الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(8) - (8) - بَابُ اجْتِنَابِ الرَّأْيِ وَالْقِيَاسِ
(50)
- 50 - (1) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ وَعَبْدَةُ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ
===
(8)
- (8) - (باب اجتناب الرأي والقياس)
أي: هذا باب معقود في ذكر الأحاديث الدالة على وجوب اجتناب الحكم في الدين بالرأي والظن بلا مستند، واجتناب الحكم بالقياس؛ أي: بقياس الشيء على غيره مع وجود الفارق بينهما.
* * *
(50)
- 50 - (1)(حدثنا أبو كريب) محمد بن العلاء الهمداني الكوفي.
قال: (حدثنا عبد الله بن إدريس) بن يزيد بن عبد الرحمن الأودي -بسكون الواو- أبو محمد الكوفي، ثقة فقيه عابد، من الثامنة، مات سنة اثنتين وتسعين ومئة (192 هـ). يروي عنه:(ع).
(وعبدة) بن سليمان الكلابي أبو محمد الكوفي، ثقة ثبت، من صغار الثامنة، مات سنة سبع وثمانين ومئة، وقيل بعدها. يروي عنه:(ع).
(وأبو معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي مولاهم الكوفي، ثقة أحفظ الناس لحديث الأعمش، من كبار التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (195 هـ). يروي عنه:(ع).
(وعبد الله بن نمير) الهمداني أبو هشام الكوفي، ثقة صاحب حديث، من كبار التاسعة، مات سنة تسع وتسعين ومئة (199 هـ). يروي عنه:(ع).
(ومحمد بن بشر) العبدي أبو عبد الله الكوفي، ثقة حافظ، من التاسعة، مات سنة ثلاث ومئتين (203 هـ). يروي عنه:(ع).
ح وَحَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَحَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ وَشُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ،
===
فجملة من روى عنه أبو كريب خمسة، (ح) أي: حول المؤلف السند.
(و) قال: (حدثنا سويد بن سعيد) بن سهل الحدثاني: نسبة إلى حدثان؛ بلدة على الفرات، صدوق، من قدماء العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (240 هـ). يروي عنه:(م ق).
قال: (حدثنا علي بن مسهر) القرشي الكوفي، ثقة، من الثامنة، مات سنة تسع وثمانين ومئة (189 هـ). يروي عنه:(ع).
(ومالك بن أنس) بن مالك الأصبحي أبو عبد الله المدني، ثقة ثبت إمام حجة، من السابعة، مات سنة تسع وسبعين ومئة (179 هـ). يروي عنه:(ع).
(وحفص بن ميسرة) العقيلي -مصغرًا- أبو عمرو الصنعاني ثم العسقلاني، ثقة، ربما وهم، من الثامنة، مات سنة إحدى وثمانين ومئة (181 هـ). يروي عنه:(خ م س ق).
(وشعيب بن إسحاق) بن عبد الرحمن الأموي مولاهم البصري ثم الدمشقي، ثقة رمي بالإرجاء، من كبار التاسعة، مات سنة تسع وثمانين ومئة (189 هـ). يروي عنه:(خ م د س)، فجملة من روى عنه سويد أربعة، كل هؤلاء التسعة رووا:
(عن هشام بن عروة) بن الزبير الأسدي أبي المنذر المدني، ثقة فقيه ربما دلس، من الخامسة، مات سنة خمس أو ست وأربعين ومئة. يروي عنه:(ع).
(عن أبيه) عروة بن الزبير الأسدي أبي عبد الله المدني أحد الفقهاء السبعة، ثقة فقيه مشهور، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين (94 هـ) على الصحيح. يروي عنه:(ع).
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ،
===
(عن عبد الله بن عمرو بن العاهـ) بن وائل السهمي أبي محمد المدني رضي الله تعالى عنهما، أحد السابقين إلى الإسلام، وأحد المكثرين من الصحابة، وأحد العبادلة الفقهاء، له سبع مئة حديث؛ اتفقا على سبعة عشر، وانفرد (خ) بثمانية، و (م) بعشرين.
