الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أنَّهُ لا غنًى عن مقابلةِ الإملاءِ، وقد تقدَّمَ في كلامِهِ التَّرْخِيصُ في الروايةِ من الأصلِ غيرِ المُقَابلِ بشروطٍ ثلاثةٍ، ولم يذكرْ ذلكَ هنا، فيحتملُ أنْ يُحملَ هذا على مَا تقدَّمَ، ويُحتملُ أنْ يُفَرِّقَ بينَ النُّسَخِ مِنْ أصْلِ السَّمَاعِ، والنسخِ مِنْ إملاءِ الشَّيْخِ حِفظاً؛ لأنَّ الحِفْظَ يخونُ. ولكنَّ المقابلَةَ للإملاءِ، إنَّما هيَ مَعَ الشَّيْخِ أيضاً مِنْ حفظِهِ، لا على أُصُولِهِ، وليسَ في كلامِ الخطيبِ هنا اشتراطُ مقابَلةِ الإملاءِ، وإنما تَرْجَمَ عليهِ بقولهِ: المعارضةُ بالمجلسِ المكتوبِ وإِتقانهِ، وإصلاحِ ما أفسدَ منهُ زيغُ القلمِ، وطغيانُهُ، ثُمَّ روى بإسنادِهِ إلى زيدِ بنِ ثابتٍ، قالَ: كنتُ أكتبُ الوحْيَ عندَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وإذا فرغتُ قالَ: اقرأهُ، فإنْ كانَ فيهِ سقطٌ أقامَهُ، ثُمَّ يُخْرَجُ بهِ.
آدَابُ طَالِبِ الْحَدِيْثِ
713.
... وَأَخْلِصِ الّنِيَّةَ فِي طَلَبِكا
…
وَجِدَّ وَابْدَأْ بِعَوَاِلي مِصْرِكَا
714.
... وَمَا يُهِمُّ ثُمَّ شُدَّ الرَّحْلَا
…
لِغَيْرِهِ وَلَا تَسَاهَلْ حَمْلَا
أوَّلُ ما يجبُ على الطالبِ إخلاصُ النِّيَّةِ، فقد روينا في " سننِ أبي داودَ "، و"ابنِ ماجه" من حديثِ أبي هريرَةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ تَعلَّمَ عِلْماً مما يُبْتَغَى بهِ وَجْهُ اللهِ عز وجل، لا يَتَعَلَّمُهُ إلَاّ ليُصِيْبَ بهِ عَرَضاً من الدنيا، لم يجدْ
عَرْفَ الجنَّةِ يومَ القيامةِ. وروينا عن حمادِ بنِ سلمةَ قالَ: من طلبَ الحديثَ لغيرِ اللهِ مُكِرَ بهِ. قالَ الخطيبُ: إذا عزمَ اللهُ تعالى لامرئٍ على سماعِ الحديثِ وحَضَرَتْهُ نيةٌ في الاشتغالِ بهِ، فينبغي أنْ يُقَدِّمَ المسألةَ لله تعالى أَنْ يُوفِّقَهُ فيهِ، ويعينَهُ عليهِ، ثُمَّ يبادرَ إلى السماعِ، ويحرصَ على ذلكَ من غيرِ توقفٍ، ولا تأخيرٍ. وفي " صحيحِ مسلمٍ " مِنْ حديثِ أبي هريرةَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قالَ:((احْرِصْ على ما يَنفعُكَ، واسْتَعِنْ باللهِ ولا تَعْجزْ)) . ولْيَجُدَّ الطالبُ في طلبهِ، فقد روينا عن يحيى بنِ أبي كثيرٍ، قالَ: لا يُنَاْلُ العلمُ براحةِ الجَسَدِ. وروينا عن الشافعيِّ قالَ: لا يَطْلُبُ هذا العلمَ مَنْ يطلُبهُ بالتمَلُّلِ، وغنى النَّفْسِ، فيُفْلِحُ، ولكنْ مَنْ طَلَبهُ بِذِلَّةِ النَّفْسِ، وضيقِ الَعيْشِ، وخدمَةِ العلمِ، أفلَحَ. قالَ الخطيبُ: ويعمدُ إلى أسْنَدِ شيوخ مِصرِهِ، وأقدمِهِمْ سماعًا فيديمُ الاختلَاف إليهِ، ويواصلُ العكوفَ عليهِ، فيقدّمُ السماعَ منهُ، وإِنْ تكاَفأَتْ أسانيدُ جماعةٍ من الشيوخِ في العُلُوِّ، وأرادَ أنْ يَقْتصرَ على السماعِ من بعضِهم، فينبغي أنْ يتخيَّرَ المشهورَ منهم
بطلبِ الحديثِ، المشارَ إليهِ بالإتقانِ لهُ، والمعرفةِ بهِ. وإذا تساوَوْا في الإسنادِ والمعرفةِ فمَنْ كانَ مِنْ الأشرافِ وذوي الأَنسابِ، فهو أَوْلَى أن يُسْمَعَ منهُ.
وروينا عن الحافظِ أبي الفضلِ صالحِ بنِ أحمدَ التميميِّ، قالَ: ينبغي لطالبِ الحديثِ ومَنْ عُنِىَ بهِ أنْ يبدأَ بكَتْبِ حديثِ بلدِهِ، ومعرفةِ أهلِهِ منهم، وتفهُّمهِ وضبْطِهِ حَتّى يعلمَ صحيحَها وسقيمَها، ويَعْرِفَ مَنْ أهلُ الحديثِ بهَا، وأحوالَهُم معرفةً تامةً، إذا كانَ في بَلَدِه عِلْمٌ وعلماءُ، قديمًا وحديثًا. ثُمَّ يشتغلُ بعدُ بحديثِ البُلدانِ والرحلةِ فيهِ.
