممن تلزمه الجمعة فتقايلا فعلى القول بأن الإقالة فسخ يصح ذلك لأن الفسخ جائز في كل وقت، وعلى القول بأنها بيع لا يجوز ذلك3، وذلك عند من يرى عدم جواز البيع بعد

1 ينظر الفروع لابن مفلح: 4/632.

2 ينظر الإنصاف للمرداوي: 3/385.

3 ينظر الفروع لابن مفلح: 4/122، وتقرير القواعد لابن رجب: 3/316، ومحل الخلاف كما قال المرداوي ((إذا لم تكن حاجة، فان كان ثم حاجة صح البيع، جزم به ابن مفلح في الفروع، والحاجة هنا كما لو اضطر إلى الطعام والشراب، والعريان إذا وجد السترة تباع، وكذا كفن الميت، ومؤنة تجهيزه إذا خيف عليه الفساد بالتأخير، وكذا لو وجد أباه يباع وهو مع من لو ترك معه رحل وفاته الشراء)) . ينظر الإنصاف للمرداوي: 4/324، والفروع لابن مفلح: 4/43.

ص: 282

النداء الثاني للجمعة، وهم المالكية1، وبعض علماء الحنابلة 2، وابن حزم من الظاهرية3.

وبناء على ما رجحته من أن الإقالة فسخ فإنها تعتبر صحيحة، لأن النهي عن البيع. والله أعلم.

المسألة الخامسة: بيع النصاب من بهيمة الأنعام في أثناء الحول والتقايل قبل مضيه

إذا باع زيد على عمرو نصاباً من الغنم في أثناء الحول، ثم تقايلا قبل مضي الحول، فهل ينقطع الحول؟

على القول بأن الإقالة بيع ينقطع الحول، ولا يبنى على ما سبق، لأنها ابتداء بيع، وذهب بعض علماء المالكية إلى أنه إذا اشترى بالثمن نصاباً من جنسه أنه يزكيه على الحول الأول 4.

1 ينظر شرح الزرقاني على مختصر خليل: 2/66، والشرح الصغير (مطبوع مع بلغة السالك) : 2/75، والجامع لاحكام القرآن للقرطبي: 18/70.

2 ينظر تقرير القواعد لابن رجب: 3/316، والإنصاف للمرداوي: 4/477، ومعونة أولي النهى لابن النجار: 4/185، وكشاف القناع للبهوتي: 3/180، 249، والروض المربع للبهوتي: 4/487.

3 ينظر المحلى لابن حزم: 9/26. وذهب الشافعية وبعض الحنابلة إلى صحة البيع مع التحريم، وذهب الحنفية إلى صحتها مع الكراهة، وعليه فإن الإقالة عندهم بعد النداء الثاني صحيحة على القول بأنها بيع، ينظر لمذهب الشافعية: المهذب للشيرازي: 1/116، والمجموع شرح المهذب للنووي: 4/329، واسنى المطالب لزكريا الإنصاري: 1/269، وينظر للحنابلة: المغني لابن قدامة: 3/164، والإنصاف للمرداوي: 4/321، وينظر للحنفية: الاختيار لتعليل المختار للموصلي: 2/26، والبحر الرائق لابن نجيم: 6/108.

4 ينظر التاج الإكليل للمواق: 2/266، وشرح الزرقاني على مختصر خليل: 2/122.

ص: 283

وعلى القول بأن الإقالة فسخ يبنى على حولها الأول، وذلك لأنها رفع للعقد وليست بيعاً 1، وذهب الشافعية إلى أن الإقالة تقطع الحول 2.

والذي تميل إليه النفس أن الإقالة لا تقطع الحول، وأن الزكاة واجبة على كلا القولين إذا تم الحول، وذلك أننا إذا قلنا بأن الإقالة فسخ وهو ما رجحته فالملك لم يخرج من يد صاحبه لرفع العقد، ولأن حق الفقراء متعلق به.

وأما على القول بأن الإقالة بيع، فلأنه لو أبدل النصاب بجنسه بثمنه تتعلق به الزكاة 3. والله اعلم.

المسألة السادسة: خيار المجلس في الإقالة

إذا حصلت المبايعة بين شخصين، وتقابضا، ثم لقي أحدهما الآخر في المساء، وطلب منه الإقالة، ووافق الطرف الآخر، ثم بدا له الرجوع عن الإقالة وهما في مجلس الطلب فهل يثبت له الخيار؟ على القول بأن الإقالة فسخ لا يحق له الرجوع، ولا يثبت فيها خيار المجلس، وهو الأصح عند الشافعية4، والمذهب عند الحنابلة 5، وذلك لأن الفسخ لا يفسخ 6.

1 ينظر المرجعان السابقان نفس الموضع.

2 ينظر كتاب الزكاة من التهذيب للبغوي ص: 196 تحقيق: عبد الله بن معتق السهلي، وروضة الطالبين للنووي: 2/187، 188، ومغني المحتاج للشربيني: 1/379.

3 ينظر الإنصاف للمرداوي: 3/33، 34.

4 ينظر شرح الوجيز للرافعي: 4/172، وروضة الطالبين للنووي: 3/435، والأشباه والنظائر لابن الملقن: 2/244، والأشباه والنظائر للسيوطي ص: 313، والمنثور في القواعد للزركشي: 3/44، وكتاب الفروع للمحلى: 1/98.

5 ينظر تقرير القواعد لابن رجب: 3/317، والإنصاف للمرداوي: 4/477، ومعونة أولي النهى لابن النجار: 4/186، وشرح منتهى الإرادات: 2/193، والروض المربع للبهوتي: 4/488، وكشاف القناع للبهوتي: 3/250.

6 ينظر كشاف القناع للبهوتي: 3/250.

ص: 284

وعلى القول بأن الإقالة بيع يثبت خيار المجلس في الإقالة، ويحق له الرجوع عن الإقالة، وهو ما ذهب إليه الشافعية في أحد الوجهين 1، والحنابلة في قول عندهم2، والظاهرية 3، وذلك نظراً لثبوته عندهم في عقد البيع، لما رواه حكيم بن حزام أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا)) متفق عليه4، فيكون للمتقايلين حق الرجوع عنها مادام في مجلسهما، ولم يتفرقا عنه بأبدانهما5.

وبناء على ما رجحته من أن الإقالة فسخ؛ فإنه لا يحق لمن أقال أن يرجع عن الإقالة، لأن العقد إذا ارتفع لا يمكن أن يعود إلا بتراضيهما وحدوث عقد جديد، ولأن خيار المجلس لم يشرع إلا لإعطاء العاقدين مهلة للنظر والتروي قبل الإقدام على العقد والالتزام به، وهذا بخلاف الإقالة، لأن المقيل متبرع وباذل معروف، فلا يحتاج مهلة لإعادة النظر. والله أعلم.

1 ينظر شرح الوجيز للرافعي: 4/172، وروضة الطالبين للنووي: 3/435، والاشباه والنظائر للسيوطي ص: 313، والمنثور في القواعد للزركشي: 3/44.

والوجه الثاني عند الشافعية أنه لا يثبت فيها الخيار حتى على القول بأنها بيع لأنها ليست على قاعدة المعاوضات. ينظر المجموع شرح المهذب للنووي: 8/164.

2 ينظر تقرير القواعد لابن رجب: 3/317، والإنصاف للمرداوي: 4/477.

3 ينظر المحلى لابن حزم: 9/610.

4 أخرجه البخاري في صحيحه:3/18باب» البيعان بالخيار مالم يتفرقا «ومسلم في صحيحه: 3/21 رقم الحديث (1532) .

5 الحنفية والمالكية عدا ابن حبيب والسيوري وعبد الحميد الصائغ وابن عبد البر لا يقولون بثبوت خيار المجلس فيها نظراً لعدم ثبوته عندهم في عقد البيع. ينظر في مذهب الحنفية: مختصر الطحاوي ص: 74، وفتح القدير لابن الهمام: 5/464، والاختيار لتعليل المختار للموصلي: 2/5، وينظر للمالكية: الكافي لابن عبد البر:2/701، وبداية المجتهد لابن رشد:2/128، وبلغة السالك للصاوي 2/46، ومواهب الجليل للحطاب:4/409.

