الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثالث: أهمية الأمثال القرآنية وأغراضها
.
المطلب الأول: في بيان أهمية أمثال القرآن
…
المبحث الثالث: أهمية الأمثال القرآنية وأغراضها.
إن الكلام على أهمية الأمثال وأغراضها متداخل، وذلك أن أهمية الشيء تتوقف على الأغراض التي يؤديها.
وسوف يجري الكلام على هذا المبحث من جانبين:
الجانب الأول: ما ورد من الإشادة بالأمثال عامة، وأمثال القرآن خاصة.
والجانب الثاني: الأغراض التي ضربت لها أمثال القرآن.
وسأُفْرِدُ لكل منهما مطلباً مستقلاً.
المطلب الأول: في بيان أهمية أمثال القرآن:
لقد اعتنى العلماء والأدباء والبلاغيون بالأمثال والتشبيه، وأكثروا من الثناء عليها والإِشادة بأثرها في إِيضاح المعاني وتقريبها من ذهن السامع، مما يؤدي إلى سرعة الفهم، ويعين على التفكر والاعتبار، إلا أن الملاحظ أن جُلَّ أقوالهم تدور حول "الأمثال السائرة" ولعل من أجمع ما قيل في الثناء عليها ما رُوي عن إبراهيم النظام1:
"يجتمع في الأمثال أربعة لا تجتمع في غيرها من الكلام: إيجاز اللفظ، وإصابة المعنى، وحسن التشبيه، وجودة الكناية"2.
وتشترك الأمثال القياسية - التمثيلية، والأنموذجية - في هذه المميزات التي ذكرها النظام إلا في قوله:"إيجاز اللفظ" فلا يلزم في الأمثال التشبيهية أو الأنموذجية أن يكون المثل موجزاً في لفظه وإن كان المثل التشبيهي أقرب إلى الإِيجاز من المثل الأنموذجي الذي قد يكون عبارة عن
1 هو أبو إسحاق إبراهيم بن سيار المعروف بالنظام، أحد شيوخ المعتزلة، وتنسب إليه فرقة النظامية، أخذ بدعة الاعتزال عن خاله أبي هذيل العلاف، توفي ما بين سنة: 221-223هـ.
انظر: الفرق بين الفِرق، لعبد القاهر البغدادي، ص (131) . وتاريخ بغداد، (6/97) .
2 الأمثال في الحديث النبوي، للحافظ أبي الشيخ الأصبهاني، ص (18) ، تحقيق د. عبد العلي عبد الحميد حامد، الدار السلفية، بومباي، الطبعة الثانية، 1408هـ.
قصة كاملة كما في قوله تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مّثَلاً أَصْحَابَ القَرْيَةِ إِذْ جَآءَهَا الْمُرْسَلُونَ} 1.
والذي يعنينا هنا هو بيان أهمية الأمثال القياسية التمثيلية أو الأنموذجية التي وردت كثيراً في القرآن الكريم، ويدور هذا البحث حول طائفة منها.
قال الماوردي2- رحمه الله:
"وللأمثال من الكلام موقع في الأسماع، وتأثير في القلوب، لا يكاد الكلام المرسل يبلغ مبلغها، ولا يؤثر تأثيرها لأن المعاني بها لائحة، والشواهد بها واضحة، والنفوس بها وامقة، والقلوب بها واثقة، والعقول لها موافقة، فلذلك ضرب اللَّه الأمثال في كتابه العزيز، وجعلها من دلائل رسله، وأوضح بها الحجة على خلقه، لأنها في العقول معقولة، وفي القلوب مقبولة"3.
1 سورة يس الآية رقم (13) .
2 هو أبو الحسن، علي بن محمد بن حبيب الملقب بالماوردي، الشافعي، القاضي، ولد في البصرة سنة 364هـ، من مؤلفاته: النكت والعيون في التفسير، والأحكام السلطانية، توفي في بغداد سنة 450هـ.
