الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يكون صادقًا في انفعاله بها ولا أمينًا في تصويره لها. وإذا تحدث إليك في قصته عن المغامرة التي مر بها أحد أشخاص قصته في عرض البحر وهو لم يسبق له أن ركب البحر، ولا عرف أهواله، فإنه لن يستطيع أن يقدم إليك شيئًا له أهمية. والمسألة لا تقف عند مجرد الخبرة بالأشياء، بل كذلك الخبرة بالأشخاص وطباعها وحقائقها. فالمرأة التي تحاول أن تكتب قصة تصور فيها أمورًا خاصة بالرجال وهي لا تعرف ما يكون بين الرجال في جلساتهم وحياتهم الخاصة؛ لأنها -عمليا- لا تستطيع أن تعرف ذلك، لا يمكن أن تكون لقصتها أهمية؛ لأنها لم تقم على خبرة شخصية عملية صادقة بطبيعة الرجال.
والواقع أن هذا الرأي يتضمن كثيرًا من الحقيقة، ولكنه ليس صحيحًا كل الصحة؛ وذلك أننا نستفيد من تجارب الآخرين أكثر مما نستفيد من تجاربنا، ونحن في قراءتنا نحصل قدرًا من الخبرات هو أضعاف أضعاف ما نحصل بأنفسنا لأنفسنا من خبرات، فحياة الإنسان محدودة بالزمان الذي يستطيع أن يعيشه، ومحددة بالمكان الذي يستطيع أن يعيش ويتحرك فيه. ويتبع ذلك أن تكون خبرة الإنسان الذاتية محدودة بهذين الحدين، ولكن خبرته التي يحصلها من خلال تجارب الآخرين لا تكاد تحدها حدود؛ لأنه يستطيع أن يعرف الكثير عن حياة سكان جزيرة جاوة مثلا، كما يستطيع أن يعرف الكثير عن حياة النحل أو النمل، وكذلك يستطيع أن يدرس شخصية "أوديب" و"أبي نواس" و"هملت" وغيرهم من النماذج البشرية ذات الأهمية. وبعبارة مجملة يستطيع أن يعرف كل شيء دخل في نطاق التاريخ والأسطورة، سواء عن طريق القراءة أو الرواية. وكما تلفت الكاتب القصصي أشياء بعينها في الحياة التي يعيشها ويتخذ منها موقفًا بذاته، ويفلسفها فلسفة خاصة فكذلك تلفته أشياء بذاتها من ذلك الذي يقرأ عنه أو يروى له، فيسقط منها موقفًا بذاته ويفلسفها فلسفة خاصة ويتخذ منها مادة لعمله القصصي، ويحدث هذا بصورة واضحة في القصة التاريخية.
وبهذا المعنى يمكن أن نفهم كيف يشتق الفن القصصي -ككل الفنون الأدبية- مادته من الحياة.
عناصر العمل القصصي:
ولكن العمل القصصي لا يستوي حتى تتوافر له عناصر بذاتها. فهناك حوادث وأفعال تقع لأناس أو تحدث منهم، وبذلك يوجد العنصر الثاني وهو عنصر الشخصية. ووقوع الحادثة لا بد أن يكون في مكان وزمان، وهذا هو العنصر الثالث. ثم هناك الأسلوب الذي تسرد به الحادثة، والحديث الذي يقع بين الشخصيات. والعنصر الأخير هو الفكرة أو وجهة النظر، فكل قصة تعرض بالضرورة وجهة نظر في الحياة وبعض مشكلاتها. وكل العناصر السابقة ليست سوى أدوات تكشف لنا بها القصة عن طريقة المؤلف في النظر إلى الحياة، وفهمه لها، وموقفه العام منها.
وفيما يأتي دراسة سريعة لعناصر العمل القصصي:
1-
الحادثة:
الحادثة في العمل القصصي هي مجموعة من الوقائع الجزئية مرتبطة ومنظمة على نحو خاص هو ما يمكن أن نسميه "الإطار" plot؛ ففي كل القصص يجب أن تحدث أشياء في نظام معين. وكما أنه يجب أن تحدث أشياء فإن النظام هو الذي يميز إطارًا عن آخر. فالحوادث تتبع خطا في قصة، وخطا آخر في قصة أخرى1.
