الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أصل هذا الكتاب
رسالة علمية قدمت إلى جامعة القاهرة - كلية دار العلوم قسم الشريعة الإسلامية، نال بها المؤلف درجة الدكتوراة بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف وذلك في العام 2003 م
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فقد عرف أعداء الإسلام أن مصدر عزة هذا الدين وأهله، وسر تجدده في نفوس المسلمين هو هذا القرآن العظيم، الذي لا يخلق من كثرة الترداد، ولا تنقضي عجائبه، ولا يمله القارئ والسامع ولا يزداد به المؤمن إلا يقينا بدينه وتعلقا به، هذه المعجزة الخالدة، والآية الباقية ما بقي الليل والنهار، هذا الكتاب الذي وعد الله تعالى بحفظه بقوله:{إنا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:9] .
ولما كانت هذه منزلة القرآن، اجتهد أعداء الدين بالطعن في هذا القرآن؛ حتى يسلخوا المسلمين من التعلق به، فيصبحوا صيدا سهلا وغنيمة باردة. وحرب أعداء الدين هذه ليست فقط على القرآن، بل على كل أساساته وقواعده؛ فهناك الحرب على الرسول صلى الله عليه وسلم وسنته (1) ، والطعن في عدالة الصحابة، والحرب على المرأة المسلمة (2) وحجابها وعفافها،
(1) أنظر: آيات الله في الكون، د. عبد الله شحاته (ص:3) ، مكتبة نهضة مصر للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، 2002، وهذه الطبعة هي الأولى لهذه الدار وإلا فإن الكتاب قد طبع قبل ذلك في غيرها.
(2)
صورة نظمه العجيب والأسلوب الغريب المخالف لأساليب كلام العرب ومنهاج نظمها ونثرها الذي جاء عليه ووقفت عليه مقاطع آياته وانتهت إليه فواصل كلماته ولم يوجد قبله ولا بعده نظير له.
والحرب على بعض الشعائر كالجهاد (1) ، وغيرها من الجبهات، ولكن الحرب على القرآن هي أخطرها وأشدها وأشرسها؛ لأن القرآن هو الذي يدل على الأصول السابقة ويحث عليها، فهو أصلها وهي فروعه، وبذهاب الأصل تذهب الفروع؛ ومن هنا عزمت في هذه الرسالة على جمع هذه المطاعن والإشكالات التي تثار الآن، والتي هي عبارة - في غالبها - عن ترديد لما سبق، فلو عرفها الناس وتحصنوا منها لما حصل هذا الاضطراب من هذه الشبه.
ومن أهداف الرسالة أيضا الرد على المستشرقين الذين يطعنون في هذا الدين، ويشككون في قدسية وعصمة كتابه. وكذلك الرد على المعاصرين الذين تأثروا بهذه الشبه وبدأوا يرددونها.
فاخترت أن تكون أطروحتي لنيل درجة الدكتوراة بعنوان:
الطعن في القرآن الكريم
والرد على الطاعنين في القرن الرابع عشر الهجري.
ومن الأسباب التي لأجلها اخترت هذا الموضوع:
1-
كثرة المطاعن في هذا الزمن خاصة على القرآن، واتهامه بالتناقض، سواء من المستشرقين، أو من أعداء الدين، أو ممن ينتسبون للإسلام.
2-
تأثر بعض المسلمين بهذه الشبه التي تثار، فكان لزاما على طلبة العلم وأهله كشف هذه الشبه، وبيان فسادها للناس أجمعين.
3-
إثبات إعجاز القرآن، وأنه من عند الله، وأن الله تكفل بحفظه حقا.
(1) /الماركسية والقرآن، للمحامي محمد صياح المعرّاوي، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولي،2000.
4-
كشف شبه الطاعنين وأكاذيبهم، وبيان أنها ترديد لما أورده الطاعنون السابقون.
5-
كشف المنافقين المندسين بين المسلمين للطعن في هذا الدين.
6-
امتثالا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ (قَالَ: «جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ وأَلْسِنَتِكُمْ» (1) .
7-
الدخول في حزب جند الله المدافعين عن كتابه؛ لعله يكون لنا شافعا يوم القيامة.
وأما أهمية الموضوع فتتضح من أمور كثيرة منها:
1-
عموم نفعه للمسلمين.
2-
أن الموضوع يعالج مشكلة معاصرة ومستمرة.
3-
أن هذا الباب لم يُخدم بما يستحقه.
4-
خطورة الطعن في القرآن؛ حيث إنه من نواقض العهد مع أهل الذمة، بل من نواقض الإسلام.
وقد حَذَّر النبىُّ (من خطورة فتح هذا الباب، حين وجد نفرًا من أصحابه يخوضون فيه ببابه، وذلك فيما ورد من حديث عَمْرِو بْنِ
(1) ما أنبأ به من أخبار القرون الماضية والشرائع السالفة مما كان لا يعلم منه القصة الواحدة إلا الفذ من أحبار أهل الكتاب الذي قطع عمره في تعلم ذلك فيورده على وجهه ويأتي به على نصه وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب.
شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ نَفَرًا كَانُوا جُلُوسًا بِبَابِ النَّبِيِّ (فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ كَذَا وَكَذَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ كَذَا وَكَذَا -وفي رواية أنهم تكلموا في القَدَر- فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَخَرَجَ كَأَنَّمَا فُقِئَ فِي وَجْهِهِ حَبُّ الرُّمَّانِ، فَقَالَ: «بِهَذَا أُمِرْتُمْ - أَوْ بِهَذَا بُعِثْتُمْ - أَنْ تَضْرِبُوا كِتَابَ اللَّهِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، إِنَّمَا ضَلَّتِ الْأُمَمُ قَبْلَكُمْ فِي مِثْلِ هَذَا، إِنَّكُمْ لَسْتُمْ مِمَّا هَاهُنَا فِي شَيْءٍ، انْظُرُوا الَّذِي أُمِرْتُمْ بِهِ، فَاعْمَلُوا بِهِ، وَالَّذِي نُهِيتُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا» (1) .
5-
مما يكسب هذه الرسالة أهمية أني لخصت فيها كتبا كثيرة، سواء من كتب الطاعنين أو الرادين عليهم، فهي خلاصة جهود علماء كبار، وعصارة كتب متفرقة.
وبعد القراءة التحضيرية، واستشارة الأساتذة، والمشايخ، والاستنارة بعلمهم، جاءت خطة البحث على النحو التالي:
المقدمة:
التمهيد: وفيه المباحث التالية:
المبحث الأول: تعريف الطعن في القرآن.
المبحث الثاني: مصطلحات ترادف الطعن.
المبحث الثالث: التعريف بالطاعنين في القرن الرابع عشر الهجري.
الباب الأول (النظري) :
الطعن في القرآن: نشأته، أسبابه، مواجهته
(1) ما تضمنه من الأخبار عن الضمائر.
- الفصل الأول: تاريخ الطعن في القرآن والكتب المؤلفة فيه.
المبحث الأول: أول من تكلم فيه.
المبحث الثاني: أول من ألف فيه.
المبحث الثالث: اتجاهات العلماء في التأليف في هذا المجال.
المبحث الرابع: الكتب المؤلفة فيه.
- الفصل الثاني: أسباب الطعن في القرآن.
المبحث الأول: لماذا هذه الحرب على القرآن؟.
المبحث الثاني: ما الحكمة من وجود المتشابه في القرآن؟.
المبحث الثالث: أنواع المطاعن..
- الفصل الثالث: مواجهة دعاوى الطعن في القرآن.
المبحث الأول: تنزيه كلام الله عن المطاعن.
المبحث الثاني: موقف سلف الأمة ممن يثيرون الشبه والمطاعن حول القرآن.
المبحث الثالث: قواعد التعامل مع المطاعن.
الباب الثاني (تطبيقي) :
موقف الطاعنين من آيات القرآن والرد عليهم:
- الفصل الأول: الردود الإجمالية على من طعن في القرآن:
المبحث الأول: الأدلة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم :
المطلب الأول: بشارة الكتب السابقة به.
المطلب الثاني: شهادة المنصفين من المخالفين على صدقه.
المطلب الثالث: الآيات التي يجريها الله تعالى على يديه.
المطلب الرابع: إقرار الله تعالى له ولدعوته واستجابته لدعائه.
المطلب الخامس: من أدلة صدقه كمال أخلاقه.
المطلب السادس: استعداده الدائم لأي اختبار يطرح عليه.
المطلب السابع: عدم استغلال فرص التعالي.
المطلب الثامن: المباهلة على ما عنده.
المطلب التاسع: حمايته من كل ما يكاد له.
المطلب العاشر: انتفاء الغرض الشخصي.
المطلب الحادي عشر: إخباره بالنهايات في البدايات.
المطلب الثاني عشر: إخباره بالغيب.
المطلب الثالث عشر: إحكام التشريع.
المطلب الرابع عشر: الإعجاز العلمي.
المطلب الخامس عشر: الوصف الدقيق للغيب.
المطلب السادس عشر: تأليف قلوب العرب.
المطلب السابع عشر: الإلزام.
المبحث الثاني: الأدلة على صدق القرآن وما فيه:
المطلب الأول: إعجاز القرآن.
المطلب الثاني: التحدي أن يُؤتى بمثله.
المطلب الثالث: شهادة الكفار وأهل الكتاب وأعدائه بصدقه.
المطلب الرابع: الوحدة الموضوعية لكل سورة.
المطلب الخامس: عدم التناقض.
المبحث الثالث: ردود القرآن على الطاعنين.
المبحث الرابع: ردود إجمالية أخرى:
المطلب الأول: عدم معارضة كفار مكة.
المطلب الثاني: قل هاتوا برهانكم.
المطلب الثالث: مخالفة الواقع.
المطلب الرابع: إجماع الأمة.
-.
المبحث الأول: التشكيك في نسبة القرآن إلى الله تعالى:
المطلب الأول: دعوى أن القرآن من عند نبينا محمد صلى الله عليه وسلم .
المطلب الثاني: دعوى أن القرآن نقل من غيره.
المطلب الثالث: جواز نقده ومخالفته.
المبحث الثاني: زعم عدم حفظه:
المطلب الأول: شبهة أنه ليس هو القرآن الذي أنزل.
المطلب الثاني: شبهة أنه زيد فيه ونقص.
المطلب الثالث: النسخ فى القرآن والطعن فيه من هذا الباب.
المبحث الثالث: اتهام القرآن بالتناقض:
المطلب الأول: هل في القرآن تناقض حقيقي؟.
المطلب الثاني: زعم تناقض بعض الآيات مع بعض.
المبحث الرابع: اتهام القرآن بمعارضة الحقائق:
المطلب الأول: دعوى تعارض القرآن مع الحقائق الشرعية.
المطلب الثاني: دعوى تعارض القرآن مع الوقائع التاريخية.
المطلب الثالث: دعوى تعارض القرآن مع الحقائق الكونية.
ثم الخاتمة، وذيلت الرسالة بعدة فهارس لكمال الاستفادة من البحث.
وكان المنهج المتبع في هذه الرسالة كالتالي:
1-
لقد اجتهدت اجتهادا كبيرا في محاولة حصر الطعون؛ حيث جمعت ما أمكنني من كتب تطعن في القرآن أو ترد على الطاعنين، وحرصت على أن أحضر معظم معارض الكتاب التي تقام؛ لعلي أجد شيئا ليس عندي، وذهبت إلى الكثير من الجامعات للبحث عن رسائل مقاربة لما كتبته، وبحثت في الإنترنت، ودخلت الكثير من المواقع المتخصصة في الطعن في الإسلام، مثل بعض غرف النصارى في البالتوك وغيرها، وسألت الكثير من المتخصصين في هذا الباب والمهتمين، فاتضح لي أن حصر الطاعنين من الصعوبة بمكان؛ فبعضهم مشاهير، وبعضهم مغمور نكرة لا يعرف، فتسميته والرد عليه تشهير له، وبعضهم بل أكثرهم مردّد لما قيل سابقا من الطعون، فاتجهت لحصر الطعون لا الطاعنين - مع عدم إغفال ذكرهم إن وجدوا لاسيما المشاهير منهم - لأن الطعون واحدة في الغالب، وأما الطاعنون فهم كالببغاوات يرددون ما سمعوا، وهذا أيضا منهج نبوي فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يرد على الخطأ لا على المخطئ، بقوله:«ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا» (1) .
(1) آيات وردت بتعجيز قوم في قضايا وإعلامهم أنهم لا يفعلونها فما فعلوا ولا قدروا.
2-
ليس من منهجي أن أجمع كل ما أثير، بل أجمع ما كان فيه شبهة وقد يقع فيه اللبس عند بعض الناس، وأما بعض الطعون التي يوردها الطاعنون بسبب جهلهم باللغة، أو سوء فهمهم، أو تحريف المعنى، أو الكذب، أو الدعوى المجردة عن الدليل، أو نسبب الحقد الدفين، فهذا يكفي ذكره في إبطاله، ويكفيك من شر سماعه، مثل إنكارهم بلاغة القرآن وهم أبعد الناس عن تذوق بلاغة القرآن، أو تفسير بعضهم قوله تعالى:{وترى الملائكة حافين من حول العرش} [الزمر:75] ؛ فقد قال بعض المستشرقين في تفسير معنى (حافين (: أي بدون أحذية (1) . (وفسر بعض المستشرقين قوله تعالى: (وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه (] الإسراء: 13] بقوله: يأتي الكافر وفي رقبته حمامة. ومنهم عَلََََّامة تصدى لوضع المعجمات الكبرى (2)، فكتب في مادة (أخذ) أنها تأتي بمعنى نام لقوله تعالى:(لا تأخذه سنة ولا نوم ( {3} [البقرة:255] ) .
ومثل ادعاء بعضهم
(1) انظر: الإسلام دعوة عالمية ومقالات أخرى، لعباس محمود العقاد (ص: 189) ، منشورات المكتبة العصرية، بيروت.
(2)
الروعة التي تلحق قلوب سامعيه عند سماعهم والهيبة التي تعتريهم عند سماع تلاوته.
(3)
أن قارئه لا يمله وسامعه لا يمجه بل الإكباب على تلاوته يزيد حلاوة وترديده يوجب له محبة وغيره من الكلام يعادي إذا أعيد ويمل مع الترديد ولهدا وصف القرآن بأنه لايخلق على كثرة الرد.
أنه وجد مخطوطة بخط النبي صلى الله عليه وسلم ، وبالتالي يثبت أنه لم يكن أميا (1)، وقول بعضهم: إن معنى قوله تعالى: {الذين يتبعون النبي الأمي الذي يجدونه..} [الأعراف:157] أن أمي بمعنى وثني (2) . وادعاء بعضهم أن الوحي عبارة عن صرع كان يصيب النبي صلى الله عليه وسلم (3) . أو النزول إلى الدرك الأسفل من الدناءة بإطلاق لفظ (الخراء) على القرآن، كما في كتاب حيدر حيدر (4)(وليمة لأعشاب البحر)(5) ، وغير ذلك من السفاهات.
3-
الطعون على القرآن تنقسم قسمين، طعون حول القرآن، وطعون في القرآن؛ الطعون حول القرآن من مثل الطعن في
(1) كونه آية باقية لا يعدم ما بقيت الدنيا مع تكفل الله بحفظه.
(2)
جمعه لعلوم ومعارف لم يجمعها كتاب من الكتب ولا أحاط بعلمها أحد في كلمات قليلة وأحرف معدودة.
(3)
جمعه بين صفتي الجزالة والعذوبة وهما كالمتضادين لا يجتمعان في كلام البشر غالبا.
(4)
حيدر حيدر: كاتب سوري معاصر من سكان قرية (حصين البحر) القريبة من ميناء طرطوس، ألف رواية"وليمة لأعشاب البحر"وملأها بالاستهزاء والسخرية من الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وكتابه ودين الإسلام، والرسل والأنبياء، والأزهر، وغير ذلك. انظر: كتاب"الملحدون الجدد"لجمال عبد الرحيم (ص: 125) ، الطبعة الأولى، 2001.
(5)
انظر الملحدون الجدد لجمال عبد الرحيم (ص: 127) .
جمع القرآن، وتواتر القرآن، تقسيم القرآن إلى مكي ومدني، نزول القرآن على سبعة أحرف، معنى المتشابه في القرآن، النسخ في القرآن، ترجمة القرآن، إعجاز القرآن، قراءات القرآن
…
إلخ تلك الشبه التي تحوم حول القرآن ولا تطعن في آياته طعنا مباشرا، وهذا البحث كفانا فيه عدد من العلماء الأفاضل والباحثين الأجلاء، ومن أفضل هذه الكتب التي اطلعت عليها، كتاب "شبهات حول القرآن وتفنيدها" للدكتور غازي عناية (1) ، وبعضهم أفرد في بعض هذه المباحث مؤلفا، مثل كتاب "المستشرقون وترجمة القرآن الكريم"للدكتور محمد صالح البنداق (2) . وفي كتاب "القراءات وأثرها في التفسير والأحكام"للدكتور محمد بن عمر بازمول (3) عقد بابا بعنوان (رد الشبهات التي تثار حول القراءات) أجاب فيها على كل ما يثار حول هذا الموضوع، وكتاب القراءات في نظر المستشرقين والملحدين للشيخ عبد الفتاح عبد الغني القاضي (4) ، وكتاب نزول القرآن على سبعة أحرف للدكتور مناع القطان (5) ، وفي مجلة لواء الإسلام بحث لعبد الباري إبراهيم أبو عبلة في الجواب على طعون المستشرقين في لغة القرآن ونحوه (6) .
ومن أشد الكتب التي طعنت في هذا الباب كتابان:
1-
القرآن: نزوله، تدوينه، ترجمته وتأثيره، لبلاشير (7) .
(1) طبعته دار ومكتبة هلال للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، 1996.
(2)
دار الآفاق الجديدة، بيروت، الطبعة الثانية، 1983.
(3)
طبعته دار هجر، الرياض، الطبعة الأولى، 1996.
(4)
من منشورات مكتبة الدار بالمدينة المنورة.
(5)
مكتبة وهبة، الطبعة الأولى، 1991.
(6)
العدد 3، للسنة الحادية والثلاثين، تاريخ نوفمبر 1976، ص:35.
(7)
ريجي بلاشير (1900-1973) مستشرق فرنسي، ولد في باريس وسافر مع والديه إلى المغرب ودرس في الدار البيضاء، وعين أستاذا للغة العربية في المدرسة الوطنية للغات الشرقية في باريس، وتولى عدة مناصب كبيرة وألف كتبا كثيرة عن الإسلام. انظر: موسوعة المستشرقين، للدكتور عبد الرحمن بدوي، (ص: 127) دار العالم للملايين، بيروت، الطبعة الثالثة، 1993.
2-
مقدمة كتاب المصاحف لأبي داود، لآرثر جفري.
رد عليهما الدكتور إسماعيل سالم عبد العال في كتابه المستشرقون والقرآن، في جزأين (1) .
وأما النوع الثاني وهو الطعن في القرآن نفسه من حيث دلالالته ومعانيه وأخباره وأحكامه وغير ذلك، وهو الذي أبحث فيه، والسبب في ذلك أن هذا النوع هو الذي تولى القرآن الرد فيه على الطاعنين؛ ولأن الرد على هذه الشبه فيه الرد على تلك الشبه بطريق اللزوم، فإنه إذا ثبت أن القرآن ليس من عند النبي صلى الله عليه وسلم ، بل من الله تعالي، وهو غير قابل للنقد، وأنه ليس فيه تحريف ولا زيادة، وأنه صادق الأخبار وواجب الاتباع، إذا ثبت هذا فإن الله قال فيه:{إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} [الحجر:9] ، إذن فلا مجال للطعن في تواتره وجمعه وقراءاته وما نسخ منه؛ لأنه محفوظ بحفظ الله له.
4-
الإحالة على الآيات في المصحف جعلتها في صلب البحث، حتى لا يتخم الهامش بالحواشي.
5-
حرصت على تخريج الأحاديث والآثار والحكم عليها، فإن كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما اكتفيت بالإحالة عليه؛ وإن كان في غيرهما استقصيت في تخريجه وبينت صحته أو ضعفه، وقد حكمت على هذه الأحاديث بنفسي، ثم قمتُ بتوثيق ذلك من كلام العلماء إن وُجد.
(1) أصدر الكتاب رابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة، وهو من إصداراتها الدورية تحت سلسلة دعوة الحق، السنة التاسعة، العدد 104، لعام 1410هـ.
6-
ترجمت لغير المشاهير.
7-
قرأت أحاديث الكتب الستة والموطأ والدارمي، واستخرجت جميع الأحاديث في هذا الباب، ثم طُبع كتاب جامع التفسير الذي جمع مؤلفوه الأحاديث والآثار من الكتب الستة ومسند الإمام أحمد، التي تفسر أو تذكر سبب نزول الآية، فقرأته للتأكد من أنه لم يفتني حديث في هذا الموضوع.
8-
لقد كان الرد على الطاعنين متنوعًا؛ فقد رددتُ عليهم بداية ردودا عامة تصلح لكل طعن فى فضل الردود الأجمالية على من طعن في القرآن، ثم ردت على الطعون الأربعة الرئيسة ردودا إجمالية، كل طعن بذاته فى مبحث أسباب الأختلاف في القرآن.، ثم في فصل الردود التفصيلية على من طعن في القرآن رددت على كل طعن بنوعين من الردود، الأول رد إجمالي على كل طعن في هذا الفرع ثم رد تفصيلي على كل طعن ذكر.
9-
حرصتُ على الردود الإجمالية لكل طعن فى فصل الردود التفصيلية على من طعن في القرآن؛ لأنها الأهم، فهي صالحة لما قد أُثير ولما يمكن أن يثار في المستقبل، وأما الردود التفصيلية على كل طعن فإنها لا تنتهي، وقد يُفتح لإنسان مالا يُفتح على غيره في الرد، وبعضها طعن ساذج لا يستحق الرد.
هذا وقد واجهتني صعوبات كثيرة في مراحل إعداد هذا البحث، نذكر منها:
1-
كثرة الطاعنين وصعوبة حصرهم، فهم كثر في كل دولة عربية وإسلامية، وأكثر منهم في دول أوروبا وأمريكا.
