المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(1) - (1) - باب اتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم - شرح سنن ابن ماجه للهرري = مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه - جـ ١

[محمد الأمين الهرري]

فهرس الكتاب

- ‌بين يدي الكتاب

- ‌اسمه

- ‌مولده

- ‌نشأته

- ‌رحلته

- ‌مؤلفاته

- ‌هجرته

- ‌خطبة الكتاب

- ‌مقدمة الشارح

- ‌المقدمة

- ‌(1) - (1) - بَابُ اتِّبَاعِ سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(2) - (2) - بَابُ تَعْظِيمِ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَالتَّغْلِيظِ عَلَى مَنْ عَارَضَهُ

- ‌(3) - (3) - بَابُ التَّوَقِّي فِي الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(4) - (4) - بَابُ التَّغْلِيظِ فِي تَعَمُّدِ الْكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(5) - (5) - بَابُ مَنْ حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَدِيثًا وَهُوَ يُرَى أَنَّهُ كَذِب

- ‌(6) - (6) - بَابُ اتِّبَاعِ سُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ

- ‌فائدة

- ‌(7) - (7) - بَابُ اجْتِنَابِ الْبِدَع وَالْجَدَلِ

- ‌(8) - (8) - بَابُ اجْتِنَابِ الرَّأْيِ وَالْقِيَاسِ

- ‌(9) - (9) - بَابٌ: فِي الْإِيمَانِ

- ‌(10) - (10) - بَابٌ: فِي الْقَدَرِ

- ‌(11) - (11) - بَابٌ: فِي فَضَائِلِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(11) - (1) - فَضْلُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه

- ‌(11) - (2) - فَضْلُ عُمَرَ رضي الله عنه

- ‌(11) - (3) - فَضْلُ عُثْمَانَ رضي الله عنه

- ‌(11) - (4) - فَضْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه

- ‌تنبيه

- ‌(11) - (5) - فَضْلُ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّامِ رضي الله عنه

الفصل: ‌(1) - (1) - باب اتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم

(1) - (1) - بَابُ اتِّبَاعِ سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم

===

(1)

- (1) - (باب اتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم

أي: هذا باب معقود في ذكر الأحاديث التي تحث على التمسك بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم واتباعها، تمسكها بامتثال أوامرها واجتناب نواهيها، والسنة لغة: الطريقة والعادة، واصطلاحًا: كل ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير، وقال النووي: يحتمل أنه أراد بالسنة ما هو أحد الأدلة الأربعة المذكورة في كتب الأصول؛ وهي الكتاب والسنة وإجماع الأمة والقياس، والسنة بهذا المعنى تشمل قوله صلى الله عليه وسلم وفعله وتقريره، فكل ذالك من الأدلة التي تثبت بها الأحكام الشرعية، ويجب على الناس اتباعها، واتباع السنة بهذا المعنى الأخذ بمقتضاها في تمام الأحكام الدينية؛ من الإباحة والوجوب والحرمة والندب والكراهة.

ويحتمل أنه أراد بالسنة الطريقة المسلوكة له صلى الله عليه وسلم، فيشمل تمام الدين سواء أثبت بالكتاب أو بالسنة أم لا، واتباع السنة بهذا المعنى هو الأخذ بها، والسنة بالمعنى الأول بمعنى الدليل، وبالمعنى الثاني بمعنى المدلول، ولقد أجاد المصنف رحمه الله تعالى وأحسن حيث بدأ هذا الكتاب الموضوع في ترتيب السنن الفقهية بهذا الباب؛ فإن الأخذ بها مداره على وجوب اتباع السنة السنية، سواء كان المراد بالسنة ما هو أحد الأدلة الأربعة، أو ما هو تمام الدين المسلوك للنبي صلى الله عليه وسلم، فيشمل جميع مكارم الأخلاق التي خلق عليها، وبهما قال المؤلف رحمه الله تعالى:

ص: 52

(1)

- 1 - (1) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ،

===

(1)

- 1 - (1)(حدثنا أبو بكر) عبد الله بن محمد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي - بالمهملة المفتوحة والموحدة الساكنة - مولاهم الكوفي أحد الأئمة الأعلام.

قال العجلي: ثقة وكان حافظًا للحديث، وقال أبو حاتم وابن خراش وابن قانع: ثقة ثبت، وقال أبو زرعة: ما رأيت أحفظ من أبي بكر بن أبي شيبة، وقال في "التقريب": ثقة من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (235 هـ). يروي عنه:(خ م د س ق).

قال أبو بكر: (حدثنا شريك) بن عبد الله بن أبي شريك، اسمه أوس بن الحارث النخعي أبو عبد الله الكوفي.

قال ابن معين: ثقة، وقال العجلي: كوفي ثقة وكان حسن الحديث، وقال يعقوب بن شيبة: شريك صدوق ثقة سيئ الحفظ جدًّا، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال ابن سعد: كان ثقة مامونأ كثير الحديث وكان يغلط، وقال في "التقريب": صدوق يخطئ كثيرًا، من الثامنة، مات سنة سبع وسبعين ومئة (177 هـ) أو سنة ثمان وسبعين ومئة. يروي عنه:(م عم).

(عن الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي مولاهم أبي محمد الكوفي.

قال ابن المديني: حفظ العلم على أمة محمد صلى الله عليه وسلم ستة: عمرو بن دينار بمكة، والزهري بالمدينة، وأبو إسحاق السبيعي والأعمش بالكوفة، وقتادة ويحيى بن أبي كثير بالبصرة، وقال شعبة: ما شفاني أحد في الحديث ما شفاني الأعمش.

وقال عمرو بن علي: كان الأعمش يسمى المصحف لصدقه، قال العجلي:

ص: 53

عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ

===

كان ثقة ثبتًا في الحديث، وقال في "التقريب": ثقة حافظ قارئ ورع، لكنه يدلس، من الخامسة، مات في ربيع الأول سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة (148 هـ) عن أربع وثمانين سنة. يروي عنه:(ع).

(عن أبي صالح) السمان ذكوان الزيات مولى جويرية بنت قيس القيسية المدني، كان يجلب السمن والزيت إلى الكوفة.

قال أحمد: ثقة من أجلِّ الناس وأوثقهم، وقال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: ثقة صالح الحديث يحتج بحديثه، وقال أبو زرعة: ثقة مستقيم الحديث، وقال العِجْلي: تابعي مدني موثوق به، وقال في "التقريب": ثقة، من الثالثة، مات سنة إحدى ومئة (101 هـ). يروي عنه:(ع).

(عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر الدوسي المدني رضي الله تعالى عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، من المكثرين، له (5374) خمسةُ آلاف وثلاث مئة وأربعة وسبعون حديثًا، اتفقا على ثلاث مئة وخمسة وعشرين حديثًا، وانفرد (خ) بتسعة وسبعين، و (م) بثلاثة وتسعين، مات سنة (59 هـ) عن ثمان وسبعين سنة.

وسند هذا الحديث من خماسياته، رجاله ثلاثة منهم كوفيون، واثنان مدنيان، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله كلهم ثقات، ولا يضر فيه كون الأعمش مدلسًا؛ لكثرة من روى عنه هذا الحديث؛ لأنه رواه عنه شريك بن عبد الله، وجرير بن عبد الحميد، وأبو معاوية، ووكيع.

