الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(7) - (7) - بَابُ اجْتِنَابِ الْبِدَع وَالْجَدَلِ
(43)
- 43 - (1) حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَحْمَدُ بْنُ ثَابِتٍ الْجَحْدَرِيُّ
===
(7)
- (7) - (باب اجتناب البدع والجدل)
أي: هذا باب معقود في ذكر الأحاديث الدالة على وجوب اجتناب البدع والجدل، والبدع: جمع بدعة.
والبدعة لغة: كل ما ابتدئ واخترع وافتتح من غير مثال سابق، سواء كان من عمل الدنيا أو الدين، وشرعًا: كل ما ابتدئ واستحدث على غير سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم من غير أصل شرعي يشهد لها بالصحة والجواز؛ وهي التي قال فيها الرسول صلى الله عليه وسلم: "من أحدث في أمرنا ما ليس منه .. فهو رد". رواه البخاري ومسلم وأبو داوود وابن ماجه من حديث عائشة رضي الله عنها.
والجدل -بفتحتين- مصدر جدل يجدل جدلًا من باب (فرح)، يقال: جدل الرجل جدلًا إذا اشتدت خصومته، وجادل جدالًا ومجادلة خاصمه، وتجادلا تخاصما، والمراد بالجدل هنا: شدة الخصومة في رد الحق ودفعه.
* * *
(43)
- 43 - (1)(حدثنا سويد بن سعيد) بن سهل الحدثاني: نسبة إلى حدثان؛ موضع على الفرات، صدوق، من العاشرة، وأفحش القول فيه ابن معين، مات سنة أربعين ومئة (140 هـ). يروي عنه:(م ق).
(وأحمد بن ثابت الجحدري) -بفتح الجيم وسكون الحاء وفتح الدال- نسبة إلى جحدر؛ أحد من أجداده، أبو بكر البصري، صدوق، من العاشرة، مات بعد الخمسين ومئتين. يروي عنه:(ق). وفائدة هذه المقارنة تقوية السند.
قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَابِ الثَّقَفِيُّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا خَطَبَ .. احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ،
===
(قالا: حدثنا عبد الوهاب) بن عبد المجيد (الثقفي) أبو محمد البصري، وثقه ابن معين، وقال في "التقريب": ثقة تغير قبل موته بثلاث سنين، من الثامنة، مات سنة أربع وتسعين ومئة (194 هـ). يروي عنه:(ع).
(عن جعفر) الصادق (بن محمد) بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي أبو عبد الله المدني أحد الأعلام، صدوق فقيه إمام، من السادسة، مات سنة ثمان وأربعين ومئة (148 هـ). يروي عنه:(م عم).
(عن أبيه) محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي أبو جعفر المدني المعروف بالباقر، ثقة فاضل، من الرابعة، مات سنة أربع عشرة ومئة (114 هـ). يروي عنه:(ع).
(عن جابر بن عبد الله) الأنصاري السلمي الصحابي المشهور رضي الله عنهما.
وهذا السند من خماسياته؛ ثلاثة منهم مدنيون، واثنان بصريان، أو بصري وحدثاني، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) جابر بن عبد الله: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم غالبًا (إذا خطب) ووعظ الناس .. (احمرت عيناه) أي: غلبت عليها الحمرة حتى سترت بياضهما؛ يفعل ذلك لإزالة الغفلة من قلوب الناس؛ ليتمكن فيها كلامه صلى الله عليه وسلم فضل تمكن، أو لأنه يتوجه فكره إلى الموعظة، فيظهر عليه آثار الهيبة الإلهية، قال القرطبي: كان منه هذا في أحوال، وهذا مشعر بأن الوعظ حقه أن يكون منه في وعظه بحسب الفعل الذي يتكلم فيه ما يطابقه؛ حتى لا يأتي بالشيء وضده ظاهر عليه.
وَعَلَا صَوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضبُهُ كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ:"صَبَّحَكُمْ مَسَّاكُمْ"، وَيَقُولُ:"بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ"،
===
(وعلا) وارتفع (صوته) في وعظه اهتمامًا بشأنه، (واشتد غضبه) أي: ظهر عليه آثار غضبه من حمرة الوجه واحمرار العينين، قال القرطبي: وأما اشتداد غضبه .. فيحتمل أن يكون عند نهيه عن أمر خولف فيه، أو يريد أن صفته صفة الغضبان.
(كأنه) صلى الله عليه وسلم في شدة غضبه هو (منذر جيش) أي: شخص مخوف لقومه هجوم جيش عدو لهم؛ ليحترسوا منه، قال السندي: المنذر هو الذي يجيء مخبرًا للقوم بما قد دهمهم من عدو أو غيره، وجملة قوله:(يقول) ذلك المنذر لقومه .. صفة لمنذر جيش، وضمير الفاعل عائد عليه:(صبحكم) العدو -بتشديد الباء من باب فعل المضعف- أي: أتاكم العدو صباحًا ونزل بكم بغتة، فاحترسوا منه، وقوا أنفسكم من شره، والصباح: أول النهار، والمراد: سينزل بكم، والتعبير بالماضي إشارة إلى تحققه، (مساكلم) العدو -بتشديد السين المهملة كسابقه- أي أتاكم العدو مساء، النجاة النجاة لأنفسكم، والمساء: آخر النهار ويحتمل أن يكون ضمير (يقول) للنبي صلى الله عليه وسلم، والجملة حال من ضمير (كأنه)، وضمير صبحكم ومساكم للعذاب، والمراد: قرب منكم إن لم تطيعوني.
(و) كان (يقول: بعثت) أي: أرسلت إلى الناس كافة في آخر الدنيا، وقوله:(أنا) مبتدأ، وقوله:(والساعة) بالرفع معطوف على المبتدأ، والجار والمجرور في (كهاتين) خبر المبتدأ، والجملة الاسمية حال من فاعل بعثت؛ أي: بعثت في نهاية الدنيا حالة كوني وكون الساعة مقترنين اقترانًا كاقتران هاتين الإصبعين، أو منضمين انضمامًا كانضمامهما؛ يعني: لا واسطة نبي بيني
وَيَقْرُنُ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى، ثُمَّ يَقُولُ: "أَمَّا بَعْدُ:
===
وبينها، فوجه الشبه: هو الانضمام، أو المدة التي هي بيننا قليلة، فوجه الشبه: قلة ما بين رأسي السبابة والوسطئ من التفاوت. انتهى "السندي".