2-
من الصعوبات التي واجهتها، محاولة حصر كل ما أُلف في هذا الباب من مطبوع أو مخطوط أو مفقود، فلجأت إلى كتب طبقات المفسرين؛ لمعرفة كل من ألف في طعون القرآن، وجردتها وحصرت منها الكتب التي أُلفت في الرد على الطاعنين. وكتب الطبقات التي وجدتها هي:
أ-طبقات المفسرين للسيوطي (1) .
ب-طبقات المفسرين للداوودي تلميذ السيوطي (2) .
ج-طبقات المفسرين للأدنوري (3) .
3-
ومن الصعوبات التي واجهتها التعريف بالمستشرقين؛ فإن الكتب المؤلفة عنهم قليلة.
4-
وهناك مشكلة أخرى تكمن في ترجمة أسمائهم، فإنه لو وجد لهم تعريف فإنه من الصعب معرفة ما هي ترجمة الاسم الحرفية، مثل المستشرق الفرنسي (GANIER) (4) بعضهم يسميه: جانييه، وبعضهم: جانيير، وبعضهم: كانيير، فلا تعلم هل تبحث عن اسمه في حرف الجيم أم في حرف الكاف، ومثله المستشرق (GIBB) (5) فبعضهم يسميه: جب، والبعض غب، والبعض الآخر قب، وهكذا، ولقد ترجمت لأكثر من عشرين واحدا منهم وأما الذين لم أجد ترجمتهم فهم اثنان فقط.
(1) طبع مكتبة وهبة، القاهرة، تحقيق على محمد عمر، الطبعة الأولى، 1396.
(2)
دار الكتب العلمية، بيروت، تحقيق لجنة من العلماء بإشراف الناشر.
(3)
تحقيق سليمان الخزي، طبع مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، الطبعة الأولى، 1997.
(4)
انظر: موسوعة المستشرقين (ص: 168) .
(5)
انظر: موسوعة المستشرقين لعبد الرحمن بدوي (ص: 174) .
5-
ومن الصعوبات أيضا أن أغلب كتب المستشرقين كتبت في غير اللغة العربية، فكنت أجد عناء في ترجمتها أو البحث عن ترجمة لها، وفي الغالب كنت أنقلها من كتب أخرى.
6-
ومن الصعوبات أن بعض كتب المستشرقين التي طبعت بالعربية، لم يعد طبعها منذ زمن طويل، فلا تكاد توجد في أسواق الكتب، لذلك كنت أضطر إلى نقلها من كتب العلماء الذين ردوا عليهم في زمنهم.
7-
ولقد سافرت إلى هولندا للقاء الدكتور نصر حامد أبو زيد
للتأكد من بقائه على آرائه ومناقشته فيها، فكلمته بالهاتف من هولندا فرفض مقابلتي رفضا قطعيا مع محاولاتي الكثيرة في طلب ذلك، وحصل عندما كنت هناك أن قامت امرأة صومالية الأصل هولندية الجنسية، وكانت مسلمة، قامت بسب النبي صلى الله عليه وسلم على صفحات الصحف والطعن في دينه وأعلنت أنها ملحدة لا تؤمن بدين، فطلبت من الأخوة في هولندا جمع كل ما قالت وترجمته إلي العربية، وسألتهم هل ذكرت أدلة أو شبها على ما قالت أم أنه كلام عار عن أي مستند، فكانت نتيجة الترجمة هي الثاني، فكلامها مجرد سب وشتم من غير أي حجة، بل هو الهوى المحض، ثم قامت بعد هذه الضجة بترشيح نفسها للمجلس البرلماني في هولندا فعندها اتضح السبب وبطل العجب، {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب} [آل عمران: 7] .
وفي الختام أسأل الله تعالى أن يوفق ويعين، وأن يجعل هذا البحث مفيدا للناس في الدنيا، ونافعا لي في الآخرة.
التمهيد
وفيه المباحث التالية:
المبحث الأول: تعريف الطعن في القرآن
.
المبحث الثاني: مصطلحات ترادف الطعن في القرآن.
المبحث الثالث: التعريف بالطاعنين في القرن العشرين.
المبحث الأول: تعريف (الطعن في القرآن) :
-أولا: تعريف الطعن:
(ط ع ن: طَعَنهُ بالرمح، وطَعَنَ في السن كلاهما من باب نصر، وطعن فيه أي قدح من باب نصر أيضا، وطَعَنَاناً أيضا بفتح العين كذا في الصحاح، وفيه أيضا: والفرَّاء يجيز فتح العين من يطعن في الكل، وقال الأزهري في التهذيب: الطَّعنان قول الليث، وأما غيره فمصدر الكل عنده الطعن لا غير، وعين المُضارع مضمومة في الكل عند الليث، وبعضهم يفتح العين من مضارع الطعن بالقول للفرق بينهما. وقال الكسائي: لم أسمع في مضارع الكل إلا الضم. وقال الفرَّاء: سمعت يطعن بالرمح بالفتح. وفي الديوان ذكر الطعن بالرمح، وباللسان في باب نصر، ثم قال في باب: قطع وطَعَن يطعن لغة في طعن يطْعن، فجعل كل واحد منهما من البابين، والمِطْعَانُ: الرجل الكثير الطعن للعدو، وقوم مَطاعينُ، وفي الحديث:«لا يكون المؤمن طَعَّاناً» ؛ يعني في أعراض الناس.
والطَّاعُونُ: الموت من الوباء، والجمع الطَّوَاعِين) (1) .
وقال ابن فارس: (طعن: أصل صحيح مطرد، وهو النخس في الشيء بما ينفذه، ثم يحمل عليه، ويستعار من ذلك الطعن في الرمح، ورجل طعان في أعراض الناس، وفي الحديث: «لا يكون المؤمن طعانا» . وقال بعضهم: طعن بالرمح يطعُن بالضم، وطعن بالقول يطعَن فتحا)(2) .
إذن لكلمة طعن معنيان؛ حسي، ومعنوي؛ فالحسي بمعنى الضرب بآلة حادة كالخنجر، وهو المتعدي للمفعول (طعنه) ، والمضارع منه مضموم العين (يطعُن) وبعضهم يفتحه، والمعنوي بمعنى القدح في شيء، سواء كان نسبا، أو كتابا، أو شخصا، أو غير ذلك، وهو اللازم (طعن فيه) ، والمضارع منه مفتوح العين (يطعَن) .
- ثانيا: تعريف القرآن:
هو كلام الله المعجز المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ، المكتوب في المصاحف، المنقول بالتواتر، المتعبد بتلاوته (3) . والقرآن من المشهورات التي لا تحتاج الى تعريف.
(1) مختار الصحاح (1 / 165) .
(2)
معجم مقاييس اللغة لابن فارس (3/412) بتصرف، وانظر: لسان العرب (13/265-26) .
(3)
انظر: مناهل العرفان للزرقاني (1/15) ، دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى، 1996، وانظر: كتاب النبأ العظيم للدكتور محمد عبد الله دراز (ص: 10) دار طيبة للنشر الطبعة الأولى، 1997، وانظر: المناظرة في القرآن، عبد الله المقدسي (1/ 22) ، مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الأولى، 1409، تحقيق الجديع، وغير ذلك.
- ثالثا: تعريف الطعن في القرآن:
الطعن في القرآن: هو أحد مباحث علوم القرآن، التي تبحث في الرد على من طعن في كتاب الله، أو زعم تناقضه، أو إشكاله، والرد عليها بالأدلة الشرعية، والعقلية، والحسية (1) .
(1) انظر: البرهان في علوم القرآن للزركشي (2/53) ، بيروت دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1408، والإتقان في علوم القرآن للسيوطي (3/79) ،، القاهرة، مكتبة دار التراث، باهر البرهان في مشكلات القرآن لبيان الحق النيسابوري (1/112) .
المبحث الثاني: مصطلحات ترادف الطعن في القرآن
هناك عدة مصطلحات في تسمية هذا العلم، ترادف مصطلح الطعن في القرآن وهي:
1-
المتشابه أو المشتبه:
حيث إن كثيرا من العلماء يطلقون على هذا العلم (المتشابه)، مثل كتاب:
الآيات المتشابهات لبقي بن مخلد، وأضواء على متشابه القرآن لخليل ياسين، وتأويل متشابهات القرآن لابن شهر آشوب وغيرها (1) .
وأخذوا هذا الاسم من قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ
…
} [آل عمران:7] .
وإنما لم أختر أن تكون الرسالة بهذا العنوان؛ لأن المتشابه يطلق -في علوم القرآن والتفسير-على عدة معان:
1-
يطلق المتشابه ويقصد به المشكل من الآيات التي قد تشتبه على فهم القارئ؛ لخلوه من الدلالة الراجحة لمعناه (2) ، الذي يحتاج للجواب والرد على الطاعن، كما تقدم.
(1) سيأتي في الباب: الأول في مبحث المؤلفات في هذا الفن بيان عن هذه الكتب ومكان طبعها أو ذكرها.
(2)
انظر: كشف المعاني في المتشابه المثاني لبدر الدين بن جماعة، (ص: 28) تحقيق مرزوق إبراهيم، دار الشريف للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 1420.
2-
ويطلق ويراد به ضد المحكم، وهو الذي لا يعلمه إلا الله، أو لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم (1) ؛ مثل الحروف المقطعة، وحقيقة صفات الله وكيفياتها.
3-
ويطلق ويراد به الآيات المتشابهة لفظا، وقد تفترق بحرف أو كلمة، وتوجيه هذا التفريق. وقد ألف العلماء في هذا الفن كتبا كثيرة؛ منها:" درة التنزيل وغرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز"(2) ، للخطيب الإسكافي (3) ، وأشهرها وأفضلها كتاب "البرهان في متشابه القرآن "(4) للكرماني (5) .
4-
يطلق ويقصد به تشبيه شيء بشيء، كالحور العين باللؤلؤ، وقد ألف في هذا المعنى ابن ناقيا البغدادي (6) كتابه " الجمان في
(1) انظر: في اختلاف العلماء في تعريف المتشابه بهذا المعنى كتاب الإتقان للسيوطي (3/3) .
(2)
بيروت، دار الآفاق الجديدة، الطبعة الثانية، 1977.
(3)
والإسكافي هو محمد بن عبد الله أبو جعفر الإسكافي، عداده في أهل بغداد أحد المتكلمين من المعتزلة، له تصانيف فكان يناظر الحسين بن علي الكرابيسي يتكلم معه، مات في سنة 402 هـ. انظر: معجم البلدان، لياقوت الحموي، دار الفكر، بيروت، (1/181) .
(4)
دار الوفاء، المنصورة، الطبعة الأولى، 1411 هـ.
(5)
والكرماني هو المعمر بدر الدين، أبو حفص عمر بن محمد بن أبى سعد الكرماني، نزيل دمشق، ولد بنيسابور سنة سبعين وخمسمائة، وسمع في الكهولة من القسم الصفار، وروى الكثير بدمشق، وكان واعظاً، وتوفي في شعبان سنة خمس وستين وستمائة. انظر: شذرات الذهب، دار الكتب العلمية، بيروت، (3/327) .
(6)
هو: عبد الله وقيل: عبد الباقى بن محمد بن الحسين بن داود بن ناقيا أبو القاسم، الأديب الشاعر اللغوي المترسل، هو من أهل الحريم الطاهرى، وهى محلة بغداد، كان مولده في منتصف ذى القعدة سنة عشر وأربعمائة، وكان فاضلاُ بارعاً، وله مصنفات حسنة مفيدة، منها كتاب"الجمان في تفسير متشابهات القرآن"ومجموع سماه"ملح الممالحة"، وكان ينسب إلى التعطيل، ومذهب الأوائل، وصنف في ذلك مقالة، وكان كثير المجون، توفي في ليلة الأحد من رابع شهر المحرم سنة خمس وثمانين وأربعمائة، ودفن بباب: الشام. انظر: طبقات المفسرين للسيوطى، (1/141) الطبعة الأولى، القاهرة، مكتبة وهبة 1936 م، والمنتظم، لابن الجوزي (9/69) ، طبعة دار صادر، بيروت، سنة 1358 هـ، الطبعة الأولى.
تشبيهات القرآن" (1) ، ولسيد قطب كتاب في هذا المعنى سماه " التصوير الفني في القرآن ".
5-
يطلق المتشابه ويراد به أن القرآن متماثل في النظم والبلاغة والهدف الذي يدعو إليه؛ فلا تجد في أسلوبه اختلافا، ولا في معانيه مناقضة، ولا في سِوَرِه تغايرا، كما في قوله تعالى:{اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الزمر:23] .
قال القرطبي: (متشابها يشبه بعضه بعضا في الحسن والحكمة، ويصدق بعضه بعضا، ليس فيه تناقض ولا اختلاف)(2) .
فلما كان هذا الاسم يشكل في الفهم، ومشتركا بين عدة معان، أعرضت عنه.
2-
موهم الاختلاف أو مختلف القرآن:
هكذا سماه الزركشي في البرهان: النوع الخامس والثلاثون:
(1) تحقيق مصطفى الجويني، دار منشأ المعارف، الإسكندرية.
(2)
تفسير القرطبي (15/162) ، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1988.
معرفة موهم المختلف (1)، وسماه السيوطي في الإتقان: النوع الثامن والأربعون في مشكله وموهم الاختلاف والتناقض.
وقد أخذوا هذا الاسم من الآية وهي قوله تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء:82] .
3-
موهم الاضطراب:
ومن هذا كتاب دفع " إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب " لمحمد الأمين الشنقيطي.
وهذا الاسم والذي قبله يتحدث عن نوع واحد من الطعون، وهو التناقض في الآيات، مع أن الطعون لها أنواع أخر، كنفي نسبة القرآن إلى الله، والطعن في لغته وغير ذلك؛ لهذا لم أُسمِّ به الرسالة؛ لقصوره عن شمول جميع أنواع الطعون.
4-
أسئلة القرآن:
أي الأسئلة التي يطرحها بعض الناس بقصد التشكيك في كتاب الله تعالى؛ ومن هذا: كتاب " البرهان في مسائل القرآن " للجماعيلي المقدسي، و " التبيان في مسائل القرآن " لرضي الدين القزويني، وبعضهم
(1) البرهان في علوم القرآن (2/53) .
يسميها جوابات القرآن؛ باعتبار الجواب على هذا السؤال، ككتاب " الجوابات في القرآن " لمقاتل بن سليمان، وبعضهم يجمع بين الاسمين مثل " أسئلة القرآن وأجوبتها " لأبي بكر الرازي.
5-
غامض القرآن:
ومن هذا كتاب "كشف غوامض القرآن " لفخر الدين الطريحي.
6-
مشكل القرآن:
ومن هذا كتاب: " تأويل مشكل القرآن " لابن قتيبة -وبعضهم يسميه " مشكل القرآن"(1) ، وهو من أول الكتب المفردة في هذا الفن، وهو مطبوع متداول.
و" فوائد في مشكل القرآن " لسلطان العلماء العز بن عبد السلام.
و" مشكلات القرآن " لمحمد أنور الكشميري.
و" مشكل القرآن " للحكيم الترمذي، وهو أكثر الأسماء تداولا بين العلماء على هذا الفن، فقد وجدت ما يقارب العشرين عالما يطلقون عليه هذا اللفظ كما سيأتي (2) .
فيتحصل لنا من هذا، أن لهذا العلم سبعة أسماء عند العلماء.
(1) انظر: تأويل مشكل القرآن (3/202) .
(2)
في مبحث الكتب المؤلفة في هذا الفن بالتفصيل.
المبحث الثالث: التعريف بالطاعنين في القرن الرابع عشر الهجري
الطاعنون في كتاب الله هم المشككون فيه، الذين يوردون عليه الشبه والإشكالات والاضطرابات، يريدن بهذا إسقاط قدسية القرآن من قلوب المسلمين؛ لأن القرآن هو قطب رحى المسلمين الذي عليه يدورون، وهو العروة الوثقى التي بها يتمسكون، وهو المورد العذب الذي إليه يردون ومنه يصدرون. وهو أساس الإسلام وركن الشريعة الركين، الذي إذا سقط سقط كل البناء، وتهدم الصرح، وقوض الإسلام، ولم تبق للمسلمين باقية ولا قوة.
وقد كثر الطاعنون في كل قرن، ولكن هذا القرن تميز بنوعين من الطاعنين، وهم:
الصنف الأول: المستشرقون.
الصنف الثاني: العلمانيون، أو تلاميذ المستشرقين، أو العقلانيون
…
وفيما يلى نبذة مختصرة عن كل منهما:
أولا: المستشرقون:
الاستشراق (Orientalism) : تعبير يدل على الاتجاه نحو الشرق، ويطلق على كل ما يبحث في أمور الشرقيين وثقافتهم وتاريخهم، ويقصد به ذلك التيار الفكري الذي يتمثل في إجراء الدراسات المختلفة عن
الشرق، والتي تشمل حضارته، وآدابه، ولغاته، وثقافته (1) .
واستُغل في أكثر مراحله لخدمة الاستعمار، وتشويه تعاليم الدين.
ونشأ هذا الفكر لما عجز النصارى عن مواجهة المسلمين بالسيف، فرأوا أن أفضل طريقة لمحاربة المسلمين هو الغزو الفكري.
ولهم طرق كثيرة للوصول إلى أهدافهم منها: تأليف الكتب، وإصدار المجلات، وإلقاء المحاضرات في المنتديات عن الإسلام، والقرآن، والسنة، وتاريخ المسلمين، وإنشاء الجمعيات والمراكز التي تخدم أغراضهم، وعقد المؤتمرات السرية والعلنية، وإنشاء موسوعة دائرة المعارف الإسلامية وغيرها، وإرسال البعثات، وإنشاء جامعات وكليات غربية في بلاد الشرق، وغير ذلك من الوسائل، ولها آثار أكثرها سلبي وبعضها إيجابي.
(1) انظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة (2/697)، بإشراف الندوة العالمية للشباب: الإسلامي، مراجعة د. مانع بن حماد الجهني، الطبعة الثالثة، 1418، الناشر: دار الندوة العالمية للطباعة والنشر والتوزيع، الرياض، وأجنحة المكر الثلاثة وخوافيها، لعبد الرحمن حبنكة، دمشق، دار القلم، الطبعة الخامسة، 1986م.
- الاستشراق والتبشير، قراءة تاريخية موجزة، د. محمد السيد الجليند، دار النهضة بحرم جامعة القاهرة.
- رؤية إسلامية للاستشراق، أحمد غراب، من سلسلة إصدارات المنتدى الإسلامي.
- الاستشراق والمستشرقون. د. مصطفى السباعي، دار السلام، القاهرة.
- المستشرقون والإسلام. د. محمد قطب، مكتبة وهبة، القاهرة.
- صور استشراقية. د. عبد الجليل شبلي، دار الشرق، القاهرة.
- المستشرقون. د. عابد بن محمد السفيانى. دار الفرقان. القاهرة.
فمن الآثار السلبية:
1 -
الطعن في القرآن والسنة، وهما مصدر التشريع في الدين.
2 -
محاولة إحياء الفرق المنحرفة الميتة، أو أفكار بعض المنحرفين كالحلاج وغيره.
3 -
صد الناس عن الإسلام بتشويه تعاليمه كما فعلت الموسوعة البريطانية.
4 -
إخراج جيل من أبناء المسلمين منسلخ عن دينه بل محارب له.
5 -
التشكيك في الثوابت؛ كالجهاد، والحجاب، والميراث، والعقوبات الشرعية؛ كرجم الزاني، وقطع يد السارق، وقتل المرتد، وغير ذلك من الثوابت.
6 -
إخراج المرأة من جلبابها بتصوير الحجاب بأنه خرقة لا قيمة لها، ومحاولة مساواة المرأة للرجل في كل شيء، حتى في جواز تعدد الأزواج.
وأما الآثار الإيجابية فمنها:
1 -
شهادة المنصفين منهم لصدق الإسلام وإعجاز القرآن، حتى دفع الكثير منهم لإعلان إسلامه.
2 -
إخراج بعض الكنوز الإسلامية التي كانت مخطوطة بتحقيقها وطبعها.
3 -
عمل المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي.
ودوافع الاستشراق كثيرة ترجع إلى ثلاثة دوافع: استعماري، وديني، وعلمي (1) .
(1) انظر: المصادر السابقة والموجز في الأديان والمذاهب المعاصرة للعقل والقفاري (ص: 174 - 185) ، الطبعة الأولى، 1413، دار الصميعي، الرياض.
ثانيا: العلمانيون: ونقصد بهم تلاميذ أولئك المستشرقين؛ الذين رضعوا منهم أفكارهم، وطعونهم في كتاب الله، ومع هذا يدّعون الإسلام، ويتكلمون باسمه، ويزعمون أنهم بهذا ما يريدون إلا الإصلاح (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لَا يَشْعُرُونَ ( [البقرة:11، 12] . وينسبون أنفسهم للعلم، فيقولون: نحن علمانيون. تلبيسا على عامة الناس.
وخطر هؤلاء أشد (1) ؛ لأنهم باسم الإسلام يطعنون في الإسلام، وبزعم الدفاع عنه يحاربونه، وأسماؤهم كأسمائنا، وهم أبناء جلدتنا، فتلبيسهم على عامة الناس، بل على بعض الخاصة شديد، لذلك كان الرد على هؤلاء، وكشف أباطيلهم وتلبيساتهم من أعظم الواجبات، وآكد الفرائض، حتى تحذر الأمة منهم، وتسلم من شرهم؛ ففي الصحيحين عن حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ قال: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الْخَيْرِ وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنْ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ، فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ:«نعَمْ.» قُلْتُ: وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ: «نَعَمْ وَفِيهِ دَخَنٌ.» قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: «قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ
(1) انظر: كتاب: نقض مطاعن في القرآن الكريم، لمحمد عرفة، (ص: 82) .
هَدْيِي، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ» . قُلْتُ: فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: «نَعَمْ، دُعَاةٌ إِلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا» . قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا. فَقَالَ: «هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا» . قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: «تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ» ، قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ. قَالَ: «فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ» (1) .
وهناك نوع ثالث ولكن لا نستطيع أن نعدهم من الطاعنين، وإن كانوا قد عملوا أعمالا-سواء عن قصد أو عن غير قصد- فتحت الباب للطاعنين في القرآن (2) ؛ من تأويل غير مقبول في تفسير القرآن، أو جواب عن إشكال فيه تنازل وتسليم مبطن به، أو تحريف معاني كثير من الثوابت إلى معانٍ تساير العصر -بزعمهم- أو إلغائها بالكلية، أو تكلف الاستدلال بآية على ما لا تدل عليه من قريب أو بعيد (3) .
