الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حَدَّثَني عروةُ، وسعيدُ بنُ المسيِّبِ، وعلقمةُ بنُ وقاصٍ، وعُبيدُ اللهِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عُتبةَ، عن عائشةَ، قالَ: وكلٌّ قد حَدَّثَني طائفةً من حديثِها، ودخلَ حديثُ بعضِهِم في بعضٍ، وأَنَا أَوْعَى لحديثِ بعضِهِم!!؟ فذكرَ الحديثَ. فإنِ اتُّفِقَ في حديثٍ غيرِ هذا أَنْ كانَ بعضُ الرواةِ في مثلِ هذهِ الصورةِ ضعيفاً، فذلكَ مقتضٍ لطرحِ جميعِ الحديثِ؛ لأنَّهُ ما مِنْ قطعةٍ من الحديثِ، إلَاّ وجائزٌ أَنْ تكونَ عن ذلكَ الرَّاوي المجروحِ.
وقولي: (وحَذْفَ) ، هو مفعولٌ مقدَّمٌ، أي: امنعْ حذفَ واحدٍ من الإسنادِ فيما نحنُ فيهِ في الصورتينِ، في صورةِ ما إذا كانَ الراويانِ، أوِ الرواةُ كلهُّم ثقاتٌ، وفي صورةِ ما إذا كانَ فيهم ضعيفٌ؛ لأنَّكَ إذا حذفتْ واحداً من الإسنادِ، وأتيتَ بجميعِ الحديثِ، فَقَدْ زدْتَ عَلَى بقيَّةِ الرواةِ ما ليسَ من حديثِهِم، وإنْ حذفْتَ بعضَ الحديثِ لَمْ يُعلمْ أَنَّ ما حذفْتَهُ هُوَ روايةُ مَنْ حَذفتَ اسمَهُ فيجبُ ذكرُ جميعِ الرواةِ في الصورتينِ معاً. واللهُ أعلمُ.
آدَاْبُ الْمُحَدِّثِ
684.
... وَصَحِّحِ النِّيَّةَ فيِ التَّحْدِيْثِ
…
وَاحْرِصْ عَلَى نَشْرِكَ لِلْحَدِيْثِ
685.
... ثُمَّ تَوَضَّأْ وَاغْتَسِلْ وَاسْتَعْمِلِ
…
طِيْبَاً وَتَسْرِيْحَاً وَزَبْرَ المعتَلِي
686.
... صَوْتاًعَلى الْحَدِيْثِ وَأجْلِسْ بِأَدَبْ
…
وَهَيْبَةٍ بِصَدْرِ مَجْلِسٍ وَهَبْ
687.
... لَمْ يُخْلِصِ النِّيَّةَ طَالِبٌ فَعُمْ
…
وَلَا تُحَدِّثْ عَجِلاً أَوْ إِنْ تَقُمْ
688.
... أَوْ فِي الطَّرِيْقِ ثُمَّ حَيْثُ احْتِيْجَ لَكْ
…
فِي شَيْءٍ ارْوِهِ وَابْنُ خَلَاّدٍ سَلَكْ
689.
... بِأَنَّهُ يَحْسُنُ لِلْخَمْسِيْنَا
…
عَامَاً وَلَا بَأْسَ لأَِرْبَعِيْنَا
690.
... وَرُدَّ. والشَّيْخُ بِغَيْرِ الْبَارِعِ
…
خَصَّصَ لَاكَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيْ
مَنْ تصدَّى لإسماعِ الحديثِ، أو الإفادةِ فيهِ فليقدِّمْ تصحيحَ النِّيَّةِ وإخلاصَها، فإنَّمَا الأعمالُ بالنِّيَّاتِ، وقد قالَ سفيانُ الثوريُّ: قلتُ لحبيبَ بنِ أبي ثابتٍ حَدِّثْنا. قالَ: حتى تجيءَ النِّيَّةُ. وقيلَ لأبي الأحوصِ سَلَاّمِ بنِ سُليمٍ حدِّثْنَا. فقالَ: ليستْ لي نيةٌ، فقالُوا لهُ: إنَّكَ تُؤْجَرُ. فقالَ:
يُمَنُّوْنَنِيَ الْخَيْرَ الكَثِيْرَ وَلَيْتَنِي
…
نَجَوْتُ كَفَافاً لَا عَليَّ وَلالِيَا
وروينا عن حمَّادِ بنِ زيدٍ أنَّهُ قالَ: استغفرُ اللهَ إنَّ لذكرِ الإسنادِ في القلبِ خُيلاءَ، وليكنْ أكبرَ هَمِّهِ نشرُ الحديثِ، والعلمِ، وقدْ أمرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالتبليغِ عنهُ، وقد كانَ عُروةُ يتألَّفُ الناسَ على حديِثهِ. وقالَ سفيانُ الثوريُّ: تَعَلَّمُوا هذا العلمَ فإذا عَلِمْتُمُوْهُ فَتَحَفَّظُوْهُ، فإذا حَفِظْتُمُوْهُ فاعْمَلُوا بهِ، فإذا عَمِلْتُمْ بهِ فانْشُرُوْهُ. ويُستَحَبُّ لهُ أنْ يستعملَ عندَ إِرادةِ التَّحْدِيثِ ما رويناهُ عن مالكٍ رضي الله عنه، أنَّهُ كانَ إذا أرادَ أنْ يُحَدِّثَ توضّأَ، وجلسَ على صَدْرِ فراشِهِ، وسَرَّحَ لِحْيَتَهُ، وتمكَّنَ في جلوسِهِ بوَقَارٍ وهَيْبَةٍ، وحَدَّثَ، فقيلَ لهُ في ذلكَ، فقالَ أُحبُّ أَنْ أعظِّمَ حديثَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ولا أُحَدِّثَ إلَاّ على طهارةٍ مُتَمَكِّناً، وكانَ يَكْرَهُ أَنْ يُحدِّثَ في الطريقِ، أو وهوَ قائمٌ، أو يستعجلَ وقالَ:
أُحِبُّ أَنْ أتَفَهَّمَ ما أُحَدِّثُ بهِ عنْ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. وروينا عنهُ أَيضاً أنَّهُ كانَ يغتسلُ لذلكَ ويتبخَّرُ ويتطَيَّبُ، فإنْ رفعَ أحدٌ صوتَهُ في مجلسِهِ زَبَرَهُ، وقالَ: قالَ اللهُ تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذْيِنَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} ، فَمَنْ رَفَعَ صوتَهُ عِندَ حديثِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فكأَنَّمَا رفعَ صوتَهُ فوقَ صوتِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.