ص: 285

المسألة السابعة: التصرف في المبيع بعد الإقالة

إذا كان المبيع مما لا يجوز التصرف فيه قبل القبض كما لو باع زيد على عمرو مائة صاع من البر بألف ريال وتقابضا وفي المساء تقايلا والمبيع في يد عمرو وأراد زيد أن يتصرف فيه فما الحكم؟

إذا قلنا بأن الإقالة فسخ يصح تصرف زيد في المبيع لأن الفسخ لا يعتبر فيه القبض.

وعلى القول بأن الإقالة بيع لا ينفذ تصرفه فيه قبل قبضه 1.

وبناء على ما رجحته من أن الإقالة فسخ يصح التصرف في المبيع بعد الإقالة لأنه لم يخرج من ملكه. والله أعلم.

المسألة الثامنة: التقايل قبل القبض

هذه المسألة قريبة من المسألة السابقة، ولها ارتباط بها، وصورة هذه المسألة: أن يبيع زيد على عمرو مائة صاع من البر بألف ريال، ويسلم عمرو القيمة، ولكنه لم يقبض البر ثم يحصل التقايل.

فعلى القول بأن الإقالة بيع لا يجوز 2، لأن كل ما يحتاج إلى قبض إذا

1 ينظر التهذيب للبغوي: 3/411، وشرح الوجيز للرافعي: 4/282، 293، وروضة الطالبين للنووي: 3/493، 506، والنجم الوهاج للدميري: 2/1132، والأشباه والنظائر لابن الوكيل: 1/308، والأشباه والنظائر لابن الملقن: 2/245، والأشباه والنظائر للسيوطي ص:314.

2 قال ابن رجب في تقرير القواعد: 3/310 ((لا يجوز على الثانية أي على القول بأن الإقالة بيع إلا على رواية حكاها القاضي في المجرد في الاجارات أنه يصح بيعه من بائعه خاصة قبل القبض)) ا. هـ.

والصحيح عند الحنابلة خلاف ما حكاه القاضي وأن المكيل والموزون والمعدود والمذروع لا يجوز التصرف فيه قبل القبض. ينظر الإنصاف للمرداوي: 4/466، ومنتهى الإرادات لابن النجار: 1/280.

ص: 286

اشتراه لا يجوز بيعه حتى يقبضه1.

وعلى القول بأنها فسخ وهو ما رجحته يجوز التقايل، لأن الفسخ لا يعتبر فيه القبض كالرد بالعيب، والفسخ بالخيار، والتدليس2. والله أعلم.

المسألة التاسعة: التقايل بشرط الزيادة على الثمن

إذا باع زيد على عمرو سيارة بخمسين ألف ريال، وسلم السيارة لعمرو وقبض زيد القيمة، وبعد يوم ندم عمرو، وطلب الإقالة من زيد، ووافق زيد ولكن بزيادة ألف ريال، فما الحكم؟

على القول بأن الإقالة بيع اختلف العلماء في حكم الزيادة على الثمن على ثلاثة أقوال:

القول الأول: تصح الإقالة، وذلك لأن المتقايلين يستأنفان عقداً بينهما خلافا للعقد السابق، فلا بأس بما يحدث بينهما من شرط في ذلك، وبه قال بعض علماء الحنابلة 3، وأبو يوسف من الحنفية 4.

1 ينظر المغني لابن قدامة:6/188.

2 ينظر التمهيد لابن عبد البر: 16/342، والوسيط للغزالي: 3/140، وشرح الوجيز للرافعي: 4/282، وروضة الطالبين للنووي: 3/493، والأشباه والنظائر لابن الوكيل: 1/308، والأشباه والنظائر لابن الملقن: 2/245، والقواعد للحصني: 2/253، والأشباه والنظائر للسيوطي ص: 313، والنجم الوهاج للدميري: 2/133، وفتح الجواد لابن حجر الهيتمي: 1/417، والمسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين: 1/360، والمغني لابن قدامة: 6/188، 200، والفروع لابن مفلح: 4/122، وتقرير القواعد لابن رجب: 3/310، والإنصاف للمرداوي: 4/475، والروض المربع: 4/476، 477.

3 ينظر المسائل الفقهية من كتاب الروايتين لأبي يعلى: 1/360، والجامع الصغير لأبي يعلى: 1/190، والمغني لابن قدامة: 6/200، والمستوعب للسامري: 2/448، وتقرير القواعد لابن رجب: 3/311.

4 ينظر البدائع للكاساني: 5/307، والبحر الرائق لابن نجيم: 6/113.

ص: 287

القول الثاني: لا تصح، وهو وجه عند الحنابلة، قال ابن رجب» وهو المذهب عند القاضي في خلافه، وصححه السامري1، لأن مقتضى الإقالة رد الأمر إلى ما كان عليه، ورجوع كل واحد إلى ماله، فلم يجز بأكثر من الثمن «2.

القول الثالث: التفصيل وإليه ذهب المالكية فقالوا:

أتصح الإقالة على شرط الزيادة في بيع الطعام بعد قبضه 3، لأن المتقايلين يستأنفان عقداً جديداً، وأما قبل استيفائه فلا تصح الإقالة عندهم على الصحيح من المذهب، لأنها فسخ، والفسخ لا يقبل الزيادة، أو النقص عما كان عليه العقد.

ب إذا كانت الإقالة بعد الاستيفاء، وقبل التفرق ونقد الثمن، فتصح الإقالة على شرط الزيادة إذا كانت معجلة، سواء كانت ذهباً، أم ورقاً، أم عروضاً، وأما إذا كانت الزيادة مؤجلة، فإنها لا تصح، لأن الزيادة إن كانت ذهباً والثمن ذهباً، فإن هذا يجر إلى البيع والسلف، لأن البائع يكون قد اشترى الطعام الذي باعه بالثمن الذي وجب له أسلفه الزيادة إلى أجل فكانت بذلك بيعاً وسلفاً.

وإن كانت الزيادة ورقا، فإنها تكون بيعاً للذهب بالورق مؤجلاً وطعام مؤجل.

1 هو: أبو عبد الله نصير الدين محمد بن عبد الله بن الحسن السامري فقيه فرضي توفى ببغداد سنة 616هـ. ينظر الذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب: 2/95، والمنهج الأحمد للعليمي: 4/136.

2 ينظر المستوعب للسامري:2/450، (تحقيق د/فهد السنيدي) وتقرير القواعد لابن رجب: 3/311.

3 قبض الطعام عند المالكية يكون باستيفائه كيلا أو وزناً، ينظر الشرح الكبير للدردير: 3/144.

ص: 288

وإن كانت عروضاً فإن الإقالة تكون فسخاً للدين بالدين، وذلك لا يجوز1.

وعلى القول بأن الإقالة فسخ اختلف في حكم التقايل بزيادة على الثمن

فذهب الشافعية 2، وبعض علماء الحنابلة 3 إلى القول بعدم الجواز لأن الفسخ رفع للعقد، ومقتضى الإقالة رد الأمر إلى ما كان عليه ورجوع كل واحد إلى الذي له، فإذا شرط زيادة أخرج العقد عن مقصوده، فبطلت الإقالة وبقى البيع بحاله 4.

وذهب أبو حنيفة إلى أن الإقالة على الثمن الأول ويبطل شرط الزيادة لأن الإقالة لا تبطل بالشروط الفاسدة عنده 5.

والعلة من المنع من الزيادة فيما سبق هو الخوف من الوقوع في الربا6.

وقد نقل ابن منصور 7 عن الإمام أحمد ما يفيد ذلك إذ قال في رجل

1 ينظر حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: 3/87.

2 ينظر شرح الوجيز: 4/282، وروضة الطالبين للنووي: 3/494، وأسنى المطالب لزكريا الأنصاري: 4/75.

3 ينظر المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين: 1/359، والمغني لابن قدامة: 6/200، والكافي لابن قدامة: 2/101، وتقرير القواعد لابن رجب: 3/310، والجامع الصغير لأبي يعلى: 1/190.

4 ينظر الغني لابن قدامة: 6/201، ومعونة أولي النهى لابن النجار: 4/187، وكشاف القناع للبهوتي: 3/250.

5 ينظر فتح القدير لابن الهمام: 6/118، والبحر الرائق لابن نجيم: 6/113.