والذين يتعرضون لنقد القصة عندنا يتحدثون عما يسمونه "الحبكة" بدلا من الإطار، ومفهومها أن تكون حوادث القصة وشخصياتها مرتبطة ارتباطًا منطقيًّا يجعل من مجموعها وحدة ذات دلالة محددة. فسرد أي مجموعة من الحوادث مرتبطة بما يلزم من الشخصيات، لا يكفي حتى تعد ما يسرد قصة فنية؛ فالسرد خاصية أيضًا للكتابة التاريخية. فالحبكة الفنية إذن في المفهومات الشائعة لها شيء يضاف إلى السرد ليجعل من الأشياء المسرودة بناء متماسك الأجزاء، يؤدي هدفًا واحدًا.
الحادثة الفنية هي تلك السلسلة من الوقائع المسرودة سردًا فنيًّا، التي يضمها إطار خاص.
وإذا كنا هنا نتحدث عن عنصر الحادثة فينبغي أن نذكر نوعًا من القصص يعنى عناية خاصة بالحادثة وسردها، وتقل عنايته بالعناصر القصصية الأخرى، ويسمى هذا النوع "قصة الحادثة"2 أو "القصة السردية".
وفي القصة السردية تكون الحركة "action" هي الشيء الرئيسي، أما الشخصيات فإنها ترسم كيفما اتفق، فالحركة عنصر أساسي في العمل القصصي، وهي نوعان: حركة عضوية وحركة ذهنية. والحركة العضوية تتحقق في الحوادث التي تقع، وفي سلوك الشخصيات، وهي بذلك تعد تجسيمًا للحركة الذهنية التي تتمثل في تطور الفكرة العامة نحو الهدف الذي تهدف إليه القصة.
2-
السرد:
حين نقرأ القصة تتمثل الحادثة فيها ولكن من خلال تلك الألفاظ المنقوشة على الورق، أي: من خلال اللغة. والسرد هو نقل الحادثة من صورتها الواقعة إلى صورة
1 Edwin Muir: The Sructure of the Novel.، the Horgarth Press، London 1949، p. 16.
2 انظر المرجع السابق.
لغوية، فحين نقرأ مثلًا:"وجرى نحو الباب وهو يلهث، ودفعه في عنف، ولكن قواه كانت قد خارت، فسقط خلف الباب من الإعياء" نلاحظ هذه الأفعال: جرى، يلهث، دفع، خار، سقط، فهذه الأفعال هي التي تكون في أذهاننا جزئيات الواقعة، ولكن السرد الفني لا يكتفي عادة بالأفعال كما يحدث في كتابة التاريخ، بل نلاحظ دائمًا أن السرد الفني يستخدم العنصر النفسي الذي يصور به هذه الأفعال "وهو يلهث، في عنف، من الإعياء، في المثال السابق". وهذا من شأنه أن يكسب السرد حيوية، ويجعله لذلك فنيًّا.
وبينما يرتبط المؤلف المسرحي بطريقة واحدة لكي يحكي قصته -وهي السرد الذي يتمثل من خلال الحوار الذي يجري بين الشخصيات- فإن لكاتب القصة أن يختار واحدة من ثلاث طرائق: الطريقة المباشرة أو الملحمية epic، وطريقة السرد الذاتي autobiography وطريقة الوثائق. والطريقة الأولى مألوفة أكثر من غيرها، وفيها يكون الكاتب مؤرخًا يسرد من الخارج، وهو في الطريقة الثانية يكتب على لسان المتكلم، وبذلك يجعل من نفسه وأحد شخوص القصة شخصية واحدة، وهو بذلك يقدم ترجمة ذاتية خيالية. وفي الطريقة الثالثة تتحقق القصة عن طريق الخطابات أو اليوميات أو الحكايات والوثائق المختلفة، ومن الواضح أن لكل من هذه الطرائق الثلاث مزاياها لخاصة؛ لأنه في حين تفسح الطريقة المباشرة دائمًا أبعد المدى، وتعطي أكثر قدر من حرية الحركة، فإنه يمكن الحصول على متعة أعظم وأقرب إلى النفس عن طريق استخدام طريقة المتكلم أو طريقة الوثائق1.
