الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني: مقومات المثل القياسي
.
المطلب الأول: اشتمال المثل على القياس
…
المبحث الثاني: مقومات المثل القياسي.
يقوم المثل القياسي على مقومات هامة، بها اكتسبت الأمثال تلك الخاصية المؤثرة في البيان والإقناع.
وأهم مقومات الأمثال القياسية: القياس، والحكمة.
أما القياس: فيتضمنه المثل من حيثُ وضعه اللغوي وأسلوبه الذي يقوم على التشبيه كما في الأمثال التمثيلية، أو أنه يستلزم القياس حيث لا يتم قصد المتكلم ولا اعتبار المخاطب إلا بإجراء القياس، كما في الأمثال الأنموذجية.
وأما الحكمة: فهي المعاني والنتائج والأحكام والعبر والبراهين.. ونحوها التي يتضمنها المثل.
وسوف أفرد لكل منهما مطلباً مستقلاً.
واللَّه المستعان.
المطلب الأول: اشتمال المثل على القياس
القياس هو التقدير: يقال قاس الشيء إذا قدره1. ويستعمل أَيْضاً في التشبيه، أي في تشبيه الشيء بالشيء، يقال هذا قياس ذاك، إذا كان بينهما تشابه. والقياس اللغوي رد الشيء إلى نظيره.2
فالقياس على هذا أوسع مدلولاً من التشبيه، فقد يكون القياس بأسلوب تشبيهي أو بغيره.
والقياس في الأمثال يكون بطريقين:
أحدهما: التشبيه - كقوله تعالى: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ} 3.
وهذا النوع يقوم فيه المتكلم بإجراء القياس بتشبيه الفرع بالأصل وبيان وجه المشابهة، وغالباً ما يوجد فيه أداة من أدوات التشبيه.
الثاني: إبراز النموذج - الذي يراد أن يُحتذى - والشاهد والحجة، ليقاس عليها ويعمم حكمها لكل من تحقق فيه وصفها، كقوله تعالى:{وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لّلّذِينَ آمَنُواْ امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ} 4.
1 انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية، (14/5) ، والمعجم الفلسفي. د. جميل صليبا، (2/207) .
2 المعجم الفلسفي، (2/207) .
3 سورة الأعراف، الآية رقم (176) .
4 سورة التحريم، الآية رقم (11) .
وهذا النوع من الأمثال يبرز فيه الأنموذج أو الشاهد أو الحجة أو القصة، ويترك للسامع تدبرها وإجراء القياس بإلحاق النظير بالحكم أو الوصف العام المدلول عليه بالمثل.
وغالباً ما يرد لفظ "ضرب" في أمثلة هذا النوع، نحو:
{ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ} 1.
{وَاضْرِبْ لَهُمْ مّثَلاً أَصْحَابَ القَرْيَةِ إِذْ جَآءَهَا الْمُرْسَلُونَ} 2.
وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إلى هذين النوعين من الأَمثال وأنهما يتضمنان نوعي القياس - قياس التمثيل وقياس الشمول - حيث قال:
"وضرْب الأمثال في المعاني نوعان، هما نوعا القياس:
أحدهما: الأمثال المعينة التي يقاس فيها الفرع بأصل معين موجود أو مقدر.
النوع الثاني: الأمثال الكلية"3.
وقال:
"والصواب ما عليه السلف من اللغة الموافقة لما في القرآن.. إن
1 سورة الزمر، الآية رقم (29) .
2 سورة يس، الآية رقم (13) .
3 مجموع الفتاوى، (14/56، 58) .
كليهما قياس وتمثيل واعتبار، وهو في قياس التمثيل ظاهر، أما قياس.. الشمول فلأنه يقاس كل واحد من الأفراد بذلك المقياس العام الثابت في العلم والقول وهو الأصل..
فالأصل فيهما هو المثل1 والقياس ضرب المثل2"3.
والقياس هو الاعتبار، قال ابن تيمية رحمه الله:
"والاعتبار هو القياس بعينه، كما قال ابن عباس لما سئل عن دية الأصابع فقال: هي سواء واعتبروا ذلك بالأسنان، أي قيسوها بها، فإن الأسنان مستوية الدية مع اختلاف المنافع فكذلك الأصابع"4
فابن عباس رضي الله عنه قاس الأصابع على الأسنان وجعل الأسنان مثلاً لها. ولا شك أن ضرب الأمثال إنما هو ليعتبر بها، وتقاس بها المعاني والأمور المتشابهة.
1 قول شيخ الإسلام رحمه الله: "فالأصل فيهما هو المثل": أي أن العلم المدلول عليه بألفاظ المثل المبين لأوصاف الممثَّل به وحكمه أو حاله هو الأصل الذي يلحق به الفرع في الحكم كما قال قبل ذلك: "فلأنه يقاس كل واحد من الأفراد بذلك المقياس العام الثابت في العلم والقول وهو الأصل".
2 قوله: "والقياس ضرب المثل" أي أن ذلك العلم المدلول عليه بألفاظ المثل ينصب ويبرز للعقول - بضربه مثلاً - ليلحق به ما يشابهه أو يندرج تحته من أفراده في الأحكام والأوصاف المعتبرة من المثل، وهذا هو القياس.