وروينا عن أبي عبيدةَ، قالَ: مَنْ شَغَلَ نفسَهُ بغيرِ المُهِمِّ أضَرَّ بالمُهِمِّ. وقالَ الخطيبُ: المقصودُ بالرحلةِ في الحديثِ أمرانِ:
أحدُهما: تحصيلُ عُلُوِّ الإسناِد وقِدَمِ السَّماعِ. والثاني: لقاءُ الحفَّاظِ، والمذاكرةُ لهم، والاستفادةُ عنهم. فإذا كانَ الأمْرَانِ موجودَيْنِ في بلدِ الطالبِ، ومعدومينِ في غيرِهِ، فلا فائدةَ في الرحلةِ، فالاقتصارُ على ما في البلدِ أولى. فإذا كانا موجوْدَينِ في بلدِ الطالبِ، وفي غيرِهِ إلَاّ أنَّ ما في كُلِّ واحدٍ مِنَ البلدينِ يختصُّ بهِ، أي: مِنَ العوالي والحفَّاظِ؛ فالمستحبُّ للطالبِ الرحلةُ لجمعِ الفائدتَيْنِ من عُلُوِّ الإسناْدَينِ، وعلمِ الطائفَتْينِ. لكن بعدَ تحصيلِهِ حديثَ بلدِهِ وتمهُّرِهِ في المعرفةِ بهِ. قالَ: وإذا عزمَ الطالبُ على الرحلةِ، فينبغي لهُ ألَاّ يتركَ في بلدِهِ من الرواةِ أحداً إلَاّ ويكتبَ عنهُ ما تيسَّرَ من الأحاديثِ، وإنْ قَلَّتْ فإنِّي سمعتُ بعضَ أصحابِنا يقولُ: ضَيِّعْ ورقةً ولا تُضَيِّعَنَّ شَيخَاً. وروينا عن أحمدَ
وسألَهُ ابنُهُ عبدُ اللهِ عمَّنْ طلبَ العلمَ، تَرَى له أنْ يَلْزمَ رجلاً عندَهُ عِلْمٌ فيكتبَ عنهُ؟ أو تَرَى لهُ أنْ يَرْحَلَ إلى المواضعِ التي فيها العلمُ فيسمَعَ منهمْ؟ قالَ: يرحلُ، يكتبُ عن الكوفِيِّينَ والبصريِّينَ، وأهلِ المدينةِ ومكَّةَ يُشَامُّ الناسَ يسمعُ منهم. وروينا عن ابنِ مَعِينٍ، قالَ: أربعةٌ لا تُؤْنِسُ منهم رُشْداً منهم رجلٌ يكتبُ في بلدِهِ، ولا يرحَلُ في طلبِ الحديثِ. وقالَ إبراهيمُ بنُ أدهمَ: إنَّ اللهَ يدفعُ البلاءَ عن هذهِ الأمةِ برحلةِ أصحابِ الحديثِ. قالَ ابنُ الصلاحِ: ولا يَحْمِلَنَّهُ الحِرْصُ والشَّرَهُ على التَّسَاهُلِ في السَّمَاع والتَّحَمُّل، والإخلالِ بما عليهِ في ذلكَ. وقالَ الخطيبُ: لِيَعْلَمَ الطالبُ أنَّ شهوةَ السَّمَاعِ لا تنتهي، والنَّهْمَةَ من الطلبِ لا تَنْقَضِي، والعِلْمُ كالبِحَارِ الْمُتَعَذِّرِ كيلُها، والمعادنِ التي لا ينقطعُ نيلُها.
فلا ينبغي له أنْ يَشْتَغِلَ في الغُرْبةِ إلَاّ بما يُسْتَحَقُّ لأجْلِهِ الرحلةُ.
وقولي: (حَمْلاً) تمييزٌ، أي: ولا تتساهلْ في الْحَمْلِ والسَّمَاعِ.
715.
... وَاعْمَلْ بِمَا تَسْمَعُ فِي الْفَضَائِلِ
…
وَالشَّيْخَ بَجّلْهُ وَلَا تَثَاقَلِ
716.
... عَلَيْه تَطْويْلَا بِحَيْثُ يَضْجَرْ
…
وَلَا تَكُنْ يَمْنَعُكَ التَّكَبُّرُ
717.
... أَو الْحَيَا عَنْ طَلَبٍ وَاجْتَنِبِ
…
كَتْمَ السَّمَاعِ فَهْوَ لُؤْمٌ وَاكْتُبِ
718.
... مَا تَسْتَفيْدُ عَالِياً وَنَاِزلَا
…
لَا كَثْرَةَ الشُّيُوْخِ صِيْتَاً عَاطلَا
719.
... وَمَنْ يَقُلْ إذا كَتَبْتَ قَمِّشِ
…
ثُمَّ إذا رَوَيْتَهُ فَفَتِّشِ
720.
... فَلَيْسَ مِنْ ذَا وَالْكتَابَ تَمِّمِ
…
سَمَاَعَهُ لَا تَنْتَخِبه تَنْدَمِ
721.
... وَإِنْ يَضِقْ حَالٌ عَنِ اسْتِيْعَابهِ
…
لِعَارِفٍ أَجَادَ فِي انْتِخَابهِ
722.
... أَوْ قَصَّرَ اسْتَعَانَ ذَا حِفْظٍ فَقَدْ
…
كَانَ مِنَ الحُفَّاظِ مَنْ لَهُ يُعدْ
723.
... وَعَلَّمُوْا فِي الأَصْلِ إِمَّا خَطَّا
…
أَوْ هَمْزَتَيْنِ أَوْ بِصَادٍ أَوْ طَا
ولْيَسْتَعْمِلِ الطالبُ ما سمعَ من الحديثِ في فضائلِ الأعمالِ، فقد روينا في حديثِ عليٍّ: أنَّ رجلاً قالَ: يا رسولَ اللهِ، ما يَنْفِيَ عنِّي حُجَّةَ الْجَهْلِ؟ قالَ: العِلْمُ. قالَ: فما يَنْفِيَ عنِّي حُجَّةَ العِلْمِ؟ قالَ: العَمَلُ.
وروينا عن بشرِ بنِ الحارثِ، قالَ: يا أصحابَ الحديثِ! أدُّوا زكاةَ هذا الحديثِ، اعمَلُوا مِن كُلِّ مائتي حديثٍ بخمسةِ أحاديثَ.
وروينا عن عمرِو بنِ قيسٍ الْمُلَائِيِّ، قالَ: إذا بلغَكَ شيءٌ من الخيرِ فاعْمَلْ بهِ، - ولو مرَّةً - تكنْ مِنْ أهلِهِ. وروينا عن وكيعٍ، قالَ: إذا أردتَ أنْ تحفظَ الحديثَ فاعملْ بهِ وروينا عن إبراهيمَ بنِ إسماعيلَ بنِ مُجَمِّعٍ، قالَ كُنَّا نَسْتَعِينُ على حفظِ الحديثِ بالعملِ بهِ وروينا عن أحمدَ بنِ حنبلٍ، قالَ ما كتبتُ حديثاً إلَاّ وقدْ عملتُ بهِ، حتَّى مَرَّ بي في الحديثِ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم احْتَجَمَ وأَعطى أبا طَيْبَةَ دِيْنَاراً، فأَعْطَيْتُ الْحَجَّامَ ديناراً حين احْتَجَمْتُ وليبَجِّلِ الطالبُ الشَّيخَ، فقدْ روينا عن مغيرةَ، قالَ كُنَّا نَهَابُ إِبراهيمَ، كما نَهَابُ الأَميرَ وروينا عن البخاريِّ قالَ ما رأيتُ أحداً أوقرَ للمُحَدِّثينَ مِن يحيى بنِ معينٍ. وليحذَرْ منَ التثقيلِ عليهِ لئلَاّ يُضْجِرَهُ ويملَّهُ. قالَ الخطيبُ: وإذا حدَّثَهُ فيجبُ أنْ يأخذَ منهُ العفوَ ولا يُضْجِرْهُ. قالَ: والإضْجَارُ يُغَيِّرُ الأفهامَ، ويفسِدُ الأخلاقَ، ويحيلُ الطِّبَاعَ، وقد كانَ إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ مِنْ أحسنِ الناسِ خُلُقاً، فلَمْ يزالوا بهِ حتَّى ساءَ خُلُقُهُ. وروينا عن محَمَّدِ بنِ سيرينَ: أنَّهُ سألَهُ رجلٌ عن حديثٍ وقد أرادَ أنْ يقومَ، فقالَ: إنَّكَ إنْ كَلَّفْتَني ما لم أُطِقْ،
ساءَكَ ما سَرَّكَ مِنِّي مِنْ خُلُقٍ. قالَ ابنُ الصلاحِ: ((يُخْشَى على فاعلِ ذلكَ أنْ يُحْرَمَ الانتفاعَ)) .