(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أمرتكم) أي: أيّ شيء أمرتكم (به) أيها المسلمون أمر إيجاب أو ندب، فما شرطية في

ص: 54

فَخُذُوهُ، وَمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ .. فَانْتَهُوا".

===

محل الرفع مبتدأ، جوابها:(فخذوه) مني، وهو خبرها، أو جملة الشرط، أو هما على الخلاف المذكور في محله؛ أي: فاقبلوه مني؛ بامتثاله وجوبًا في الواجبات، ومندوبًا في المندوبات، (وما نهيتكم) نهي تحريم أو تنزيه؛ أي: زجرتكم (عنه) .. (فانتهوا) أي: فانزجروا وجوبًا في المحرمات، وندبًا في المكروهات، وهذا الحديث كالتفسير لقوله تعالى:{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} (1).

و(ما) في الموضعين شرطية، كما ذكر السيوطي هذا الاحتمال؛ لأن الشرطية أظهر معنىً، وفي جعلها موصولة يلزم وقوع الجملة الإنشائية خبرًا، وهو مما اختلفوا في جوازه، وكثير منهم على أنه لا يصح إلا بتأويل، بخلاف الشرطية، فإن المحققين على أن خبرها جملة الشرط لا الجزاء، والخطاب وإن كان للحاضرين وضعًا لكن الحكم يعم الغائبين اتفاقًا، وفي شمول الخطاب لهم قولان، وعلى تقدير الشمول فإطلاقه يشمل المجتهد والمقلد. انتهى "سندي".

وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، كما في "تحفة الأشراف"، ولكن له شاهد من الآية، كما مر آنفًا، وانظر الترمذي (47: 5)، الحديث (2679)، وانظر الحديث الذي بعده.

ودرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه بسوقه: الاستدلال به على الترجمة.

ودل على الترجمة بمنطوقه؛ لأنه دل على الأمر باتباع السنة.

* * *

(1) سورة الحشر: (7).

ص: 55

(1)

- 1 - (م) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ،

===

ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، فقال:

(1)

- 1 - (م)(حدثنا محمد بن الصباح) بن سفيان بن أبي سفيان الجرجرائي - بجيمين مفتوحتين بينهما راء ساكنة ثم راء خفيفة ممدودة - أبو جعفر التاجر الأموي مولاهم مولى عمر بن عبد العزيز. روى عن: جرير بن عبد الحميد، وحفص بن غياث، وابن عيينة، وغيرهم، ويروي عنه:(د ق)، وابنه جعفر بن محمد بن الصباح، وأبو زرعة الرازي، وموسى بن هارون، وجماعة.

وثقه أبو زرعة ومحمد بن عبد الله الحضرمي، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وضعفه يحيى بن معين، وقال في "التقريب": صدوق، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (240 هـ).

ومحمد بن الصباح عندهم اثنان: جرجرائي، ودولابي، وابن ماجه يروي عنهما، فإذا ذكره وأطلق؛ فإن كان في أول السند .. فهو الجرجرائي، وإن كان في ثاني السند .. فهو الدولابي، وهذا اصطلاحه، وأما الدولابي .. فيروي عنه (ع)، والجرجرائي لا يروي عنه إلا (د ق).

وفي بعض النسخ هنا: (حدثنا أبو عبد الله) محمد بن ماجه، (قال: حدثنا محمد بن الصباح)، فإسقاطه أولى إلا إن قلنا: إنه من كلام أبي الحسن القطان راوي "السنن" عن المؤلف.

(قال) محمد بن الصباح: (أخبرنا جرير) بن عبد الحميد بن جرير بن قرط الضبي أبو عبد الله الكوفي ثم الرازي، وثقه العجلي والنسائي والخليل، قال في "التقريب": ثقة صحيح الكتاب، من الثامنة، مات سنة ثمان وثمانين ومئة (188 هـ). يروي عنه:(ع).

ص: 56

عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ؛

===

(عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.

وهذا السند أيضًا من خماسياته؛ رجاله اثنان منهم مدنيان، واثنان كوفيان، وواحد جرجرائي، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه راويًا مختلفًا فيه؛ وهو الجرجرائي، وغرضه بسوقه: بيان متابعة جرير بن عبد الحميد لشريك بن عبد الله في رواية هذا الحديث عن الأعمش، وفائدتها بيان كثرة طرقه، وكرر متن الحديث؛ لما بين الروايتين من المخالفة.

(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذروني) أي: اتركوني من السؤال والبحث عن القيود في الأحكام المطلقة، أو من السؤال عن الأمور المسكوت عنها (ما تركتكم) ما مصدرية ظرفية؛ أي: اتركوني مدة تركي إياكم عن التكليف بالقيود فيها، أو عن الأمر بالأمور المسكوت عنها، وليس المراد: لا تطلبوا مني العلم ما دام سكوتي إلا أن أبين لكم بنفسي، ويدل على هذا المعنى جوابه من قال له:"هل الحج كل عام؟ ".

ويقال: وذر الشيء يذر وذرًا من باب (وضع) إذا تركه، ولا يستعمل منه بهذا المعنى إلا المضارع والأمر، تقول: ذره؛ أي: دعه واتركه، ويذره؛ أي: يدعه ويتركه، فإذا أريد منه الماضي .. قيل: ترك، أو المصدر .. قيل: الترك، أو اسم الفاعل .. قيل: التارك، أو اسم المفعول .. قيل: المتروك. انتهى م ج.

قال تعالى: {فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ} (1)، وقال أيضًا:{رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} (2).

(1) سورة القلم: (44).

(2)

سورة نوح: (26).

ص: 57

فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ .. فَخُذُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ .. فَانْتَهُوا".

(1)

- 1 - (م) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ،

===

(فإنما هلك من كان قبلكم) من الأمم الماضية (بـ) كثرة (سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم) و (على) متعلقة بمحذوف، كما قدرنا، والتقدير: وإنما هلك من كان قبلكم من الأمم بكثرة سؤالهم على أنبيائهم ومخالفتهم لهم فيما أجيبوا به؛ يعني: يسألون عن شيء، فإذا أجيبوا فيه .. لا يمتثلونهم ولا يطيعونهم عنادًا وتمردًا، وهذا تخويف منه صلى الله عليه وسلم لهم على كثرة سؤالهم عما لا يحتاجون إليه.

(فإذا أمرتكم بشيء) من المأمورات أمر إيجاب أو ندب .. (فخذوا) أي: فأتوا وافعلوا (منه) أي: من ذالك الشيء المأمور به (ما استطعتم) أي: ما قدرتم وأطقتم عليه؛ يعني: أن الأمر المطلق لا يقتضي دوام الفعل، وإنما يقتضي حسن المأمور به، وأنه طاعة مطلوبة، فينبغي أن يأتي كل إنسان منه قدر طاقته، (وإذا نهيتكم عن شيء) أي: زجرتكم عن شيء نهي تحريم أو تنزيه .. (فانتهوا) أي: فا نزجروا وابتعدوا عنه بالمرة؛ يعني: أن النهي يقتضي دوام الترك، فلا يقيد بالاستطاعة، كما قيد الأمر به.

وانفرد ابن ماجه في رواية هذا الحديث، ودرجته: أنه حسن.

* * *

ثم ذكر المؤلف المتابعة ثانيًا في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، فقال:

(1)

- 1 - (م)(حدثنا أبو بكر) عبد الله بن محمد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي الكوفي.

ص: 58

حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَطَاعَنِي .. فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ،

===

قال: (حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي مولاهم الحافظ الكوفي.

