الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
375 - بَابٌ: آخِرُ الأَمْرَيْنِ تَرْكُ الوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ
2277 -
حَدِيثُ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ
◼ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: ((كَانَ آخِرُ الأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم تَرْكَ الوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ (غَيَّرَتِ) النَّارُ)).
• وَفِي رِوَايَةٍ: ((أَنَّ التَّرْكَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الوُضُوءُ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ)).
[الحكم]:
مختلفٌ فيه:
فصَحَّحَهُ: ابنُ خزيمةَ، وابنُ السَّكنِ، وابنُ حزمٍ، والجورقانيُّ، وابنُ عساكر، والنوويُّ، وابنُ الملقنِ، وابنُ حَجَرٍ -في أحدِ قوليه- والعينيُّ، وابنُ مُفلحٍ، والسيوطيُّ، والألبانيُّ، وأحمد شاكر.
بينما أعله: أبو حاتم الرازيُّ فقال: ((هذا حديثٌ مضطربُ المتنِ)). وأعلَّه: أبو داودَ، وابنُ حِبَّانَ. ومالَ إليه: البيهقيُّ، وأبو العباسِ الدانيُّ، وأبو الوليدِ الباجيُّ، وابنُ دَقيقِ العيدِ، ومغلطاي، وابنُ القيمِ، وابنُ حَجَرٍ، والعينيُّ -في أحد قوليهما- وذهبوا إلى أنه مختصرٌ من حديثِهِ في قصةِ الأكلِ من شَاةِ المرأةِ الأنصاريةِ.
والراجحُ: أنه شاذٌّ بهذا اللفظِ.
[الفوائد]:
قال ابنُ حِبَّانَ: ((هذا خبرٌ مختصرٌ من حديثٍ طويلٍ، اختصرَهُ شعيبُ بنُ أبي حمزةَ، متوهمًا لنسخ إيجاب الوضوء مما مسَّتِ النَّارُ مطلقًا. وإنما هو نَسْخٌ لإيجابِ الوضوءِ مما مسَّتِ النَّارُ خلا لحم الجزور فقط)) (صحيح ابن حِبَّانَ 3/ 416).
وهذا الذي ذهبَ إليه ابنُ حِبَّانَ ذهبَ إليه أيضًا أبو داودَ وغيرُهُ.
ويعني بالحديثِ الطويلِ: حديث جابر في قصةِ المرأةِ التي ذبحتْ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم شَاةً، وفيه أنَّهُ أَكَلَ مِنْهَا ثُمَّ تَوَضَّأَ وصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَكَلَ مِنَ الشَّاةِ وصَلَّى العَصْرَ بغيرِ وُضُوءٍ. وقد سبقَ ذِكرُه قريبًا برواياتِهِ.
وما خَشِي منه ابنُ حِبَّانَ -وهو دخولُ لحمِ الجزورِ ضِمْنَ مفردات حديث جابر هذا- ليس بواردٍ أصلًا؛ لأن العلةَ في الأمرِ بالوضوءِ من لحمِ الجزورِ إنما هي كونه لحم جزور، وليستِ العلةُ كونه مما مسَّته النَّارُ؛ فالأمرُ بالوُضُوءِ منه يشملُ ما لو أُكِل نِيئًا أو مشويًّا أو غير ذلك.
ثم إن حديثَ جابرٍ في تركِ الوضوءِ مما مسَّتِ النَّارُ عامٌّ، وحديثُ الوضوءِ من لحمِ الجزورِ خاصٌّ، فيَخرج هذا الخاص من عموم حديث جابر.
انظر (مجموع الفتاوى 21/ 261)، وسيأتي مزيدُ بيانٍ بشأنِ مسألةِ الاختصارِ في التحقيقِ.
مع العلم بأن القولَ بأن حديثَ جابرٍ هذا ناسخٌ لأحاديثِ الوضوءِ مما مسَّتِ النارِ- قولٌ منازعٌ فيه، من جهةِ أنه قد يمكنُ الجمعُ بأن ترك الوضوء يُحمل على أنه قرينة لصرفِ الأمرِ من الوجوبِ إلى الاستحبابِ.
وقد قال شيخُ الإسلامِ: "هذا مع أن أحاديثَ الوضوءِ مما مسَّتِ النارُ لم
يَثبتْ أنها منسوخةٌ، بل قد قيل: إنها متأخرةٌ. ولكن أحد الوجهين في مذهب أحمد: أن الوضوءَ منها مُسْتَحَبٌّ ليس بواجبٍ. والوجه الآخر: لا يُسْتَحَبُّ" (الفتاوى 21/ 12)، وانظر (مجموع الفتاوى 21/ 263).
وقد أقرَّ ابنُ حزمٍ القولَ بأنَّ أحاديثَ الوضوءِ مما مسَّتِ النَّارُ متأخرةٌ، ومع ذلك ذهبَ إلى القولِ بالنسخِ، فقال:"وأما كلُّ حديثٍ احتجَّ به مَن لا يَرى الوُضُوءَ مما مسَّتِ النَّارُ من أَنَّ رَسُولَ اللهِ أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ ونحو ذلك- فلا حجةَ لهم فيه؛ لأن أحاديثَ إيجاب الوضوء هي الواردة بالحكم الزائد على هذه التي هي موافقة لما كان الناس عليه قبل ورود الأمر بالوضوء مما مست النار. ولولا حديث شعيب بن أبي حمزة الذي ذكرنا، لَمَا حَلَّ لأحدٍ ترك الوضوء مما مسَّتِ النَّارُ"(المحلى 1/ 244).