3-
البناء:
لقد عرفنا أن الكاتب يختار وقائع بذاتها، يؤلف بينها، ويكون منها البناء الكامل للحادثة.
وهناك صور عدة لبناء الحادثة القصصية بناء فنيًّا، ويمكن أن يقال: إن كل قصة لها صورة بنائية خاصة بها، ومع ذلك فقد أمكن ضبط مجموعة من الصور البنائية العامة.
وهناك -صور بصفة عامة- صورتان لبناء الحبكة القصصية هما: الصورة الانتقائية والصورة العضوية organic. وفي الصورة الأولى لا تكون بين الوقائع علاقة كبيرة ضرورية أو منتظمة، وعندئذ تعتمد وحدة السرد على شخصية البطل الذي يربط -بوصفه النواة الشخصية المركزية- بين العناصر المتفرقة. وقصص المغامرات بعامة تمثل
1 انظر: Hudson: An Intoduction to the Study of Literature.، pp. 1978.
هذا النوع. مثال ذلك قصة "روبنسون كروزو"1، فالأشياء فيها تتحدث، والشخصيات تلتقي وتفترق، ولكنها ليس لها عمود فقري بنائي واضح، أو وحدة عضوية، وليس من الضروري لكاتب في هذه الحالة أن يعرف كل تفصيلات القصة قبل أن يبدأ كتابتها، بل يكفي أن يكوّن في ذهنه معرفة عامة بالطريق الذي ستتبعه القصة.
أما في الصورة البنائية العضوية فإن القصة مهما امتلأت بالحوادث الجزئية المنفصلة الممتعة فإنها تتبع "تصميمًا" عامًّا معقولًا. وفي خلال هذا التصميم تقوم كل حادثة تفصيلية بدور حيوي واضح، فهناك شيء أكثر من مجرد الفكرة العامة عن مسار القصة. فالخطة كلها لا بد أن تعد بصورة مفصلة، وأن تنظم الشخصيات والحوادث بحيث تشغل أماكنها المناسبة، وأن تؤدي كل الخطوط إلى النهاية.
وينبغي أن يكون واضحًا أن الصورة البنائية تختلف من نوع قصصي إلى آخر؛ فالصورة البنائية التي تتمثل في الرواية لا يمكن أن تصلح لبناء قصة قصيرة، والصورة البنائية الأولى التي سبق ذكرها هي أنسب صورة للرواية، في حين أنها لا تصلح للقصة القصيرة. والصورة الثانية تصلح للقصة دون القصة القصيرة؛ لأن القصة القصيرة بحكم طبيعتها تتطلب صورًا بنائية خاصة.
وأبسط صورة لبناء القصة -وهي الصورة المألوفة بصفة عامة- هي تلك التي تتمثل بين طرفي الصراع، وهما الهدف والنتيجة. فإذا كان "أ" يهدف إلى الزواج من "ب" برغم منافسة "ج" وممانعة "د" فإنه إما أن ينجح أو يخفق، ونجاحه هو النتيجة. وهو في سبيله إليها سيصادف حوادث مفاجئة كثيرة تقربه من النجاح حينًا ومن الإخفاق حينًا، وهذه الحوادث المفاجئة يمكن أن تقع فوق الخط المستقيم وأسفله، ذلك الخط الذي يمتد بين طرفين هما الهدف والنتيجة، والذي يخترقه خط الحركة في القصة عدة مرات في اجتيازه من مفاجأة نجاح إلى مفاجأة إخفاق، حتى يتصل أخيرًا بالخط المستقيم عند نهايته أو أسفله، تبعًا للهدف الأخير أو فقدان الهدف الرئيسي من حركة القصة2.
والشكل الآتي يوضح هذه الصورة:
1 Robinson Crusoe، اسم رواية لـ "دانيال ديفو" Daniel Defoe وهو كاتب إنجليزي "1660-1731"، وقد كتب هذه الرواية في عام 1719.