قلتُ: وقد جَرَّبْتُ ذلكَ، فإنَّ شيخَنا أبا العباسِ أحمدَ بنَ عبدِ الرحمنِ الْمردَاويَّ، كانَ كَبِرَ وعَجَزَ عن الإسماعِ حتى كُنَّا نتألَّفُهُ على قراءةِ الشيءِ اليسيرِ، فقرأَ عليهِ بعضُ أصحابنِا فيما بلغني"العُمْدةَ" بإجازتِهِ من ابنِ عبدِ الدائمِ وأطالَ عليهِ فأضْجَرَهُ فكانَ يقولُ لهُ الشيخُ: لا أحْيَاكَ اللهُ أنْ تروِيَها عنِّي، أو نحوَ ذلكَ، فماتَ الطالبُ بعدَ قليلٍ، ولم ينتفعْ بما سَمِعَهُ عليهِ.
وليحذرِ الطالبُ أنْ يمنعَهُ التَّكَبُّرُ، أو الحياءُ عن طلبِ العلمِ، فقد ذكرَ البخاريُّ عن مجاهدٍ قالَ:((لا ينالُ العلمَ مُسْتَحيٍ، ولا مُسْتَكبرٌ)) ، وليتجنَّبِ الطالبُ أنْ يظفرَ بشيخٍ، أو بسماعٍ لشيخٍ فيكتمَهُ لينفردَ بهِ عن أضرابهِ، فذلكَ لؤمٌ مِنْ فَاعلهِ، على أنَّهُ قد روينا فِعْلَ ذلكَ عن جماعةٍ من الأئِمَّةِ المتقدِّمينَ، كشعبةَ وسفيانَ الثوريِّ، وهُشيمٍ، واللَّيثِ، وابنِ جُرْيَجٍ، وسفيانَ بنِ عُيينةَ، وابنِ لَهِيْعَةَ، وعبدِ الرَّزَّاقِ، فاللهُ أعلمُ بمقاصدِهِم في ذلكَ. وروينا عن مالكٍ قالَ: مِنْ بَرَكَةِ الحديثِ إفادةُ بعضِهِم بعضاً
، ونَحُوه عن ابنِ المباركِ ويحيى بن مَعينٍ. وروينا عن يحيى بنِ معينٍ، قالَ: مَنْ بَخِلَ بالحديثِ، وكَتَمَ على الناسِ سماعَهُم، لم يُفْلِحْ. وروينا عن إِسْحَاقَ بنِ راهويهِ، قالَ: قد رأيْنَا أقواماً مَنَعُوا هذا السَّماعَ، فواللهِ ما أفلحُوا ولا أنجحوا. قالَ الخطيبُ:((والذي نَسْتَحِبُّهُ إفادةَ الحديثِ لمنْ لم يسمَعْهُ والدّلالةَ على الشُّيُوخِ والتنبيهَ على رواياتهِم، فإنَّ أَقَلَّ ما في ذلكَ النُّصْحُ للطالبِ، والحفظُ للمطلوبِ، معَ ما يُكْتَسَبُ بهِ من جزيلِ الأجرِ، وجميلِ الذِّكْرِ)) ، ثُمَّ رَوَى بإسنادهِ إلى ابنِ عبَّاسٍ رَفَعَهُ، قالَ: إخواني تَنَاصَحُوا في العِلْمِ ولا يَكتُمْ بعضُكُم بعضاً، فإنَّ خيانةَ الرجلِ في علمِهِ، أشدُّ من خيانتهِ في مالِهِ، ثُمَّ رَوَى عن الثَّوريِّ قالَ: لِيُفِدْ بعضُكم بعضاً، وهذا يدلُّ على أنَّ ما رُوِيَ عنهُ وعمَّنْ تقدَّمَ ذكرُهُ مِنَ الأئِمَّةِ ممَّا يخالفُ ذلكَ محمولٌ على كَتْمِهِ عمَّنْ لَمْ يَرَوْهُ أهلاً، أو على مَنْ لَمْ يَقْبلِ الصوابَ إذا أُرْشِدَ إليهِ، أو نحوِ ذلكَ.
وقد قالَ الخطيبُ: ((مَنْ أدَّاْهُ - لجهلهِ - فَرْطُ التِّيهِ والإعجابِ إلى المحاماةِ عن الخطأِ والمماراةِ في الصوابِ، فهو بذلكَ الوصفِ مذمومٌ مأثومٌ، ومُحْتجِزُ الفائدةِ عنه غيرُ مؤَنَّبٍ ولا مَلُومٍ)) .
وروينا عن الخليلِ بنِ أحمدَ أنَّهُ قالَ لأبي عُبيدةَ معمرِ بنِ المثنى: لا تَرُدَّنَّ على معجبٍ خطأً، فيستفيدَ منكَ علماً، ويتخذَكَ بهِ عدواً.
ولتكنْ همةُ الطالبِ تحصيلَ الفائدةِ، سواءٌ وقعتْ له بعلوٍّ أمْ بِنُزولٍ ولا يأَنَفْ أنْ يكتبَ عمَّنْ هو دونَه ما يستفيدُهُ. روينا عن سفيانَ ووكيعٍ قالَا: لا يكونُ الرجلُ مِنْ أهلِ الحديثِ، حتَّى يكتبَ. وقالَ وكيعٌ: لا يكونُ عالماً حتى يأخذَ عمَّنْ هو فوقَهُ، وعمَّنْ هو دونَه، وعمَّنْ هو مثلُهُ. وكانَ ابنُ المباركِ يكتبُ عمَّنْ هو دونَهُ، فقيلَ لهُ، فقالَ: لعلَّ الكلمةَ التي فيها نجاتي لم تَقَعْ لي.
وليحذرِ الطالبُ أنْ تكونَ هِمَّتُهُ تكثيرَ الشيوخِ لمجرَّدِ اسمِ الكثرةِ وصيتِها، قالَ ابنُ الصلاحِ: وليسَ بموفَّقٍ مَنْ ضَيَّعَ شيئاً من وقتهِ في ذلكَ.
