الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقد علمتَ بأن أبا هريرة عندهم عدل ضابط، واعتراف محققيهم بأنه مع ذلك فقيه مجتهد، والأحاديث التي يخالفونها من مروياته سبيلها سبيل ما يخالفونه من مرويَّات غيره من الصحابة، والحقّ أحقُّ أن يُتّبع، والله الموفق.
قال أبو ريَّة ص 171: (وقال أبو جعفر الإسكافي: وأبو هريرة مدخول عند شيوخنا غير مرضي بالرواية).
أقول:
وقد زادني حبًّا لنفسي أنني
…
بغيضٌ إلى كلِّ امرئ غير طائل
(1)
قال: (ضربه عمر وقال: أكثرْتَ من الحديث، وأحْرِ بكَ أن تكون كاذبًا على رسول الله).
أقول: عزاه أبو ريَّة إلى «شرح النهج»
(2)
لابن أبي الحديد، وقد مرَّ النظرُ فيه (ص 109)
(3)
، وراجع (ص 119)
(4)
.
قال: (وفي «الأحكام» للآمدي: أنكر الصحابةُ على أبي هريرة كثرة روايته .. ).
أقول: قد فرغنا من هذا.
[ص 129] قال: (وجرت
مسألة المصرَّاة
في مجلس الرشيد، فتنازع القومُ فيها وعلت أصواتُهم، فاحتج بعضهم بالحديث الذي رواه أبو هريرة، فردَّ بعضهم الحديثَ وقال: أبو هريرة متهم، ونحا نحوه الرشيد).
(1)
البيت للطِّرِمّاح بن حكيم ضمن قصيدة له. انظر «ديوان الحماسة» : (1/ 130) لأبي تمام، و «الحيوان»:(3/ 112) للجاحظ، و «الشعر والشعراء»:(2/ 589).
(2)
(4/ 68).
(3)
(ص 210 ــ 211).
(4)
(ص 229 ــ 230).
أقول: جوابُ الحكاية في تتمتها التي حذفها أبو ريَّة وأخفى المصدر، وقد كنتُ وقفتُ عليها بتمامها في «تاريخ بغداد» أحسب، ولم أهتد إليها الآن
(1)
،
وقد كان يحضر مجلس الرشيد بعض رؤوس البدعة كبِشر
(1)
هي فيه (11/ 196 ــ 197) في ترجمة عمر بن حبيب العدوي.
أقول: وقد بتر القصة أبو رية كما هي عادته، وفي آخرها رجوع الرشيد إلى الحق واعترافه بخطئه. هذا لو كانت القصة ثابتة، فكيف وفي سندها محمد بن يونس الكُدَيمي وهو متهم بالوضع. انظر «الكامل»:(6/ 292)، و «الكشف الحثيث» (ص 254).
والقصة كما رواها الخطيب في «تاريخه» قال: أخبرني الأزهري حدثنا عبيد الله بن محمد بن حمدان العكبري، حدثنا أبو بكر محمد بن القاسم النحوي، حدثنا أبو العباس محمد بن يونس الكُديمي، حدثنا يزيد بن مرة الزارع، قال: حدثنا عمر بن حبيب قال: حضرت مجلس هارون الرشيد، فجرت مسألة، فتنازعها الحضور وعلت أصواتهم، فاحتجّ بعضهم بحديث يرويه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فرفع بعضهم الحديث وزادت المدافعة والخصام حتى قال قائلون منهم: لا يحل هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإن أبا هريرة متهم فيما يرويه وصرحوا بتكذيبه، ورأيت الرشيد قد نحا نحوهم ونصر قولهم، فقلت أنا: الحديث صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو هريرة صحيح النقل صدوق فيما يرويه عن نبي الله وغيره، فنظر إليَّ الرشيد نظر مُغضب، فقمت من المجلس فانصرفت إلى منزلي، فلم ألبث حتى قيل: صاحب البريد بالباب، فدخل عليّ فقال لي: أجب أمير المؤمنين إجابة مقتول وتحنّط وتكفّن، فقلت: اللهم إنك تعلم أني دفعت عن صاحب نبيك وأجللت نبيك صلى الله عليه وسلم أن يُطْعَن على أصحابه، فسلّمْني منه، فأُدخلت على الرشيد وهو جالس على كرسي مِن ذهب، حاسر عن ذراعيه، بيده السيف وبين يديه النطع، فلما بصر بي قال لي: يا عمر بن حبيب ما تلقَّاني أحدٌ من الرد والدفع لقولي بمثل ما تلقيتني به، فقلت: يا أمير المؤمنين! إن الذي قلتَه وجادلتَ عليه فيه إزراء على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى ما جاء به، إذا كان أصحابه كذَّابين فالشريعة باطلة والفرائض والأحكام في الصيام والصلاة والطلاق والنكاح والحدود كله مردود غير مقبول، فرجع إلى نفسه ثم قال لي: أحييتني يا عمر بن حبيب أحياك الله، أحييتني يا عمر بن حبيب أحياك الله. وأمر لي بعشرة آلاف درهم. ا? .
المرّيسي.
وذكر أبو ريَّة كلامًا لجولد زيهر اليهودي وغيره من المستشرقين لا شأن لنا به؛ لأننا نعرف هؤلاء وافتراءهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى القرآن، وراجع (ص 72 و 94 و 99)
(1)
.
وقال أبو ريَّة ص 172: (أَخْذه عن كعب الأحبار
…
اليهودي الذي أظهر الإسلام خداعًا وطوى قلبه على يهوديته).
أقول: قد تقدّم النظرُ في حال كعب بما فيه كفاية، وسيلقى المجازف عاقبةَ تهجُّمه {سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ} [الزخرف: 19].
ثم ذكر رواية الصحابة عن كعب، وقد تقدم النظر في ذلك (ص 73 و 110 و 115)
(2)
.
قال: (ويبدو أن أبا هريرة كان أول الصحابة انخداعًا وثقة فيه).
أقول: إنما الثابت أنه حكى عنه شيئًا مما نسبه كعب إلى صحف أهل الكتاب، وليس في هذا ما يدلّ على ثقة.
قال: (وروايةً عنه وعن إخوانه).
(1)
(ص 142 ــ 143 و 183 ــ 185 و 193).
(2)
(ص 143 ــ 145 و 212 ــ 214 و 222).
أقول: إننا نتحدَّى أبا ريَّة أن يجمع عشر حكايات مختلفة يثبت أن أبا هريرة رواها عن كعب، فأما إخوانه؛ فعبد الله بن سلام لا يطعن فيه مسلم، وتميم الدَّاري قريب منه، ولعله لا يثبت لأبي هريرة عن كلٍّ منهما إلا خبر واحد.
وذكر كلامًا من تهويله تُعْرَف قيمتُه من النظر في شواهده.
قال: (فقد روى الذهبي في «طبقات الحفاظ» في ترجمة أبي هريرة أن كعبًا قال فيه، أي في أبي هريرة: ما رأيت أحدًا لم يقرأ التوراة أعلم بما فيها من أبي هريرة. ورواية البيهقي في «المدخل» من
(1)
طريق بكر بن عبد الله عن
(2)
أبي رافع أن أبا هريرة لقي كعبًا فجعل يحدّثه ويسأله، فقال كعبٌ: ما رأيت رجلًا لم يقرأ التوراة أعلم بما في التوراة من أبي هريرة).
أقول: هي حكاية واحدة. فالذي في كتاب الذهبي: «الطيالسي أخبرنا عِمْران القطّان عن بكر بن عبد الله عن أبي رافع
…
» فذكرها. وعمران القطان ضعيف ولا يتحقق سماعه من بكر، وفي القرآن والسنَّة قصص كثيرة مذكورة في التوراة الموجودة بأيدي أهل الكتاب الآن، فإذا تتبَّعها أبو هريرة وصار يذكرها لكعب كان ذلك كافيًا لأن يقول كعب تلك الكلمة، ففيم التهويل الفارغ؟
[ص 130] قال: (ومما يدلك على أن هذا الحبر الداهية قد طوى أبا هريرة تحت جناحه حتى جعله يردّد كلامَ هذا الكاهن بالنص ويجعله حديثًا مرفوعًا ما نورد لك شيئًا منه، روى البزار [عن أبي سلمة] عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الشمس والقمر ثوران في النار يوم القيامة. فقال الحسن: وما ذنبهما؟ فقال [أبو سلمة]: أحدِّثك عن رسول الله
(1)
في كتاب أبي ريَّة «في» . [المؤلف].