(1) متفق عليه: (البخاري: كتاب المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام، رقم: 3411، ومسلم: كتاب الإمارة، باب: وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند الفتن، رقم: 1847) .
(2)
انظر: اتجاهات التجديد فى تفسير القرآن الكريم، لاستاذنا الدكتور شريف، ص:737.
(3)
مثل إنكار المعجزات كلها ما عدا القرآن، وإنكار أشراط الساعة الصغرى وبعض الكبرى مثل نزول عيسى والمهدي ويأجوج مأجوج والدابة، وإنكار بعض الغيبيات مثل عالم الجن والملائكة، وإنكار تعدد الزوجات والحجاب وملك اليمين وإنكار السحر، وتأويل الطير الأبابيل بالجراثيم، إباحة بعض أنواع الربا؛ والزعم أن القرآن يدل على جواز تحضير الأرواح، وغير ذلك من سلسلة الأخطاء التي فتحها على مصراعيها تقديم العقل على النقل والانبهار بالعالم الغربي ومحاولة مسايرته. انظر: في بيان أخطاء هؤلاء والرد عليهم:
اتجاهات التفسير في العصر الراهن للدكتور عبد المجيد عبد السلام المحتسب، دار البيارق، الأردن، الطبعة الثالثة، 1982.
منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير، للدكتور فهد الرومي، مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الخامسة، 1422.
التفسير ومناهجه لدى مدرسة الإمام محمد عبده للدكتور محمود بسيوني فوده، مطبعة الأمانة، القاهرة.
العصرانيون بين مزاعم التجديد وميادين التغريب، لمحمد حامد الناصر، مكتبة الكوثر، الرياض، الطبعة الأولى، 1996. اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر، أ. د. فهد الرومي، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثالثة، 1997.
اتجاه التفسير فى العصر الحديث، للشيخ مصطفى محمد الطير، مطبعة مجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة 1975.
اتجاهات التجديد فى تفسير القرآن الكريم فى مصر، أ. د. محمد ابراهيم شريف، دار التراث القاهرة، الطبعة الأولى، 1982.
وهم بعض من ينتسب للمدرسة العقلية الحديثة التي تقدم العقل على النقل كالمعتزلة القديمة؛ يقول أستاذنا الدكتور محمد بلتاجي في مقدمة " كتابه مدخل إلى علم التفسير ": وأنه يتضمن عدة (مباحث في عرض وتقويم بعض الدراسات المعاصرة التي تتناول النص القرآني من منطلقات ومناهج باطلة تحاول أن ترتدي ثوب التجديد والتنوير، وإنما هي - في حقيقتها وجوهرها وأهدافها-نفس المزاعم التي طُعن بها في القرآن الكريم منذ أوحى الله تعالى به)(1) .
وقال حفظه الله: وقد ظهر في عصرنا الحاضر أفراد استخدموا بعض مصطلحات المعتزلة ومقولاتهم، وتمسحوا بهم لكنهم أمعنوا السير في الطريق، ولم يقفوا عند الحد الذي توقف عنده قدماء المعتزلة، بل
(1) مدخل إلى علم التفسير، للدكتور محمد بلتاجي، ص: 1، مكتبة الشباب:، مصر، 1998.
تجاوزوه تجاوزا خطيرا، زعموا فيه أن الفهم الحرفي للعرش والكرسي والملائكة والجن والقلم واللوح والسحر وغيرها، يقدم تصورات ذات طابع أسطوري -تجاوزه التاريخ- نبع من الواقع الثقافي للجماعة في عصر نزول هذه الآيات المتضمنة لهذه النصوص، كما زعموا أن كثيرا من الأحكام القرآنية أصبحت تاريخية، حيث تجاوزتها أوضاع العصر وثقافته، وظروفه ولم تعد صالحة للتطبيق فيه، وتمسحوا في ذلك ببعض اجتهادات عمر بن الخطاب رضي الله عنه (1) .
(1) المصدر السابق ص: 155.
الباب الأول (النظري) الطعن في القرآن: نشأته، أسبابه، مواجهته
الفصل الأول: تاريخ الطعن.
الفصل الثاني: أسباب الطعن في القرآن.
الفصل الثالث: مواجهة دعاوى الطعن في القرآن.
الفصل الأول: تاريخ الطعن في القرآن والكتب المؤلفة فيه
وفيه عدة مباحث:
المبحث الأول: أول من تكلم فيه
.
المبحث الثاني: أول من ألف فيه.
المبحث الثالث: اتجاهات العلماء في التأليف في هذا المجال.
المبحث الرابع: الكتب المؤلفة فيه.
المبحث الأول: أول من تكلم فيه
وجود الإشكال في فهم القرآن، والطعن فيه بسبب ذلك موجود منذ نزوله؛ لأن القرآن ينقسم إلى أربعة أقسام: قسم لا يجهله أحد، وقسم تعرفه العرب من لغتها، وقسم يعرفه الراسخون في العلم، وقسم لا يعلمه إلا الله، كما ورد عن ابن عباس (1) .
وأقدم نص وجدتُ فيه حدوث الإشكال على الفهم، والطعن في القرآن، واتهامه بالتعارض مع الحقائق، هو حديث الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: لَمَّا قَدِمْتُ نَجْرَانَ سَأَلُونِي فَقَالُوا: إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ (يَا أُخْتَ هَارُونَ (وَمُوسَى قَبْلَ عِيسَى بِكَذَا وَكَذَا. فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: «إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَ بِأَنْبِيَائِهِمْ وَالصَّالِحِينَ قَبْلَهُمْ» (2) .
وهذا الطعن الذي ذكر في الحديث، مع أن النبي أجاب عليه، إلا أنه لا يزال يردد إلى يومنا هذا، كما سترى فيما سيأتي إن شاء الله.
وقد تكلم القرآن عن كثير من الطاعنين، وذكر طعوناتهم، ثم رد
(1) أخرجه ابن جرير الطبري مسندا كما ذكر ذلك ابن كثير في تفسيره (1/7) ولم أجده في تفسير ابن جرير بعد البحث في مظانه، وانظر: الإتقان (3/7) .
(2)
أخرجه مسلم (كتاب الآداب، باب: النهي عن التكني بأبي القاسم، وبيان ما يستحب، رقم: 213) .
عليها ردا واضحا بينا مفحما؛ فبعضهم ادعى أنه يستطيع أن يأتي بمثل القرآن (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْءَايَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا.. (َ [الأنفال:31] ؛ فتحداهم الله تعالى أن يأتوا بمثله فعجزوا، فتحداهم أن يأتوا بعشر سور من مثله فعجزوا، ثم تحداهم أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا.
وبعضهم زعم أن هذه القرآن إنما هو من قصص الأولين وأساطير السابقين {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} [النحل:24] ، فرد الله عليهم أنه لا يعرف أن يقرأ ولا يكتب، فكيف ينقلها؟ ! ثم هذه الأساطير ليست خاصة بمحمد، بل هي كتب للجميع، فلماذا لا تحضرون لنا هذه الكتب التي نقل منها؟
وبعضهم قال: إنه تعلَّمه من غلام نصراني فقال الله تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} [النحل:103] .
وهكذا كلما قالوا شُبْهَةً، وطعنوا طعنا، رد الله عليهم بحجة واضحة، وسيأتي مزيد بحث في هذا الموضوع في مبحث مستقل.
وحصل طعن في القرآن في عصر الصحابة؛ ففي زمن عمر (كان في أجناد عمرو بن العاص (رجل يقال له صبيغ (1) ، كان يسأل عن متشابه القرآن، فكان يقول: ما المرسلات عرفا، ما العاصفات عصفا. تشكيكا وتعنتا، فأرسل به عمرو (إلى عمر (، فلما علم عمر بقدومه أمر رجلا أن يحضره وقال له: إن فاتك فعلت بك وفعلت. وكان عمر قد جهز له عراجين من نخل، فلما جاءه سأله عن أشياء ثم قال له:
(1) قال ابن منظور: (صبِيغٌ: اسم رجل كان يَتَعَنَّتُ الناسَ بسُؤَالات في مُشْكل القرآن، فأَمر عمر بن الخطاب بضربه، ونفاه إِلى البَصرة، ونَهي عن مُجالَسَتِه) ، لسان العرب (8 /439) .
من أنت؟ فقال: أنا عبد الله صبيغ. فقال: وأنا عبد الله عمر. فضربه حتى أدماه، ثم تركه حتى شفي، ثم ضربه حتى أدماه، ثم تركه حتى شفي، ثم ضربه حتى أدماه، ثم تركه حتى شفي، ثم أُحضر فقال صبيغ: يا أمير المؤمنين إن كنت تريد قتلي، فاقتلني قتلا جميلا، وإن كنت تريد أن تداويني، فقد والله برئتُ. فأرسله عمر إلى البصرة، وأمر واليها أبا موسى الأشعري بمنع الناس من مجالسته، فاشتد ذلك على الرجل، فأرسل أبو موسى إلى عمر أن الرجل حسنت توبته، فكتب عمر أن يأذن للناس بمجالسته، فلما خرجت الحرورية قيل لصبيغ: إنه قد خرج قوم يقولون كذا وكذا، وقد مات عمر. فقال: هيهات قد نفعني الله بموعظة العبد الصالح يعني عمر (1) .
و (أَخْرَجَ عَبْد بْن حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن زَيْد، عَنْ أَبِي الضُّحَى، أَنَّ نَافعَ بْنَ الْأَزْرَق، وَعَطِيَّةَ أَتَيَا اِبْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَا: يَا اِبْنَ عَبَّاس، أَخْبِرْنَا عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {هَذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ} [المرسلات: 35] وَقَوْله: (ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (
[الزمر: 31] وَقَوْلهِ: {وَاَللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الانعام: 23] وَقَوْلهِ:
{وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّه َحَدِيثًا} [النساء: 42] . قَالَ: وَيْحَكَ يَا ابْنَ الْأَزْرَقِ، إِنَّهُ يَوْمٌ طَوِيلٌ وَفِيهِ مَوَاقِفُ، تَأْتِي عَلَيْهِمْ سَاعَةُ لَا
(1) أخرجه مالك في الموطأ (2/455) تحقيق فؤاد عبد الباقي، مصر، دار إحياء التراث، ومعمر بن راشد في جامعه (11/426) تحقيق حبيب االأعظمي، بيروت، المكتب الإسلامي، الطبعة الثانية، 1403، والدارمي في سننه (1/66) تحقيق زمرلي، بيروت، دار الكتاب العربي، الطبعة الأولى، 1407، وإسناد القصة صحيح والقصة مشهورة، وانظر: الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي (2/152) دار الفكر، بيروت، 1414، فقد جمع أطراف القصة ورواياتها.
يَنْطِقُونَ، ثُمَّ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَخْتَصِمُونَ، ثُمَّ يَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ يَحْلِفُونَ وَيَجْحَدُونَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى أَفْوَاهِهمْ، وَتُؤْمَرُ جَوَارِحُهمْ، فَتَشْهَدُ عَلَى أَعْمَالِهْم بِمَا صَنَعُوا، ثُمَّ تَنْطِقُ أَلْسِنَتُهُمْ فَيَشْهَدُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِمَا صَنَعُوا، وَذَلِكَ قَوْله:{وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّه حَدِيثًا} [النساء: 42] . وَرَوَى اِبْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قُلْت0 لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ {هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ} [المرسلات: 35] ؟ فَقَالَ: إِنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَهُ حَالَاتٌ وَتَارَاتٌ، فِي حَال لَا يَنْطِقُونَ وَفِي حَال يَنْطِقُونَ) (1) .
وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنِّي أَجِدُ فِي الْقُرْآنِ أَشْيَاءَ تَخْتَلِفُ عَلَيَّ؛ قَالَ {فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ} [المؤمنون: 101] وقال: {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ} [الصافات: 27] ، وقوله (وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (
[النساء: 42]{وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الانعام: 23] فَقَدْ كَتَمُوا فِي هَذِهِ الْآيَةِ؟ ، وَقَالَ: {
…
أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا} [النازعات: 27] إِلَى قَوْلِهِ: (
…
دَحَاهَا (
[النازعات: 30] فَذَكَرَ خَلْقَ السَّمَاءِ قَبْلَ خَلْقِ الْأَرْضِ ثُمَّ قَالَ: {
…
أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ....} [فصلت: 9] إِلَى قَوْلِهِ: {طَائِعِينَ} [فصلت: 11] فَذَكَرَ فِي هَذِهِ خَلْقَ الْأَرْضِ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَاءِ؟.
وَقَالَ: {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الفتح: 14]{عَزِيزًا حَكِيمًا} [الفتح: 19]{سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء: 58] فَكَأَنَّهُ كَانَ ثُمَّ مَضَى؟
فَقَالَ ابن عباس: {فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ} [المؤمنون: 101] فِي النَّفْخَةِ الْأُولَى، ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ (..فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا
(1) فتح الباري لابن حجر العسقلاني (8/555) .
مَنْ شَاءَ اللَّهُ
…
(
[الزمر 68] فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ، ثُمَّ فِي النَّفْخَةِ الْآخِرَةِ (أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (.
وَأَمَّا قَوْلُهُ {
…
مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الانعام:23]{وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا} [النساء: 42] فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لِأَهْلِ الْإِخْلَاصِ ذُنُوبَهُمْ، فقَالَ الْمُشْرِكُونَ: تَعَالَوْا نقُلْ لَمْ نَكُنْ مُشْرِكِينَ، فَخُتِمَ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ، فَتَنْطِقُ أَيْدِيهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ عُرِفَ أَنَّ اللَّهَ لَا يُكْتَمُ حَدِيثًا، وَعِنْدَهُ {يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لو كانوا مسلمين} [الحجر: 2] .
وَخَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاءَ، ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ فِي يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ، ثُمَّ دَحَا الْأَرْضَ؛ وَدَحْوُهَا أَنْ أَخْرَجَ مِنْهَا الْمَاءَ وَالْمَرْعَى، وَخَلَقَ الْجِبَالَ، وَالْجِمَالَ، وَالْآكَامَ، وَمَا بَيْنَهُمَا فِي يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: (دَحَاهَا (وَقَوْلُهُ: {خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ} [فصلت: 9] فَجُعِلَتِ الْأَرْضُ وَمَا فِيهَا مِنْ شَيْءٍ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، وَخُلِقَتِ السَّمَوَاتُ فِي يَوْمَيْنِ.
{وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الفرقان: 70] سَمَّى نَفْسَهُ ذَلِكَ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ أَيْ لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُرِدْ شَيْئًا إِلَّا أَصَابَ بِهِ الَّذِي أَرَادَ، فَلَا يَخْتَلِفْ عَلَيْكَ الْقُرْآنُ، فَإِنَّ كُلًّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ (1) .
وغير ذلك من الآثار، وكلما بعد العهد بعصر النبوة، كلما زادت الإشكالات والطعون في القرآن.
واشتهر ابن عباس رضي الله عنه بالرد على من طعن في القرآن، كما سبق، وسيأتي التمثيل لذلك بأمثلة أخرى إن شاء الله.
(1) أخرجه البخاري معلقا (كتاب تفسير القرآن، باب: سورة حم السجدة (فصلت)) ، وقال الحافظ ابن حجر كما في الفتح (8/418) : وصله الطبري وابن أبي حاتم بإسناد على شرط البخاري في الصحة.
المبحث الثاني: أول من ألف فيه
ذكر السيوطي (1) أن أول من ألف فيه هو قطرب (2) ، واسم كتابه "الرد على الملحدين في متشابه القرآن"(3) ، وهذا غير صحيح؛ فإن الإمام سفيان بن عيينه (4) له فيه كتاب هو "جوابات القرآن"(5)
وقد توفي
(1) في الإتقان في علوم القرآن (3/79)، وانظر: البرهان في علوم القرآن للزركشي (2/53) ، والفهرست لابن النديم (1/57) .
(2)
هو محمد بن المستنير أبو على البصري المعروف بقطرب، أحد العلماء بالنحو واللغة، أخذ عن سيبويه وعن جماعة من العلماء البصريين، ويقال: إن سيبويه لقبه قطربا لمباكرته إياه في الاسحار قال له يوما: ما أنت إلا قطرب ليل. والقطرب: دويبة تدب ولا تفتر. نزل قطرب بغداد وسُمع منه بها أشياء من تصانيفه، وروى عنه محمد بن الجهم السمري، وكان موثقا فيما يحكيه، وبلغني أنه مات في سنة ست ومائتين (انظر: تاريخ بغداد (3/298) للخطيب البغدادي، بيروت، دار الكتب العلمية.
(3)
ذكر هذا ابن النديم في الفهرست (ص: 78) دار المعرفة، بيروت، 1398هـ، الداوودي في طبقات المفسرين (2/256) . دار الكتب العلمية، بيروت.
(4)
هو الإمام المجتهد الحافظ الحجة شيخ الإسلام سفيان بن عيينه الهلالي الكوفي، ولد سنة سبع ومائة (10) ، تتلمذ على الأئمة كابن دينار والزهري وابن المعتمر وغيرهم، وتلمذ عليه الأئمة كالشافعي وأحمد بن حنبل وابن معين وغيرهم، ومات سنة ثمان وتسعين ومائة، انظر: ترجمته في طبقات المفسرين للداوودي (1/196-198) ، دار الكتب العلمية، بيروت.
(5)
ذكره ابن النديم في الفهر ست (ص: 51) ،، والداوودي في الطبقات (1/198) .
ولكن قال ابن أبي حاتم في"الجرح والتعديل"في ترجمة محمد بن أيوب بن هشام المزني المعروف بكاكا الرازي قال: روى عن الحميدي عن بن عيينة (جوابات القرآن) وروى عن الأصمعي نا عبد الرحمن، قال: سألت أبى عنه فقال: هذا كذاب لم يكن عند الحميدي من هذا شيء، وهذا شيخ كذاب) انظر: كتاب الجرح والتعديل (7/198) ، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأولى، 1952، فالله أعلم.
قبل قطرب، بل إن هناك من هو قبل الإمام سفيان أيضا، وهو الإمام مقاتل بن سليمان (1) فله كتاب " الجوابات في القرآن "، ولكن هذه الكتب الثلاثة مفقودة.
ولعل أقدم الكتب التي وصلت إلينا في هذا العلم مفردا، هو كتاب ابن قتيبة (2)"مشكل القرآن". وأما الجواب عن بعض الإشكالات القرآنية في ثنايا الكتب، من غير إفراد لهذا الموضوع، فكثير؛ فقد رد الإمام مالك في موطأه على
(1)(كبير المفسرين أبو الحسن مقاتل بن سليمان البلخي، قال ابن المبارك: وأحسن ما أحسن تفسيره لو كان ثقة قيل: إن المنصور ألح عليه ذباب:، فطلب مقاتلا فسأله لم خلق الله الذباب. قال ليذل به الجبارين. وقيل: إنه قال: سلوني عما دون العرش. فقالوا: أين أمعاء النملة؟ فسكت: وسألوه: لما حج آدم من حلق رأسه؟ فقال لا أدري. قال وكيع كان كذابا. مات مقاتل سنة نيف وخمسين ومائة قال البخاري: مقاتل لا شيء ألبتة. قلت-القائل الذهبي-: أجمعوا على تركه) انظر: سير أعلام النبلاء (7/201-202) بتصرف.
(2)
ابن قتيبة: العلامة الكبير ذو الفنون أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، وقيل: المروزي الكاتب، صاحب التصانيف، نزل بغداد وصنف وجمع وبعد صيته، وقد ولي قضاء الدينور، وكان رأسا في علم اللسان العربي والأخبار وأيام الناس، ومات رحمه الله وذلك في شهر رجب سنة ست وسبعين ومئتين. انظر: سير أعلام النبلاء (13/296-300) بتصرف، طبعة مؤسسة الرسالة، بيروت، الطابعة التاسعة، 1413.
أهل القدر، الذين احتجوا ببعض الآيات على مذهبهم (1) ، وخصص الإمام أحمد القسم الأول من كتابه "الرد على الزنادقة والجهمية "(2) في الرد على من زعم أن القرآن متناقض، وأسماه باب بيان ما ضلت فيه الزنادقة من متشابه القرآن وذكر فيه اثنتين وعشرين مسألة.
وكذلك أبو الحسين محمد بن أحمد الملطي (3) المتوفى سنة 377هـ صنف كتابه " التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع " أفرد فيه بابا لمتشابه القرآن، وما يتوهم أنه من الاختلاف والتناقض، نقل فيه ما أخذه هو من الثقات عن مقاتل بن سليمان (4) .
(1) في كتاب"الجامع في باب: النهي عن القول في القدر"، وباب: ما جاء في أهل القدر.
(2)
طبعته المطبعة السلفية في القاهرة سنة 1393 بتحقيق محمد حسن راشد، وعدد صفحاته ثلاث وأربعون صفحة.
(3)
(محمد بن أحمد بن عبد الرحمن أبو الحسين الملطي المقرئ الفقيه الشافعي نزيل عسقلان، قال الداني: أخذ القراءة عرضا عن أبي بكر بن مجاهد وأبي بكر ابن الأنباري وجماعة، مشهور بالثقة والإتقان، وسمعت إسماعيل بن رجاء يقول: كان أبو الحسين كثير العلم كثير التصنيف في الفقه جيد الشعر، قلت: له قصيدة في وصف القراءة كالخاقانية أولها:
أقول لأهل اللب والفضل والحجر مقال مريد للثواب وللأجر
وقد حدث عن عدي بن عبد الباقي وخيثمة الأطرابلسي وأحمد بن مسعود الوزان، وروى عنه إسماعيل بن رجاء وعمر بن أحمد الواسطي وداود بن مصحح وعبيد الله بن سلمة المكتب وقرأ عليه الحسن بن ملاعب الحلبي. [معرفة القراء الكبار، للإمام الذهبي (1/343) ، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى، 1404هـ] .
(4)
انظر: رسالة"موهم الاختلاف والتناقض في القرآن"ص: 17.