وروينا عن عفَّانَ أنَّهُ سمعَ قوماً يقولونَ: نسخْنَا كُتُبَ فلانٍ، فقالَ: هذا الضربُ من َالناسِ، لا يُفلِحُونَ. كُنَّا نأتي هذا فنسمعُ منهُ ما ليسَ عندَ هذا، ونسمعُ مِنْ هذا ما ليسَ عندَ هذا، فقدمْنَا الكوفةَ، فأقمنا أربعةَ أشهرٍ، ولو أردْنا أنْ نكتبَ مائةَ ألفِ حديثٍ، لكتبناها، فما كتبْنَا إلا قدرَ خمسةِ آلافِ حديثٍ، وما رضيِنَا مِنْ أحدٍ إلَاّ بالإملاءِ؛ إلَاّ شريكَ فإنَّهُ أَبى علينا. قالَ ابنُ الصلاحِ: ((وليسَ من ذلكَ قولُ أبي
حاتِمٍ الرازيِّ: إذا كتبتَ فَقَمِّشْ، وإذا حَدَّثْتَ فَفَتِّشْ)) . والتَّقْمِيْشُ والقَمْشُ أيضاً: جمعُ الشيءِ من هاهُنا وهاهُنا. وَلَمْ يُبَيِّنِ ابنُ الصلاحِ ما المرادُ بذلكَ، وكأنَّهُ أرادَ: اكْتُبِ الفائدةَ ممَّنْ سمعتَها ولا تُؤخِّرْ ذلكَ حَتَّى تنظرَ فيمَنْ حدَّثكَ، أهُوَ أهلٌ أنْ يُؤخَذَ عَنْهُ أم لا؟ فربَّما فاتَ ذلكَ (1) بموتِ الشيخِ أو سفرِهِ، أو سفرِكَ. فإذا كانَ وقتُ الروايةِ عنهُ، أو وقتُ العملِ بذِلكَ، فَفَتِّشْ حينئذٍ. وقد ترجمَ عليهِ الخطيبُ: باب مَنْ قالَ: يكتبُ عَنْ كُلِّ أحدٍ.
ويَحْتَمِلُ: أنَّ مرادَ أبي حاتمٍ استيعابُ الكتابِ المسموعِ، وتركُ انتخابهِ، أوْ استيعابُ ما عندَ الشيخِ وقتَ التحمُّلِ، ويكونُ النظرُ فيهِ حالةَ الروايةِ. وقدْ يكونُ قَصْدُ المحدِّثِ تكثيرَ طُرُقِ الحديثِ، وجَمْعَ أطرافِهِ، فيكثرُ لذلكَ شيوخُه ولا بأْسَ بذلكَ. فقد روينا عن أبي حاتمٍ قالَ: لو لَمْ نكْتُبِ الحديثَ من ستينَ وجهاً ما عَقَلْنَاهُ. وقد وُصِفَ بالإكثارِ من الشيوخِ سفيانُ الثوريُّ، وأبو داودَ الطيالسيُّ، ويونسُ بنُ محمّدٍ المؤدِّبُّ، ومحمّدُ بنُ يونسَ الكُدَيميُّ، وأبو عبدِ الله ابنُ مَنْدَه، والقاسمُ بنُ داودَ البغداديُّ، روينا عنهُ قالَ: كتبْتُ عن ستةِ آلافِ شيخٍ.
وينبغي للطالبِ أنْ يسمعَ، ويكتبَ ما وقعَ له من كتابٍ، أو جُزءٍ على التَّمَامِ، ولا يَنتخبْهُ، فربمَّا احتاجَ بعدَ ذلكَ إلى روايةِ شيءٍ منهُ لَمْ يَكنْ فيما انتخبَهُ مِنْهُ، فيندمُ،
(1) سقطت من النسخ المطبوعة
وقد روينا عن ابنِ المباركِ قالَ: ما انتخبتُ على عالمٍ قَطُّ، إلَاّ نَدمْتُ. وروينا عنهُ قالَ: ما جاءَ مِن مُنْتَقٍ خيرٌ قَطُّ. وروينا عن يحيى ابنِ معينٍ قالَ: صاحبُ الانتخابِ يندمُ، وصاحبُ النسخِ لا يندمُ. وقد فَرَّقَ الخطيبُ في ذلكَ بَيْنَ أَنْ يكونَ الشيخُ عَسِراً، والطالبُ وارداً غريباً؛ فقالَ: إذا كَانَ المحدِّثُ مُكْثِراً وفي الروايةِ مُعْسِراً، فينبغي للطالبِ أن يَنْتَقِي حديثَهُ، وينتخبَهُ، فَيَكْتبَ عنهُ ما لا يجدُهُ عندَ غيرِهِ، ويَتجنَّبَ الْمُعَادَ من رواياتِهِ قالَ: وهكذا حُكمُ الواردينَ من الغُرباءِ الذينَ لا يُمكنُهُم طولُ الإقامةِ والثَّوَاءِ. قالَ: وأَمَّا مَتَىلم يتمَيَّزْ للطالبِ مُعادُ حديثِهِ من غيرِهِ، وما يُشَارَكُ في روايتهِ مِمَّا ينفردُ بهِ، فالأوْلَى أنْ يكتبَ حديثَهُ عَلَى الاستيعابِ دونَ الانتقاءِ والانتخابِ. انتهى. وإليهِ أشرتُ بقولي:(وإنْ يَضِقْ حَالٌ عَنِ اسْتِيْعَابِهْ) أي: لعُسْرِ الشيخِ، أوْ لكونِ الشيخِ، أوِ الطالبِ وارداً غيرَ مُقيمٍ، ونحوِ ذلكَ.
وقولي: (لعارفٍ) أي: بجودةِ الانتخابِ فقد روينا عن يحيى بنِ مَعِينٍ قالَ: دَفَعَ إليَّ ابنُ وَهْبٍ كتابينِ عن معاويةَ بنِ صالحٍ خمسمائةِ أو ستمائةِ حديثٍ، فانتقيتُ شرارَها لم يكنْ لي بها يومئذٍ معرفةٌ.
وإنْ قَصَّرَ الطالبُ عن معرفةِ الانتخابِ وجودتهِ، فقالَ الخطيبُ: ((ينبغي أنْ يستعينَ ببعضِ حُفَّاظِ وقتِهِ على انتقاءِ ما لَهُ غرضٌ في سماعِهِ وكتْبِهِ. ثُمَّ ذكرَ من المعروفينَ بحسنِ الانتقاءِ أبا زُرْعَةَ الرازيَّ، وأبا عبدِ الرحمنِ النسائيَّ، وإبراهيمَ بنَ أُورمةَ الأصبهانيَّ، وعُبَيْداً العِجْلَ، وأبا بكرٍ الْجِعَابِيَّ، وعمرَ البصريَّ، ومحمَّدَ بن الْمُظَفَّرِ، والدَّارقطنيَّ، وأبا الفتحِ ابنَ أبي الفوارسِ، وأبا القاسمِ هبةَ اللهِ بنَ الحسنِ الطبريَّ اللالكائيَّ.