انظر: وفيات الأعيان لابن خلكان، (3/282) ، وسير أعلام النبلاء، (18/64) .
3 أدب الدنيا والدين، لأبي الحسن علي بن محمد الماوردي، ت/ مصطفى السقا، ص (275) شركة مصطفى الحلبي، مصر، الطبعة الرابعة، 1393هـ.
وهذا الوصف للأمثال إنما ينطبق على أمثال القرآن الكريم، وصالح لنوعي المثل فيه، ما كان منها تشبيهياً أو أنموذجياً؛ أما أمثال الناس، فمنها ما يكون كما قال، ومنها ما يعتريه كلل أو علل.
ومما ورد في بيان أهمية المثال التشبيهي قول بعضهم: "تشبيه التمثيل أبلغ من غيره، لما في وجهه من التفصيل الذي يحتاج إلى إمعان فكر، وتدقيق نظر، وهو أعظم أثراً في المعاني، يرفع قدرها، ويضاعف قواها في تحريك النفوس لها، فإِن كان مدحاً كان أوقع، أو ذماً كان أوجع، أو برهاناً كان أسطع، ومن ثم يحتاج إلى كد الذهن في فهمه"1.
قوله: "يحتاج إلى كد الذهن في فهمه": هذا من خصائص الأمثال القياسية:
التشبيهية والأنموذجية، فهي تحتاج إلى نظر واستنباط علمي، قال اللَّه تعالى:{وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَاّ الْعَالِمُونَ} 2.
والمراد بقوله تعالى: "وما يعقلها": أي يتدبرها تدبراً يؤدي إلى الفهم عن اللَّه مراده، والانتفاع به في فهم حقائق الأشياء والعمل
1 جواهر البلاغة، أحمد الهاشمي، ص (265) ، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأولى، تاريخ: بدون.
2 سورة العنكبوت الآية رقم (43) .
بموجب ذلك.
فأهل العلم الذين هم أولو الألباب هم الذين يتصفون بهذه الصفة، وهم واسطة التعليم وشهداء اللَّه على خلقه، وغيرهم إذا صفت سرائرهم وسلمت فطرهم، فإنهم بمجرد أن يبين لهم أهل العلم معنى هذه الأمثال، يسطع نورها في قلوبهم وتشرق لهم حجتها، ويسهل عليهم الانتفاع بها؛ أما من انحرفت فطرهم ولم يتجرد للحق قصدهم فَهُمْ وإن فهموها فإنهم لا يعقلونها ولا ينتفعون بها، كما قال سبحانه:{أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنّهَا لَا تَعْمَى الأبْصَارُ وَلََكِن تَعْمَىَ الْقُلُوبُ الّتِي فِي الصّدُورِ} 1.
وهذه الآية، وهي قوله تعالى:{وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاّ الْعَالِمُونَ} .
ومثلها، قوله عز وجل:{وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنّاسِ لَعَلّهُمْ يَتَفَكّرُونَ} 2.
تدل على أهمية الأمثال من عدة وجوه:
1 سورة الحج الآية رقم (46) .
2 سورة الحشر الآية رقم (21) .
الوجه الأول:
الإشارة إليها بـ {تِلْكَ} حيث عدل سبحانه عن الإشارة إلى المفرد الحاضر إلى الإشارة إلى الجمع الغائب لإرادة جنس الأمثال القرآنية، وذلك أن كِلْتا الآيتين جاءت بعد سوق مثل من أمثال الإيمان، فبدل أن يقول: وهذا المثل أو هذه الأمثال قال: {تِلْكَ الأمْثَالُ} وفي ذلك سر بلاغي، وهو:
الإشارة إلى علو شأنها وبعدها عن غيرها من الكلام وتميزها وتفردها بالمعاني العظيمة والحكم البالغة، كيف لا وهي جزء من كلام اللَّه عز وجل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
وهذا المعنى هو المعتبر - واللَّه أعلم - في قوله تعالى: {الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ} 1 حيث عبر بـ "ذلك" بدل "هذا".