وقولي: (وهَبْ لم يُخْلِصِ النِّيَّةَ) أي: وَهَبْ أنَّ الطالبَ لم يُخْلِصْ نِيّتَهُ فلا تمتنِعْ من تحديثِهِ، بلْ عُمَّ كُلَّ طالبِ علمٍ. وروينا عن الثوريِّ أنَّهُ قالَ: ما كانَ في الناسِ أفضلُ مِنْ طلبةِ الحديثِ، فقالَ لهُ ابنُ مهديٍّ: يطلبونَهُ بغيرِ نِيَّةٍ، فقالَ: طلبهُم إيَّاهُ نِيَّةٌ. وروينا عن حبيبِ بنِ أبي ثابتٍ ومَعْمَرٍ بنِ راشدٍ أنَّهُما قالَا: طلبنَا الحديثَ وما لنا فيه نيَّةٌ، ثُمَّ رزقَ اللهُ عز وجل النِّيَّةَ بَعْدُ وروينا عن مَعْمَرٍ أيضاً، قالَ: إنَّ الرجلَ ليطلبُ العلمَ لغيرِ الله فيأبَى عليهُ العلمُ حتى يكونَ للهِ عز وجل. قالَ الخطيبُ: ((والذي نستحبُّهُ أنْ يَرْوِيَ الْمُحَدِّثُ لكلِّ أحدٍ سأَلهُ التحديثَ، ولا يمنعُ أحداً من الطلبةِ)) . وقولي: (أو أنْ تَقُمْ) أي: في حالِ قيامِكَ، فإنَّهُ معطوفٌ على الحالِ التي قَبْلَهُ.
وقولي: (ثُمَّ حيثُ احْتِيْجَ لَكَ في شَيءٍ اروهِ) ، بيانٌ للوقتِ الذي يحسنُ فيهِ التَّصَدِّي للإسماعِ، والتَّحْدِيْثِ. فإنْ كانَ قد احْتِيْجَ إلى ما عندَهُ، فقدِ اختلفَ فيه كلامُ الخطيبِ، وابنِ الصلاحِ في الوجوبِ والاستحبابِ، فلهذا أتيتُ فيهِ بصيغةِ الأمرِ الصالحةِ لهما في قولي:(اروهِ) . قالَ الخطيبُ في كتابِ " الجامع ": فإن احتيجَ إليهِ في روايةِ الحديثِ قبل أنْ يعلوا سنُّهُ فيجبُ عليهِ أَنْ يُحدِّثَ، ولا يمتنعَ؛ لأنَّ نشرَ العلمِ عندَ الحاجةِ إليهِ لازمٌ، والممتنعُ مِن ذلكَ عاصٍ آثمٌ. وقالَ ابنُ الصلاحِ: والذي نقولُهُ أنهُ متى احتيجَ إِلَى ما عندَهُ استحبَّ لَهُ التَّصَدِّي لروايتهِ، ونشرِهِ في أيِّ سنٍّ كانَ. وروينا عن أبي محمدَ بنِ خَلَاّدٍ الرَّامَهُرْمُزِيُّ في كتابهِ " المحدِّث الفاصل "، قالَ: الَّذِي يصحُّ عندي من طريقِ الأَثرِ والنَّظَرِ في الحدِّ الَّذِي إذا بَلَغَهُ الناقلُ حَسُنَ بهِ أنْ يُحدِّثَ؛ هو أنْ يستوفيَ الخمسيْنَ؛ لأنَّها انتهاءُ الكهولةِ، وفيها مجتمعُ الأَشُدِّ. قالَ:((وليسَ بمستَنْكَرٍ أنْ يُحَدِّثَ عندَ استيفاءِ الأربعينَ؛ لأَنَّهَا حَدُّ الاستواءِ، ومنتهى الكمَالِ، نُبِّيءَ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وهو ابنُ أربعينَ، وفي الأربعينَ تتناهى عزيمةُ الإنسانِ وقَّوتُهُ ويتوفرُ عقلُهُ ويجودُ رأيُهُ)) . وتعقَّبَهُ القاضي عياضٌ في كتابِ " الإلماع "، فقالَ: واستحسانُهُ هذا لا تقومُ لهُ حُجَّةٌ بما قالَ، وكمْ مِنَ السلفِ المتقدِّمِيْنَ، ومَنْ بعدَهُمْ مِنَ الْمُحَدِّثِيْنَ مَنْ لم ينتِهِ إلى هذا السنِّ، ولا استوفى هذا العمرَ، وماتَ قبلَهُ، وقد نَشَرَ مِنَ العلمِ، والحديثِ ما لا يُحصَى. هذا عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ تُوُفِّيَ ولم يُكْمِلِ الأربعينَ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ لم يبلغِ الخَمْسِيْنَ.
وكذلكَ إبراهيمُ النَّخَعِيُّ. وهذا مالكُ بنُ أنسٍ قد جلسَ للناسِ ابنَ نَيَّفٍ وعشرينَ سنةً، وقيلَ: ابنُ سبعَ عشرةَ سنةً، والناسُ متوافرونَ، وشيوخُهُ أحياءٌ: ربيعةُ وابنُ شهابٍ وابنُ هُرْمُزٍ ونافعٌ ومحمدُ بنُ الْمُنْكَدِرِ، وغيرُهم. وقد سمعَ منهُ ابنُ شهابٍ حديثَ الفُرَيْعةِ. ثُمَّ قالَ: وكذلكَ محمدُ بنُ إدريسَ الشافعيُّ قد أُخِذَ عنهُ العلمُ في سنِّ الحداثةِ وانتصبَ لذلكَ في آخرينَ من الأئِمَّةِ المتقدِّمِيْنَ والمتأخِّرِيْنَ. انتهى كلامُ القاضي عياضٍ. وقد روينا عن محمدِ بنِ بشارٍ بُنْدَارٍ، أنَّهُ حَدَّثَ وهو ابنُ ثماني عشرةَ سنةً. وروينا عن أبي بكرٍ الأعْيَنِ، قالَ: كتَبْنَا عن محمّدِ بنِ إسماعيلَ البخاريِّ على بابِ محمدِ بنِ يُوْسُفَ الفِرْيَابِيِّ، وما في وَجْهِهِ من شَعْرَةٍ. وروينا عن الخطيبِ قالَ: وقد حَدَّثْتُ أنَا وَلِيَ عشرونَ
سنةً، كَتَبَ عَنِّي شيخُنا أبو القاسمِ الأزهريُّ أشياءَ في سنةِ اثنتي عَشْرَةَ وأربعمائةٍ. انتهى. وقد حَدَّثَ شيخُنُا الحافظُ أبو العباسِ أحمدُ بنُ مُظَفَّرٍ، وسنُّهُ ثماني عَشْرَةَ سنةً، سمعَ منهُ الحافظُ أبو عبدِ اللهِ الذهبيُّ سنةَ ثلاثٍ وتسعينَ وستمائةٍ، وحَدَّثَ عنهُ في "مُعْجَمِهِ" بحديثٍ من " الأفرادِ " للدَّارقطنيِّ، وقالَ عقِبَهُ: أملاهُ عليَّ ابنُ مُظَفَّرٍ، وهو أمردُ. وقد حدَّثَ شيخُنا أبو الثناءِ محمودُ بنُ خليفةَ المنبجيُّ ولهُ عشرونَ سنةً، سمعَ منهُ شيخُنا العلَاّمةُ شيخُ الإسلامِ تقيُّ الدينِ السُّبْكيُّ أحاديثَ من " فضائلِ القرآنِ "، لأبي عُبيدٍ.