6 ينظر فتح القدير لابن الهمام: 6/118، وتقرير القواعد لابن رجب: 3/311.

7 ابن منصور: أبو يعقوب إسحاق إبراهيم بن منصور بن بهرام المروزي الفقيه روى عن الإمام أحمد مسائل كثيرة توفى سنة 251? عن خمسة وخمسين سنة. ينظر طبقات الحنابلة لأبي يعلى: 1/113، 115، والمنهج الأحمد للعليمي: 1/191، 192.

ص: 289

اشترى سلعة فندم، فقال اقلني ولك كذا وكذا، قال أحمد أكره أن يكون ترجع إليه سلعته ومعها فضل إلا أن يكون قد تغيرت السوق، أو تتاركا البيع فباعه بيعاً مستأنفاً، فلا بأس به، ولكن إن جاء إلى نفس البائع فقال أقلني فيها ولك كذا وكذا، فهو مكروه 1.

وقد نقل عن الإمام أحمد رحمه الله ما يفيد جواز التقايل بزيادة على الثمن؛ فقد جاء في رواية الأثرم2 أنه سأله عن بيع العربون 3، فذكر له حديث عمر4 فقيل له تذهب إليه؟ قال أي شيء أقول؟ وهذا عن عمر، ثم قال

1 مسائل ابن منصور: 2/410، تحقيق صالح المزيد، وينظر تقرير القواعد لابن رجب: 3/311.

2 الأثرم: احمد بن محمد بن هانئ الطائي ويقال الكلبي إمام جليل القدر نقل عن الإمام أحمد مسائل كثيرة. له ترجمة في طبقات الحنابلة لأبي يعلى: 1/66، والمنهج الأحمد للعليمي: 1/144.

3 جاء في المغني لابن قدامة: 6/331 قوله ((والعربون في البيع هو: أن يشتري السلعة فيدفع إلى البائع درهماً أو غيره على أنه إن أخذ السلعة احتسب به من الثمن، وإن لم يأخذها فذلك للبائع يقال عربون، وأربون، وعربان، وأربان

)) ، وينظر النهاية في غريب الحديث لابن الأثير:3/202، والمصباح المنير للفيومي: ص400.

4 الأثر عن عمر رضي الله عنه أخرجه ابن أبي شيبه في المصنف: كتاب البيوع والأقضية باب في العربان في البيع: 7/306 برقم (3252) ونصه: ((حدثنا أبو بكر قال حدثنا ابن عيينة عن عمرو عن عبد الرحمن ابن فروخ أن نافع بن عبد الحارث اشترى داراً للسجن من صفوان بن أمية بأربعة آلاف درهم فإن رضي عمر فالبيع له وإن عمر لم يرض فأربعمائة لصفوان)) . وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه:5/48، والبيهقي في السنن الكبرى 6/56، حديث رقم 0 (11180) ، والمزي في تهذيب الكمال 17/344في ترجمة عبد الرحمن بن فروخ، وابن حجر في تغليق التعليق:3/326، ورواه البخاري في صحيحه تعليقا:3/91، في كتاب الخصومات (باب الربط والحبس في الحرم)، والخبر متصل كما ذكر ابن حجر في الفتح: 5/76 ورواته ثقات عدا عبد الرحمن بن فروخ فقد انفرد بالرواية عنه عمرو بن دينار، وذكره في الثقات ابن حبان: 7/87، وقال ابن حجر في التقريب: ص 348 مقبول، فالأثر صحيح. والله أعلم. ينظر: تهذيب التهذيب لابن حجر: 6/251، والجرح والتعديل للرازي:5/275، وقد ورد الاستدلال بهذا الأثر في المغني لابن قدامة:6/331.

ص: 290

أليس كان ابن سيرين لا يرى بأسا أن يرد السلعة إلى صاحبها إذا كرهها ومعها شيء؟ ثم قال هذا مثله 1 ا. هـ.

فقد جعل بيع العربون من جنس الإقالة بربح، وهو يرى جواز بيع العربون 2، فالإقالة بزيادة مثله.

وبناء على ما رجحته من أن الإقالة فسخ، فإن الأولى للمقيل أن لا يأخذ زيادة على من استقاله، لأن الإقالة يقصد بها المعروف والإحسان، وأخذ الزيادة لا يلائم ذلك، لكن لو لم يوافق المقيل على الإقالة إلا بزيادة على الثمن جاز، لما يسببه إرجاع السلعة على صاحبها من الضرر؛ إذ قد يظن الناس أن بها عيبا، وما يأخذه يعتبر تعويضا لهذا الضرر، والله أعلم.

المسألة العاشرة: التقايل بشرط النقص من الثمن

إذا اشترى زيد من عمرو سيارة بعشرين ألف ريال وتقابضا، ثم جاء زيد إلى عمرو آخر النهار طالباً الإقالة، فقال عمرو أنا آخذها منك بتسعة عشر ألف ريال، فما الحكم؟

1 ينظر تقرير القواعد لابن رجب: 3/312، 313، والمغني لابن قدامة: 6/331، وقد وردت الرواية عن ابن سيرين في مصنف ابن أبي شيبة: 7/305، 306 برقم (3249) و (3253) .

2 ينظر تقرير القواعد لابن رجب: 3/313.

ص: 291

على القول بأن الإقالة بيع اختلف في ذلك، فقيل يجوز ذلك، وهو قول المالكية 1، ووجه عند الحنابلة 2، وبه قال أبو يوسف من الحنفية3.

وذلك لأن المتقايلين يستأنفان عقداً جديداَ بينهما فلا بأس بما يحدث بينهما من شرط في ذلك، والبائع يجوز أن يبيع بمثل الثمن الذي اشترى به أو بأزيد أو بأنقص.

وقيل لا تصح، وهو وجه عند الحنابلة، وصححه السامري 4.

وعلى القول بأن الإقالة فسخ لا تصح5 عند الشافعية 6، وهو الأصح عند الحنابلة 7، لأن رفع العقد لابد أن يكون بمثل الثمن.

وذهب أبو حنيفة إلى أن الإقالة تصح بمثل الثمن ويبطل الشرط لأن رفع ما لم يكن ثابتاً محال والنقصان لم يكن ثابتاً فرفعه يكون محالاً 8.

وتوضيح ذلك أن العقد في الصورة السابقة ثابت بعشرين ألف ريال فلا

1 ينظر الشرح الكبير للدردير: 3/155.

2 ينظر تقرير القواعد لابن رجب: 3/311.

3 ينظر بدائع الصنائع للكاساني: 5/307، والعناية على الهداية للبابرتي: 6/118.

4 ينظر المستوعب للسامري: 2/450، وتقرير القواعد لابن رجب: 3/311.

5 استثنى بعض العلماء ما لو حدث عيب في المقال فيه، أو تغيرت السوق أو تغيرت صفة السلعة فتجوز الإقالة مع النقص لأن النقص من الثمن بإزاء ما حصل من النقص في ثمن السلعة. ينظر فتح القدير لابن الهمام: 6/119، وتقرير القواعد لابن رجب: 3/312.

6 ينظر شرح الوجيز للرافعي: 4/282، وروضة الطالبين للنووي: 3/494، وأسنى المطالب لزكريا الأنصاري: 4/75، والعباب المحيط للمزجد: 3/1255.

7 ينظر الإنصاف للمرداوي: 4/476، ومعونة أولي النهى لابن النجار: 4/187، وشرح منتهى الإرادات: 2/193، وكشاف القناع للبهوتي: 3/250.

8 ينظر العناية شرح الهداية للبابرتي: 6/118.

ص: 292

يتصور رفعه بتسعة عشر ألف ريال لأن الثابت بخلافه 1.

ويظهر أن المنع من ذلك هو الخوف من الوقوع في الربا 2.

وذهب محمد بن الحسن إلى صحتها مع النقصان، لأنه لو سكت عن جميع الثمن وأقال كان فسخاً 3، ويظهر لي أن هذا القول هو اختيار ابن رجب4 وهو في نظري أرجح وذلك لأن محذور الربا هنا كما قال ابن رجب بعيد جداً، لأنه لا يقصد أحد أن يدفع عشرة ثم يأخذ نقداً خمسة لاسيما والدافع هنا هو الطالب لذلك الراغب فيه 5. والله أعلم.