3 مجموع الفتاوى، (14/55) .
4 مجموع الفتاوى، (14/58) .
ورد في خطاب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري1 رضي الله عنهما قوله:
"ثم الفهْم الفهْم فيما أولى إليك مما ورد عليك مما ليس في قرآن ولا سنة، ثم قايس الأمور عند ذلك واعرف الأمثال، ثم اعمد فيما ترى إلى أحبها إلى اللَّه وأشبهها بالحق"2.
قوله: "ثم قايس الأمور عند ذلك، واعرف الأمثال.."
يدل على أن الأمور الغامضة إذا قيست بأمثالها المعروفة تبين بذلك الأمر، وعرف موقعها من محبة اللَّه وأمكن وزنها بميزان الحق.
قال ابن قيم الجوزية3 رحمه الله في معرض شرحه
1 هو عبد اللَّه بن قيس بن سليم بن حضّار بن حرب أبو موسى الأشعري، صحابي جليل، قارئ للقرآن فقيه، جاهد مع النبي صلى الله عليه وسلم، واستعمله على زبيد وعدن، واستعمله عمر رضي الله عنه على الكوفة والبصرة، واختاره علي رضي الله عنه ليكون أحد الحكمين بعد وقعة صفين، توفي رضي الله عنه بالكوفة سنة 44هـ.
انظر: أسد الغابة، (3/ 367) ، وسير أعلام النبلاء، (2/380) .
2 إعلام الموقعين، لابن قيم الجوزية، (1/86) .
3 الإمام الحافظ شمس الدين، محمد بن أبي بكر بن أيوب الدمشقي، الحنبلي، المشهور بابن قيم الجوزية، أو ابن القيم، صنف إِعلام الموقعين، والصواعق المرسلة، وإِغاثة اللهفان، وزاد المعاد، وغيرها. وتميز بالتحقيق، والدعوة إلى تصحيح المعتقد، وانتهاج ما كان عليه السلف الصالح، توفي سنة (751هـ) .
انظر: طبقات الحنابلة، لابن رجب، (2/447) . وشذرات الذهب، (6/168) .
لحديث عمر:
"ومن هذا ما وقع في القرآن من الأمثال التي لا يعقلها إلا العالمون، فإنها تشبيه شيء بشيء في حكمه، وتقريب المعقول من المحسوس، أو أحد المحسوسين من الآخر، واعتبار أحدهما بالآخر"1.
وقال في موضع آخر:
"وضَرَب الأمثال وصَرَّفها في الأنواع المختلفة، وكلها أقيسة عقلية ينبه بها عباده على أن حكم الشيء حكم مثله، فإِن الأمثال كلها قياسات عقلية يعلم منها حكم الممثَّل من الممثَّل به"2.
ومما تقدم يتضح أن الأمثال القياسية - سواء كانت تشبيهية أو أنموذجية هي أصول قياس، تضرب فتنصب للعقول ليعتبر بها باستخلاص الحكم الذي يعدى إلى الفرع، أو استخلاص القاعدة الكلية التي يندرج تحتها كل الأفراد، أو معرفة السنة الجارية واستشعار تحققها عند وجود أسبابها.. ونحو ذلك.
1 إعلام الموقعين، (1/150) .
2 نفس المصدر (1/130) .
أنواع القياس التي وردت بها الأمثال:
مما تقدم1 من كلام شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله تبين أن الأمثال جاءت بنوعين من القياس هما: القياس التمثيلي، والقياس الشمولي، ونقل ذلك عن السلف رحمهم الله حيث قال:
"والصواب ما عليه السلف من اللغة الموافقة لما في القرآن:
…
إن كليهما قياس وتمثيل واعتبار"2.
وهناك نوع ثالث من القياس جاءت به بعض أمثال القرآن وهو قياس الأولى.
وسأتكلم فيما يلي عن كل نوع من أنواع القياس.
1 تقدم قريباً ص (95) وما بعدها.
2 مجموع الفتاوى (14/55) .
أولاً: قياس التمثيل.
وهو الحكم على شيء بما حكم به على غيره بناءً على جامع مشترك بينهما.1
وهذا النوع من القياس وردت به الأمثال التي بمعنى المشابه والنظير، حيث يمثل فيه الشيء المعين بنظيره المعين.
ويتم فيه مقايسة معين (هو الفرع) بمعين (هو الأصل) لتحقق اشتراكهما في العلة المؤثرة ثم إلحاق الفرع بحكم الأصل.
مثال ذلك إذا قيل:
المرأة كالرجل في أصل التكليف بعبادة اللَّه.
مثال قياس التمثيل في أمثال القرآن قول اللَّه عز وجل:
{فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ} 2 ونحوه.
حيث يجري إلحاق معين موصوف أو معلوم بمعين موصوف أو معلوم في الحكم لاشتراكهما في علة جامعة.
وهذا القياس يقوم على التشبيه حيث يدل على القياس أسلوب المثل التشبيهي.