قال الراغب الأصفهاني:
"ويقال بإزاء "هذا" في المستبعد بالشخص أو المنزلة: (ذاك) أو (ذلك) قال تعالى: {الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ} 2.
1 سورة البقرة الآيتان رقم (1، 2) .
2 المفردات في غريب القرآن، ص (183) .
ومثله استخدام "تلك" بدل "هذه" لنفس الغرض.
وقال بعض المفسرين مبيناً الحكمة من التعبير بـ "ذلك" بدل "هذا" في قوله تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ} :
"إشارة إلى معنَى عُلُوّ شأنه وبعده عن غيره من الكلام، وتميزه وتفرده بالمعاني العظيمة والحكم البالغة"1.
الوجه الثاني:
الذي يدل على أهمية الأمثال مستفاد من قوله تعالى: {نَضْرِبُهَا لِلنّاسِ} . قال الشيخ عبد الرحمن السعدي مبيناً ذلك:
"أي لأجلهم ولانتفاعهم وتعليمهم، لكونها من الطرق الموضحة للعلوم، لأنها تقرب الأمور المعقولة، بالأمور المحسوسة، فيتضح المعنى المطلوب بسببها، فهي مصلحة لعموم الناس"2.
فاللَّه سبحانه ما ضرب الأمثال للناس في كتابه الحكيم بل في جميع كتبه إلا لما لها من الأثر البالغ في تفهيمهم وتعليمهم، فضربها سبحانه وصرفها رحمة بعباده ليتعلموا من ربهم ويفهموا عنه بمختلف أساليب البيان.
1 تفسير النسفي، (1/11) .
2 تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، (6/89) .
قال تعالى: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنّاسِ فِي هََذَا الْقُرْآنِ مِن كُلّ مَثَلٍ لّعَلّهُمْ يَتَذَكّرُونَ} 1.
قال الزركشي2 رحمه الله مبيناً أهمية المثل:
"ومن حكمته تعليم البيان، وهو من خصائص هذه الشريعة، والمثل أعون شيء على البيان
…
وفي ضرب الأمثال من تقرير المقصود ما لا يخفى، إذ الغرض من المثل تشبيه الخفي بالجلي، والشاهد بالغائب
…
وقد أكثر تعالى في القرآن وفي سائر كتبه من الأمثال"3.
الوجه الثالث:
في بيان أهمية الأمثال مستفاد من قوله: {وَمَا يَعقِلهَا إِلا العَالمونَ} فتخصيص أهل العلم بتعقلها يدل على علو قدرها، فأهل العلم هم أهلها الطالبون لها المدركون لأهميتها، والمتدبرون لها والمنتفعون بها، ومن جهة
1 سورة الزمر الآية رقم (27) .
2 الإمام بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد اللَّه الزركشي، الشافعي، أحد علماء مصر في القرن الثامن الهجري، ولد سنة 745هـ، من مؤلفاته: البحر المحيط في أصول الفقه، والبرهان في علوم القرآن وغيرها، توفي سنة 794هـ. انظر: الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، (3/397) . وشذرات الذهب، (6/335) .
3 البرهان في علوم القرآن، (1/ 487، 488) ت/ محمد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية، سوريا، الطبعة الأولى، 1376هـ.
أخرى فإِن من علمها واعتنى بها كان ذلك دليلاً على علمه وفقهه.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله في قوله تعالى: {وَمَا يَعقِلهَا إِلا العَالمونَ} :
"وهذا مدح للأمثال التي يضربها، وحث على تدبرها وتعقلها، ومدح لمن يعقلها، وأنه عنوان على أنه من أهل العلم، فعلم أن من لم يعقلها ليس من العالمين، والسبب في ذلك، أن الأمثال التي يضربها اللَّه في القرآن إنما هي للأمور الكبار، والمطالب العالية، والمسائل الجليلة، فأهل العلم، يعرفون أنها أهم من غيرها، لاعتناء اللَّه بها، وحثه عباده على تعقلها، وتدبرها، فيبذلون جهدهم في معرفتها، وأما من لم يعقلها مع أهميتها، فإِن ذلك، دليل على أنه ليس من أهل العلم، لأنه إذا لم يعرف المسائل المهمة فعدم معرفته غيرها من باب أولى وأحرى، ولهذا، أكثر ما يضرب اللَّه الأمثال في أصول الدين ونحوها"1.