قلتُ: وقدْ سَمِعَ مِنِّي صاحبُنا العلَاّمَةُ أبو محمودٍ محمدُ بنُ إبراهيمَ المقدسيُّ، وَلِيَ عشرونَ سنةً، سنةَ خمسٍ وأربعينَ، وقد سَمِعَ على شيخِنَا الحافظِ عمادِ الدِّيْنِ بنِ كثيرٍ حديثاً من " أماليِّ ابنِ سمعونَ "، ولم أُكْمِل يومَئِذٍ ثلاثينَ سنةً، سنةَ أربعٍ وخمسينَ بدمشقَ. وهذا ونحوُهُ من روايةِ الأكابرِ عنِ الأَصاغرِ. وقد حملَ ابنُ الصَّلاحِ كلامَ ابنِ خَلَاّدٍ على مَحْمِلٍ صَحيحٍ، فقالَ: ما ذكرَهُ ابنُ خَلَاّدٍ غيرُ مُسْتَنْكَرٍ، وهو محمولٌ على أنَّهُ قالَهُ فيمَنْ يَتَصَدَّى للتَّحْدِيْثِ ابتداءً من نفسِهِ من غيرِ بَرَاعَةٍ في العِلْمِ تعجَّلَتْ له قبلَ السنِّ الذي ذَكَرَهُ. فهذا إِنما ينبغي له ذلكَ بعدَ استيفاءِ السنِّ المذكورِ، فَإنَّهُ مِظنَّةُ الاحتياجِ إلى ما عندَهُ. قالَ:((وأَمَّا الذينَ ذكرَهُم عياضٌ ممَّنْ حَدَّثَ قبلَ ذلكَ، فالظاهرُ أَنَّ ذلكَ لبراعةٍ منهم في العلمِ تقَدَّمَتْ، ظهرَ لهمُ معها الاحتياجُ إليهم فحدَّثوا قبلَ ذلكَ، أوْ لأنَّهمَ سُئِلُوا ذلكَ، إمَّا بصريحِ السؤالِ، وإمَّا بقرينةِ الحالِ)) انتهى كلامُهُ.
وإليهِ الإشارةُ بقولي: (والشَّيخُ بغيرِ البارعِ خَصَّصَ) أي: خَصَّصَ كلامَ ابنِ خَلَاّدٍ بغيرِ البارعِ في العلمِ.
691.
... وَيَنْبَغِي الإِْمْسَاكُ إِذْ يُخْشَى الْهَرَمْ
…
وَبالْثَمَانِيْنَ ابْنُ خَلَاّدٍ جَزَمْ
692.
... فَإِنْ يَكُنْ ثَابِتَ عَقْلٍ لَمْ يُبَلْ
…
كَأَنَسِ وَمَالِكٍ وَمَنْ فَعَلْ
693.
... وَالْبَغَوِيُّ وَالْهُجَيْمِيْ وَفِئَهْ
…
كَالطَّبَرِيِّ حَدَّثُوْا بَعْدَ الْمِائَهْ
لَمَّا ذكرَ السِّنَّ الذي ينبغي فيهِ التَّحْدِيثُ ذكرَ بعدَهُ السِّنَّ الذي ينبغي عنده الإمْسَاكُ عن التَّحْدِيْثِ، قالَ القاضي عياضٌ:((الحدُّ في تركِ الشيخِ التحديثَ التَّغيُّرُ، وخوفُ الخَرَفِ)) ، وكذا قالَ ابنُ الصلاحِ: ((هو السِّنُّ الذي يُخْشَى عليهِ فيهِ مِنَ الْهَرَمِ والخَرَفِ، وَيُخَافُ عليهِ فيهِ أَنْ يُخَلِّطَ، ويرويَ ما ليسَ من حديثِهِ. قالَ: والناسُ
في بلوغِ هذا السِّنِّ يتفاوتونَ بِحَسَبِ اختلافِ أحوالهِمِ)) . وروينا عن أبي محمدِ بنِ خَلَاّدٍ، قالَ: فإذا تناهَى العُمْرُ بالمحدِّثِ فأعْجبُ إليَّ أنْ يُمْسِكَ في الثمانينَ؛ فإنَّهُ حَدُّ الْهَرَمِ. قالَ والتسبيحُ، والذِّكْرُ، وتلاوةُ القرآنِ؛ أَوْلَى بأبناءِ الثمانينَ فإنْ كانَ عقلُه ثابتاً، ورأيُهُ مُجْتَمعاً، يَعْرِفُ حديثَهُ، ويقومُ بهِ، وتحرَّى أنْ يُحدِّثَ احتساباً، رَجَوْتُ له خيراً؛ كالحضرميِّ وموسى وعَبْدَانَ. قالَ: ولم أرَ بفَهْمِ أبي خَلِيْفَةَ وضَبْطِهِ بأساً معَ سِنِّهِ. انتهى كلامُهُ. وقد حَدَّثَ جَمَاعةٌ من الصَّحابةِ فمَنْ بعدَهُم بعدَ مجاوزةِ الثمانينَ. فمِنَ الصحابةَ: أنسُ بنُ مالكٍ، وعبدُ اللهِ بنُ أبي أوفى، وسَهْلُ بنُ سَعْدٍ، في آخَرِينَ. ومن التَّابِعِيْنَ: شُرَيْحٌ القَاضِي، ومجاهدٌ، والشعبيُّ، في آخرينَ. ومِنْ اتباعِهِم: مالكُ بنُ أنسٍ، واللَّيْثُ بنُ سعدٍ، وسفيانُ بنُ عُيينةَ، في آخَرِين منهم. وممَّنْ بعدَهُم، وقدْ ذَكَرَ القاضي عياضٌ أنَّ مالكَاً قالَ:((إنَّمَا يَخْرِّفُّ الكذَّابُونَ)) وقد حَدَّثَ جماعةٌ بعدَ أنْ جاوزوا المائةَ.
فمِنَ الصحابةِ: حَكِيْمُ بنُ حِزَامٍ، ومِنَ التابعينَ: شَرِيْكُ بنُ عبدِ اللهِ النَّمرِيُّ، ومِمَّنْ بعدَهم: الحسنُ بنُ عَرَفَةَ، وأبو القاسمِ عبدُ اللهِ بنُ محمّدٍ البغويُّ، وأبو إسحاقَ إبراهيمُ بنُ عَلَيٍّ الْهُجَيْمِيُّ، حَدَّثَ وهو ابنُ مائةٍ وثلاثِ سنينَ، والقاضي أبو الطَّيِّبِ طاهرُ بنُ عبدِ اللهِ الطَّبَرِيُّ، والحافظُ أبو الطاهرِ أحمدُ بنُ محمّدٍ السِّلَفيُّ، وغَيْرُهُم؛ ولم يتغيرْ أحدٌ منهم. وقَرَأَ القَارِئُ يومَاً على الْهُجَيْمِيِّ بعدَ أنْ جاوزَ المائَةَ، وأرادَ اختبارَهُ بذلكَ.