قال العجلي: كوفي ثقة، وقال النسائي: ثقة، وقال ابن خراش: صدوق، وهو في الأعمش ثقة، وفي غيره فيه اضطراب، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان حافظًا متقنًا، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال في "التقريب": ثقة، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (195 هـ)، وله اثنتان وثمانون سنة. يروي عنه:(ع).

(ووكيع) بن الجراح بن مليح - بوزن فصيح - الرؤاسي أبو سفيان الكوفي.

وثقه العجلي وابن سعد، وقال أحمد: ما رأيت أوعى للعلم من وكيع ولا أحفظ منه، وقال في "التقريب": ثقة حافظ عابد من كبار التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه:(ع)، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه، كلاهما:

(عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة) رضي الله عنه.

وهذا السند أيضًا من خماسياته؛ رجاله ثلاثة منهم كوفيون، واثنان مدنيان، وغرضه بسوقه: بيان متابعة أبي معاوية ووكيع لشريك بن عبد الله وجرير في رواية هذا الحديث عن الأعمش، وكرر المتن؛ لما فيه من المخالفة للرواية الأولى، وفائدتها بيان كثرة طرقه مع بيان المخالفة بين الروايات، وحكم هذا السند: الصحة.

(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أطاعني) فيما أمرتكم به، وقبل مني ما بلغته إليه من ربي .. (فقد أطاع الله) سبحانه وتعالى

ص: 59

وَمَنْ عَصَانِي .. فَقَدْ عَصَى اللهَ".

(2)

- 2 - (2) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرِ،

===

فيما أرسلني به، (ومن عصاني) وخالفني فيما نهيتكم عنه من المنكرات، وفعل ذالك المنهي عنه .. (فقد عصى الله) سبحانه، وخالفه فيما نهى عنه؛ يعني: أنه مبلغ عن الله سبحانه، فمن أطاعه فيما بلغ .. فقد أطاع الآمر الحقيقي؛ لأن طاعة الرسول عين طاعة الله تعالى؛ لأنه ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، ومثله المعصية، وهذا الحديث بمعنى قوله تعالى:{مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} (1)، لكن سوق الآية في نسق المعصية لإفادة أنه ليس على الرسول وبال معصيته؛ إذ ليس عليه إلا البلاغ لا الحفظ، فوبال المعصية على ذلك العاصي.

وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، كما في "تحفة الأشراف" ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده.

* * *

ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي هريرة بأثر ابن عمر رضي الله تعالى عنهم، فقال:

(2)

- 2 - (2)(حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير) - مصغرًا - الهمداني - بسكون الميم - أبو عبد الرحمن الكوفي، كان أحمد ابن حنبل يعظمه تعظيمًا عجيبًا، يقول أيُّ فتىً هو؟ ! ويقول أيضًا: هو درة العراق، قال ابن الجنيد: ما رأيت بالكوفة مثل ابن نمير، وكان رجلًا نبيلًا قد جمع العلم والفهم والسنة والزهد، وكان فقيرًا.

(1) سورة النساء: (80).

ص: 60

حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ عَدِيٍّ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ، .........

===

وقال النسائي: ثقة مأمون، وقال في "التقريب": ثقة حافظ، من العاشرة، مات سنة أربع وثلاثين ومئتين (234 هـ). يروي عنه:(ع).

قال: (حدثنا زكريا بن عدي) بن الصلت، ويقال: هو زكريا بن عدي بن زريق بن إسماعيل التيمي مولى بني تيم الله أبو يحيى الكوفي.

قال ابن معين: لا بأس به، وقال العجلي: كوفي ثقة صالح، وقال ابن سعد: كان رجلًا صالحًا ثقة صدوقًا كثير الحديث، وقال في "التقريب": ثقة، من كبار العاشرة، مات سنة إحدى أو اثنتي عشرة ومئتين (212 هـ). يروي عنه:(م ت س ق).

(عن) عبد الله (بن المبارك) بن واضح الحنظلي مولاهم أبي عبد الرحمن المروزي الحجة الفقيه أحد الأئمة الأعلام وحفاظ الإسلام، قال ابن معين: كان ثقة كيِّسًا متثبتًا، وكان عالمًا صحيح الحديث، وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا حجة كثير الحديث، وقال الحاكم: هو إمام عصره في الآفاق، وقال في "التقريب": ثقة ثبت فقيه عالم جواد مجاهد جمعت فيه خصال الخير، من الثامنة، مات سنة إحدى وثمانين ومئة (181 هـ). يروي عنه:(ع).

(عن محمد بن سوقة) - بضم المهملة - الغنوي - بفتح المعجمة والنون الخفيفة - أبي بكر الكوفي العابد، وكان من القراء من أهل العبادة والفضل والدين والسخاء، يقال: إنه أنفق على أهل العلم عشرين ومئة ألف درهم.

وقال العجلي: كوفي ثبت، وكان صاحب سنة وعبادة وخير كثير، في عداد الشيوخ وليس بكثير الحديث، وقال ابن المديني: له نحو ثلاثين حديثًا، وقال النسائي: ثقة مرضي، وقال ابن عيينة: كان لا يحسن أن يعصي الله تعالى، وقال في "التقريب": ثقة مرضي عابد، من الخامسة. يروي عنه:(ع).

ص: 61

عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَدِيثًا لَمْ يَعْدُهُ وَلَمْ يُقَصِّرْ دُونَهُ.

===

(عن أبي جعفر) محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي الباقر المدني.

قال العجلي: مدني تابعي ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وليس يروي عنه من يحتج به، وقال في "التقريب": ثقة فاضل، من الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومئة. يروي عنه:(ع).

(قال) أبو جعفر: (كان) عبد الله (بن عمر) بن الخطاب رضي الله عنهما.

وسند هذا الأثر من خماسياته، رجاله ثلاثة منهم كوفيون، وواحد مدني، وواحد مروزي، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله كلهم ثقات.

أي كان ابن عمر (إذا سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا) من أحاديث الفضائل .. (لم يَعْدُهُ) - بفتح الياء وسكون العين وضم الدال؛ لأنه من عدا الحَدَّ والقدر إذا جاوزه - أي: لم يعد ذالك الحديث ولم يفرط فيه بالزيادة على القدر المشروع، (ولم يُقصر) - بضم الياء وفتح القاف وتشديد الصاد المكسورة من التقصير؛ وهو التساهل في الشيء وعدم المبالاة به؛ أي: لم يقصر في العمل به (دونه) أي: دون القدر المشروع قبل الوصول إليه، وقال أهل اللغة: التقصير: ترك أداء المراد مع القدرة عليه، والقصور: العجز عن أداء المراد لمانع، كما بيناه في شروحنا على "الآجرومية".

والمعنى: إذا سمع حديثًا .. لم يُفْرِط فيه بالزيادة على القدر المشروع، ولم يأت بإفراط فيه بالإعراض عن القدر المشروع، فهو متجنب عن الإفراط والتفريط.

وعبارة السندي هنا: لم يتجاوز القدر الوارد في الحديث بالإفراط فيه والزيادة

ص: 62

(3)

- 3 - (3) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى سُمَيْعٍ

===

عليه، ولم يقصر دون القدر الوارد قبل الوصول إليه بألا يعمل بذلك الحديث أصلًا أو يأتي بأقل من القدر الوارد، والحاصل: أنه كان واقفًا عند الحد المشروع في الحديث، ولم يَأْتِ بإفراط فيه ولا تفريط عنه، وكان ابن عمر معروفًا بشدة اتباعه السنة، وهذا الأثر فيه الحث على اتباع السنة الذي ترجم له المؤلف، والله أعلم.