[التخريج]:
تخريج السياقة الأولى: [د 191 (والرواية له) / ن 190 (واللفظ له) / كن 238/ خز 46/ حب 1129/ طس 4663/ طش 2973/ طص 671/ جا 23/ منذ 129/ طح (1/ 66/ 394) / محلى (1/ 243) / هق 735/ هقغ 38/ عيل 362/ غيل 405/ بشن (الجزء الأول 353) / قا (1/ 136) / ناسخ 64/ طيل 337/ تمهيد (3/ 347)، (12/ 276) / استذ (2/ 146) / فق (1/ 343/ 337) / عتب (ص 48) / لا 1302/ كر (23/ 90)، (27/ 50، 51)، (60/ 414) / عساكر (أبدال 7) / جوزي (ناسخ 52) / جوزي (مشكل 3/ 581) / كم (صـ 85) / علحا 174/ تذ (1/ 163، 282) / نبلا (7/ 191)، (10/ 340) / خبر (2/ 273)].
تخريج السياقة الثانية: [ثحب (8/ 498) / فحيم 143].
[السند]:
أخرجه أبو داود، قال: حدثنا موسى بن سهل أبو عمران الرملي، ثنا علي بن عياش، ثنا شعيب بن أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال
…
فذكره.
وأخرجه النسائيُّ في (الصغرى)، قال: أخبرنا عمرو بن منصور قال: حدثنا علي بن عياش قال: حدثنا شعيب عن محمد بن المنكدر قال: سمعتُ جابر بن عبد الله، به.
ومداره عند الجميع -عدا ابن بشران في (أماليه)، وابن حِبَّانَ في (الثقات)، وابن دُحيم في (فوائده) - على علي بن عياش، به.
قال الطبراني: "لا يَروي هذا الحديث عن محمد بن المنكدر إلا شعيب بن أبي حمزة، تَفَرَّد به علي بن عياش". وكذا قال الدارقطنيُّ في (الأطراف 2/ 384).
[التحقيق]:
إسنادُهُ من المدارِ على شرطِ البخاريِّ، ورجاله ثقات؛ علي بن عياش من رجالِ البخاريِّ، قال فيه الحافظُ:"ثقةٌ ثبتٌ"(التقريب 4779)، وشعيب بن أبي حمزة من رجال الشيخين، قال عنه الخليليُّ:"ثقةٌ متفقٌ عليه، حافظٌ، أثنى عليه الأئمة"(تهذيب التهذيب 4/ 352)، ووَثَّقَهُ الحافظُ في (التقريب 2798)، وابنُ المنكدرِ ثقةٌ من رجالِ الشيخينِ كما سبقَ مرارًا.
وقد صَحَّحَهُ: ابنُ خُزيمةَ، وابنُ حِبَّانَ حيثُ أخرجاه في الصحيح، وصَحَّحَهُ أيضًا: ابنُ السكنِ كما في (خلاصة البدر المنير 1/ 51)، وابنُ حزمٍ في (المحلى 1/ 243)، والجورقانيُّ في (الأباطيل 1/ 527)، وابنُ عساكر،
وقال: ((على شرط البخاري)) (الأربعون الأبدال 7)، والنوويُّ في (شرح صحيح مسلم 4/ 43) وفي (الخلاصة 301)، وابنُ الملقنِ في (البدر المنير 2/ 412)، وابنُ حَجَرٍ العسقلانيُّ في (الرابع من معجم الشيخة مريم 5)، والعينيُّ في (شرح أبي داود 1/ 446)، والسيوطيُّ في (شرح سنن ابن ماجه صـ 37)، والألبانيُّ في (صحيح أبي داود 1/ 348)، وأحمد شاكر في (تعليقه على جامع الترمذي).
وجَوَّدَ إسنادَهُ: ابنُ مُفْلحٍ (المبدع في شرح المقنع 1/ 143).
قلنا: وهو كما قالوا، لولا علة فيه تمنع من صحته، وهي ما ذكره ابنُ أبي حاتم في (العلل 174)
(1)
قال: ((وسألتُ أبي عن حديثٍ حدثنا به محمد بن عوف، عن علي بن عياش، عن شعيب بن أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، قال: كَانَ آخِرَ الأَمْرِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَرْكُ الوُضُوءِ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ؟ فقال أبي: هذا حديثٌ مضطربُ المتنِ؛ إنما هو أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم أَكَل كتفًا، ثم صلَّى ولم يَتَوَضَّا. كذا رواه الثقاتُ عن ابنِ المنكدرِ، ويمكنُ أن يكونَ شعيبُ بنُ أبي حمزةَ حَدَّثَ من حفظه؛ فوهم فيه)).