إنَّ الجَبَانَ حَتْفُهُ مِنْ فَوْقِهِ
…
كالكَلْبِ يَحْمِي جِلْدَهُ برَوْقِهِ
فقالَ لَهُ الْهُجَيْمِيُّ: قُلِ الثَّوْرَ يا ثَوْرُ! فإنَّ الكلبَ لا روقَ لَهُ، فَفَرِحَ الناسُ بصحَّةِ عَقلهِ وجودةِ حسِّهِ. قالَ الجوهريُّ:((والرَّوْقُ: القَرْنُ)) . قالَ الْقَاضِي عياضٌ: ((وإنما كرهَ مَنْ كرهَ لإصحابِ الثمانينَ التحديثَ؛ لأنَّ الغالبَ على مَنْ يَبْلُغُ هذا السِّنَّ اختلالُ الجسْمِ، والذِّكْرِ، وضَعْفِ الحالِ، وتغَيُّرِ الفَهْمِ، وحلولِ الخَرَفِ؛ مخافةَ أنْ يبدأَ به التغيرُ والاختلالُ، فلا يفطنُ له إلَاّ بعدَ أنْ جازتْ عليهِ أشياءُ)) .
694
…
وَينْبغي إمْسَاكُ الاعْمَى إنْ يَخَفْ
…
وَإِنَّ مَنْ سِيْلَ بِجُزْءٍ قَدْ عَرَفْ
695
…
رُجْحَانَ رَاوٍ فِيْهِ دَلَّ فَهْوَ حَقّْ
…
وَتَرْكُ تَحْدِيْثٍ بِحَضْرَةِ الأَحَقّْ
696
…
وَبَعْضُهُمْ كَرِهَ الأَخْذَ عَنْهُ
…
بِبَلَدٍ وَفِيْهِ أَوْلَى مِنْهُ
أي: ويَنْبَغِي لِمَنْ عَمِيَ وخافَ أنْ يدخلَ عليهِ ما ليسَ مِنْ حديثِهِ، أنْ يُمسِكَ عن الروايةِ. ويَنْبَغِي أَيضاً للمحدِّثِ إذا سُئِلَ بجزءٍ، أو كتابٍ أنْ يُقْرَأَ عليهِ، وهو يعلمُ أنَّ غيرَهُ في بلدتهِ أو غيِرها أرجحُ في روايتِهِ منهُ، بكونِهِ أعلى إسناداً منهُ فيهِ، أو سماعُ غيرِهِ متَّصِلاً بالسَّمَاعِ وفي طريقِهِ هو إجازةٌ، أو غيرُ ذلك من التَّرْجِيْحَاتِ أنْ يُدِلَّ السائلَ على
مَنْ هو أحقُّ منهُ بذلكَ، فذلكَ مِنَ النَّصِيْحَةِ في العِلْمِ. ويَنْبَغِي أيضاً أنْ لا يُحَدِّثَ بحضرةِ مَنْ هو أحقُّ بالتحديثِ وأولى بهِ منهُ، فقدْ كانَ إبراهيمُ النَّخَعيُّ إذا اجتمعَ معَ الشّعبيِّ لم يتكلمْ إبراهيمُ بشيءٍ. وزادَ بعضُهُم على هذا بأَنْ كَرِهَ الروايةَ ببلدٍ وفيه مَنْ هو أَولى منه لسنِّه، أو غيرِ ذلكَ. فقدْ قالَ يحيى بنُ مَعِينٍ: الذي يُحَدِّثُ ببَلْدَةٍ وفيها أَوْلى بالتَّحْدِيثِ منهُ أَحْمَقُ. ورُويِّ عنهُ أنَّهُ قالَ: إذا حَدَّثْتُ ببلدٍ فيهِ مثلُ أبي مُسْهِرٍ، فيجبُ لِلِحْيَتي أنْ تُحْلَقَ.
697
…
وَلَا تَقُمْ لأَحَدٍ وَأَقْبِلِ
…
عَلَيْهِمُ وَلِلْحَدِيْثِ رَتِّلِ
698
…
وَاحْمَدْ وَصَلِّ مَعْ سَلَامٍ وَدُعَا
…
فِي بَدْءِ مَجْلِسٍ وَخَتْمِهِ مَعَا
ويَنْبَغِي للشَّيْخِ أنْ لا يقومَ لأحدٍ في حالِ التَّحْدِيْث ِ. وكذلكَ قارئُ الحديثِ، فقدْ بَلَغَنَا عن محمّدِ بنِ أحمدَ بنِ عبدِ اللهِ الفقيهِ، وهو أبو زيدٍ المروزيُّ، أنَّهُ قالَ: القارئُ لحديثِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذا قامَ لأَحَدٍ فإنَّهُ تُكْتَبُ عليهِ خطيئةٌ. ويُسْتَحَبُّ لهُ أنْ يُقْبِلَ على مَنْ يحدِّثُهُم، فقد روينا عن حبيبِ بنِ أبي ثابتٍ، قالَ: مِنَ السُّنَّةِ إذا حَدَّثَ القومَ أنْ يُقْبِلَ عليهم جميعاً. وروينا عنهُ قالَ: كانوا يُحِبُّونَ إذا حَدَّثَ الرجلُ لا يُقْبِلَ على الرجلِ الواحدِ، ولكِنْ ليعمَّهُمْ. ويُستحبُّ أنْ يُرَتِّلَ الحديثَ، ولا يَسْرُدَهُ سَرْدَاً
يمنعُ السامعَ من إدراكِ بعضِهِ. ففي الصَّحِيْحَيْنِ من حديثِ عائشةَ رضي الله عنها، قالَتْ: إنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يَكُنْ يَسْرُدُ الحديثَ كسَرْدِكم. زادَ الترمذيُّ: ولكنَّهُ كانَ يتكلَّمُ بكلامٍ بَيِّنٍ فَصْلٍ، يحفَظُهُ مَنْ جلسَ إليهِ. وقالَ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. ويُستحبُّ لهُ أنْ يَفْتَتِحَ مجلسَهُ ويختِمَهُ بتحميدِ اللهِ تَعَالَى وصلاةٍ وسَلَامٍ عَلَى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ودعاءٍ يَليقُ بالحالِ. قالَ ابنُ الصلاحِ:((ومِنْ أَبْلَغِ ما يفتَتِحَهُ بهِ أنْ يقولَ: الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، أكملُ الحمدِ عَلَى كُلِّ حالٍ، والصلاةُ والسلامُ الأَتمَّانِ عَلَى سَيِّدِ المُرْسِليْنَ، كُلَّما ذكرَهُ الذاكرونَ، وكُلَّمَا غَفَلَ عَنْ ذكرِهِ الغافلونَ، اللِّهُمَّ صلِّ عليهِ، وعلى آلهِ، وسائرِ النبيِّينَ، وآلِ كُلٍّ وسائرِ الصالحِيْنَ، نهايةَ ما ينبغي أنْ يَسْأَلَهُ السَّائِلوَنَ)) .