وهذا الأثر انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرض المؤلف بسوقه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة.

وفي بعض النسخ إسقاط أثر ابن عمر هذا رضي الله تعالى عنهما.

* * *

ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث أبي هريرة بحديث أبي الدرداء رضي الله تعالى عنهما، فقال:

(3)

- 3 - (3)(حدثنا هشام بن عمار) بن نُصير - مصغرًا - ابن ميسرة بن أبان السلمي أبو الوليد (الدمشقي) خطيب المسجد الجامع بها.

قال إبراهيم بن الجنيد عن ابن معين: ثقة، وقال العجلي: ثقة، وقال مرة: صدوق، وقال في "التقريب": صدوق مقرئ كَبِرَ فصار يتلقن، فحديثه القديم أصح، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (245 هـ). يروي عنه:(خ عم).

قال: (حدثنا محمد بن عيسى) بن القاسم (بن سميع) - مصغرًا - الأموي مولى معاوية بن أبي سفيان أبو سفيان الدمشقي.

ص: 63

حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْأَفْطَسُ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُرَشِيِّ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ،

===

قال ابن شاهين: هو شيخ من أهل الشام ثقة، وقال ابن حبان: هو مستقيم الحديث إذا بين السماع في خبره، وقال أبو داوود: ليس به بأس إلا أنه كان يتهم بالقدر، وقال أبو داوود أيضًا: سمعت هشام بن عمار يقول: حدثنا محمد بن عيسى الثقة المأمون، وقال في "التقريب": صدوق يخطئ ويدلس ورمي بالقدر، من التاسعة، مات سنة أربع، وقيل: ست ومئتين (206 هـ) وله تسعون سنة. يروي عنه: (د س ق).

(حدثنا إبراهيم بن سليمان الأفطس) الدمشقي.

قال دحيم: ثقة ثقة، وقال مرة: ثقة ثبت، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وقال في "التقريب": ثقة ثبت إلا أنه يرسل، من الثامنة، والأفطس صفة مذكر الأنثى فطساء؛ من فطس من باب (فرح) يقال: فطس يفطس فطسًا إذا تطأمنت وانبسطت قصبة أنفه، والفطسة: تطأمن قصبة الأنف. يروي عنه: (ت ق).

(عن الوليد بن عبد الرحمن الجُرَشِيّ) - بضم الجيم وبالشين المعجمة - نسبة إلى بني جرش؛ بطن من حمير الحمصي الزَّجَّاج.

قال أبو حاتم ومحمد بن عون: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب": ثقة من الرابعة. يروي عنه: (م عم).

(عن جبير بن نفير) - بالتصغير فيهما - ابن مالك بن عامر الحضرمي أبي عبد الرحمن الحمصي.

مخضرم أسلم في زمن أبي بكر، ولأبيه صحبة، وثقه أبو حاتم وغيره، وقال في "التقريب": ثقة جليل، من الثانية من كبار تابعي أهل الشام، مات سنة ثمانين (80 هـ)، وقيل: بعدها. يروي عنه: (م عم).

ص: 64

عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَنَحْنُ نَذْكُرُ الْفَقْرَ وَنَتَخَوَّفُهُ فَقَالَ: "آلْفَقْرَ تَخَافُونَ؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ لَتُصَبَّنَّ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا صَبًّا حَتَّى لَا يُزِيغَ قَلْبَ أَحَدِكُمْ إِزَاغَةً إِلَّا هِيَهْ،

===

(عن أبي الدرداء) عويمر بن زيد بن قيس بن عائشة بن أمية بن الحارث بن الخزرج الأنصاري الخزرجي الصحابي رضي الله عنه، مختلف في اسم أبيه، مشهور بكنيته، ولاه معاوية قضاء دمشق بأمر عمر بن الخطاب، له مئة وتسعة وسبعون حديثًا؛ اتفقا على حديثين، وانفرد (خ) بثلاثة، و (م) بثمانية.

وهذا السند من سداسياته، ومن لطائفه: أن رجاله كلهم شاميون، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله كلهم ثقات.

(قال) أبو الدرداء: (خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعض حُجَره (ونحن) جالسون في المسجد (نذكر الفقر) والفاقة والعدم وضرره، (ونتخوفه) أي: نُظْهِر الخوف من لحوقه بنا أو ننقصه؛ أي: نَعُدُّهُ نَقْصًا وعيبًا، يقال: تَخَوَّف الشيء إذا تنقصه وتخَوَّفَ الحقَّ إذا تَهَضَّمَهُ، (فقال) لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:(آلفقر) بمد الهمزة على الاستفهام الإنكاري؛ أي: أ (تخافون) لحوق الفقر بكم؟

لا تخافوا منه (والذي) أي: أقسمت لكم بالله الذي (نفسي) وروحي (بيده) المقدسة (لتُصَبَّنَّ) بضم التاء وفتح الصاد والباء المشددة والنون الثقيلة للتوكيد على صيغة المبني للمفعول، واللام رابطة لجواب القسم؛ أي: والله؛ لتصبن (عليكم) أيتها الأمة (الدنيا) أي: نعيمها وزخارفها (صبًا) كصب المطر الغزير (حتى لا يُزيغ) بضم الياء من الإزاغة؛ بمعنى: الإمالة من الحق (قلب أحدكم) بالنصب مفعول به ليزيغ (إزاغة)، والضمير في قوله:(إلا هيه) عائد إلى الدنيا، وهو فاعل يزيغ؛ لأن الاستثناء مفرغ، والهاء في آخره للسكت.

ص: 65

وَايْمُ اللهِ، لَقَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى مِثْلِ الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا وَنَهَارُهَا سَوَاءٌ"، قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: صَدَقَ وَاللهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم؛

===

والمعنى: والذي نفسي بيده؛ لَتُفَاضَنَّ عليكم الدنيا إفاضة، فَتَشْغلكم عن الآخرة حتى لا يضل قلب أحدكم عن الحق إضلالًا، ولا يشغله عن الآخرة شغلًا إلا هيه؛ أي: إلا الدنيا، فتهلككم، (وايم الله) أصله: أيمن، حذفت نونه اعتباطًا؛ أي: واسم الله قسمي (لقد تركتكم على مثل البيضاء) ولفظ (مثل) مقحم، والبيضاء صفة لمحذوف، تقديره: والله؛ لقد تركتكم أيتها الأمة على الملة والطريقة البيضاء؛ أي: النيرة الواضحة بأدلتها من الكتاب والسنة، (ليلها ونهارها سواء) أي: وضوحها وظهورها بأدلتها الباقية التي لا تنسخ سواء في جميع القرون القريبة إلى قرني والبعيدة عن قرني؛ أي: ما فارقتكم بالموت إلا وهي واضحة بأدلتها؛ لأني تركت لكم أصلين الكتاب والسنة، فصيغة الماضي بمعنى المضارع، كما قال تعالى:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} (1)، ففي هذا حث على اتباع السنة وملازمتها والاجتهاد فيها، والله سبحانه وتعالى أعلم.