المبحث الثالث: اتجاهات العلماء في التأليف في هذا المجال
للعلماء في الكتابة في هذا الفن عدة اتجاهات؛ لأن منهم من يقف عند المادة التي يدرسها، والإشكالات التي ترد عليها. ومنهم من يفرد لهذه الطعون كتباً - أو أجزاء من كتب - ثم يرد عليها. وثمة من يركز على شبيهات كتاب أو شخص بعينه، ومن هؤلاء من يهتم بالطعون من حيث هي، دون التفات لقائلها.. وبيان ذلك على النحو التالي:
المطلب الأول: من حيث المادة التي تدرس فلهم فيها اتجاهان على سبيل الإجمال:
1-
الجواب على الطعون والإشكالات اللغوية والنحوية:
مثل كتاب " مشكل إعراب القرآن "(1) للقيسي (2) ، و" إعراب مشكل
(1) في مجلدين تحقيق ياسين السواس، طبع دار المأمون للتراث، دمشق.
(2)
والقيسي هو: أبو بكر محمد مكي بن أبي طالب حموش بن حمد بن مختار القيسي المقرئ أصله من القيروان، وانتقل إلى الأندلس، وسكن قرطبة، وهو من أهل التبحر في العلوم خصوصا القرآن، كثير التصنيف والتصانيف عاش اثنين وثمانين سنة، ورحل غير مرة وحج وجاور، وتوسع في الرواية، وبعد صيته وقصده الناس من النواحي لعلمه ودينه، وولى خطابة قرطبة، وكان مشهورا بالصلاح والخلق جيد الدين والعقل، توفي سنة ثمانية وسبعين وخمسمائة. انظر: شذرات الذهب (2/260) .
القرآن " (1) لثعلب (2) ، وهذا الاتجاه يجيب عن كل إشكال لغوي ونحوي، وهو في حقيقته دفاع عن قوله تعالى: {إنا أنزلناه قرآنا عربيا
…
} [يوسف:2]، ولعل أول الطعون اللغوية ما اشتهر باسم مسائل ابن الأزرق (3) مع ابن عباس:
عن حميد الأعرج، وعبد الله بن أبي بكر بن محمد، عن أبيه قال بينا عبد الله بن عباس (جالس بفناء الكعبة، قد اكتنفه الناس يسألونه عن تفسير القرآن فقال نافع بن الأزرق لنجدة بن عويمر: قم بنا إلى هذا الذي يجترئ على تفسير القرآن بما لا علم له به. فقاما إليه فقالا: إنا نريد أن نسألك عن أشياء من كتاب الله، فتفسرها لنا، وتأتينا بمصادقة من كلام العرب؛ فإن الله تعالى إنما أنزل القرآن بلسان عربي مبين فقال ابن عباس: سلاني عما بدا لكما.
(1) ذكره القزويني في التدوين في أخبار قزوين (2/152) ، تحقيق عزيز الله العطاردي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1987.
(2)
وثعلب هو: أبو العباس ثعلب أحمد بن يحيي بن يزيد الشيباني، مولاهم العبسي البغدادي، علامة الأدب، شيخ اللغة والعربية، حدث عن غير واحد، وعنه واحد منهم الأخفش الصغير، وسمع من القواريري مائة ألف حديث فهو من المكثرين، وسيرته في الدين والصلاح مشهورة، صنف التصانيف المفيدة، منها كتاب الفصيح وهو صغير الحجم كبير الفائدة، وكتاب القراءات، وكتاب إعراب القرآن وغير ذلك، توفي سنة تسع وثلاثين ومائة. انظر: شذرات الذهب (1/207) .
(3)
هو: نافع بن الأزرق الذى ينتسب إليه الأزارقة أحد زعماء الخوارج، قتل في جمادى الآخرة سنة 65هـ بالبصرة، الكامل في التاريخ، بتحقيق عبد الله القاضي، (4 / 15) ، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية، 1995م.
فقال نافع: أخبرني عن قول الله تعالى: (عن اليمين وعن الشمال عزين (قال العزون الحِلق الرقاق. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم أما سمعت عبيد بن الأبرص وهو يقول:
فجاؤوا يُهرعون إليه حتى *
* يكونوا حول منبره عزينا
قال: أخبرني عن قوله: (وابتغوا إليه الوسيلة (قال الوسيلة الحاجة. قال وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت عنترة وهو يقول:
إن الرجال لهم إليك وسيلة *
* إن يأخذوك تكحلي وتخضبي
قال: أخبرني عن قوله: (شرعة ومنهاجا (قال: الشرعة الدين، والمنهاج الطريق. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال نعم، أما سمعت أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وهو يقول:
لقد نطق المأمون بالصدق والهدى *
ج * وبين للإسلام دين ومنهاجا
قال: أخبرني عن قوله (إذا أثمر وينعه (قال: نضجه وبلاغه. قال وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر:
إذا ما مشت وسط النساء تأودت *
* كما اهتز غصن ناعم النبت يانع
قال: أخبرني عن قوله تعالى: (وريشا (قال: الريش المال. قال وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت الشاعر يقول:
فرشني بخير طالما ما قد ريتني*
* وخير الموالي من يريش ولا يبري
قال: أخبرني عن قوله تعالى: (لقد خلقنا الإنسان في كبد
(قال: في اعتدال واستقامة. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال نعم، أما سمعت لبيد بن ربيعة وهو يقول:
يا عين هلا بكيت أربد إذ *
* قمنا وقام الخصوم في كبد
قال: أخبرني عن قوله تعالى: (يكاد سنا برقه (قال: السنا الضوء. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت أبا سفيان بن الحارث يقول:
يدعو إلى الحق لا يبغي به بدلا *
* يجلو بوء سناه داجي الظلم
ج
قال: أخبرني عن قوله تعالى: (وحفدة (قال: ولد الولد، وهم الأعوان. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت الشاعر يقول:
حفد الولائد حولهن وأسلمت *
جج * بأكفهن أزمة الأجمال
جج قال: أخبرني عن قوله تعالى: (وحنانا من لدنا (قال: رحمة من عندنا. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال نعم، أما سمعت طرفة بن العبد يقول:
أبا منذرٍ أفنيتَ فاسْتَبقِ بعضنا حنانيك بعض الشرِ أهونُ من بعضِ
قال: أخبرني عن قوله تعالى: (أفلم ييأس الذين آمنوا (قال: أفلم يعلم بلغة بني مالك. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال نعم، أما سمعت مالك بن عوف يقول:
لقد يئس الأقوامُ أني أنا ابنُه وإن كنتُ عن أرضِ العشيرة نائبًا
قال: أخبرني عن قوله تعالى: (مثبورا (قال: ملعونا محبوسا من الخير. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال نعم، أما سمعت عبد الله بن الزُّبَعْرَي يقول:
إذ أتاني الشيطان في سنة النو *
* م ومن مال ميله مثبورا
قال: أخبرني عن قوله تعالى: (فأجاءها المخاض (قال: ألجأها. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت حسان بن ثابت يقول:
إذ شددنا شدة صادقة * * فأجأناكم إلى سفح الجبل قال: أخبرني عن قوله تعالى: (نديا (قال: النادي المجلس. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم، أما سمعت الشاعر يقول:
يومان يوم مقامات وأندية * * ويوم سير إلى الأعداء تأويب
إلى آخر تلك المسائل، وقد جاءت في كتاب "الإتقان" للسيوطي في أكثر من ثلاثين صفحة (1) .
وقد بلغت الأبيات التى استشهد بها ابن عباس في شرح ألفاظ القرآن الكريم التي سئل عنها مائة وواحداً وتسعين بيتا. يقول السيوطي عنها: أنه حذف منها بضعة عشر سؤالاً، وهذا يدل على أن أسئلة نافع بن الأزرق وأجوبة ابن عباس والأبيات التي استشهد بها قد زادت كل منها على المائتين. (2) .
2-
الجواب على الطعون والإشكالات المعنوية:
أي الطعون التي سببها عدم فهم المعنى، أو القصور في فهمه، أو سوء القصد، وهذا النوع هو الأكثر، ويذكر في ثنايا هذه الكتب الجواب على المطاعن، والإشكالات العقدية والفقهية واللغوية أيضا؛ إذا كان لها
(1) انظر: الإتقان للسيوطي (2/55-88) تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم.
(2)
مدخل إلى علم التفسير: 71، 72.
أثر في فهم المعنى، وهذا النوع هو الأكثر والأشهر، وهو الذي نتكلم عنه في هذا البحث ومن ذلك:
الجمع بين قوله: {لا مبدل لكلماته} [الكهف: 27] مع ما حصل من النسخ، والجمع بين قوله:{في يوم كان مقداره ألف سنة} [السجدة: 55] مع قوله: {في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة} [المعارج: 4]، والجمع بين قوله: (لا أقسم بهذا البلد (. [البلد: 1] وقوله: (وهذا البلد الأمين (. [التين: 3] إلى غير ذلك من المسائل والتى ستذكر كثيرا منها فى هذه الرسالة.
المطلب الثاني: من جهة إفراده في التأليف، فإن العلماء يتجهون في الكتابة في هذا الموضوع إلى اتجاهين:
الأول: إفراد هذه الطعون بكتب والرد عليها، مثل كتاب "مشكل القرآن " لابن قتيبة وغيره من الكتب التي سوف يأتي ذكر لها في المبحث القادم.
الثاني: ذكر الطعن في ثنايا الكتاب والرد عليه، كما فعل بيان الحق النيسابوري في كتابه "وضح البرهان في مشكلات القرآن "(1) ، والرازي في كتابه " مفاتيح الغيب "، وكثير من المفسرين الذي يتعرضون للرد على هذه الطعون في ثنايا كتبهم.
(1)"وضح البرهان في مشكلات القرآن"لبيان الحق النيسابوري، تحقيق صفوان داوودي، دار القلم، دمشق، الطبعة الأولى، 1990.
المطلب الثالث: من حيث المردود عليه، ولهم في ذلك طريقتان:
الأولى: تهتم بالرد على شبهات وطعونات شخص معين أو كتاب معين، مثل ابن حزم الأندلسي في رده على ابن النغريلة اليهودي، ومثل الرد على طه حسين في زعمه وجود أحرف زائدة في القرآن وإنكاره قصته إبراهيم، ونصر أبو زيد في دعواه وجوب التحرر من تطبيق نصوص الكتاب والسنة، والرد على دائرة المعارف الإسلامية في زعمها تحريف القرآن ونقله من التوراة والإنجيل وغير ذلك مما سيأتي في تفصيله والرد عليه.
الثانية: تهتم في الطعون من حيث هي، بغض النظر عمن قالها؛ فيجمع الطعون ثم يرد عليها، مثل " الروض الريان في أسئلة القرآن " لشرف الدين بن ريان، و"وضح البرهان "السابق لبيان الحق النيسابوري، و" دفع إيهام الاضطراب عن آي الكتاب " للشنقيطي وغيرهم، وهذه الطريقة هي الأشهر في هذا الباب، وهي الطريقة التى سرت عليها في هذه الرسالة.
المبحث الرابع: الكتب المؤلفة فيه
وهذا المبحث كالكشاف الذي يُعرِّف بالكتب المؤلفة في هذا الفن، وأسمائها، ومؤلفيها، وأماكن طبعها إن كانت مطبوعة، أو أماكن وجودها إن كانت مخطوطة، أو أماكن ذكرها في الكتب إن كانت مفقودة، وهي كالتالي:
- أولا: المطبوع:
1-
"فوائد في مشكل القرآن "لسلطان العلماء العز بن عبد السلام. طبع عام 1387 ثم 1402 بتحقيق سيد د/سيد رضوان الندوي، نشرته دار الشروق في جدة.
2-
"مشكلات القرآن" لمحمد أنور الكشميري. سلسلة مطبوعات المجلس العلمي، الهند، الطبعة الثانية.
3-
"أضواء على متشابهات القرآن"، لخليل ياسين. من منشورات دار ومكتبة الهلال، بيروت، الطبعة الثانية، 1980.
4-
"الإكليل في المتشابه والتأويل "لابن تيمية. طبع في القاهرة، 1394، رسالة صغيرة.
5-
"درة التنزيل وغرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز"، للخطيب الإسكافي (420هـ) . طبع في بيروت عن دار الآفاق الجديدة سنة 1979، في مجلد من 544 صفحة.
6-
"رد معاني الآيات المتشابهات إلى معاني الآيات المحكمات "، لمحمد الأسعردي الدمشقي شمس الدين ابن بلبان (749هـ) . انظر معجم المطبوعات:229.، وسماه الداوودي: "إزالة الشبهات عن الآيات والأحاديث المتشابهات" كما في طبقات المفسرين للداوودي (ص: 81) .
7-
كتاب " مشكل القرآن " أو " تأويل مشكل القرآن " لابن قتيبة، وقد تقدم.
8-
كتاب "المسائل والأجوبة في الحديث والتفسير" لابن قتيبة أيضا، طبعته دار ابن كثير في دمشق، الطبعة الأولى، 1990.
9-
"متشابه القرآن" للسيوطي (911هـ) مطبوع في القاهرة، ولا تاريخ له.
10-
"وضح البرهان في مشكلات القرآن" لبيان الحق النيسابوري، حققه صفوان داوودي، وطبعته دار القلم في دمشق 1990، الطبعة الأولى.
11-
"متشابه القرآن" لعبد الجبار الهمذاني (415هـ) طبع في القاهرة: دار التراث 1969، تحقيق عدنان زرزور.
12-
"متشابه القرآن" لعدنان زرزور، طبع في دمشق دار المعارف، 1970.
13-
"متشابه التنزيل" لمؤلف مجهول. طبع في مكة في المطبعة المنيرية سنة 1311هـ.
14-
"تنزيه القرآن عن المطاعن" للقاضي عبد الجبار. طبع في بيروت، دار النهضة بتحقيق عدنان زرزور.
15-
"تفسير المشكل من غريب القرآن"، لأبي محمد مكي بن أبي طالب القيسي طبع سنة 1406هـ، في الرياض نشر مكتبة المعارف بتحقيق د: على حسين البواب، وهو صاحب كتاب "مشكل إعراب القرآن" المتقدم ذكره في مبحث اتجاهات العلماء في التأليف في هذا المجال.
16-
كتاب "القرطين" لابن مطرف الكناني، جمع فيه بين كتابي مشكل القرآن وغريبه لابن قتيبة. طبع بمطبعة دار المعرفة في بيروت.
17-
"باهر القرآن في معاني مشكلات القرآن" لبيان الحق النيسابوري. طبع بمطابع جامعة أم القرى في المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى، 1997، تحقيق سعاد بنت صالح بابقي.
18-
"مدخل تفسير القرآن والرد على الملحدين "، للحدادي طبع في دار القلم بدمشق، بتحقيق صفوان داوودي.
19-
"فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن "، لشيخ الإسلام أبي يحيي بن زكريا الأنصاري. طبع عام 1403 بتحقيق محمد الصابوني، بمطابع دار القرآن الكريم في بيروت.
20-
"إيضاح المشكلات "للكشاني. ذكره الزركلي في الأعلام (6/63) ورمز له بأنه مطبوع.
21-
"دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب"، محمد الأمين الشنقيطي (صاحب الأضواء) . طبعته مكتبة ابن تيمية، القاهرة، الطبعة الأولى، 1997.
22-
"دفاعا عن القرآن ضد منتقديه"، د/عبد الرحمن بدوي. طبعته الدار العالمية للكتب والنشر.
23-
" ملاك التأويل "لابن الزبير الغرناطي. دار النهضة العربية، بيروت، 1985.
24-
" الروض الريان في أسئلة القرآن "، شرف الدين ابن ريان. طبع مكتبة دار العلوم والحكم في المدينة المنورة، الطبعة الأولى، 1994.
25-
"رد معاني الآيات المتشابهات إلى معاني الآيات المحكمات "لابن اللبان (49هـ) . انظر: معجم المطبوعات العربية (ص: 229) ليوسف إلياس سركيس، القاهرة، الطبعة الأولى، 1928.
-ثانيا: المخطوط:
1-
"أسئلة القرآن وأجوبتها" لأبي بكر الرازي. ومنه نسخة مخطوطة في جامعة الملك سعود في الرياض.
2-
"أوضح البرهان في مشكلات القرآن "، لمؤلف مجهول. منه نسخة مخطوطة محفوظة بدار الكتب الوطنية بتونس تحت رقم: 3540، مكتوبة سنة 1221هـ.
3-
"توضيح المشكل في القرآن"، لسعيد الغساني بن الحداد. منه قطعة مخطوطة في جامع القيروان.
4-
"حل الآيات المتشابهات"، لابن فورك (406هـ) . مخطوط في 74 ورقة بخزانة عاطف باستنبول تحت رقم 433.
5-
"حل متشابهات القرآن" ويسميه بعضهم "درة التأويل في متشابه التنزيل" ويسميه آخرون "كشف مشكلات القرآن "، للراغب الأصفهاني. انظر مقدمة تحقيق كتاب المفردات للراغب تحقيق عدنان داوودي، ص: 9، وهو مخطوط في مكتبة راغب باشا رقم 180، وله مخطوطة أخرى في المتحف البريطاني.
6-
"مشكلات القرآن" لأبي داود سليمان بن أشعث السجستاني، صاحب السنن. توجد منه نسخة خطية في فاتح كتبخانه سي في استنبول بتركيا رقمه في الفهرس (646) .
7-
"الموضح في معاني القرآن وكشف مشكلات الفرقان "، لعبد العزيز الصيدلاني المرزباني من علماء القرن الرابع الهجري. منه نسخة مخطوطة في مكتبة أيا صوفيا رقم (297) .
8-
"إزالة الشبهات عن الآيات والأحاديث المتشابهات "لابن اللبان (749هـ) . انظر الأعلام للزركلي (5/327) ورمز له أنه مخطوط.
ثم إني وجدت كتابا حافلا جامعا لأغلب المخطوطات الإسلامية في العالم؛ وهو كتاب "الفهرس الشامل للتراث العربي الإسلامي المخطوط" من إصدار المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية، ويطلق عليها اسم "مؤسسة آل البيت" في الأردن، وتم إصدار سبعة وعشرين مجلدا منه، منها في علوم القرآن "مخطوطات التفسير وعلومه" في مجلدين، يذكر فيه عنوان المخطوط، واسم مؤلفه، ومكان وجوده، ورقمه فيه، وهو مرتب هجائيا. ومن المخطوطات التي وجدتها داخلة في علم مشكل القرآن:
9 -
الأجوبة الجلية على الأسئلة الخفية للمصري.
10-
الأجوبة السنية على الأسئلة الرومية.
11-
أجوبة على أحد عشر سؤالا تتعلق بمشكلات تفسير القرآن الذي وضعه العز بن عبد السلام للسندي.
12-
استشكالات عمر بن عبد السلام في تفسير الفاتحة، والأجوبة عنها لابن زكريا. 13- الأسئلة المفخمة في الأجوبة المفهمة للرازي.
14-
أسئلة القرآن وأجوبتها للواحدي.
15-
وبنفس العنوان للرازي.
16-
ولعزة سيدي.
17-
وللمصري.
18-
متشابه القرآن للكسائي.
19-
حل مشكلات القرآن للمرعشي.
20-
شرح مغمضات القرآن.
21-
أوضح البرهان في مشكلات القرآن.
22-
الأنوار في مشكلات آيات من القرآن للشطيببي.
23-
التبيان في متشابه القرآن للسيوطي.
24-
تتمة البيان لما أشكل من القرآن لأبي شامة.
-ثالثا: المفقود:
1-
" جوابات القرآن " لسفيان بن عيينة (1) . ذكره ابن النديم في الفهرست (ص: 51) ، دار المعرفة، بيروت، 1398هـ، والداوودي في الطبقات (1/198) .
2-
"الآيات المتشابهات "لبقي بن مخلد. انظر معجم مصنفات القرآن الكريم (4/194) ، الدكتور / على شواخ إسحاق، الرياض، دار الرفاعي، الطبعة الأولى، 1404.
3-
"الرد على الملحدين في متشابه القرآن"، لقطرب. ذكره ابن النديم في الفهرست (ص: 78) وذكر الزركشي أنه اطلع عليه كما في البرهان في علوم القرآن (2/53) .
4-
"مشكل القرآن " للحكيم الترمذي. ذكره القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرآن (15/30) ، بيروت، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1408.
(1) ولكن قال ابن أبي حاتم في"الجرح والتعديل"في ترجمة محمد بن أيوب بن هشام المزني المعروف، بكاكا الرازي قال: روى عن الحميدي عن ابن عيينة"جوابات القرآن"وروى عن الأصمعي نا عبد الرحمن، قال: سألت أبى عنه، فقال: هذا كذاب، لم يكن عند الحميدي من هذا شيء وهذا شيخ كذاب انظر: كتاب الجرح والتعديل (7/198) ، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأولى، 1952، فالله أعلم.
5-
" معاني القرآن وغريبه ومشكله"للمفضل بن سلمة. انظر الفهرست لابن النديم (1/51) ، والمفضل هو ابن سلمة بن عاصم أبو طالب، وكان فهما فاضلا، كوفي المذهب، أديبًا لغويًا، كان حيًّا في سنة تسعين ومائتين (انظر تاريخ بغداد للخطيب (13/124) .
6-
"معاني القرآن وتفسيره ومشكله" لابن جراح الوزير. انظر الفهرست لابن النديم (1/51) .
7-
"مشكل القرآن " لابن الأنباري. ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء (15/512) ، وابن طاهر في تذكره الحفاظ (3/875) تحقيق حمدي السلفي، دار الصميعي، الرياض، الطبعة الأولى، 1415، وطبقات المفسرين للداوودي (ص: 231) .
8-
"مشكل القرآن "لأبي محمد القتيبي. ذكره القزوينى في "التدوين في أخبار قزوين"(2/183) .
9-
"معاني مشكل القرآن "لبعض تلامذة المبرد. ذكره السيوطي في كتاب التطريف في التصحيف (ص: 25) ، تحقيق على حسين البواب، دار الفائز، عمان الأردن، الطبعة الأولى، 1409.
10-
" مشكل القرآن " لابن فورك. ذكره ياقوت الحموي في معجم البلدان (1/237) ، بيروت، دار الفكر.
11-
"مشكلات التفسير "لقطب الدين محمود الشيرازي. ذكره حاجى خليفة في كشف الظنون (2/1695) .
12-
"مشكلات القرآن "لمكي بن أبي طالب القيسي. المصدر السابق في نفس الصفحة.