المسألة الحادية عشرة: التقايل بغير جنس الثمن

إذا اشترى زيد من عمرو سيارة بخمسين ألف ريال وتقابضا ثم تلاقيا في المساء وطلب عمرو الإقالة ووافق زيد على أن يرد إليه بدلا من الريالات دراهم أو سيارة أخرى تعادلها في القيمة فعلى القول بأن الإقالة بيع يجوز كسائر البياعات.

وعلى القول بأن الإقالة فسخ وهو ما رجحته لا يصح، لأن القصد بالإقالة رد الأمر إلى ما كان عليه، ورجوع كل واحد منهما إلى ما كان له، فإذا تغير الثمن أخرج العقد عن مقصوده فيبطل 6.

1 ينظر فتح القدير لابن الهمام: 6/118.

2 ينظر تقرير القواعد لابن رجب: 3/312.

3 ينظر العناية شرح الهداية للبابرتي: 6/118.

4 ينظر تقرير القواعد لابن رجب: 3/312.

5 المرجع السابق نفس الموضع.

6 ينظر شرح الوجيز للرافعي: 4/282، وروضة الطالبين للنووي: 3/494، والعباب المحيط للمزجد: 3/1255، وتقرير القواعد لابن رجب: 3/310، 311، والممتع في شرح المقنع لابن المنجى: 3/134، والإنصاف للمرداوي: 4/476، ومعونة أولي النهى لابن النجار: 4/187، وكشاف القناع: 3/250، والروض المربع: 4/487، وشرح منتهى الارادات للبهوتي:2/ 193.

ص: 293

المسألة الثانية عشرة: رجوع ما باعه المفلس بالإقالة

إذا باع المفلس سلعة، ثم عادت إليه بالإقالة، ووجدها بائعها عنده، فهل له حق أن يأخذها؟

على القول بأن الإقالة بيع ليس له حق أن يأخذها لأنها خرجت من ملك المفلس ببيعه لها وعادت إليه بعقد جديد، وهذا القول هو الصحيح عند الشافعية1، وقول عند الحنابلة 2، والقول الآخر أنه أحق بها حتى لو خرجت عن ملك المفلس ثم عادت 3.

وعلى القول بأن الإقالة فسخ يحق لمن وجدها عنده أن يأخذها4 لأنها لم تخرج من ملكه ولازالت في حوزته وذلك على القول بجواز رجوع البائع بعين ماله إذا وجده عند المفلس وهو قول جمهور العلماء5، وذهب الحسن والنخعي،

1 ينظر الحاوي الكبير للماوردي: 6/266، وشرح الوجيز للرافعي: 5/40، ومغني المحتاج للشربيني: 2/159.

2 ينظر المغني لابن قدامة: 6/563، ومعونة أولي النهى لابن النجار: 4/513، والإنصاف للمرداوي: 5/289.

3 هذا القول هو الصحيح عند الحنابلة وذلك لأن قوله (( (من أدرك ماله بعينه عند رجل أو إنسان قد أفلس فهو أحق به)) ليس بمقيد فيتناولها اطلاقه. ينظر معونة أولي النهي لابن النجار: 4/513، وشرح منتهى الارادات للبهوتي: 2/279، والحديث أخرجه البخاري في صحيحه:3/86، ومسلم في صحيحه:3/1193، رقم الحديث (1559) .

4 ينظر تقرير القواعد لابن رجب: 3/320، والإنصاف للمرداوي: 4/479.

5 ينظر شرح الزرقاني على موطأ مالك: 3/331، والإشراف على نكت مسائل الخلاف لعبد الوهاب البغدادي: 2/586، والأم للشافعي: 3/243، والحاوي للماوردي: 6/266، ومغني المحتاج للشربيني: 2/157، والمغني لابن قدامة: 6/538، ومعونة أولي النهى لابن النجار: 4/513، وكشاف القناع للبهوتي: 3/425، وشرح منتهى الارادات للبهوتي: 2/279.

ص: 294

وابن شبرمة 1، ووكيع2، والحنفية3 إلى أنه يكون أسوة الغرماء4

وبناء على ما رجحته من أن الإقالة فسخ، فيحق لمن وجد سلعته عند المفلس أن يأخذها. والله أعلم.

المسألة الثالثة عشرة: الإقالة في المسلم فيه قبل قبضه

صورة المسألة:

باع زيد على عمرو مائة صاع من البر تسلم بعد سنة بمبلغ ألف ريال مقبوضة في مجلس العقد، فالبر في هذه الصورة مسلم فيه، فلو تقايلا قبل أن يقبض عمرو البر فما الحكم؟

1 ابن شبرمة: هو عبد الله بن شبرمة بن الطفيل بن حسان الظبي الفقيه القاضي ولد سنة 92? وولى القضاء على السواد توفى سنة 174?. تهذيب التهذيب لابن حجر: 5/25.

2 وكيع: أبو بكر محمد بن خلف بن حسان الضبي الملقب بوكيع من أهل القرآن والفقه والقضاء اشتهر بحسن سيرته في القضاء توفى سنة 306?. له ترجمة في سير أعلام النبلاء: 14/237.

3 ينظر النقاية للمحبوبي: 3/414، والفتاوى الهندية: 5/64، وحاشية ابن عابدين: 4/44.

4 استثنى الحنفية من الحكم السابق ما لو قبض المفلس السلعة جبراً عن بائعها أي بدون إذنه ففي هذه الحالة يحق لصاحب السلعة استردادها من المفلس سواء أوقع الإفلاس قبل القبض أم بعده، وعلة هذا الاستثناء أن المفلس هنا يكون غاصباً للسلعة طالما أنه حازها بدون إذن صاحبها ولهذا لا تدخل ضمن الضمان العام ولا تتعلق حقوق الغرماء بها. ينظر تبيين الحقائق للزيلعي: 5/201، ومجمع الأنهر لداماد افندي: 2/443، 444، وفتح باب العناية للقاري: 3/414.

ص: 295

على القول بأن الإقالة فسخ تجوز الإقالة، لأن الفسخ لا يعتبر فيه القبض وعلى القول بأن الإقالة بيع لا يجوز، لأن المبيع من شروطه القبض وهو غير متحقق 1.

وذكر ابن رجب أن في مذهب الحنابلة طريقين: أحدهما على الخلاف فإن قلنا هو فسخ جازت وإن قلنا بيع لم يجز

والثانية: جواز الإقالة فيه على الروايتين وهي طريقة الأكثرين ونقل ابن المنذر الإجماع على ذلك. 2

وبناء على ما رجحته من أن الإقالة فسخ فإن الإقالة قبل قبض المسلم فيه جائزة. والله أعلم.

المسألة الرابعة عشرة: إقالة الإقالة

يراد بإقالة الإقالة إلغاؤها والعودة إلى أصل العقد وصورتها:

أن يشتري زيد من عمرو سيارة بخمسين ألف ريال ويتقابضا وفي المساء تلاقيا وطلب زيد الإقالة من عمرو فوافق عمرو ثم تقايلا الإقالة.

1 ينظر شرح الوجيز للرافعي: 4/282، وروضة الطالبين للنووي: 3/493، واسنى المطالب شرح روض الطالب للأنصاري: 4/75، والنجم الوهاج للدميري: 2/1133، والأشباه والنظائر للسيوطي ص: 313، والمسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين: 1/360، وتقرير القواعد لابن رجب: 3/318، والإنصاف للمرداوي: 4/478، والممتع في شرح المقنع لابن المنجى: 3/133، وكشاف القناع: 30/248، وشرح منتهى الإرادات للبهوتي: 2/192.

2 تقرير القواعد لابن رجب: 3/318، ولم أعثر على نقل ابن المنذر الإجماع فيما اطلعت عليه من كتبه، وقد نقل ابن قدامة ذلك عنه في المغني: 6/417 فقال: ((قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الإقالة في جميع ما أسلم فيه جائزة لأن الإقالة فسخ للعقد ورفع له من أصله وليست بيعاً)) .

ص: 296

ففي هذه المسألة:

على القول بأن الإقالة فسخ لا تصح إقالة الإقالة لأن الفسخ لا يفسخ.

وأما من ذهب إلى أن الإقالة بيع فيرى أنها تصح أن تكون محلاً للإقالة إلا في السلم؛ لكون المسلم فيه ديناً سقط، والساقط لا يعود1، فإذا دخلت الإقالة على الإقالة يعود البيع إلى ما كان قبل دخول الإقالة فيه.