(و) الحال أنه (يقرن) بضم الراء من باب قتل (بين إصبعيه السبابة) سميت سبابة؛ لأنه يشار بها عند السب، ومسبحة؛ لأنه يشار بها إلى تسبيح الله تعالى (والوسطى) سميت به؛ لأنها كانت وسط الأصابع الخمسة.
قال القرطبي: قوله: "والساعة" ضبطناه بالنصب والرفع؛ فأما النصب .. فهو على المفعول معه، والرفع على أنه معطوف على التاء في (بعثت)، وفصل بينهما بـ (أنا) توكيدًا للضمير المتصل بالمنفصل على ما هو الأحسن عند النحويين، وقد اختار بعضهم النصب بناء على أن التشبيه وقع بملاصقة الإصبعين واتصالهما بلا فاصل، واختار آخرون الرفع بناء على أن التشبيه وقع بالتفاوت بين رؤوسهما؛ يعني: أن ما بين زمان النبي صلى الله عليه وسلم وقيام الساعة قريب كقرب السبابة من الوسطئ، وهذا أوقع، بل قال القاضي: المشهور الرفع، وكأنه مبني على أن إقامة الساعة اعتبر بعثًا لها، ويلزم منه الجمع بين الحقيقة والمجاز في (بعثت)، وقد جوزه قوم فصح عندهم، فليتأمل، والله أعلم.
وقد جاء من حديث سهل عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "سبقتها بما سبقت هذه هذه" يعني: الوسطى والسبابة، رواه الترمذي من حديث المستورد.
(ثم) بعد قوله: بعثت أنا والساعة (يقول: أما بعد) أما: حرف تفصيل لما بعدها عما قبلها، وهي حرف متضمن للشرط، ولذلك تدخل الفاء في جوابها، وقدرها النحويون بـ (مهما)، و (بعد) ظرف زمان قطع عن الإضافة لفظًا مع كونها مرادة معنى، فبني على الضم؛ لشبهها بالحرف شبهًا افتقاريًا؛
فَإِنَّ خَيْرَ الْأُمُورِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ،
===
لافتقارها إلى المضاف إليه المحذوف في إفادة المعنى كافتقار الحرف إلى غيره في إفادة المعنى، وحرك مع كون الأصل في المبني السكون؛ ليعلم أن له أصلًا في الإعراب، وكانت الحركة ضمة جبرًا لما فاته من الإعراب بإعطائه أقوى الحركات وهي من الأسماء التي لها أربعة أحوال؛ تعرب في ثلاثة وتبنى في واحد كما هنا، كما بسطنا ذلك في كتبنا النحوية والصرفية، والعامل فيه ما تضمنه (أما) من معنى الشرط؛ فإن معناه: مهما يكن من شيء بعد حمد الله .. فكذا، والله أعلم.
وقال بعض المفسرين في قوله تعالى: {وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ} (1): إنه قوله: (أما بعد).
(فإن خير الأمور) أي: الشؤون؛ واحد الأمر، بمعنى الشأن؛ أي: خير ما يتعلق به المتكلم، أو خير الأمور الموجودة بينكم .. (كتاب الله) العزيز، (وخير الهدي) والدين؛ أي: أفضله وأحقه .. (هدي محمد) صلى الله عليه وسلم، والهدي -بفتح الهاء وسكون الدال-: هي الطريقة والسيرة، وهذا هو المشهور، أو بضم الهاء وفتح الدال، والمعنى: أن خير الأديان وأحقها وأرضاها لله تعالى .. دين محمد صلى الله عليه وسلم لا دين غيره.
وقال القرطبي: روي الهدى بضم الهاء وفتح الدال فيهما، وبفتح الهاء وسكون الدال فيهما، وهما من أصل فعل واحد من الهداية؛ وهي الدلالة والإرشاد، والهدى في استعمال العرف هديان: هدى دلالة وإرشاد؛ وهو الذي يضاف إلى الرسل والكتب، كما قال:{وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (2)، وفي
(1) سورة ص: (20).
(2)
سورة الشورى: (52).
وَشَرَّ الْأمُورِ مُحْدَثَاتُهَا،
===
القرآن {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} (1)، والهدى الثاني: بمعنى التأييد والعصمة من تأثير الذنوب والتوفيق، وهذا هو الهدى الذي لا ينسب إلا لله تعالى، وهو المراد بقوله تعالى:{إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} (2).
وحملت القدرية هذا الهدى على البيان بناء على أصلهم الفاسد، ويرد عليهم قوله تعالى:{وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (3)، ففرق بين الدلالة والهداية، قال أبو عبيد: الهدي بفتح الهاء وسكون الدال: هو الطريق، فهدي محمد طريقه؛ كما يقال: فلان حسن الهدي؛ أي: المذهب في الأمور كلها والسيرة، ومنه حديث:"اهتدوا بهدي عمار". رواه أحمد (5/ 399)، والترمذي (3807) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه. انتهى.
(وشر الأمور) بالنصب على أنه معطوف على لفظ اسم إن، وبالرفع على أنه معطوف على محله، والمراد: ومن شر الأمور محدثاتها، وإلا .. فبعض الأمور كالشرك .. شر من كثير من المحدثات، إلا أن يراد بالمحدثات ما أحدث الناس على مقتضى الهوى مطلقًا، لا ما أحدثوه بعد النبي صلى الله عليه وسلم، فيدخل فيها القبائح كلها؛ أي: أقبح الأمور التي تكون بين الناس (محدثاتها) أي: مبتدعاتها ومخترعاتها التي اخترعوها بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وبعد خلفائه رضي الله عنهم التي ليس لها في الشريعة أصل يشهد لها بالصحة والجواز، وهي المسماة بالبدع، كما مر.
قال السندي: قوله: "محدثاتها" بفتح الدال، والمراد بها: ما لا أصل له في
(1) سورة البقرة: (2).
(2)
سورة القصص: (56).
(3)
سورة يونس: (25).
وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ"، وَكَانَ يَقُولُ: "مَنْ تَرَكَ مَالًا .. فَلِأَهْلِهِ، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا .. فَعَلَيَّ وَإِلَيَّ".