وقولي: (وَعَلَّمُوا في الأصْلِ) . هذا بيانٌ لما جرتْ به عادةُ الحفَّاظِ من تعليمهِم في أصلِ الشيخِ على ما انتخبوهُ. وفائدتُهُ لأجلِ المعارضَةِ أو ليُمْسِكَ الشيخُ أصلَهُ، أو لاحتمالِ ذهابِ الفرعِ، فينقلَ من الأصلِ، أو يحدّثَ من الأصلِ بذلكَ المعلَّمِ عليهِ.
واختياراتُهُم لصورةِ العلامةِ مختلفةٌ، ولا حرجَ في ذلكَ، فكانَ الدَّارقطنيُّ يعلِّمُ بخطٍّ عريضٍ، بالْحُمْرَةِ في الحاشيةِ اليُسرى، وكانَ اللالكائيُّ يُعلِّمُ على أوَّلِ إسنادِ الحديثِ بخطٍّ صغيرٍ، بالْحُمْرَةِ. وهذا الذي استقرَّ عليهِ عَمَلُ أكثرِ المتأخِّرِينَ وكانَ أبو الفضلِ عليُّ بنُ الحسنِ الفَلَكِيُّ يُعلِّمُ بصورةِ همزتينِ بحبرٍ في الحاشيةِ اليُمنى. وكان أبو الحسنِ عليُّ بنُ أحمدَ النُّعَيْميُّ يُعَلِّمُ صاداً ممدودةً بِحِبْرٍ في الحاشيةِ اليُمنى، أيضاً. وكان أبو محمّدٍ الخلاّلُ يُعَلِّمُ طاءً ممدودةً كذلكَ. وكانَ محمَّدُ بنُ طلحةَ النِّعَاليُّ يُعَلِّمُ بحاءينِ إحداهُما إلى جَنْبِ الأخْرَى كذلكَ.
724.
... وَلَا تَكُنْ مُقْتَصِراً أَنْ تَسْمَعَا
…
وَكَتْبَهُ مِنْ دُوْنِ فَهْمٍ نَفَعَا
725.
... وَاقْرَأْ كِتَاباً فِي عُلُوْمِ الأَثَرِ
…
كَابْنِ الصَّلَاحِ أَوْ كَذَا الْمُخْتَصَرِ
لا يَنْبَغِي للطَّالبِ أنْ يقتصرَ على سماعِ الحديثِ، وكَتْبِهِ دونَ معرفتِهِ وَفَهْمِهِ، وقدْ روينا عن أبي عاصمٍ النَّبِيْلِ، قالَ: الروايةُ في الحديثِ بلا درايةٍ، رِيَاسَةٌ نَذِلَةٌ. قالَ الخطيبُ: هيَ اجتماعُ الطلبةِ على الرَّاوي للسماعِ عندَ عُلُوِّ سِنِّهِ، قالَ: فإذا تَمَيَّزَ الطالبُ بَفَهْمِ الحديثِ، ومعرفتِهِ، تَعَجَّلَ بَرَكَةَ ذلكَ في شبيبتِهِ. قالَ: ولو لَمْ يَكُنْ في الاقتصارِ على سماعِ الحديثِ، وتخليدِهِ الصُّحُفَ، دونَ التَّمْييزِ بمعرفةِ صحيحِهِ من فاسدِهِ والوقوفِ على اختلافِ وجوهِهِ، والتصرفِ في أنواعِ عُلومِهِ، إلَاّ تَلْقِيبُ المعتزلةِ
القدريةِ مَنْ سَلَكَ تِلْكَ الطريقةِ بالْحَشَوِيَّةِ؛ لوجبَ على الطالبِ الأَنَفَةُ لنفسِهِ، ودَفْعُ ذلكَ عنهُ، وعن أبناءِ جِنْسِهِ. وروينا عن فارسِ بنِ الحسينِ لنفسِهِ:
يا طَاْلبَ العلمِ الذِّي
…
ذَهَبَتْ بمُدَّتِهِ الرِّوَاْيَهْ
كُنْ فيْ الِّرَوْايَةِ ذَاْ العِنَا
…
يَةِ، بِالرِّوَاْيَةِ، وَالدِّرَاْيَهْ
وَارْوِ الْقَلِيْلَ وَرَاْعِهِ
…
فَالْعِلْمُ لَيْسَ لَهُ نِهَاْيَهْ
وقولي: (وكتْبَهُ) ، هو منصوبٌ عطفاً على محلِّ (أنْ) المصدريةِ، فمحلُّها نُصِبَ على نزعِ الخافضِ، أي: مُقتصراً على سماعِ الحديثِ، وكَتْبِهِ.
ويَنْبَغِي للطالبِ أنْ يقدِّمَ قراءةَ كتابٍ في علومِ الحديثِ حِفْظاً، أو تَفَهُّماً، ليعرفَ مصطلحَ أهلِهِ. قالَ ابنُ الصلاحِ:((ثمَّ إنَّ هذا الكتابَ مدخلٌ إلى هذا الشأْنِ، مُفْصِحٌ عنْ أُصُولِهِ، وفروعِهِ، شارحٌ لمصطلحاتِ أهلِهِ، ومقاصدِهمْ، وَمُهْمَّاتِهِمُ التي ينقصُ المحدِّثُ بالجهلِ بها نقصاً فاحِشاً، فهو- إنْ شاءَ اللهُ تعالى- جديرٌ بأنْ تُقَدّمَ العنايةُ بهِ)) . وقولي: (أو كَذَا الْمُخْتَصَرِ) ، إشارةٌ إلى هذهِ الأُرْجُوْزَةِ.
726
…
وَبِالصَّحِيْحَيْنِ ابْدَأَنْ ثُمَّ السُّنَنْ
…
وَالْبَيْهَقِيْ ضَبْطَاً وَفَهْمَاً ثُمَّ ثَنْ
727.
... بِمَا اقْتَضَتْهُ حَاجَةٌ مِنْ مُسْنَدِ
…
أَحْمَدَ وَالْمُوَطَّأِ الْمُمَهَّدِ
728.
... وَعِلَلٍ، وَخَيْرُهَا لأَِحْمَدَا
…
وَالدَّارَقُطْنِي وَالتَّوَارِيْخُ غَدَا
729.
... مِنْ خَيْرِهَا الْكَبِيْرُ لِلْجُعْفِيِّ
…
وَالْجَرْحُ وَالتَّعْدِيْلُ لِلرَّازِيِّ
730.