(2)
فيه «بن» . [المؤلف].
وتقول: ما ذنبهما؟ . وهذا الكلام نفسه قد قاله كعب بنصه، فقد روى أبو يعلى الموصلي قال كعب: يُجَاء بالشمس والقمر كأنهما ثوران عقيران فيقذفان في جهنم).
أقول: عزاه أبو ريَّة إلى «حياة الحيوان»
(1)
، وسيأتي ما فيه. قال البخاري في باب صفة الشمس والقمر من بدء الخلق من «صحيحه»
(2)
: حدثنا مسدَّد حدثنا عبد العزيز بن المختار حدثنا عبد الله الدَّانَاجُ قال: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الشمس والقمر مكوَّران يوم القيامة» .
وفي «فتح الباري» (214: 6)
(3)
: أنّ البزَّار والإسماعيلي والخطَّابي أخرجوه من طريق يونس بن محمد عن عبد العزيز بن المختار، وزادوا بعد كلمة (مكوَّران):«في النار» .
أما «حياة الحيوان» للدميري ــ مصدر أبي ريَّة ــ فإنه ذكر أولًا حديث البخاري، ثم حديث البزار وفيه:«ثوران» كما مرَّ، وظاهر ما في «فتح الباري» أو صريحه: أن الذي في رواية البزّار والإسماعيلي والخطَّابي «مكوّران» كرواية البخاري لا «ثوران»
(4)
.
(1)
(1/ 592 ــ دار البشائر). ولعلّ مصدره «البداية والنهاية» : (1/ 79 ــ 80).
(2)
(3200).
(3)
(6/ 299).
(4)
ثم وجدت بعضهم نقل رواية البزار بلفظ «ثوران مكوران» جمع بين الكلمتين. [المؤلف].
أقول: الذي في «مسند البزار» (8696): «ثوران» كما نقل الدميري وابن كثير. أما الرواية المجموعة فيها الكلمتان فأخرجها تمَّام في «فوائده» (1534)، والضياء المقدسي في «ذكر النار» (77).
ثم قال الدَّميري: وروى الحافظ أبو يعلى الموصلي
(1)
من طريق دُرُست بن زياد عن يزيد الرَّقَاشي، وهما ضعيفان، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:«الشمس والقمر ثوران عقيران في النار» . وقال كعب الأحبار: يُجَاء بالشمس والقمر يوم القيامة كأنهما ثوران عقيران، فيُقْذَفان في جهنم ليراهما مَنْ عَبَدهما، كما قال الله تعالى:{إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} [الأنبياء: 98] الآية.
دُرُست ويزيد تالفان، فالخبر عن أنس وكعب ساقط، مع أنه لم يتبيَّن مَنْ القائل: «قال كعب
…
»؟ وبهذا يُعلم بعض أفاعيل أبي ريَّة. فأما المتن كما رواه البخاري فمعناه في كتاب الله عز وجل، ففي سورة القيامة:{وَخَسَفَ الْقَمَرُ (8) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} [القيامة: 8 - 9]، وفي سورة التكوير:{إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} [التكوير: 1].
وزيادة غير البخاري: «في النار» يشهد لها قول الله تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} [الأنبياء: 98] وفي «صحيح البخاري»
(2)
وغيره من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا في صفة الحشر: «ثم ينادي مناد: ليذهب كلُّ قوم إلى ما كانوا يعبدون. فيذهب أصحاب الصليب مع صليبهم، وأصحاب [ص 131] الأوثان مع أوثانهم، وأصحاب كل آلهة مع آلهتهم» . والحديث في «صحيح مسلم»
(3)
وفيه:
(1)
في «مسنده» (4116).
(2)
(7439).
(3)
(183).
«فلا يبقى أحدٌ كان يُعبَد ــ غير الله ــ من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار» .
وفي «الصحيحين»
(1)
حديثٌ حدَّث به أبو هريرة، وأبو سعيد حاضر يستمع له فلم يردّ عليه شيئًا، إلا كلمة في آخره وفيه: «يجمع الله الناس فيقول: مَنْ كان يعبد شيئًا فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمسَ الشمسَ، ومن كان يعبد القمرَ القمرَ، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت
…
» ويوافق ذلك قوله تعالى في فرعون: {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ} [هود: 98].
وإن صحت كلمة «ثوران» أو «ثوران عقيران» كما في خبر أبي يعلى على سقوط سنده فذلك ــ والله أعلم ــ تمثيل، وقد ثبت أنَّ المعاني تُمثَّل يوم القيامة، كما يمثَّل الموت بصورة كبش وغير ذلك، فما بالك بالأجسام؟ ومِن الحكمة في تمثيل الشمس والقمر أن عُبَّادهما يعتقدون لهما الحياة، والمشهور بعبادة الناس له من الحيوان العِجْل فمُثِّلا مِن جنسه. وفي «الفتح»
(2)
: «قال الإسماعيلي: لا يلزم مِن جَعْلهما في النار تعذيبهما، فإنَّ لله في النار ملائكة وحجارة وغيرها لتكون لأهل النار عذابًا وآلة من آلات العذاب وما شاء الله من ذلك فلا تكون هي معذَّبة» . فأنت ترى شهادة القرآن والأحاديث الصحيحة لحديث أبي هريرة، ولم يثبت عن كعب شيء، ولو ثبت لكان المعقول أنه هو الآخذ لذلك عن أبي هريرة أو غيره من الصحابة.
(1)
البخاري (6573)، ومسلم (182).
(2)
(6/ 300).
وقول الحسن لأبي سلمة: «وما ذنبهما» قد عرفتَ جوابه، وهو يمثِّل حالَ أهلِ العراقِ في استعجال النظر فيما يشكل عليهم. وجواب أبي سلمة يمثِّل حال علماءِ الحجاز في التزام ما يقضي به كمال الإيمان مِن المسارعة إلى القبول والتسليم ثم يكون النظر بعدُ. وجوابُه وسكوتُ الحَسَن يبين مقدار كمال الوثوق من علماء التابعين بأبي هريرة وثقته وإتقانه، وأن ما يُحْكَى مما يخالف ذلك إنما هو مِن اختلاق أهل البدع. وأبو سلمة هو ابن عبد الرحمن بن عوف مِن كبار أئمة التابعين بالمدينة، مكثر الرواية عن الصحابة كأبي قتادة وأبي الدرداء وعائشة وأم سلمة وابن عمر وأبي هريرة، فهو مِن أعلم الناس بحال أبي هريرة في نفسه وعند سائر الصحابة رضي الله عنهم.
قال أبو ريَّة ص 174: (وروى الحاكم في «المستدرك» والطبراني ورجاله رجال الصحيح عن أبي هريرة أنَّ النبي قال: إن الله أذن لي أن أحدِّث عن دِيْكٍ رجلاه في الأرض وعُنُقُه مَثنيَّة تحت العرش وهو يقول: سبحانك ما أعظم شأنك، فيرد عليه: ما يعلم ذلك من حلف بي كاذبًا. وهذا الحديث من قول كعب الأحبار ونصه: إن لله ديكًا عنقه تحت العرش وبراثنه في أسفل الأرض، [ص 132] فإذا صاح صاحت الدِّيَكة فيقول: سبحان القدوس الملك الرحمن لا إله غيره).
أقول: عزا هذا إلى «نهاية الأرب»
(1)
للنُّويري، والنويري أديب من أهل القرن السابع، ولا يُدْرَى من أين أخذ هذا، والحديث يُروى عن جماعة من الصحابة بألفاظ مختلفة، منهم جابر والعُرْس بن عميرة وعائشة وثوبان وابن عمر وابن عباس وصفوان بن عَسَّال وأبو هريرة.