وهذان السندان من خماسياته؛ الأول منهما رجاله ثلاثة منهم مدنيون، واثنان كوفيان، والثاني منهما: رجاله أربعة منهم مدنيون، وواحد حدثاني، أو ثلاثة منهم مدنيون، وواحد حدثاني، وواحد إما كوفي أو عسقلاني أو بصري، وحكمهما: الصحة، لأن رجالهما كلهم ثقات.
أي: حدثنا عبد الله بن عمرو بن العاص (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله لا يقبض العلم) أي: لا يمحو العلم من صدور العلماء، أو يرفعه إلى السماء (انتزاعًا) أي: محوًا دفعة، فانتزاعًا مصدر معنوي لقبض من غير لفظه لبيان النوع؛ نحو رجع القهقرى، وجملة قوله:(ينتزعه من الناس) مستأنفة لبيان القبض؛ أي: لا ينتزعه من صدور الناس انتزاعًا، ولا يرفعه من قلوبهم وهم أحياء، وقيل: جملة ينتزعه صفة لانتزاعًا، والظاهر أن ضميره للعلم، فلا يصلح أن يكون صفة للانتزاع؛ لعدم الرابط، فليتأمل.
ويحتمل أن يكون انتزاعًا مصدرًا لينتزع، قدم على فعله، وجملة ينتزع حال من فاعل يقبض أو مفعوله. انتهى "السندي".
أي: إن الله سبحانه وتعالى لا يقبض العلم قبضًا حالة كونه ينتزعه من صدور الناس وهم أحياء، أو إن الله لا يقبض العلم قبضًا حالة كونه منتزعًا مقبوضًا من صدورهم وهم أحياء، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وَلكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ؛ فَإِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا .. اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ
===
قال الحافظ في "الفتح": وكان تحديث النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في حجة الوداع، كما رواه أحمد والطبراني من حديث أبي أمامة، قال: لما كان في حجة الوداع .. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "خذوا العلم قبل أن يقبض أو يرفع"، فقال أعرابي: كيف يرفع؟ فقال: "ألا إن ذهاب العلم ذهاب حملته" ثلاث مرات. قال ابن المنير: محو العلم من الصدور جائز في القدرة إلا أن هذا الحديث دل على عدم وقوعه. انتهى.
(ولكن يقبض) الله سبحانه وتعالى (العلم) والمراد: به العلم الديني لا الدنيوي (بقبض) أرواح (العلماء) وموت حملته، وإنما عبر بالمظهر في قوله:"يقبض العلم" في موضع المضمر؛ لزيادة تعظيم المظهر؛ كما في قوله سبحانه وتعالى: {اللَّهُ الصَّمَدُ} (1) بعد قوله: {اللَّهُ أَحَدٌ} (2)؛ أي: يقبضه حتى لم يبق عالمًا على الأرض، (فإذا لم يبق) -بضم المثناة التحتية وكسر القاف- من الإبقاء، وفيه ضمير يعود على (الله) أي: فإذا لم يبقِ الله سبحانه وتعالى (عالمًا) على الأرض .. (اتخذ الناس) بالرفع على الفاعلية (رؤوسًا جهالًا) -بالضم والتشديد والنصب- صفة لسابقه؛ أي: قدموا للاستفتاء في أمور الدين رؤساء جاهلين بأحكامه.
(فسئلوا) أولئك الرؤساء الجهال عن حكم من أحكام الدين -بضم السين بالبناء للمفعول- أي: فسألهم السائل عنه، (فأفتوا) له؛ أي: أجابوا له (بغير علم) بما يفتون به، يقال: لا يلزم منه مذمة الرأي؛ لجواز أنهم يفتون فيه بلا
(1) سورة الإخلاص: (2).
(2)
سورة الإخلاص: (1).
فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا".