13-
"جوابات القرآن "لأحمد المهرجاني المقرىء. ذكره ابن كثير الداوودي في طبقات المفسرين (1/55) .
14-
"البرهان في مسائل القرآن"لابن قدامة المقدسي. ذكره ابن كثير في البداية والنهاية (13/99) ، والأعلام (4/67) .
15-
"البرهان في مشكلات القرآن " لأبي المعالي بن منصور الجيلي المعروف بشيذله (494هـ) . ذكره في وفيات الأعيان (1/318) ، كشف الظنون (1/241)، وطبقات المفسرين لأحمد الأدنروي (ص: 407) ، الأعلام للزركلي (4/232) .
16-
"بيان مشتبه القرآن " لعيسى اللخمي الشرشيني (629هـ) . لسان الميزان لابن حجر (4/401) غاية النهاية (1/609) .
17-
"تأويلات القرآن" لأبي منصور الماتريدي (333هـ) . ذكره في الأعلام (7/242) .
18-
"تأويل متشابهات القرآن " لابن شهر آشوب (588هـ) . انظر الأعلام (7/167) .
19-
"التبيان في مسائل القرآن " لأحمد بن إسماعيل الطالقاني القزويني (589هـ) . انظر الأعلام (1/93) .
20-
" تيجان التبيان في مشكلات القرآن" لمحمد أمين الخطيب العمري (1203هـ) . انظر الأعلام (6/41) .
21-
"ري الظمآن في متشابه القرآن " لأبي محمد الأنصاري الأندلسي النحوي. انظر إيضاح المكنون (3/604) .
22-
كتاب "التنزيه وذكر متشابه القرآن " للنوبختي. انظر إيضاح المكنون (4/283) .
23-
كتاب "الجوابات في القرآن" ذكره "تاريخ التراث العربي" لفؤاد سزكين (1/200) .، لمقاتل بن سليمان، وله أيضا (متشابه القرآن) ذكره " الأعلام "(8/206) . وله (الآيات المتشابهات)"طبقات المفسرين "للداوودي (2/331) . وكلها مفقودة، ولعلها أسماء لنفس الكتاب.
24-
"كشف غوامض القرآن" لابن طريح الرماحي النجفي (1085هـ) ذكره "الأعلام"(5/337) .
25-
"كشف المعاني عن متشابه المثاني" لابن جماعة (733هـ) ذكره "إيضاح المكنون"(4/367) .
26-
"متشابه القرآن" للكسائي (187هـ) ذكره "تاريخ التراث العربي" لفؤاد سزكين (1/221) .
27-
"متشابه القرآن "لأبي الحسن بن المنادي. انظر "تاريخ التراث العربي" لفؤاد سزكين (1/213) .
28-
"متشابهات الكتاب" للسخاوي. ذكره "إيضاح المكنون "(4/426) .
29-
"مجالس في المتشابه من الآيات القرآنية" لابن الجوزي. ورد ذكره في مصادر ترجمته، انظر على سبيل المثال: الأعلام (4/89) .
30-
"مشكل القرآن" لابن مطرف الكناني. ذكره "الأعلام"(6/206) .
31-
"هداية الصبيان لفهم بعض مشكل القرآن "للميهي المقري الشافعي. ذكره إيضاح المكنون (1/582) .
32-
"البرهان في مسائل القرآن "لعبد الله الجماعيلي الميقدسي (ت620هـ) . انظر البداية والنهاية لابن كثير (13/99) بيروت، الطبعة الأولى، 1977.
33-
"ضياء القلوب من معاني القرآن وغريبه ومشكله " للمفضل بن سلمة. ذكره ابن النديم في الفهرست (1/51) .
34-
كتاب ابن جراح الوزير "في معاني القرآن وتفسيره ومشكله". ذكره ابن النديم في الفهرست (1/51) .
35-
"كشف المشكلات وإيضاح المعضلات " لأبي الفتح بن منعة الموصلي الشافعي. ذكره البغدادي في إيضاح المكنون (2/367) .
36-
"كشف غوامض المنقول في مشكل الآيات والآثار وأخبار الرسول" لمحمد العمري الشافعي، الشهير بسبط المرصفي. ذكره إسماعيل باشا في إيضاح المكنون (4/363) .
37-
"مشكلات المثنوي". ذكره حاجي خليفة في "كشف الظنون "(2/1695) ولم يبين اسم المؤلف ولم يذكر نبذة عن الكتاب.
38-
"درر الكلمات على غرر الآيات الموهمة للتعارض والشبهات " لبيان الحق النيسابوري. ذكره في "معجم المؤلفين "(12/182) و"إيضاح المكنون "(2/58) وانظر مقدمة تحقيق "وضح البرهان "للداوودي (1/14) ، وبهذا يكون الإمام بيان الحق النيسابوري له ثلاث كتب في هذا الفن وهي "وضح البرهان" و"باهر البرهان "وهما مطبوعان، و"درر الكلمات"وهو مفقود.
39-
"جوابات القرآن "للإمام أحمد بن حنبل. ذكره الداوودي في "طبقات المفسرين"(1/72) .
40-
"متشابه القرآن "لبشر بن المعتمر (210هـ) . ذكره الداوودي في "طبقات المفسرين"(1/117) .
41-
"متشابه القرآن "لجعفر بن حرب الهمذاني (236هـ) . ذكره الداوودي في "طبقات المفسرين"(1/127) .
42-
"المشكل" لداود بن علي الظاهري (270هـ) . ذكره الداوودي في "طبقات المفسرين"(1/173) ، ولم يذكر هل هو مشكل القرآن أو الحديث.
43-
"متشابه القرآن "لأبي البقاء العكبري (616هـ) . ذكره الداوودي في طبقات المفسرين (1/232) .
44-
"ري الظمآن في متشابه القرآن" لعبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري
الأندلسي (634هـ) . انظره إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون لإسماعيل باشا البغدادي (3/604) ، استنبول، الطبعة الأولى، 1945.
45-
كتاب "التنزيه وذكر متشابه القرآن" للحسن النوبختي. ذكره في "إيضاح المكنون"(4/283) .
46-
"متشابه القرآن "لحمزة الزيات (156هـ) . انظر الفهرست لابن النديم (ص: 36) .
47-
"متشابه القرآن "لنافع (170هـ) . انظر الفهرست لابن النديم (ص: 36) .
48-
"متشابه القرآن "لخلف (229هـ) . انظر الفهرست لابن النديم (ص: 36) .
49-
"متشابه القرآن "لمحمود الوراق (230هـ) . انظر الفهرست لابن النديم (ص: 36) .
50-
"متشابه القرآن "لأبي هذيل العلاف (235) . انظر الفهرست لابن النديم (ص: 37) .
51-
"متشابه القرآن "لأبي علي الجائي (303هـ) . انظر الفهرست لابن النديم (ص: 37) .
52-
"متشابه القرآن "لأبي بكر القطيعي (368هـ) . ذكره في إيضاح المكنون (4/426)
53-
"متشابه القرآن "لأبي الحسن المنادي (336هـ) . انظر تاريخ التراث العربي (1/213) .
54-
"نفي التحريف عن القرآن الشريف "للواحدي. انظر طبقات المفسرين للأدنروي (ص: 128) .
55-
"المسائل في القرآن "للجاحظ (255هـ) . انظر طبقات المفسرين للداوودي (2/16) .
56-
"أجوبة الإقناع والاحتساب في مشكلات مسائل الكتاب "محمد بن الفخار الجذامي (703هـ) . انظر طبقات المفسرين للداوودي (2/212) .
57-
"كتاب المشكلين: مشكل القرآن والسنة" لأبي بكر بن العربي (543هـ) . انظر طبقات المفسرين للداوودي (2/169) .
58-
"متشابه القرآن "، لأبي على الجبائي شيخ المعتزلة (303هـ) . انظر طبقات المفسرين للداوودي (2/192) .
59-
"غوامض التأويل " لأبي سعيد الشلوبين الإشبيلي (641هـ) . انظر طبقات المفسرين للداوودي (2/268) .
60-
"مشكل القرآن " لابن نجيح النفزي (437هـ) . انظر طبقات المفسرين للداوودي (2/338) .
ويلاحظ فيما سبق أن أكثر الكتب هي المفقودة، مما يتطلب من العلماء وطلبة العلم البحث عنها، وإخراج هذه الكنوز للأمة، والإفادة منها في تفنيد شبهات الطاعنين والمشككين، ولا ننس أيضا تلك المخطوطات الصادرة عن (مؤسسة آل البيت) والمتصلة منها بالتفسير وعلومه، وقد أشرنا إلى طرف منها في نهاية الكلام السابق عن المخطوطات (1) .
(1) انظر: صفحة 41
الفصل الثاني: أسباب الطعن في القرآن
وفيه أربعة مباحث هي:
المبحث الأول: لماذا هذه الحرب على القرآن
؟
المبحث الثاني: ما الحكمة من وجود المتشابه في القرآن؟
المبحث الثالث: أنواع المطاعن.
المبحث الرابع: أسباب الاختلاف في القرآن.
المبحث الأول: لماذا هذه الحرب على القرآن؟
عرف أعداء الله أهمية كتاب الله تعالى في نفوس المسلمين، ومدى تعلقهم به، وعلموا أنه هو باعث نهضتهم، ومحيي همتهم، وموحد كلمتهم، وسبب نجاتهم وقوتهم.
يقول الحاخام الأكبر لإسرائيل سابقا مردخاي الياهو، مخاطبا مجموعة على وشك الالتحاق بالجيش الإسرائيلي:(هذا الكتاب الذي يسمونه القرآن هو عدونا الأكبر والأوحد، هذا العدو لا تستطيع وسائلنا العسكرية مواجهته، كيف يمكن تحقيق السلام في وقت يقدس العرب والمسلمون فيه كتابا يتحدث عنا بكل هذه السلبية؟! على حكام العرب أن يختاروا؛ إما القرآن أو السلام معنا)(1) .
وفي بدايات هذا القرن كان الجنود الإيطاليون يتغنون بأنشودتهم: (أنا ذاهب إلى ليبيا فرحا مسرورا، لأبذل دمي في سبيل سحق الأمة الملعونة ومحو القرآن، وإذا مت يا أماه فلا تبكيني، وإذا سألك أحد عن عدم حدادك فقولي: لقد مات وهو يحارب الإسلام)(2) .
ويقول الحاكم الفرنسي في الجزائر: (إننا لن ننتصر على
(1) انظر: مجلة البيان، العدد: 159، بتاريخ ذو القعدة 1421هـ، وجريدة البلاد (السعودية) : 30 رجب 1421هـ.
(2)
انظر: صلاح الأمة في علو الهمة لسيد عفاني (6/575) نقلا عن التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية للدكتور أحمد شلبي.
الجزائريين ما داموا يقرؤون القرآن، ويتكلمون العربية) (1) .
ويقول وليم جيفورد: (متى توارى القرآن ومدينة مكة عن بلاد العرب، يمكننا حينئذ أن نرى العربي يتدرج في طريق الحضارة الغربية بعيدا عن محمد وكتابه)(2) .
ويقول اللورد كرومر في مصر: (جئت لأمحو ثلاثا: القرآن والكعبة والأزهر)(3) .
يقول جون تاكلي: (يجب أن نستخدم القرآن -وهو أمضى سلاح-ضد الإسلام نفسه، بأن نعلم هؤلاء الناس-يعني المسلمين- أن الصحيح في القرآن ليس جديدا، وأن الجديد ليس صحيحا)(4) .
ويقول غلادستون -وزير المستعمرات البريطاني سنة 1895، ثم رئيس الوزراء -:(لن تحقق بريطانيا شيئا من غاياتها في العرب، إلا إذا سلبتهم سلطان هذا الكتاب، أخرجوا سر هذا الكتاب -القرآن- مما بينهم تتحطم أمامكم جميع السدود)(5) .
(1) قادة الغرب يقولون دمروا الإسلام أبيدوا أهله، لجلال العالم، ص:31.
(2)
المرجع السابق ص: 49.
(3)
الخنجر المسموم الذي طعن به المسلمون، أنور الجندي: ص 29، دار الاعتصام، سلسلة دائرة الضوء.
(4)
انظر: مجلة مجمع الفقه الإسلامي (ص: 329) ، الدورة السابعة، العدد 7، الجزء الرابع لعام 1992، ورد افتراءات المبشرين على القرآن الكريم، لجمعة (ص: 263) ، وواجب المسلمين في نشر الإسلام للأستاذ زيد الفياض (ص: 19) .
(5)
القراءة المعاصرة للقرآن في الميزان، أحمد عمران، (ص: 17) ، دار النفائس، بيروت، الطبعة الأولى، 1995.
وقال أيضا: (ما دام هذا القران موجودا في أيدي المسلمين، فلن تستطيع أوروبا السيطرة على الشرق، ولا تكون هي نفسها في أمان)(1) .
إذن هم يعرفون أن القرآن مصدر قوة المسلمين؛ لذلك أعلنوا الحرب على كتاب الله، وهذه الحرب قديمة قدم نزول القرآن، كما قال تعالى:{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْءَانِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} [فصلت: 26] ؛ يعني أن الغلبة لهم على المسلمين إنما تكون باللغو والطعن في القرآن.
ومن أهداف الطعن في كتاب الله:
1-
حرب المسلمين؛ لأن الكفار رأوا أن أهل الإسلام لا يمكن قهرهم بالسنان والحروب العسكرية؛ لأنهم قوم يحبون الموت كما هم يحبون الحياة، وإنما كان هذا الحب للشهادة في نفوس المسلمين، لما في كتاب الله من الثناء والحث على الشهادة في سبيله، لذلك توجهوا بالحرب إلى القرآن حتى ينتزعوا القدسية عن القرآن، ويثبتوا أنه ليس من عند الله تعالى، بل من عند محمد صلى الله عليه وسلم ، ومن ثَم يتم إبعاد المسلمين عن مصدر توحيدهم وسر قوتهم.
2-
فتح باب النزاع والشقاق بين المسلمين على مصراعيه، يقول تعالى:{ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} [البقرة: 176] .
(1) منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير، للدكتور فهد الرومي (ص: 442) مكتب الرشد، الرياض، الطبعة الخامسة، 1412، هجمة علمانية جديدة ومحاكمة النص القرآنى، د. كامل سعفان (ص: 97) .
3-
زرع الفتن بين المسلمين كما قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ
…
} [آل عمران: 7] .
4-
هدم الإسلام: فقد روي عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ زِيَادِ بْنِ حُدَيْر، قَالَ: قَالَ لِي عُمَرُ: هَلْ تَعْرِفُ مَا يَهْدِمُ الْإِسْلَامَ؟ قَالَ: قُلْتُ لَا. قَالَ: يَهْدِمُهُ زَلَّةُ الْعَالِمِ، وَجِدَالُ الْمُنَافِقِ بِالْكِتَابِ، وَحُكْمُ الْأَئِمَّةِ الْمُضِلِّينَ) (1) .
وبهذا يتحقق لهم ما يريدون، ويصبح المسلمون صيدا سهلا، بل قد يصبح المسلمون في صف الكفار وأتباع ملتهم {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ
…
} [البقرة: 120] .
وللأسف فقد تحقق لهم الكثير من هذا، فقد عُزل الكتاب عن التحكيم بين الناس، واستبدل بقانون الغرب، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «خذوا العطاء ما دام العطاء لله، فإذا صار رشوة على الدين فلا تأخذوه ولستم بتاركيه، يمنعكم الفقر والحاجة، ألا إن رحى الإسلام دائرة فدوروا مع الكتاب حيث دار، ألا إن الكتاب والسلطان سيفترقان فلا تفارقوا الكتاب، ألا إنه سيكون عليكم أمراء
(1) أخرجه الدارمي (المقدمة باب: في كراهية أخذ الرأي، رقم: 214) .
يقضون لأنفسهم مالا يقضون لكم، فإذا عصيتموهم قتلوكم، وإن أطعتموهم أضلوكم، قالوا: يا رسول الله كيف نصنع؟ قال: كما صنع أصحاب عيسى ابن مريم نشروا بالمناشير، وحملوا على الخشب، موتُُ في طاعة الله خير من حياة في معصية الله» (1) .
(1) أخرجه الطبراني في الصغير (2/42) والكبير (20/90) وفي مسند الشاميين (1/379)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (5/228) :(رواه الطبراني ويزيد بن مرثد لم يسمع من معاذ، والوضين بن عطاء وثقه ابن حبان وغيره، وبقية رجاله ثقات.) .
المبحث الثاني: ما الحكمة من وجود المتشابه في القرآن
؟
والباعث على البحث في هذا هو الجواب على شبهة: " أن القرآن إنما أنزل للهدى والبيان فكيف اشتمل على المتشابه "؟
وقد تكلم في جواب هذا كثير من العلماء، وخاضوا في حكمة إنزال المتشابه، وذكروا أمورا بعضها قوي، وبعضها لا يخلو من مقال، وبعضها يتعجب الناظر فيه كيف أمكن أن يقال، وبعضها لا يستحق الذكر.
أما أمثلها وأقواها فيما قال العلماء، فهو أن الحكمة من إنزال المتشابه تتجلى في أمور:
الأول: أن الله أنزله مختبراً به عباده؛ فأما المؤمن فلا يداخله فيه شك ولا يعتريه ريب، وهو بين أمرين، إما قادر على رده إلى المحكم، وإما قائل: آمنا به كل من عند ربنا. إن لم يتبين له معناه، فأمره كله خير، وتعظم بذلك مثوبته، وتزيد عند الله درجته.
وأما المنافق فيرتاب ولا يزيده القرآن إلاّ خسارا، وأما من كان في قلبه زيغ -كأهل البدع -، فيتبعون المتشابه؛ ليفتنوا الناس عن القرآن وصحيح السنة وينزلوه على مقتضى بدعتهم.
وسياق الآية وما بعدها دال على أن هذا من حكمة إنزال المتشابه؛ إذ قال تعالى:
(وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ
فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلاّ الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلاّ أولوا الألباب ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ( [آل عمران: 7-8] .
فالمؤمنون رغبوا إلى ربهم أن لا يزيغ قلوبهم كما زاغت قلوب أهل الزيغ، إذ هو - أي المتشابه - فتنة للعقول والقلوب، وسألوا أن ينزل عليهم رحمة يربط بها على قلوبهم وعقولهم فلا تزيغ، وفي هذا الإشارة إلى أن أهل الزيغ والبدعة محرومون من بركة هذا الدعاء، كل بحسب بدعته، وبعده عن السنة.
وقد ذكر الله في القرآن أنه ينزل ما يمتحن به عباده؛ ليزداد الذين آمنوا إيمانا؛ ويضل غيرهم من أهل الضلال، كما قال تعالى:{إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما بعوضةً فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلاُ يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً وما يضل به إلاّ الفاسقين} [البقرة: 26] .
قال الإمام عبد الرحمن السعدي في تفسيره: (يقول تعالى (إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاُ ما (أي مَثَلٍ كان (بعوضة فما فوقها (لاشتمال الأمثال على الحكمة وإيضاح الحق، الله لا يستحيي من الحق (فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم (فيفهمونها ويتفكرون فيها،
فإن علموا ما اشتملت عليه على وجه التفصيل، إزداد بذلك علمهم وإيمانهم، وإلاّ علموا أنها الحق، وما اشتملت عليه حق، وإن خفي عليهم وجه الحق فيها، لعلمهم بأن الله لم يضربها عبثا، بل لحكمة بالغة ونعمة سابغة، (وأما الذي كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلاً (فيعترضون ويتحيرون، فيزدادون كفراً إلى كفرهم، كما ازداد المؤمنون إيماناً إلى إيمانهم، ولهذا قال: (يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً (فهذه حال المؤمنين والكافرين عند نزول الآيات القرآنية، قال تعالى: {وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناُ وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون} [التوبة: 124 - 125] فلا أعظم من نزول الآيات القرآنية، ومع هذا تكون لقوم محنة وحيرة وضلالة، وزيادة شر إلى شرهم، ولقوم منحة ورحمة وزيادة خير إلى خيرهم)(1) .
ومن هذا القبيل قوله تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلاّ إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرضٌ والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد وليعلم الذين أتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهادِ الذين أمنوا إلى صراط مستقيم} [الحج 52 - 54] .
قال ابن القيم: (والمقصود أن قوله: (ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض (هي لام التعليل على بابها، وهذا الاختبار
(1) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (1/46-47) ، دار المدني، جدة، 1408.
والامتحان مظهر لمختلف القلوب الثلاثة، فالقاسية والمريضة ظهر خبؤها من الشك والكفر، والمخبتة ظهر خبؤها من الإيمان والهدى وزيادة محبته وزيادة بغض الكفر والشرك والنفرة عنه، وهذا من أعظم حكمة هذا الإلقاء) (1) .
ومن هذا القبيل أيضاً قوله تعالى: {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلّا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلّا طغياناً كبيراً} [الاسراء: 60] .
قال ابن كثير - بعدما ذكر تفسير ابن عباس: أن الرؤيا هي ليلة الإسراء، والشجرة هي شجرة الزقوم -:(وهكذا فسر ذلك بليلة الإسراء مجاهد وسعيد بن جبير والحسن ومسروق وإبراهيم وقتادة وعبد الرحمن بن زيد، وغير واحد، وتقدم أن ناساً رجعوا عن دينهم بعدما كانوا على الحق؛ لأنه لم تحتمل عقولهم وقلوبهم ذلك، فكذبوا بما لم يحيطوا بعلمه، وجعل الله ذلك ثباتاً ويقيناً لآخرين، ولهذا قال: (إلاّ فتنة (. أي اختبارًا وامتحاناً، وأما الشجرة الملعونة فهي شجرة الزقوم، كما أخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى الجنة والنار، ورأى شجرة الزقوم، فكذبوا بذلك حتى قال أبو جهل - لعنه الله-: هاتوا تمرا وزبداً، فجعل يأكل هذا بهذا ويقول: تزقموا فلا نعلم الزقوم غير هذا)(2) .
فهذا كله يدل على أن الله يختبر عباده بما شاء، وإنزاله المتشابه من هذا فإنه فتنة، وقد ضل به كثير ممن ضل عن الحق، كما رفع الله به أهل الإيمان بيقينهم، ورسوخهم درجات من عنده.
(1) شفاء العليل لابن القيم ص: 193، تحقيق محمد بدر الدين الحلبي، دار الفكر، بيروت، 1978.
