الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ أَنْوَاعًا مِنَ الْبَلَاغَةِ وَالْبَدِيعِ. مِنْهَا الِاسْتِعَارَةُ فِي قَوْلِهِ: إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، اسْتَعَارَ الضَّرْبَ لِلسَّعْيِ فِي قِتَالِ الْأَعْدَاءِ، وَالسَّبِيلَ لِدِينِهِ، وَفِي: لَا يَسْتَوِي عَبَّرَ بِهِ وَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْمَكَانِ عَنِ التَّسَاوِي فِي الْمَنْزِلَةِ وَالْفَضِيلَةِ وَفِي: دَرَجَةِ حَقِيقَتِهَا فِي الْمَكَانِ فَعَبَّرَ بِهِ عَنِ الْمَعْنَى الَّذِي اقْتَضَى التَّفْضِيلَ، وَفِي: يُدْرِكْهُ اسْتَعَارَ الْإِدْرَاكَ الَّذِي هُوَ صِفَةُ مَنْ فِيهِ حَيَاةٌ لِحُلُولِ الْمَوْتِ، وَفِي: فَقَدْ وَقَعَ اسْتَعَارَ الْوُقُوعَ الَّذِي هُوَ مِنْ صِفَاتِ الْإِجْرَامِ لِثُبُوتِ الْأَجْرِ. وَالتَّكْرَارُ فِي: اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَفِي: فتبينوا، وفي: فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ. وَالتَّجْنِيسُ الْمُمَاثِلُ فِي: مَغْفِرَةً وغفورا. وَالْمُغَايِرُ فِي: أَنْ يَعْفُوَ عنهم وعفوا، وفي: يهاجر ومهاجرا. وَإِطْلَاقُ الْجَمْعِ عَلَى الْوَاحِدِ فِي: تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ إنه مَلَكُ الْمَوْتِ وَحْدَهُ. وَالِاسْتِفْهَامُ الْمُرَادُ مِنْهُ التَّوْبِيخُ فِي: فِيمَ كُنْتُمْ، وَفِي: أَلَمْ تَكُنْ. وَالْإِشَارَةُ فِي كَذَلِكَ وَفِي: فَأُولَئِكَ. وَالسُّؤَالُ وَالْجَوَابُ فِي: فِيمَ كُنْتُمْ وَمَا بَعْدَهَا. وَالْحَذْفُ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ.
[سورة النساء (4) : الآيات 101 الى 102]
وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً (101) وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (102)
السلاح: معروف وما هو مَا يَتَحَصَّنُ بِهِ الْإِنْسَانُ مِنْ سَيْفٍ وَرُمْحٍ وَخِنْجَرٍ وَدَبُّوسٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَهُوَ مُفْرَدٌ مُذَكَّرٌ، يُجْمَعُ عَلَى أَسْلِحَةٍ، وَأَفْعِلَةٍ جَمْعَ فِعَالٍ. الْمُذَكَّرِ نَحْوَ: حِمَارٍ وَأَحْمِرَةٍ، وَيَجُوزُ تَأْنِيثُهُ. قَالَ الطِّرِّمَاحُ:
يَهُزُّ سَلَاحًا لَمْ يَرِثْهَا كَلَالَةً
…
يَشُكُّ بِهَا مِنْهَا غُمُوضَ الْمَغَابِنِ
وَقَالَ اللَّيْثَ: يُقَالُ لِلسَّيْفِ وَحْدَهُ سِلَاحٌ، وَلِلْعَصَا وَحْدَهَا سِلَاحٌ. وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ:
يُقَالُ: السِّلَاحُ، وَالسِّلْحُ، وَالْمَسْلَحُ، وَالْمُسْلَحَانُ، يَعْنِي: عَلَى وَزْنِ الْحِمَارِ، وَالضِّلْعِ، وَالنَّعْرِ، وَالسُّلْطَانِ. وَيُقَالُ: رَجُلٌ سَالِحٌ إِذَا كَانَ مَعَهُ السِّلَاحُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: السِّلَاحُ مَا قُوتِلَ بِهِ.
وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ
رَوَى مُجَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِعُسَفَانَ وَعَلَى الْمُشْرِكِينَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: لَقَدْ أَصَبْنَا غِرَّةً لَوْ حَمَلْنَا عَلَيْهِمْ وَهُمْ فِي الصَّلَاةِ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الْقَصْرِ فِيمَا بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، الضَّرْبُ فِي الْأَرْضِ
. وَالظَّاهِرُ جَوَازُ الْقَصْرِ فِي مُطْلَقِ السَّفَرِ، وَبِهِ قَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ.
وَاخْتَلَفَتْ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ فِي حَدِّ الْمَسَافَةِ الَّتِي تُقْصَرُ فِيهَا الصَّلَاةُ، فَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ: تُقْصَرُ فِي أَرْبَعَةِ بُرُدٍ، وَذَلِكَ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ: مَسِيرَةُ ثَلَاثٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا بِسَيْرِ الْإِبِلِ وَمَشْيِ الْأَقْدَامِ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: مَسِيرَةُ يَوْمٍ تَامٍّ، وَحَكَاهُ عَنْ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَالزُّهْرِيُّ:
مَسِيرَةُ يَوْمَيْنِ. وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ: يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ. وَقَصَرَ أَنَسٌ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ مِيلًا. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ نَوْعُ سَفَرٍ، بَلْ يَكْفِي مُطْلَقُ السَّفَرِ، سَوَاءٌ كَانَ فِي طَاعَةٍ أَوْ مُبَاحٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ، وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّهُ لَا يُقْصَرُ إِلَّا فِي حَجٍّ أَوْ جِهَادٍ. وَقَالَ عَطَاءٌ: لَا تُقْصَرُ الصَّلَاةُ إِلَّا فِي سَفَرِ طَاعَةٍ، وَرُوِيَ عَنْهُ: أَنَّهَا تُقْصَرُ فِي السَّفَرِ الْمُبَاحِ.
وَأَجْمَعُوا عَلَى الْقَصْرِ فِي سَفَرِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالْجِهَادِ وَمَا ضَارَعَهَا مِنْ صِلَةِ رَحِمٍ، وَإِحْيَاءِ نَفْسٍ. وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ كَالْبَاغِي، وَقَاطِعِ الطَّرِيقِ، وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَقْصُرُ إِلَّا حَتَّى يَتَّصِفَ بِالسَّفَرِ بِالْفِعْلِ، وَلَا اعْتِبَارَ بِمَسَافَةٍ مُعَيَّنَةٍ، وَلَا زَمَانٍ. وَرُوِيَ عن الحرث بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ: أَنَّهُ أَرَادَ سَفَرًا فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ فِي مَنْزِلِهِ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَسُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى.
وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَقْصُرُ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ بُيُوتِ الْقَرْيَةِ. وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ:
لَا يَقْصُرُ الْمُسَافِرُ يَوْمَهُ الْأَوَّلَ حَتَّى اللَّيْلِ. وَالظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِهِ: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنَّ الْقَصْرَ مُبَاحٌ. وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمَبْسُوطِ: سُنَّةٌ. وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سُحْنُونٍ، وَإِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي: فُرِضَ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ: أَنْ تَقْصُرُوا، مُطْلَقٌ فِي الْقَصْرِ، وَيَحْتَاجُ إِلَى مِقْدَارِ مَا يَنْقُصُ مِنْهَا. فَذَهَبَتْ جَمَاعَةٌ
إِلَى أَنَّهُ قَصْرٌ مِنْ أَرْبَعٍ إِلَى اثْنَيْنِ. وَقَالَ قَوْمٌ: مِنْ رَكْعَتَيْنِ فِي السَّفَرِ إِلَى رَكْعَةٍ، وَالرَّكْعَتَانِ فِي السَّفَرِ تَمَامٌ.
إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ظَاهِرُهُ أَنَّ إِبَاحَةَ الْقَصْرِ مَشْرُوطَةٌ بِالْخَوْفِ الْمَذْكُورِ، وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ. وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْقَصْرَ هُوَ مِنْ رَكْعَتِي السَّفَرِ إِلَى رَكْعَةٍ، شَرَطَ الْخَوْفَ، وَقَالَ: تُصَلِّي كُلُّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً لَا تَزِيدُ عَلَيْهَا، وَيَكُونُ لِلْإِمَامِ رَكْعَتَانِ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يُرَادُ بِالْقَصْرِ الصَّلَاةُ هُنَا الْقَصْرُ مِنْ رَكْعَتَيْهَا، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ القصر من هيآتها بِتَرْكِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فِي الْإِيمَاءِ، وَتَرْكِ الْقِيَامِ إِلَى الرُّكُوعِ، وَرُوِيَ فِعْلُ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وطاووس. وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ الْآيَةَ مُبِيحَةٌ الْقَصْرَ مِنْ حُدُودِ الصَّلَاةِ وَهَيْآتِهَا عِنْدَ الْمُسَايَفَةِ وَاشْتِعَالِ الْحَرْبِ، فَأُبِيحَ لِمَنْ هَذِهِ حَالَهُ أَنْ يُصَلِّيَ إِيمَاءً بِرَأْسِهِ، وَيُصَلِّيَ رَكْعَةً وَاحِدَةً حَيْثُ تَوَجَّهَ إِلَى رَكْعَتَيْنِ، وَرَجَّحَ هَذَا الْقَوْلَ الطَّبَرِيُّ بِقَوْلِهِ: فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ «1» أَيْ بِحُدُودِهَا وَهَيْآتِهَا الْكَامِلَةِ. وَالْحَدِيثُ الصَّحِيحُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ لَا مَفْهُومَ لَهُ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالْأَمْنِ، وَحَدِيثُ يَعْلَى فِي ذَلِكَ مَشْهُورٌ صَحِيحٌ.
وَالْفِتْنَةُ هُنَا هِيَ التَّعَرُّضُ بِمَا يَكْرَهُ مِنْ قِتَالٍ وَغَيْرِهِ. وَلُغَةُ الْحِجَازِ: فَتَنَ، وَلُغَةُ تَمِيمٍ وَرَبِيعَةَ وَقَيْسٍ: أَفْتَنَ رُبَاعِيًّا. وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ: قَصَرَ مِنْ صَلَاتِهِ قصر، أَنْقَصَ مِنْ عَدَدِهَا. وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: قَصَرَ وَأَقْصَرَ. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنْ تَقْصُرُوا رُبَاعِيًّا، وَبِهِ قَرَأَ الضَّبِّيُّ عَنْ رِجَالِهِ.
وَقَرَأَ الزُّهْرِيُّ: تَقْصُرُوا مُشَدَّدًا، وَمَنْ لِلتَّبْعِيضِ. وَقِيلَ: زَائِدَةٌ. وَقِيلَ: الشَّرْطُ لَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِقَصْرِ الصَّلَاةِ، بَلْ تَمَّ الْكَلَامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ، ثُمَّ ابْتَدَأَ حُكْمُ الْخَوْفِ.
وَيُؤَيِّدُهُ عَلَى قَوْلٍ: أَنَّ تُجَّارًا قَالُوا: إِنَّا نَضْرِبُ فِي الْأَرْضِ، فَكَيْفَ نُصَلِّي؟ فَنَزَلَتْ: وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ، ثُمَّ انْقَطَعَ الْكَلَامُ. فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ بِسَنَةٍ فِي غَزَاةِ بَنِي أَسَدٍ حِينَ صُلِّيَتِ الظُّهْرُ قَالَ بَعْضُ الْعَدُوِّ: هَلَّا شَدَدْتُمْ عَلَيْهِمْ وَقَدْ مَكَّنُوكُمْ مِنْ ظُهُورِهِمْ؟ فَقَالُوا: إِنَّ لَهُمْ بَعْدَهَا صَلَاةً هِيَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ، فَنَزَلَتْ: إِنْ خِفْتُمْ- إِلَى قَوْلِهِ- عَذاباً مُهِيناً صَلَاةُ الْخَوْفِ. وَرَجَّحَ هَذَا بِأَنَّهُ إِذَا عَلَّقَ الشَّرْطَ بِمَا قَبْلَهُ كَانَ جَوَازُ الْقَصْرِ مَعَ الْأَمْنِ مُسْتَفَادًا مِنْ السُّنَّةِ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ نَسْخُ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ. وَعَلَى تَقْدِيرِ الِاسْتِئْنَافِ لَا يَلْزَمُ، وَمَتَى اسْتَقَامَ اللَّفْظُ وَتَمَّ الْمَعْنَى مِنْ غَيْرِ مَحْذُورِ النَّسْخِ كَانَ أَوْلَى انْتَهَى.