2 Westland: literary Appreciation، p. 211.
وينقسم هذا الخط عادة إلى عدة مراحل، فيبدأ بالمقدمة التي قد تشغل فصلا أو أكثر من أول القصة، وفيها نعرف الأشياء اللازمة لفهم ما سيأتي. ثم تبدأ "الواقعة الأولى" وتبدأ معها عملية البناء. ثم تأتي بعد ذلك "الحوادث المفاجئة" وهي تفقد قيمتها الفنية إذا لم تأت منطقية في موضعها. وينمو "الصراع" مع نمو "الحركة" في القصة حتى نصل إلى أقوى الحوادث إثارة وهي عادة تتمثل في أشد المواقف تعقيدًا في عملية البناء، أي: فيما يسمى بذروة التعقيد. ثم تبدأ الأشياء في مرحلة "التنوير denouement"، وهذه المرحلة تفتح طرقًا مختلفة إلى نهاية القصة. وهي في القصص ذات "النهاية السعيدة" تزيل العراقيل التي تعوق الوصول إلى الهدف الرئيسي، وعندئذ تظل في حاجة لرؤية كيف يتم ذلك في الواقع. أما في قصص "المآسي" فإن مرحلة التنوير تشمل مواجهة عقبة على الأقل هي غاية في الصعوبة للوصول إلى الهدف الرئيسي. وهنا يجب أن نعرف ما سيحدث للناس الذين صادفهم سوء الحظ. وفي تطور القصة من مرحلة التنوير إلى نهايتها الحقيقية "وهي المرحلة التي تعرف فنيا بالكارثة catastrophe" يتمثل "القرار الحاسم resolution" وهي مرحلة تحتاج إلى مهارة؛ لأنه في هذا الموضوع -أكثر من أي موضوع آخر- غالبًا ما يفقد القارئ تشوقه بسهولة.
هذه هي الصورة البسيطة لبناء هذه القصة، وهناك بطبيعة الحال صور أخرى معقدة لا تحصى.
4-
الشخصية:
إن الأشخاص يشغلون جزءًا كبيرًا من حياتنا إذا نحن قدرنا ألوان التفاعل التي تتم بيننا وبينهم، والتي تثير كثيرًا من المشاعر، وألوانًا من العطف، وتولد الفكرة أثر الفكرة. والقصة معرض لأشخاص جدد، يقابلهم القارئ ليعرفهم، ويتفهم دورهم، أو يحدد موقفهم "وطبيعي أنه من الصعب أن نجد بين أنفسنا وشخصية من الشخصيات التي لم نعرفها ولم نفهمها نوعًا من التعاطف. ومن هنا كانت أهمية التشخيص characterization في القصة، فقبل أن يستطيع الكاتب أن يجعل قارئه يتعاطف وجدانيا مع الشخصية، يجب أن تكون هذه الشخصية حية، فالقارئ يريد أن يراها وهي تتحرك، وأن يسمعها وهي تتكلم، يريد أن يتمكن من أن يراها رأي العين"1.
وكما رأينا أن هناك نوعًا من القصة يعرف بقصة الحادثة، فإن هناك أيضًا "قصة الشخصية" في الأولى تتمثل الوقائع events وفي الأخرى المواقف attitudes. في الأولى يكون الاهتمام بالحادثة أولا ثم تختار الشخصيات المناسبة، وفي الأخرى يكون العكس.
1 H. Shaw & Bement: Reading the Story.، Harper and Brothers. New York 1941، p. 8.
على أن الشخصيات ذاتها في القصة نوعان: نوع يمكن أن نسميه "الشخصية الجاهزة flat character" أو المسطحة، وهي الشخصية المكتملة التي تظهر في القصة -حين تظهر- دون أن يحدث في تكوينها أي تغير، وإنما يحدث التغير في علاقاتها بالشخصيات الأخرى فحسب، أما تصرفاتها فلها دائمًا طابع واحد. والنوع الثاني يمكن أن نسميه "الشخصية النامية round character"، وهي الشخصية التي يتم تكوينها بتمام القصة، فتتطور من موقف إلى آخر، ويظهر لها في كل موقف تصرف جديد يكشف لنا عن جانب جديد منها، والذوق الحديث يفضل النوع الثاني من الشخصية1.
