الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الثاني: شروط صحة الإقالة
يشترط لصحة الإقالة على القول بأنها فسخ ما يلي:
1 أهلية المتقايلين: والمراد بالأهلية هنا أهلية الأداء، وهي صلاحية الشخص لصدور التصرفات المعتبرة منه في نظر الشارع1، فإذا كان أحد المتقايلين لا تعتبر تصرفاته لا تصح الإقالة، ومثال ذلك أن يشتري سيارة من آخر ثم يجن أحدهما، أو يصاب بالعته ثم يطلب الإقالة، فإن طلبه يعتبر لغواً، لأنه ليس بأهل للإقالة.
2 رضا المتقايلين: وذلك لأن العقد في الأصل تم بين العاقدين بالتراضي، فكذا رفعه يكون بالتراضي، فلو أكره المتقايلان، أو أحدهما، فإنها لا تصح، جاء في البحر الرائق "وأما شرائط صحتها، فمنها رضا المتعاقدين لأن الكلام في رفع عقد لازم، وأما رفع ما ليس بلازم فلمن له الخيار رفعه 2 بعلم صاحبه لا برضاه"3.
3 اتحاد المجلس: وهذا الشرط مختلف فيه بين الفقهاء القائلين بأن الإقالة فسخ، فبعضهم يرى اشتراطه 4، ولذا ذكروا ما يفيد أن الإقالة لا تصح مع غيبة أحد العاقدين، فحضورهما شرط ليتحقق العلم بها، جاء في تقرير القواعد لابن رجب "وفي كلام القاضي
…
ما يفيد أن الإقالة لا تصح مع غيبة الآخر على الروايتين لأنها في حكم العقود" 5.
وجاء في التعليق الكبير "الإقالة لما افتقرت إلى رضا المقيل افتقرت إلى حضوره. ولو قال أحدهما أقلني ثم غاب فقال الآخر بعد غيبته أقلتك فإنه لا يجوز"6.
1 ينظر التلويح على التوضيح للتفتازاني: 3/161، وأصول السرخسي: 2/333.
2 هذه الكلمة أضفتها لدلالة كلام المؤلف عليها، ولأن الكلام يستقيم بها.
3 البحر الرائق لابن نجيم: 6/110، وينظر بدائع الصنائع للكاساني: 5/308.
4 ينظر بدائع الصنائع للكاساني: 5/308.
5 تقرير القواعد لابن رجب: 3/315، وينظر التعليق الكبير في المسائل الخلافية للقاضي أبي يعلى: 1/187، 240، والإنصاف للمرداوي: 4/476.
6 ينظر التعليق الكبير للقاضي: 1/240، 241.
وقال النووي1 بعد أن ذكر أن الإقالة فسخ للعقد على القول الصحيح "قال أصحابنا ولا تصح إلا بحضور المتعاقدين، هذا هو المذهب وبه قطع الجماهير"2.
وذكر ابن رجب أنها تصح ولو لم يحضر العاقدان في مجلس واحد، جاء في تقرير القواعد:"ولو تقايلا مع غيبة أحدهما بأن طلبت منه الإقالة فدخل الدار وقال على الفور أقلتك، فإن قلنا هي فسخ صح، وإن قلنا هي بيع لم يصح"3.
والذي يظهر لي أن القول بعدم اشتراط اتحاد مجلس الإقالة أولى للاعتبارات الآتية:
أ- أن الفسخ رفع عقد كالطلاق فلا يتوقف على الحضور.
ب- أن الفسوخ يغتفر فيها مالا يغتفر في غيرها، فلا يشترط اتحاد المجلس.
ج- أن الشارع لم يعتبر جواز الفسخ بحضورهما في مجلس واحد، وإنما برضاهما، والرضا يتحقق ولو مع عدم اتحاد المجلس. والله أعلم.
4-
أن تكون بمثل الثمن الأول: وذلك لأن الإقالة فسخ، والفسخ لا يقتضي عوضا زائداً، ومقتضى الإقالة رد الأمر إلى ما كان العاقدان عليه قبلها ولا يتحقق ذلك إلا برجوع كل منهما إلى ما كان له قبلها4، ولأن فيها
1 النووي: أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي الدمشقي من كبار فقهاء الشافعية ومن البارزين في علم الحديث توفى سنة 676هـ. له ترجمة في طبقات الشافعية للسبكي: 5/166، وطبقات الشافعية للاسنوي ص:407.
2 المجموع شرح المهذب للنووي: 9/188.
3 تقرير القواعد لابن رجب: 3/315، وينظر المجموع شرح المهذب للنووي: 9/188.
4 ينظر المغني لابن قدامة: 6/201، ومعونة أولي النهى لابن النجار: 4/187، والإنصاف للمرداوي: 4/476، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي: 3/551، والتهذيب للبغوي: 3/491، وروضة الطالبين للنووي: 3/494، وبدائع الصنائع للكاساني: 5/306، وتبيين الحقائق للزيلعي: 4/72، والنقاية للمحبوبي: 2/352، وفتح القدير لابن الهمام: 6/114.
إحسانا وإرفاقا بطالب الإقالة، والزيادة عليه أو النقص من حقه تلحق ضرراً به، والضرر غير جائز، لقوله صلى الله عليه وسلم "لا ضرر ولا ضرار"1.
وذهب بعض العلماء إلى عدم اشتراط هذا الشرط، فنقل عن الإمام أحمد جواز التقايل بزيادة على الثمن2، وذهب محمد بن الحسن إلى جوازها مع النقص في الثمن3، وسيأتي مزيد من الكلام على هذا الشرط في المسائل التطبيقية 4.
5-
أن يبقى المحل قابلاً للفسخ بأحد الخيارات، كالشرط والعيب والرؤية، وذكر الكاساني أن هذا شرط على أصل أبي حنيفة وزفر 5، وذلك "لأنها فسخ عندهما فلابد أن يكون المحل محتملاً للفسخ، فإذا خرج عن هذا الاحتمال خرج عن احتمال الإقالة ضرورة"6.
1 الحديث أخرجه مالك في الموطأ: 2/745، وأحمد في مسنده: 5/55 رقم الحديث (2865)(نشر مؤسسة الرسالة)، وابن ماجه في سننه: 2/784 رقم الحديث (2341)، وقال الشيخ ناصر الدين الألباني في ارواء الغليل: 3/408 إنه حديث صحيح، وقد حسن النووي إسناده في الأربعين النووية حديث رقم (32) .
2 ينظر الجامع الصغير لأبي يعلى: 1/190، وتقرير القواعد لابن رجب: 3/312، 313، والمغني لابن قدامة: 6/331.
3 ينظر العناية شرح الهداية للبابرتي: 3/312.
4 ينظر المسألة التاسعة والعاشرة من الدراسة التطبيقية.
5 عند أبي يوسف ومحمد لا يشترط هذا الشرط أما على أصل أبي يوسف فلأنها بعد القبض بيع مطلق وهو بعد الزيادة محتمل للبيع فيبقى محتملاً للإقالة. وأما على أصل محمد فإنها وإن كانت فسخاً لكن عند الإمكان ولا إمكان ههنا لأنا لو جعلناها فسخاً لم يصح ولو جعلناها بيعاً لصحت فجعل بيعاً لضرورة الصحة فلهذا اتفق جواب محمد مع جواب أبي يوسف في هذا الموضع. ينظر بدائع الصنائع للكاساني: 5/308، 309.
6 بدائع الصنائع: 5/308، 309، وينظر حاشية الطحطاوي على الدر المختار: 3/90.