وبناء على ما رجحته من أن الإقالة فسخ لا تصح إقالة الإقالة، لأن الإقالة فسخ للعقد فلا يحتمل الفسخ. والله أعلم.

المسألة الخامسة عشرة: الإقالة بعد تعيب المبيع في يد المشتري

صورة المسألة:

باع زيد على عمرو سيارة، وحدث بها عيب عند عمرو، ثم تقايلا؛ فإن قلنا الإقالة بيع تخير زيد بين أن يجيز الإقالة ولا شيء له، وبين أن يفسخ ويأخذ الثمن.

وإن قلنا الإقالة فسخ وهو ما رجحته صحت الإقالة، وغرم عمرو أرش العيب 2، وذلك لأن الإقالة فسخ، والرد بالعيب كذلك فسخ، والفسخ لا يفسخ، فلا يثبت بذلك حق الرد بالعيب الحادث قبلها. والله أعلم.

المسألة السادسة عشرة: الرد بالعيب بعد التقايل

صورة المسألة

باع زيد على عمرو جملاً بألف ريال، وتقابضا، ثم حدث بالجمل عيب

1 ينظر الأشباه والنظائر لابن نجيم ص: 213، 319، ومجمع الأنهر لدامادافندي: 2/74، وتبيين الحقائق للزيلعي: 2/310، والبحر الرائق لابن نجيم: 6/111.

2 ينظر المبسوط للسرخسي: 25/168، وشرح الوجيز للرافعي: 4/282، وروضة الطالبين للنووي: 3/493، والأشباه والنظائر للسيوطي ص: 314، والعباب المحيط للمزجد: 3/1255.

ص: 297

عند عمرو، ثم طلب زيد الإقالة ووافق عمرو، ثم علم زيد بالعيب وأراد أن يرد الجمل على عمرو فما الحكم؟.

على القول بأن الإقالة بيع له الرد لأن له الخيار.

وعلى القول بأن الإقالة فسخ وهو ما رجحته لا يملك زيد الرد لأن الفسخ لا يفسخ 1.

المسألة السابعة عشرة: استعمال المبيع بعد الإقالة

إذا حصل التقايل بين المتبايعين، والمبيع في يد المشتري، ثم استعمله بعد الإقالة، فان قلنا الإقالة بيع فهو كالبائع يستعمل المبيع لا شيء عليه.

وإن قلنا الإقالة فسخ وهو ما رجحته فعليه الأجرة، لأنه استعمل ملك غيره بغير إذنه فتلزمه الأجرة 2.

المسألة الثامنة عشرة: التقايل في الصرف

إذا حصلت المصارفة بين شخصين وتقابضا، ثم تقايلا، فعلى القول بأن

1 ينظر شرح الوجيز للرافعي: 4/282، وروضة الطالبين للنووي: 3/494، والمنثور في القواعد للزركشي: 3/44، واسنى المطالب شرح روض الطالب لزكريا الأنصاري: 2/75، والأشباه والنظائر لابن الوكيل: 1/308، والأشباه والنظائر للسيوطي ص: 314، وتقرير القواعد لابن رجب: 3/317، وكشاف القناع للبهوتي: 3/250.

2 ينظر التهذيب للبغوي: 3/493، وشرح الوجيز للرافعي: 4/282، 290، وروضة الطالبين للنووي: 3/493، 494، 501، والأشباه والنظائر لابن الوكيل: 1/308، والأشباه والنظائر لابن الملقن: 2/245، والعباب المحيط للمزجد: 3/1255، والأشباه والنظائر للسيوطي ص:314. ينظر التهذيب للبغوي: 3/493، وشرح الوجيز للرافعي: 4/282، 290، وروضة الطالبين للنووي: 3/493، 494، 501، والأشباه والنظائر لابن الوكيل: 1/308، والأشباه والنظائر لابن الملقن: 2/245، والعباب المحيط للمزجد: 3/1255، والأشباه والنظائر للسيوطي ص: 314.

ص: 298

الإقالة فسخ لا يلزم التقابض في المجلس، لأنها فسخ، والفسخ لا يعتبر فيه القبض كالرد بالعيب والفسخ بالخيار والتدليس.

وعلى القول بأن الإقالة بيع يجب التقابض في المجلس1

وبناء على ما رجحته من أن الإقالة فسخ لا يلزم التقابض عند تقايل المتصارفين. والله أعلم.

المسألة التاسعة عشرة: بيع الابن ما وهبه له والده ثم رجوعه إليه بالإقالة.

إذا وهب الوالد لابنه شيئاً فباعه على زيد مثلاً ثم رجع إليه بإقالة فهل يجوز رجوع الأب فيه؟

على القول بأن الإقالة بيع لا يجوز رجوع الأب فيه، لأن الهبة رجعت إلى الابن بعقد جديد فامتنع بذلك رجوع الواهب وهو الأب.

وعلى القول بأن الإقالة فسخ لا تعد الإقالة مانعاً من الرجوع في الهبة 2، وذلك لأن ملكيتها لم تنتقل من يد الواهب له، فلو رجع الواهب عليه بها صح ذلك الرجوع منه إذا كانت الهبة لم تخرج من يده وذلك مبني على القول بجواز

1 ينظر بدائع الصنائع للكاساني: 5/309، والشرح الصغير للدردير: 2/77، والتهذيب للبغوي: 3/494، وشرح الوجيز للرافعي: 4/282، وروضة الطالبين للنووي: 3/493، والأشباه والنظائر لابن الوكيل: 1/308، والأشباه والنظائر لابن الملقن: 2/245، والأشباه والنظائر للسيوطي ص: 313، والإرشاد لابن أبي موسى ص: 183، والفروع لابن مفلح: 4/122، وكشاف القناع للبهوتي: 3/248.

2 ينظر تبيين الحقائق للزيلعي: 4/72، والبحر الرائق لابن نجيم: 6/113، وأسنى المطالب للأنصاري: 2/75، وتقرير القواعد لابن رجب: 3/320، والإنصاف للمرداوي: 4/479، وكشاف القناع للبهوتي: 3/249.

ص: 299

رجوع الأب في هبته لولده وهو قول جمهور العلماء1 خلافا للحنفية2.

وبناء على ما رجحته من أن الإقالة فسخ يحق للأب أن يرجع هبته لابنه لأنها لم تخرج من ملكه. والله أعلم.

المسألة العشرون: الإقالة بعد إسلام الرقيق المشترى من كافر

إذا اشترى المسلم عبداً كافراً من كافر فأسلم العبد ثم تقايلا، فما الحكم على القول بأن الإقالة بيع يكون حكم التقايل حكم البيع3، وقد اختلف العلماء في حكم بيع العبد المسلم للكافر على قولين:

القول الأول: أنه لا يجوز بيع المسلم للكافر، وهذا القول رواية عند المالكية 4، وأصح القولين عند الشافعية 5، وهو المذهب عند الحنابلة 6.

1 ينظر المدونة: 4/337، والتلقين لعبد الوهاب البغدادي: 2/552، والشرح الصغير للدردير (مطبوع بهامش بلغة السالك) : 2/317، والمهذب للشيرازي: 1/454، والتنبيه للشيرازي مع شرحه للسيوطي: 2/539، والمغني لابن قدامة: 8/262.

2 ذهب الحنفية إلى أنه لا يجوز للأب أن يرجع في هبته لابنه جاء في المبسوط للسرخسي: 12/54، 55 ((إذا وهب الوالدولده فليس له أن يرجع فيه عندنا)) ا?. وعليه فإذا باع الابن ما وهبه له والده ورجع إليه بإقالة لا يجوز للأب الرجوع عندهم على كلا القولين.

3 ينظر شرح الوجيز للرافعي: 4/19، وروضة الطالبين للنووي: 3/346، والأشباه والنظائر للسيوطي ص:313.

4 ينظر الإشراف على نكت مسائل الخلاف لعبد الوهاب البغدادي: 2/566، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 5/270.

5 ينظر الوسيط للغزالي: 3/13، وشرح الوجيز للرافعي: 4/17، 19، والمجموع شرح المهذب للنووي: 9/353، وفتح الجواد لابن حجر الهيتمي: 1/376، والأشباه والنظائر لابن الوكيل: 1/308، والأشباه والنظائر لابن الملقن: 2/244.