ومن القصص التي تهتم بالشخصية نوع يسمى "البيكارسك Picaresque"، وقد ازدهر في القرن السادس عشر، وفيه يتناول الكاتب شخصية أساسية خلال سلسلة متتابعة من المشاهد، كما يقدم مجموعة كبيرة من الشخصيات. ومن خلالها يقدم الكاتب نوعًا من المعلومات، كما يرسم صورة للمجتمع. والفرق بين هذا النوع من القصة وبين الرواية هو أن البيكارسك واقعية، في حين أن الرواية تحكي عادة مغامرات خيالية. وأوضح مثال لهذا النوع في أدبنا هو قصة "الأرض" للكاتب عبد الرحمن الشرقاوي، فليس فيها حادثة ولكن مجموعة من الوقائع التي ارتبطت بالشخصيات ذاتها. والشخصيات نفسها شخصيات جاهزة نتعرف عليها منذ أن نقابلها، ولا يكاد موقفها في الغالب يتغير، وهي في خلال القصة تمر بنا في مشاهد مختلفة تؤكد ذاتها، وقد تكرر نفسها، ولكنها مشاهد واقعية حية، ومن خلالها رسم الكاتب صورة للمجتمع الريفي.
على أن انقسام القصة إلى قصة حادثة وقصة شخصية لا يتمثل بهذه الحدة، وكل ما في الأمر أن كاتبًا يولي الشخصية اهتمامًا أكبر، وآخر يهتم بالحادثة، ولكن القصة ذاتها لا يمكن أن تخلو خلوا تاما سواء من الشخصية أو الحادثة.
وهناك من يعادل في الأهمية بين الشخصية والحادثة، فيعطي هذه من العناية ما يعطيه تلك، وبذلك يظهر نوع جديد من القصة "يسمى Old morality" هي القصة التي تجمع بين طابعي القصة السردية، والقصة التشخيصية2.
5-
الزمان والمكان:
كل حادثة تقع لا بد أن تقع في مكان معين وزمان بذاته، وهي لذلك ترتبط بظروف وعادات ومبادئ خاصة بالزمان ولمكان اللذين وقعت فيهما. والارتباط بكل
1 انظر: Muir: op cit، p. 26.
2 انظر المرجع السابق ص33.
ذلك ضروري لحيوية القصة؛ لأنه يمثل البطانة النفسية للقصة. ويسمى هذا العنصر "setting"، ويقوم بالدور الذي تقوم به المناظر على المسرح بوصفها شيئًا مرئيًّا يساعد على فهم الحالة النفسية للقصة أو الشخصية، فهو هنا يقوم بنفس الدور الذي تقوم به الموسيقى المصاحبة للمسرحية أو القصة السينمائية. وأخيرًا يصبح التصوير مهمًّا أحيانًا، حتى إنه يكاد يقوم بدور الممثل في القصة، أي: تكون له قوة درامية1.
وهناك نوع من القصة يسمى "قصة الحقبة"، وهي قصة لا تحاول أن تطلعنا على الحقيقة الإنسانية التي تصدق في كل عصر، بل تكتفي بمجتمع في مرحلة انتقال، وبالشخصيات التي لا تكون حقيقية إلا بمقدار تمثيلها لذلك المجتمع2. وقصة "أنا الشعب" التي سندرسها في نهاية هذا الفصل تمثل هذا النوع.
6-
الفكرة:
يتساءل القارئ المتوسط عن "الإطار" في القصة، وهو يعني بذلك عادة "ماذا حدث؟ "، ولكن عندما نحلل القصة لا يكون لهذا السؤال من الأهمية ما يكون لسؤالنا: لماذا حدث؟ صحيح أن نهاية كل قصة تعطي نوعًا من النتيجة، فهناك شيء "يحدث" حقا، ولكن أسباب هذه النتيجة أكثر أهمية من الحوادث الواقعة ذاتها، فخلف الحوادث يقع المعنى. وهذا المعنى يقبله القارئ أو يرفضه، معتمدًا على ما إذا كان المؤلف قد كان قادرًا على إقناعه بأن النتيجة تتفق سواء مع خبرته بالحياة أو مع الحياة كما يصورها المؤلف3.
فالقصة إذن إنما تحدث لتقول شيئًا، لتقرر فكرة، فالفكرة هي الأساس الذي يقوم عليه البناء الفني للقصة. "والموضوع الذي تبنى عليه القصة لا يكون دائمًا إيجابيا في أثره، فمع أنه يجب أن يقرر -بطريقة مباشرة أو غير مباشرة- حقيقة عن الحياة أو السلوك الإنساني فإنه غير مطالب بأن يحل مشكلة. وقد بين كاتب القصة القصيرة الروسي العظيم "تشيكوف"4 ذات مرة لصديق شاب أن هناك فرقًا بين حل المشكلة ووضعها وضعًا صحيحًا، فيكفي الفنان -كما قال- أن يصور مشكلته تصويرًا صحيحًا"5.