(51)
- 51 - (2) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ،
===
رأي بمجرد التهور والتشهي، وبالجملة: فلا دليل فيه على أن الرأي المعتبر عند الفقهاء مذموم، (فضلوا) من الضلال؛ أي: فضلوا في أنفسهم بالفتوى بلا علم، (وأضلوا) أتباعهم السائلين الآخذين بفتواهم، من الإضلال، واستدل به الجمهور على جواز خُلوِّ الزمان عن مجتهد، خلافًا للحنابلة.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب العلم، باب كيف يُقبض العلم، الحديث (100)، وفي كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يذكر من ذمِّ الرأي وتكلف القياس، الحديث (7307) بنحوه، ومسلم في كتاب العلم، باب (5)، الحديث (6737)، والحديث (6738)، والترمذي في كتاب العلم، باب ما جاء في ذهاب العلم، الحديث (2652).
ودرجته: أنه في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث عبد الله بن عمرو بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(51)
- 51 - (2)(حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي، من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (235 هـ). يروي عنه:(خ م د س ق).
قال: (حدثنا عبد الله بن يزيد) المقرئ أبو عبد الرحمن القرشي العدوي مولى آل عمر بن الخطاب المكي، أصله من ناحية البصرة، سكن مكة. روى
عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي أَبُو هَانِئٍ حُمَيْدُ بْنُ هَانِئٍ الْخَوْلَانِيُّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَفْتَى بِفُتْيَا غَيْرَ ثَبَتِ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ".
===
عن: سعيد بن أبي أيوب، ويروي عنه:(ع)، وأبو بكر بن أبي شيبة. ثقة فاضلٌ، من التاسعة، مات سنة ثلاث عشرة ومئتين (213 هـ).
(عن سعيد بن أبي أيوب) اسمه مِقْلاصٌ -بكسر الميم وسكون القاف آخره صاد مهملة- الخزاعي مولاهم أبي يحيى المصري، ثقة ثبت، من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومئة (161 هـ)، وقيل غير ذلك. يروي عنه:(ع).
قال: (حدثني أبو هاني حميد بن هاني الخولاني) المصري، لا بأس به، من الخامسة، مات سنة اثنتين وأربعين ومئة (142 هـ). يروي عنه:(م عم).
(عن أبي عثمان مسلم بن يسار) المصري الأنصاري مولاهم، وثقه ابن حبان، وقال في "التقريب": مقبول، من الرابعة. يروي عنه:(م دت ق).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته؛ رجاله ثلاثة منهم مصريون، وواحدٌ مدني، وواحد مكي، وواحد كوفي، وحكمه: الحسن؛ لأن حميد بن هانئ لا بأس به، ومسلم بن يسار مقبول.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أفتى) -بالبناء للفاعل- أي: من أفتى وأجاب للسائل (بفتيا غير ثبت) أي: بإجابة غير صواب؛ بأن كانت خطأ، وعمل السائل بها .. (فإنما إثمه) أي: إثم تلك الفتوى (على من أفتاه) أي: على من استفتاه وسأله، وأفتى الأول على معناه، والثاني بمعنى الاستفتاء؛ أي: كان إثمه على من استفتاه؛ لأنه جعله في معرض الإفتاء بسؤاله، وهذا إذا كان المفتي معلومًا بالجهل وبالفتوى به،
(52)
- 52 - (3) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ،
===
فلا يجوز للمستفتي حينئذ سؤاله مع علمه بجهله؛ فالإثم يكون على المستفتي لا على المفتي.
ويحتمل بناء (أفتى) للمفعول، والمعني حينئذ: من أُفتي؛ أي: من أوقع في خطأ بفتيا غير ثبتٍ؛ أي: غير صواب إذا قرأنا ثبت بفتحتين، أو من أوقع في خطأ بفتيا غير عالم إذا قرأناه بفتح المثلثة وسكون الباء؛ لأن الثبت -بفتحتين- العدل والصواب، وبسكون الباء: العالم المتقن والعدل الضابط؛ أي: من وقع في خطأ بفتوى غير عالم .. فلا إثم على مُتَّبع ذلك العالم الجاهل؛ (فإنما إثمه) أي: فإنما إثم ذلك الخطأ (على من أفتاه) أي: على ذلك المفتي الجاهل؛ لأنه أوقعه في الخطأ، وهذا إذا لم يكن الخطأ في محل الاجتهاد بأن كان في محل فيه نصٌّ، أو كان في محله إلا أنه وقع في الخطأ؛ لعدم بلوغه في الاجتهاد حقه؛ وذلك بأن سأله عن طلاقه زوجته هل هو رجعي أو بائن، فأفتاه بأنه رجعي وراجعها واستمتع بها بعد انقضاء العدة، والحال أن الطلاق بائن، فإثم ذلك الاستمتاع على المفتي لا على الواطئ.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب العلم، باب التوقي في الفتيا، الحديث (3657).