6 ينظر الفروع لابن مفلح: 4/44، والإنصاف للمرداوي: 4/328، وكشاف القناع: 3/182، وشرح منتهى الإرادات للبهوتي: 2/156.

ص: 300

القول الثاني: أنه يصح ويجبر على إخراجه عن ملكه لأن البيع طريق من طرق الملك فيملك به الكافر المسلم قياساً على الإرث، وهذا القول هو المذهب عند الحنفية 1 وإحدى الروايتين عند المالكية 2

فعلى القول الأول لا تجوز الإقالة على القول بأنها بيع.

وأما على القول بأن الإقالة فسخ وهو ما رجحته يجوز قياساً على الرد بالعيب 3، وعلى هذا القول يؤمر بإزالة ملكه عنه ببيع أو هبة أو عتق أو غيرها ولا يقر في يده 4. والله أعلم.

المسألة الحادية والعشرون: الإقالة بعد تبايع الذميين بمحرم وإسلام أحدهما

إذا باع ذمي ذمياً آخر خمراً، وقبضت دون ثمنها، ثم أسلم البائع وقلنا يجب له الثمن فأقال المشتري فيها، فما حكم الإقالة؟

على القول بأن الإقالة بيع لا يصح، لأن شراء المسلم للخمر لا يصح5.

وأما على القول بأن الإقالة فسخ فقد ذكر ابن رجب احتمالين 6.

1 ينظر أحكام القرآن للجصاص: 2/409

2 ينظر الإشراف على نكت مسائل الخلاف لعبد الوهاب البغدادي:2/566.

3 ينظر الأشباه والنظائر لابن الوكيل: 1/308، والأشباه والنظائر للسيوطي ص: 313، والأشباه والنظائر لابن الملقن: 2/244، والمنثور في القواعد للزركشي: 3/52، والمجموع شرح المهذب للنووي: 9/351، وروضة الطالبين للنووي: 3/348.

4 ينظر المجموع شرح المهذب للنووي: 9/350.

5 ينظر الهداية للمرغيناني: 3/42، والشرح الكبير للدردير: 3/15، ومغني المحتاج للشربيني: 2/11، وتقرير القواعد لابن رجب: 3/321، والفروع لابن مفلح: 4/42، وشرح منتهى الارادات للبهوتي: 2/132.

6 ينظر تقرير القواعد لابن رجب: 3/321، والإنصاف للمرداوي: 4/480.

ص: 301

الأول: أنه يصح فيرتفع بها العقد ولا يدخل في ملك المسلم، فهي في معنى إسقاط الثمن عن المشتري.

الثاني: أنه لا يصح لأنه استرداد لملك الخمر وذلك قياساً على ما ذكره الأصحاب من الحنابلة من أنه لا يسترد الصيد بخيار ولا غيره، فإن رد عليه صح الرد ولم يدخل في ملكه فيلزمه إرساله 1.

ومما سبق يظهر أن العلماء على كلا القولين 2 متفقون على أنه لا يجوز للمسلم أن يتملك الخمر وإنما الخلاف في ارتفاع العقد.

والذي يظهر لي أن القول بارتفاعه قول له وجاهته لاسيما أنه المتفق مع معنى الإقالة وهو الرفع والإزالة. والله أعلم.

المسألة الثانية والعشرون: بيع الأمة والإقالة فيها قبل القبض

إذا باع زيد على عمرو أمة وقبل أن يقبضها عمرو تقايلا فهل يلزم زيد الاستبراء3؟

على القول بأن الإقالة بيع يلزمه الاستبراء4، وخالف في ذلك المالكية5،

1 ينظر المغني لابن قدامة: 5/424، والشرح الكبير لشمس الدين بن قدامة: 2/175، والفروع لابن مفلح: 4/42.

2 القول بأن الإقالة بيع أو فسخ.

3 الاستبراء: استفعال من برأ ومعناه قصد علم براءة رحم الأمة من الحمل بخروج الحيض. ينظر الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي للأزهري ص: 262، والمطلع على أبواب المقنع للبعلي ص:349.

4 ينظر الفروع لابن مفلح: 4/122 و5/564، وتصحيح الفروع للمرداوي (مطبوع مع الفروع) : 4/122، وتقرير القواعد لابن رجب: 3/320.

5 سبق في التكييف الفقهي للإقالة في المبحث الرابع أن المالكية يرون بأن الإقالة بيع.

ص: 302

فذهبوا إلى أنه لا يلزم الاستبراء لأنها في يد البائع، والعلم ببراءة رحمها حاصل فلا يلزم الاستبراء، ولأن الاستبراء إنما جعل ليفصل بين الماءين مع إمكان أن يكون هناك ماء، فأما مع تحقق عدمه فلا معنى له 1.

وعلى القول بأن الإقالة فسخ لا يلزمه الاستبراء، وهذا القول رواية في مذهب الحنابلة، والرواية الأخرى يلزمه الاستبراء2، قال المرداوي ((وهو المذهب)) 3 وبه قال الشافعية4 لأنه زال ملكه عن استمتاعها بالعقد وعاد بالفسخ، فصار كما لو باعها ثم استبرأها5، ولأن فيه احتياطاً للأبضاع 6.

والذي يظهر لي أنه لا يلزم الاستبراء، لأن الأمة لم تخرج من يد بائعها ولم يحصل بها خلوة من المشتري، وقياس الإقالة على البيع قياس مع الفارق، لأن الإقالة رفع للعقد بخلاف البيع فهو نقل للملك من يد إلى يد فوجب فيه الاستبراء، والقول باستبرائها احتياطاً لا موجب له. والله أعلم.

المسألة الثالثة والعشرون: بيع النخل قبل الإطلاع والتقايل بعده

إذا باع زيد نخلاً لم يطلع على عمرو، ثم تقايلا، وقد أطلع فلمن تكون الثمرة؟

1 ينظر الإشراف على نكت مسائل الخلاف للبغدادي: 2/558.

2 ينظر شرح الزركشي على مختصر الخرقي: 5/570، والإنصاف للمرداوي: 4/479.

3 الإنصاف للمرداوي: 9/322، وينظر المغني لابن قدامة: 11/279، والمحرر في الفقه لأبي البركات: 2/110، ومعونة أولي النهى لابن النجار: 7/820، وشرح منتهى الارادات: 3/231، وكشاف القناع للبهوتي: 5/437.

4 ينظر المهذب للشيرازي: 2/155، وروضة الطالبين للنووي: 8/427، والغاية القصوى للبيضاوي: 2/857.

5 ينظر المهذب للشيرازي: 2/155.

6 ينظر الإنصاف للمرداوي: 4/479.

ص: 303

على القول بأن الإقالة بيع إذا لم يتشرط أحد المتبايعين الثمرة إمّا أن تكون الثمرة مؤبرة أو لا.

فإن كانت الثمرة مؤبرة فهي لعمرو لأنه هو البائع، وإن كانت غير مؤبرة فهي لزيد لأنه هو المشتري في هذه الصورة 1.

والقول بأن الثمرة إذا كانت مؤبرة للبائع، وإذا كانت غير مؤبرة للمشتري هو قول جمهور العلماء 2.

وذهب ابن أبي ليلى إلى أنها للمشتري في الحالين3.

وذهب الحنفية والأوزاعي إلى أنها للبائع في الحالين4.

وأما على القول بأن الإقالة فسخ فإن الثمرة تتبع الأصل بكل حال سواء كانت مؤبرة أو لا5.

وبناء على ما رجحته من أن الإقالة فسخ فإن الثمرة تتبع الأصل مطلقا. والله أعلم.

1 ينظر تقرير القواعد لابن رجب: 3/316، والإنصاف للمرداوي: 4/477، والفروع ابن مفلح: 4/124.

2 نظر المراجع السابقة، وبداية المجتهد لابن رشد: 2/142، والمهذب للشيرازي: 1/285، وروضة الطالبين للنووي: 3/548، وتكملة المجموع شرح المهذب للسبكي: 11/21، 22، 35، والمغني لابن قدامة: 6/130، 131، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي: 3/49، ومعونة أولي النهى لابن النجار: 4/247، والروض المربع للبهوتي: 4/538.