===
الدين مما أُحْدِث بعده صلى الله عليه وسلم، وكل محدثة بدعة (وكل بدعة ضلالة) أي: غواية وميل عن الطريق المستقيم، (وكان) صلى الله عليه وسلم (يقول: من ترك مالًا) بعد وفاته .. (هـ) مقسوم الأهله) أي: لورثته (ومن ترك دينًا) لم يقضه في حياته، (أو ضياعًا) أي: عيالًا وأطفالًا صغارًا ضائعين لا كافل لهم .. (فعلي) قضاء ذلك الدين، (وإلي) موكول أمور أولئك الضياع؛ أي: عليَّ مؤنتهم ونفقتهم، ففي هذا من المحسنات البديعية اللف والنشر المرتب؛ فعلي راجع إلى الدين، وإلي راجع إلى الضياع، والضياع -بفتح الضاد المعجمة-: العيال وأصله مصدر، أو بكسرها جمع ضائع؛ كجياع جمع جائع.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة، الحديث (2002)، والحديث (2003)، والحديث (2004)، والنسائي في كتاب العيدين، باب كيف الخطبة، الحديث (1577).
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة.
قال النضر بن شميل: والضياع بالفتح: العيال، وقال ابن قتيبة: هو مصدر ضاع يضيع ضياعًا، ومثله مضى يمضي مضاء، وقضى يقضي قضاء؛ أراد من ترك عيالًا عالة أو أطفالًا صغارًا، فجاء بالمصدر موضع الاسم؛ كما تقول: ترك فقرًا؛ أي: فقراء، والضياع بالكسر: جمع ضائع؛ مثل جائع وجياع، وضيعة الرجل أيضًا ما يكونُ منه معاشُه من صناعة أو غلة، قاله الأزهري، وقال شمر: ويدخل فيه التجارة والحرفة، يقال: ما ضيعته؟ فتقول: كذا.
قلت: وهذا الكلام إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم حين رفع ما كان
(44)
- 44 - (2) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ الْمَدَنِيُّ أَبُو عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي،
===
قرره أولًا من امتناعه من الصلاة على من مات وعليه دين لم يترك له وفاء، كما قال أبو هريرة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤتى بالميت عليه الدين، فيسأله:"هل ترك لدينه وفاء؟ " فإن قيل له: ترك له وفاء .. صلى عليه، وإن قالوا: لا .. قال: "صلوا على صاحبكم"، قال: فلما فتح الله عليه الفتوح .. قال: "أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم؛ من توفي فترك دينًا .. فعلى، ومن ترك مالًا .. فلورثته". رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داوود والترمذي، قال القاضي: وهذا مما يلزم الأئمة من الفرض في مال الله تعالى للذرية وأهل الحاجة والقيام بهم وقضاء دين محتاجيهم. انتهى من "المفهم".
* * *
ثم استأنس المؤلف للجزء الأول من الترجمة بحديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، فقال:
(44)
- 44 - (2)(حدثنا محمد بن عبيد بن ميمون المدني أبو عبيد) التبان -بفتح المثناة وتشديد الموحدة- التيمي مولاهم، صدوق يخطئ، من العاشرة. روى عن: أبيه، وعيسى بن يونس، والدراوردي، ومسكين بن بكير، وغيرهم، ويروي عنه:(خ ق)، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وغيرهم.
قال أبو حاتم: شيخ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: ربما أخطأ.
قال: (حدثنا أبي) عبيد بن ميمون القرشي التيمي مولاهم أبو عباد المدني المقرئ. روى عن: محمد بن جعفر بن أبي كثير، ومحمد بن هلال، ونافع بن أبي نعيم القاري، ويروي عنه:(ق)، وابنه محمد، وإبراهيم بن محمد بن إسحاق المدني.
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ
===
قال أبو حاتم: مجهول، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة أربع ومئتين، وقال: روى المقاطيع، وقال في "التقريب": مستور، من السابعة.
(عن محمد بن جعفر بن أبي كثير) الأنصاري الزرقي مولاهم المدني، وثقه ابن معين، وقال العجلي: مدني ثقة، وقال في "التقريب": ثقة، من السابعة. يروي عنه:(ع).
(عن موسى بن عقبة) بن أبي عياش -بتحتانية ومعجمة- الأسدي مولاهم المدني، وثقه أحمد وابن معين وأبو حاتم، وقال في "التقريب": ثقة فقيه إمام في المغازي، من الخامسة، مات سنة إحدى وأربعين ومئة (141 هـ)، وقيل بعد ذلك. يروي عنه:(ع).
(عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي الكوفي، وقال في "التقريب": ثقة عابد، من الثالثة اختلط بأخرة، مات سنة تسع وعشرين ومئة (129 هـ)، وقيل قبل ذلك. يروي عنه:(ع).
(عن أبي الأحوص) عوف بن مالك بن نضلة -بفتح النون وسكون المعجمة- الجُشَمي: نسبة إلى جُشَم من الأنصار أو غيرهم، بضم ففتح، الكوفي مشهور بكنيته، ثقة، من الثالثة، مات قبل المئة. يروي عنه:(م عم).
(عن عبد الله بن مسعود) الهذلي أبي عبد الرحمن الكوفي الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سباعياته؛ رجاله ثلاثة منهم كوفيون، وأربعة مدنيون، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه راويًا مجهولًا؛ وهو عبيد بن ميمون المدني.
أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِنَّمَا هُمَا اثْنَتَانِ: الْكَلَامُ وَالْهَدْيُ؛ فَأَحْسَنُ الْكَلَامِ كَلَامُ اللهِ، وَأَحْسَنُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، أَلَا وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ؛
===
(أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنما هما) أي: إنما المقصود بقاؤهما في الناس (اثنتان) أي: حجتان عظيمتان، قال السندي: ضمير (هما) مبهم مفسر بالكلام والهدي؛ أي: إنما الكتاب والسنة اللذان وقَعَ التكليف بهما اثنان لا ثالث معهما حتى يثقل عليكم الأمر ويتفرق، وفائدة الإخبار نفيُ أن يكون معهما ثالث لما ذكرنا، ويحتمل أن يكون النهي عن ضم المحدثات إليهما، كأنه قيل: المقصود بقاؤهما اثنتين، ويحتمل أن يكون ضمير (هما) لما وقع به التكليف مع قطع النظر عن العدد؛ وإنما ثني نظرًا إلى كون ذلك في الواقع ثنتين، فحصلت الفائدة في الإخبار باسم العدد، وهذا مثل ما قالوا في قوله تعالى:{فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ} (1): ويحتمل أن يقال: اثنتان تمهيد لما هو الخبر، والخبر في الواقع ما هو المبدل من اثنتان وهو الكلام والهديُ، وعلى الوجوه تأنيث اثنتان نظرًا إلى أنهما حجتان؛ أي: وإنما المقصود بقاؤهما في الناس هما اثنتان؛ أي: حجتان عظيمتان.