وقد عدها الإمام الشافعي رحمه الله مما يجب على المجتهد معرفته من علوم القرآن، فقال:"ثم معرفة ما ضرب فيه من الأمثال، الدوال على طاعته، المثبتة لاجتناب معصيته، وترك الغفلة عن الحفظ، والازدياد من نوافل الفضل"2.
1 تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، (6/89) .
2 انظر: البرهان في علوم القرآن، (1/486) .
الوجه الرابع:
في الدلالة على أهمية الأمثال المستفاد من قوله: {لَعَلّهُمْ يَتَفَكّرُونَ} وقوله: {لّعَلّهُمْ يَتَذَكّرُونَ} وذلك أنها بينت العلة التي من أجلها ضرب اللَّه الأمثال للناس وصرَّفها لهم في كتابه العزيز، وهي: رجاء تفكرهم، وتعقلهم لها ثم تذكرهم بمعرفة الحق الذي ضربت له والانتفاع به.
فالأمثال تسهل للناس التفكر، والتعقل، والتذكر بما تشتمل عليه من مقايسة الأمور وإلحاق النظير بنظيره، والمساواة بين المتشابهات في الأحكام، وتوضح الغامض أو المجهول بالمعلوم المحسوس أو المعقول، وهذا هو الاعتبار المؤدي إلى استخلاص العبر والحكم مما ورد في الكتاب الكريم من الأمثال بمختلف أنواعها.
قال صلى الله عليه سلم: "إن هذا القرآن ينزل من سبعة أبواب على سبعة أحرف، حلال وحرام، وأمر وزجر، وضرب أمثال، ومحكم ومتشابه، فأحلَّ حلال اللَّه وحرّمْ حرامه، وافعلْ ما أمر اللَّه، وانتهِ عما نهى اللَّه عنه، واعتبرْ بأمثاله، واعملْ بمحكمه، وآمنْ بمتشابهه، وقل: {كُلّ مّنْ عِندِ رَبّنَا وَمَا يَذّكّرُ إِلاّ أُوْلُواْ الألْبَابِ} 1"2.
1 سورة آل عمران الآية رقم (7) .
2 رواه ابن الجوزي في فنون الأفنان ص (202)، تحقيق: د. حسن ضياء الدين عتر، ورواه ابن حبان في صحيحه، الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان، (3/20، 22) والحاكم في المستدرك (1/553)، وقال: هذا صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وانظر تصحيح هذا الحديث في تعليق د. فاروق حماده على فضائل القرآن للنسائي ص (53) .
قال ابن القيم رحمه الله:
"وقد أخبر سبحانه أنه ضرب الأمثال لعباده في غير موضع من كتابه، وأمر باستماع أمثاله، ودعا عباده إلى تعقلها، والتفكير فيها والاعتبار بها"1 وقال أيضاً:
"فهذه وأمثالها من الأمثال التي ضربها رسول اللَّه صلى الله عليه سلم لتقريب المراد، وتفهيم المعنى، وإيصاله إلى ذهن السامع، وإحضاره في نفسه بصورة المثال الذي مثل به، فإِنه قد يكون أقرب إلى تعقله وفهمه وضبطه واستحضاره له باستحضار نظيره، فإِن النفس تأنس بالنظائر والأشباه الأنس التام، وتنفر من الغربة والوحدة وعدم النظير، ففي الأمثال من تأنيس النفس وسرعة قبولها وانقيادها لما ضرب لها مثله من الحق أمر لا يجحده أحد ولا ينكره، وكلما ظهرت لها الأمثال ازداد المعنى ظهوراً ووضوحاً، فالأمثال شواهد المعنى المراد، ومزكية له، فهي كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه، وهي خاصة العقل ولبه وثمرته"2.