3 ينظر المغني لابن قدامة: 6/131، وتكملة المجموع شرح المهذب للسبكي: 11/29.

4 ينظر شرح النووي على صحيح مسلم: 10/191، وعمدة القاري للعيني: 11/12، وبدائع الصنائع للكاساني: 5/164.

5 ينظر تقرير القواعد لابن رجب: 3/316، والإنصاف للمرداوي: 4/477.

ص: 304

المسألة الرابعة والعشرون: التقايل بعد حدوث النماء المنفصل 1

إذا نما المبيع نماء منفصلاً كما لو كان المبيع شاة وولدت، ثم تقايلا فعلى القول بأن الإقالة بيع لا يتبع الشاة ولدها ويكون للمشتري مطلقاً2، وعلى القول بأن الإقالة فسخ اختلف فيه3، فقيل يكون النماء للبائع، وهو قول بعض الحنابلة 4.

وقيل إنه يكون للمشتري، وبه قال الشافعية 5، وبعض الحنابلة 6 وذكر ابن رجب أنه قول القاضي 7، وقال» ينبغي تخريجه على وجهين كالرد بالعيب

1 يستثنى من ذلك الأمة إذا كان لها ولد فانه لا يملك ردها دونه، ويرى بعض العلماء أن الإقالة باطلة لأن الولد مانع من الفسخ حقاً للشرع ويرى آخرون جوازه للضرورة. ينظر فتح القدير لابن الهمام: 6/119، والمهذب للشيرازي: 1/292، والكافي لابن قدامة: 2/84، 85.

2 ينظر تقرير القواعد لابن رجب: 3/316، والإنصاف للمرداوي: 4/477، والمستوعب للسامري: 2/448، والفروع لابن مفلح: 4/123، 124، والمجموع شرح المهذب للسبكي: 11/361.

3 ذهب أبو حنيفة إلى أن النماء المنفصل كالولد والثمرة يمنع الإقالة وذلك لأن وجود الزيادة لا يعيد العاقدين إلى ما كانا عليه قبلها فتمتنع بذلك حقاً للشرع. ينظر البدائع للكاساني: 5/285، والاختيار لتعليل المختار للموصلي: 2/20، وتبيين الحقائق للزيلعي: 5/122، وفتح القدير لابن الهمام: 6/119، والفوائد البهية لمحمود حمزه ص:34.

4 ينظر الجامع الصغير لأبن يعلى: 1/190، والمستوعب للسامري: 2/448، وتقرير القواعد لابن رجب: 3/316، والفروع لابن مفلح: 4/123، 124.

5 ينظر روضة الطالبين للنووي: 3/494.

6 ينظر كشاف القناع للبهوتي: 3/25، وتقرير القواعد لابن رجب: 3/316، والإنصاف للمرداوي: 4/477.

7 ذكر ذلك ابن رجب في تقرير القواعد: 3/316، وجاء في الجامع الصغير لأبي يعلى: 1/190 أن النماء للبائع على القول بأنها فسخ.

ص: 305

والرجوع للمفلس «1.

والوجهان هما:

أأنه يرد النماء مع الأصل للبائع.

ب لا يرده بل يبقى للمشتري 2.

وبناء على ما رجحته من أن الإقالة فسخ فالذي يظهر لي أن النماء يكون للمشتري، لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى أن الخراج بالضمان 3، ومعناه أن ما يخرج من المبيع من فائدة وغلة فهو للمشتري في مقابلة أنه لو تلف كان من ضمانه. والله أعلم.

1 تقرير القواعد لابن رجب: 3/316.

2 ينظر في الوجهين في النماء المنفصل إذا كان الرد لأجل العيب المغني: 6/227، والكافي لابن قدامة: 2/84، والمحرر لمجد الدين: 1/324، والشرح الكبير لشمس الدين بن قدامة: 2/380.

وينظر في النماء المنفصل إذا كان الرجوع لأجل المفلس. المغني: 6/550، 551، والكافي لابن قدامة: 2/180، والمحرر لمجد الدين: 1/345، والشرح الكبير لشمس الدين بن قدامة: 2/541، 542.

3 الحديث أخرجه أحمد في مسنده: 10/76 رقم الحديث (26058) تحقيق الدرويش. وأبو داود في سننه في كتاب البيع: 3/777 779 حديث رقم (3508)، والترمذي في سننه: 3/581، 582 حديث رقم (1285) وقال هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في سننه في كتاب البيع (باب الخراج بالضمان) : 6/254، 255، وابن الجارود في المنتقى ينظر غوث المكدود: 2/199، 200 حديث رقم (626)(627) وقال محققه إسناده حسن وهو حديث صحيح، وصححه الحاكم في المستدرك: 2/15 ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في إرواء الغليل حديث رقم (1315) .

ص: 306

المسألة الخامسة والعشرون: الإقالة فيما اشتراه المضارب أو الشريك

إذا اشترى المضارب أو الشريك سلعة، ثم طلب منه البائع الإقالة، فهل يملك المشتري ذلك؟

على القول بأن الإقالة بيع يملك المشتري الإقالة فيما اشتراه، لأنه مأذون له1، واشترط بعض علماء المالكية لجواز الإقالة عدم المحاباة من الشريك أو المضارب للمقال بغير إذن الآخر، لأن الإقالة معروف، ولا يجوز أن يفعل المعروف في مال غيره بغير إذنه إلا إذا أقاله لمصلحة كأن يخاف ذهاب الثمن كله فهذا جائز 2.

وعلى القول بأن الإقالة فسخ لا يملك المشتري الإقالة، لأن الفسخ ليس من التجارة المأذون فيها 3.

وذكر ابن رجب أن أكثر الحنابلة يرون أنه يملك الفسخ على القولين 4 ويظهر لي أن هذا هو ما ذهب إليه بعض علماء الشافعية، لأنهم ذكروا أن الشريك لا يتجر إلا على النظر والاحتياط وطلب الحظ5، وقد يكون ذلك في الإقالة كما علل بذلك بعض علماء الحنابلة 6.

1 ينظر المبسوط للسرخسي: 22/38، وتقرير القواعد لابن رجب: 2/319، والكافي لابن قدامة: 2/260، والإنصاف للمرداوي: 4/478.

2 ينظر المدونة برواية سحنون: 4/45.

3 ينظر الكافي لابن قدامة: 2/261، وتقرير القواعد لابن رجب: 3/319، والإنصاف للمرداوي: 4/478.

4 تقرير القواعد لابن رجب: 3/319.

5 ينظر المهذب للشيرازي: 1/394.

6 ينظر شرح منتهى الارادات للبهوتي: 2/323.

ص: 307

وبناء على ما رجحته من أن الإقالة فسخ فالذي يظهر أن الشريك والمضارب يملك الإقالة، لوجاهة ما عللوا به من أنه قد يكون فيه حظ للمقيل ولأنه يملك الفسخ بالخيار. والله أعلم.

المسألة السادسة والعشرون: التقايل بعد تلف المبيع

صورة المسألة:

أن يشتري زيد من عمرو سلعة ويتقابضا، ثم تتلف السلعة في يد زيد، ثم يطلب الإقالة عمرو.

على القول بأن الإقالة بيع لا يجوز، لأن عقد البيع لا يرد إلا على موجود بالقوة أو بالفعل، وهو غير موجود هنا، وهذا ما ذهب إليه بعض العلماء من الشافعية1 والحنابلة 2، وكذا الحنفية إذا كان الثمن مما يثبت في الذمة3 والمالكية إذا كان المقال فيه عينيا 4.

وأما على القول بأن الإقالة فسخ، ففي صحتها بعد تلف المبيع خلاف5:

1 ينظر المنثور في القواعد للزركشي: 3/46.

2 ينظر التعليق الكبير للقاضي: 1/185، 186، وتقرير القواعد لابن رجب: 1/490، 496.

3 أما إذا كان الثمن عينيا فإن الإقالة تصح عندهم مع تلف المقال فيه أو هلاكه لأن كلا من العوضين يعتبر مبيعا في هذه الحالة فيعتبر العقد قائماً بوجود أحدهما فتصح الإقالة فيه على أن يسترد المقيل مثله إن كان مثليا وإلا وجبت القيمة. ينظر بدائع الصنائع للكاساني: 5/309.