(1)
(10/ 133 ــ دار الكتب العلمية).
ذكر ابنُ الجوزي حديث جابر والعُرس في «الموضوعات»
(1)
، وتعقَّبه السيوطيّ وذكر رواية الآخرين. راجع «اللآلي المصنوعة» (32: 1)
(2)
. أما عن أبي هريرة فهو من طريق إسرائيل عن معاوية بن إسحاق عن سعيد المقبري عن أبي هريرة، ومعاوية لم يخرج له مسلم وأخرج له البخاري حديثًا واحدًا متابعة، وقد قال فيه أبوزرعة:«شيخ واه» ووثَّقه بعضهم
(3)
، والمَقْبُريّ اختلط قبل موته بأربع سنين
(4)
. ولفظ الخبر مع ذلك مخالف لما نسبه النويريُّ إلى كعب.
قال أبو ريَّة: (وروى أبو هريرة أن رسول الله قال: النيل وسيحان وجيحان والفرات من أنهار الجنة. وهذا القول نفسه رواه كعب إذ قال: أربعة أنهار وصفها الله عز وجل في الدنيا، فالنيل نهر العسل في الجنة، والفرات نهر الخمر في الجنة، وسَيحان نهر الماء في الجنة، وجَيحان نهر اللبن في الجنة).
أقول: أما حديث: «سَيحان وجَيحان والفُرات والنيل كلٌّ من أنهار الجنة» ففي «صحيح مسلم»
(5)
عن أبي هريرة مرفوعًا، وذكر القاضي عياض فيه وجهين
(6)
؛ ثانيهما: أنه كناية أو بشارة عن أن الإيمان يعمّ بلادها. وتقريبه: أنه بحذف مضاف، أي أنهار أهل الجنة وهم المسلمون.
فأما خبر كعب فيُروَى عن عبد الله بن صالح كاتب الليث ــ وهو مُتكلَّم
(1)
حديث جابر رقم (1351، 1352)، وحديث العُرس رقم (1354).
(2)
(1/ 60 ــ 61).
(3)
انظر «تهذيب التهذيب» : (10/ 202).
(4)
كما قال ابن حبان، انظر «ملحق الكواكب النيّرات» (ص 466 ــ 467).
(5)
(2839).
(6)
في «إكمال المعلم» : (7/ 372).
فيه ــ عن الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن كعب، وأبو الخير لم يدرك كعبًا ــ فإن صح فإنما أخذ كعبٌ حديث أبي هريرة وزاد فيه ما زاد أخذًا من قول الله عز وجل:{مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى} [محمد: 15] وكأنه يرى أنَّ في الجنة حقيقة أنهارًا سُمِّيت بأسماء أنهار الدنيا، والله أعلم
(1)
.
ثم قال أبورية: (وقال ابن كثير في «تفسيره» : إن حديث أبي هريرة في يأجوج ومأجوج
…
لعل أبا هريرة تلقاه من كعب، فإنه كان كثيرًا ما كان يجالسه ويحدّثه).
أقول: تتمة عبارة ابن كثير
(2)
: «فحدَّث به أبو هريرة [عن كعب] فتوهَّم بعضُ الرواة عنه أنه مرفوع فرفعه» [ص 133] وفي كلام أبي ريَّة: «وقد روى أحمد هذا الحديث عن كعب» ، وهذا كذب، إنما قال ابن كثير: «لكن هذا (يعني المعنى بل بعضه) قد رُوي عن كعب
…
» وساق بعضه ولم يذكر سنده ولا مَنْ أخرجه. وصنيع ابن كثير هنا غير جيد مِنْ أوجه لا أطيل بذكرها.
وهذا الحديث مداره على قَتادة عن أبي رافع عن أبي هريرة، رواه عن قتادة فيما وقفت عليه ثلاثة: الأول: شيبان بن عبد الرحمن في «مسند أحمد» (533: 2)
(3)
. الثاني: أبو عَوانة في «سنن الترمذي»
(4)
و «مستدرك الحاكم» (488: 4). الثالث: سعيد بن أبي عَروبة في «تفسير ابن جرير»
(1)
ويأتي ص 170 [ص 323 ــ 324] من كتابي هذا زيادة. [المؤلف].
(2)
«تفسيره» : (5/ 2195).
(3)
كذا في الأصل وصوابها (2/ 311)، وهو برقم (10633).
(4)
(3153).
(16: 16)
(1)
(2)
و «مسند أحمد» (532: 2)
(3)
.
فأما شيبان وأبو عَوانة ففي روايتهما: «
…
قتادة عن أبي رافع».
وأما سعيد فرواه عنه فيما وقفتُ عليه ثلاثة:
الأول: يزيد بن زُريع عند ابن جرير، وفيه أيضًا: «
…
قتادة عن أبي رافع».
الثاني: عبد الأعلى بن عبد الأعلى عند ابن ماجه وفيه: «
…
قتادة قال: «حدث أبو رافع» هكذا نقله ابن كثير في «تفسيره» طبعة بولاق (173: 6) وطبعة المنار (333: 5)
(4)
ومخطوط مكتبة الحرم المكي، وهكذا في «سنن ابن ماجه» نُسَخِ مكتبة الحرم المكي المخطوطة وهي أربع
(5)
، وطبعة عمدة المطابع بدهلي في الهند سنة 1273، ووقع في أربع نسخ مطبوعة هنديتين ومصريتين
(6)
: «
…
قتادة قال: حدثنا أبو رافع» مع أن سياق السند من أوله فيها هكذا: «حدثنا أزهر بن مروان ثنا عبد الأعلى ثنا سعيد عن قتادة
…
» فلو كان في الأصل: «قال حدثنا» لاختُصر في الأصول المخطوطة لهذه النسخ الأربع إلى «ثنا» كسابقيه في أثناء السند، ولكنَّه جَهْلُ الطابعين، حَسِبوا أنه لا يقال:«حدَّث فلان» وإنما يقال: «حدثنا فلان» فأصلحوه بزعمهم، وتَبِع متأخّرُهم متقدّمَهم، والله المستعان.
(1)
(15/ 398).
(2)
(4080).
(3)
كذا في الأصل وصوابها (2/ 311) وهو برقم (10632).
(4)
وكذلك في طبعة البنّا (5/ 2195)، وطبعة دار طيبة (5/ 197).
(5)
ومثلها النسخة الأزهرية (ق 166 ب)، ونسخة باريس.
(6)
ومثله في طبعة بشَّار عوَّاد (5/ 537).
الثالث: رَوح بن عُبادة عند أحمد وفيه: «
…
قتادة ثنا أبو رافع» وأحسب هذا خطأ من ابن المُذْهِب راوي المسند عن القَطِيعي عن عبد الله بن أحمد. وفي ترجمته من «الميزان»
(1)
و «اللسان»
(2)
قول الذهبي: «الظاهر من ابن المُذهب أنه شيخ ليس بمتقن، وكذلك شيخه ابن مالك، ومن ثَمَّ وقع في «المسند» أشياء غير مُحْكَمة المتن ولا الإسناد». ومن المحتمل أن يكون الخطأ من رَوح، فإن كُلًّا من يزيد وعبد الأعلى أثبت منه، وقتادة مشهور بالتدليس؛ فلو كان الخبر عند سعيد عنه مصرَّحًا فيه بالسماع لحرص سعيد على أن يرويه كذلك دائمًا، [ص 134] بل أطلق أبو داود
(3)
أنّ قتادة لم يسمع من أبي رافع، وظاهره أنه لم يسمع منه شيئًا، ولكن نظر فيه ابن حجر
(4)
.