لذلك من المناسب ذكر طبيعة التشبيه، وأركانه وأنواعه، وبعض
1 انظر: مجموع الفتاوى، (9/197، 120) .
2 سورة الأعراف، الآية رقم (176) .
مباحثه التي يحتاج إليها لفهم دلالة الأمثال القياسية التمثيلية.
التشبيه:
تقدمت الإشارة إلى أن الأمثال القياسية تنقسم إلى قسمين:
الأمثال التمثيلية التشبيهية، والأمثال الأنموذجية الكلية، وأن القسم الأول منهما يقوم على التشبيه.
والتشبيه: قياس بأسلوب متميز.
وهو من أقدم صور البيان1، وركن من أركان البلاغة2.
تعريف التشبيه:
جاء في لسان العرب:
"الشبْه والشَبَه والشبيه: المِثْل، والجمع أشباه، وأشبه الشيءُ الشيءَ: ماثله
…
والتشبيه: التمثيل"3.
أما المعنى الاصطلاحي للتشبيه: فقد تعددت عبارات علماء البلاغة في التعبير عنه، وإن كانت تكاد تكون واحدة، ولا تخرج في جوهرها عن: الدلالة على اشتراك شيئين أو أكثر في صفة من الصفات أو أكثر.4
1 البلاغة العربية، لأحمد مطلوب، ص (173) .
2 خزانة الأدب وغاية الأرب، (1/383) .
3 لسان العرب لابن منظور، (7/23) ، مادة (شبه) .
4 انظر: البلاغة العربية لأحمد مطلوب، ص (173) ، ومعجم البلاغة العربية، د. بدوي طبانه، ص (296) .
ومن التعاريف ما يبرز وظيفة التشبيه القياسية حيث عرف التشبيه: بأن يثبت لهذا معنى من معاني ذاك أو حكماً من أحكامه.1
أركان التشبيه:
للتشبيه أربعة أركان هي:
المشبَّه، والمشبه به، وأداة التشبيه، ووجه الشبه.
ويطلق على المشبه والمشبه به اسم: "طرفي التشبيه"2 وهما طرفا القياس، فالمشبه هو الفرع، والمشبه به هو الأصل.
أدوات التشبيه3:
أدوات التشبيه ثلاثة أنواع:
1-
أسماء: وهي: مثل، وشبه، وشبيه، ونحوها.
2 -
أفعال: مثل: يشبه، يماثل.
3 -
حروف: وهي الكاف.
وتتصل الكاف بأدوات أخرى مثل: كأن، كأنما، كذلك.
وجه الشبه:
قد يشبه المشبه المشبه به في كل الوجوه، وهذه المماثلة التامة، وقد يكون التشابه في بعض الوجوه أو في معنى أو صفة أو حال يشترك كل
1 معجم البلاغة العربية، ص (296) .
2 البلاغة العربية، ص (174) .
3 نفس المصدر والصفحة (بتصرف) .
من المشبه والمشبه به في الاتصاف بها.
وهذا المعنى أو المعاني المشتركة بين المشبه والمشبه به هي التي يعبر عنها بوجه الشبه.
وهي التي يعبر عنها بالعلة الجامعة أو الوصف المشترك في قياس التمثيل.
وهي التي يعبر عنها بالمعنى المشترك أو الكلي في قياس الشمول.
أقسام التشبيه1:
وهي في نفس الوقت أقسام الأمثال.
يقسم التشبيه باعتبار طرفيه، وباعتبار الأداة، وباعتبار وجه الشبه.
أ - أقسامه باعتبار طرفي التشبيه:
وهي تعود إلى أربعة أقسام:
1-
تشبيه المحسوس بالمحسوس، مثل قول اللَّه تعالى:{كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} 2.
2-
تشبيه المعقول بالمعقول، كتشبيه العلم بالحياة، والجهل بالموت.3
1 البلاغة العربية، ص (174-177) .
2 سورة المدثر، الآيتان رقم (50، 51) .
3 انظر: البلاغة الاصطلاحية، د. عبده قلقيله، ص 38، دار الفكر العربي القاهرة / الطبعة الأولى، 1406هـ.
3 -
تشبيه المعقول بالمحسوس، مثل قوله تعالى:
{مَثَلُ الّذِينَ اتّخَذُواْ مِن دُونِ اللهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ العَنكَبُوتِ} 1.
4 -
تشبيه المحسوس بالمعقول أو المتخيل:
مثاله: إذا قيل في مدح الأرض السمحة كثيرة البركة:
أرض كأخلاق الكريم.
ومثال تشبيه المحسوس بالمتخيل، قول الشاعر:[ملفات الجداول]
أيقتلني والمشرفي مضاجعي
ومسنونه زرق كأنياب أغوالِ2
فأنياب الغول عند المتكلم والسامع غير معروفة الحقيقة، بل هي أشياء متوهمة متخيلة، استقر في حس المتخاطبين بذلك أنها أبشع وأحد وأقوى ما يكون.
ب- أقسام التشبيه باعتبار الأداة:
1-
مرسل: وهو الذي ذكرت فيه الأداة.