(2)
تفسير ابن كثير (3/48) ، مكتبة دار التراث، القاهرة.
الثاني: إن في إنزال المتشابه إظهارا لفضل العلماء وتفاضلهم فيما بينهم، وفيه أيضاً تعريضهم لمزيد من المشقة والصعوبة في معرفة الحق منها، فيعظم أجرهم، ويرتفع عند الله شأنهم.
وأيضاً فإنه يدعوهم لتحصيل علوم كثيرة، نيط بها استنباط ما أريد بالمتشابه من الأحكام الحقة، فتتسع بذلك علومهم. وأيضاً فإنه يدرب العلماء على استنباط المعاني الدقيقة، فتقوى بذلك بصائرهم، ولو أنزل القرآن كله محكماً، لاستوى في معرفته العالم والجاهل، ولم يكن في استنباط ما فيه مشقة توجب عظيم المثوبة (1) .
وقال الإمام فخر الدين الرازي: "من الملحدة من طعن في القرآن لأجل اشتماله على المتشابهات. وقال: إنكم تقولون: إن تكاليف الخلق مرتبطة بهذا القرآن إلى قيام الساعة. ثم إنا نراه بحيث يتمسك به صاحب كل مذهب على مذهبه، فكيف يليق بالحكيم أن يجعل الكتاب الذي هوالمرجوع إليه في كل الدين إلى يوم القيامة هكذا؟
الجواب أن العلماء ذكروا لوقوع المتشابه فيه فوائد منها:
أنه يوجب المشقة في الوصول إلى المراد، وزيادة المشقة توجب مزيد الثواب (2) .
(1) انظر: تفسير أبي السعود (2/8) ، الخازن (1/320) تفسير أبي الليث السمرقندي (2/13) ، تفسير النسفي (1/246) ، تفسير البيضاوي (2/4)، تفسير القرطبي (4/89) وانظر: كذلك التمهيد لأبي الخطاب (2/276) . فتح القدير للشوكاني (1/318)
(2)
وقد تقدم ذكر هذه الفائدة؛ لذلك لم أرقمها.
الثالث: أنه لو كان القرآن كله محكما، لما كان مطابقا إلا لمذهب واحد، وكان بصريحه مبطلا لكل ما سوى ذلك المذهب، وذلك مما ينفر أرباب سائر المذاهب عن قبوله، وعن النظر فيه والانتفاع به، فإذا كان مشتملا على المحكم والمتشابه، طمع صاحب كل مذهب أن يجد فيه ما يؤيد مذهبه، وينصر مقالته، فينظر فيه جميع أرباب المذاهب، ويجتهد في التأمل فيه صاحب كل مذهب، وإذا بالغوا في ذلك صارت المحكمات مفسرة للمتشابهات، وبهذه الطرق يتخلص المبطل من باطله ويتوصل إلى الحق.
الرابع: أن القرآن إذا كان مشتملا على المتشابه، افتقر إلى العلم بطريق التأويلات، وترجيح بعضها على بعض، وافتقر في تعلم ذلك إلى تحصيل علوم كثيرة من علم اللغة والنحو والمعاني والبيان وأصول الفقه، ولو لم يكن الأمر كذلك لم يحتج إلى تحصيل هذه العلوم الكثيرة، فكان، في إيراد المتشابه هذه الفوائد الكثيرة. . . (1) .
الخامس: أن المشتبهات ليست في الأمور المطلوبة من المكلف العمل بها، وإنما هي في بعض الأمور العقدية التي يطالب فيها المكلف بالتفويض والتسليم لله تعالى فيها، ويقول:
(آمنا به كل من عند ربنا (.
ومما قيل - وهو ضعيف - ما نقله السيوطي رحمه الله عن بعضهم قال: (وإن كان مما لا يمكن علمه، ففيه فوائد؛ منها ابتلاء العباد بالوقوف عنده، والتوقف فيه، والتسليم والتعبد بالاشتغال به من جهة التلاوة كالمنسوخ، وإن لم يجز العمل بما فيه، وإقامة الحجة عليهم؛ لأنه منزل بلسانهم ولغتهم، وعجزوا عن الوقوف على معناه مع بلاغتهم
(1) راجع الإتقان 2/31.
وأفهامهم، فدل على أنه منزل من عند الله، وأنه الذي أعجزهم عن الوقوف) (1) .
وهو ضعيف؛ لأنه قد تقرر تضعيف القول باشتمال القرآن على ما لا يمكن معرفة معناه، لكن إذا قيل: إن هذا من حكمة إنزال المتشابه بالنسبة لبعض العباد، وهو البعض الذي لم يعلم معنى المتشابه، صح من هذه الجهة.
وأما قوله: (إقامة الحجة عليهم. . . إلى آخر ما ذكر) فبعيد؛ وذلك لأن ما لا يفهم له معنى، فاحتجاج المشركين به على الطعن في القرآن، أقرب من الاحتجاج به عليهم أنه معجز، ولا يخفى أنهم لو قالوا: لو أنزل هذا القرآن كله بلغتنا ولساننا، لما عجزنا عن فهم بعضه. ولجاءوا بقوي من الحجة تسوغ لهم الطعن في القرآن، فكيف يجعل عدم فهمهم لمعناه دليلاً على نزوله بلغتهم؟! ولكن بلغ من الإعجاز بحيث لا يفهمون معناه؛ فما أبعد هذا.
ومما قيل في الحكمة وهو باطل قطعاً، قولان:
الأول: وهو أبطل قول، ونعني به ما ذكره الرازي وجعله الأقوى، قال: (والخامس وهو السبب الأقوى: أن القرآن مشتمل على دعوة الخواص، والعوام تنبو في أكثر الأمور عن إدراك الحقائق العلمية المحضة، فمن سمع من أول الأمر إثبات موجود ليس بجسم ولا متحيز ولا مشار إليه، ظن أن هذا عدم محض، فوقع في التعطيل، فكان الأصلح أن يخاطبوا بألفاظ دالة على بعض ما يناسب ما تخيلوه وتوهموه، ويكون مخلوطاً بما يدل على الحق الصريح، فالقسم الأول وهو الذي يخاطبون به في أول الأمر يكون من باب المتشابهات،
(1) المصدر السابق (2/16) .
والقسم الثاني وهو الذي يكشف لهم في آخر الأمر هو من المحكمات) (1) .
ولازم هذا القول أن الله أنزل المتشابه؛ ليضل به جمهور المؤمنين المعظمين للقرآن، باعتقاد ظاهره، ثم بعد ذلك يبين لهم أن ما أُخبرتم به أولاً كان كذبا لمصلحتكم.
القول الثاني: وهو قريب من الأول في البطلان، أو مثله، ونعني قول القاضي عبد الجبار:(ومنها - أي الحِكَم - أن كون القرآن كذلك - أي محكماً ومتشابها - يصرفه أن يعول على تقليده؛ لأنه يرى أنه ليس بأن يقلد كلامه عز وجل في نفي التشبيه؛ لقوله عز وجل: (ليس كمثله شيء (أولى من أن يقلده في خلافه لقوله عز وجل: (وجاء ربك (. فكما أن اختلاف العلماء في الديانات، وقول بعضهم في المذهب بخلاف قول صاحبه، يصرف المميز عن تقليدهم؛ لأنه ليس تقليد بعضهم بأولى من تقليد سائرهم، فكذلك انقسام القرآن إلى الوجهين اللذين ذكرناهما، يصرف من ذلك لا محالة، وما صرف عن التقليد المحرم، وبعث على النظر والاستدلال، فهو في الحكمة أولى)(2) .
وهذا الكلام غاية في البطلان؛ فإن القرآن إنما أنزل ليتبع ويقلد؛ قال تعالى: {وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون} [الأنعام: 155]، وقال تعالى:{اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم} [الأعراف: 3] وقال: {واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم} [الزمر: 55]، وقال:{قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلّا ما يوحى إلي} [يونس: 15] . وقال: {واتبع ما يوحى إليك من ربك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين} [يونس: 109] .
(1) أساس التقديس ص 192، وانظر: تفسيرالفخر الرازي أيضاً (7/172) .
(2)
متشابه القرآن للقاضي عبد الجبار (1/26) .
فإلى الله المشتكى، وهو الحاكم فيمن يجعل اتباع القرآن تقليداً محرماً، إنه لعجب كيف أمكن أن يقال هذا الباطل من المنتسبين إلى علماء الملة الحنيفية، وقد عظَّم الله شأن القرآن ورفعه فوق زبر الأولين، وجعله إماماً لخير الأمم.
قال تعالى: {وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} [المائدة: 48] .
وقال: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً كبيراً} [الإسراء: 9] . وكيف يكون القرآن حاكماً إذا كان نزوله من أجل أن يصرف الناس عن تحكيمه في عقيدتهم؟! قال عز وجل: {آلر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد} [إبراهيم: 1] . وقال: {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين} [النمل: 89] . وقال: {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه} [البقرة: 213] .
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
المبحث الثالث: أنواع المطاعن
الطاعنون في القرآن كثر، ومطاعنهم وشبهاتهم كثيرة، وحصرها قد يعيي الباحث، ويكل المجد، ولكن حقيقة هذه الطعون أنها تدور في أفلاك محددة، وتنبع من مشكاة واحدة، ويمكننا أن نرجعها إلى أصول وقواعد تلملم شعث هذه الطعون، والرد على هذه الأصول يتكفل بالرد على جميع ما تحته من طعونات لا تعد ولا تحصر (1)، ويمكننا أن نرد المطاعن إلى أربعة أصول يتفرع من بعضها فروع؛ وهي:
1-
نفي نسبة القرآن لله تعالى: ويشمل عدة طعون:
-نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأنه من تأليفه (2) .
-نسبته إلى الاقتباس من الكتب السابقة كالتوراة والإنجيل (3) .
(1) ويكفي في هذا الرد الإجمالي الذي سيأتي في الفصل الأول من الباب: الثاني.
(2)
انظر: الإسقاط في مناهج المستشرقين للدكتور شوقي أبو خليل (ص: 47) ، دار الفكر المعاصر، بيروت، الطبعة الأولى، 1995، ومعالم تاريخ الإنسانية، لويلز (3/626) ، وتاريخ الدولة العربية، ليوليوس فلهاوزن (ص: 8) ، ترجمه عن الألمانية، د. محمد أبو ريدة، الألف كتاب، القاهرة، 1958وغيرها من المراجع.
(3)
انظر: المستشرقون والدراسات القرآنية للدكتور محمد حسين الصغير، (ص: 118-120) ، المؤسسة الجامعة للدراسات والنشر، الطبعة الثانية، 1986، ودائرة المعارف الإسلامية الاستشراقية (ص: 16) ، والعقيدة والشريعة في الإسلام لجولدتسيهر ص: 12، عن كتاب القرآن الكريم في مواجهة الماديين الملحدين للدكتور أحمد الشاعر (ص: 93) دار القلم، الكويت، الطبعة الثانية، 1982، وانظر: القرآن والمستشرقون، لنقرة (ص: 31) وغيرها من المراجع.
-دعوى عدم قدسيته وإمكانية نقده ومخالفته (1) ؛ يعني قد يقر بأنه ليس من النبي صلى الله عليه وسلم وأنه من الله تعالى، ولكن يقول هو ليس مقدسا، بل يمكن نقده، وهذا الكلام حقيقته نفي القرآن عن الله تعالى؛ لأن ما كان من الله سبحانهفهو مقدس ولا يمكن نقده، وما كان من غيره فينطبق عليه ما يجري على كلام البشر من خطأ أو عجز أو جهل، إلى غير ذلك من نقائض البشر.
2-
زعم عدم حفظه:
يعني قد يقر بأن القرآن من الله جل جلاله، ولكن يزعم عدم حفظه فيدعي:
- أنه ليس هو القرآن الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ، بل قد غير وبدل، وأما الأصل فلا وجود له (2) .
- أنه زيد فيه ونقص (3) ؛
(1) انظر: القرآن الكريم في مواجهة الماديين الملحدين، للدكتور أحمد الشاعر (ص: 96-97) ، والتمهيد في تاريخ الفلسفة للشيخ مصطفى عبد الرازق (ص: 5) ، نقض مطاعن في القرآن الكريم، لمحمد أحمد عرفة، ص: 4، و (طه حسين حياته وفكره) لأنور الجندي، ص: 144، نقلا عن كتاب مستقبل الثقافة في مصر وغيرها من المراجع.
(2)
انظر: دائرة المعارف الإسلامية الاستشراقية، لإبراهيم عوض (ص: 7) ، والوحي الجديد (ص: 44) ، نقلا عن كتاب مناقشات وردود، لمحمد فريد وجدي (ص: 370) ، وغيره من المراجع.
(3)
انظر: لطائف المنان ورائع البيان في دعوى الزيادة في القرآن، د. فضل حسن عباس، دار النور للطباعة النشر، بيروت، الطبعة الأولى، 1989، والشيعة والقرآن، لإحسان إلاهي ظهير، مكتبة إدارة ترجمات السنة، لاهور باكستان، وكتاب (أيلتقي النقيضان) لمحمد مال الله، دار النفير، الكويت، الطبعة الأولى، 1421، وأصول مذهب الشيعة الإمامية الاثنى عشرية، د. ناصر بن عبد الله القفاري، الفصل الأول من الباب: الأول بعنوان (اعتقادهم في القرآن)(1/123) وغيره من المراجع.
يعني قد يقر بأن القرآن الموجود هو الكتاب الذي نزل من الله، ولكن يقول إنه زيد فيه أو نُقص منه.
3-
اتهام القرآن بالتناقض:
- تناقض الآيات بعضها مع بعض (1) .
4-
اتهام القرآن بمعارضة الحقائق:
- معارضة الحقائق الشرعية (2) .
- معارضة الحقائق التاريخية (3) .
(1) انظر: كتاب تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة الدينوري تحقيق السيد أحمد صقر، المكتبة العلمية، وكتاب المسائل والأجوبة في الحديث والتفسير له أيضا تحقيق مروان العطية ومحسن خرابة، دار ابن كثير، دمشق، الطبعة الأولى، 1990، وأضواء على متشابهات القرآن، لخليل ياسين مكتبة الهلال، بيروت، وباهر القرآن في معاني مشكل القرآن لبيان الحق النيسابوري تحقيق سعاد بابقي، من مطبوعات جامعة أم القرى، 1997، وغير ذلك من المراجع.
(2)
انظر: كتاب: رد مفتريات على الإسلام، لشلبي، ص: 38، عن رسالة المجلس الملي القبطي الأرثوذكس بالإسكندرية، ودائرة المعارف البريطانية (ص: 22) ، حقائق الإسلام وأباطيل خصومه، للعقاد (ص276) ، المكتبة العصرية، بيروت، وغير ذلك من المراجع.
(3)
انظر: المستشرقون والدراسات الإسلامية، للدكتورمحمد حسين الصغير (74-75) ، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، وفي الشعر الجاهلي لطه حسين (ص: 26) ، ومدخل إلى علم التفسير، للدكتور محمد بلتاجي ص: 170، وغير ذلك من المراجع.
- معارضة الحقائق الكونية، أوحقائق العلم التجريبي الحديث (1) .
والملاحظ في هذه الطعون هو التدرج فيها، فكلما انتفت شبهة انتقلوا إلى التي تليها.
ولو علم المسلمون هذه الشبه الأربع والرد عليها لما حصل ما نراه الآن من تأثر كثير من المسلمين بها، بل والاعتقاد فيها أو التسليم بها.
والمطاعن من حيث صراحتها تنقسم إلى نوعين:
1-
طعون واضحة وصريحة، وهذا هو الغالب في طعون المستشرقين.
2-
طعون غامضة وملتوية وغير مباشرة، وهذا الغالب في طعون العلمانيين.
(1) انظر: رد مفتريات على الإسلام، لعبد الجليل شلبي، دار القلم، الكويت، الطبعة الأولى، 1982، ومدخل إلى علم التفسير لأستاذنا الدكتور بلتاجي، مكتبة الشباب:، 1998، وغير ذلك من المراجع.
المبحث الرابع: أسباب الاختلاف في القرآن
ذكرنا في المبحث السابق الطعون العامة التي يوردها الطاعنون، ونشير هنا إلي الأسباب التي كانت وراءها، أو التي دفعت هؤلاء إلي الخوض في قضايا تمس القرآن الكريم، ومن ثم يمكن القول بأن اختلافهم في القرآن يرجع إلى مجموعة من الاعتبارات؛ نذكر أهمها فيما يلى:
أما نفي نسبة القرآن إلى الله تعالى، وزعم عدم حفظ القرآن، وما يندرج تحتهما من طعونات، فإنها دعاوى من غير أدلة ولا برهان، وسببها الحقد المحض، ولعل سببها الوحيد لديهم دعواهم وجود التناقض في القرآن، والتناقض دليل على عدم قدسيته.
وأما دعوى تناقض القرآن فإنها ترجع لخمسة أسباب، كما ذكرها الزركشي، فقد قال رحمه الله:
الأول: وقوع المخبر به على أحوال مختلفة وتطويرات شتى:
كقوله تعالى في خلق آدم إنه {من تراب} [آل عمران: 59]، ومرة {من حمأ مسنون} [الحجر: 26] ، ومرة {من طين لازب} [الصافات: 11] ، ومرة {من صلصال كالفخار} [الرحمن: 14] ، وهذه الألفاظ مختلفة، ومعانيها في أحوال مختلفة؛ لأن الصلصال غير الحمأ، والحمأ غير التراب، إلا أن مرجعها كلها إلى جوهر، وهو التراب، ومن التراب
تدرجت هذه الأحوال.
ومنه قوله تعالى: {فإذا هي ثعبان مبين} [الشعراء: 32]، وفي موضع {تهتز كأنها جان} [القصص: 31] ، والجان الصغير من الحيات، والثعبان الكبير منها؛ وذلك لأن خلقها خلق الثعبان العظيم واهتزازها وحركاتها وخفتها كاهتزاز الجان وخفته.
السبب الثاني: اختلاف الموضوع:
كقوله تعالى: {وقفوهم إنهم مسئولون} [الصافات: 24]، وقوله:{فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين} [الأعراف: 6]، مع قوله:{فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان} [الرحمن: 36] ؛ قال الحليمي: فتحمل الآية الأولى على السؤال عن التوحيد وتصديق الرسل، والثانية على ما يستلزم الإقرار بالنبوات من شرائع الدين وفروعه.
وحمله غيره على اختلاف الأماكن؛ لأن في القيامة مواقف كثيرة، فموضع يسأل ويناقش وموضع آخر يرحم ويلطف به، وموضع آخر يعنف ويوبخ وهم الكفار، وموضع آخر لا يعنف وهم المؤمنون.
وقوله: {ولا يكلمهم الله يوم القيامة} [البقرة: 174]، مع قوله:{فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون} [الحجر: 92-93] وقيل: المنفي كلام التلطف والإكرام، والمثبت سؤال التوبيخ والإهانة،
فلا تنافي، وقيل: إن المنفي كلامهم في النار، والمثبت كلامهم في الحساب.
وكقوله: {ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين} [الأنعام: 23]، مع قوله:{ولا يكتمون الله حديثا} [النساء: 42] ، فإن الأولى تقتضي أنهم كتموا كفرهم السابق، والجواب من وجهين؛ أحدهما: أن للقيامة مواطن ففي بعضها يقع منهم الكذب، وفي بعضها لا يقع، كما سبق، والثاني: أن الكذب يكون بأقوالهم، والصدق يكون من جوارحهم، فيأمرها الله تعالى بالنطق فتنطق بالصدق.
ومنه قوله تعالى: {اتقوا الله حق تقاته} [آل عمران: 102]، مع قوله:{فاتقوا الله ما استطعتم} [التغابن: 16] ، يحكى عن الشيخ العارف أبي الحسن الشاذلي، رحمه الله، أنه جمع بينهما فحمل الآية الأولى على التوحيد، والثانية على الأعمال، والمقام يقتضي ذلك؛ لأنه قال بعد الأولى (ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون (.
وقيل: بل الثانية ناسخة؛ قال ابن المنير: الظاهر أن قوله: (اتقوا الله حق تقاته (إنما نسخ حكمه لا فضله وأجره، وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم حق تقاته بأن قال:«هو أن يطاع فلا يعصى ويذكر فلا ينسى ويشكر فلا يكفر» . فقالوا: أينا يطيق ذلك. فنزلت (فاتقوا الله
ما استطعتم (وكان التكليف أولا باستيعاب العمر بالعبادة بلا فترة ولا نعاس، كما كانت الصلاة خمسين ثم صارت بحسب الاستطاعة خمسا، والاقتدار منزل على هذا الاعتبار، ولم ينحط من درجاته، وقال الشيخ كمال الدين الزملكاني: وفي كون ذلك منسوخا نظر، وقوله: (ما استطعتم (هو (حق تقاته (إذ به أمر فإن (حق تقاته (الوقوف على أمره ودينه، وقد قال بذلك كثير من العلماء اهـ.
والحديث الذي ذكره ابن المنير في تفسيره (حق تقاته (لم يثبت مرفوعا، بل هو من كلام ابن مسعود رواه النسائي، وليس فيه قول الصحابة: أينا يطيق ذلك، ونزول قوله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم (.
ومنه قوله تعالى: {فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة} [النساء: 3] مع قوله في أواخر السورة: {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم} [النساء: 129] فالأولى تُفهم إمكان العدل، والثانية تنفيه؛ والجواب أن المراد بالعدل في الأولى العدل بين الأزواج في توفية حقوقهن، وهذا ممكن الوقوع وعدمه، والمراد به في الثانية الميل القلبي؛ فالإنسان لا يملك ميل قلبه إلى بعض زوجاته دون بعض، وقد كان يقسم بين نسائه ثم يقول:" اللهم هذا قسمي في ما أملك، فلا تؤاخذني بما لا أملك ". يعني ميل القلب،
وكان عمر يقول: اللهم قلبي فلا أملكه، وأما ما سوى ذلك فأرجو أن أعدل.
ويمكن أن يكون المراد بالعدل في الثانية العدل التام؛ أشار إليه ابن عطية، وقد يحتاج الاختلاف إلى تقدير، فيرتفع به الإشكال كقوله تعالى:{لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى} [النساء: 95] ثم قال سبحانه: (وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما (والأصل في الأولى: وفضل الله المجاهدين على القاعدين من أولي الضرر درجة، والأصل في الثانية: وفضل الله المجاهدين على القاعدين من الأصحاء درجات.