قلنا: وروايةُ الثقاتِ التي أشارَ إليها أبو حاتم إنما وقفنا عليها بلفظ: ((خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأَنَا مَعَهُ، فَدَخَلَ عَلَى امْرَأَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَذَبَحَتْ لَهُ شَاةً، فَأَكَلَ، وَأَتَتْهُ بِقِنَاعٍ مِنْ رُطَبٍ، فَأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ تَوَضَّأَ لِلظُّهْرِ وَصَلَّى، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَأَتَتْهُ بِعُلَالَةٍ مِنْ عُلَالَةِ الشَّاةِ، فَأَكَلَ، ثُمَّ صَلَّى العَصْرَ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ)).
هكذا رواه الترمذيُّ في (جامعه 80)، وغيره، من طريق ابن عيينة، عن
(1)
والسؤال مع ذات الإجابة في (العلل) أيضًا برقم (168) فانظره إن شئتَ.
ابن المنكدر، به.
ورواه أبو داود (190) قال: حدثنا إبراهيمُ بنُ الحسنِ الخَثْعَمِيُّ، حدثنا حجاجٌ، قال ابنُ جُرَيجٍ: أخبرني محمدُ بنُ المنكدرِ، قال: سمعتُ جابرَ بنَ عبدِ اللهِ يقولُ: ((قَرَّبْتُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم خُبْزًا وَلَحْمًا، فَأَكَلَ، ثُمَّ دَعَا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ بِهِ، ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ دَعَا بِفَضْلِ طَعَامِهِ فَأَكَلَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ)).
وتابع ابنَ عيينة وابنَ جُرَيجٍ، عليه:
1 -
معمر بن راشد، كما عند عبدِ الرزاقِ (646)، وابنِ حِبَّانَ (1127)، وغيرهما.
2 -
رَوْح بن القاسم، كما عند ابنِ حِبَّانَ في (الصحيح 1134)، وابنِ الأعرابي في (معجمه 915)، وغيرهما.
3 -
جرير بن حازم، كما عند أبي يعلى (2160)، وابنِ حِبَّانَ في (1133، 1141).
4 -
أيوب السَّختياني، كما عند ابنِ حِبَّانَ في (الصحيح 1132)، وغيره.
5 -
عبد الوارث بن سعيد، كما عند الحارث بن أبي أسامة (بغية الباحث 99).
6 -
أبو علقمة الفَرْوي، كما عند ابنِ حِبَّانَ في (الصحيح 1130)، وغيره.
7 -
سهيل بن أبي صالح، كما عند ابنِ عَدِيٍّ في (الكامل 6/ 403)، والبيهقيِّ في (معرفة السنن 14439).
8 -
عبد العزيز بن أبي سلمة، كما عند أبي بكر الأثرم في (سننه 157)، وغيره.
9 -
يونس بن عُبيد، كما عند الطبرانيِّ في (الأوسط 4974)، وغيره.
10 -
قَزَعة بن سُويد، كما عند أبي بكر الشافعي في (الغيلانيات 690)، وغيره.
عشرتهم، وغيرهم، عن محمد بن المنكدر عن جابر باللفظ المتقدم.
وخالفهم شعيبٌ، فرواه عن ابن المنكدر عن جابر، قال: ((كان آخر الأمرين ترك الوضوء
…
)) الحديث.
قلنا: الذي نميلُ إليه هو أن روايةَ شعيبٍ اختصارٌ لما رواه ابنُ جُرَيجٍ ومَن تابعه؛ إذ إن روايةَ الجماعةِ تحكي واقعة عين للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، إذ جمعتْ بين الوضوء لما مسَّته النَّارُ عند صلاة الظهر، ثم ترك النبي صلى الله عليه وسلم الوضوء لما مسَّته النَّارُ عند صلاة العصر. فحكى شعيبٌ ما فهمه من فعلِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بلفظِ الأمرِ. وهذا الانتقالُ مُخِلٌّ إذ يحكي قاعدة عامة تنسخ أحكامًا متقدمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهذا الذي ذهبنا إليه من كون رواية شعيب اختصارًا لرواية الجماعة- قاله غيرُ واحدٍ من الأئمة:
فقال أبو داود -عقب إخراجه له-: ((وهذا اختصارٌ منَ الحديثِ الأولِ)). أي: مختصرٌ من روايةِ ابنِ جُرَيجٍ ومَن تابعه عن ابنِ المنكدرِ عن جابرٍ في قصةِ المرأةِ التي ذبحتْ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم شَاةً، وفيه أنه أَكَلَ مِنْهَا، ثُمَّ تَوَضَّأَ وصلَّى الظُّهرَ، ثُمَّ أَكَلَ منَ الشَّاةِ وصَلَّى العَصْرَ بغيرِ وُضُوءٍ. وقد سبقَ تخريجُه والكلامُ عليه.
قال أبو العباسِ الدَّاني -مُفسرًا قول أبي داود-: ((كأنه يعني أن جابرًا أراد آخر الأمرين في ذلك المجلس، أي أنه إنما نقلَ فعلًا لا قولًا، فعَبَّر عنه
بالأمر. والله أعلم)) (أطراف الموطأ 4/ 581 - 582).