كقوله تعالى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً} 3.
1 سورة العنكبوت آية رقم (41)
2 ديوان امرئ القيس بن حجر الكندي، ص (142) ، دار صادر، بيروت، الطبعة الأولى، 1385هـ.
3 سورة البقرة، الآية رقم (17) .
2 -
مؤكد: وهو ما خفت منه الأداة.
كقوله تعالى: {وَهِيَ تَمُرّ مَرّ السّحَابِ} 1.
جـ- أقسام التشبيه باعتبار وجه الشبه:
1-
مفصل: وهو ما ذكر فيه وجه الشبه.
كما يقال في وصف الشيء الحلو: "كالعسل في الحلاوة".
2-
مجمل: وهو الذي لم يذكر فيه وجه الشبه.
كما يقال في التشبيه بالشجاعة: "عليٌّ كالأسد". وفي الجمال: "محمد كالبدر".
كما يقسم التشبيه من حيث وجه الشبه إلى مفرد ومركب2:
1-
المفرد: هو ما كان وجه الشبه فيه لا يكوِّن هيئة أو صورة مثل: "خالد أسد شجاعة".
2-
المركب: هو الذي يكوِّن وجه الشبه فيه صورة وهيئة، ومثاله قول اللَّه عز وجل:{مّثَلُ الّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلّ سُنبُلَةٍ مِاْئََةُ حَبّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} 3.
1 سورة النمل، الآية رقم (88) .
2 البلاغة الاصطلاحية، د. عبده قلقيله، ص (44) .
3 سورة البقرة، الآية رقم (261) .
والتشبيه له أقسام كثيرة، وأساليب متنوعة، اجتهد علماء البلاغة في تحديد ضوابطها والفروق بينها، وليس مقصودنا في هذا البحث الاستقصاء في معرفة هذه الأنواع والتوسع في معرفة الضوابط والفروق بينها، وذلك أن معظم تلك التفريعات والجزئيات ليس لها كبيرُ أَثَرٍ في تجلية المعاني، وليس هناك اتفاق بين المشتغلين في علوم البلاغة على تعريفها، وتحديد الفروق بينها، فلذلك لا أرى ضرورة لإِثقال هذا البحث بأمور لا طائل من ورائها. ويكتفى بمعرفة الأسلوب، والمعنى المستفاد منه، وما يحتاج إليه من خصائصه لتجلية المعنى.
وبعد هذه الإطلالة السريعة على أهم معالم أسلوب التشبيه، أعود إلى المقصد من ذكر أنواع القياس.
ثانياً: قياس الشمول:
قال ابن تيمية رحمه الله في تعريف قياس الشمول:
"هو انتقال الذهن من المعيّن إلى المعنى العام المشترك الكلي المتناول له ولغيره، والحكم عليه بما يلزم المشترك الكلي، بأن ينتقل من ذلك الكلي اللازم إلى الملزوم الأول وهو المعيّن، فهو انتقال من خاص إلى عام، ثم انتقال من ذلك العام إلى الخاص، من جزئي إلى كلي ثم من ذلك الكلي إلى الجزئي الأول فيحكم عليه بذلك الكلي"1.
"فإن الكلي هو مثال في الذهن لجزئياته"2.
قوله رحمه الله "هو انتقال الذهن من المعيّن إلى المعنى العام المشترك الكلي..":
الغرض من الانتقال هو تحقق دخول المعين (الفرع) ضمن أفراد المعنى العام المشترك واشتماله على الوصف الجامع.
قوله: "والحكم عليه بما يلزم المشترك الكلي بأن ينتقل من ذلك الكلي اللازم إلى الملزوم وهو المعيّن".
المراد: بعد تحقق دخول المعيّن (الفرع) ضمن أفراد المعنى العام المشترك، نرجع على الفرع لنعطيه ذلك الحكم الكلي.
1 مجموع الفتاوى (9/119) .
2 نفس المصدر السابق.
مثال: "إذا قيل في قياس الشمول: كل إنسان حيوان، وكل حيوان جسم، فكل إنسان جسم"1، فالحد الأوسط وهو:"كل حيوان جسم": يتضمن حكماً عاماً كلياً هو كون كل حيوان جسم، وهذا الحكم مقيد بوصف مشترك بين أفراد متعددة هو المدلول عليه بلفظ "حيوان".
والطرف الأول: "كل إنسان حيوان": انتقال بالفرع "الإنسان" إلى الحكم العام لتحقيق الوصف الجامع في الفرع، وهو كونه حيواناً.
والطرف الأخير: "فكل إنسان جسم": رجوع على الفرع (الإنسان) - بعد تحقق كونه من أفراد المشترك الكلي لاتصافه بالوصف المناط به الحكم، وهو كونه حيواناً لتحكم عليه بالحكم المشترك الكلي فتحكم عليه بأنه جسم.
تطبيق القياس الشمولي على مثل من أمثال القرآن الكريم:
المثل في قوله تعالى:
{وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لّلّذِينَ آمَنُواْ امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ} 2 الآية.