(1) سورة النساء: 4/ 103.
وَلَيْسَ هَذَا بِنَسْخٍ، إِنَّمَا فِيهِ عَدَمُ اعْتِبَارِ مَفْهُومِ الشَّرْطِ، وَهُوَ كَثِيرٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
عَزِيزٌ إِذَا حَلَّ الْخَلِيقَانِ حَوْلَهُ
…
بِذِي لُحْبِ لَجْأَتِهِ وَضَوَاهِلِهْ
وَفِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ: أَنْ تقصروا من الصلاة إن يَفْتِنَكُمْ، بِإِسْقَاطِ إِنْ خِفْتُمْ، وَهُوَ مَفْعُولٌ مِنْ أَجْلِهِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى أَيْ: مَخَافَةَ أَنْ يَفْتِنَكُمْ. وَأَصْلُ الْفِتْنَةِ الِاخْتِبَارُ بِالشَّدَائِدِ.
إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً عَدُوٌّ: وَصْفٌ يُوصَفُ بِهِ الْوَاحِدُ وَالْجَمْعُ.
قَالَ: هُمُ الْعَدُوُّ، وَمَعْنَى مُبِينًا: أَيْ مُظْهِرًا لِلْعَدَاوَةِ، بِحَيْثُ إِنَّ عَدَاوَتَهُ لَيْسَتْ مَسْتُورَةً، وَلَا هُوَ يُخْفِيهَا، فَمَتَى قَدَرَ عَلَى أَذِيَّةٍ فَعَلَهَا.
وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ اسْتَدَلَّ بِظَاهِرِ الْخِطَابِ لِلرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم من لَا يَرَى صَلَاةَ الْخَوْفِ بَعْدَ الرَّسُولِ حَيْثُ شَرَطَ كَوْنَهُ فِيهِمْ، وَكَوْنَهُ هُوَ الْمُقِيمَ لَهُمُ الصَّلَاةَ. وَهُوَ مَذْهَبُ: ابْنِ عُلَيَّةَ، وَأَبِي يُوسُفَ. لِأَنَّ الصَّلَاةَ بِإِمَامَتِهِ لَا عِوَضَ عَنْهَا، وَغَيْرُهُ مِنَ الْعِوَضِ، فَيُصَلِّي النَّاسُ بِإِمَامَيْنِ طَائِفَةً بَعْدَ طَائِفَةٍ. وَقَالَ الْجُمْهُورُ: الْخِطَابُ لَهُ يَتَنَاوَلُ الْأُمَرَاءَ بَعْدَهُ، وَالضَّمِيرُ فِي: فِيهِمْ، عَائِدٌ عَلَى الْخَائِفِينَ. وَقِيلَ: عَلَى الضَّارِبِينَ فِي الْأَرْضِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ لَا تَكُونُ إِلَّا فِي السَّفَرِ، وَلَا تَكُونُ فِي الْحَضَرِ، وَإِنْ كَانَ خَوْفٌ. وَذَهَبَ إِلَيْهِ قَوْمٌ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْحَضَرَ إِذَا كَانَ خَوْفٌ كَالسَّفَرِ.
وَمَعْنَى: فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ، أَقَمْتَ حُدُودَهَا وَهَيْآتِهَا. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمَعْنَى فَأَقَمْتَ بِهِمْ. وَعَبَّرَ بِالْإِقَامَةِ إِذْ هِيَ فَرْضٌ عَلَى الْمُصَلِّي فِي قَوْلٍ: عَنْ ذَلِكَ. وَمَعْنَى: فَلْتَقُمْ هُوَ مِنَ الْقِيَامِ، وَهُوَ الْوُقُوفُ. وَقِيلَ: فَلْتَقُمْ بِأَمْرِ صَلَاتِهَا حَتَّى تَقَعَ عَلَى وَفْقِ صَلَاتِكَ، مَنْ قَامَ بِالْأَمْرِ اهْتَمَّ بِهِ وَجَعَلَهُ شُغْلَهُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي: وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ عَائِدٌ عَلَى طَائِفَةٍ لِقُرْبِهَا مِنَ الضَّمِيرِ، وَلِكَوْنِهَا لَهَا فِيمَا بَعْدَهَا فِي قَوْلِهِ: فَإِذَا سَجَدُوا. وَقِيلَ: إِنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ عَلَى غَيْرِهِمْ، وَهِيَ الطَّائِفَةُ الْحَارِسَةُ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ. وَقَالَ النَّحَاسُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْجَمِيعِ، لِأَنَّهُ أَهَيْبُ لِلْعَدُوِّ: فَإِذَا سَجَدُوا أَيْ: هَذِهِ الطَّائِفَةُ. وَمَعْنَى سَجَدُوا: صَلَّوْا. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السُّجُودَ قَدْ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الصَّلَاةِ،
وَمِنْهُ: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ»
أَيْ فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ.
«فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ: ظَاهِرُهُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي فَلْيَكُونُوا عَائِدٌ عَلَى السَّاجِدِينَ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ إِذَا فَرَغُوا مِنَ السُّجُودِ انْتَقَلُوا إِلَى الْحِرَاسَةِ فَكَانُوا وَرَاءَكُمْ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَلْيَكُونُوا يَعْنِي: غَيْرَ الْمُصَلِّينَ مِنْ وَرَائِكُمْ يَحْرُسُونَكُمْ، وَجَوَّزَ الْوَجْهَيْنِ ابْنُ عَطِيَّةَ، قَالَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الَّذِينَ سَجَدُوا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الطَّائِفَةُ الْقَائِمَةُ أَوَّلًا بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ. وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ: فَلِتَقُمْ بِكَسْرِ اللَّامِ. وَقَرَأَ أَبُو حَيْوَةَ: وَلِيَأْتِ بِيَاءٍ بِثِنْتَيْنِ تَحْتَهَا عَلَى تَذْكِيرِ الطَّائِفَةِ، وَاخْتُلِفَ عَنْ أَبِي عَمْرٍو، فِي إِدْغَامُ التَّاءِ فِي الطَّاءِ. وفي قوله:
فلتأت طَائِفَةٌ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمُ انْقَسَمُوا طَائِفَتَيْنِ: طَائِفَةٌ حَارِسَةٌ أَوَّلًا، وَطَائِفَةٌ مُصَلِّيَةٌ أَوَّلًا مَعَهُ، ثُمَّ الَّتِي صَلَّتْ أَوَّلًا صَارَتْ حَارِسَةً، وَجَاءَتِ الْحَارِسَةُ أَوَّلًا فَصَلَّتْ مَعَهُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْأَمْرَ بِأَخْذِ الْأَسْلِحَةِ وَاجِبٌ، لِأَنَّ فِيهِ اطْمِئْنَانَ الْمُصَلِّي، وَبِهِ قَالَ: الشَّافِعِيُّ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ.
وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى الِاسْتِحْبَابِ.
وَدَلَّتْ هَذِهِ الْكَيْفِيَّةُ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ طَائِفَةً صَلَّتْ مَعَ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم بَعْضَ صَلَاةٍ، وَلَا دَلَالَةَ فِيهَا عَلَى مِقْدَارِ مَا صَلَّتْ مَعَهُ، وَلَا كَيْفِيَّةِ إِتْمَامِهِمْ، وَإِنَّمَا جَاءَ ذَلِكَ فِي السُّنَّةِ. وَنَحْنُ نَذْكُرُ تِلْكَ الْكَيْفِيَّاتِ عَلَى سَبِيلِ الِاخْتِصَارِ، لِأَنَّهَا مُبَيِّنَةٌ مَا أُجْمِلَ فِي الْقُرْآنِ. الْكَيْفِيَّةُ الْأُولَى: صَلَّتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ، وَطَائِفَةٌ وُجَاهَ الْعَدُوِّ، وَثَبَتَتْ قَائِمَةً حَتَّى تَتِمَّ صَلَاتُهُمْ وَيَذْهَبُوا وُجَاهَ الْعَدُوِّ، وَجَاءَتْ هَذِهِ الَّتِي كَانَتْ وُجَاهَ الْعَدُوِّ أَوَّلًا فَصَلَّى بِهِمُ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ، ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا حَتَّى أَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ، وَهَذِهِ كَانَتْ بِذَاتِ الرِّقَاعِ.