أو لفظ (مثل) صفة المِلَّةِ المحذوفةِ، والبيضاء صفة للأرض المحذوفة، والمعنى: والله؛ لقد تركتكم على الملة مثل الأرض البيضاء؛ أي: الفارغة من الأشجار المؤذية والسباع الضارية، (ليلها ونهارها سواء) أي: السير فيها ليلًا ونهارًا سواء، لا يخاف السالك فيها؛ أي: وقت سلك فيها ليلًا أو نهارًا من الأشجار المؤذية والسباع الضارية.

(قال أبو الدرداء: صَدَق والله) والفَصْل بين الفعل والفاعل بالقسم لا يضر؛ لأنه إنما يُذكر لتأكيد الكلام، أو: والله؛ صدق (رسول الله صلى الله عليه وسلم

(1) سورة المائدة: (3).

ص: 66

تَرَكَنَا وَاللهِ عَلَى مِثْلِ الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا وَنَهَارُهَا سَوَاءٌ.

(4)

- 4 - (4) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ،

===

فيما قال، لقد (تركنا والله على مثل البيضاء) أي: على الملة مثل الأرض البيضاء؛ أي: الفارغة من الأشجار المؤذية والوحوش الضارية، (ليلها ونهارها سواء) أي: السير في تلك الأرض البيضاء في أي وقت سواء ليلًا أو نهارًا لا يخاف السالك فيها من الأشجار المؤذية والحيوانات الضارية ليلًا ونهارًا، شبه هذه الملة في وضوحها وإزالة مشكلاتها بادلتها بالأرض البيضاء؛ أي: الفارغة من كل مؤذ وضار، التي لا يخاف السالك فيها في أي وقت ليلًا ولا نهارًا، هذا ما ظهر للفهم السقيم، والله أعلم.

وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لأن رجاله كلهم ثقات، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به، والله أعلم.

* * *

ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث أبي هريرة بحديث قرة بن إياس رضي الله تعالى عنهما، فقال:

(4)

- 4 - (4)(حدثنا محمد بن بشار) بن عثمان العبدي أبو بكر البصري الملقَّب بِبُندار، قال العجلي: بندار ثقة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (252 هـ). يروي عنه:(ع).

قال: (حدثنا محمد بن جعفر) الهُذَلي أبو عبد الله البصري رَبيبُ شعبة المعروف بغندر.

قال ابن معين: كان من أصح الناس كتابًا، قال ابن مهدي: غُندرُ أثبت مِنِّي في شعبة، وقال ابن المبارك: إذا اختلف الناس في حديث شعبة .. فكتابُ غندر

ص: 67

حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ أَبِيهِ

===

حكم بينهم، وقال في "التقريب": ثقة صحيح الكتاب إلا أن فيه غفلة، من التاسعة، مات سنة ثلاث وتسعين ومئة (193 هـ)، أو أربع وتسعين ومئة. يروي عنه:(ع).

قال: (حدثنا شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي مولاهم أبو بسطام البصري.

قال أحمد: شعبة أمة وحده، وقال الحكم: شعبة إمام الأئمة، وهو أول من تكلم في رجال الحديث، وقال في "التقريب": ثقة حافظ متقن، من السابعة، مات سنة ستين ومئة (160 هـ). يروي عنه:(ع).

(عن معاوية بن قرة) بن إياس المزني أبي إياس البصري.

قال ابن معين: ثقة، وقال العجلي والنسائي وأبو حاتم: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة وله أحاديث، وقال في "التقريب": ثقة عالم، من الثالثة، مات سنة ثلاث عشرة ومئة (113 هـ)، كان مولده يوم الجمل، وله ست وسبعون سنة. يروي عنه:(ع).

(عن أبيه) قرة بن إياس بن هلال بن رباب المزني أبي معاوية البصري، صحابي مشهور نزل البصرة رضي الله تعالى عنه.

قال ابن عبد البر: لم يَرْوِ عنه غَيْرُ ابنه، ويقال له: قرة بن الأغر، قتل في حرب الأزارقة مع عبد الرحمن بن عُبَيْس في زمن معاوية الثاني ابن يزيد بن معاوية سنة أربع وستين (64 هـ)، أَرَّخَهُ هكذا ابنُ سعد وخليفة وأبو عروبة وابن حبان وغيرهم. يروي عنه:(عم).

وهذا السند من خماسياته، ومن لطائفه: أن رجاله كلهم بصريون، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله كلهم ثقات.

ص: 68

قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي مَنْصُورِينَ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ".

===

(قال) قرةُ بن إياس: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تزال طائفة) أي: فرقة (من أمتي) أمة الإجابة، والطائفة: الجماعة من الناس، والتنكيرُ للتقليل أو التعظيم؛ لعظم قدرهم ووُفور فضلهم، ويحتمل للتكثير أيضًا؛ فإنهم وإن قَلُّوا .. فهم الكثيرون؛ فإن الواحد منهم لا يساويه الألفُ، بل هم الناس كلهم، (منصورين) على الحق بالحججِ والبراهين، أو بالسيوف والأَسِنَّة، فعلى الأول هم أهل العلم، وعلى الثاني الغُزاة، وإلى الأول مال المؤلفُ، بدليل ذِكْرِ الحديث في هذا الباب؛ فإنه المنقول عن كثير من أهل العلم.

قال أحمد بن حنبل في هذه الطائفة: إن لم يكونوا هم أهل الحديث .. فلا أدري من هم. أخرجه الحاكم في "علوم الحديث"، قال القاضي عياض: وإنما أراد أهل السنة والجماعة ومن يعتقد مذهب أهل الحديث، وقال البخاري في "صحيحه": هم أهل العلم.

(لا يضرهم من خذلهم) وأهانهم؛ أي: لم يعاونهم ولم ينصرهم من الخلق؛ فإنهم منصورون بالله؛ لما فيهم من الخير، قال تعالى:{إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} (1)، فلا يضرهم عدم نصر الغير، (حتى تقوم الساعة) أي: ساعة موت المؤمنين بمجيء الريح التي تقبض روح كل مؤمن، وهي الساعة في حق المؤمنين، وإلا .. فالساعة العامة لا تقوم إلا على شرار خلق الله تعالى، أو المعنى: حتى يقرب قيام الساعة، ومفاد المعنيين واحد.

(1) سورة النحل: (128).

ص: 69

(5)

- 5 - (5) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَلْقَمَةَ نَصْرُ بْنُ عَلْقَمَةَ، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ الْأَسْوَدِ

===

وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته: الترمذي في كتاب الفتن، باب ما جاء في الشام، رقم الحديث (2192).

ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به.

* * *

ثم استشهد المؤلف رابعًا لحديث أبي هريرة بحديث آخر له رضي الله تعالى عنه، فقال:

(5)

- 5 - (5)(حدثنا هشام بن عمار) السلمي أبو الوليد الدمشقي صدوق من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (245 هـ). يروي عنه:(خ عم).

وفي بعض النسخ زيادة: (قال أبو عبد الله) المؤلف، والأولى إسقاطه.

قال: (حدثنا يحيى بن حمزة) بن واقد الحضرمي أبو عبد الرحمن الدمشقي القاضي، ثقة رمي بالقدر، من الثامنة، مات سنة ثلاث وثمانين ومئة (183 هـ) على الصحيح، وله ثمانون سنة. روى عنه:(ع).

(قال) يحيى: (حدثنا أبو علقمة) الحضرمي (نصر بن علقمة) الحمصي.