وقال البيهقيُّ: ((وذهبَ بعضُ أهل العلم إلى الطريقة الثانية
…
وأن روايةَ شعيبِ بنِ أبي حمزةَ عن محمد بن المنكدر- اختصارٌ من الحديث الذي رواه أسامةُ بنُ زيدٍ، وابنُ جُرَيجٍ، عن محمدِ بنِ المنكدرِ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، ((ذَهَبَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى امْرَأَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَمَعَهُ أَصْحَابُهُ، فَقَرَّبَتْ لَهُ شَاةً مَصْلِيَّةً. قَالَ: فَأَكَلَ وَأَكَلْنَا، ثُمَّ حَانَتِ الظُّهْرُ، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ صَلَّى، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى فَضْلِ طَعَامِهِ فَأَكَلَ، ثُمَّ حَانَتِ العَصْرُ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ)).
هكذا رواه جماعةٌ عن محمدِ بنِ المنكدرِ، ويَرَونَ أن آخرَ أمرَيْه أُريدَ به في هذه القصةِ، قاله أبو داود السجستانيُّ وغيرُهُ)) (السنن الكبير 1/ 448).
وقال ابنُ حَجَرٍ -شارحًا كلام أبي داود-: ((لكن قال أبو داود وغيره: إن المرادَ بالأمرِ هنا الشأنُ والقصةُ، لا مقابل النهي، وأن هذا اللفظَ مختصرٌ من حديثِ جابرٍ المشهور في قصةِ المرأةِ التي صنعتْ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم شَاةً فأَكَلَ مِنْهَا، ثُمَّ تَوَضَّأَ وصَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ أَكَلَ مِنْهَا وصَلَّى العصرَ ولم يَتَوَضَّأْ.
فيحتمل أن تكون هذه القصة وقعت قبل الأمر بالوضوء مما مسَّتِ النَّارُ، وأن وضوءَه لصلاة الظهر كان عن حدثٍ لا بسببِ الأكلِ منَ الشَّاةِ)) (فتح الباري 1/ 311).
وبمثل ما قاله أبو داود، قال ابنُ حِبَّانَ أيضًا:((هذا خبرٌ مختصرٌ من حديثٍ طويلٍ، اختصرَهُ شعيبُ بنُ أبي حمزةَ، متوهمًا لنسخ إيجاب الوضوء مما مسَّتِ النَّارُ مطلقًا. وإنما هو نسخ لإيجاب الوضوء مما مسَّتِ النَّارُ خلا لحم الجزور فقط)).
وقال أبو الوليد الباجي: ((وقد قال قوم من أصحابِ الحديثِ: إن شعيبَ بنَ
أبي حمزةَ اختصرَ حديثَ ابنِ المنكدرِ الذي يأتي بعد هذا، فغَيَّرَ معناه)) (المنتقى شرح الموطأ 1/ 65).
وتبع أبا داود صاحبُ (عون المعبود) فقال: ((وأنت خبيرٌ بأن حديثَ جابرٍ "كان آخر الأمرين
…
" ليس من قولِ جابرٍ، بل اختصرَهُ شعيبُ بنُ أبي حمزةَ أحدُ رواته، كما عرفتَ)) (عون المعبود 1/ 227).
قلنا: ومالَ ابنُ دَقيقِ العيدِ لقولِ أبي داود، فقال -متعقبًا إعلال أبي حاتم-: ((الذي ذكره أبو داود أقرب مما قاله أبو حاتم؛ فإن المتنين متباعدَي اللفظ، أعني قوله:"آخر الأمرين"، وقوله:"أَكَلَ كَتِفًا، ثم صَلَّى، ولم يَتَوَضَّأْ"، ولا يجوزُ التعبيرُ بأحدهما عن الآخر. والانتقال من أحدهما إلى الآخر إنما يكون عن غفلة شديدة.
وأما ما ذكره أبو داود من أنه اختصارٌ من حديثه الأول فأقرب؛ لأنه يمكن أن يكون قد عبَّر بهذه العبارة عن معنى الرواية الأخرى)) (الإمام 2/ 404)، وانظر (البدر المنير 2/ 413).
وبنحو كلام ابن دقيق العيد، قال مغلطاي، وزاد:((ولقائلٍ أن يقولَ أيضًا: المراد بآخر الأمرين ذَكَره جابر أولًا من أنه أَكَلَ لحمًا وخبزًا، ثم تَوَضَّأَ، ثم أَكَلَ فَضْلَ طعامِهِ، وصَلَّى ثُمَّ لم يَتَوَضَّأْ. فكان الآخِر من الفعل الأول ترك الوضوء، فصحَّ إذًا الاختصار، [و] كان جائزًا؛ [إذ] فهم من التابع الراوي عنه أنه عرف روايته للحديث الأول، فعبر له بعبارة موجزة يفهمها السامع)) (شرح مغلطاي 2/ 43).