وقوله (الكلام) أي: كلام الله العزيز؛ يعني: القرآن (والهدي) أي: هدي محمد صلى الله عليه وسلم؛ أي: طريقته وسنته بدل من اثنتان؛ بدل تفصيل من مجمل؛ (فأحسن الكلام) على الإطلاق وأفضله (كلام الله) سبحانه وتعالى؛ يعني: القرآن، (وأحسن الهدي) وأحقه اتباعًا (هدي محمد) صلى الله عليه وسلم (ألا) أي: انتبهوا واستمعوا ما أقول لكم (وإياكم ومحدثات الأمور)
(1) سورة النساء: (176).
فَإِنَّ شَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، أَلَا لَا يَطُولَنَّ عَلَيْكُمُ الْأَمَدُ فَتَقْسُوَ قُلُوبُكُمْ، أَلَا إِنَّ مَا هُوَ آتٍ قَرِيبٌ، وَإِنَّمَا الْبَعِيدُ مَا لَيْسَ بِآتٍ، أَلَا إِنَّمَا الشَّقِيَّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَالسَّعِيدَ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ،
===
أي: وباعدوا أنفسكم عن الأمور المحدثة بعد محمد صلى الله عليه وسلم وبعد خلفائه.
(فإن شر الأمور) وأقبحها (محدثاتها) أي: مخترعاتها ومبتدعاتها، ألا (وكل محدثة بدعة، وكلل بدعة ضلالة، ألا لا يطولن عليكم الأمد) أي: الأجل، وفي بعض النسخ: الأمل، وطوله تابع لطول الأجل، وفي طولهما ونسيان الموت تأثير في قسوة القلوب، (فتقسو قلوبكم) بالنصب بأن مضمرة بعد الفاء السببية الواقعة في جواب النهي؛ أي: لا يلقين الشيطان في قلوبكم طول البقاء في الدنيا فتقسو؛ أي: تغلظ قلوبكم.
(ألا إن ما هو آت قريب) هان كان بعيدًا في الظاهر لنا كالقيامة والآخرة، (وإنما البعيد ما ليس بآت) كالرجوع إلى الدنيا ليعمل عملًا صالحًا، وهذا تعليم وإرشاد لما ينتفع به في طول الأمد من التزود للآخرة.
(ألا إنما الشقي) المحروم من رحمة الله تعالى (من شقي) أي: من كتبت عليه الشقاوة وهو (في بطن أمه) حين ينفخ فيه الروح، (و) إنما (السعيد) الفائز برحمة الله تعالى (من وعظ) بالبناء للمفعول (بغيره) أي: من وفقه الله تعالى للاتعاظ فرأى ما جرى على غيره بالمعاصي من العقوبة، فتركها خوفًا من أن يناله مثل ما نال غيره بالمعاصي؛ أي: فعليكم بالتفكر في ذلك والبكاء له، وكيف القسوة والضحك مع سبق التقدير في النهاية، المعنى: إن قدر الله تعالى عليه في أصل خلقته ومبدئها أن يكون شقيًا ..
أَلَا إِنَّ قِتَالَ الْمُؤْمِنِ كُفْرٌ وَسِبَابُهُ فُسُوقٌ، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ، أَلَا وَإيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ لَا يَصْلُحُ
===
فهو الشقي في الحقيقة لا من عرض له الشقاء بعد ذلك، وهو إشارة إلى شقاء الآخرة لا شقاء الدنيا. انتهى.
(ألا إن قتال المؤمن) أي: قتله (كفر) أي: من عمل أهل الكفر؛ لأنهم أعداؤه، أو إن قتل المؤمن كفر؛ أي: سبب كفر وخروج عن الدين إن استحله، وإلا .. فهو عاصٍ بكبيرة والمفاعَلَةُ ليست على بابها، وكذا في قوله:(وسبابه) أي: سبُّ المؤمن وشتمه؛ كان قال له: يا حمار، ويا كلب، ويا لئيم .. (فسوقٌ) أي: من عمل الفسقة، أو خروج عن طريقة الدين وبميرته، فهو عاص به إن لم يستحله، وإلا .. فخروج عن الملَّة.
(ولا يحل لمسلم) أي: لا يجوز له (أن يهجر أخاه) المسلم في الكلام؛ بألا يكلمه إذا التقيا ولو بالسلام (فوق ثلاث) ليال، يفهم منه إباحة الهجر إلى ثلاث وهو رخصة؛ لأن طبع الآدمي على عدم تحمل المكروه، ثم المراد من حرمة الهجران: إذا كان الباعث عليه وقوع تقصير من حقوق الصحبة والأخوة وآداب العشرة، وكذلك أيضًا بين الأجانب، وأما بين الأهل .. فيجوز إلى أكثر للتأديب؛ فقد هجر رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه شهرًا، وكذا إذا كان الباعث أمرًا دينيًا .. فليهجره حتى ينزع من فعله وعقده ذلك؛ فقد أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هجران الثلاثة الذين تخلفوا خمسين ليلة حتى صحت توبتهم عند الله تعالى، قالوا: وإذا خاف من مكالمة أحد ومواصلته ما يفسد عليه دينه أو يدخل عليه مضرة في دنياه .. يجوز له مجانبته والحذر منه؛ فرب هجر جميلٍ خير من مخالطةٍ مؤذية.
(ألا وإياكم والكذب؛ فإن الكذب لا يصلح) أي: لا يحل أو لا يوافق شأن
بِالْجِدِّ وَلَا بِالْهَزْلِ، وَلَا يَعِدِ الرَّجُلُ صَبيَّهُ ثُمَّ لَا يَفِيَ لَهُ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَإنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ،
===
المؤمن (بالجد) أي: بطريق الجد، والجد -بكسر الجيم- قصدُ الكلام لفظًا ومعنى، (ولا) يحل (بالهزل) أي: بطريق الهزل، وهو قصد الكلام لفظًا لا معنى؛ أي: لا يحل في الكلام الجد ولا في الكلام الهزل، (ولا يعد الرجلُ صبيَّه) أي: ولدَه الصغير بالعطاء مثلًا، (ثم لا يفي له) ذلك الوعد؛ فإن خلف الوعد من نوع الكذب ولو مع ولده الصغير، ظاهره: أنه عطف على لا يعد، وهو نفي بمعنى النهي، ويحتمل أنه نهي، ولا يفي بالنصب إجراء لثم مجرى الواو في إضمار أن بعدها، ويحتمل الرفع على الاستئناف؛ أي: ثم هو لا يفي له وعده.