وكقوله تعالى: {إن الله لا يأمر بالفحشاء} [الأعراف: 28] مع قوله: {أمرنا مترفيها ففسقوا فيها} [الإسراء: 16] ، والمعنى أمّرناهم وملّكناهم وأردنا منهم الصلاح فأفسدوا، والمراد بالأمر في الأولى أنه لا يأمر به شرعا ولكن قضاء؛ لاستحالة أن يجري في ملكه مالا يريد، وفرقٌ بين الأمر الكوني والديني.
الثالث: الاختلاف في جهتي الفعل:
كقوله تعالى: {فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم} [الأنفال: 17] ؛ أضيف القتل إليهم على جهة الكسب والمباشرة، ونفاه عنهم باعتبار التأثير؛ ولهذا قال الجمهور: إن الأفعال مخلوقة لله تعالى، مكتسبة للآدميين، فنفي الفعل بإحدى الجهتين لا يعارضه إثباته بالجهة الأخرى. وكذا قوله:{وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} [الأنفال:17] أي ما رميت خلقا إذ
رميت كسبا. وقيل: إن الرمي يشتمل على القبض والإرسال وهما بكسب الرامي، وعلى التبليغ والإصابة وهما بفعل الله عز وجل؛ قال ابن جرير الطبري: وهي الدليل على أن الله خالق لأفعال العباد؛ فإن الله تعالى أضافه إلى نبيه ثم نفاه عنه، وذلك فعل واحد؛ لأنه من الله تعالى التوصيل إليهم ومن نبيه بالحذف والإرسال، وإذا ثبت هذا لزم مثله في سائر أفعال العباد المكتسبة، فمن الله تعالى الإنشاء والإيجاد، ومن الخلق الاكتساب بالقوى.
ومثله قوله تعالى: {الرجال قوامون على النساء} [النساء: 34] وقال تعالى: {وقوموا لله قانتين} [البقرة: 238] فقيام الانتصاب لا ينافي القيام بالأمر لاختلاف جهتي الفعل.
الرابع: الاختلاف في الحقيقة والمجاز:
كقوله: {وترى الناس سكارى وما هم بسكارى} [الحج: 2]{ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت} [إبراهيم: 17] وهو يرجع لقول المناطقة: الاختلاف بالإضافة. أي وترى الناس سكارى بالإضافة إلى أهوال القيامة مجازا، وما هم بسكارى بالإضافة إلى الخمر حقيقة.
ومثله في الاعتبارين قوله تعالى: {آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين} [البقرة:8] وقوله: {ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون} [الأنفال: 21]، وقوله تعالى:{وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون} [الأعراف: 198] ، فإنه لا يلزم من نفي النظر نفي الإبصار، لجواز قولهم: نظرت إليه فلم أبصره.
الخامس: بوجهين واعتبارين:
وهو الجامع للمفترقات، كقوله:{فبصرك اليوم حديد} [ق: 22] وقال: {خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي} [الشورى: 45]، قال قطرب: (فبصرك (: أي علمك ومعرفتك بها قوية، من قولهم: بصر بكذا وكذا. أي علم، وليس المراد رؤية العين، قال الفارسي: ويدل على ذلك قوله: (فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم الحديد (وصف البصر بالحدة.
وكقوله تعالى: {وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك} [الأعراف: 127] مع قوله: {أنا ربكم الأعلى} [النازعات: 24] ؛ فقيل: يجوز أن يكون معناه: ويذرك وآلهتك إن ساغ لهم، ويكون إضافة الآلهة إليه ملكا كان يعبد في دين قومه، ثم يدعوهم إلى أن يكون هو الأعلى، كما تقول العرب موالي من فوق وموالي من أسفل، فيكون اعتقادهم في الآلهة مع فرعون أنها مملوكة له، فيحسن قولهم:(وآلهتك ((1)، وقوله تعالى:{الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله} [الرعد: 28] مع قوله: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} [الأنفال: 2] فقد يظن أن الوجل خلاف الطمأنينة؛ وجوابه أن الطمأنينة إنما تكون بانشراح الصدر بمعرفة التوحيد، والوجل يكون عند خوف الزيغ والذهاب عن الهدى، فتوجل القلوب لذلك، وقد جمع بينهما في قوله:{تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله} [الزمر: 23] فإن هؤلاء قد سكنت نفوسهم إلى معتقدهم، ووثقوا به، فانتفى عنهم الشك.
(1) وقيل إن معنى (آلهتك) إلاهتك أي عبادتك، انظر: تفسير ابن كثير (2/239) .
وكقوله: {خمسين ألف سنة} [المعارج: 4] وفي موضع {ألف سنة} [السجدة: 5]، وأجيب بأنه باعتبار حال المؤمن والكافر بدليل {وكان يوما على الكافرين عسيرا} [الفرقان: 26] . وكقوله: {بألف من الملائكة مردفين} [الأنفال: 9] وفي آية أخرى {بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين} [آل عمران: 124]، قيل: إن الألف أردفهم بثلاثة آلاف، وكان الأكثر مددا للأقل، وكان الألف (مردفين) بفتحها
…
) (1) .
إذن فأسباب إيهام التناقض عند الزركشي خمسة: -
السبب الأول: وقوع المخبر به على أحوال مختلفة وتطويرات شتى.
السبب الثاني: اختلاف الموضوع.
السبب الثالث: اختلافهما في جهتي الفعل.
السبب الرابع: اختلافهما في الحقيقة والمجاز.
السبب الخامس: الاختلاف لوجهين واعتبارين.
وذكر صاحب كشف الأسرار أن من أسباب الاختلاف في القرآن:
(1- (الغُمُوض فِي المعنى) أَيْ الْإشكال إنَّمَا يَقَعُ لِغُمُوضٍ فِي الْمَعْنَى ، وَمِنْ نَظَائِرِهِ قولُه تعالى: (فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ (، اشْتَبَهَ مَعْنَاهُ عَلَى السَّامِعِ أَنَّهُ بِمَعْنَى كَيْفَ أَوْ بِمَعْنَى أَيْنَ، فَعُرِفَ بَعْدَ الطَّلَبِ وَالتَّأَمُّلِ أَنَّهُ بِمَعْنَى كَيْفَ، بِقَرِينَةِ الْحَرْثِ وَبِدَلَالَةِ حُرْمَةِ الْقُرْبَانِ فِي الْأَذَى الْعَارِضِ ، وَهُوَ الْحَيْضُ فَفِي الْأَذَى اللَّازِمِ أَوْلَى.
2-
(والاستعارة البديعة) وَأَمَّا نَظِيرُ الِاسْتِعَارَةِ الْبَدِيعَةِ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: (قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ (، فَالْقَوَارِيرُ لَا يَكُونُ مِنْ الْفِضَّةِ،
(1) البرهان للزركشي (64-74) بتصرف واختصار.
وَمَا كَانَ مِنْ الْفِضَّةِ لَا يَكُونُ قَوَارِيرَ، وَلَكِنْ لِلْفِضَّةِ صِفَةُ كَمَالٍ، وَهِيَ نَفَاسَةُ جَوْهَرِهِ وَبَيَاضُ لَوْنِهِ، وَصِفَةُ نُقْصَانٍ وَهِيَ أَنَّهَا لَا تَصْفُو وَلَا تَشِفُّ وَلِلْقَارُورَةِ صِفَةُ كَمَالٍ أَيْضًا، وَهِيَ الصَّفَاءُ وَالشَّفِيفُ، وَصِفَةُ نُقْصَانٍ ، وَهِيَ خَسَاسَةُ الْجَوْهَرِ، فَعُرِفَ بَعْدَ التَّأَمُّلِ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ كُلٍّ وَاحِدٍ صِفَةُ كَمَالِهِ، وَأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ مِنْ فِضَّةٍ ، وَهِيَ مَعَ بَيَاضِ الْفِضَّةِ فِي صَفَاءِ الْقَوَارِيرِ وَشَفِيفِهَا. وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ (فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ (، فَاللِّبَاسُ لَا يُذَاقُ وَلَكِنَّهُ يَشْمَلُ الظَّاهِرَ، وَلَا أَثَرَ لَهُ فِي الْبَاطِنِ، وَالْإِذَاقَةُ أَثَرُهَا فِي الْبَاطِنِ وَلَا شُمُولَ لَهَا، فَاسْتُعِيرَتْ الْإِذَاقَةُ لِمَا يَصِلُ مِنْ أَثَرِ الضَّرَرِ إلَى الْبَاطِنِ وَاللِّبَاسُ بِالشُّمُولِ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: فَأَذَاقَهُمْ مَا غَشِيَهُمْ مِنْ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ. أَيْ أَثَرُهُمَا وَاصِلٌ إلَى بَوَاطِنِهِمْ مَعَ كَوْنِهِ شَامِلًا لَهُمْ.)(1)
ولعل أضبط التقاسيم بالنسبة لأسباب الطعون هو ما ذكره الراغب الأصبهاني (2) ؛ حيث قال:
(والمتشابه من القرآن: ما أشكل تفسيره لمشابهته بغيره؛ إما من حيث اللفظ، أو من حيث المعنى؛ فقال الفقهاء: المتشابه ما لا ينبئ ظاهره عن مراده، وحقيقة ذلك أن الآيات عند اعتبار بعضها ببعض ثلاثة أضرب:
محكم على الإطلاق، ومتشابه على الإطلاق، ومحكم من وجه متشابه من وجه.
(1) كشف الأسرار لعبد العزيز البخاري الحنفي (1/54) ، دار الكتاب الإسلامي، بيروت.
(2)
في كتابه المفردات (ص: 443- 444) تحقيق الداوودي، دار القلم، دمشق.
فالمتشابه في الجملة (1) ثلاثة أضرب:
متشابه من جهة اللفظ فقط، ومتشابه من جهة المعنى فقط، ومتشابه من جهتهما.
- والمتشابه من جهة اللفظ ضربان:
1-
أحدهما يرجع إلى الألفاظ المفردة، وذلك:
أ-إما من جهة غرابته نحو: الأبّ (2) ، ويزفون (3) .
ب-وإما من جهة مشاركة اللفظ كاليد، والعين (4) .
2-
والثاني يرجع إلى جملة الكلام المركب، وذلك ثلاثة أضرب:
أ- ضرب لاختصار الكلام نحو: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ
…
} [النساء: 3] ، أي فلا تتزوجوهن وانكحوا
…
،
ب- وضرب لبسط الكلام نحو: {ليس كمثله شيء} [الشورى-11]، لأنه لو قيل: ليس مثله شيء. كان أظهر للسامع.
ج - وضرب لنظم الكلام نحو {أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً قيما} [الكهف/1-2]، تقديره: أنزل الكتاب قيّما ولم يجعل له عوجاً. وقوله: (لولا رجالٌ مؤمنون (إلى قوله: {لو تزيّلوا} [سورة الفتح /25] .
(1) يعني بقسميه المتشابه المطلق، والمتشابه من وجه.
(2)
كما في قوله تعالى {وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} [عبس: 31] .
(3)
كما في قوله تعال {فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ} [الصافات: 94] .
(4)
فاليد تطلق على الجارحة والقوة والنعمة، وكذلك العين لها عدة معان مشتركة فتطلق على الشمس والبئر والجارحة وغير ذلك.
- والمتشابه من جهة المعنى: أوصاف الله تعالى، وأوصاف يوم القيامة، فإن تلك الصفات لا تتصور لنا؛ إذ كان لا يحصل في نفوسنا صورة ما لم نحسه، أو لم يكن من جنس ما نحسه.
-والمتشابه من جهة المعنى واللفظ جميعاً خمسة أضرب:
الأول: من جهة الكمية كالعموم والخصوص (1) نحو: {اقتلوا المشركين} [التوبة5] .
والثاني: من جهة الكيفية كالوجوب والندب (2)، نحو:{فانكحوا ما طاب لكم من النساء} [النساء/3] .
والثالث: من جهة الزمان كالناسخ والمنسوخ (3) نحو: {اتقوا الله حق تقاته} [آل عمران: 102] .
(1) العموم: هو شمول الحكم لكل فرد من أفراد الحقيقة، والخصوص: هو إخراج بعض ما يتناوله العموم قبل تقرر حكمه، انظر: تقريب الأصول إلى علم الأصول لابن جزئ الكلبي، ص: 137-141، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، الطبعة الأولى، 1414.
(2)
الوجوب: ما طلب الشرع فعله طلبا جزما (تقريب الأصول ص: 211)، والندب: ما طلب الشرع فعله طلبا غير جازم (السابق ص: 212) .
(3)
الناسخ: هو الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتا، التقريب، ص: 430، المنسوخ: هو الحكم الشرعي المرفوع بالخطاب الشرعي المتراخي عنه، السابق، نفس الموضع.
والرابع: من جهة المكان والأمور التي نزلت فيها نحو: {وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها} [البقرة: 189] وقوله: {إنما النسيء زيادة في الكفر} [التوبة: 37] ، فإن من لا يعرف عادتهم في الجاهلية يتعذر عليه معرفة تفسير هذه الآية.
والخامس: من جهة الشروط التي بها يصح الفعل، أو يفسد، كشروط الصلاة والنكاح.
وهذه الجملة إذا تصورت، علم أن كل ما ذكره المفسرون من تفسير المتشابه، لا يخرج عن هذه التقاسيم.
ثم جميع المتشابه على ثلاثة أضرب:
ضرب لا سبيل للوقوف عليه، كوقت الساعة، وخروج دابة الأرض، وكيفية الدابة ونحو ذلك.
وضرب للإنسان سبيل إلى معرفته، كالألفاظ الغريبة والأحكام المغلقة.
وضرب متردد بين الأمرين، يجوز أن يختص بمعرفة حقيقته بعض الراسخين في العلم، ويخفى على من دونهم، وهو الضرب المشار إليه بقوله عليه الصلاة والسلام لابن عباس "اللهم فقه في الدين وعلمه التأويل ".
وإذا عُرفت هذه الجملة عُلم أن الوقف على قوله: (وما يعلم تأويله إلا الله (ووصله بقوله (والراسخون في العلم (جائز، وأن لكل واحد منهما وجها حسبما دل عليه التفصيل المتقدم. اهـ.
الفصل الثالث: مواجهة دعاوى الطعن في القرآن
وفيه ثلاثة مباحث هي:
المبحث الأول: تنزيه كلام الله عن المطاعن.
المبحث الثاني: موقف سلف الأمة ممن يثيرون الشبه والمطاعن حول القرآن.
المبحث الثالث: قواعد التعامل مع المطاعن.
المبحث الأول: تنزيه كلام الله عن المطاعن
في هذا المبحث نبين عقيدة من عقائد المسلمين الثابتة، ولكن قل من يعرف أدلتها من الكتاب، فأحببت في هذا المبحث أن أجمع جميع الآيات التي تدل على تنزيه كلام الله
- تعالى - من المطاعن وشرح معناها.
قال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82] ، فالتدبر للقرآن، ومعرفة أنه ليس فيه أدنى اختلاف، يورث الإنسان العلم أنه من عند الله، إذ لو كان من عند البشر لكان فيه اختلاف كثير، قال البغوي:(أي أفلا يفكرون فيه فيعرفوا-بعدم التناقض فيه وصدق ما يخبر-أنه كلام الله تعالى؛ لأن ما لا يكون من عند الله لا يخلو عن التناقض والاختلاف)(1) .
وقال تعالى: {ألم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 1-2] أي لا شك فيه، وكلمة (ريب (نكرة في سياق النفي فتعم، فنفى الله جميع أنواع الريب والشك كبيرها وصغيرها ظاهرها وباطنها، قال القرطبي: (لا ريب نفي عام، والريب هو الشك والتهمة، فكتاب الله لاشك فيه ولا ارتياب.)(2) .
(1) معالم التنزيل للبغوي (2/254) ، تحقيق محمد النمر، دار طيبة، الرياض، الطبعة الأولى، 1989.
(2)
جامع أحكام القرآن للقرطبي (1/112) باختصار.
وهذا أمر عجيب، فالعادة في كتب بني البشر أن يستفتح أحدهم كتابه بالاعتذار وإظهار العجز، وأن كتابه فيه أخطاء، والمرجو تقبل الحق الذي فيه، والتماس العذر لأخطائه، وبعضهم يطالب القارئ بإصلاح ما يجد، وبعضهم يقول:
إن تجد عيبا فسد الخللا جل من لا عيب فيه وعلا ولكن الله - تعالى - استفتح كتابه بهذه الكلمة، معلنا فيها التحدى لكل من يقرأ أن يجد فيه خطأ أو ريبا أو شكا.
وقال تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا} [الكهف: 1] ، فليس فيه أدنى اعوجاج، وما كان كذلك فلا يمكن أن يتطرق الطعن فيه، قال القاسمي رحمه الله: ((عوجا (أي شيئا من العوج، باختلال في نظمه وتناف في معانيه، أو زيغ وانحراف عن الدعوة إلى الحق، بل جعله مزيلا للعوج إذ جعله
(قيما (( (1) .
فهذا القرآن هو أحسن الحديث وأجمله، فلا كتاب أحسن منه، وإذا كان القرآن أحسن الحديث، فإنه لا يمكن لما هو أحسن الحديث، أن يكون فيه تناقض أو إشكال أو مجال للطعن.
وقال تعالى: {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 42]، قال ابن كثير رحمه الله: (أي ليس للبطلان
(1) محاسن التأويل للقاسمي (5/7) ، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، مؤسسة التاريخ العربي، بيروت، الطبعة الأولى، 1994.
إليه سبيل؛ لأنه منزل من رب العالمين) (1) ، وهذا نص صريح على استحالة وجود الباطل في كتاب الله، بل على استحالة افترائه عليه، فإن الله يوكل من عباده من ينفي عنه انتحال المبطلين، وتحريف الغالين، وتأويل الجاهلين، وذلك مصداقا لقوله تعالى {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] ، فـ {مَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ} [التكوير: 25] ، بل هو كتاب عظيم فصل (إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ () وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ ( [الطارق: 13-14] .
فهذا الكتاب (مَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (210) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ ( [الشعراء: 210-211]، والدليل أنهم لا يستطيعون التحدي لهم بمثل قوله تعالى:{قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [سراء: 88] .
ومن الأدلة على أن هذا الكتاب من عند الله قوله تعالى: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} [العنكبوت: 48] .
فما كان لرجل أمي لا يقرأ ولا يكتب أن يأتي بمثل هذا الكلام، ويتحدى به الثقلين، ولم يقدر أحد على معارضته وإجابة هذا التحدي.
وقد شهد على صحة هذا القرآن أهل الكتاب كما قال تعالى:
وقال تعالى: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الشعراء: 192-197] .
(
…
وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ
(1) تفسير القرآن العظيم لابن كثير (4/102) .
() وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ( [المائدة: 82-83] .
ثم إنه ما كان لبشر أن يفتري كلاما وينسبه إلى الله، ويضل به الملايين من الناس، ثم بعد ذلك لا يعاجله الله تعالى بالعقوبة:{وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [يونس: 37] وقال تعالى: (تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ () وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ () لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ () ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ () فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ ( [الحاقة: 44-47] .
ونحن نقول -على سبيل التنزل- لمن أنكر أن القرآن كلام الله: افرض أن هذا الكتاب من عند الله حقا، وأنك مخطئ، فما أنت صانع {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} [فصلت: 52] .
وقد توعد الله تعالى المكذبين بهذا الكتاب بالنكال والعذاب، فقال:{أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ} [الأنعام: 157] .
وقال تعالى: {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} [الزمر: 55] .
وأخيرا نقول لمن كفر بالقرآن: {قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا} [الإسراء: 107-108](1) .
(1) وسوف يأتي - إن شاء الله - مزيد أدلة على صحة القرآن، وأنه من الله تعالى في الفصل الأول، من الباب الأول، في مبحث الأدلة على صدق القرآن.
المبحث الثاني: موقف سلف الأمة ممن يثيرون الشبه والمطاعن حول القرآن
هذا المبحث في غاية من الأهمية؛ لأننا قوم نتبع على بصيرة ولا نبتدع، وقد أُمرنا بالاقتداء بالسلف الصالح، الذين هم خير القرون عند الله، وقضية الحرب على القرآن ليست وليدة اليوم، بل هي حرب قديمة مستمرة وستستمر، فهذه تجارب يجب أن نستفيد منها، حتى نبدأ من حيث انتهوا، فنستفيد علما ووقتا.
فنقول: ينقسم موقف السلف مع من يثيرون الشبه حول القرآن إلى قسمين بحسب حال الشخص:
أولاً: إن كان طالبَ حق وسؤالُه سؤال استرشاد، ولكنه قد أشكل عليه، فإنهم معه على النحو التالي:
1-
تعليمه التسليم والانقياد للنص:
كما ورد عَنْ مُعَاذَةَ قَالَتْ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ فَقُلْتُ: مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي
الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ؟ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ (1) أَنْتِ؟ قُلْتُ: لَسْتُ
(1) الحرورية: الْحَرُورِيّ مَنْسُوب إِلَى حَرُورَاء بِفَتْحِ الْحَاء وَضَمّ الرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ وَبَعْد الْوَاو السَّاكِنَة رَاءٌ أَيْضًا، بَلْدَة عَلَى مِيلَيْنِ مِنْ الْكُوفَة، وَالْأَشْهَر أَنَّهَا بِالْمَدِّ، قَالَ الْمُبَرِّد: النِّسْبَة إِلَيْهَا حَرُورَاوِيّ، وَكَذَا كُلّ مَا كَانَ فِي آخِره أَلِف تَأْنِيث مَمْدُودَة، وَلَكِنْ قِيلَ الْحَرُورِيّ بِحَذْفِ الزَّوَائِد، وَيُقَال لِمَنْ يَعْتَقِد مَذْهَب الْخَوَارِج حَرُورِيّ؛ لِأَنَّ أَوَّل فِرْقَة مِنْهُمْ خَرَجُوا عَلَى عَلِيٍّ بِالْبَلْدَةِ الْمَذْكُورَة فَاشْتُهِرُوا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا، وَهُمْ فِرَقٌ كَثِيرَة، لَكِنْ مِنْ أُصُولهمْ الْمُتَّفَق عَلَيْهَا بَيْنهمْ الْأَخْذُ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآن وَرَدُّ مَا زَادَ عَلَيْهِ مِنْ الْحَدِيث مُطْلَقًا، وَلِهَذَا اِسْتَفْهَمَتْ عَائِشَة مُعَاذَة اِسْتِفْهَام إِنْكَار ، وَزَادَ مُسْلِم فِي رِوَايَة عَاصِم عَنْ مُعَاذَة فَقُلْت: لَا وَلَكِنِّي أَسْأَل، أَيْ سُؤَالًا مُجَرَّدًا لِطَلَبِ الْعِلْم لَا لِلتَّعَنُّتِ، وَفَهِمَتْ عَائِشَة عَنْهَا طَلَبَ الدَّلِيل فَاقْتَصَرَتْ فِي الْجَوَاب عَلَيْهِ دُون التَّعْلِيل) [انظر: فتح الباري (1/502) ] .