ولذا استدركَ ابنُ حَجَرٍ -بعد أن ذكر تصحيحَ ابنِ خزيمة وابنِ حِبَّانَ للحديثِ-، فقال: ((لكن قال أبو داود وغيره: إن المرادَ بالأمرِ هنا الشأن
والقصة، لا مقابل النهي، وأن هذا اللفظَ مختصرٌ من حديث جابر المشهور في قصة المرأة التي صنعت للنبي صلى الله عليه وسلم شَاةً فأَكَلَ مِنْهَا ثم تَوَضَّأَ وصَلَّى الظهرَ، ثم أَكَلَ مِنْهَا وصلَّى العصرَ ولم يَتَوَضَّأْ.
فيحتمل أن تكون هذه القصة وقعت قبل الأمر بالوضوء مما مسَّتِ النَّارُ، وأن وضوءه لصلاة الظهر كان عن حدثٍ لا بسببِ الأكلِ منَ الشَّاةِ)) (الفتح 1/ 311).
وقال أيضًا: ((لكن توقف أبو حاتم وأبو داود وغيرهما في تصحيحه؛ لأن ابنَ جُرَيجٍ ومعمرًا وغيرهما رووا عن ابن المنكدر عن جابر قصته فيها، أن النبي صلى الله عليه وسلم أَكَلَ لحمًا ثم توضَّأَ وَصَلَّى، ثم أَكَلَ منه وصَلَّى ولم يَتَوَضَّأْ. قال أبو حاتم: كأن شعيبًا حَدَّثَ به من حفظه. وقال أبو داود: هو مختصرٌ من القصةِ)) (موافقة الخبر الخبر 2/ 273).
قلنا: وفي الحديثِ علةٌ أخرى ذكرها مغلطاي، فقال:((وفي الحديثِ علةٌ خفيتْ على مَن صححه، ذكرها البخاري في (التاريخ الأوسط) فقال: ثنا علي: قلت لسفيان: إن أبا علقمة الفروي قال عن ابن المنكدر عن جابر: " أَكَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ" فقال: أحسبني سمعتُ ابنَ المنكدر قال: أخبرني مَن سمع جابرًا: "أَكَلَ النبيُّ" وقال بعضُهم عن ابنِ المنكدرِ: سمعتُ جابرًا. ولا يصحُّ. فهذا حكمٌ منه بعدم صحته متصلًا، وإن كان قد صرَّحَ في (التاريخ الكبير) بسماعه من جابرٍ، ولا منافاةَ بين القولين؛ لاحتمال أن يكون ظهر له أنه لم يسمع هذا منه بخصوصه، وإن كان قد سمع منه غيره، كما قاله، لما سأله الترمذيُّ عن حديثِ ابنِ عباسٍ:"الشاهد واليمين" قال: لم يسمع عمرو هذا الحديث عندي من ابن عباس، مع تصريحه في (صحيحه) بسماعه من ابن عباس غير ما حديث.
وما ذكره الشافعيُّ إثر رواية له في (سنن حرملة)، عن عبد الحميد بن عبد العزيز، عن ابنِ جُرَيجٍ مختصرًا، قال: لم يسمع ابن المنكدر هذا الحديث من جابر، إنما سمعه من عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر.
قال البيهقيُّ: وهذا الذي قاله الشافعيُّ محتمل؛ وذلك لأن صاحبي
(1)
الصحيح لم يخرجا هذا الحديث من جهة ابن المنكدر عن جابرٍ في (الصحيح)، مع كون إسناده من شرطهما، ولأن ابنَ عَقيلٍ قد رواه أيضًا عن جابرٍ، ورواه عنه جماعةٌ، إلا أنه قد رُوِي عن حَجاجِ بنِ محمدٍ، وعبد الرزاق، ومحمد بن بكر، عن ابنِ جُرَيجٍ عن ابنِ للمنكدرِ، وقال: سمعتُ جابرًا. فذكروا هذا الحديثَ. فإن لم يكن ذِكرُ السماعِ فيه وهمًا من ابنِ جُرَيجٍ فالحديثُ صحيحٌ على شرطِ صاحبي الصحيح -والله أعلم-. انتهى كلامه. وفيه عدم رجوع لما قاله الشافعيُّ، وركون إلى قول مَن صرَّحَ بالسماعِ، وذهول عن قول الجُعْفي رحمهم الله تعالى.
ويَزيده وُضُوحًا أيضًا: رجوعُ ابن المنكدر عن هذا الرأي إلى غيره.
ذَكَر أبو زرعةَ الدمشقيُّ في (تاريخه) عن شعيب بن أبي حمزة- أن الزهريَّ ناظَرَ ابنَ المنكدرِ، فاحتجَّ ابنُ المنكدرِ بحديثِ جابرٍ، واحتجَّ الزهريُّ بحديثِ عمرو بنِ أُميَّةَ في الوُضُوءِ مما مسَّتِ النَّارُ. قال: فرجعَ ابنُ المنكدرِ عن مذهبِهِ إلى مذهبِ الزهريِّ.
ولقائلٍ أن يقولَ: لو أخذَه ابنُ المنكدرِ عن جابرٍ شفاهًا لما رجعَ عنه، ولا ساغ له ذلك. ولكن لما أخذه عنه بواسطة ضعيف رجع عنه مسرعًا)) (شرح
(1)
في المطبوع: (أصحاب صاحب)، ولا معنى له! والتصحيح من (السنن ومعرفة الآثار 1/ 446) للبيهقي.