... وَكُتُبِ الْمُؤْتَلِفِ الْمَشْهُوْرِ
…
وَالأَكْمَلُ الإِْكْمَالُ لِلأَمِيْرِ
قالَ الخطيبُ: ((مِنْ أَوَّلِ ما يَنْبَغِي أنْ يستعملَهُ الطالبُ شدةُ الحرصِ على السماعِ، والمسارعةُ إليهِ، والملازمةُ للشيوخِ. ويبتدئُ بسماعِ الأُمَّهَاتِ من كُتُبِ أهلِ الأثرِ، والأصولِ الجامعةِ للسُّنَنِ. وأَحقُّها بالتقديمِ الصحيحانِ للبخاري ومسلمٍ،
وممَّا يتلو الصحيحينِ: سننُ أبي داودَ، والنَّسَائيِّ، والتِّرْمذيِّ، وكتابُ ابنِ خُزيمةَ)) . قالَ ابنُ الصلاحِ:((ضبطاً لِمُشْكِلِهَا، وفَهْماً لخفيِّ معانيها. قالَ: ولا يُخْدَعَنَّ عن كتابِ " السننِ الكبيرِ " للبيهقيِّ، فإنَّا لا نعلمُ مِثْلَهُ في بابِهِ. ثُمَّ لسائرِ ما تَمَسُّ حاجةُ صاحبِ الحديثِ إليهِ من كُتُبِ المسانيدِ، ك" مسندِ أحَمدَ "، ومن كتبِ الجوامعِ المصنَّفَةِ في الأحكامِ. و" موطأُ مالكٍ " هو المقدَّمُ منها)) . وقالَ الخطيبُ - بعدَ أنْ ذكرَ الكتبَ الخمسةَ -: ثُمَّ كُتُبُ المسانيدِ الكبارِ، مثلُ مسندِ أحمدَ، وابنِ راهويهِ، وأبي بكرِ بنِ أبي شيبةَ، وأبي خيثمةَ، وعبدِ بنِ حُميدٍ، وأحمدَ بنِ سنانٍ، والحسنِ بنِ سُفْيَانَ، وأبي يَعْلَى، وما يوجدُ من مسندِ يعقوبَ بنِ شيبةَ، وإسماعيلَ القاضي، ومحمّدِ بنِ أيوبَ الرازيِّ. ثُمَّ الكتُبُ المصنَّفَةُ، مثلُ كتبِ ابنِ جُريجٍ، وابنِ أبي عَرُوبةَ، وابنِ المباركِ، وابنِ عُيينةَ، وهُشيمٍ، وابنِ وَهْبٍ، والوليدِ بنِ مسلمٍ، ووكيعٍ، وعبدِ الوهابِ بنِ عطاءٍ، وعبدِ الرزاقِ، وسعيدِ بنِ منصورٍ، وغيرِهم. قالَ: وأما " موطّأُ مالكٍ "، فهو المقَدَّمُ في هذا النوعِ، ويجبُ أنْ يُبتدأَ بذكرِهِ على كُلِّ كتابٍ لغيرِهِ)) .
ثُمَّ الكتبُ المتعلِّقةُ بعِلَلِ الحديثِ، فمنها كتابُ أحمدَ بنِ حنبلٍ، وابنِ المدينيِّ، وابنِ أبي حاتِمٍ، وأبي عليٍّ النَيْسابوريِّ، والدارقطنيِّ، و" التمييزُ " لمسلمٍ، ثُمَّ تواريخُ المحدِّثينَ، مثلُ: كتابِ ابنِ مَعِيْنٍ - روايةُ عبَّاسٍ، وروايةُ المفضَّلِ الغَلاّبيِّ، وروايةُ الحسينِ بنِ حبَّانَ -، وتاريخِ خليفةَ، وأبي حسَّانَ الزِّيَادِيِّ، ويعقوبَ الفَسَويِّ، وابنِ أبي خَيْثمةَ، وأبي زُرْعةَ
الدمشقيِّ، وَحنبلِ بنِ إسحاقَ، والسَّرَّاجِ. و" الجرحُ والتعديلُ " لابنِ أبي حاتِمٍ. قالَ: وَيُرْبِي على هذِهِ الكُتُبِ كُلِّها، تاريخُ محمدِ بنِ إسماعيلَ البخاريِّ، يريدُ:" التأْريخَ الكبيرَ ". وله ثلاثةُ تواريخَ. وإلى هذا أشرتُ بقولي: (مِنْ خَيْرِهَا الكَبِيْرُ للجُعْفِيِّ) أي: البخاريِّ. وقالَ ابنُ الصلاحِ: ((إنَّ مِنْ أجودِ العِلَلِ، كتابَ أحمدَ، والدَّارقطنيِّ، ومن أفضلِ التواريخِ، " تاريخَ البخاريِّ الكبيرَ "، وكتابَ ابنِ أبي حاتِمٍ. ثُمَّ قالَ: ومِنْ كُتُبِ الضبطِ لمُشْكِلِ الأسماءِ، قالَ: ومِنْ أكملِهَا كتابُ الإكمالِ، لأبي نصرِ بنِ
ماكولا)) .
731.
... وَاحْفَظْهُ بِالتَّدْرِيْجِ ثُمَّ ذَاكِرِ
…
بِهِ وَالاتْقَانَ اصْحَبَنْ وَبَادِرِ
732.
... إذا تَأَهَّلْتَ إلى التَّأْلِيْفِ
…
تَمْهَرْ وَتُذْكَرْ وَهْوَ في التَّصْنِيْفِ
733.
... طَرِيْقَتَانِ جَمْعُهُ أبوابَا
…
أَوْ مُسْنَداً تُفْرِدُهُ صِحَابَا
734.
... وَجَمْعُهُ مُعَلَّلاً كَمَا فَعَلْ
…
يَعْقُوْبُ أَعْلَى رُتْبَةً وَمَا كَمَلْ
لِيَكُنْ تَحَفُّظُ الطالبِ للحديثِ على التَّدريجِ قليلاً قليلاً، ولا يأخذُ نفسَهُ بما لا يطيقُهُ. ففي الحديثِ الصحيحِ:((خُذُوا مِنَ الأعمالِ مَا تُطِيْقُونَ)) . وروينا عن الثوريِّ قالَ: كنتُ آتي الأعمشَ، ومنصوراً، فأسمَعُ أربعةَ أحاديثَ أو خمسةً، ثُمَّ
انصرفُ كراهيةَ أنْ تَكْثُرَ، وتَفَلَّتْ. وروينا نحو ذلكَ عن شعبةَ، وابنِ عُلَيَّةَ، ومَعْمَرٍ. وروينا عن الزهريِّ قالَ: مَنْ طلبَ العلمَ جملةً، فاتَهُ جملةً، وإنما يُدْرَكُ العلمَ حديثٌ وحديثانِ. وقالَ أيضاً فيما رويناهُ عنه: إنَّ هذا العلمَ إنْ أخذتَهُ بالمكَاثَرَةِ لهُ غَلَبَكَ، ولكنْ خُذْهُ معَ الأيَّامِ، واللَّيَالي أخذاً رفيقاً، تَظْفَرُ بهِ.