فامرأة فرعون: جعلت أنموذجاً ومعنى كلياً يشترك في حكمها كل من كانت حالها كحالها من المؤمنات.
1 مجموع الفتاوى، (9/202) .
2 سورة التحريم، الآية رقم (11) .
وإجراء القياس يكون كما يلي:
(1)
- أن نتحقق أن امرأة ما حالها كحال امرأة فرعون بالمقارنة مع ما ذكر من صفتها وحالها في القرآن.
(2)
- نحكم لهذه المرأة (الفرع) ونثبت لها جنس ما ثبت لامرأة فرعون من الجزاء والمنزلة عند اللَّه.
وهذا القياس - القياس الشمولي - وردت به الأمثال الأنموذجية ونحوها التي تشتمل على قضايا كلية وأحكاماً عامة تشمل سائر الأفراد المماثلة لما جاء بالمثل.
والقياس هنا يستند إلى مبدإِ شمول الأحكام للمتماثلات الذي تقضي به أصول الحقائق، وتقضي به حكمة الخالق سبحانه وتعالى في خلقه، وفي تصاريف عدله، وفي ثبات سننه، فينتج أحكاماً عامة تشمل سائر الأفراد المماثلة لما جاء في المثل.1
وذلك أن الأمثال الأنموذجية ينصب فيها أنموذج بشري أو قصة بأكملها، أو الشواهد والحجج والعبر أمام عقل السامع ليقيس عليه ما يناسبه ويعتبر به، فيسوي بين المتماثلات في الأحكام ويفرق بين المختلفات.
1 أمثال القرآن وصور من أدبه الرفيع، ص (24) .
الفرق بين قياس التمثيل وقياس الشمول:
أ- من جهة الأسلوب:
تقدم من تعريف قياس التمثيل وقياس الشمول أن الأول يقوم على أسلوب التشبيه، سواء بأداة من أدواته أو بغير أداة.
أما القياس الشمولي فلا يكون بأسلوب التشبيه وإنما بنصب وإبراز المعاني الكلية المشتركة المقيدة بأوصاف معلومة لدى المخاطب تشترك فيها الأفراد، ولا يتم مراد المتكلم ولا فهم المخاطب وانتفاعه إلا بمقايسة الفرع على المعاني الكلية ثم إلحاقه بها في الأحكام.
ب- من جهة إفادة الظن أو اليقين:
قال ابن تيمية رحمه الله:
"
…
بل هما في الحقيقة من جنس واحد، وقياس التمثيل الصحيح أولى بإفادة المطلوب علماً كان أو ظناً من مجرد قياس الشمول، ولهذا كان سائر العقلاء يستدلون بقياس التمثيل أكثر مما يستدلون بقياس الشمول، بل لا يصح قياس الشمول في الأمر العام إلا بتوسط قياس التمثيل"1.
وقال أيضاً: "وحينئذ فالقياس التمثيلي أصل للقياس الشمولي، إما أن يكون سبباً في حصوله، وإِما أن يقال لا يوجد بدونه"2.
1 مجموع الفتاوى، (9/203) .
2 نفس المصدر، ص (204) .
وقال أَيْضاً: "والتحقيق أن "قياس التمثيل" أبلغ في إفادة العلم واليقين من "قياس الشمول" وإن كان علم قياس الشمول أكثر، فذاك أكبر، فقياس التمثيل في القياس العقلي كالبصر في العلم الحسي، وقياس الشمول: كالسمع في العلم الحسي، ولا ريب أن البصر أعظم وأكمل، والسمع أوسع وأشمل، فقياس التمثيل: بمنزلة البصر.. وقياس الشمول يشابه السمع من جهة العموم"1.
وقال: "وحقيقة الأمر أن القياسين متلازمان، فكل قياس شمول هو متضمن لتمثيل، وكل قياس تمثيل هو متضمن لشمول، فإِن القايس قياس التمثيل لا بد أن يعلق الحكم بالوصف المشترك، فإذا قال: النبيذ المسكر حرام لأنه مسكر، فكان حراماً كخمر العنب، فقد علق التحريم بالسكر، ولا بد له من دليل يدل على تعلق الحكم بذلك الوصف المشترك، إما بنص، أو إجماع أو غير ذلك من الطرق الدالة على أن الحكم معلل بذلك الوصف المشترك بين الأصل والفرع
…
.
ثم إذا أراد المستدل أن يصوغ هذا قياس شمول، قال: النبيذ مسكر، وكل مسكر حرام، ولا بد له من إثبات هذه القضية الكبرى، وهو قوله: كل مسكر حرام، كما يحتاج الأول إلى إثبات كون السكر هو مناط التحريم، والذي جعله الأول مناط الحكم، جعله الثاني الحد الأوسط
…
1 مجموع الفتاوى، ص (9/19) .
وكل من القياسين يتضمن حكماً عاماً كلياً"1.
ومما تقدم من كلام شيخ الاسلام - ابن تيمية رحمه الله تبين ما يلي:
1-
أن القياس التمثيلي أقوى في إفادة المطلوب من قياس الشمول وأكثر استعمالاً عند عامة الناس، لأنه مقايسة معلوم معين بمعلوم معين، مما يجعل إدراك التشابه أو الاختلاف بينهما ميسوراً.