ودرجته: أنه حسن؛ لأن رجال سنده واحد منهم لا بأس به، وواحد مقبول، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث عبد الله بن عمرو بحديث آخر له رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(52)
- 52 - (3)(حدثنا محمد بن العلاء) بن كريب (الهمداني)
حَدَّثَنِي رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ وَجَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ أَنْعُمٍ هُوَ الْإِفْرِيقِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو
===
بسكون الميم الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة سبع وأربعين ومئتين (247 هـ). يروي عنه:(ع).
قال: (حدثني رشدين بن سعد) -بكسر الراء وسكون المعجمة- ابن مفلح المهري -بفتح الميم وسكون الهاء- أبو الحجاج المصري، ضعيف، رجح أبو حاتم عليه ابن لهيعة، وقال ابن يونس: كان صالحًا في دينه، فأدركته غفلة الصالحين، فخلط في الحديث، من السابعة، مات سنة ثمان وثمانين ومئة (188 هـ)، وله ثمان وسبعون سنة. يروي عنه:(ت ق).
(وجعفر بن عون) بن جعفر بن عمرو بن حريث أبو عون الكوفي المخزومي، وثقه أحمد وابن معين، وقال في "التقريب": صدوق، من التاسعة، مات سنة سبع ومئتين (207 هـ). يروي عنه:(ع)، وفائدة هذه المقارنة تقوية السند.
(عن) عبد الرحمن بن زياد (بن أنعم) بفتح أوله وسكون النون وضم المهملة (هو الإفريقي) قاضيها، ضعيف في حفظه، من السابعة، مات سنة ست وخمسين ومئة (156 هـ)، وكان رجلًا صالحًا. يروي عنه:(د ت ق).
(عن عبد الرحمن بن رافع) التنوخي المصري قاضي إفريقية، ضعيف، من الرابعة، مات سنة ثلاث عشرة ومئة (113 هـ)، ويقال بعدها. يروي عنه:(دت ق).
(عن عبد الله بن عمرو) بن العاص رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته؛ رجاله ثلاثة منهم مصريون، وواحد مدني، وواحد كوفي، وحكمه: الضعف؛ لأن ثلاثة منهم ضعفاء.
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "الْعِلْمُ ثَلَاثَة، فَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ فَهُوَ فَضلٌ: آيَةٌ مُحْكَمَةٌ، أَوْ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ، أَوْ فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ".
===
(قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: العلم ثلاثة) أي: أصل علوم الدين ثلاثة، (فما وراء ذلك) أي: فما سوى ذلك المذكور من الثلاثة .. (فهو فضل) زائد؛ يعني: كل علم سوى هذه العلوم الثلاثة وما يتعلق بها مما يتوقف عليه هذه الثلاثة؛ كالنحو والصرف والبلاغة واللغة، أو ما يستنبط منها؛ كعلمي الأصول والاصطلاح .. فهو زائد لا ضرورة في معرفته؛ إحداها:(آية محكمة) أي: غير منسوخة، أي: علمها؛ يعني: علمي التفسير والقراءة؛ فالنكرة عامة في الإثبات؛ كقوله تعالى: {عَلِمَتْ نَفْسٌ} (1) والمضاف مقدر قبلها.