1 إعلام الموقعين عن رب العالمين، (1/ 195) .
2 المصدر السابق، (1/239) .
وهذا الكلام من الإمام ابن القيم رحمه الله يصور بجلاء تلك الخاصية الهامة للأمثال وهي كونها تسهل فهم المعنى المراد، وتعين على التفكر والتذكر والاعتبار.
الأمثال والميزان العقلي الشرعي:
الميزان العقلي الصحيح هو الحكم بالعدل، وهو يقوم على التسوية بين المتماثلات في الحكم والتفريق بين المختلفات.
قال اللَّه تعالى: {اللهُ الّذِيَ أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقّ وَالْمِيزَانَ} 1.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله في تفسير هذه الآية:
"فالكتاب هو هذا القرآن العظيم، نزل بالحق، واشتمل على الحق، والصدق، واليقين، وكله آيات بينات، وأدلة واضحات، على جميع المطالب الإلهية، والعقائد الدينية، فجاء بأحسن المسائل وأوضح الدلائل.
وأما الميزان فهو العدل، والاعتبار بالقياس الصحيح، والعقل الرجيح، فكل الدلائل العقلية، من الآيات الأفقية والنفسية، والاعتبارات الشرعية، والمناسبات، والعلل والأحكام، والحكم، داخلة في الميزان، الذي أنزله اللَّه تعالى، ووضعه بين عباده، ليزنوا به ما أثبته، وما نفاه من الأمور، ويعرفوا به صدق ما أخبر به، وأخبرت به رسله"2.
1 سورة الشورى الآية رقم (17) .
2 تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، (6/604) .
والأمثال القرآنية جزء من ذلك الميزان الذي أنزله اللَّه لعباده، لينبه بها عقولهم ويعرفوا بها التماثل والاختلاف، فيسووا بين المتماثلات ويفرقوا بين المختلفات.
وهذه العلاقة بين الأمثال القرآنية والميزان هي من أعظم مزايا الأمثال القرآنية وأهمها، وهذا معنى دقيق جليل، نبه إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ولم أقف على من أشار إلى هذا المعنى ممن كتبوا في الأمثال، لذا سأنقل مقتطفات من كلامه رحمه الله لتجلية هذه الفائدة.
قال رحمه الله:
"وقد اتفق العقلاء على أن ضرب المثل مما يعين على معرفة الكليات، وأنه ليس الحال إذا ذكر مع المثال كالحال إذا ذكر مجرداً عنه"1.
وقال:
"ومن أعظم صفات العقل معرفة التماثل والاختلاف، فإذا رأى الشيئين المتماثلين علم أن هذا مثل هذا، فجعل حكمهما واحداً، كما إذا رأى الماء والماء، والتراب والتراب
…
فهذا قياس الطرد، وإذا رأى المختلفين كالماء والتراب فرق بينهما، وهذا قياس العكس.
1 مجموع الفتاوى، (9/238) .
وما أمر اللَّه به من الاعتبار في كتابه يتناول قياس الطرد وقياس العكس، فإِنه لما أهلك المكذبين للرسل بتكذيبهم، كان من الاعتبار أن يعلم أن من فعل مثل ما فعلوا أصابه مثل ما أصابهم، فيتقي تكذيب الرسل حذراً من العقوبة، وهذا قياس الطرد، ويعلم أن من لم يكذب الرسل لا يصيبه ذلك، وهذا قياس العكس.
والاعتبار يكون بهذا وبهذا، قال تعالى:{لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الألْبَابِ} 1 وقال: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ} إلى قوله: {إِنّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأبْصَارِ} 2"3.