روى عن: عمير بن الأسود، ويروي عنه:(س ق)، ويحيى بن حمزة.

قال عثمان الدارمي عن دحيم: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب": مقبول، من السادسة.

(عن عمير) بالتصغير، ويقال فيه: عمرو (بن الأسود) العنسي - بمهملة مفتوحة ونون ساكنة وبسين مهملة - منسوب إلى عنس بن مذحج أبي عياض الدمشقي، ويقال: الحمصي. روى عن: أبي هريرة، ويروي عنه:(خ م د س ق)،

ص: 70

وَكَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ الْحَضْرَمِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَوَّامَةً عَلَى أَمْرِ اللهِ عز وجل لَا يَضُرُّهَا مَنْ خَالَفَهَا".

===

ونصر بن علقمة، مخضرم ثقة عابد من كبار التابعين، مات في خلافة معاوية.

(وكثير بن مرة الحضرمي) أبي القاسم الحمصي، ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من تابعي أهل الشام، وقال: كان ثقة، وقال العجلي: شامي تابعي ثقة، وقال النسائي: لا بأس به، وذكره ابن حبان في "الثقات". روى عن: أبي هريرة، وعمر بن الخطاب، وعن النبي صلى الله عليه وسلم، ويروي عنه:(عم)، وقال في "التقريب": ثقة، من الثانية، ووهم من عده في الصحابة.

(عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر الدوسي المدني رضي الله عنه.

وهذا السند من خماسياته؛ رجاله كلهم دمشقيون إلا أبا هريرة؛ فإنه مدني، وحكمه: الصحة.

(أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تزال) ولا تبرح (طائفة) وجماعة (من أمتي قوامة) صيغة مبالغة وليست مرادة، كما في قوله تعالى:{الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} (1)، و (على) في قوله:(على أمر الله عز وجل بمعنى الباء؛ أي: لا تزال قائمة متمسكة بأمر الله سبحانه وتعالى؛ أي: شريعته ودينه ونشر سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، أو بالجهاد مع الكفار، (لا يضرها من خالفها) وعاداها وخذلها؛ لأنهم منصورون من الله سبحانه وتعالى، كما قال تعالى:{إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ} (2).

(1) سورة النساء: (34).

(2)

سورة آل عمران: (160).

ص: 71

(6)

- 6 - (6) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا الْجَرَّاحُ بْنُ مَلِيحٍ قَالَ: حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ زُرْعَةَ

===

وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، وأشار إليه البخاري في خَلْق أفعال العباد، كما في "فتح الباري"(13/ 293).

ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به.

* * *

ثم استشهد المؤلف خامسًا لحديث أبي هريرة بحديث أبي عنبة الخولاني رضي الله تعالى عنهما، فقال:

(6)

- 6 - (6)(حدثنا هشام بن عمار) السلمي الدمشقي، صدوق، من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (245 هـ). يروي عنه:(عم).

قال: (حدثنا الجراح بن مليح) - بوزن فصيح - البهراني - بفتح الموحدة والراء المهملة - نسبة إلى بهراء؛ قبيلة من قضاعة، وزيدت النون فيه كالصنعاني، أبو عبد الرحمن الحمصي. روى عن: بكر بن زرعة الخولاني، ويروي عنه:(س ق)، وهشام بن عمار.

قال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن معين: الجراح بن مليح شامي ليس به بأس، وقال في "التقريب": صدوق، من السابعة.

(قال: حدثنا بكر بن زرعة) - بضم الزاي وسكون الراء وفتح العين - الخولاني الشامي. روى عَنْ: أبي عنبة الخولاني الصحابي، ويروي عنه:(ق)، والجراح بن مليح البَهْرَاني، روى له ابن ماجه حديثًا واحدًا:"لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرسًا"، وروى عنه أيضًا أبو المغيرة الخولاني، قال السيوطي: هو خولاني شامي ليس له عند المصنف سوى هذا الحديث، وليس له عند

ص: 72

قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عِنَبَةَ الْخَوْلَانِيَّ وَكَانَ قَدْ صَلَّى الْقِبْلَتَيْنِ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "لَا يَزَالُ اللهُ يَغْرِسُ فِي هَذَا الدِّينِ غَرْسًا

===

بقية الستة شيء. انتهى، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب": مقبول، من الخامسة.

(قال) بكر: (سمعت أبا عنبة) - بكسر العين المهملة وفتح النون ثم موحدة مفتوحة - اسمه عبد الله، وقيل: عمارة، وأنكر قوم صحبته وعدوه في كبار التابعين، وقال البغوي في "معجمه": كان من أصحاب معادٍ، أسلم والنبي صلى الله عليه وسلم حي. انتهى "سندي".

وقال في "التقريب": أبو عنبة الخولاني اسمه: عبد الله بن عنبة، أو عمارة بن عنبة، صحابي رضي الله عنه له حديث واحد، ويقال: أسلم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره، نزل حمص، ومات في خلافة عبد الملك على الصحيح. يروي عنه:(ق)، (الخولاني) نسبة إلى خولان أبي قبيلة، (وكان) أبو عنبة صحابيًا (قد صلى القبلتين) أي: متوجهًا إلى القبلتين؛ بيت المقدس والكعبة المشرفة (مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهذا السند من رباعياته، ومن لطائفه: أن رجاله كلهم شاميون، وحكمه: الصحة، وفي بعض هامش المتون: هذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات، وقد توبع هشام عليه. انتهى.

(قال) أبو عنبة: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يزال الله يغرس) بفتح الياء على وزن يضرب، أو بضمها من أغرس الرباعي، يقال: غرس الشجر وأغرسه إذا أثبته في الأرض لينبت؛ أي: يوجد الله (في هذا الدين) الإسلامي الحنيف (غرسًا) أي: شخصًا مغروسًا في أرحام الأمهات

ص: 73

يَسْتَعْمِلُهُمْ فِي طَاعَتِهِ".

(7)

- 7 - (7) حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ كَاسِبٍ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ نَافِعٍ

===

مولودًا منهم (يستعملهم في طاعته) أي: يأمرهم بالعمل بطاعته والتمسك بسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ويشجعهم عليها، ولعل هذا هو المُجدِّد للدين على رأس كل مئة سنة، ويحتمل أنه أعم فيشمل كل من يدعو الناس إلى إقامة دين الله وطاعته وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

وهذا الحديث مما انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة.

* * *

ثم استأنس المؤلف للترجمة بحديث معاوية رضي الله تعالى عنه، فقال:

(7)

- 7 - (7)(حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب) المدني نزيل مكة، وقد ينسب إلى جده.

قال مضر بن محمد عن ابن معين: ثقة، وقال الدوري عن ابن معين: ليس بشيء، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، وقال ابن مسلمة: ثقة سكن مكة، وقال في "التقريب": صدوق ربما وهم من العاشرة، مات سنة أربعين، أو إحدى وأربعين ومئتين. يروي عنه:(ق).

قال: (حدثنا القاسم بن نافع) المدني السوارقي - بضم المهملة وفتح الواو وكسر المهملة بعد الألف - نسبة إلى السوارقية؛ قرية من قرى المدينة. روى عن: الحجاج بن أرطاة، ويروي عنه:(ق)، ويعقوب بن حميد بن كاسب، له عند ابن ماجه حديث عمرو بن شعيب في الطائفة الظاهرة. انتهى "تهذيب"، وقال في "التقريب": مستور، من التاسعة.