وكذا قوله: (أو سنة قائمة) أي: ثابتة إسنادًا؛ بأن تكون صحيح النسبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو حكمًا؛ بألا تكون منسوخة، (أو فريضة عادلة) في القسم، والمراد بالفريضة: كل حكم من أحكام الفرائض يحصل به العدل في قسمة التركات بين الورثة، وقيل: المراد بالفريضة كل ما يجب العمل به، وبالعادلة: المساوية لما يؤخذ من القرآن والسنة في وجوب العمل بها، فهذا إشارة إلى الإجماع والقياس، وكلام المصنف مبني على المعنى الأول إن قصد إبطال الرأي المصطلح عليه بين الفقهاء، وفيه نظر؛ لما ذكرنا في معنى (وما سوى ذلك فضل) فلعله أراد إبطال الرأي بمعنى الحكم بمجرد الهوى، والله أعلم. انتهى "السندي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الفرائض، باب ما جاء في تعليم الفرائض، الحديث (2885).
(1) سورة الانفطار: (5).
(53)
- 53 - (4) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ حَمَّادٍ سَجَّادَةُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَمَوِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ،
===
ودرجته: أنه حسن؛ لأن له شاهدًا من رواية أبي داوود عن أحمد بن عمرو بن السرح عن ابن وهب، وإن كان سنده ضعيفًا، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استأنس المؤلف للترجمة بحديث معاذ بن جبل رضي الله عنه، فقال:
(53)
- 53 - (4)(حدثنا الحسن بن حماد) بن كسيب -بالمهملة وآخره موحدة مصغرًا- الحضرمي أبو علي البغدادي يلقب (سجادة)، صدوق، من العاشرة، مات سنة إحدى وأربعين ومئتين (241 هـ). يروي عنه:(دس ق).
قال: (حدثنا يحيى بن سعيد) بن أبان بن سعيد بن العاص (الأموي) أبو أيوب الكوفي، نزيل بغداد، لقبه الجمل بالجيم، صدوق يغرب، من كبار التاسعة، مات سنة أربع وتسعين ومئة (194 هـ)، وله ثمانون سنة. يروي عنه:(ع).
(عن محمد بن سعيد بن حسان) بن قيس الأسدي أبي عبد الرحمن الشامي المصلوب، ويقال له: ابن سعيد بن عبد العزيز، أو ابن أبي عتبة، أو ابن أبي قيس، أو ابن أبي حسان، ويقال: ابن الطبري، وقيل: إنهم قلبوا اسمه على مئة وجه؛ ليخفى.
كذبوه، وقال أحمد بن صالح: وضع أربعة آلاف حديث، وقال أحمد: قتله المنصور على الزندقة وصلبه، من السادسة. يروي عنه:(ت ق).
(عن عبادة) بضم العين (بن نسي) -بضم النون وفتح المهملة الخفيفة وتشديد الياء- الكندي، أبي عمر الشامي قاضي طبرية؛ بلدة بالأردن، ثقة فاضل، من الثالثة، مات سنة ثماني عشرة ومئة (118 هـ). يروي عنه:(عم).
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ قَالَ: لَمَّا بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْيَمَنِ قَالَ: "لَا تَقْضِيَنَّ وَلَا تَفْصِلَنَّ إِلَّا بِمَا تَعْلَمُ، وإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْكَ أَمْرٌ .. فَقِفْ
===
(عن عبد الرحمن بن غنم) -بفتح المعجمة وسكون النون- الأشعري، مختلف في صحبته.
وذكره العجلي في كبار الثقات، مات سنة ثمان وسبعين (78 هـ)، وقال يعقوب بن شيبة: مشهور من ثقات الشاميين، وقد حدث عن غير واحد من الصحابة، وأدرك عمر وسمع منه، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: زعموا أن له صحبة، وليس ذلك بصحيح عندي، وقال العجلي: شامي تابعي ثقة من كبار التابعين، وكان له جلالة وقدر. روى عنه:(عم).
(حدثنا معاذ بن جبل) بن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي أبو عبد الرحمن المدني الصحابي الجليل رضي الله تعالى عنه، أسلم وهو ابن ثماني عشرة سنة، وشهد بدرًا والمشاهد، له مئة وسبعة وخمسون حديثًا؛ اتفقا على حديثين، وانفرد (خ) بثلاثة، و (م) بحديث.