أما إفادة القياس للظن أو اليقين فهو لا يتوقف على نوع القياس وإنما على المعطيات والمقدمات التي قد تجعل القياس باطلاً أو محتملاً أو يفيد غلبة الظن أو اليقين.
قال ابن تيمية رحمه الله:
"فإِن إفادة الدليل لليقين أو الظن ليس لكونه على صورة أحدهما دون الآخر، بل باعتبار تضمن أحدهما لما يفيد اليقين. فإِن كان أحدهما اشتمل على أمر مستلزم للحكم يقيناً حصل به اليقين، وإن لم يشتمل إلا على ما يفيد الحكم ظناً لم يفد إلا الظن"2.
2-
أن قياس التمثيل أصل لقياس الشمول، وذلك أن الأحكام الكلية والقواعد العامة لا تحصل إلا بالنظر في الأفراد ومقايسة بعضها
1 درء تعارض العقل والنقل، (7/319) .
2 مجموع الفتاوى، (9/199) .
ببعض، وهذا هو القياس التمثيلي، فنتحصل على الحكم العام.
وكذلك إذا أريد التحقق من صحة معنى كلي فإنه يضرب له مثل بفرد من أفراده، ويبين انتفاء الفارق بينه وبين الكلي الجامع، وهذا حقيقة قياس التمثيل.1
3-
أنّ قياس الشمول أعم وأنفع في تسرية الأحكام العامة والقواعد الكلية إلى أفراد متعددة، فلا يمكن تعميم أحكام الأمثال والأساليب التي ترد بالقياس التمثيلي - الذي يشبه منه معين بمعين - إلى طرف ثالث أو أكثر، إلا إذا ثبت أن الحكم أو المعنى كلي ليس خاصاً بطرفي القياس التمثيلي.
قال ابن تيمية رحمه الله:
"فضرب المثل الذي هو القياس لا بد أن يشتمل على خبر عام وقضية كلية - وذلك هو المثل الثابت في العقل الذي تقاس به الأعيان المقصود حكمها - فلولا عمومه لما أمكن الاعتبار لجواز أن يكون المقصود حكمه خارجاً عن العموم، ولهذا لا قياس عن قضيتين جزئيتين بل لا بد أن تكون إحداهما كلية"2.
مثال: إذا قيل: "زيد مثل الأسد".
1 انظر: مجموع الفتاوى، (9/204) .
2 نفس المصدر، (14/59) .
فهذا تمثيل ومقايسة معين بمعين، لا يجوز تعدية المعنى المستفاد من المشبه به إلى فرد ثالث أو أكثر، لعدم دلالة السياق على ما يفيد عموم الحكم.
أما لو قلنا: "فلان الذي تعلم ولم يعمل بعلمه مثل الكلب"، فهذا تمثيل معين هو "فلان" بمعين هو "الكلب"، لكن المثل تضمن وصفاً مؤثراً في الحكم هو المعبر عنه بقولنا:"تعلم ولم يعمل"، وهو وصف يصدق على أفراد كثيرة، جعل الحكم كلياً عاماً يساوي قولنا:"كل من تعلم ولم يعمل فمثله كمثل الكلب".
وعلى هذا فالأحكام الكلية العامة هي الأكثر استخداماً في التشريع، وإفادة السنن الجارية، والاعتبار بقصص الأمم الغابرة ونحوها، وهي خاصية الأمثال الشمولية في القرآن الكريم، قال ابن تيمية رحمه الله:
"وقد اتفق العقلاء على أن ضرب المثل مما يعين على معرفة الكليات، وأنه ليس الحال إذا ذكر مع المثال كالحال إذا ذكر مجرداً عنه، ومن تدبر جميع ما يتكلم فيه الناس من الكليات المعلومة بالعقل في الطب والحساب والصناعات والتجارات وغير ذلك وجد الأمر كذلك، والإنسان قد ينكر أمراً حتى يرى واحداً من جنسه فيقر بالنوع، ويستفيد بذلك حكماً كلياً، ولهذا يقول سبحانه:{كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ} 1
1 سورة الشعراء، الآية رقم (105)
{كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ} 1 ونحو ذلك، وكل هؤلاء إنما جاءهم رسول واحد، ولكن كانوا مكذبين بجنس الرسل، لم يكن تكذيبهم بالواحد بخصوصه".2
1 سورة الشعراء، الآية رقم (123) .
2 مجموع الفتاوى، (9/238) .
ثالثاً: قياس الأولى:
وهذا النوع من القياس هو الذي كان يسلكه السلف اتباعاً للقرآن الكريم وطريقة الأنبياء صلوات اللَّه وسلامه عليهم في الاستدلال على الرب تبارك وتعالى، وأفعاله سبحانه1.2
قال ابن تيمية رحمه الله:
"ولهذا كانت طريقة الأنبياء صلوات اللَّه عليهم وسلامه الاستدلال على الرب تعالى بذكر آياته، وإن استعملوا في ذلك "القياس" استعملوا قياس الأولى، لم يستعملوا قياس شمولٍ تستوي أفراده، ولا قياس تمثيل محض، فإِن الرب تعالى لا مثيل له، ولا يجتمع هو وغيره تحت كلي تستوي أفراده، بل ما ثبت لغيره من كمال لا نقص فيه فثبوته له بطريق الأولى، وما تنزه غيره عنه من النقائص فتنزهه عنه بطريق الأولى"3.