1 Reading the Short Story، p. 10.
2 Muir: p. 117.
3 Reading the Short Story، p. 11.
4 أنطون بافلوفيتش تشيكوف Anton Powlovich Chekhow "1860-1904": كاتب مسرحي، ومؤلف أقاصيص روسي، ويعد من أئمة القصة القصيرة في العصر الحديث.
5 نفس المصدر 13.
وحين نبحث عن مصدر إعجابنا بقصة قرأناها سنجد أن فكرتها كان لها أثر في هذا الإعجاب. ولكن هل نحن نقرأ العمل الفني لفكرته فحسب!! إن القصة صورة للحياة، ونحن نعرف الحياة معرفة جيدة وننتظر من القصة دائمًا أن تكون صادقة، حية، مقنعة، كالحياة الواقعة. ولكن القصة تمتاز بأن لها صورة فنية خاصة، فالكاتب يقدم إلينا قصة -وقصة بالذات- حين يقدم إلينا فكرة. وهنا تحدث مفارقات غريبة، فقد تكون القصة ناجحة من حيث الإطار الفني، ولكنها تنطوي على فكرة لا تروقنا. وهناك أيضًا قصص ممتلئة بالحياة، ومع ذلك تفقد الشكل الفني. وأوضح مثال لذلك قصة تولستوي1 الشهيرة "الحرب والسلام"، فنحن نعجب بها برغم افتقارها إلى الوضوح الشكلي. يقول عنها "لبوك":"إن عمل القصاص أن يخلق الحياة، والحياة هنا قد خلقت بلا جدال، والذي ينقص هو الرضا الناتج عن الصورة السوية المتماسكة. وكان من الخير وجودها، هذا كل ما في الأمر، ولكننا قد حصلنا على قصة رائعة بدونها"2.
ومعنى هذا أن مصدر إعجابنا لا يمكن دائمًا أن يحدد بقاعدة؛ لأننا في كل قصة ينكشف لنا شيء جديد، ولكن المؤكد أن القصة -ككل عمل فني- لا يتحدد لها شكل حتى تتحقق فيها فكرة الكاتب، فتحقق الفكرة يفترض بالضرورة وجود شكل. لتكن فكرة الكاتب في موضوع كموضوع الخيانة الزوجية مثلا أن الزوج هو المسئول عن خيانة زوجته إياه. فهو لكي يحقق هذه الفكرة يبني قصته على النحو الذي يحققها، فإذا نحن أعجبنا بفكرة القصة فإننا نكون في الوقت نفسه قد أعجبنا بالصورة التي أديت فيها هذه الفكرة، وأي خلل في هذه الصورة سيكون له أثره في الفكرة. وبعبارة أخرى فإن فكرة أي قصة تتحقق بتحقق القصة ذاتها.
وكما أن هناك أنواعًا من القصة تعنى عناية خاصة بالحادثة أو بالشخصية، فهناك القصة التي تهتم اهتمامًا أكبر بالفكرة، ويقل الاهتمام فيها بالتشخيص وبالسرد. ومعنى هذا أن الشخصيات تتصرف وفقًا لفكرة الكاتب لا تبعًا لتكوينها الخاص، وبذلك قد تكون تصرفاتها منطقية، ولكنها برغم ذلك لا تكون مؤثرة؛ لأنها فقدت حريتها أمام التوجيه الخاص الذي يوجهها به المؤلف، ففي قصة الفكرة يغلب الجانب المنطقي جانب الضرورة، ويقل جانب الحرية، ولا تتساوى أهمية المنطقية والتلقائية، أو لنقل: الضرورة والحرية، إلا في نوع خاص من القصة يسمى "القصة الدرامية"، ففيها تتصرف
1 الكونت ليو تولستوي Count Leo Tolstoly روائي روسي، أشهر آثاره:"الحرب والسلام" war and peace "1828-1910".
2 Percy Lubbok: The Craft of Fiction.، Traveller's Libr.، 1926، p. 40.