وممَّا يعينُ على دوامِ الحفظِ المذاكرةُ. روينا عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه قالَ: تذاكروا هذا الحديثَ، إِلَاّ تَفْعَلوا، يَدْرُسْ. وروينا عن ابنِ مسعودٍ قالَ: تذاكروا الحديثَ، فإنَّ حياتَهُ مذاكرتُهُ. وروينا نحوَه عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، وابنِ عبَّاسٍ. وروينا عن الخليلِ بنِ أحمدَ قالَ: ذَاكِرْ بعلمكَ، تَذْكُرْ ما عندكَ، وتَسْتَفِدْ ما ليسَ عِنْدَكَ. وروينا عن عبدِ اللهِ ابنِ المعتزِّ، قالَ: مَنْ أكثرَ مذاكرةَ العلماءِ، لم يَنْسَ ما عَلِمَ، واستفادَ ما لم يَعْلَمْ. وليكنِ المحدِّثُ مصاحباً للإتقانِ، فقد روينا عن عبدِ الرحمنِ بنِ مَهْديٍّ قالَ: الحفظُ الإتقانُ. وإذا تأهَّلَ المحدِّثُ للتأليفِ والتخريجِ،
واستعدَّ لذلكَ، فليبادرْ إليهِ. فقد قالَ الخطيبُ: قَلَّمَا يتمهَّرُ في علمِ الحديثِ ويقِفُ على غوامضِهِ، ويَستبينُ الْخَفِيَّ مِنْ فوائدِهِ؛ إلَاّ مَنْ جَمَعَ متفرِّقَهُ، وأَلَّفَ مُتَشَتِّتَهُ، وضمَّ بعضَهُ إلى بَعْضٍ، واشتغلَ بتصنيفِ أبوابِهِ، وترتيبِ أصنافِهِ فإنَّ ذلكَ الفِعلَ مما يُقوِّي النَّفْسَ، ويُثَبِّتُ الحِفْظَ، ويُذْكي القلبَ، ويَشْحَذُ الطَّبْعَ، ويبسطُ اللسانَ، ويجيدُ البيانَ، ويكشِفُ الْمُشْتَبِهَ، ويوضحُ الْمُلْتَبِسَ، ويُكْسِبُ أيضاً جَمِيْلَ الذِّكْرِ، ويخلِّدُهُ إلى آخرِ الدهرِ، كما قالَ الشاعرُ:
يَمُوْتُ قَوْمٌ فَيُحْيِي الْعِلْمُ ذِكْرَهُمُ
…
وَالْجَهْلُ يُلْحِقُ أَحْيَاءً بِأَمْوَاتِ
قالَ: وكانَ بعضُ شيوخِنِا يقولُ: مَنْ أرادَ الفائدةَ فَلْيَكْسِرْ قلمَ النَّسْخِ، وليأخُذْ قلمَ التَّخْرِيجِ. وروينا عن الحافظِ أبي عبدِ اللهِ محمدِ بنِ عليِّ بنِ عبدِ اللهِ الصُّوريِّ، قالَ: رأيتُ عبدَ الغنيِّ بنَ سعيدٍ الحافظَ في المنامِ، فقالَ لي: يا أبا عبدِ اللهِ، خَرِّجْ وصنِّفْ قبلَ أنْ يُحَالَ بينكَ وبينَهُ، هذا أنا قدْ تَراني قد حِيْلَ بيني وبينَ ذلكَ.
ثمَّ إنَّ للعلماءِ في تصنيفِ الحديثِ، وجمعهِ، طريقتينِ.
إحداهُما: تصنيفُهُ على الأبوابِ على أحكامِ الفقهِ وغيرِها، كالكتبِ الستةِ، والموطَّأ، وبقيةِ المصنفاتِ.
والثانيةُ: تصنيفُهُ على مسانيدِ الصحابةِ، كُلُّ مُسْنَدٍ على حدَةٍ، كما تقدَّمَ.
وروينا عن الدارقطنيِّ، قالَ: أوَّلُ مَنْ صنَّفَ مُسنداً وَتَتَبَّعَهُ نُعَيمُ بنُ حمَّادٍ. قالَ الخطيبُ: ((وقد صنَّفَ أسدُ بنُ موسى مُسْنَداً، وكانَ أكبرَ مِنْ نُعَيمٍ سِناً، وأقدمَ سماعاً، فيحتملُ أنْ يكونَ نُعَيمٌ سبقَهُ في حداثتِهِ)) . قالَ الخطيبُ: ((فإنْ شاءَ رتَّبَ أسماءَ الصحابةِ على حروفِ الْمُعْجَمِ، وإنْ شاءَ على القبائلِ، فيبدأُ ببني هاشمٍ ثُمَّ الأقربِ فالأقربِ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم في النَّسَبِ. وإنْ شاءَ على قَدَرِ سَوَابقِ الصَّحَابةِ في الإسلامِ. قالَ: وهذهِ الطريقةُ أحبُّ إلينا. فيبدأُ بالعَشَرةِ، ثُمَّ بالمقدَّمينَ مِنْ أهلِ بَدْرٍ، ويَتْلُوهُم أهلُ الْحُدَيْبِيَّةِ، ثُمَّ مَنْ أسلمَ وهاجرَ بينَ الْحُدَيْبِيَّةِ والفتحِ، ثُمَّ مَنْ أسلمَ يومَ الفتحِ، ثُمَّ الأصاغرِ الأسنانِ، كالسائبِ بنِ يزيدَ، وأبي الطُّفَيْلِ. قالَ ابنُ الصلاحِ: ((ثُمَّ بالنساءِ، قالَ: وهذا أحسنُ، والأوَّلُ أسهلُ)) . قالَ الخطيبُ: ((يُسْتحبُّ أنْ يصنِّفَ الْمُسْنَدَ مُعَلَّلاً، فإنَّ معرفةَ العللِ أجلُّ أنواعِ الحديثِ)) . وروينا عن عبدِ الرحمنِ بنِ مَهْديٍّ، قالَ: لإِنْ أَعْرفَ عِلَّةَ حديثٍ هو عندي، أحبُّ إليَّ مِنْ أنْ أكتبَ عشرينَ حديثاً ليسَ عندي. وقد جمعَ يعقوبُ بنُ شيبةَ مُسْنَداً مُعَلَّلاً. قالَ الأزهريُّ: ولم يُصَنِّفْ يعقوبُ المسندَ كُلَّهُ. قالَ: وسمعْتُ الشيوخَ يقولونَ: لم يُتَمَّمْ مسندٌ معلَّلٌ قَطُّ. قالَ: وقِيْلَ لي: إنَّ نسخةً بمسندِ أبي هُريرةَ شُوهِدَتْ بمصرَ، فكانتْ مائتي جزءٍ، قالَ: ولَزِمَهُ على ما
خرَّجَ من المسندِ عشرةُ آلافِ دينارٍ. قالَ الخطيبُ: ((والذي ظهرَ ليعقوبَ مسندُ العشرةِ وابنِ مسعودٍ، وعمَّارٍ، وعتبةَ بنِ غزوانَ، والعبَّاسِ، وبعضِ الموالي. هَذَا الذي رأينا من مُسْندِهِ)) .