وهذا السند من سداسياته؛ رجاله ثلاثة منهم شاميون، وواحد مدني، وواحد بغدادي، وواحد كوفي، وحكمه: الضعف؛ لأن في رجاله راويًا كذابًا وضاعًا.
(قال) معاذ: (لما بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن) للدعوة إلى الدين وتعليمه .. (قال) رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تقضين) يا معاذ، نهيٌ مؤكد بالنون الثقيلة من القضاء، أي: لا تقضين بين الخصوم (ولا تفصلن) بين المتحاكمين من الفصل وعطفه على ما قبله قريب من التفسير (إلا بما تعلم) من الكتاب أو السنة (وإن أشكل) واشتبه (عليك أمر) أي: حكم من الأحكام التي سئلت عنها .. (فقف) أي: توقف عن القضاء
حَتَّى تَبَيَّنَهُ، أَوْ تَكْتُبَ إِلَيَّ فِيهِ".
===
والفصل بين الناس في حال إشكاله عليك (حتى تبينه) أي: حتى تعلم بيانه أو وجهه من الكتاب أو السنة (أو) حتى (تكتب إلي) رسالة (فيه) أي: فيما أشكل عليك، فتعلم بيانه مني.
وهذا الحديث مما انفرد به المؤلف، ودرجته: أنه ضعيف (8)(8)؛ لأن في سنده محمد بن سعيد بن حسان، وهو متروك الحديث، وغرضه بسوقه: الاستئناس به.
وفي بعض نسخ ابن ماجه بعد تخريج الحديث: قال أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان: هذا حديث ضعيف، وأمر أن يضرب عليه، وقال أبو إسحاق: محمد بن سعيد بن حسان زنديق، سمعت أبا حاتم يقول: حضرت أحمد بن عبد الله بن يونس وهو يحدث عن أبي بكر بن عياش عن محمد بن سعيد، فقلت: إن محمد بن سعيد زنديق، فغضب، وقال: وكان أبو بكر يحدث عن زنديق؟ ! كان يقول -أي: أبو حاتم-: إن أحمد ابن يونس كان لين الجانب لم يعرف مثل هذه الأشياء، أو كما قال. انتهى.
قلت: وهو أيضًا معارض بالحديث المشهور على الألسنة؛ أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: "كيف تقضي؟ " قال: بكتاب الله، قال:"فإن لم تجد فيه؟ " قال: فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:"فإن لم تجد فيها ولا في كتاب الله؟ " قال: أجتهد، فقال:"الحمد لله الذي وفق رسول رسوله لما هو من رسوله". وقد أخرجه أبو داوود والترمذي، وفي سنده مجاهيل، وقد أورده ابن الجوزي في "الموضوعات"، قال السيوطي: هو موقوف، وبالجملة: فذلك أحسن من هذا. انتهى من "السندي".
* * *
(54)
- 54 - (5) حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أبْنُ أَبِي الرِّجَالِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍ والْأَوْزَاعِيِّ،
===.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثالثًا لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص بحديث آخر له رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(54)
- 54 - (5)(حدثنا سويد بن سعيد) بن سهل الهروي الحدثاني، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (240 هـ). يروي عنه:(م ق).
قال: (حدثنا) عبد الرحمن (بن أبي الرجال) محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حارثة بن النعمان بن نفيع بن زيد بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار، الأنصاري النجاري المدني، كان ينزل بعض ثغور الشام. روى عن: أبيه، وأخيه حارثة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، والأوزاعي، وابن أبي ذئب، وغيرهم، ويروي عنه: سويد بن سعيد، وأبو نعيم، وعبد الله بن يوسف، وغيرهم.
قال أحمد وابن معين والمفضل الغلابي والدارقطني: ثقة، وقال ابن معين أيضًا وأبو داوود: ليس به باس، وذكره ابن حبان في"الثقات"، وقال: ربما أخطأ، وقال البرذعي: سألت أبا زرعة عن عبد الرحمن وأخيه حارثة، فقال: عبد الرحمن أشبه، وحارثة واهي الحديث، وقال أبو حاتم: صالح هو مثل عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. انتهى من "التهذيب".