699.
... وَاعْقِدْ لِلاِمْلَا مَجْلِسَاً فَذَاكَ مِنْ
…
أَرْفَعِ الاسْمَاعِ وَالَاخْذِ ثُمَّ إِنْ
700.
... تَكْثُرْ جُمُوْعٌ فَاتَّخِذْ مُسْتَمْلِيَا
…
مُحَصِّلاً ذَا يَقْظَةٍ مُسْتَوِيَا
701.
... بِعَالٍ اوْ فَقَائِماً يَتْبَعُ ما
…
يَسْمَعُهُ مُبَلِّغاً أَوْ مُفْهِمَا
يُستحبُّ للمُحدِّثِ العارفِ أنْ يعقِدَ مجلساً لإملاءِ الحديثِ، فإنَّهُ مِن أعلى مراتبِ الإسماعِ، والتحمُّلِ. فإنْ كَثُرَ الجمعُ فليتخذْ مستمْلِياً يُبَلِّغُ عنهُ. فَقَدْ فعلَ ذلكَ مالكٌ، وشعبةُ، ووكيعٌ، وأبو عاصمٍ، ويزيدُ بنُ هارونَ، في عددٍ كثيرٍ من الحفَّاظِ، والمحدِّثينَ وَقَدْ روينا في سننِ أبي داودَ والنسائيِّ من حديثِ رافعِ بنِ عمرٍو، قالَ: رأيتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، يَخْطُبُ الناسَ بمنىً، حيثُ ارتَفَعَ الضُّحَى علىَ بْغَلةٍ شَهْبَاءَ، وعليٌّ رضي الله عنه يُعَبِّرُ عنهُ. فإنْ تكاثرَ الجمعُ بحيثُ لا يكفي بِمُسْتَمْلٍ واحدٍ اتخذَ مُسْتَمْلِيَيْنِ فأكْثَرَ. فَقَدْ روينا أنَّ أبا مسلمٍ الكَجِّي، أَمْلَى في رَحَبَةِ غَسَّانَ. وكانَ في مجلسِهِ سبعةُ مُسْتَمْلِيْنَ، يُبَلِّغُ كُلُّ واحدٍ صاحِبَهُ الَّذِي يليهِ، وكتبَ الناسُ عنهُ قياماً بأيديهِم المحابرُ، ثُمَّ مُسِحَتِ الرَّحَبَةُ، وحُسِبَ مَنْ حضرَ بِمَحْبَرَةٍ فبلغَ ذلكَ نَيِّفاً وأربعينَ ألفِ محبرةٍ سوى النَّظَّارَةِ. وروينا أَنَّ مجلسَ عاصمِ بنِ عليٍّ كانَ
يُحْزَرُ بأكثرَ مِنْ مائةِ ألفِ إنسانٍ، وكانَ يَسْتَمْلِي عليهِ هارونُ الدِّيْكُ وهارونُ مُكْحَلَةُ.
وليكنِ الْمُسْتَمْلِي مُحَصِّلاً مُتَيَقِّظاً فَهِمَاً، لا كمُسْتَمْلِي يزيدَ بنِ هارونَ حيثُ سُئِلَ يزيدُ عن حديثٍ فقالَ: حَدَّثَنا بهِ عدَّةٌ، فصاحَ الْمُسْتَمْلِي: يا أبا خالدٍ (1) عِدَّةُ ابنُ مَنْ؟ فقالَ لهُ: عِدَّةُ ابنُ فَقَدْتُكَ! وليكنِ الْمُسْتَمْلِي على مَوْضِعٍ مُرتفعٍ مِنْ كُرسيٍّ، أو نحوهِ وإلَاّ فقائماً على قدميهِ، ليكونَ أبلغَ للسامعَينَ، وعلى الْمُسْتَمْلِي أنْ يتبعَ لفظَ المُمْلي فَيُؤَدِّيَهُ على وجهِهِ مِنْ غيرِ تغييرٍ، وقالَ الخطيبُ:((يُسْتَحَبُّ لهُ أنْ لا يُخَالفَ لَفْظَهُ)) . وقالَ ابنُ الصلاحِ: عليهِ ذلكَ كما تقدَّمَ. وفائدتُهُ إبلاغُ مَنْ لم يبلغْهُ لفظُ المُملي، وإفهامُ مَنْ بلغَهُ على بُعْدٍ، ولم يتفهمْهُ. فيتوصَّلُ بصوت الْمُسْتَمْلِي إلى تفهُّمِهِ وتحقُّقِهِ. وقد تقدَّمَ الكلامُ فَيمَنْ لم يسمعْ إلَاّ لفظَ الْمُسْتَمْلِي، هلْ لهُ أنْ يَرويهُ عن الْمُملي، أو ليسَ لهُ إلَاّ أنْ يَرْوِيَهُ عَنِ الْمُسْتَمْلِي عنهُ؟ !
702
…
واسْتَحْسَنُوْا الْبَدْءَ بِقَارئ تَلَا
…
وَبَعْدَهُ اسْتَنْصَتَ ثُمَّ بَسْمَلَا
703
…
فَالْحَمْدُ فَالصَّلَاةُ ثُمَّ أَقْبَلْ
…
يَقُوْلُ: مَنْ أَوْمَا ذَكَرْتَ وَابَتهَلْ
704
…
لَهُ وَصَلَّى وَتَرَضَّى رَافِعا
…
وَالشَّيْخُ تَرْجَمَ الشُّيُوْخَ وَدَعَا
واستحسَنُوا افتتاحَ مجلِسِ الإملاءِ بقراءةِ قارئٍ لشيءٍ من القرآنِ العظيمِ
وقالَ الخطيبُ: سورةً من القرآنِ. ثُمَّ رَوَى بإسنادِهِ إِلَى أبي نَضْرَةَ، قالَ: كانَ أصحابُ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذا اجتمعوا تذاكروا العلمَ وقرؤوا سورةً، فإذا فَرَغَ القارئُ استنصَتَ الْمُسْتَمْلِي أهلَ المجلِسِ، حيثُ احْتِيْجَ للاستنصاتِ. ففي الصحيحينِ من حديثِ جريرٍ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ لهُ في حِجَّةِ الوداعِ: استَنْصِتِ الناسَ. فإذا أنْصَتَ الناسُ بَسْمَلَ الْمُسْتَمْلِي وحَمِدَ اللهَ تَعَالَى، وصَلَّى عَلَى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الشيخِ الْمُحَدِّثِ قائلاً لهُ: مَنْ ذكرتَ؟ أي: مِنَ الشيوخِ، أو ما ذكرتَ؟ أي: مِنَ الأحاديثِ رحمكَ اللهُ، أو غَفَرَ اللهُ لكَ وهو المرادُ بقولي:(وَابْتَهِلْ لَهُ) أي: ودَعَا لَهُ. وقد روينا عَنْ يحيى بنِ أكثمَ، قالَ: نِلْتُ القضاءَ وقضاءَ القضاةِ والوزارةَ، وكذا، وكذا، ما سُرِرْتُ بشيءٍ مثلَ قولِ الْمُسْتَمْلِي: مَنْ ذكرتَ رحمكَ اللهُ. قالَ الخطيبُ: وإذا انتهى الْمُسْتَمْلِي في الإسنادِ إلى ذكر النبيِّ صلى الله عليه وسلم استُحِبَّ لَهُ الصلاةُ عليهِ رافعاً صوتَهُ بذلكَ، وهكذا يفعلُ في كُلِّ حديثٍ عادَ فيه ذكرُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم. قالَ: وإذا انتهى إلى ذِكْرِ بعضِ الصحابةِ، قالَ: رِضْوانُ اللهِ عليهمْ، أو رضي الله عنه. انتهى. وكذلكَ الترضّي والتَّرَحُّمُ عن الأئِمَّةِ، فقد رَوَى الخطيبُ أنَّ الربيعَ بنَ سليمانَ قالَ القارئُ يوماً: حَدَّثَكُم الشَّافِعيُّ فلَمْ يَقُلْ: رضي الله عنه، فقالَ الربيعُ: ولا حرفَ حتى يُقالَ: رضي الله عنه.