وإلى هذا أشرتُ بقولي: (وما كَمَلْ) وهيَ مِنَ الزوائدِ على ابنِ الصَّلاح.
735.
... وَجَمَعُوْا أبواباً اوْ شُيُوخاً اوْ
…
تَرَاجِماً أَوْ طُرُقاً وَقَدْ رَأَوْا
736.
... كَراهَةَ الْجَمْعِ لِذِي تَقْصِيْرِ
…
كَذَاكَ الاخْرَاجُ بِلَا تَحْرِيْرِ
وممَّا جَرَتْ عادةُ أهلِ الحديثِ أنْ يخصُّوهُ بالجمعِ والتأليفِ؛ الأبوابُ، والشُّيُوخُ، والتَّرَاجمُ، والطُّرقُ، فأمَّا جمعُ الأبوابِ، فَهُوَ إفرادُ بابٍ واحدٍ بالتَّصنيفِ، ككتابِ
" رفعِ اليدينِ "، وبابِ " القراءةِ خلفَ الإمامِ "، أفردَهُما البخاريُّ بالتصنيفِ. وبابِ
" التصديقِ بالنظرِ للهِ تعالى " أفردَهُ الآجُرِّيُّ. وبابِ " النِّيَّةِ "، أفردَهُ ابنُ أبي الدنيا. وبابِ " القضاءِ باليمينِ مع الشاهدِ "، أفردَهُ الدَّارقطنيُّ. وبابِ " القنوتِ " أفردَهُ ابنُ مَنْدَه. وبابِ " البسملةِ "، أفردَهُ ابنُ عبدِ البرِّ. وغيرِهِ وغيرِ ذلكَ. وأمَّا جمعُ الشيوخِ، فهو جمعُ حديثِ شيوخٍ مخصوصينَ، كُلِّ واحدٍ منهم على انفرادِهِ، كجمعِ " حديثِ الأعمشِ " للإسماعيليِّ، وحديثِ " الفُضَيلِ بنِ عياضٍ " للنسائيِّ، وحديثِ " محمدِ بنِ جُحَادةَ " للطَّبرانيِّ، وغيرِ ذلكَ، وقد ذكرَ الخطيبُ ممَّنْ يُجْمَعُ حديثُهُ: إسماعيلَ بنَ أبي خالدٍ، وأيوبَ بنَ أبي تميمةَ، وبيانَ بنَ بشرٍ، والحسنَ بنَ صَالحِ بنِ حيٍّ، وحمَّادَ بنَ زيدٍ وداودَ بنَ أبي هندٍ، وربيعةَ بنَ أبي عبدِ الرحمنِ، وزائدةَ، وزهيراً، وزيادَ بنَ سعدٍ، وسفيانَ الثوريَّ، وسفيانَ بنَ عُيينةَ، وسُليمانَ بنَ إسحاقَ الشيبانيَّ، وسليمانَ بنَ طَرْخَانَ، وسليمانَ بنَ مِهْرَانَ الأعمشَ، وشُعبةَ، وصفوانَ بنَ سُلَيمٍ، وطلحةَ بنَ مُصَرِّفٍ، وعبدَ اللهِ
ابنَ عَوْنٍ. وعبدَ الرحمنِ بنَ عمرٍو الأوزاعيَّ، وعبيدَ اللهِ بنَ عمرَ العُمَريَّ، وأبا
حَصينٍ عثمانَ بنَ عاصمٍ الكوفيَّ، وعمرَو بنَ دينارٍ المكيَّ، ومالكَ بنَ أَنَسٍ، ومحمَّدَ بنَ جُحَادةَ، ومحمدَ بنَ سُوقَةَ، ومحمدَ بنَ مسلمِ بنِ شهابٍ، ومحمدَ بنَ واسعٍ، ومِسْعَرَ بنَ كِدَامٍ، ومَطَرَ بنَ طَهْمانَ، وهِشامَ بنَ سعدٍ، ويحيى بنَ سعيدٍ الأنصاريَّ، ويونسَ بنَ عُبَيدِ البصريَّ. وروينا عن عثمانَ ابنِ سعيدٍ الدارميَّ، قالَ: يقالَ: مَنْ لم يَجمعْ حديثَ هؤلاءِ الخمسةِ، فهو مُفْلِسٌ في الحديثِ: سُفيانُ، وشُعبةُ، ومالكٌ، وحمَّادُ بنُ زيدٍ، وابنُ عُيينةَ، وهم أصولُ الدينِ. وأمَّا جمعُ التراجمِ فهو جمعُ ما جاءَ بترجمةٍ واحدةٍ من الحديثِ، كمالكٍ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، وسُهَيلِ بنِ أبي صالحِ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ، وهشامِ بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، وأيوبَ، عن ابنِ سِيرينَ، عن أبي هُريرةَ، ونحوِ ذلكَ. وأمَّا جمعُ الطرقِ، فهو جمعُ طرقِ حديثٍ واحدٍ، كطرقِ حديثِ " قبضِ العلمِ " للطُّوسيِّ، وطرقِ حديثِ " مَنْ كذبَ عليَّ متعمداً " للطبرانيِّ، وطرقِ حديثِ " طلبُ العلمِ فريضةٌ ". ونحوِ ذلكَ. وقد أدخلَ الخطيبُ هذا القسمَ في جمعِ الأبوابِ، وأفردَهُ ابنُ الصلاحِ بالذِّكْرِ، وهو واضحٌ؛ لأنَّ هَذَا جمعُ طرقِ حديثٍ واحدٍ، وذلكَ جمعُ بابٍ وفيهِ أحاديثُ مختلفةٌ، واللهُ أعلمُ. وكَرِهُوا الجمعَ والتأليفَ لمنْ هو قاصرٌ عن جودَةِ التأليفِ. روينا عن عليِّ بنِ المدينيِّ، قالَ: إذا رأيتَ المحدِّثَ أوَّلَ ما يكتبُ الحديثَ يجمعُ حديثَ " الغُسْلِ "، وحديثَ " مَنْ كذبَ عليَّ "، فاكتبْ على قَفَاهُ: لا يُفْلِحُ. وكذلكَ كَرِهُوا إخراجَ التصنيفِ إلى الناسِ قبلَ تهذيبِهِ، وتحريرِهِ، وإعادةِ النَّظَرِ فيهِ، وتكريرِهِ.