وقال:
"والميزان فسره السلف بالعدل، وفسره بعضهم بما يوزن به وهما متلازمان، وقد أخبر تعالى أنه أنزل ذلك كما أنزل الكتاب ليقوم الناس بالقسط، فما يعرف به تماثل المتماثلات من الصفات والمقادير هو من الميزان، وكذلك ما يعرف به اختلاف المختلفات.. فالقياس الصحيح هو من العدل الذي أمر اللَّه به"4.
1 سورة يوسف الآية رقم (111) .
2 سورة آل عمران الآية رقم (13) .
3 مجموع الفتاوى، (9/239) .
4 مجموع الفتاوى (9/240) .
وقال: "والميزان التي أنزلها اللَّه مع الكتاب ميزان عادلة تتضمن اعتبار الشيء بمثله، وخلافه، فتسوى بين المتماثلين وتفرق بين المختلفين بما جعله اللَّه في فطر عباده وعقولهم من معرفة التماثل والاختلاف.
فإذا قيل: إن كان هذا مما يعرف بالعقل، فكيف جعله اللَّه مما أرسل به الرسل؟
قيل: لأن الرسل ضربت للناس الأمثال العقلية التي يعرفون بها التماثل والاختلاف، فإِن الرسل دلت الناس وأرشدتهم إلى ما به يعرفون العدل، ويعرفون الأقيسة العقلية الصحيحة التي يستدل بها على المطالب الدينية، فليست العلوم النبوية مقصورة على الخبر، بل الرسل صلوات اللَّه عليهم بينت العلوم العقلية التي بها يتم دين اللَّه علماً وعملاً، وضربت الأمثال فكملت الفطرة بما نبهتها عليه وأرشدتها لما كانت الفطرة معرضة عنه، أو كانت الفطرة قد فسدت بما يحصل لها من الآراء، والأهواء الفاسدة فأزالت ذلك الفساد، والقرآن والحديث مملوءان من هذا، يبين اللَّه الحقائق بالمقاييس العقلية والأمثال المضروبة، ويبين طريق التسوية بين المتماثلين، والفرق بين المختلفين، وينكر على من يخرج عن ذلك كقوله:{أَمْ حَسِبَ الّذِينَ اجْتَرَحُواْ السّيّئَاتِ أَن نّجْعَلَهُمْ كَالّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ} 1 الآية، وكقوله:
1 سورة الجاثية الآية رقم (21) .
{أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} 1 أي هذا حكم جائر لأن فيه تسوية بين المختلفين.
ومن التسوية بين المتماثلين قوله: {أَكُفّارُكُمْ خَيْرٌ مّنْ أُوْلَئِكُمْ} 2".
إلى أن قال: "والمقصود التنبيه على أن الميزان العقلي حق كما ذكر اللَّه في كتابه، وليست هي مختصة بمنطق اليونان، بل هي الأقيسة الصحيحة المتضمنة للتسوية بين المتماثلين والفرق بين المختلفين، سواء صيغ ذلك بصيغة قياس الشمول أو بصيغة قياس التمثيل"3.
وخلاصة كلامه رحمه الله: أن الأمثال القرآنية - ما كان منها أمثالاً تمثيلية تشبيهية تقوم على قياس التمثيل أو كان أمثالاً أنموذجية تقوم على أساس قياس الشمول - هي موازين عقلية ضمنها اللَّه كتابه توزن بها القضايا التي قد يستشكلها بعض الناس، أو الحادثة التي يحصل الخلاف والنزاع والجدال حولها، فتأتي الأمثال القائمة على مقايسة تلك الأمور على ما يشابهها لإيضاح حكمها وإلحاقها بها، أو مقايستها على ما يخالفها لبيان بعدها عنها وإزالة الشُبَه التي أوهمت قربها منها.
1 سورة القلم الآيتان رقم (35، 36) .
2 سورة القمر الآية رقم (43) .
3 مجموع الفتاوى، (9/243) .
والحق أن هذه الخاصية للأمثال هي سر أهميتها في مجال الإِيضاح والإِقناع وبيان الحجة.