سنن ابن ماجه 2/ 43 - 45).
وذكرَ ابنُ حَجَرٍ في (التلخيص 1/ 116) عن الشافعيِّ وغيرِهِ أنه منقطعٌ؛ لم يسمعْه ابنُ المنكدرِ عن جابرٍ.
وقد تقدَّمَ الكلامُ على هذه العلةِ بتوسعٍ، تحت (حديث ثانٍ لجابر)، (باب ترك الوضوء مما مسته النار.
قلنا: قد حاولَ بعضُ العلماءِ رَدَّ ما أُعِلَّ به هذا الحديث- بما لا يَصلح:
فقال ابنُ حزمٍ: ((وقد ادَّعى قومٌ أن هذا الحديثَ مختصرٌ من الحديثِ الذي حدثناه
…
-فساقه بسنده، ثم قال: - القطعُ بأن ذلك الحديث مختصرٌ من هذا قول بالظنِّ، والظنُّ أكذبُ الحديثِ، بل هما حديثان كما وردا)) (المحلى 1/ 243).
وقال ابنُ التركماني: ((ودعوى الاختصارِ في غايةِ البعد)) ((الجوهر النقي 1/ 156).
وقال الألبانيُّ: ((إن توهيمَ الرواةِ الثقاتِ بدون دليل أو برهان- لا يجوزُ)) (صحيح أبي داود 1/ 348/ الحاشية 2).
وقال الشيخ أحمد شاكر: ((وقد أعلَّه بعضُ الحفاظِ بما لا يصلح تعليلًا -فذكرَ كلامَ أبي حاتم وأبي داود، ثم قال: - ومن الواضحِ أن هذا تَأَوُّل بعيد جدًّا، يَخرج به الحديث عن ظاهره،
بل يُحيلُ معناه عمَّا يدلُّ عليه لفظه وسياقه. ورَمْي الرواة الثقات الحفاظ بالوهم بهذه الصفة ونسبة التصرف الباطل في ألفاظ الحديث إليهم حتى يحيلوها عن معناها- قد يرفع من نفوس ضعفاء العلم الثقة بالروايات الصحيحة جملة
…
)) وذَكَر جملة من ثقة وحفظ ابن عياش وشعيب، ثم
قال: ((ونسبة الوهم إلى مثل هذين الراويين أو إلى أحدهما- يحتاجُ إلى دليلٍ صريحٍ أقوى من روايتهما، وهيهات أن يوجد! ! )) (جامع الترمذي 1/ 121، 122/ الحاشية).
قلنا: وقد جاء الحديث من طريقين غير طريق شعيب إلا أنه لا يَثبت:
الطريق الأول: رواه ابنُ بشران في (أماليه) عن أحمد بن إسحاق، ثنا الحسن بن علي، ثنا محمد بن يوسف، ثنا محمد بن زياد، ثنا عمر بن يونس، ثنا سعيد بن عبد الجبار، عن المنكدر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، به.
وهذا إسنادٌ واهٍ؛ فيه ثلاثُ عللٍ:
العلةُ الأُولى: المنكدر بن محمد؛ قال فيه الحافظ: "لينُ الحديثِ"(التقريب 6916).
العلةُ الثانيةُ: سعيد بن عبد الجبار، لم يتبينْ لنا مَن هو. وقريب من طبقته جماعة ضعفاء، منهم: سعيد بن عبد الجبار الزّبيدي، فلعلَّه هو، وهو "ضعيف، كان جرير يُكذبه"(التقريب 2343).
العلة الثالثة: محمد بن زياد، لم يتبينْ لنا مَن هو. وقريب من طبقته جماعة ضعفاء، منهم: محمد بن زياد الطحان، وهو ساقطٌ؛ قال الحافظُ:"كذَّبوه"(التقريب 5890)، ومحمد بن زياد اليماني؛ قال أحمدُ:"لا يُعْرَفُ"(اللسان 5/ 171).
أما عمر بن يونس، فهو اليمامي ثقة من رجال الصحيح.
ومحمد بن يوسف هو أبو حمة الزبيدي، "صدوقٌ" كما في (التقريب 6418).
والحسن بن علي هو ابن زياد السِّري، ترجمته في (الإكمال 4/ 569) و (الأنساب 3/ 252)، و (التوضيح 5/ 80).
وأحمد بن إسحاق هو ابن نِيخاب الطِّيبي، "صدوقٌ مشهورٌ"(السير 15/ 530).
الطريق الثاني: رواه ابنُ حِبَّانَ في (ثقاته) قال: حدثنا محمد بن المعافى العابد بصيداء، حدثنا عمران بن أبي جميل، حدثنا إسماعيل بن سَمَاعة، حدثنا الأوزاعي، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، أن التركَ من رسول الله صلى الله عليه وسلم الوضوء مما مسَّتِ النَّارُ.
