المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الأزهر والخطابة الدينية: - الأزهر وأثره في النهضة الأدبية الحديثة - جـ ٢

[محمد كامل الفقي]

الفصل: ‌الأزهر والخطابة الدينية:

‌الأزهر والخطابة الدينية:

استأثر الأزهر بالخطابة؛ لأنه الذي يحمل رسالة الدين ويذود عنه وينشر فضائله ويرد عواديه وغوائله، وأبناء الأزهر هم الذين يقومون على المنابر في مساجد القرى والمدن، فيهزون أعوادها يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر ويحضون على الفضائل، وينكبون عن الرذائل بأسلوب بارع ولغة مهذبة وبيان فصيح، وقصص رائع يتخلل ذلك آيات من كتاب الله، وأدب نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم.

وإنك تجد الخطيب الديني يحتفل بأسلوبه وأدائه، كي يتسنى له التأثير في النفوس والهيمنة عليها، وقد كانت الخطابة من قبل مسجوعة متكلفة تتلى في ديوان، ولا تمت إلى المناسبة ولا إلى مقتضيات الأحوال بصلة، وكانت إلى عهد قريب تدور حول معان واحدة أو متقاربة يمل السامع ترديدها، ولا تكاد تصل إلى قلبه بتكرارها، فهي تزهيد في الدنيا، وترغيب في الآخرة وتشويق إلى الجنة، وتخويف من النار وتهويل في المعاصي والعقاب عليها في الحياة الثانية، وكان ينقصها أيضا وحدة الموضوع، فقد كان الخطيب ينتقل من الحديث عن الصدق إلى الحديث عن الخمر إلى النهي عن الغيبة إلى الحض على الإنفاق في سبيل الله، فلا يتجه السامع إلى موضوع مستقل يؤمن به.

أما الخطب الآن فإنها نماذج رقيقة في أسلوبها، ووضعها مسارقة للغرض الذي يتطلبها، يلقيها الخطيب مرتجلة يشافه بها الناس، وقلما يعتمد في إلقائها على ورقة الخطابة المنبرية اليوم إنما هي معالجة للأحداث وتناول لمختلف الشئون، وتعليق على ما يشغل المجتمع ويهمه على ضوء الدين والخلق الكريم، وقد تسوق الصحف في صباح الجمعة خيرا ذا بال، أو قصة أو مأساة، أو مثلا كريما فينهض الخطيب بعرضها وتصويرها، والتعليق عليها بأورع أسلوب، وأوفى بيان وأحسن تجلية.

ص: 14

ومما ساعد على ترقية الخطابة الدينية أن أصبح الذين ينهضون بها شبابا أفذاذا معترفا بقدرتهم مشهودا بكفايتهم ولباقتهم يرتجلون، فلا يتعثرون ويتدفقون فلا يتلعثمون.

وفي كلية أصول الدين إحدى كليات الأزهر "قسم تخصص الوعظ والإرشاد"، يخرج هداة مرشدين أخصوا في هذا الغرض فجاء أسلوبهم، وفاض بيانهم وامتازوا بحسن المنطق وبلاغة التأثير، وأصبح لهم في الحياة الاجتماعية مقام محلوظ، فهم ينشرون فضائل الدين بأسلوب عذب، وبيان عليه طلاوة ويهدون إلى مكارم الأخلاق بطريقة أخاذة مشوقة، ويعتمد عليهم أولو الأمر في إصلاح ذات البين وفض المنازعات والتعاون على البر، والأخذ بأسباب الإصلاح الاجتماعي، وقد تخطب الحكومة ودهم للدعاية لمذهبها، وترويج مسلكها اعترافا بفضلهم، ولكنهم يأبون أن يدعوا لغير الله والفضيلة.

هذا وقد اتخذت الخطابة الدينية مظهرا آخر كريما أعلى شأنها ورفع لواءها، فإن العلماء والأدباء الذين عذب أسلوبهم وفصحت عبارتهم، وسلس بيانهم يقومون في الجمعيات الدينية والاجتماعية وفي المساجد ودار الإذاعة، فيلقون مواعظ وأحاديث دينية واجتماعية تعتمد على الأدب الرفيع في أسلوبها، وتصويرها فتصل إلى شغاف القلوب من روعة العظة وسحر البيان.

وقد كان المغفور له الشيخ محمد عبده آية الآيات، فقد كانت خطبه وأحاديثه الدينية والاجتماعية أبلغ الأمثال في جمال العبارة، وحسن الصوغ وقوة السبك، وكان يمزج أسلوبه الديني المتحلى بأدب القرآن، وأدب الرسول صلى الله عليه وسلم بأدب العرب، وما زخر به من بلاغاتهم، وما توفر له من الأدب الغربي الحديث.

ومما نشط هذه النوع في أيامنا هذه وأزكى غرسه، وأنمى عوده حضور الحكام وعظماء الأمة وقادتها دروسه، واستماعهم إلى الخطباء المجودين فيه، فتسامى القرائح وتتسابق المواهب، ويأخذ هذا الأدب في السمو والتفصح

ص: 15