الأمثال من حجة الله على العباد:
إن مما يدل على أهمية الأمثال التي يضربها الله للناس في كتبه وعلى ألسنة رسله - صلوات الله وسلامه عليهم - أن الله جعلها جزءاً من حجته البالغة، التي بلّغها الرسل لأقوامهم.
وقد بين الله تعالى هذا المعنى في قوله: {وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ} 1.
وقال جل من قائل بعد أن ذكر تدميره لفرعون وقومه، وإغراقه قوم نوح، وإهلاكه عاداً وثمود وأصحاب الرس، وقرونا بين ذلك كثيرا، قَال:{وَكُلاًّ ضَرَبْنَا لَهُ الأَمْثَالَ وَكُلاًّ تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا} 2.
وبين سبحانه أنه ضمن القرآن الكريم أمثالا من الأمم السابقة،
1 سورة إبراهيم الآيتان رقم (44-45) .
2 سورة الفرقان الآية رقم (39) .
وصرف فيه الأمثال للناس، لتكتمل جوانب البشارة والإنذار، وتبلغهم المواعظ والزواجر، وتتضح معالم الدين، وتستبين الطريق، وتتم الحجة. قَال الله تعالى:{وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَمَثَلاً مِّنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ} 1.
وثمرة العلم بهذه الأهمية للأمثال تكون بتظافر جهود أهل العلم بالعناية بالأمثال، بدراستها، وتدريسها، ونشرها بين الناس في مختلف الوسائل والمجالات المناسبة، ليستفيد الناس من هدايتها، وتمكينا لحجة الله على عباده. والله أعلم.
خلاصة هذا المطلب:
تبين مما تقدم - من أقوال أهل العلم واللغة في الإشادة بالأمثال - أهمية ضرب الأمثال بمختلف أنواعها في البيان والإيضاح، وأن الأمثال القياسية التشبيهية، أو الأنموذجية تتميز بدورها في إقامة الحجة، وتفهيم
1 سورة النور الآية رقم (34) .
2 سورة الكهف، الآية رقم (54) .
المراد، وتقديم الموعظة، بأسلوب مقايسة النظير بنظيره، والشيء بمثاله، لذلك كان أكثر أمثال القرآن الكريم من هذين النوعين.
كما تبين أن إشادة القرآن الكريم بأمثاله استنبطت من عدة مواضع، منها: الإشارة إليها بـ"تلك" التي تدل على عظم شأنها وبالغ أثرها. ومنها: الإشارة إلى أنها ضربت للناس، مما يدل على حاجتهم إليها وكونها من الطرق الموضحة للعلوم والمبينة للحجج، الهادية إلى الحق.
ومنها: وصفها بأنها {وَمَا يَعقِلهَا إِلا العَالمونَ} لكونها تضرب للأمور الكبار والمطالب العالية، والمسائل الجليلة. ومنها: تعليل ضربها برجاء تفكر الناس فيها وتدبرهم لها واعتبارهم بها، مما يدل على خاصيتها في تسهيل ذلك عليهم وتقريبه لهم. وتبين أن السر في هذه الأهمية البالغة هو في كونها من موازين الحق التي أنزلها اللَّه في كتابه ونبه بها عقول عباده إلى الأقيسة الصحيحة المتضمنة للتسوية بين المتماثلات في الأَحكام والأوصاف والتفريق بين المختلفات، وذلك عن طريق الصيغ التي جاءت بها الأمثال القرآنية من صيغ قياس الشمول، أو صيغ قياس التمثيل، أو قياس الأولى.
وهي بذلك كله من تمام حجة الله على خلقه، حيث ضرب الله الأمثال لجميع الأمم السابقة، وفصلها في خاتم كتبه القرآن الكريم، وضربها النبي صلى الله عليه سلم لأمته، فكمل بذلك البيان، واستنار الطريق، وتمت حجة الله على عباده. والله أعلم.