الْكَيْفِيَّةُ الثَّانِيَةُ: كَالْأُولَى، إِلَّا أَنَّهُ حِينَ صَلَّى بِالطَّائِفَةِ الْأَخِيرَةِ رَكْعَةً سَلَّمَ، ثُمَّ قَضَتْ بَعْدَ سَلَامِهِ.
وَهَذِهِ مَرْوِيَّةٌ فِي ذَاتِ الرِّقَاعِ أَيْضًا. الْكَيْفِيَّةُ الثَّالِثَةُ: صَفَّ الْعَسْكَرَ خَلْفَهُ صَفَّيْنِ، ثُمَّ كَبَّرَ وَكَبَّرُوا جَمِيعًا، وَرَكَعُوا مَعَهُ، وَرَفَعُوا مِنَ الرُّكُوعِ جَمِيعًا، ثُمَّ سَجَدَ هُوَ بِالصَّفِّ الَّذِي يَلِيهِ وَالْآخَرُونَ قِيَامٌ يَحْرُسُونَهُمْ، فَلَمَّا سَجَدُوا وَقَامُوا سَجَدَ الْآخَرُونَ فِي مَكَانِهِمْ، ثُمَّ تَقَدَّمُوا إِلَى مَصَافِّ الْمُتَقَدِّمِينَ وَتَأَخَّرَ الْمُتَقَدِّمُونَ إِلَى مَصَافِّ الْمُتَأَخِّرِينَ، ثُمَّ رَكَعُوا مَعَهُ جَمِيعًا، ثُمَّ سَجَدَ فَسَجَدَ مَعَهُ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، فَلَمَّا صَلَّى سَجَدَ الْآخَرُونَ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ جَمِيعًا.
وَهَذِهِ صَلَاتُهُ بِعُسَفَانَ وَالْعَدُوُّ فِي قِبْلَتِهِ. الْكَيْفِيَّةُ الرَّابِعَةُ: مِثْلَ هَذَا إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: يَنْكُصُ الصَّفُّ الْمُتَقَدِّمُ الْقَهْقَرَى حِينَ يرفعون رؤوسهم مِنَ السُّجُودِ، وَيَتَقَدَّمُ الْآخَرُ فَيَسْجُدُونَ فِي مَصَافِّ الْأَوَّلِينَ. الْكَيْفِيَّةُ الْخَامِسَةُ: صَلَّى بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَةً، وَالْأُخْرَى مُوَاجَهَةُ الْعَدُوِّ، ثُمَّ انْصَرَفُوا وَقَامُوا فِي مَقَامِ أَصْحَابِهِمْ مُقْبِلِينَ عَلَى الْعَدُوِّ، وَجَاءَ أُولَئِكَ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ قَضَى بِهَؤُلَاءِ رَكْعَةً وَهَؤُلَاءِ رَكْعَةً فِي حِينٍ وَاحِدٍ. الْكَيْفِيَّةُ السَّادِسَةُ: يُصَلِّي بِطَائِفَةٍ
رَكْعَةً ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ تُجَاهَ الْعَدُوِّ، وَتَأْتِي الْأُخْرَى فَيُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَةً ثُمَّ يُسَلِّمُ، وَتَقُومُ الَّتِي مَعَهُ تَقْضِي، فَإِذَا فَرَغُوا سَارُوا تُجَاهَ الْعَدُوِّ، وَقَضَتِ الْأُخْرَى. الْكَيْفِيَّةُ السَّابِعَةُ: صَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً، وَلَمْ يَقْضِ أَحَدٌ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ شَيْئًا زَائِدًا عَلَى رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ. الْكَيْفِيَّةُ الثَّامِنَةُ: صَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فَكَانَتْ لَهُ أَرْبَعٌ، وَلِكُلِّ رَجُلٍ رَكْعَتَانِ. الْكَيْفِيَّةُ التَّاسِعَةُ: يُصَلِّي بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَةً إِنْ كَانَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ، وَالْأُخْرَى بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ، ثُمَّ تَقِفُ هَذِهِ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ وَتَأْتِي الْأُولَى فَتُؤَدِّي الرَّكْعَةَ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ، وَتُتِمُّ صَلَاتَهَا ثُمَّ تَحْرُسُ، وَتَأْتِي الْأُخْرَى