(فإن الكذب يهدي) من الهداية؛ أي: يُفضي ويُوصل صاحبه (إلى الفجور) أي: إلى القبائح، قيل: لعل الكذب بخاصته يفضي بالإنسان إلى القبائح، والصدق بخلافه، ويحتمل أن المراد بالفجور هو نفس ذلك الكذب؛ يعني: الذنب يكتب به؛ أي: فإن الكذب يهدي بالإنسان ويوصله إلى المعاصي؛ فإن الذنب يكتب عليه بسببه، (وإن الفجور يهدي) ويوصل صاحبه (إلى النار) عقوبة له على الفجور.
(وإن الصدق) وهو موافقة العمل أو القول لما في الواقع .. (يهدي) من الهداية؛ أي: يفضي صاحبه (إلى البر) أي: إلى الأجر والثواب، (وإن البر يهدي) أي: يوصل صاحبه (إلى الجنة) جزاء على عمله: والبر قيل: هو اسم جامع للخير، وقيل: هو العمل الصالح الخالص من كل مذموم، قال ابن العربي: إذا تحرى الصدق .. لم يعص الله؛ لأنه إن أراد أن يفعل شيئًا من المعاصي ..
وَإِنَّهُ يُقَالُ لِلصادِقِ: صَدَقَ وَبَرَّ، وَيُقَالُ لِلْكَاذِبِ: كَذَبَ وَفَجَرَ، أَلَا وَإِنَّ الْعَبْدَ يَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا".
(45)
- 45 - (3) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ خِدَاشٍ،
===
خاف أن يقال له: أفعلت كذا؟ فإن سكت .. لم يأمن الريبة، وإن قال: لا .. كذب، وإن قال: نعم .. فسق وسقطت منزلته وانتهكت حرمته.
(وإنه) أي: إن الشأن والحال (يقال للصادق: صدق وبر) أي: أحسن في قوله وعمله، (ويقال للكاذب: كذب وفجر) أي: أساء في عمله وقوله، فيترتب على الصدق البر، وعلى الكذب الفجور، (ألا وإن العبد يكذب) أي: يعتاد الكذب (حتى يكتب عند الله) تعالى في ديوان عمله (كذابًا)، قال السندي: الظاهر أن المراد كتابته في ديوان الأعمال، ويحتمل أن المراد إظهاره بين الناس بوصف الكذب. انتهى.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه ضعيف (5)(5)؛ لضعف سنده؛ لأن فيه راويًا مجهولًا؛ وهو عُبيد بن ميمون، كما مر، وغرضه بسوقه: الاستئناس به للجزء الأول من الترجمة.
* * *
ثم استدل المؤلف على الجزء الأخير من الترجمة بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها، فقال:
(45)
- 45 - (3)(حدثنا محمد بن خالد بن خداش) -بكسر المعجمة- ابن عجلان المهلبي مولاهم أبو بكر البصري سكن بغداد. روى عن: أبيه، وإسماعيل بن علية، وابن مهدي، وعبيد بن واقد، وغيرهم، ويروي عنه:(ق)، وإبراهيم الحربي، وابن خزيمة، وغيرهم.
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ح وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ ثَابِتٍ الْجَحْدَرِيُّ وَيَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَابِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ،
===
ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: ربما أغرب عن أبيه، وقال في "التقريب": صدوق يغرب، من العاشرة.
قال: (حدثنا إسماعيل) بن إبراهيم بن مقسم القرشي الأسدي مولاهم أبو بشر البصري المعروف بـ (ابن علية) اسم أمه، ثقة، من الثامنة، مات سنة ثلاث وتسعين ومئة (193 هـ). يروي عنه:(ع).
قال: (حدثنا أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختياني أبو بكر البصري، ثقة ثبت حجة، من الخامسة، مات سنة إحدى وثلاثين ومئة (131 هـ). يروي عنه:(ع).
(ح وحدثنا أحمد بن ثابت الجحدري) البصري، صدوق، من العاشرة، مات بعد الخمسين والمئتين. يروي عنه:(ق).
(ويحيى بن حكيم) المقوم -بكسر الواو المشددة- أبو سعيد البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة ست وخمسين ومئتين (256 هـ). يروي عنه:(د س ق).
(قالا): أي: قال كل من أحمد ويحيى:
(حدثنا عبد الوهاب) بن عبد المجيد الثقفي البصري.
قال: (حدثنا أيوب) السختياني البصري.
(عن عبد الله) بن عبيد الله بن عبد الله (بن أبي مليكة) زهير بن عبد الله بن جدعان التيمي المكي، تابعي ثقة، من الثالثة، رأى ثلاثين من الصحابة روى كثيرًا من الحديث، مات سنة سبع عشرة ومئة (117 هـ). يروي عنه:(ع).
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: تَلَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم هَذِهِ الْآيَةَ: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ
…
} إِلَى قَوْلِهِ: {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ؛ إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيهِ
===
(عن عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها.
وهذان السندان من خماسياته؛ ثلاثة من رجالهما بصريون، وواحد مكي، وواحد مدني، وحكمهما: الصحة، ومن لطائف هذين السندين أن فيه رواية تابعي عن تابعي؛ أيوب عن ابن أبي مليكة.
(قالت) عائشة: (تلا) وقرأ (رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية) وهي قوله تعالى: ({هُوَ}) سبحانه ({الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ}) يا محمد ({الْكِتَابَ}) العزيز ({مِنْهُ}) أي: بعضه ({آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ}) أي: واضحات الدلالة ({هُنَّ}) أي: تلك المحكمات ({أُمُّ الْكِتَابِ}) أي: أصل الكتاب في الاستدلال بها على الأحكام، ({وَ}) منه آيات ({أُخَرُ}) جمع أخرى ({مُتَشَابِهَاتٌ})؛ أي: غير واضحات الدلالة في الأحكام؛ كفواتح السور من الحروف المقطعة، والحكمة في إنزالها الإعجاز لا الدلالة على الأحكام.