4 أما إذا كان المقال فيه مثليا فإن الإقالة تصح عندهم مع تلفه أو هلاكه وذلك لإمكان رد المثل في هذه الحالة. ينظر شرح الزرقاني على مختصر خليل: 5/168، وحاشية البناني على شرح الزرقاني: 5/169.

5 ينظر الأشباه والنظائر لابن الوكيل: 1/308، والنجم الوهاج للدميري: 2/113، والأشباه والنظائر للسيوطي ص: 314، والعباب المحيط للمزجد: 3/1255، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي: 3/46، والفروع لابن مفلح: 4/123.

ص: 308

1 قيل يجوز لأن الفسخ يرد على المعدوم، كما يرد على الموجود، ولأن الإقالة وإن كانت تستدعي مقالا فيه لكن البدل يقوم مقام المبدل هنا للضرورة1، قال الزركشي2» الفسخ يرد على المعدوم في موضعين. الثاني الإقالة «3.

2 وقيل بعدم الجواز لتعذر الرد 4.

وذكر الرافعي5 وغيره في صحة الإقالة وجهين عند الشافعية على القول بأنها فسخ أحدهما: المنع كالرد بالعيب، وأصحهما الجواز، وهو اختيار أبي زيد6 كالفسخ بالتحالف فعلى هذا يرد المشتري على البائع مثل المبيع إن كان مثليا وقيمته إن كان متقوماً 7.

1 ينظر تقرير القواعد لابن رجب: 1/496، والمنثور في القواعد للزركشي: 3/46.

2 الزركشي: بدر الدين أبو عبد الله محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي الشافعي ولد سنة 745? فقيه أصولي أديب فاضل توفى سنة 794?. له ترجمة في شذرات الذهب لابن العماد: 6/335.

3 المنثور في القواعد للزركشي: 3/46.

4 ينظر كشاف القناع للبهوتي: 3/250.

5 الرافعي: أبو القاسم عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم الرافعي أحد الفقهاء عالم بالتفسير والحديث توفى سنة 623هـ. له ترجمة في طبقات الشافعية للسبكي: 8/281، 292، وطبقات الشافعية للأسنوي ص:189.

6 أبو زيد: هو الشيخ محمد بن أحمد بن عبد الله الفاشاني ولد سنة 301? من أحفظ الناس لمذهب الشافعي جاور بمكة مدة وتوفى بمرو سنة 371?. له ترجمة في طبقات الشافعية للسبكي: 3/71، 77.

7 شرح الوجيز للرافعي: 4/282، وينظر الوسيط للغزالي: 3/140، والتهذيب للبغوي: 3/493، وروضة الطالبين للنووي: 3/493، والأشباه والنظائر لابن الوكيل: 1/308، والأشباه والنظائر لابن الملقن: 2/245، والنجم الوهاج للدميري: 2/1133، والعباب المحيط للمزجد: 3/1255.

ص: 309

ويترجح عندي عدم جواز الإقالة في حالة تلف المبيع إلا في حالة وجود العين المماثلة للعين التالفة، أما القيمة فإنها لا تنضبط، وقد لا ترضي الطرف الآخر ومن ثمّ لا يصار إليها. والله أعلم.

المسألة السابعة والعشرون: التقايل بعد موت المتعاقدَين

إذا مات المتعاقدان فهل تصح الإقالة بعد موتهما؟

على القول بأن الإقالة بيع تصح من الورثة، لأنهم بعد أن ملكوا العين يجوز تصرفهم بها 1.

وأما على القول بأن الإقالة فسخ ففي صحة الإقالة خلاف: المذهب عند الحنابلة أنها لا تصح مع موت عاقد، لأن خيار الإقالة عندهم يبطل بالموت2 وفي وجه أنها تصح3، وبه قال الشافعية4.

وبناء على ما رجحته من أن الإقالة فسخ فإن الذي يظهر لي في هذه المسألة هو القول بالصحة، لأن الورثة يقومون مقام ورثتهم في الفسخ والبيع ولا دليل يمنع من فسخ الورثة العقد. والله أعلم.

المسألة الثامنة والعشرون: الشُّفعة بعد التَّقايُل

إذا باع زيد على عمرو جزءاً مشاعاً من أرضه المملوكة له ولغيره، ثم تقايلا، ثم شفع شريك زيد في المبيع، فما الحكم؟

1 ينظر تقرير القواعد لابن رجب: 3/322.

2 ينظر الفروع لابن مفلح: 4/122، ومعونة أولي النهى لابن النجار: 4/187، وشرح منتهى الارادات للبهوتي: 2/193، والروض المربع للبهوتي: 4/489.

3 ينظر تقرير القواعد لابن رجب: 3/322، ومعونة أولي النهى لابن النجار: 4/187.

4 ينظر شرح الوجيز للرافعي: 4/282، وروضة الطالبين للنووي: 3/494، والنجم الوهاج للدميري: 2/1133، والعباب المحيط للمزجد: 3/1255.

ص: 310

على القول بأن الإقالة فسخ لا تثبت الشفعة، لأنها رفع للعقد وإزالة له وليست بمعاوضة فأشبهت سائر الفسوخ.

وعلى القول بأن الإقالة بيع تثبت الشفعة 1.

وبناء على ما رجحته من أن الإقالة فسخ، فإن الشفعة لا تثبت بعد التقايل، لأن الإقالة فسخ وليست بيعاً. والله أعلم.

المسألة التاسعة والعشرون: التنازل عن الشفعة والعودة إلى طلبها بعد التقايل.

إذا باع أحد الشريكين حصته، ثم عفا الآخر عن شفعته، ثم تقايلا، وأراد العافي أن يعود إلى طلب الشفعة، فما الحكم؟

على القول بأن الإقالة بيع له الشفعة، لأنه إنما عفا عن البيع الأول دون الثاني فيحق له أن يشفع فيه.

وعلى القول بأن الإقالة فسخ وهو ما رجحته ليس له شفعة، لأنها ليست بيعاً، والشفعة لا تستحق إلا بالبيع، والمبيع لم يخرج من ملكه. 2

1 ينظر بدائع الصنائع للكاساني: 5/308، والتمهيد لابن عبد البر: 16/343، وشرح الوجيز للرافعي: 4/282، وروضة الطالبين للنووي: 3/493، والأشباه والنظائر لابن الملقن: 2/244، والعباب المحيط للمزجد: 3/1256، والمسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين: 1/360، والمغني لابن قدامة: 6/200، والفروع لابن مفلح: 4/122، والممتع في شرح المقنع لابن المنجى: 3/133، وتقرير القواعد لابن رجب: 3/319، وكشاف القناع: 3/250، والروض المربع للبهوتي: 4/488.

2 ينظر الأشباه والنظائر لابن الملقن: 2/244، والأشباه والنظائر لابن الوكيل: 1/308، والعباب المحيط للمزجد: 3/1255. وتقرير القواعد لابن رجب: 3/318، والإنصاف للمرداوي: 4/478.

ص: 311

المسألة الثلاثون: من حلف لا يبيع أو لَيَبِيعَنَّ أو علق على البيع طلاقاً أو عتقاً ثم أقال.

لو حلف لا يبيع، أو ليبيعن، أو علق على البيع طلاقاً، أو عتقاً، ثم أقال فإن قلنا الإقالة بيع، فإن من حلف لا يبيع يعد حانثا في يمينه، ومن علق على البيع طلاقاً أو عتقاً يقع طلاقه وعتقه، وذلك لأن الإقالة وافقت حقيقة قوله حيث حلف على عدم بيع شيء من ماله ثم عاد فأثبت ذلك بالإقالة فيه.

وإن قلنا الإقالة فسخ وهو ما رجحته لا يلزمه شيء لأمرين:

1 أن الإقالة لم توافق حقيقة قوله.

2 أن الأيمان تنبني على العرف، وليس في العرف أن الإقالة بيع 1.

والله أعلم.

1 ينظر المغني: 6/200، والكافي لابن قدامة: 2/101، وتقرير القواعد لابن رجب: 3/320، 321، ومعونة أولي النهى لابن النجار: 4/186، والإنصاف للمرداوي: 4/48، وكشاف القناع: 3/250، وشرح منتهى الإرادات للبهوتي: 2/193.

ص: 312