وهذا إسنادٌ رجالُهُ ثقاتٌ، ولكن رواه جماعةٌ عنِ الأوزاعيِّ، قال: حدثني إسماعيلُ بنُ مسلمٍ، حدثني محمدُ بنُ المنكدرِ، أنا جابرُ بنُ عبدِ اللهِ الأنصاريُّ، قال:((بَعَثَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَقَدِ اشْتَرَتْ حَائِطًا لِيَدْعُوَ فِيهِ بِالبَرَكَةِ، فَقَامَ وَقُمْنَا مَعَهُ يَطُوفُ فِي حَائِطِهَا، وَدَعَا فِيهِ بِالبَرَكَةِ، ثُمَّ أُتِينَا بِطَعَامٍ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ، فَأَكَلَ وَأَكَلْنَا مَعَهُ، ثُمَّ حَضَرَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ، فَقَامَ فَتَوَضَّأَ وَتَوَضَّأْنَا مَعَهُ، وَصَلَّيْنَا. ثُمَّ أُتِينَا بِفَضْلِ ذَلِكَ الطَّعَامِ، فَأَكَلَ وَأَكَلْنَا مَعَهُ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى بِنَا العَصْرَ وَلَمْ يَمَسَّ مَاءً وَلَمْ يَتَوَضَّأْ)).
هكذا رواه ابنُ دحيم في (فوائده 142) من طريق عبد الحميد بن أبي العشرين، والوليد بن مسلم، كلاهما عنِ الأوزاعيِّ، به.
وإسماعيل بن مسلم هو المكيُّ، ضعيفٌ.
قلنا: ومما يدلُّ على نكارةِ هذين الطريقين ما تقدَّمَ عن الطبرانيِّ والدارقطنيِّ، بأنه لم يَرْوِ هذا الحديث -يعني بهذا السياق- عن ابنِ المنكدرِ غير شعيب هذا.
[تنبيه]:
قال الجورقانيُّ: "هذا حديثٌ صحيحٌ، رواه عن ابنِ المنكدرِ جماعةٌ، منهم شعيبٌ، وابنُ جُرَيجٍ،
…
وغيرهما" (الأباطيل 1/ 527/ 337).
وهذه العبارةُ لا يُفْهَمُ منها أن شعيبًا توبع على هذه الروايةِ.
وإنما عنى الجورقانيُّ أصلَ حديثِ جابرٍ في هذا البابِ، فقد رواه عن ابنِ المنكدرِ جماعةٌ كما قال، ولكن هذا السياق لم يتابعْ عليه شعيبٌ؛ ولذا جزمَ الطبرانيُّ، والدارقطنيُّ بتفردِ شُعيبٍ به.
رِوَايَةُ: زَادَ أَنَّهُ أَكَلَ خُبْزًا
• وَفِي رِوَايَةٍ بِلَفْظِ: ((كَانَ آخِرُ الأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ أَكَلَ خُبْزًا وَلَحْمًا، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ)).
[الحكم]:
شاذٌّ بهذا اللفظِ.
[التخريج]:
[هق 736].
[السند]:
قال البيهقيُّ: "أخبرنا أبو بكر بن الحسن القاضي، ثنا أبو العباس الأصم، ثنا محمد بن إسحاق الصَّغَاني، ثنا علي بن عَيَّاش
…
فذكر إسناده بنحوه".
يعني: عن شعيب بن أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ رجاله أئمة ثقات:
أبو بكر شيخ البيهقيِّ هو أحمد بن الحسن القاضي الحِيري، إمام كبير، وكان شيخ خراسان علمًا ورئاسة وعلو إسناد، وكان من أصحِّ أقرانه سماعًا وإتقانًا. ترجمته في (الأنساب 2/ 202)، و (تاريخ الإسلام 9/ 357)، و (التقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد 1/ 133).
وأبو العباس الأصم إمام حافظ كبير مشهور، انظر (تذكرة الحفاظ 835) و (السير 15/ 453).
ومحمد بن إسحاق الصغانيُّ "ثقة ثبت"(التقريب 5721).
وبقية رجاله ثقات كما سبقَ بيانُه.
ومع ذلك لا نحسب هذه الرواية محفوظة على جلالة قدر رواتها؛ فقد روى هذا الحديث عن علي بن عياش كل من:
1 -
محمد بن عوف الطائي "ثقة حافظ"(التقريب 6202).
2 -
عمرو بن منصور النسائيُّ "ثقة ثبت"(التقريب 5119).
3 -
أبو زرعة الدمشقي "ثقة حافظ"(التقريب 3965).
4 -
موسى بن سهل الرملي "ثقة"(التقريب 6972).
5 -
إبراهيم بن الهيثم البَلَدي " ثقة ثبت" -على الراجح- (تاريخ بغداد 6/ 207).
6 -
يزيد بن محمد بن عبد الصمد "وَثَّقَهُ النسائيُّ والدارقطنيُّ وغيرهما، وقال الذهبيُّ: "ثقة حافظ"، وقال ابنُ حَجَرٍ: "صدوق" (الكاشف 6352)،
و (التقريب 7770).
ورواه عنه غير هؤلاء، كلهم ذكروه باللفظ المشهور: ((كان آخِر الأمرين
…
ترك الوضوء مما مسَّتِ النَّارُ)).