وقد ورد هذا النوع من القياس في بعض أمثال القرآن، ومن ذلك قول اللَّه عز وجل:
1 انظر مجموع الفتاوى (9/141، 145) .
2 سيأتي مزيد إيضاح لهذا المعنى عند الكلام على قوله تعالى: {فَلَا تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأَمْثَالَ} في الباب الثالث من هذا الكتاب.
3 مجموع الفتاوى، (9/141) .
قال ابن تيمية رحمه الله:
"فأما الاستدلال بطريق الأولى فكقوله تعالى: {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ} ،2 ومثل قوله: {ضَرَبَ لَكُمْ مّثَلاً مّنْ أَنفُسِكُمْ هَلْ لّكُمْ مّن مّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ} 3 وأمثال ذلك مما يدل على أن كل كمال لا نقص فيه يثبت للمحْدَث والمخلوق الممكن، فهو للقديم الواجب الخالق أَوْلى من جهة أنه أحق بالكمال"4.
ومن ذلك قوله تعالى:
{أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنّ اللهَ الّذِي خَلَقَ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنّ بِقَادِرٍ عَلَىَ
1 سورة الروم، الآية رقم (28) .
2 سورة النحل، الآية رقم (60) .
3 سورة الروم، الآية رقم (28) .
4 دقائق التفسير، ت / محمد السيد الجليند، (5/217) .
أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَىَ بَلَىَ إِنّهُ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} 1.
قال ابن تيمية رحمه الله:
"ومن المستقر في بدائه العقول أن خلق السموات والأرض أعظم من خلق الآدميين، فإذا كان فيها من الدلالة على علم خالقها وقدرته وحكمته ما بهر العقل، أفلا يكون ذلك دالاً على أنه قادر على إحياء الموتى لا يعيى بذلك كما لم يَعْيَ بالأول بطريق الأولى والأحرى"2.
وهذا النوع من القياس قد يكون شمولياً أو تمثيلياً من حيث الأسلوب.
قال ابن تيمية رحمه الله:
"ولكن يستعمل في ذلك قياس الأولى، سواء كان تمثيلاً أو شمولاً"3.
وقد أورد ابن تيمية رحمه الله أمثلة لقياس الأولى عندما يكون شمولياً أو تمثيلياً. أذكُرُها لتتم الفائدة بمعرفة هذا النوع من القياس الهام.
مثال لقياس الأولى الشمولي:
"مثل أن يقال: القائم بنفسه لا يفتقر إلى المحل كما يفتقر العرض
1 سورة الأحقاف، الآية رقم (33) .
2 درء تعارض العقل والنقل، (7/381) .
3 نفس المصدر، (1/29) .
مثلاً.. كان سبحانه أحق بمثل هذه الأمور من سائر الموجودات، فهو أحق بالغنى عن المحل من كل قائم بنفسه"1.
مثال القياس الأولى التمثيلي:
قال ابن تيمية رحمه الله:
"وكذلك إذا قيس قياس تمثيل فكل كمال يستحق موجود من جهة وجوده، فالموجود الواجب أحق به، وكل نقص ينزَّه عنه موجود لكمال وجوده، فالموجود الواجب أحق بتنزيهه عنه.
وهو أحق بانتفاء أحكام العدم وأنواعه وأشباهه وملزوماته عنه من كل موجود"2.
ثم أجرى قياس الأولى - لتعليل تعذر الرؤية - بهذا الطريق فقال:
"وإذا كان تعذر الرؤية أحياناً قد يكون لضعف الأبصار، وكان في الموجودات القائمة بنفسها، ما تتعذر أحياناً رؤيته لضعف أبصارنا في الدنيا، كان ضعفها عن رؤيته أولى وأولى"3.
وقد تميز هذا القياس عن الأقيسة الشمولية أو التمثيلية المعتادة بالطريقة التي يتم بها إثبات الحكم للممثل له، والتي تكون بطريق الأولى.
1 درء تعارض العقل والنقل، (7/323) .
2 المصدر السابق، (7/323) .
3 نفس المصدر، (7/324) .
فإذا كان استحقاق الحكم في القياس الشمولي يكون لدخول الفرع ضمن أفراد الحكم العام، وإذا كان استحقاق الحكم في القياس التمثيلي يكون لاشتراك الفرع مع الأصل (النظير) في العلة الجامعة، فإِن استحقاق الحكم في قياس الأولى يكون لكون الممثَّل له أحق من الممثَّل به بالفضل والكمال وأولى، أو تنزهه عن الأذى والنقص، لكونه أسمى منه وأعلى.