على كلِّ حال، فلم يثبت تصريح قتادة في هذا بالسماع، فلم يصح الخبر عن أبي رافع، وأبو رافع هو نُفَيع البصري، مخضرم ثقة لا يظن به أن يخطئ الخطأ الذي أشار إليه ابن كثير. فلو صحَّ الخبر عنه لزم تصحيحه عن أبي هريرة، ولو صح عن أبي هريرة لصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولو صح مع ذلك أنَّ كعبًا أخبر بما يشبهه لكان محمله الطبيعي أنَّ كعبًا سمع الحديث من أبي هريرة أو غيره من الصحابة فاقتبس منه خبره، لكن الخبر لم يصح عن أبي رافع، فلم يصح عن أبي هريرة، فلم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا ندري ممن سمعه قتادة. والله أعلم.
(1)
(2/ 33 ــ 35).
(2)
(3/ 91 ــ 93).
(3)
في «السنن» : (5/ 367).
(4)
في «تهذيب التهذيب» : (8/ 354) قال معلقًا على كلام أبي داود: «كأنه يعني حديثًا مخصوصًا، وإلا ففي صحيح البخاري تصريح بالسماع منه» .
قال أبو ريَّة: (وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة: إن الله خلق آدم على صورته. وهذا الكلام قد جاء في الإصحاح الأول من التوراة ونصه هناك: وخلق الله الإنسان على صورته، على صورة الله خلقه).
أقول: قد علم الجن والإنس أنَّ في الكتاب الموجود بأيدي أهل الكتاب المسمّى
(1)
بالتوراة ما هو حق وما هو باطل، وأنَّ في القرآن كثيرًا من الحقّ الذي في التوراة وكذلك في السنة. فإذا كان هذا منه كان ماذا؟ والكلام في معناه معروف
(2)
.
وعلَّق أبو ريَّة في الحاشية بذكر ما ورد في سياق الحديث: أن طول آدم كان ستين ذراعًا، فلم يزل الخلق ينقص، واستشكال ابن حجر له بما يوجد مِن مساكن الأمم السالفة.
أقول: لم يتحقَّق بحجَّة قاطعة كم مضى للجنس البشري منذ خُلق آدم؟ وما في التوراة لا يعتمد عليه، وقد يكون خُلِق ستين ذراعًا فلما أُهْبِط إلى الأرض نقص من طوله دفعة واحدة ليناسب حال الأرض، إلا أنه بقي أطول مما عليه الناس الآن بقليل، ثم لم يزل ذاك القليل يتناقص في الجملة. والله أعلم. وفي «فتح الباري» (260: 6)
(3)
وقال في حاشية ص 175: (وأنكر مالك هذا الحديث، وحديث: إن الله يكشف
(1)
(ط): «مسمى» ولعل الصواب ما أثبت.
(2)
وذكر رواية (على صورة الرحمن) وهذا جاء من حديث ابن عمر، قال ابن حجر في الفتح 123: 5: «ورجاله ثقات» . [المؤلف].
(3)
(6/ 367).
عن ساقه يوم القيامة، وأنه
…
يدخل في النار يده حتى يدخل من أراد، إنكارًا شديدًا).
أقول: لم يذكر أبو ريَّة مصدره إن كان له مصدر، والحديث الثالث أحسبه يريد به حديث «الصحيحين»
(1)
عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا، وفيه:«فيقبض قبضة من النار فيخرج أقوامًا» . ومالكٌ رحمه الله يؤمن بهذه الأحاديث ونظائرها الكثيرة في الكتاب والسنة.
[ص 135] قال: (وحديث كشف الساق من رواية أبي هريرة في «الصحيحين» .. ).
أقول: هذا كذب، وإنما هو في «الصحيحين» من حديث أبي سعيد الخدري، وله شاهد من حديث عبد الله بن مسعود
(2)
، وآخر من حديث أبي موسى
(3)
، رضي الله عنهم.
قال أبو ريَّة ص 175: (ولما ذكر كعب صفة النبي في التوراة قال أبو هريرة في صفته صلى الله عليه وسلم: لم يكن فاحشًا ولا متفحِّشًا ولا سخَّابًا في الأسواق. وهذا نصّ كلام كعب كما أوردناه من قبل).
أقول: ثبتت هذه الفقرة في خبر عبد الله بن عَمْرو بن العاص في صفة النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة، وجاء نحوه عن عبد الله بن سلام وعن كعب كما [تقدم](ص 71)
(4)
. أما أبو هريرة ففي «المسند» (448: 2)
(5)
من طريق صالح مولى التوأمة ــ وهو ضعيف ــ: «سمعت أبا هريرة ينعتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم
(1)
البخاري (7439)، ومسلم (183).
(2)
أخرجه الحاكم في «المستدرك» : (2/ 376).
(3)
أخرجه أبو يعلى (7283) بسندٍ فيه ضعف كما قال الحافظ في «الفتح» : (8/ 664).
(4)
(ص 140 ــ 141).
(5)
(9787).
فقال: كان شَبْحَ الذِّراعين، أهْدب أشفار العينين، بعيد ما بين المَنْكِبين، يُقْبِل إذا أقبل جميعًا ويُدبر إذا أدبر جميعًا» زاد بعض الرواة:«بأبي وأمي، لم يكن فاحشًا ولا متفحِّشًا ولا سخَّابًا بالأسواق» . وقد علم أبو هريرة معنى هذه الفقرة يقينًا بالمشاهدة والصحبة، فأيّ شيء عليه في أخذ لفظها مما ذكره عبد الله بن عَمْرو أو غيره؟
قال: (وروى مسلم عن أبي هريرة: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال: خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة
…
» وقد قال البخاري وابن كثير وغيرهما: إن أبا هريرة قد تلقى هذا الحديث عن كعب الأحبار لأنه يخالف نص القرآن في أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام).
أقول: هذا الخبر رواه جماعة عن ابن جريج قال: «أخبرني إسماعيل بن أمية عن أيوب بن خالد عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة عن أبي هريرة قال: أخذ
…
»
(1)
. وفي «الأسماء والصفات» للبيهقي (ص 276)
(2)
عن ابن المديني: أن هشام بن يوسف رواه عن ابن جريج.
وقد استنكر بعضُ أهل الحديث هذا الخبر، ويمكن تفصيل سببب الاستنكار بأوجه:
الأول: أنه لم يذكر خَلْق السماء، وجعل خلق الأرض في ستة أيام.
(1)
صحيح مسلم (2789).
(2)
(2/ 352 ــ ت الحاشدي). ووقع في (ط): (ص 176) وصوابه ما أثبت كما سيأتي على الصواب بعد صفحة.
الثاني: أنه جعل الخلق في سبعة أيام. [ص 136] والقرآنُ يبيِّن أن خلق السموات والأرض كان في ستة أيام، أربعة منها للأرض ويومان للسماء.
الثالث: أنه مخالف للآثار القائلة: إن أول الستة يوم الأحد، وهو الذي تدل عليه أسماء الأيام: الأحد ــ الاثنان ــ الثلاثاء ــ الأربعاء ــ الخميس.
فلهذا حاولوا إعلاله، فأعلَّه ابنُ المديني بأن إبراهيم بن أبي يحيى قد رواه عن أيوب، قال ابن المديني:«وما أرى إسماعيل بن أميّة أخذ هذا إلا عن إبراهيم بن أبي يحيى» انظر «الأسماء والصفات» (ص 276)
(1)
، يعني وإبراهيم مرميٌّ بالكذب فلا يثبت الخبر عن أيوب ولا مَنْ فوقه.
ويَرِدُ على هذا أن إسماعيل بن أمية ثقة عندهم غير مدلس، فلهذا ــ والله أعلم ــ لم يرتض البخاريُّ قولَ شيخه ابن المديني، وأعلَّ الخبر بأمرٍ آخر، فإنه ذكر طرفه في ترجمة أيوب من «التاريخ» (1/ 1/413) ثم قال:«وقال بعضهم: عن أبي هريرة عن كعب. وهو أصح» . ومُؤدَّى صنيعه أنه يحدس أن أيوب أخطأ، وهذا الحدس مبنيٌّ على ثلاثة أمور:
الأول: استنكار الخبر لِمَا مرَّ.