وقولي: (والشيخُ) ، هو مبتدأٌ، أي: الشيخُ المُمْلي يُتَرْجِمُ شيوخَهَ الذينَ يُحَدِّثُ عَنْهُم بِذِكْرِ أَنْسَابِهِم، وبعضِ مناقبِهِم، ويدعُو لهم بالمغفرةِ والرحمةِ. قالَ الخطيبُ: إذْ فعلَ الْمُسْتَمْلِي ما ذكرتُهُ، قالَ الراوي: حَدَّثَنَا فلانٌ. ثُمَّ نَسَبَ شيخَهُ الذي سمَّاهُ حتَّى يبلغَ بنسَبهِ منتهاهُ. قالَ: والجمعُ بينَ اسمِ الشَّيْخِ وكنيتِهِ أبلغُ في إعظامِهِ. ثُمَّ قالَ: إنَّهُ يقتصرُ في الروايةِ على اسمِ مَنْ لا يشكِلُ كأَيوبَ ويونُسَ ومالكٍ والليثِ، ونحوِهِم. وهكذا مَنْ كانَ مشهورًا بنسبهِ إلى أبيهِ، أو قبيلتِهِ. قدِ اكُتِفيَ في كثيرٍ من الرُّواةِ بذِكْرِ ما اشتُهِرَ بهِ، وإنْ لم يُسَمَّ كابنِ عونٍ، وابنِ جُرَيْجٍ، وابنِ لَهِيْعَةَ، وابنِ عُيَيْنَةَ، ونحوِهِم، وكالشعبيِّ، والنَّخَعيِّ، والزُّهْريِّ، والثَّوْريِّ، والأوزاعيِّ، والشَّافعيِّ، ونحوِهم. ثُمَّ ذِكْرُ مَنْ اشتُهرَ بلقبٍ، أو كنيةٍ، أو نسبةٍ لأُمٍّ، أوْ نَقْصٍ كالعَوَرِ، ونحوِهِ، وسيأتي. وأمَّا ذِكْرُ بعضِ أوصافِ شُيوخِهِ، فكقَوْلِ أبي مُسْلِمٍ الْخَوْلانيِّ: حَدَّثَني الحبيبُ الأمِينُ أمَّا هو إِليَّ فحبيبٌ، وأمَّا هو عندي فأمينٌ: عوفُ بنُ مالكٍ)) رواهُ مُسْلِمٌ. وكَقَوْلِ مَسْروقٍ: حَدَّثَتْني الصِّدِّيْقَةُ بنتُ الصِّدِّيْقِ، حَبيبةُ حَبيبِ اللهِ المُبَرَّأَةُ. وكقولِ عطاءِ بنِ أبي رباحٍ: حَدَّثَني الْبَحْرُ. يريدُ: ابنَ عبَّاسٍ. وكقولِ الشّعبيِّ: حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ ابنُ خُثَيْمٍ، وكانَ مِنْ معادنِ الصِّدْقِ. وكقولِ ابن
عُيَيْنةَ: حَدَّثَنَا أوثَقُ الناسِ: أيوبُ. وكقولِ شُعبةَ: حَدَّثَني سَيِّدُ الفقهاءِ: أيوبُ. وقالَ وكيعٌ: حَدَّثَنَا سفيانُ أميرُ المؤمنينَ في الحديثِ.
وقالَ ابنُ خُزيمةَ: حَدَّثَنَا مَنْ لم تَرَ عينايَ مثلَهُ: أبو الحسنِ محمّدُ بنُ أسلمَ الطوسيُّ، وحَدَّثَني الحافظُ أبو سعيدٍ العلائيُّ يوماً عن الرَّضِيِّ الطَّبَرِيِّ، فقالَ: حَدَّثَنَا الإمامُ أبو إسحاقَ الطَّبريُّ، وهو أجلُّ شيخٍ لقيتُهُ.
705
…
وَذِكْرُ مَعْرُوْفٍ بِشَيءٍ مِنْ لَقَبْ
…
كَغُنْدَرٍ أَوْ وَصْفِ نَقْصٍ أَوْ نَسَبْ
706
…
لأُمِّهِ فَجَائِزٌ مَا لَمْ يَكُنْ
…
يَكْرَهُهُ كَابْنِ عُلَيَّةٍ فَصُنْ
قالَ الخطيبُ: غَلَبتْ ألقابُ جماعةٍ من أَهلِ العلمِ، [على أَسْمَائِهِم] فاقتصرَ الناسُ على ذكرِ ألقابهِم في الروايةِ عنهمُ، منهم: غُنْدَرٌ محمّدُ بنُ جعفرٍ، ولوينٌ مُحَمَّدُ بنُ سليمانَ المصيصيُّ، ومشكدانةُ عبدُ الله بنُ عمرَ الكوفيُّ، وعارمٌ محمّدُ بنُ الفضلِ السدوسيُّ، وسَعْدويهِ سعيدُ بنُ سُليمانَ
الواسطيُّ، وصاعقةُ محمّدُ ابنُ عبدِ الرحيمِ البغداديُّ، وَمُطَيَّنٌ محمّدُ بنُ عبدِ اللهِ الحضرميُّ، ونِفْطَوَيْهِ إبراهيمُ بنُ محمّدِ بنِ عرفةَ النحويُّ. وقالَ:((لم يختلفِ العلماءُ في أنَّهُ يجوزُ ذكرُ الشَّيخِ وتعريفُهُ بصفتِهِ التي ليستْ نقصًا في خِلْقَتِهِ، كالطُّوْلِ والقِصَرِ، والزُّرْقَةِ، والشُّقْرَةِ، والْحُمْرَةِ، والصُّفْرَةِ، قالَ: وكذلكَ يجوزُ وصفُهُ بالعَرَجِ، والقِصَرِ، والعَمَى، والعَوَرِ، والعَمَشِ، والحَوَلِ، والإْقَعْادِ، والشَّلَلِ، كعِمْرَانَ القَصِيْرِ، وأبي معاويةَ الضَّريرِ، وهارونَ بنِ موسى الأعْوَرِ، وسُليمانَ الأعْمَشِ، وعبدِ الرحمنِ بنِ هُرْمُزٍ الأعرجِ، وعاصمٍ الأحولِ، وأبي مَعْمَرٍ الْمُقْعَدِ، ومنصورٍ الأشَلِّ وجماعةٍ)) .