وقوله: (إلى قوله) تعالى متعلق بتلا؛ أي: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية إلى أن وصل قوله: ({وَمَا يَذَّكَّر}) أي: يتعظ بآياتنا ({إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ})(1)؛ أي: إلا أصحاب العقول الكاملة السليمة من شوائب الكفر والنفاق، (فقال: يا عائشة) معطوف على تلا؛ (إذا رأيتم الذين يجادلون فيه) أي: الذين يعارضون في القرآن بدفع المحكمات وردها بالمتشابهات ..
(1) سورة آل عمران: (7).
فَهُمُ الَّذِينَ عَنَاهُمُ اللهُ فَاحْذَرُوهُمْ".
(46)
- 46 - (4) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ
===
(فهم) أي: الذين يجادلون فيه (الذين عناهم الله) سبحانه وأرادهم بقوله: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ .. } (1) أي: ميل عن الحق
…
إلى آخره، (فاحذروهم) أيها المسلمون وجانبوهم ولا تجالسوهم ولا تكلموهم؛ فإنهم أهل البدع والجدل، فيحق لهم الإهانة احترازًا عن الوقوع في عقيدتهم.
قال السندي: قوله: "يا عائشة؛ إذا رأيتم" نادى عائشة؛ لحضورها في ذلك الوقت، وعدل في ضمير الخطاب إلى الجمع للتنبيه على أن معرفة هذا لا يختص بعائشة، بل يعمها وغيرها، وخاطب الغائبين وذكر الضمير؛ للتغليب، ففيه تغليبان متعاكسان، فليتأمل. انتهى.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لأن رجاله كلهم ثقات، وغرضه: الاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله لحديث عائشة المذكور بحديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(46)
- 46 - (4)(حدثنا علي بن المنذر) الطريقي- ولد في الطريق فنسب إليه- الكوفي، صدوق، من العاشرة، مات سنة ست وخمسين ومئتين (256 هـ). يروي عنه:(ت س ق).
قال: (حدثنا محمد بن فضيل) بن غزوان الضبي أبو عبد الرحمن الكوفي، صدوق رمي بالتشيع، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (195 هـ). يروي عنه:(ع).
(1) سورة آل عمران: (7).
ح وَحَدَّثَنَا حَوْثَرَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي غَالِبٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ
===
(ح وحدثنا حوثرة بن محمد) -بفتح أوله المهمل وسكون الواو بعدها مثلثة مفتوحة- أبو الأزهر البصري الوراق، صدوق، من صغار العاشرة، مات سنة ست وخمسين ومئتين (256 هـ). يروي عنه:(ق).
قال: (حدثنا محمد بن بشر) العبدي أبو عبد الله الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة ثلاث ومئتين (203 هـ). يروي عنه:(ع).
(قالا) أي: قال ابن فضيل ومحمد بن بشر:
(حدثنا حجاج بن دينار) الأشجعي مولاهم الواسطي. روى عن: أبي غالب صاحب أبي أمامة، ويروي عنه:(ق)، ومحمد بن بشر، وابن فضيل.
قال ابن المبارك: ثقة، وقال أحمد: ليس به بأس، وقال ابن معين: صدوق لا بأس به، وقال أبو زرعة: صالح صدوق مستقيم الحديث لا بأس به، وقال أبو داوود وابن عمار والعجلي: ثقة، وذكره مسلم في مقدمته، وقال في "التقريب": من السابعة.
(عن أبي غالب) صاحب أبي أمامة البصري نزل أصبهان، قيل: اسمه حزور -بفتح الحاء والزاي والواو المشددة- وقيل: اسمه نافع، صدوق يخطئ، من الخامسة. يروي عنه:(عم).
(عن أبي أمامة) صدي بن عجلان الباهلي المصري الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، له مئتان وخمسون حديثًا؛ انفرد (خ) بخمسة، و (م) بثلاثة، سكن مصر، ومات بالشام سنة ست وثمانين (86 هـ)، وهو ابن إحدى وتسعين سنة، وكان يصفر لحيته، وكان مع على في صفين.
وهذان السندان من خماسياته؛ رجال الأول منهما اثنان كوفيان، وواحد
قَال: قَال رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدىً كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ"، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ:{بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} .
===
واسطي، وواحد بصري، وواحد مصري، ورجال الثاني اثنان بصريان، واثنان واسطيان، وواحد مصري، وحكمهما: الصحة.
(قال) أبو أمامة: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ضل) ما نافية (قوم) فاعل ضل (بعد هدىً) بضم الهاء وفتح الدال، والظرف متعلق بضل، وجملة (كانوا عليه) صفة هدىً، وقوله:(إلا أوتوا الجدل) أي: وألهموا معارضة الحق استثناء من أعم الأحوال بتقدير: قد، وصاحب الحال فاعل (ضل) وإن كان نكرة؛ لقصد العموم لا الضمير المستتر في خبر كان كما توهمه الطيبي؛ فإنه فاسد معنىً، وإن كان الضمير المذكور عائدًا إلى (قوم)، فليفهم.
والمعنى: ما ضل قوم من الأقوام بعد هدىً كانوا عليه في حال من الأحوال .. إلا والحال أنهم قد أعطوا الجدل، والجدل كالجدال: الخصام بالباطل ودفع الحق به، ودفع الحق بعضه ببعض بإبداء التعارض والتدافع والتنافي بينهما، لا المناظرة لطلب الصواب مع التفويض إلى الله تعالى عند العجز عن معرفة الكنه.
(ثم تلا) رسول الله صلى الله عليه وسلم (هذه الآية: {بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} (1) أي: تلاها توضيحًا لما ذكر بذكر مثال له لا للاستدلال به على الخصم المذكور؛ فإنه لا يدل عليه.
فإن قلتَ: قريش ما كانوا على الهدى فلا يصح ذكرهم مثالًا.
قلتُ: نزل تمكنهم منه بواسطة البراهين الساطعة منزلة كونهم عليه، فحيث
(1) سورة الزخرف: (58).