وقال في "التقريب": صدوق ربما أخطأ، من الثامنة. يروي عنه:(عم) انتهى، فلا تغتر بما ذكره السندي هنا، فهو سبق قلم أو سهو منه؛ لأن الذي يروي عن الأوزاعي ويروي عنه سويدُ بن سعيد هو عبد الرحمن بن أبي الرجال لا أخوه حارثة بن أبي الرجال؛ لأنه متفق على ضعفه، والله أعلم.
(عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي) أبي عمرو الشامي الإمام العلم الفقيه.
عَنْ عَبْدَةَ بْنِ أَبِي لُبَابَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "لَمْ يَزَلْ أَمْرُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُعْتَدِلًا حَتَّى نَشَأَ فِيهِمُ الْمُوَلَّدُونَ؛
===
قال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا فاضلًا كثير الحديث والعلم والفقه، وقال في "التقريب": ثقة جليل، من السابعة، مات في الحمام سنة سبع وخمسين ومئة (157 هـ). يروي عنه:(ع).
(عن عبدة بن أبي لبابة) الأسدي مولاهم -ويقال: مولى قريش- أبي القاسم البزاز الكوفي الفقيه، نزيل دمشق. روى عن: عبد الله بن عمرو، وابن عمر، وزر بن حُبيش، وأبي وائل، ومجاهد، وغيرهم، وأرسل عن عمر في (م)، ويروي عنه:(خ م ت س ق)، والأوزاعي، والأعمش، وابن جريج، وشعبة، والسفيانان، وغيرهم.
وثقه أبو حاتم، والنسائي، وابن خراش، وقال العجلي: كوفي ثقة، وقال يعقوب بن سفيان: من ثقات أهل الكوفة، وقال في "التقريب": ثقة، من الرابعة.
(عن عبد الله بن عمرو بن العاص) بن وائل السهمي أبي محمد المدني رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته؛ اثنان منهم مدنيان، وواحد كوفي، وواحد شامي، وواحد حَدَثاني، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله كلهم ثقات.
(قال) عبد الله بن عمرو: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لم يزل أمر بني إسرائيل) وشأنهم في الدين والدنيا (معتدلًا) أي: مستقيمًا (حتى نشأ) وولد، وفي بعض النسخ:(حتى فشا) وكثر (فيهم المولدون) - بضم الميم وفتح الواو واللام المشددة على صيغة اسم المفعول -أي الأولاد الذين
أَبْنَاءُ سَبَايَا الْأُمَمِ، فَقَالُوا بِالرَّأْيِ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا".
===
ولدوهم من بنات غيرهم، وقوله:(أبناء سبايا الأمم) أي: القبائل غيرهم .. بدل من المولدون، أو عطف بيان له، والمولدون جمع مولد، والمولد: الذي ولد من غير جنسك وقبيلتك؛ كالعرب من الحبشة، والحبشة من العرب مثلًا، كما هو معروف الآن بين الناس، والسبايا جمع سبية كالهدايا جمع هدية؛ وهي المرأة المنهوبة من الأعداء فعيلة بمعنى مفعولة.
(فـ) لما كثر فيهم المولدون (قالوا) أي: قال المولدون (بالرأي) والظن بلا مستند لهم من كتابهم ما شاؤوا، (فضلوا) في أنفسهم عن شريعتهم، (وأضلوا) غيرهم من الأتباع عن دينهم، وفي بعض النسخ: إسقاط هذا الحديث مع سنده.
وهذا الحديث مما انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به.
ولا تغتر بما قاله السندي وما قاله الألباني؛ لأنهما أخطأ افي اسم ابن أبي الرجال، والله أعلم، وهو الهادي إلى الصواب.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: خمسة أحاديث:
الأول للاستدلال، والرابع للاستئناس، والبواقي للاستشهاد.
والله سبحانه وتعالى أعلم