الثاني: أن أيوب ليس بالقوي، وهو مُقِلّ لم يخرج [له] مسلم إلا هذا الحديث؛ لِمَا يُعلم من «الجمع بين رجال الصحيحين»
(2)
، وتكلّم فيه الأزدي ولم يُنقَل توثيقه عن أحد من الأئمة إلا أن ابن حبان ذكره في «ثقاته»
(3)
، وشَرْطُ ابن حبان في التوثيق فيه تسامح معروف.
(1)
(2/ 352).
(2)
لابن طاهر (1/ 35).
(3)
(6/ 54).
الثالث: الرواية التي أشار إليها بقوله: «وقال بعضهم» وليته ذكر سندها ومتنها فقد تكون ضعيفة في نفسها وإنما قويت عنده للأمرين الآخرين. ويدل على ضعفها أن المحفوظ عن كعب وعبد الله بن سلام ووهب بن منبِّه ومَن يأخذ عنهم: أن ابتداء الخلق كان يوم الأحد، وهو قول أهل الكتاب المذكور في كتبهم وعليه بنوا قولهم في السبت، انظر «الأسماء والصفات» (ص 272 و 275)
(1)
وأوائل «تاريخ ابن جرير»
(2)
. وفي «الدر المنثور» (91: 3)
(3)
: «أخرج ابن أبي شيبة عن كعب قال: بدأ الله بخلق السموات والأرض يوم الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة، وجعل كلَّ يوم ألف سنة» ، وأسنده ابنُ جرير في أوائل «التاريخ» (22: 1 ط ــ الحسينية)
(4)
واقتصر على أوله: «بدأ الله بخلق السموات والأرض يوم الأحد والاثنين» فهذا يدفع أن يكون ما في الحديث من قول كعب.
وأيوب لا بأس به، وصنيع ابن المديني يدلّ على قوَّته عنده، وقد أخرج له مسلم في «صحيحه» كما علمت، وإن لم يكن حدّه أن يُحتج به في الصحيح. فمدار الشكِّ في هذا الحديث على الاستنكار، وقد يجاب عنه بما يأتي:
أما الوجه الأول: فيجاب عنه بأنَّ الحديث وإن لم ينص على خلق
(1)
(2/ 243، 250).
(2)
(1/ 21 ــ دار الكتب العلمية).
(3)
(6/ 420 ــ دار هجر).
(4)
(1/ 35 ــ دار الكتب العلمية).
السماء فقد أشار إليه بذكره في اليوم الخامس: النور، وفي السادس: الدواب، وحياةُ الدوابّ محتاجة إلى الحرارة، والنور والحرارة مصدرهما [ص 137] الأجرام السماوية. والذي فيه: أن خلق الأرض نفسها كان في أربعة أيام كما في القرآن، والقرآن إذ ذَكَر خلق الأرض في أربعة أيام، لم يذكر ما يدلّ على أن مِنْ جملة ذلك خلق النور والدواب، وإذ ذَكَرَ خلق السماء في يومين لم يذكر ما يدلّ أنه في أثناء ذلك لم يُحْدِث في الأرض شيئًا، والمعقول أنها بعد تمام خلقها أخذت في التطوّر بما أودعه الله تعالى فيها. والله سبحانه لا يشغله شأن عن شأن.
ويجاب عن الوجه الثاني: بأنه ليس في هذا الحديث أنه خلق في اليوم السابع غير آدم، وليس في القرآن ما يدلّ على أن خلق آدم كان في الأيام الستة، ولا في القرآن ولا السنة ولا المعقول أنَّ خالقية الله عز وجل وقفت بعد الأيام الستة. بل هذا معلوم البطلان. وفي آيات خلق آدم أوائل البقرة وبعض الآثار ما يُؤخذ منه أنه قد كان في الأرض عُمَّار قبل آدم عاشوا فيها دهرًا، فهذا يساعد القول بأن خلق آدم متأخر بمدَّة عن خلق السموات والأرض.
فتدبر الآيات والحديث على ضوء هذا البيان يتضحْ لك إن شاء الله أنَّ دعوى مخالفة هذا الحديث لظاهر القرآن قد اندفعت ولله الحمد.
وأما الوجه الثالث: فالآثار القائلة إنّ ابتداء الخلق يوم الأحد ما كان منها مرفوعًا فهو أضعف من هذا الحديث بكثير، وأما غير المرفوع فعامَّته من قول عبد الله بن سلام وكعب ووهب ومَنْ يأخذ عن الإسرائيليات. وتسمية الأيام كانت قبل الإسلام تقليدًا لأهل الكتاب، فجاء الإسلام وقد اشتهرت
وانتشرت فلم ير ضرورةً إلى تغييرها؛ لأن إقرار الأسماء التي قد عُرِفت واشتهرت وانتشرت لا يُعَدُّ اعترافًا بمناسبتها لما أُخِذَت منه أو بُنيت عليه، إذ قد أصحبت لا تدل على ذلك وإنما تدل على مسمياتها فحسب، ولأن القضية ليست مما يجب اعتقاده أو يتعلق به نفسه حكم شرعي، فلم تستحق أن يحتاط لها بتغيير ما اشتهر وانتشر من تسمية الأيام.
وقد ذكر السُّهيلي في «الروض الأُنف» (271: 1)
(1)
هذه القضية وانتصر لقول ابن إسحاق وغيره الموافق لهذا الحديث حتى قال: «والعجب من الطبريّ على تبحُّرِه في العلم كيف خالف مقتضى هذا الحديث وأعْنَق
(2)
في الردِّ على ابن إسحاق وغيره، ومال إلى قول اليهود: إنَّ الأحد هو الأول
…
».
وفي بقية كلامه لطائف: منها: أنَّ تلك التسمية خصّت خمسة أيام لم يأت في القرآن منها شيء، وجاء فيه اسما اليومين الباقيين ــ الجمعة والسبت ــ؛ لأنه لا تَعلُّقَ لهما بتلك التسمية المدخولة.
ومنها: أنه على مقتضى الحديث يكون الجمعة سابعًا، وهو وتر مناسب لفضل الجمعة كما ورد:«إن الله وَتْر يحب الوَتْر»
(3)
. ويضاف إلى هذا يوم الاثنين؛ فإنه على هذا الحديث يكون الثالث وهو المناسب لفضله، وفي «الصحيح»
(4)
: «فيه وُلدتُ وفيه أنزل عَليَّ» . فأما الخميس فإنما ورد فضل
(1)
(2/ 198) و (4/ 106 ــ ت عبد الرحمن الوكيل).
(2)
يعني: أسرع وتعجّل.
(3)
أخرجه البخاري (6410)، ومسلم (2677) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(4)
مسلم (1162).
صومه، وقد يوجَّه ذلك بأنه لما امتنع صوم اليوم الفاضل وهو الجمعة لأنه عيد الأسبوع عُوِّض عنه بصوم اليوم الذي قبله، وفي ذلك ما يقوِّي شَبَه الجمعة بالعيد. وفي «الصحيحين»
(1)
في حديث الجمعة: «نحن الآخرون السابقون
…
». والمناسب أن يكون اليوم الذي للآخرين هو آخر الآيام.
هذا، وفي «البداية» لابن كثير (17: 1)
(2)
: «وقد رواه النسائي في التفسير
(3)
عن إبراهيم بن يعقوب الجُوزجاني عن محمد بن الصبَّاح عن أبي عبيدة الحدّاد عن الأخضر بن عجلان عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيدي فقال: «يا أبا هريرة إن الله خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش يوم السابع، وخلق التُّربة يومَ السبت» وذكر بتمامه بنحوه. فقد اختُلِفَ على ابن جريج».
أقول: في صحة هذه الرواية عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح نَظَرٌ لا أطيل ببيانه، فمن أحبَّ التحقيق فليراجع «تهذيب التهذيب» (213: 7) و «فتح الباري» (511: 8)
(4)
ومقدمته (ص 373)
(5)
وترجمتَي أخضر وعثمان بن عطاء من «الميزان»
(6)
وغيره. والله الموفق.