وسُئِلَ ابنُ المباركِ عن فلانٍ القصيرِ، وفلانٍ الأعْرَجِ، وفلانٍ الأصْفَرِ، وحُميدٍ الطويلِ، قالَ: إذا أرادَ صِفَتَهُ ولم يُرِدْ عَيْبَهُ فلا بأْسَ. قالَ الخطيبُ: وإذا كانَ معروفاً باسمِ أُمِّهِ، وهو الغالبُ عليهِ، جازَ نسَبتُهُ إليهِ، مثلُ: ابنِ بُحَيْنَةَ، وابنِ أمِّ مكتومٍ، ويعلى بنِ مُنْيَةَ، والحارثِ بنِ البَرْصَاءِ، وغيرِهِم مِنَ الصَّحَابةِ، ومَنْ بعدَهُم كمنصورِ بنِ
صَفِيَّةَ، وإسماعيلَ بنِ عُلَيَّةَ. واستثنى ابنُ الصلاحِ من الجوازِ ما يكرهُهُ المُلَقَّبُ، فقالَ: إلَاّ ما يكرهُهُ مِنْ ذلكَ، كما في إسماعيلَ بنِ إبراهيمَ، المعروفِ بابنِ عُلَيَّةَ، وهيَ أُمُّهُ، وقيلَ: أُمُّ أمِّهِ. روينا عن يحيى بنِ مَعِينٍ أنَّهُ كانَ يقولُ: حَدَّثَنَا إسماعيلُ بنُ عُلَيَّةَ، فنَهَاهُ أَحمدُ بنُ حنبلٍ، وقالَ: قُلْ: إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، فإنَّهُ بلغني أنَّهُ كانَ يكرَهُ أنْ يُنْسَبَ إلى أُمِّهِ، فقالَ: قد قبلْنَا منكَ يا مُعَلِّمَ الخيرِ. انتهى.
ولم يستثنِ الخطيبُ ذلكَ من الجوازِ، بَلْ: روى هذهِ الحكايةَ، والظاهرُ أنَّ ما قالَهُ أحمدُ هو على طريقِ الأدبِ، لا اللُّزُوْمِ.
707.
... وَارْوِ فِي الاِمْلَا عَنْ شُيُوْخِ قَدِّمِ
…
أَوْلَاهُمُ وَانْتَقِهِ وَأَفْهِمِ
708.
... مَا فِيْهِ مِنْ فَائِدَةٍ وَلَا تَزِدْ
…
عَنْ كُلِّ شَيْخٍ فَوْقَ مَتْنٍ وَاعْتَمِدْ
709.
... عَاِليَ إِسْنَادٍ قَصِيْرَ مَتْنِ
…
وَاجْتَنِبِ الْمُشْكِلَ خَوْفَ الْفَتْنِ
قالَ الخطيبُ: يُستحبُّ للراوي ألاّ يقتصرَ في إملائِهِ على الروايةِ عن شيخٍ واحدٍ من شيوخِهِ، بل يروي عن جماعتهِم، ويقدِّمُ مَنْ علا إسنادُهُ منهمْ. زادَ ابنُ الصَّلاحِ: أوِ يقدِّمُ الأوْلى من وجهٍ آخرَ، قالَ: ويتَّقِي ما يمليهِ وَيتَحَرَّى المستفادَ
منهُ. قالَ الخطيبُ: ومِنْ أنفعِ ما يُمْلي الأحاديثُ الفقهيَّةُ. قالَ: ((وَيُسْتَحَبُّ أيضاً إملاءُ أحاديثِ الترغيبِ)) ، قالَ: وإذا روى حديثًا فيهِ كلامٌ غريبٌ فَسَّرَهُ، أو معنى غامضٌ بَيَّنَهُ وأظَهرَهُ. ثُمَّ رَوَى عن ابنِ مهديٍّ قالَ: لو استقبلتُ مِنْ أَمْرِي ما اسْتَدْبَرْتُ، لكتبتُ بجنبِ كُلِّ حديثٍ تفسيرَهُ. قالَ الخطيبُ: ويُستحبُّ للراوي أنْ يُنَبِّهَ على فضلِ ما يَرويهِ، ويُبَيِّنَ المعاني التي لا يعرفُها إلَاّ الحفَّاظُ من أمثالِهِ وذويهِ فإنْ كانَ الحديثُ عالياً عُلُوَاً متفاوتاً، وصفَهُ بذلكَ، وهكذا إذا كانَ راويه غايةً في الثقةِ والعدالةِ. قالَ: ويُستحبُّ إنْ روى حديثاً معلولاً أنْ يُبَيِّنَ عِلَّتَهُ: وإذا كانَ في الإسنادِ اسمٌ يُشاكِلُ غَيْرَهُ في الصورةِ، استحبَبْتُ لهُ أنْ يذكرَ صورةَ إعجامِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ التنبيهَ على تاريخِ السَّماعِ القديمِ، وكونَهَ انفردَ عَنْ شيخهِ بهِ وكونَ الحديثِ لا يوجدُ إلَاّ عِنْدَهُ. قالَ الخطيبُ: ويكونُ إملاؤُهُ عن كَلِّ شيخٍ حديثاً واحداً فإنَّهُ أعمُّ للفائدةِ، وأكثرُ للمَنْفَعَةِ قالَ: ويعتمدُ ما علا سنَدُهُ وقَصُرَ مَتْنُهُ. وروينا عن عليِّ بنِ حُجْرٍ أنَّهُ كانَ يقولُ:
وَظِيْفَتُنَا مِائَةٌ لِلْغَرِيْـ
…
بِ في كُلِّ يَوْمٍ سِوَى مَا يُعَادُ
شَرِيْكِيَّةٌ أَوْ هُشَيْمِيَّةٌ
…
أَحَادِيْثُ فِقْهٍ قِصَارٌ جِيَادُ