فَتُؤَدِّي الرَّكْعَةَ بِقِرَاءَةٍ وَتُتِمُّ صِلَاتَهَا، وَكَذَا فِي الْمَغْرِبِ. إِلَّا أَنَّهُ يُصَلِّي بِالْأُولَى رَكْعَتَيْنِ، وَبِالثَّانِيَةِ رَكْعَةً. الْكَيْفِيَّةُ الْعَاشِرَةُ: قَامَتْ مَعَهُ طَائِفَةٌ، وَطَائِفَةٌ أُخْرَى مُقَابِلَ الْعَدُوِّ وَظُهُورُهُمْ إِلَى الْقِبْلَةِ، فَكَبَّرَتِ الطَّائِفَتَانِ مَعَهُ، ثُمَّ رَكَعَ وَرَكَعَ مَعَهُ الَّذِينَ مَعَهُ وَسَجَدُوا كَذَلِكَ، ثُمَّ قَامَ فَصَارَتِ الَّتِي مَعَهُ إِلَى إِزَاءِ الْعَدُوِّ، وَأَقْبَلَتِ الَّتِي كَانَتْ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ فَرَكَعُوا وَسَجَدُوا وَهُوَ قَائِمٌ كَمَا هُوَ، ثُمَّ قَامُوا فَرَكَعَ رَكْعَةً أُخْرَى وَرَكَعُوا مَعَهُ وَسَجَدُوا مَعَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَتِ الَّتِي بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ فَرَكَعُوا وَسَجَدُوا وَهُوَ قَاعِدٌ، ثُمَّ سَلَّمَ وَسَلَّمَ الطَّائِفَتَانِ مَعَهُ جَمِيعًا. وَهَذِهِ كَانَتْ فِي غَزْوَةِ نَجْدٍ. الْكَيْفِيَّةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: صَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ جَاءَتِ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ وَسَلَّمَ.
وَهَذِهِ كَانَتْ بِبَطْنِ نَخْلٍ. وَاخْتِلَافُ هَذِهِ الْكَيْفِيَّاتِ يَرُدُّ عَلَى مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ: إِنَّهُ مَا صَلَّى الرَّسُولُ إِلَّا مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً بِذَاتِ الرِّقَاعِ مِنْ أَرْضِ بَنِي سُلَيْمٍ، وَمُرَّةً بِعُسَفَانَ وَالْمُشْرِكُونَ بِضِخْيَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ. وَذَكَرَ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ كَانَ فِي غَزْوَةِ ذِي قُرَدٍ صَلَاةُ الْخَوْفِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: رُوِيَ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ صَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ مَرَّةً
، يَعْنِي كَيْفِيَّةً. وَقَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ: لَا نَعْلَمُ أَنَّهُ رُوِيَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ إِلَّا حَدِيثٌ ثَابِتٌ صَحِيحٌ، فَعَلَى أَيِّ حَدِيثٍ صَلَّيْتَ أَجْزَأَ. وَكَذَا قَالَ الطَّبَرِيُّ. وَجَمَعَ فِي الْأَخْذِ بَيْنَ الْحَذَرِ وَالْأَسْلِحَةِ، فَإِنَّهُ جَعَلَ الْحَذَرَ أَنَّهُ يُحْتَرَزُ بِهَا كَمَا يُحْتَرَزُ بِالْأَسْلِحَةِ كَمَا جَاءَ: تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ «1» جَعَلَ الْإِيمَانَ مُسْتَقِرًّا لِتَمَكُّنِهِمْ فِيهِ.
وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي لَوْ بَعْدَ وَدَّ فِي قَوْلِهِ: يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ «2» أَيْ: يَشُدُّونَ عَلَيْكُمْ شِدَّةً وَاحِدَةً. وقرى: وَأَمْتِعَاتِكُمْ، وَهُوَ شَاذٌّ إِذْ هُوَ جَمْعُ الْجَمْعِ كَمَا قَالُوا: أَشَقِيَاتٌ وَأُعْطِيَاتٌ فِي
(1) سورة الحشر: 59/ 9.
(2)
سورة البقرة: 2/ 96.