(1)
البخاري (238، 876 وغيرها)، ومسلم (855) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2)
(1/ 32).
(3)
في «السنن الكبرى» (11392).
(4)
(8/ 667).
(5)
(ص 375 ــ 376).
(6)
(1/ 168) ترجمة أخضر، (3/ 445) ترجمة عثمان بن عطاء.
ثم قال أبو ريَّة: (ومن العجيب أن أبا هريرة قد صرَّح في هذا الحديث بسماعه من النبيّ صلى الله عليه وسلم وأنه قد أخذ بيده حين حدَّثه به. وإني لأتحدَّى الذين يزعمون في بلادنا أنهم على شيء من علم الحديث وجميع من هم على شاكلتهم في غير بلادنا أن يحلُّوا لنا هذا المشكل، وأن يخرجوا بعلمهم الواسع شيخهم من الهوَّة التي سقط فيها
…
).
أقول: لم يقع شيخنا رضي الله عنه في هُوَّة، ولا قال أحدٌ من أهل العلم إنه وقع فيها، أما إذا بنينا على صحة الحديث عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الحق إن شاء الله فواضح، وأما على ما زعمه ابنُ المديني فلم يصح عن أبي هريرة، ولا عمن روى عنه، ولا عن الثالث شيء مِن [ص 139] هذا، لا قوله:«أخذ رسول الله بيدي فقال» ولا قوله: «خلق الله التربة
…
».
وأما على حَدْس البخاري فحاصله أن أيوب غلط، وقع له عن أبي هريرة خبران، أحدهما:«أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال» فذكر حديثًا صحيحًا غير هذا. والثاني: «قال كعب: خلق الله التربة يوم السبت
…
» فالتبس المقولان على أيوب فجعل مقول كعب موضع مقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تقدم (ص 117)
(1)
قول بُسْر بن سعيد: أنه سمع بعض مَن كان معهم في مجلس أبي هريرة: «يجعل ما قاله كعب عن رسول الله، وما قاله رسول الله عن كعب» .
أما البيهقي فلم يقل شيئًا من عنده إنما قال: «وزعم بعضهم أن إسماعيل بن أمية إنما أخذه عن إبراهيم بن أبي يحيى
…
» فذكر قول ابن المديني.
(1)
(ص 225).
وأما ابن كثير فإنما قال: «فكأنَّ هذا الحديث مما تلقَّاه أبو هريرة عن كعب عن صُحُفه فوهم بعض الرواة فجعله مرفوعًا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم وأكَّد رفعه بقوله: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي» . فابن كثير جعل هذه الجملة من زيادة الراوي الواهم، وهو «أيوب» في حَدْس البخاري. وهذا أيضًا لا يمسّ أبا هريرة، ولكن الصواب ما تقدم.
ثم قال أبورية ص 176: (وروى البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله قال: من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحبّ إليَّ مما افترضته عليه، وما زال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أحببته، فكنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورِجْلَه التي يمشي بها
…
وما تردَّدْت عن شيء أنا فاعله تردُّدِي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته
(1)
).
أقول: هذا الخبر نَظَر فيه الذهبيّ في ترجمة خالد بن مخلد من «الميزان»
(2)
وابن حجر في «الفتح» (292: 11)
(3)
؛ لأنه لم يُرْوَ عن أبي هريرة إلا بهذا السند الواحد: «محمد بن عثمان بن كَرَامة
(4)
، حدثنا خالد بن مخلد حدثنا سليمان بن بلال، حدثني شَريك بن عبد الله بن أبي نَمِر عن عطاء عن أبي هريرة». ومثل هذا التفرُّد يريب في صحَّة الحديث، مع أنّ خالدًا له مناكير وشَرَيكًا فيه مقال. وقد جاء الحديث بأسانيد فيها ضعف من حديث عليّ ومعاذ وحذيفة وعائشة وابن عباس وأنس. فقد يكون وقع
(1)
في كتاب أبي ريَّة: «إساءته» . [المؤلف].
(2)
(1/ 163 ــ 165).
(3)
(11/ 341).
(4)
رواه عن محمد بن عثمان جماعةٌ منهم البخاري. [المؤلف].
خطأ لخالد أو شَريك، سمع المتن من بعض تلك الأوجه الأخرى المرويَّة عن عليّ أو غيره ممن سَلَفَ ذِكْرُه، وسمع حديثًا آخر بهذا السند ثم التبسا عليه فغلط، روى هذا المتن بسند الحديث الآخر. فإنْ كان الواقع هكذا فلم يحدِّثْ أبو هريرة بهذا، [ص 140] وإلا فهو مِنْ جملة الأحاديث التي تحتاج ككثير من آيات القرآن إلى تفسير، وقد فسَّره أهلُ العلم بما تجده في «الفتح»
(1)
وفي «الأسماء والصفات» (ص 345 - 348)
(2)
. وقد أومأ البخاريُّ إلى حاله فلم يخرجه إلا في باب التواضع من كتاب الرِّقاق
(3)
.
قال أبو ريَّة: (ومن له حاسة شمَّ الحديث يجدْ في هذا الحديث رائحة إسرائيلية).
أقول: قد عَلِمنا أن كلامَ الأنبياء كلَّه حقٌّ من مشكاة واحدة، وأن الربّ الذي أوحى إلى أنبياء بني إسرائيل هو الذي أوحى إلى محمد صلى الله عليه وسلم. ولو جاز الحكم بالرائحة لما ساغ أدنى تشكّك في حكم البخاري؛ لأنه أعرف الناس برائحة الحديث النبوي، وبالنسبة إليه يكون أبو ريَّة أخْشَم فاقد الشمّ أو فاسده.
وعلَّق في الحاشية أيضًا: (يبدو أن أستاذ أبي هريرة في هذا الحديث هو وهب بن منبه، فقد وقع في «الحلية» في ترجمة هذا
…
إني لأجد في كتب الأنبياء أن الله تعالى يقول: ما تردَّدتُ عن شيء قطّ تردُّدِي عن قبض روح المؤمن).
أقول: في سنده من لم أعرفه، وقد ذكروا أنَّ وهبًا روى عن أبي هريرة، ولم يذكروا أن أبا هريرة حكى شيئًا عن وهب، ووهبٌ صغير إنما ولد في
(1)
(11/ 342 ــ 347).
(2)
(2/ 384 ــ 385).
(3)
(6502).
أواخر خلافة عثمان، وإذا صحَّ حديثُ البخاريّ عن أبي هريرة فالمعقول ــ إن كان أحدهما أخذ عن الآخر ــ أن يكون وهب أَخَذَهُ عن أبي هريرة أو بلَغه عنه. ووهب مع صغره مولود في الإسلام من أبوين مسلمَيْنِ، فتوسُّعُه في قراءة كتب الأوائل إنما يكون في كبره بعد وفاة أبي هريرة بمدّة. وهذا تنازل منِّي إلى عقل أبي ريَّة وأشباهه، فأما الحقيقة فمكانة أبي هريرة رضي الله عنه أعلى وأشمخ وأثبت وأرسخ من أن يحتاج المدافع عنه إلى مثل ما ذكرت.
ثم قال أبورية ص 177: (وقد بلغ من دهاء كعب الأحبار واستغلاله لسذاجة أبي هريرة وغفلته أن كان يلقنه ما يريد بثَّه في الدين الإسلامي من خرافات وتُرَّهات، حتى إذا رواها أبو هريرة عاد فصدَّق أبا هريرة
…
وإليك مثلاً من ذلك
…
روى الإمام أحمد عن أبي هريرة أن رسول الله قال: إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام، اقرأوا إنْ شئتم {وَظِلٍّ مَمْدُودٍ} [الواقعة: 30]. ولم يكد أبو هريرة يروي هذا الحديث حتى أسرع كعب فقال: صدق، والذي أنزل التوراة على موسى والفرقان على محمد
…
ومن العجيب أن يروي هذا الخبر الغريب وهب بن منبه .. ).