وانفردَ الصغانيُّ وحده بروايته السابقة دونهم، وانفردَ عنه الأصمُّ، وعنه القاضي الحيري كما سبقَ.
ولا شكَّ أن الجماعةَ أولى بالحفظِ منَ الواحدِ.
ورواية الصغاني هذه وإن كان معناها لا يخالف الرواية السابقة، إلا أنها لا تفيد ما أفادته الأولى من إطلاق الحكم في المسألة عامة.
وإنما ظاهر هذه الرواية أن ذلك الأمر خاص بواقعة معينة، لا يتعداه إلى غيره، وهذا وجه خفي قد يشكل على رواية الجماعة. والله أعلم.
2278 -
حَدِيثُ مُحَمَّدِ بنِ مَسْلَمَةَ:
◼ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ قَالَ: ((كَانَ آخِرَ الأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم تَرْكُ الوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ)).
• وَفِي رِوَايَةٍ (2): ((أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَكَلَ آخِرَ أَمْرَيْهِ [خُبْزًا وَ] لَحْمًا (مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ) ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ)).
[الحكم]:
ضعيفٌ. وضَعَّفَهُ: الذهبيُّ، والهيثميُّ.
[التخريج]:
تخريج السياق الأول: [ناسخ 65 (واللفظ له) / تصحيف (2/ 467، 468) / علقط (8/ 12/ 3380)].
تخريج السياق الثاني: [طب (19/ 234/ 521) (واللفظ له) / قا (3/ 15) / منذ 128 (والزيادة له) / عتب (صـ 49) / هق 737 (والرواية له)].
[السند]:
أخرجه الطبرانيُّ في (الكبير) -ومن طريقه الحازمي في (الاعتبار) - قال: حدثنا العباس بن الفضل الأسفاطي، ثنا عبد الرحمن بن المبارك، ثنا قريش بن حيان، عن يونس بن أبي (خَلْدة)
(1)
عن محمد بن مسلمة، به.
(1)
كذا في معظم المصادر، وفي ترجمته من (الجرح والتعديل). ووقع عند ابن المنذر "خالدة"، وعند البيهقي "خالد"، وكذا في (التاريخ الكبير) و (المجمع)، قال البيهقي:"وقال غيره: يونس بن أبي خالدة"، كذا في بعض الطبعات ومختصر الذهبي. وفي طبعة المكنز:"خلدة"، فالظاهر أن الألف من زيادة الناسخ. والله أعلم.
ورواه ابنُ المنذرِ في (الأوسط) عن محمد بن يحيى.
ورواه ابنُ قانعٍ في (معجمه) عن معاذ بن المثنى.
ورواه البيهقيُّ في (الكبرى) من طريق عثمان بن سعيد الدارمي.
ثلاثتهم عن عبد الرحمن بن المبارك، به.
وتوبع عليه عبد الرحمن -وهو الطُّفَاوي، ثقةٌ من رجالِ البخاريِّ-:
فرواه ابنُ شاهين في (ناسخ الحديث ومنسوخه) من طريق مَرْوان الطَّاطَري.
ورواه العسكريُّ في (تصحيفات المحدثين) من طريق يحيى الحِمَّاني.
كلاهما عن قريش به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ رجاله ثقات عدا يونس بن أبي خلدة؛ ترجمَ له البخاريُّ في (التاريخ 8/ 408) ووقع عنده -ابن أبي خالد-، وابنُ أبي حاتم في (الجرح والتعديل 9/ 238) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا.
وبه أعلَّ الحديثَ الذهبيُّ، فقال:((لا يُعْرَفُ)) (اختصار السنن 1/ 158/ 662)، فهو علة الإسناد.
وقال الهيثميُّ: ((رواه الطبرانيُّ في (الكبير) وفيه يونس بن أبي خالد
(1)
ولم أَرَ مَن ذكره)) (المجمع 1328).
قلنا: وقد اختُلفَ فيه على قريشٍ:
(1)
كذا في المطبوع، ونبَّه عليه المحقق.
فرواه الأوزاعي، عن قريش -رجل من أهل البصرة- عن محمد بن مسلمة، به.
أخرجه العسكريُّ في (تصحيفات المحدثين 2/ 467)، وذكره الدارقطنيُّ في (العلل 3380).
قال العسكريُّ: ((هكذا رواه -يعني: الأوزاعي- فقال: عن قريشٍ، عن محمد بن مسلمة. وقد أسقطَ منَ الإسنادِ رجلًا، وهو يونس بن أبي خلدة، حدثنا به ابن منيع
…
)) وساقه بإسناده.
وقال الدارقطنيُّ: ((يرويه قريش بن حيان، واختُلف عنه:
فقال الأوزاعي: حدثني رجل من أهل البصرة، يقال له: قريش، عن محمد بن مسلمة.
ورواه غير الأوزاعي، عن قريش بن حيان، عن يونس بن أبي خلدة، عن محمد بن مسلمة. وهو الصواب)) (العلل 8/ 12).
ومع ما تقدَّمَ، قال ابنُ حَجَرٍ:((وهو شاهدٌ جيدٌ لحديثِ جابرٍ من رواية شعيبٍ)) (موافقة الخبر الخبر 2/ 274).