بِحَرُورِيَّةٍ وَلَكِنِّي أَسْأَلُ. قَالَتْ: كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ) (1) .
وفي الصحيحين أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ حَدَّثَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي رَهْطٍ مِنَّا، وَفِينَا بُشَيْرُ ابْنُ كَعْبٍ فَحَدَّثَنَا عِمْرَانُ يَوْمَئِذٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ» قَالَ: أَوْ قَالَ: «الْحَيَاءُ كُلُّهُ خَيْرٌ» فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ: إِنَّا لَنَجِدُ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ أَوْ الْحِكْمَةِ، أَنَّ مِنْهُ سَكِينَةً وَوَقَارًا لِلَّهِ، وَمِنْهُ ضَعْفٌ. قَالَ: فَغَضِبَ عِمْرَانُ حَتَّى احْمَرَّتَا عَيْنَاهُ، وَقَالَ: أَلَا أَرَانِي أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَتُعَارِضُ فِيهِ. قَالَ: فَأَعَادَ عِمْرَانُ الْحَدِيثَ، قَالَ: فَأَعَادَ بُشَيْرٌ، فَغَضِبَ عِمْرَانُ قَالَ: فَمَا زِلْنَا نَقُولُ فِيهِ: إِنَّهُ مِنَّا يَا أَبَا نُجَيْدٍ، إِنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ) (2) .
(1) متفق عليه؛ (البخاري: كتاب الحيض، باب: لا تقضي الحائض الصلاة، رقم: 315، ومسلم: كتاب الحيض، باب: وجوب الصوم على الحائض دون الصلاة، رقم:335.
(2)
متفق عليه؛ البخاري: كتاب الأدب، باب: الحياء، رقم: 5766، ومسلم: كتاب الإيمان، باب: عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها، رقم:37.
2-
تعليمه بالتي هي أحسن، أخذا من قوله تعالى {وأما السائل فلا تنهر} [الضحى: 10] ، وقوله تعالى:{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125] وقوله: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ وَقُولُواءَامَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [العنكبوت: 46] ، والمسلم أولى بالإحسان من الكتابي.
وذكر الداوودي في ترجمة الشنبوذي (عن الداني أنه قال: دخل الشنبوذي على عضد الدولة زائرا، فقال له: يا أبا الفرج إن الله تعالى يقول: {يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ} [النحل: 69] ونرى العسل يأكله المحرور فيتأذى به؛ والله الصادق في قوله، فقال: أصلح الله الملك، إن الله لم يقل: فيه الشفاء للناس. بالألف واللام، الَّذيْنِ يدخلان لاستيفاء الجنس، وإنما ذكره مُنَّكرا، فمعناه فيه شفاء لبعض الناس دون بعض.
قال الداني: والصواب أن الألف واللام في قوله: (للناس (لا يستغرقان الجنس كله، كما لا يستغرقان في قوله: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم} [آل عمران: 173] وقوله: {فنادته الملائكة} [آل عمران: 39] وقوله: {وقالت اليهود عزير ابن الله} [التوبة: 30] وشبهه)(1) .
(1) طبقات المفسرين للداوودي (2/60) .
3-
الشدة أحيانا على من لا يخاف عليه النفرة بالشدة، وعنده من العلم ما لا ينبغي معه أن يسأل هذا السؤال؛ كحديث عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ نَفَرًا كَانُوا جُلُوسًا بِبَابِ النَّبِيِّ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ كَذَا وَكَذَا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ كَذَا وَكَذَا -وفي رواية أنهم تكلموا في القدر- فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، فَخَرَجَ كَأَنَّمَا فُقِئَ فِي وَجْهِهِ حَبُّ الرُّمَّانِ فَقَالَ:«بِهَذَا أُمِرْتُمْ - أَوْ بِهَذَا بُعِثْتُمْ - أَنْ تَضْرِبُوا كِتَابَ اللَّهِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، إِنَّمَا ضَلَّتْ الْأُمَمُ قَبْلَكُمْ فِي مِثْلِ هَذَا، إِنَّكُمْ لَسْتُمْ مِمَّا هَاهُنَا فِي شَيْءٍ، انْظُرُوا الَّذِي أُمِرْتُمْ بِهِ، فَاعْمَلُوا بِهِ وَالَّذِي نُهِيتُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا» (1) .
ثانيا: وأما إن كان السائل يسأل تعنتا، فإن لهم معه طرقا كثيرة:
1-
تعليمه السؤال الصحيح: عن عامر بن وائلة، أن ابن الكواء سأل عليا رضي الله عنه فقال: يا أمير المؤمنين ما الذاريات ذروا؟ قال: ويلك سل تفقها، ولا تسأل تعنتا (2) .
2-
تأديبه إن كان له عليه قدرة وسلطة: كما فعل عمر رضي الله عنه مع صبيغ؛ فعن السائب بن يزيد، أن رجلا قال لعمر رضي الله عنه: إني مررت برجل يسأل عن تفسير مشكل القرآن، فقال عمر: اللهم أمكني منه. فدخل الرجل على عمر يوما وهو لابس ثيابا وعمامة، وعمر يقرأ القرآن، فلما فرغ قام إليه الرجل، فقال: يا أمير المؤمنين ما الذاريات ذروا؟ فقام عمر فحسر عن ذراعيه وجعل يجلده، ثم قال: ألبسوه ثيابه واحملوه على؛ قتب، وأبلغوا به حيَّه، ثم ليقم
(1) أخرجه الإمام أحمد (6806)، وابن ماجه (في المقدمة في باب: في القدر، رقم: 85) ، وإسناده حسن.
(2)
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (17/21) .
خطيبا فليقل: إن صبيغا طلب العلم فأخطأه، فلم يزل وضيعا في قومه بعد أن كان سيدا فيهم (1) .
3-
هَجْره، والتحذير منه، وعدم مناظرته:
وهذا لثلاثة أسباب (2) :
أ- لتأديبه: كما فعل عمر رضي الله عنه مع صبيغ.
ب-لأن صاحب الشبهة إن كان مغموسا في باطله، ويطلب نصرته، أو يريد التشكيك في الحق، فإنه لا ينفع معه الجدال:
قال تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيءَايَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: 68] .
عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: تَلَا رَسُولُ اللَّهِ هَذِهِ الْآيَةَ: (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (: «فَإِذَا رَأَيْتِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكِ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ» (3) .
ج-إذا كان الراد على الشبه لا يأمن على نفسه من التأثر:
(1) المصدر السابق (17/21) .
(2)
انظر: الروض الريان في أسئلة القرآن (1/75) بتصرف وزيادة.
(3)
متفق عليه؛ (البخاري: كتاب تفسير القرآن، باب: منه آيات محكمات، رقم: 4273، ومسلم: كتاب العلم، باب: النهي عن اتباع متشابه القرآن، رقم:2665.
قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: لَا تُجَالِسُوا أَهْلَ الْأَهْوَاءِ وَلَا تُجَادِلُوهُمْ، فَإِنِّي لَا آمَنُ أَنْ يَغْمِسُوكُمْ فِي ضَلَالَتِهِمْ، أَوْ يَلْبِسُوا عَلَيْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْرِفُونَ.
وعَنْ أَيُّوبَ قَالَ: رَآنِي سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ جَلَسْتُ إِلَى طَلْقِ بنِ حَبِيبٍ فَقَالَ لِي: أَلَمْ أَرَكَ جَلَسْتَ إِلَى طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ لَا تُجَالِسَنَّهُ.
وعَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّ فُلَانًا يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّهُ قَدْ أَحْدَثَ، فَإِنْ كَانَ قَدْ أَحْدَثَ، فَلَا تَقْرَأْ عليه السلام.
وعَنْ سَلَّامِ بْنِ أَبِي مُطِيعٍ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ الْأَهْوَاءِ قَالَ لِأَيُّوبَ: يَا أَبَا بَكْرٍ أَسْأَلُكَ عَنْ كَلِمَةٍ، قَالَ: فَوَلَّى وَهُوَ يُشِيرُ بِأُصْبُعِهِ وَلَا نِصْفَ كَلِمَةٍ، وَأَشَارَ لَنَا سَعِيدٌ بِخِنْصِرِهِ الْيُمْنَى) (1) .
4-
مناظرته والتصدي له إن انتشرت بدعته وراجت، أو كان ذا سلطان:
كما حصل مع الإمام أحمد وابن أبي دؤاد في فتنة خلق القرآن، وكما حصل مع عبد العزيز الكناني مع بشر المريسي، وحكيت وقائع هذه المناظرة في كتاب الحيدة، وهذه سنة إبراهيمية شرعية {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْءَاتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: 258] .
5-
تأليف الكتب التي تنقض بدعته وشبهته، وتبين زيف كلامه.
6-
إقامة حد الله عليه، إن كان تحت ولاية المسلمين.
7-
إن كان الطاعن ذا شوكة فالحرب؛ قال ابن القيم: (ومن بعض حقوق الله على عباده، رد الطاعنين
(1) كل هذه الآثار أخرجها الدارمي في المقدمة، في باب: اجتناب أهل الأهواء والبدع والخصومة.
على كتابه ورسوله ودينه، ومجاهدتهم بالحجة والبيان والسيف والسنان والقلب والجنان، وليس وراء ذلك حبة خردل من الايمان، وكان انتهي إلينا مسائل أوردها بعض الكفار الملحدين على بعض المسلمين، فلم يصادف عنده ما يشفيه، ولا وقع دواؤه على الداء الذي فيه، وظن المسلم أنه بضربه يداويه، فسطا به ضربا وقال: هذا هو الجواب. فقال الكافر: صدق أصحابنا في قولهم، إن دين الإسلام إنما قام بالسيف لا بالكتاب، فتفرقا وهذا ضارب وهذا مضروب وضاعت الحجة بين الطالب والمطلوب، فشمر المجيب ساعد العزم، ونهض على ساق الجد، وقام لله قيام مستعين
به، مفوض إليه، متكل عليه في موافقة مرضاته، ولم يقل مقالة العجزة الجهال: إن الكفار إنما يعاملون بالجلاد دون الجدال، وهذا فرار من الزحف، وإخلاد إلى العجز والضعف، وقد أمر الله بمجادلة الكفار بعد دعوتهم إقامة للحجة، وإزاحة للعذر، ليهلك من هلك عن بينة، ويحي من حي عن بينة، والسيف إنما جاء منفذا للحجة، مقوما للمعاند، وحدا للجاحد قال تعالى:{لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز} [الحديد: 25] فدين الإسلام قام بالكتاب الهادي، ونفذه السيف الماضي:
فََمَا هُوَ إلَاّ الوَّحْيُ أو حَدُّ مُرْهَفٍ (1) يُقيمُ ظَبَاهُ (2) أخْدَعَيْ (3) كل مائلِ
فهذا شفاءُ الدَّاءِ مِنْ كُلِّ عالمٍ وهذا دواءُ الدَّاءِ مَنْ كُلِّ جاهِلِ) (4)
(1) حد مرهف: المرهف السيف الحاد. (مختار الصحاح (1/109) .
(2)
ظباه: ظب السيف جمع ظُبَة، وهو حد السيف. (لسان العرب (15/22) .
(3)
الأخدعان: عرقان خفيان في موضع الحجامة من العنق. (لسان العرب (8/66)
(4)
هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى، لابن القيم (ص: 31) والبيتان لأبي تمام: انظر: "المثل السائر"2/295.
المبحث الثالث: قواعد التعامل مع المطاعن
لنا في التعامل مع المطاعن التي تثار حول كتاب الله قواعد عدة، وهي كالتالي:
أولا: اليقين التام بأن جميع هذه المطاعن مفتراة مكذوبة، لا أصل لها من الصحة، ولا أساس لها من الواقع، وإنما هي محض أوهام بل أضغاث أحلام، جاءت من قلب امرئ حاقد أو جاهل؛ لأن الله تعالى يقول:{لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 42] ، فما كان لنا إن نكذب ربنا ونصدق ملحدا حاقدا أو مجادلا جاهلا، وهذه القضية في غاية من الأهمية؛ إذ أن كل من تأثر بالمستشرقين من المعاصرين لم تكن عنده هذه القضية من المسلمات، بل ضعف يقينهم في هذا الباب أدى بهم إلى هذه المزالق.
ثانيا: إن عدم قدرة إنسان معين على الرد، ليس معناه الهزيمة والعجز وإثبات الطعن، بل إنه لا يخلو زمان من قائم لله بالحجة؛ لقوله تعالى:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] .
ثالثا: قانون العمل عند وجود الطعن لسبب ما:
1-
الجمع بين مدلولات النصوص والتوفيق بينها ما أمكن: فالخاص يقدم على العام، والمطلق يقيد بالمقيد. . إلخ.
2-
فإن تعذر الجمع، فالنسخ إن أمكن ذلك، وعلم المتقدم والمتأخر.
3-
فإن تعذر ذلك لجأنا إلى الترجيح، فيقدم الراجح للعمل.
مسلك الترجيح بين الآيات يقوم على الأتي:
1-
تقديم المدني على المكي.
2-
أن يكون الحكم على غالب أحوال أهل مكة، والآخر على غالب حال أهل المدينة، فيقدم الحكم بالخبر الذي فيه أحوال أهل المدينة.
3-
أن يكون أحد الظاهرين مستقلا بحكمه والآخر مقتضيا لفظا يزاد عليه، فيقدم المستقل بنفسه عند المعارضة والترتيب.
4-
أن يكون كل واحد من العمومين محمولا على ما قصد به في الظاهر عند الاجتهاد، فيقدم ذلك على تخصيص كل واحد منهما من المقصود بالآخر.
5-
أن يكون تخصيص أحد الاستعمالين على لفظ تعلق بمعناه والآخر باسمه.
6-
ترجيح ما يعلم بالخطاب ضرورة على ما يعلم منه ظاهرا.
قال الزركشي (1) :
(1) البرهان في علوم القرآن للزركشي (2/48-51) .
(فصل في القول عند تعارض الآي: قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني: إذا تعارضت الآي، وتعذر فيها الترتيب والجمع، طلب التاريخ، وترك المتقدم منهما بالمتأخر، ويكون ذلك نسخا له. وإن لم يوجد التاريخ، وكان الإجماع على استعمال إحدى الآيتين، علم بإجماعهم أن الناسخ ما أجمعوا على العمل بها.
قال: ولا يوجد في القرآن آيتان متعارضتان تعريان عن هذين الوصفين.
وذكروا عند التعارض مرجحات:
الأول: تقديم المدني على المكي، وإن كان يجوز أن تكون المكية نزلت عليه صلى الله عليه وسلم بعد عوده إلى مكة، والمدنية قبلها، فيقدم الحكم بالآية المدنية على المكية في التخصيص والتقديم؛ إذ كان غالب الآيات المكية نزولها قبل الهجرة.
الثاني: أن يكون أحد الحكمين على غالب أحوال أهل مكة، والآخر على غالب أحوال أهل المدينة، فيقدم الحكم بالخبر الذي فيه أحول أهل المدينة، كقوله تعالى: (ومن دخله كان آمنا (مع قوله: {كتب عليكم القصاص في القتلى} [سورة البقرة 178] فإذا أمكن بناء كل واحدة من الآيتين على البدل، جعل التخصيص في قوله تعالى: (ومن دخله كان آمنا (كأنه قال إلا من وجب عليه القصاص ومثل قوله: {غير محلي الصيد وأنتم حرم} [سورة المائدة: 1] ونهيه (عن قتل صيد مكة مع قوله تعالى: {يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين} [سورة المائدة: 4] فجعل النهي فيمن اصطاده في الحرم، وخص من اصطاده في الحل وأدخله حيا فيه.
الثالث: أن يكون أحد الظاهرين مستقلا بحكمه، والآخر مقتضيا لفظا يزاد عليه، فيقدم المستقل بنفسه عند المعارضة والترتيب، كقوله
تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله} [سورة البقرة: 196] مع قوله: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} [البقرة: 196] وقد أجمعت الأمة على أن الهدي لا يجب بنفس الحصر، وليس فيه صريح الإحلال بما يكون سببا له، فيقدم المنع من الإحلال عند المرض بقوله: (وأتموا الحج والعمرة لله (على ما عارضه من الآية.
الرابع: أن يكون كل واحد من العمومين محمولا على ما قصد به في الظاهر عند الاجتهاد، فيقدم ذلك على تخصيص كل واحد منهما من المقصود بالآخر، كقوله: (وأن تجمعوا بين الأختين (بقوله: (وما ملكت أيمانكم (فيخص الجمع بملكه اليمين بقوله تعالى: {وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف} [النساء: 23] فتحمل آية الجمع على العموم، والقصد فيها بيان ما يحل وما يحرم وتحمل آية الإباحة على زوال اللوم فيمن أتى بحال.
الخامس: أن يكون تخصيص أحد الاستعمالين على لفظ تعلق بمعناه والآخر باسمه، كقوله:{شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم} [المائدة: 106] مع قوله تعالى: (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا (
[الحجرات: 6] الآية فيمكن أن يقال في الآية بالتبين عند شهادة الفاسق إذا كان ذلك من كافر على مسلم، أو مسلم فاسق على كافر، وأن يقبل الكافر على الكافر وإن كان فاسقا، أو يحمل ظاهر قوله: (أو آخران من غيركم (على القبيلة دون الملة، ويحمل الأمر بالتثبت على عموم النسيان في الملة لأنه رجوع إلى تعيين اللفظ، وتخصيص الغير بالقبيلة؛ لأنه رجوع إلى الاسم على عموم الغير.
السادس: ترجيح ما يعلم بالخطاب ضرورة على ما يعلم منه ظاهرا، كتقديم قوله تعالى:{وأحل الله البيع} [البقرة: 275] على قوله: {وذروا البيع} [الجمعة: 9] فإن قوله: (وأحل (يدل على حل البيع
ضرورة، ودلالة النهي على فساد البيع إما ألا تكون ظاهرة أصلا، أو تكون ظاهرة منحطة عن النص) اهـ.
وقد ذكر الشوكاني في كتابه " إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول " في باب أنواع الترجيح (1) طرقا كثيرة للترجيح: فباعتبار المتن ذكر ثمانية وعشرين نوعا، وباعتبار المدلول تسعة أنواع، والترجيح باعتبار أمور خارجة ذكر عشرة أنواع؛ فالمجموع سبعة وأربعون نوعا للترجيح.
يقول الشوكاني: (واعلم أن الترجيح قد يكون باعتبار الإسناد، وقد يكون باعتبار المتن، وقد يكون باعتبار المدلول، وقد يكون باعتبار أمر خارج، فهذه أربعة أنواع)(2) .
(فأما باعتبار السند فهذه لا يلتفت إليها في القرآن؛ لأنه قطعي الثبوت، وإنما تكون في التعارض بين الأحاديث.
وأما المرجحات باعتبار المتن فهي أنواع، فمن الأنواع التي لها أثر فيما ظاهره التعارض في القرآن:
1-
تقديم الحقيقة على المجاز، لتبادرها إلى الذهن، هذا إذا لم يغلب المجاز كقوله تعالى (. . بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ. . (فيكون المراد بها اليد الحقيقية لا المجاز بمعنى القوة والكرم، لاسيما والتثنية تأباه.
2-
أنه يقدم المجاز الذي هو أشبه بالحقيقة على المجاز الذي لم يكن كذلك.
(1) إرشاد الفحول (2/382-394) .
(2)
إرشاد الفحول (2/382) .
3-
أنه يقدم ما كان حقيقة شرعية أو عرفية على ما كان حقيقة لغوية.
4-
أنه يقدم ما كان مستغنيا عن الإضمار في دلالته على ما هو مفتقر إليه.
5-
أنه يقدم الدال على المراد من وجهين على ما كان دالا على المراد من وجه واحد.
6-
أنه يقدم ما دل على المراد بغير واسطة على ما دل عليه بواسطة.
7-
أنه يقدم مفهوم الموافقة على مفهوم المخالفة.
وأما المرجحات باعتبار المدلول فهي أنواع:
1-
أنه يقدم ماكان ناقلالحكم الأصل والبراءة علىماكان مبقيا على البراءة الأصلية.
2-
أنه يقدم ما فيه تأسيس على ما فيه تأكيد.
وأما المرجحات بحسب الأمور الخارجة فهي أنواع:
1-
أنه يقدم ما عضده دليل آخر على ما لم يعضده دليل آخر.
2-
أنه يقدم ما كان فيه التصريح بالحكم على ما لم يكن كذلك كضرب الأمثال ونحوها فإنها ترجح العبارة على الإشارة) (1) .
يضاف لهذا ما ذكره الزركشي.
(1) المرجع السابق، باختصار وتصرف.
الباب الثاني (تطبيقي) : موقف الطاعنين من آيات القرآن والرد عليهم
وفيه فصلان:
الفصل الأول: الردود الإجمالية على من طعن في القرآن
.
الفصل الثاني: الردود التفصيلية على من طعن في القرآن.
الفصل الأول: الردود الإجمالية على من طعن في القرآن
-وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: الأدلة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم. (*)
المبحث الثاني: الأدلة على صدق القرآن وما فيه.
المبحث الثالث: ردود القرآن على الطاعنين.
المبحث الرابع: ردود إجمالية أخرى.
(*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: هذا المبحث ليس في المطبوع، ونص هذه الصفحة في المطبوع كالتالي:
الفصل الأول: الردود الإجمالية على من طعن في القرآن
-وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: الأدلة على صدق القرآن وما فيه.
المبحث الثاني: ردود القرآن على الطاعنين.
المبحث الثالث: ردود إجمالية أخرى.