(47)
- 47 - (5) حَدَّثَنَا دَاوُودُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْعَسْكَرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ أَبُو هَاشِمٍ بنُ أَبِي خِدَاشٍ الْمَوْصِلِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِحْصَنٍ،
===
دفعوا بعد ذلك الحق بالباطل، وقرروا الباطل بقولهم:{أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ} (1)، يريدون أنهم يعبدون الملائكة وهم خير من عيسى، وقد عبدته النصارى، فحيث صح لهم عبادته صح لنا عبادتهم بالأولى، فصاروا مثالًا لما فيه الكلام.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة الزخرف، الحديث (3253).
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث عائشة.
* * *
ثم استأنس المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا للجزء الأول من الترجمة بحديث حذيفة رضي الله تعالى عنه، فقال:
(47)
- 47 - (5)(حدثنا داوود بن سليمان) بن حفص (العسكري) نسبة إلى عسكر؛ محلة بالبصرة أبو حفص الدقاق، مولى بني هاشم، لقبه بنان -بضم الموحدة- صدوق، من العاشرة. يروي عنه:(س ق).
(حدثنا محمد بن علي) الأسدي (أبو هاشم بن أبي خداش الموصلي) نسبة إلى موصل -بوزن مجلس- بلدة بين الفرات ودجلة، كما في "التاج"، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة اثنتين وعشرين ومئتين (222 هـ). يروي عنه:(س ق).
(قال: حدثنا محمد بن محصن) -بكسر الميم وسكون الحاء المهملة-
(1) سورة الزخرف: (58).
عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَبْلَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الدَّيْلَمِيِّ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لَا يَقْبَلُ اللهُ لِصَاحِبِ بِدْعَةٍ صَوْمًا وَلَا صَلَاةً وَلَا صَدَقَةً وَلَا حَجًّا وَلَا عُمْرَةً
===
العكاشي الشامي، نسب إلى جده الأعلى؛ وهو محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن محمد بن عكاشة -بضم العين وتشديد الكاف- ابن محصن الأسدي.
كذبوه، من الثامنة، قال البخاري: منكر الحديث، وقال البخاري أيضًا عن يحيى بن معين: كذاب، وقال أبو حاتم: كذاب، وقال في موضع آخر: مجهول، وقال ابن حبان: هو شيخ يضع الحديث على الثقات، لا يحل ذكره إلا على سبيل القدح فيه، وقال الدراقطني: متروك يضع. روى عنه: (ق).
(عن إبراهيم بن أبي عبلة) -بفتح العين وسكون الموحدة- اسمه شمر -بكسر المعجمة مع سكون الميم- ابن يقظان الشامي، يكنى أبا إسماعيل، ثقة، من الخامسة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئة (152 هـ). يروي عنه:(خ م د س ق).
(عن عبد الله بن) فيروز (الديلمي) نسبة إلى ديلم -بوزن جعفر- رجل من ضبة تنسب إليه القبيلة، الفلسطيني الشامي، ثقة، من كبار التابعين. يروي عنه:(د س ق).
(عن حذيفة) بن اليمان العبسي الكوفي حليف الأنصار الصحابي الجليل رضي الله تعالى عنهما، صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، له مئة حديث، اتفقا على اثني عشر حديثًا، وانفرد (خ) بثمانية، و (م) بسبعة عشر.
وهذا السند من سداسياته؛ رجاله ثلاثة منهم شاميون، وثلاثة عراقيون، وحكمه: الضعف؛ لأن في رجاله كذابًا؛ وهو محمد بن محصن.
(قال) حذيفة: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يقبل الله لصاحب بدعة صومًا ولا صلاة ولا صدقة) أي: زكاة (ولا حجًا ولا عمرة
وَلَا جِهَادًا وَلَا صرْفًا وَلَا عَدْلًا، يَخْرُجُ مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا تَخْرُجُ الشَّعَرَةُ مِنَ الْعَجِينِ".
(48)
-48 - (6) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مَنْصُورٍ الْحَنَّاطُ، عَنْ أَبِي زَيْدٍ،
===
ولا جهادًا ولا صرفًا) أي: توبة من ذنوبه غير البدعة (ولا عدلًا) أي: فدية وجبت عليه إذا أخرجها (يخرج من) ملة (الإسلام) أي: من كماله (كما تخرج الشعرة من العجين).
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه ضعيف (6)(6)؛ لأن في رواته كذابًا، وغرضه: الاستئناس به للجزء الأول من الترجمة.
* * *
ثم استأنس المؤلف ثالثًا للجزء الأول من الترجمة بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(48)
-48 - (6)(حدثنا عبد الله بن سعيد) بن حصين الكندي أبو سعيد الأشج الكوفي، ثقة ثبت، من العاشرة، مات سنة سبع وخمسين ومئتين (257 هـ). يروي عنه:(ع).
قال: (حدثنا بشر بن منصور الحناط) -بفتح الحاء المهملة وتشديد النون المفتوحة- نسبة إلى بيع الحنطة.
صدوق، من الثامنة، قال أبو زرعة: لا أعرفه ولا أعرف أبا زيد، وقيل: هو بشر بن منصور السلصي أبو محمد البصري. يروي عنه: (ق).
(عن أبي زيد) روى عن أبي المغيرة، مجهول، من السابعة، وقيل: اسمه عبد الملك بن ميسرة. يروي عنه: (ق).
عَنْ أَبِي الْمُغِيرَةِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "أَبَى اللهُ أَنْ يَقْبَلَ عَمَلَ صَاحِبِ بِدْعَةٍ حَتَّى يَدع بِدْعَتَهُ".
===
(عن أبي المغيرة). روى عن: ابن عباس في ذم البدعة، مجهول، من الرابعة. يروي عنه:(ق).
(عن عبد الله بن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته؛ رجاله واحد منهم طائفي، وواحد كوفي، وواحد بصري، واثنان مجهولان، وحكمه: الضعف جدًّا.