أركان القياس:
المثل القياسي يراد منه توضيح حكم أو وصف لأمر خفي بقياسه على مشابه له جلي.
فلا بد في كل مثل قياسي من قضيتين وحكمين:
قضية كبرى هي الأصل الذي يراد تعميم حكمه وتعديته إلى القضية الأخرى.
ويشترط في هذه القضية أو الأصل أن تكون جلية واضحة للمخاطب.
القضية الثانية: هي الفرع الذي يراد إلحاقه بالأصل بعد تحقق مناط الاعتبار فيها من مشابهة الأصل في العلة المؤثرة في الحكم، أو دخوله ضمن أفراد الحكم العام.
والحكمان هما: حكم الأصل المعلوم، وحكم الفرع المستفاد من ضرب المثل.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
"وهذه الأمثال تارة تكون صفات، وتارة تكون أقيسة، فإذا كانت أقيسة فلا بد فيها من خبرين هما قضيتان وحكمان
…
فضرب المثل الذي هو القياس لا بد أن يشتمل على خبر عام وقضية كلية، وذلك هو المثل الثابت في العقل الذي تقاس به الأعيان المقصود حكمها، فلولا عمومه لما أمكن الاعتبار"1.
وعلى هذا، فعند دراسة الأمثال القياسية فلا بد من معرفة القضية الكلية التي يمكن تعميم حكمها، ومعرفة حكمها الذي يجب أن يكون معلوماً مقرراً عند المخاطَب بالمثل، ومعرفة القضية الأخرى الخفية، وبذلك يسهل تدبر المثل والاعتبار به وتحصيل النتيجة المقصودة.
وفي الأمثال التشبيهية القائمة على القياس التمثيلي، فإِن المثل يشتمل على القضيتين الأصل والفرع وحكم الأصل، ويكون حكم الفرع هو النتيجة المقصودة كقوله تعالى:
{وَمَثَلُ الّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلاّ دُعَآءً وَنِدَآءً} 2.
فالقضية الفرع: هي حال الذين كفروا مع الأنبياء والدعاة.
والقضية الأصل: هي حال الأنعام مع رعاتها.
1 مجموع الفتاوى، (14/58، 59) .
2 سورة البقرة، الآية رقم (171) .
وحكم الأصل: هو سماع الصوت وعدم فقه مضمونه أو الاستجابة له، إلا ما يكون من استجابتها لدعائه وندائه حين يزجرها.
وحكم الفرع: يستفاد من المثل ويكون بتسرية حكم الأصل إلى الفرع، ووصف الكافرين بحال الأنعام التي لا تفقه ما تخاطَب به ولا تستجيب له.
أما في الأمثال الأنموذجية فإِنه قد تحذف إحدى القضيتين للعلم بها ولأن ذكرها لا يتناسب مع البيان الفصيح، كما لا تذكر النتيجة، وإنما تستنج بالتأمل والتفكر في المثل.
قال ابن تيمية رحمه الله:
"وبعض المواضع يذكر سبحانه الأصل المعتبر به ليستفاد حكم الفرع منه من غير تصريح بذكر الفرع، كقوله تعالى: {أَيَوَدّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنّةٌ مّن نّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ} إلى قوله: {كَذَلِكَ يُبَيّنُ اللهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلّكُمْ تَتَفَكّرُونَ} 1، فإِن هذا يحتاج إلى تفكر"2.
وقال أَيْضاً: "فلهذا كانت الأمثال المضروبة في القرآن تحذف منها القضية الجلية لأن في ذكرها تطويلاً وعيّاً، وكذلك ذكر النتيجة المقصودة
1 سورة البقرة، الآية رقم (266) .
2 مجموع الفتاوى، (14/57) .
بعد ذكر المقدمتين يعد تطويلاً"1.
والأمثال الأنموذجية وخاصة الكلية منها استشكل تسميتها أمثالاً وقياساً، وذلك لخلوها من أسلوب التشبيه وكثرة حذف إحدى القضيتن والنتيجة من تلك الأمثال، ولهذا كان هذا النوع يحتاج إلى تدبر وتفكر أكثر.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
" (النوع الثاني) : الأمثال الكلية، وهذه التي أشكل تسميتها أمثالاً، كما أشكل تسميتها قياساً، حتى اعترض بعضهم قوله: {يَا أَيُّهَا النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ} 2 فقال: أين المثل المضروب؟ وكذلك إذا سمعوا قوله: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنّاسِ فِي هََذَا الْقُرْآنِ مِن كُلّ مَثَلٍ} 3 يبقون حيارى لا يدرون ما هذه الأمثال"4.
خلاصة هذا المطلب:
تبين مما تقدم أن أهم مقومات الأمثال القياسية من حيث الأسلوبُ
1 مجموع الفتاوى، (14/61) .
2 سورة الحج، الآية رقم (73) .
3 سورة الروم، الآية رقم (58) .
4 مجموع الفتاوى (14/58) .
هو القياس، وأنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القياس التمثيلي، وقياس الشمول، وقياس الأولى، وتبين طبيعة كل منها وشواهده، وأن الأمثال القرآنية جاءت بكل هذه الأنواع.