الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
السر وأخفى، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ولهذا لما قالت الصحابة رضي الله عنهم: أربنا قريب فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ أنزل الله سبحانه:{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} 1 الآية، وقال تعالى:{أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ} 2.
1 سورة البقرة آية 186.
2 سورة الزمر آيه 43.
حقيقة التوحيد
الموحد من اجتمع قلبه ولسانه على الله مخلصاً له تعالى الألوهية، المقتضية لعبادته في محبته وخوفه ورجائه دعائه والاستعانة به والتوكل عليه، وحصر الدعاء بما لا يقدر على جلبه أو دفعه إلا الله وحده، والموالاة في ذلك والمعاداة فيه وأمثال هذا ناظرًا إلى حق الخالق والمخلوق من الأنبياء والأولياء مميزاً بين الحقين. وذلك واجب في علم القلب وشهادته وذكره ومعرفته ومحبته موالاته وطاعته، وهذا من تحقيق لا إله إلا الله، لأن معنى الإله عند الأولين ما تألهه القلوب بالمحبة التي كحب الله والتعظيم والإجلال والخضوع، فالرجاء بها هو مختص من عند الله وذبح النسك له قال
تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} 1. {تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} 2 وهم ما سووهم به لا في الصفات ولا في الذات ولا في الأفعال كما حكى الله عنهم في الآيات، والشاهد الله بأنه لا إله إلا هو، وقائلها نافياً قلبه ولسانه الألوهية كل ما سواه من الخلق، ومثبتاً به الألوهية لمستحقها وهو الله المعبود بالحق، فيكون معرضاً عن ألوهية جميع المخلوقات لا يتألههم بما لا يقدر عليه إلا الله، مقبلا على عبادة رب الأرض والسموات، وذلك يتضمن اجتماع القلب في عبادته ومعاملته على الله، ومفارقته في ذلك كل ما سواه، فيكون مفرقاً في عمله وقصده وشهادته وإرادته ومعرفته ومحبته بين الخالق والمخلوق بحيث يكون عالماً بالله ذاكراً له عارفاً به، وأنه تعالى مباين لخلقه، منفرد عنهم بعبادته 3 وأفعاله وصفاته، فيكون محبّاً فيه مستعيناً به لا بغيره، متوكلا عليه لا على غيره. وهذا المقام هو المعني في {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} وهي من خصائص الألوهية التي يشهد له بها تعالى عباده المؤمنون، كما أن رحمته لعبيده، وهدايته إياهم، وخلقه السماوات والأرض وما بينهما وما فيهما من الآيات من خصائص الربوبية التي يشترك في
1 سورة البقرة آية 165.
2 سورة الشعراء آيتا 97، 98.
3 أي بكون العبادة تكون له وحده، ويجوز أن تكون أصل الكلمة بذاته.
معرفتها المؤمن والكافر، والبر والفاجر، حتى إبليس عليه اللعنة معترف بها في قوله تعالى:{رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} 1، وقوله:{بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} 2، وأمثال هذا الخطاب الذي يعرف بأنه ربه وخالقه ومليكه، وأن ملكوت كل شيء في يده تعالى وتقدس، وإنما يكفر بعناده وتكبره عن الحق وطعنه فيه وزعمه أنه فيما ادعاه وقاله محق. وكذلك المشركون الأولون يعرفون ربوبيته تعالى وهم له بها يعترفون قال تعالى:{قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ} 3، وقال:{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} 4، وقال تعالى:{فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} 5 فمن دعا غيره تعالى لم يكن مخلصاً، وقال تعالى:{قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ} 6، وقال تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ قَالَ
1 سورة الحجر الآية 36.
2 سورة الحجر الآية 39.
3 سورة المؤمنون الآية 84.
4 سورة العنكبوت الآية 61.
5 سورة العنكبوت الآية 65.
6 سورة المؤمنون الآية 88.
هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} 1 والآيات في هذا الباب كثيرة جداً.
وروى الإمام أحمد في مسنده والترمذي من حديث حصين بن المنذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يا حصين كم تعبد؟ " قال: ستة في الأرض وواحد في السماء قال: "فمن الذي تعد لرغبتك؟ " قال: الذي في السماء. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أسلم حتى أعلمك كلمات ينفعك الله بهن" فأسلم، فقال قل:"اللهم ألهمني رشدي وقني شر نفسي"، فمجرد معرفتهم بربوبيته تعالى واعترافهم بها لم تنفعهم ولم تدخلهم في الإٍسلام مع جعلهم مع الله آلهة أخرى يدعونها ويرجونها لتقربهم إلى الله زلفى وتشفع لهم عنده، فبذلك كانوا مشركين في عبادته ومعاملته. ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم: لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك، و "الدعاء مخ العبادة" كما أن الإله اسم المعبود. وروى النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الدعاء هو العبادة- وفي رواية- مخ العبادة"، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَقَالَ
1 سورة الشعراء آيات 69-74.