ص: 74

قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ،

===

(قال: حدثنا الحجاج بن أرطاة) - بفتح الهمزة - ابن ثور بن هبيرة بن شراحيل النخعي أبو أرطاة الكوفي القاضي. روى عن: عمرو بن شعيب، ويروي عنه:(م عم).

قال ابن معين: صدوق يدلس عن عمرو بن شعيب، وقال ابن المديني: تركت الحجاج عمدًا ولم أكتب عنه حديثًا قط، وقال أبو حاتم: صدوق يدلس عن الضعفاء، وقال يعقوب بن شيبة: واهي الحديث في حديثه اضطراب كثير، وقال الساجي: كان مدلسًا صدوقًا سيئ الحفظ ليس بحجة، وبالجملة: اتفقوا على ضعفه فهو متروك، وقال في "التقريب": صدوق كثير الخطأ والتدليس، من السابعة، مات سنة (145 هـ).

(عن عمرو بن شعيب) بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص القرشي السهمي أبي إبراهيم المدني. روى عنه: حجاج بن أرطاة، ويروي عنه: أعم).

قال يحيى القطان: إذا روى عنه الثقات .. فهو ثقة يحتج به، وقال علي بن المديني عن يحيى بن سعيد: حديثه عندنا واهي، وقال الميموني: سمعت أحمد بن حنبل يقول: له أشياء مناكير، وإنما يكتب حديثه يعتبر به، وأما أن يكون حجة .. فلا، وقال الآجري: قلت لأبي داوود: عمرو بن شعيب عندك حجة؟ قال: لا، ولا نصف حجة، وقال الدوري: لعمرو بن شعيب ثلاثة أجداد الأدنى منهم محمد، ومحمد لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم، ومن جده عبد الله، فإذا بيَّنه وكشف .. فهو صحيح حينئذ، ولم يترك حديثه أحد. انتهى من "التهذيب"، وقال في "التقريب": صدوق، من الخامسة، مات سنة (118 هـ) ثماني عشرة ومئة.

ص: 75

عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَامَ مُعَاوِيَةُ خَطِيبًا فَقَالَ: أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ؟ أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ؟ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا وَطَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ، لَا يُبَالُونَ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلَا مَنْ نَصَرَهُمْ".

===

(عن أبيه) شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمر القرشي المدني، قال في "التقريب": صدوق، من الثالثة. يروي عنه:(عم).

(قال) أبوه شعيب بن محمد: (قام) فينا (معاوية) بن أبي سفيان القرشي الأموي الشامي الصحابي الجليل رضي الله تعالى عنهما حالة كونه (خطيبًا) وواعظًا للناس.

وهذا السند من سداسياته؛ رجاله أربعة منهم مد نيون، وواحد شامي، وواحد كوفي، وحكمه: الضعف؛ لأن معظم رجاله ضعفاء، كما بينا آنفًا.

(فقال) معاوية: (أين علماؤكم) يا أهل المدينة يصدقوني فيما أقول؟ (أين علماؤكم)؟ كرره للتأكيد، (فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تقوم الساعة)؛ أي: القيامة في حال من الأحوال (إلا وطائفة) أي: إلا والحال أن طائفة (من أمتي ظاهرون) أي: غالبون (على) من خالفهم من (الناس) بالحجج والأدلة، أو بالسيوف والأسنة، حالة كونهم (لا يبالون) ولا يكترثون (من خذلهم) وأهانهم بترك نصرهم بالحزن على خذلانهم إياهم، (ولا) يبالون (من نصرهم) وأعانهم على عدوهم بالفرح بنصرهم، بل هم متوكلون على الله لا يلتفتون إلى أحد من خلقه.

وهذا الحديث انفرد ابن ماجه، ودرجته: أنه ضعيف (1)(1)؛ لأن معظم رجاله ضعفاء، وغرضه بسوقه: الاستئناس به للترجمة؛ لأنه لا يصلح للاستدلال ولا للاستشهاد.

* * *

ص: 76

(8)

-8 - (8) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ، عَنْ قَتَادَةَ،

===

ثم استشهد المؤلف سادسًا لحديث أبي هريرة بحديث ثوبان رضي الله تعالى عنهما، فقال:

(8)

- 8 - (8)(حدثنا هشام بن عمار) السلمي أبو الوليد الدمشقي، صدوق، من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (245 هـ). يروي عنه:(خ عم).

قال: (حدثنا محمد بن شعيب) بن شابور الأموي مولاهم أبو عبد الله الدمشقي أحد الكبار، روى ابن المبارك عن محمد بن شعيب، فقال: أخبرنا الثقة من أهل العلم محمد بن شعيب، وقال ابن عمار ودحيم: ثقة، وقال العجلي: شامي ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب": صدوق صحيح الكتاب، من كبار التاسعة، مات سنة مئتين (200 هـ). يروي عنه:(عم).

قال: (حدثنا سعيد بن بشير) الأزدي مولاهم أبو عبد الرحمن الشامي.

قال أبو مسهر: ضعيف منكر الحديث، وقال الميموني: رأيت أبا عبد الله يضعف أمره، وقال الدوري عن ابن معين: ليس بشيء، وقال الدارمي عن ابن معين: ضعيف، وقال علي بن المديني: كان ضعيفًا، وقال محمد بن عبد الله بن نمير: منكر الحديث ليس بشيء ليس بقوي الحديث، يروي عن قتادة المنكرات، وقال في "التقريب": ضعيف، من الثامنة، مات سنة ثمان أو تسع وستين ومئة (169 هـ). يروي عنه (عم).

(عن قتادة) بن دعامة بن قتادة السدوسي أبي الخطاب البصري أحد الأئمة الأعلام، قال في "التقريب": ثقة ثبت، رأس الطبقة الرابعة، مات كهلًا سنة بضع عشرة ومئة. يروي عنه:(ع).

ص: 77

عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ، عَنْ ثَوْبَانَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"لَا يَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ مَنْصُورِينَ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ عز وجل".

===

(عن أبي قلابة) عبد الله بن زيد بن عمرو بن عامر الجرمي - بجيم - البصري أحد الأئمة الأعلام، قال في "التقريب": ثقة فاضل كثير الإرسال، من الثالثة، مات بالشام هاربًا من القضاء سنة أربع ومئة (104 هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه:(ع).

(عن أبي أسماء) عمرو بن مرثد الرَّحَبِيُ - بفتح المهملتين - نسبة إلى رحبة دمشق؛ قرية بينها وبين دمشق ميل الدمشقي، وثقه العجلي، وقال في "التقريب": ثقة، من الثالثة، مات في خلافة عبد الملك بن مروان. يروي عنه:(م عم).

(عن ثوبان) بن بُجْدُد الهاشمي مولاهم؛ مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي عبد الله الشامي رضي الله تعالى عنه، اشتراه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أعتقه، خدم النبي صلى الله عليه وسلم إلى وفاته، ولازمه سفرًا وحضرًا، ثم نزل الشام، له مئة وسبعة وعشرون حديثًا. روى عنه:(م عم)، وقال في "التقريب": مات بحمص سنة أربع وخمسين (54 هـ).

وهذا السند من سباعياته؛ رجاله خمسة منهم شاميون، واثنان بصريان، وحكمه: الضعف؛ لأن سعيد بن بشير متفق على ضعفه.

(أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يزال طائفة من أمتي) مستمرين (على الحق منصورين) عليه (لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله عز وجل أي: القيامة.

وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الإمارة، باب (53) الحديث (4927)، كما في "تحفة الأشراف".

ص: 78

(9)

- 9 - (9) حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ قَالَ: سَمِعْتُ مُجَالِدًا يَذْكُرُ عَنِ الشَّعْبِيِّ،

===

فهذا الحديث: صحيح في نفسه؛ لأنه أخرجه الإمام مسلم والترمذي، وسنده ضعيف، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به.

* * *

ثم استشهد المؤلف سابعًا لحديث أبي هريرة بحديث جابر رضي الله تعالى عنهما، فقال:

(9)

- 9 - (9)(حدثنا أبو سعيد) الأشج الكندي (عبد الله بن سعيد) بن حصين الكوفي، ثقة، من صغار العاشرة، مات سنة (257 هـ) سبع وخمسين ومئتين، قال أبو حاتم: هو إمام أهل زمانه. يروي عنه: (ع).

قال: (حدثنا أبو خالد الأحمر) الكوفي سليمان بن حيان الأزدي، وثقه ابن معين وابن المديني، وقال في "التقريب": صدوق يخطئ، من الثامنة، مات سنة تسع وثمانين ومئة (189 هـ). يروي عنه:(ع).

(قال) أبو خالد: (سمعت مجالدًا) - بضم الميم وتخفيف الجيم - ابن سعيد بن عمير الهمداني أبا عمرو الكوفي. روى عن: الشعبي، ويروي عنه:(م عم)، (م) بالمقارنة.

وقال ابن معين: ضعيف واهي الحديث، وقال البخاري: كان يحيى بن سعيد يضعفه، وكان ابن مهدي لا يروي عنه، وكان أحمد بن حنبل لا يراه شيئًا، وبالجملة: اتفقوا على ضعفه، وقال في "التقريب": ليس بالقوي، وقد تغير في آخر عمره، من صغار السادسة، مات سنة أربع وأربعين ومئة (144 هـ).

أي: سمعت مجالدًا حالة كونه (يذكر) ويروي (عن الشعبي) عامر بن

ص: 79

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَخَطَّ خَطًّا وَخَطَّ خَطَّيْنِ عَنْ يَمِينِهِ، وَخَطَّ خَطَّيْنِ عَنْ يَسَارِ؛ ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ فِي الْخَطِّ الْأَوْسَطِ فَقَالَ: "هَذَا سَبِيلُ اللهِ،

===

شراحيل الحميري أبي عمرو الكوفي الإمام العلم، ولد لست سنين خلت من خلافة عمر، قال أبو مجلز: ما رأيت فيهم أفقه من الشعبي، وقال في "التقريب": ثقة فقيه فاضل مشهور، من الثالثة، مات بعد المئة، وله ثمانون سنة. يروي عنه:(ع).

(عن جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حرام الأنصاري السلمي - بفتحتين - أبي عبد الرحمن أو أبي عبد الله المدني الصحابي ابن الصحابي رضي الله تعالى عنهما، له ألف وخمس مئة وأربعون حديثًا، اتفقا على ثمانية وخمسين، انفرد البخاري بستة وعشرين، ومسلم بستة وعشرين ومئة حديث.

وهذا السند من خماسياته، ومن لطائفه: أن رجاله كلهم كوفيون إلا جابر بن عبد الله؛ فإنه مدني، وفيه: التحديث والسماع والعنعنة، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه راويًا متفقًا على ضعفه؛ وهو مجالد بن سعيد.

(قال) جابر: (كنا) جالسين (عند النبي صلى الله عليه وسلم، فخط) رسول الله صلى الله عليه وسلم (خطًا) طويلًا؛ أي: سطر على الأرض بعود في يده سطرًا طويلًا، (وخط خطين عن يمينه) أي: سطر عن يمين ذالك الخط الأوسط خطين؛ أي: سطرين، (وخط خطين) أيضًا (عن يساره) أي: يسار ذلك الخط الأوسط؛ تمثيلًا لهم بالطريق المستقيم والطرق المعوجة.

(ثم وضع) صلى الله عليه وسلم (يده) الشريفة (في الخط الأوسط) أي: على السطر الأوسط الذي سطره أولًا، (فقال: هذا) الخط الأوسط الطويل (سبيل الله) سبحانه وتعالى؛ أي: مثال سبيله تعالى الموصلة إلى رضاه المقربة

ص: 80

ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} ".

===

للسالك فيها إليه تعالى، والمراد بها الدين القويم والصراط المستقيم الذي لا اعوجاج فيه، والخطوط التي على يمينه ويساره مثال الطرق المعوجة التي هي سبل الشيطان الرجيم.

ومقصوده بهذا التمثيل: توضيح حال الدين وحال السالك فيه، وأنه لا ينبغي له أن يميل عنه أدنى ميل؛ فإنه بأدنى ميل يقع في طرق الضلال؛ لقربها واشتباهها عليه.

(ثم تلا) وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم لبيان أن باقي الخطوط مثل للسبل المعوجة المعوقة عنه تعالى .. (هذه الآية) التي سنذكرها لك؛ وهي قوله: {وَأَنَّ هَذَا} الذي بينه الرسول صلى الله عليه وسلم من دين الإسلام .. {صِرَاطِي} أي: ديني، حالة كونه {مُسْتَقِيمًا} أي: سويًا لا اعوجاج فيه، {فَاتَّبِعُوهُ} أي: هذا الصراط، {وَلَا تَتَّبِعُوا} أيها المكلفون {السُّبُلَ} أي: الطرق المخالفة لدين الإسلام {فَتَفَرَّقَ بِكُمْ} أي: فتميل بكم هذه السبل المخالفة {عَنْ سَبِيلِهِ} (1)؛ أي: عن سبيل الله الذي لا عوج فيه؛ وهو دين الإسلام.

وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، كما في "التحفة"، ولكن له شاهد من حديث ابن مسعود رضي الله عنه، قال: "خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطًا مربعًا، وخط خطًا في الوسط خارجًا منه

" الحديث، أخرجه البخاري في الرقائق عن صدقة بن الفضل، والترمذي في الزهد عن ابن بشار، والنسائي في الرقائق في "الكبرى" عن عمرو بن علي، وابن ماجه في الزهد

(1) سورة الأنعام: (153).

ص: 81

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

===

عن أبي بشر بكر بن خلف وأبي بكر بن خلاد الباهلي، خمستهم عن يحيى بن سعيد عن سفيان الثوري عن أبيه عن أبي يعلى منذر الثوري عن ابن مسعود بهذا الحديث، وقال الترمذي: صحيح.

فدرجته: أنه صحيح لغيره؛ لأن له شاهدًا، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة.

وفي بعض النسخ إسقاط حديث جابر هذا مع سنده، والله أعلم.

* * *

وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: أحد عشر حديثًا:

الأول للاستدلال، والثاني والثالث للمتابعة، والتاسع للاستئناس، والبواقي للاستشهاد.

وكلها صحيحة إلا الحديث التاسع؛ وهو حديث معاوية بن أبي سفيان؛ فإنه ضعيف؛ لأن معلى رجاله ضعفاء، ومع ذالك انفرد به ابن ماجه، وإن كان صحيح المعنى، ولم ينبه عليه السندي ولا الألباني، فلا تغتر بِعَدِّهِ في الصحاح، فتدبر.

والله سبحانه وتعالى أعلم

ص: 82