أقول: عزا أبو ريَّة هذا إلى «تفسير ابن كثير» (513: 4 - 514) كذبًا، وأبدله في التصويبات (289: 4)، وهو كذب أيضًا، وإنما ذكر ابن كثير الحديث وما يتعلق به (187: 8 - 189)
(1)
، ذكره من حديث أربعة [ص 141] من الصحابة، ثلاثة في «الصحيحين»
(2)
أبو هريرة وأبو سعيد الخدري
(1)
(7/ 3395 ــ 3396). وموجود أيضًا في الموضع الذي أشار إليه أبو ريَّة (4/ 1895 ــ 1898).
(2)
حديث أبي هريرة في البخاري (3252)، ومسلم (2826). وحديث أبي سعيد عند البخاري (6553)، ومسلم (2828). وحديث سهل عند البخاري (6552)، ومسلم (2827).
وسهل بن سعد، وواحد في «صحيح البخاري»
(1)
فقط وهو أنس، قال ابن كثير:«فهذا حديث ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بل متواتر مقطوع بصحته عند أئمة الحديث» . ولم أجد هناك ذِكْرًا لوهب
(2)
، إنما ذكر ابن كثير أثرًا عن ابن عباس بمعنى الحديث وفيه زيادة، وقال:«هذا أثر غريب إسناده جيد قوي حسن» . وأين ابن عباس من وهب بن منبه؟ (فاعتبروا يا أولي الأبصار).
ثم قال أبو ريَّة: (ضعف ذاكرته: كان أبو هريرة يذكر عن نفسه أنه كان كثير النسيان لا تكاد ذاكرته تُمْسِكُ شيئًا مما يسمعه، ثم زعم أن النبيّ صلى الله عليه وسلم دعا له فأصبح لا ينسى شيئًا يصل إلى أذنه، وقد ذكر ذلك كي يُسوِّغ كثرة أحاديثه ويُثْبت في أذهان السامعين صحَّة ما يرويه).
أقول: في باب ما جاء في الغرس من «صحيح البخاري»
(3)
من طريق الزُّهري عن الأعرج عن أبي هريرة: «
…
وقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «لن يبسط أحدٌ منكم ثوبه حتى أقضي مقالتي هذه ثم يجمعه إلى صدره فينسى من مقالتي شيئًا أبدًا» . فبسطت نمرة
…
ثم جمعتُها إلى صدري، فوالذي بعثه بالحقِّ ما نسيتُ من مقالته تلك إلى يومي هذا». هذه الرواية صريحة في اختصاص عدم النسيان بما حدَّث به النبيّ صلى الله عليه وسلم في ذاك المجلس.
وفي باب الحجَّة على من قال
…
الخ من كتاب الاعتصام من «صحيح
(1)
(3251).
(2)
نعم لم يذكر أثر وهب في تفسير سورة الواقعة، وذَكَره في تفسير سورة الرعد (4/ 1896 ــ 1898). ذكره من رواية ابن جرير مطولًا وقال فيه:«أثر غريب عجيب» . ثم ذكره من رواية ابن أبي حاتم وقال: «هذا سياق غريب، وأثر عجيب ولبعضه شواهد» .
(3)
(2350).
البخاري»
(1)
أيضًا من طريق الزهري عن الأعرج أيضًا عن أبي هريرة: «
…
وقال: «مَنْ يبسط رداءه حتى أقضي مقالتي ثم يقبضه فإنه لن ينسى شيئًا سمعه مني» . فبسطت بُرْدة كانت عَليَّ، فوالذي بعثه بالحق ما نسيت شيئًا سمعته منه».
في هذه الرواية إطلاق، ولكنّ السياق ونصَّ الرواية الأولى يقضي بالتقييد.
وفي أوائل البيوع من «صحيح البخاري»
(2)
أيضًا من طريق الزهري عن ابن المسيّب وأبي سلمة عن أبي هريرة « .. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث يُحدِّثه: «إنه لن يبسط أحدٌ ثوبه حتى أقضي مقالتي هذه ثم يجمع ثوبه إلا وعى ما أقول» . فبسطتُ نَمِرة عَلَيَّ حتى إذا قضى رسول الله مقالته جمعتها إلى صدري، فما نسيت من مقالة رسول الله تلك من شيء».
وهذه الرواية صريحة في الاختصاص أيضًا.
وفي باب حفظ العلم من «صحيح البخاري»
(3)
أيضًا من طريق ابن أبي ذئب عن المَقْبري عن أبي هريرة، قلت: يا رسول الله إني أسمع منك حديثًا كثيرًا أنساه. قال: «ابسط رداءك» ، قال: فبسطته، قال: فغرف بيديه [ص 142] ثم قال: «ضُمّ» . فضممت، فما نسيت شيئًا بعد».
هذه الرواية تَصِف ــ فيما يظهر ــ واقعةً أخرى، فكأنَّ أبا هريرة لما
(1)
(7354).
(2)
(2047).
(3)
(119)، وفي كتاب المناقب (3648).
استفاد من الواقعة الأولى حِفْظ المقالة التي حدَّث بها النبيّ صلى الله عليه وسلم في ذاك المجلس على وجهها رغب في المزيد، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم:«إني أسمع منك حديثًا كثيرًا أنساه» ، وهذا القول لا يقتضي ــ كما لا يخفى ــ نسيان كل ما يسمع ولا نسيان المقالة التي تقدم خبرها، على أن المنهوم قد يحمله حرصه على المبالغة في الشكوى. وتقدم (ص 100)
(1)
ذكر شهادة النبيّ صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة بأنه أحرص الصحابة على العلم، وقد تقدم (ص 105)
(2)
ما يتعلّق بذلك. وليس في هذه الرواية ذكر نص من النبيّ صلى الله عليه وسلم بعدم النسيان لشيء بعد ذلك، وإنما فيها قول أبي هريرة:«فما نسيتُ شيئًا بعد» يعني شيئًا من الحديث؛ لأن الشكوى إنما كانت من نسيانه، وهذه الكلمة بناها على اعتقاده حين قالها فلا يمتنع أن ينسى بعد ذلك شيئًا من الحديث أو أن يتبين أنه قد كان نسي ولم يستحضر ذلك.
ثم قال أبو ريَّة ص 178: (روى مسلم عن الأعرج قال: سمعت أبا هريرة يقول: إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله، والله الموعد، كنت رجلاً مسكينًا أخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطني، وكان المهاجرون يشغلهم الصفقُ بالأسواق، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم، فقال رسول الله: من يبسط ثوبه فلن ينسى شيئًا سمعه مني. فبسطت ثوبي حتى قضى حديثه ثم ضممته إليَّ فما نسيت شيئًا سمعته منه.
قال مسلم: إن مالكًا انتهى حديثه عند انقضاء قول أبي هريرة، ولم يذكر في حديثه الرواية عن النبي: من يبسط ثوبه الخ. ولا ريب في أن رواية مالك هي الصحيحة، لأن الكلام بعد ذلك مفكّك الأوصال، ولا صلة بينه وبين الذي قبله).
(1)
(ص 194 ــ 195).
(2)
(ص 202 ــ 204).
أقول: كلمة أبي ريَّة الأخيرة: (ولا ريب أن رواية مالك هي الصحيحة
…
) تعطي أنّ الصحيح عن أبي هريرة هو ما اقتصر عليه مالك فقط، ولا يخفى أن هذا يناقض قول أبي ريَّة سابقًا:(ثم زعم أن النبيّ صلى الله عليه وسلم دعا له)، ويناقض كلامه الآتي: (على أن هذه الذاكرة
…
) فكلام أبي ريَّة متناقض حتمًا، لا مفكَّك الأوصال فحسب. أما زعمه أن الخبر بتلك الزيادة (مفكك الأوصال ولا صلة بينه وبين الذي قبله) فإنما جاء ذلك مِن اختيار أبي ريَّة للفظ مسلم، والخبر في مواضع من «صحيح البخاري» مرَّت الإشارة إليها، وسياقه هناك سليم.