قالَ الخطيبُ: وينبغي أنْ يعتمدَ في إملائِهِ الروايةَ عن ثقاتِ شيوخِهِ، ولا يروي عن كَذَّابٍ، ولا مُتَظَاهِرٍ ببدعةٍ، ولا معروفٍ بالفسقِ، قالَ:((وليتجنَّبْ في أماليهِ روايةَ ما لا تحتمِلُهُ عقولُ العوامِ لما لا يؤمَنُ عليهِمِ فيه مِنْ دخولِ الخطأ والأَوهامِ، أنْ يُشَبهُوا اللهَ تعالى بخلقِهِ، ويُلْحِقُوا بهِ ما يستحيلُ في وصفِهِ، وذلكَ نحوُ أحاديثِ الصفاتِ التي ظاهِرُها يقتضي التشبيهَ، والتجسيمَ، وإثباتَ الجوارحِ والأعضاءِ للأزليِّ القديمِ؛ وإنْ كانَتِ الأحاديثُ صحاحاً ولها في التَّأويلِ طرقٌ ووُجوهٌ، إلَاّ أنَّ مِنْ حقِّها ألَاّ تُرْوَى إلَاّ لأَهْلِها خَوْفاً مِنْ أنْ يَضِلَّ بِهَا مَنْ جَهِلَ معانِيها، فيحمِلَهَا على ظاهرِها، أو يستنكرَها فَيَرُدَّهَا، ويُكذِّبَ رواتَها، وَنَقَلَتَهَا، ثُمَّ روى حديثَ أبي هُريرةَ: ((كفى بالمرءِ كَذِباً أنْ يُحَدِّثَ بكُلِّ ما سَمِعَ)) . وقولَ عليٍّ: تُحبُّوْنَ أنْ يُكَذَّبَ اللهُ ورسولُهُ؟ حَدِّثُوا الناسَ بما يَعرفونَ، ودعوا ما يُنكِرُونَ. وقولَ ابنِ مسعودٍ: إنَّ الرجلَ ليُحَدِّثُ بالحديثِ، فيسمَعُهُ مَنْ لا يبلغُ عَقْلُهُ فَهْمَ ذلكَ الحديثِ،
فيكونُ عليهِ فتنةٌ قالَ الخطيبُ: ومِمَّا رأى العلماءُ أنَّ الصُّدُوفَ عن روايتهِ للعوامِّ أوْلَى: أحاديثُ الرُّخَصِ، كحديثِ الرُّخصةِ في النبيذِ، ثُمَّ ذَكَرَ كراهيةَ روايةِ أحاديثِ بني إسرائيلَ المأثورةِ عن أهلِ الكتابِ، وما نُقِلَ عَنْ أهلِ الكتابِ. ثُمَّ روى عَنْ الشافعيِّ أنَّ معنى حديثِ: حَدِّثُوا عن بني إسرائيلَ ولا حَرَجَ. أي لا بأْسَ أنْ تُحَدِّثُوا عَنْهُمْ ما سمعتُمْ وإنِ استحالَ أنْ يكونَ في هذهِ الأُمةِ، مثلُ ما رُويَ أنَّ ثيابَهُمْ تطولُ، والنارُ التي تنزلُ من السماءِ فتأكلُ القربانَ. انتهى.
وقالَ بعضُ العلماءِ: إنَّ قولَه ولا حرجَ في مَوْضِعِ الحالِ، أي حَدِّثُوا عَنْهُمْ حيثُ لا حرجَ في التحديثِ عنْهُم، كما حُفِظَ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ أَخبارِهم قالَ الخطيبُ وعن صحابَتهِ، وعن العلماءِ، فإنَّ روايَتهُ تجوزُ. قالَ الخطيبُ: ((وَلْيَتَجَنَّبْ ما شَجَرَ بينَ
الصَّحابةِ، وقد رَوَى الخطيبُ في كتابٍ لَهُ في القولِ في علمِ النُّجُومِ من حديثِ ابنِ مسعودَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قالَ إذا ذُكِرَ أصحابي فأَمْسِكُوا
ورواهُ ابنُ عديٍّ من حديثِ ابنِ عمرَ أيضاً، وكلاهُما لا يصحُّ. (والفَتْنِ)
- بفتحِ الفاءِ -: مصدرُ قولِكَ: فَتَنَ، حكاهُ الخليلُ بنُ أحمدَ.
710.
... وَاسْتُحْسِنَ الإنْشَادُ في اْلأَوَاخِرِ
…
بَعْدَ الْحِكَاياَتِ مَعَ النَّوَادِرِ
711.
... وَإِنْ يُخَرِّجْ لِلرُّوَاةِ مُتْقِنُ
…
مَجَالِسَ الإِمْلَاءِ فَهْوَ حَسَنُ
712.
... وَلَيْسَ بِالإِْمْلاءِ حِيْنَ يَكْمُلُ
…
غِنًى عَنِ الْعَرْضِ لِزَيْغٍ يَحْصُلُ
جرتْ عادةُ غيرِ واحدٍ مِنَ الأَئَمَّةِ أنْ يختِم مجالسَ الإملاءِ بشيءٍ من الحكاياتِ والنوادرِ والإنشاداتِ بأسانيدِها. قالَ ابنُ الصلاحِ: وذلكَ حَسَنٌ. وقدْ بَوَّبَ لهُ الخطيبُ في
" الجامعِ "، واستَدَلَّ لهُ بما رَوَى بإسنادِهِ إلى عليٍّ رضي الله عنه قالَ: رَوِّحُوا القُلُوبَ، وابْتَغُوا لها طُرَفَ الحِكْمَةِ. وعن الزُّهْرِيِّ: أَنَّهُ كانَ يقولُ لأصحابهِ: هاتُوا من أَشْعَارِكُم، هاتُوا من حديثِكُمُ، فإنَّ الأُذُنَ مَجَّةٌ والقلبُ حَمِضٌ. وعن حَمَّادِ بنِ زيدٍ: أنَّهُ حَدَّثَ بأحاديثَ، ثُمَّ قالَ: لتأخُذوا في أبزَارِ الجنةِ، فحَدَّثَنَا بالحكاياتِ. وعن كثيرِ بنِ أفلحَ، قالَ: آخرُ مجلسٍ جالسْنَا فيهِ زيدَ بنَ ثابتٍ، تناشدْنَا فيهِ الشِّعْرَ.
قالَ الخطيبُ: وِإنْ لم يكنِ الراوي من أهلِ المعرفةِ بالحديثِ، وعِلَلِهِ، واختلافِ وجوهِهِ، وطرقِهِ، وغيْرِ ذلكَ من أنواعِ علومِهِ، فينبغي لهُ أنْ يَستعينَ ببعضِ حُفَّاظِ وقتهِ في تخريجِ الأحاديثِ التي يُريدُ إملاءَ ها قبلَ يومِ مجلسِهِ. فقدْ كانَ جماعةٌ من شيوخِنَا يفعلونَ ذلكَ منهم: أبو الحسينِ بنُ بِشْرَانَ والقاضي أبو عمرَ الهاشميُّ، وأبو القاسمِ السَّرَّاجُ، وغيرُهم. قالَ ابنُ الصلاحِ:((وإذا نَجِزَ الإملاءُ فلا غنًى عن مقابلتِهِ، وإتقانِهِ، وإصلاحِ ما فسدَ منهُ بزيغِ القلمِ، وطُغيانِهِ)) . هكذا قالَ ابنُ الصلاح هنا،