[ص 143] ثم قال أبو ريَّة: (على أن هذه الذاكرة
…
قد خانته في مواضع كثيرة، وإن ثوبه الذي بسطه قد تمزَّق فتناثر ما كان بين أطرافه، وإليك أمثلة من ذلك: روى الشيخان عن أبي هريرة أن النبيّ قال: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة» . وقد روي هذا الحديث بألفاظ مختلفة، ولكن الصحابة عملوا بما يخالفه، فقد روى البخاري عن أسامة بن زيد أن رسول الله قال:«إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها» . وقد جاء الحديث كذلك عن عبد الرحمن بن عوف. ولما سمع عمر هذين الحديثين وحديث: «لا يوردن ممرض على مصح» ــ وهو مما رواه أبو هريرة ــ وكان قد خرج إلى الشام ووجد الوباء عاد بمن معه. وقد اضطر أبو هريرة إزاء هذه الأخبار القوية إلى أن يعترف بنسيانه، ثم أنكر روايته الأولى. وفي رواية يونس: قال الحارث بن [أبي] ذباب ابن عم أبي هريرة: قد كنت أسمعك يا أبا هريرة تحدثنا مع حديث: «لا يوردن ممرض على مصح» الخ حديث: «لا عدوى» ، فأنكر معرفته لذلك. ووقع عند الإسماعيلي من رواية شعيب: فقال الحارث ابن عم أبي هريرة: إنك حدثتنا، فأنكر أبو هريرة وغضب، وقال: لم أحدثك ما تقول).
أقول: ها هنا أمور تبيّن لنا تهوّر أبي ريَّة ومجازفته:
الأول: حديث: «لا عدوى» لم ينفرد به أبو هريرة، بل هو في
«الصحيحين»
(1)
وغيرهما من حديث ابن عمر وأنس، وفي «صحيح مسلم»
(2)
وغيره من حديث جابر.
الثاني: أن عمل الصحابة ليس مخالفًا له، وقد جمع بينهما أهلُ العلم بما هو معروف، ولبعض العصريين قولٌ سأحكيه ليُنظر فيه. زعم أن العرب كانوا يعتقدون أنّ العدوى تحصل بالمجاورة وحدها بدون سبب آخر، حتى لو كان في شَعْر امرأة وثيابها قَمْلٌ كثير فقامت إلى جانبها امرأة أخرى ثم بعد أيام قَمِلَ شعرُ الأخرى وثيابها لما سمّوا هذا عدوى، لأنهم يعرفون أنه لم يكن للمجاورة نفسها وإنما دبّ القملُ من تلك إلى هذه ثم تكاثر، قال: وحديثا: «لا يُورِدُ مُمْرِض على مُصِحّ»
(3)
و «فِرَّ من المجذوم فرارك من الأسد»
(4)
يفيدان انتقال الجَرَب والجُذَام، وقد ثبت أنه لا يكون بالمجاورة نفسها وإنما يكون بانتقال ديدان صغيرة جدًّا من هذا إلى ذاك، فهو من قبيل انتقال القمل وليس من العدوى بالمعنى الذي كانوا يعتقدون.
الثالث: أن المنقول أن عمر رجع لِخَبَر عبد الرحمن بن عوف وحده، ولم يُنقل أنّ عمر علم بخبر أسامة، ولا خبر [ص 144]:«لا يُورِدُ مُمْرِض على مُصِحّ» كما زعم أبو ريَّة.
(1)
من حديث ابن عمر أخرجه البخاري (2099)، ومسلم (2225). ومن حديث أنس في البخاري (5756)، ومسلم (2224).
(2)
(2222).
(3)
أخرجه البخاري (5771)، ومسلم (2221).
(4)
أخرجه البخاري (5707) وأصله في مسلم (2220) دون قوله: «وفر من المجذوم كما تفر من الأسد» .
الرابع: أن الخبر في الطاعون استفاض في عهد عمر، وبقي أبو هريرة يحدّث بحديث:«لا عدوى» زمانًا بعد ذلك، حتى سمعه منه أبو سلمة وغيره ممن لم يدرك عمر.
الخامس: قول أبي ريَّة (وقد اضطر
…
) يعطي أن أبا هريرة لم ينس الحديث، فما معنى قوله بعد ذلك:(وأن يعترف بنسيانه) مع إيراده القصة شاهدًا على النسيان كما زعم؟
السادس: لم يأت أبو ريَّة بدليل ولا شِبْه دليل على دعواه أن أبا هريرة اعترف بأنه نسي.
السابع: اختلف الرواة عن الزهري في حكاية القصة، وأحسنهم سياقًا يونس بن يزيد الأيلي، وقد شهد له ابنُ المبارك بأن كتابه صحيح، وأنه كتب حديثَ الزهريّ على الوَجْه، أي كما تلفَّظ به الزهريُّ
(1)
. وفي روايته في «صحيح مسلم»
(2)
بعد كلام الحارث: «فأبَى أبو هريرة أن يعرف ذلك وقال: لا يورِدُ مُمْرِض على مُصِحّ. فماراه الحارثُ في ذلك حتى غضب أبو هريرة فرطَنَ بالحبشية، فقال للحارث: أتدري ماذا قلتُ؟ قال: لا، قال أبو هريرة: قلتُ: أبيتُ. قال أبو سلمة: ولعمري لقد كان أبو هريرة يحدّثنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا عدوى» . فلا أدري أنسي أبو هريرة أم نَسخَ أحدُ القولين الآخر»؟
ولو صرَّح أبو هريرة بنفي أن يكون حدَّثهم من قبل لجزم أبو سلمة
(1)
انظر «تهذيب الكمال» : (8/ 221).
(2)
(2221/ 104).
بالنسيان
(1)
، لكن لمّا سكت أبو هريرة عن الحديث وامتنع أن يجيبهم سألوه وغضب وقال: أبيت، فَهِمَ بعض الرواة من ذلك إنكاره، فعبَّر بعضُهم عن قول أبي سلمة:«فأبى أبو هريرة أن يعرف ذلك» بقوله: «أنكر أبو هريرة الحديث الأول» ولا يخفى الفرق، فقوله:«أبى أن يعرف» إنما معناه: امتنع أن يقول: نعم قد عرفت. وهذا الامتناع لا يُفْهَم منه الإخبار بنفي المعرفة. ثم جاء بعضُ مَنْ بعدهم فعبَّر عن الإنكار بنسبته إلى أبي هريرة أنه قال: «لم أحدّثْك» كما وقع عند الإسماعيلي
(2)
من طريق شعيب، ولا أدري ما سنده؟ وأصل حديث شعيب عند مسلم
(3)
لكن لم يسق لفظَه، وعند الطحاوي في «مشكل الآثار» (262: 2)
(4)
وليس فيه هذه الكلمة.
وكأنَّ أبا هريرة حدَّث بالحديثين مرة، فتشكَّك بعض الناس في الجمع بينهما، فرأى أبو هريرة أنّ التحديث بهما مظنَّة أن يقع لبعض الناس ارتياب أو تكذيب، فاختار الاقتصار على أحدهما وهو الذي يتعلَّقُ به حكمٌ عمليّ:«لا يُورِدُ ممرضٌ على مُصِح» وسكت عن الآخر، وودَّ أن لا يكون حدَّث به قبل ذلك، فلما [ص 145] سُئل عنه أبى أن يعترف به، راجيًا أن يكون في ذلك الإباء ما يمنع الذين كانوا سمعوه منه أن يحدّثوا به عنه.
(1)
فأما ما في صحيح البخاري [5771] عن أبي سلمة: «فما رأيته نسي حديثًا غيره» فليس هذا جزمًا بالنسيان لهذا الحديث، وإنما استثناه لأجل احتماله النسيان كما بيّنَتْه الروايةُ الأخرى. وهذه شهادة عظيمة لأبي هريرة؛ لجلالة أبي سلمة وطول ملازمته لأبي هريرة. [المؤلف].
(2)
ذكره الحافظ في «الفتح» : (10/ 242).
(3)
«الصحيح» : (4/ 1744).
(4)
(2891 ــ ط الرسالة).