(قال) ابن عباس: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبى الله) وامتنع (أن يقبل) ويثيب (عمل) وطاعة (صاحب بدعة) وخرافة (حتى ياع) ويترك (بدعته) أي: خرافته، وقوله: (أبى الله
…
) إلى آخره؛ أي: إنه لا يقبل صالح عمله فرضًا ولا نفلًا ولو شفع له شفيع في قبوله فرضًا، ولإفادة هذا المعنى قيل: أبى الله، وإلا .. فلو قيل: لا يقبل الله .. لكفى، وقوله:(حتى يدع) غاية لعدم القبول، فيدل على أنه إذا تاب عن بدعته يقبل عمله الذي فعله حال البدعة، ولو جعل غاية للعمل .. لدل على أنه لا يقبل عمله الذي عمله حال البدعة وإن تاب، وهو بعيد لفظًا ومعنىً، ولعل المراد بالبدعة: الاعتقاد الفاسد دون العمل الفاسد، كما عليه الاصطلاح اليوم، فإن صاحب الاعتقاد الفاسد يقال له: مبتدع، وصاحب العمل الفاسد يقال له: فاسق اصطلاحًا، وفي الزوائد: رجال هذا الإسناد كلهم مجهولون، قاله الذهبي، وقال أبو زرعة: لا أعرف أبا زيد ولا أبا المغيرة. انتهى "السندي".
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه حديث موضوع (7)(7)، وغرضه: الاستئناس به للجزء الأول من الترجمة.
* * *
(49)
- 49 - (7) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدِّمَشْقِيُّ وَهَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ وَرْدَانَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَهُوَ
===
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث عائشة الدال على الجزء الأخير من الترجمة بحديث أنس رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(49)
- 49 - (7)(حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم) بن عمرو العثماني مولاهم أبو سعيد (الدمشقي) لقبه دحيم -مصغرًا- ابن اليتيم، ثقة حافظ متقن، من العاشرة. يروي عنه:(خ د س ق).
(وهارون بن إسحاق) بن محمد الهمداني أبو القاسم الكوفي، صدوق، من صغار العاشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (258 هـ). يروي عنه:(ت س ق).
(قالا: حدثنا) محمد بن إسماعيل بن مسلم (بن أبي فديك) بالفاء -مصغرًا- اسمه يسار الديلي مولاهم أبو إسماعيل المدني، صدوق، من الثامنة، مات سنة مئتين (200 هـ) على الصحيح. يروي عنه:(ع).
(عن سلمة بن وردان) الليثي أبي يعلى المدني، ضعيف، من الخامسة، مات سنة بضع وخمسين ومئة. يروي عنه:(ت ق).
(عن أنس بن مالك) الأنصاري أبي حمزة البصري رضي الله تعالى عنه، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهذا السند من رباعياته؛ رجاله اثنان منهم مدنيان، وواحد بصري، وواحد إما دمشقي أو كوفي، وحكمه: الضعف؛ لأن سلمة بن وردان ضعيف اتفقوا على ضعفه.
(قال) أنس: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من ترك الكذب وهو)
بَاطِلٌ .. بُنِيَ لَهُ قَصرٌ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَهُوَ مُحِقٌّ .. بُنِيَ لَهُ فِي وَسَطِهَا، وَمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ .. بُنِيَ لَهُ فِي أَعْلَاهَا".
===
أي: والحال أنه (باطل) أي: مازح، والجملة حال من فاعل (ترك) أي: من يترك الكذب حتى في المزاح، والمزاح: المداعبة والهزل؛ وهو قصد اللفظ من الكلام دون المعنى .. (بني) بالبناء للمفعول (له) أي: لذلك التارك (قصر في ربض الجنة) أي: في طرفها (ومن ترك المراء) -بكسر الميم والمد- أي: الجدال والنزاع خوفًا من أن يقع صاحبه في اللجاج الموقع في الباطل، (وهو) أي: والحال أنه (محق) أي: على الحق في جداله .. (بني له) قصر (في وسطها) أي: في وسط الجنة، (ومن حسن) من التحسين (خلقه) أي: أخلاقه مع الناس بأن يرحم الصغير ويعظم الكبير .. (بني له) قصر (في أعلاها) أي: في أعلى الجنة.
قوله: "من ترك الكذب" يحتمل أن المراد بالكذب المراء بالباطل، وجملة قوله:"وهو باطل" بتقدير: ذو باطل حال من فاعل (ترك) أي: وهو مبطل، عبر بالكذب للتنبيه من أول الأمر على البطلان، وإلى هذا يشير كلام ابن العربي في "شرح الترمذي"، ويحتمل أنه على ظاهره، وجملة وهو باطل حال من الكذب، وهو الذي ذكره ابن رجب في "شرح الكتاب"، قال: هي جملة حالية؛ أي: حالة كونه باطلًا، ففي "البخاري" و"مسلم": أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس بكذاب من يصلح بين الناس فيقول خيرًا، وينمي خيرًا"، ورخص في الكذب في ثلاث: في الحرب، وإصلاح ذات البين، وكذب الرجل على امرأته. انتهى.
قلت: روى أبو داوود عن أبي أمامة مرفوعًا: "أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وإن كان مازحًا، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه"، وهذا يقتضي أن يراد بباطل مازح، بتقدير: ذو باطل، وتجعل الجملة حالًا من فاعل (ترك) لا من مفعوله، وجعلها حالًا من الفاعل هو الموافق لقرينه؛ أعني: وهو محق، ويحتمل أن يكون معنى "من ترك الكذب وهو باطل": أن من ترك الكذب وهو غير مستحق لكذبه؛ أي: غير مرخص له في كذبه؛ أي: ترك كذبًا غير مرخص له فيه، خرج به المواضع التي رخص فيها الكذب، كالمواضع المذكورة آنفًا.
بقي أن بين الحديثين تعارضًا، والظاهر: أنه وقع من تغيير بعض الرواة، قوله:"في ربض الجنة" بفتحتين؛ أي: حوالي الجنة وأطرافها لا في وسطها، وليس المراد خارجًا عن الجنة، كما قيل. انتهى "السندي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب البر والصلة، باب ما جاء في المراء، الحديث (1993)، وقال: هذا الحديث حسن لا نعرفه إلا من حديث سلمة بن وردان عن أنس رضي الله عنه.
فالحديث: حسن لغيره؛ لأن له شاهدًا من حديث أبي أمامة من رواية أبي داوود المذكور آنفًا، فالسند: ضعيف، والحديث: حسن، كما قال الترمذي، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به لحديث عائشة.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: سبعة أحاديث:
ثلاثة منها صحيحة متنًا وسندًا:
الأول: حديث جابر، ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والثاني: حديث عائشة، ذكره للاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة.
والثالث: حديث أبي أمامة، ذكره للاستشهاد به لحديث عائشة.
واثنان منها ضعيفان متنًا وسندًا:
الأول: حديث ابن مسعود، ذكره للاستئناس للجزء الأول من الترجمة.
والثاني: حديث حذيفة، ذكره للاستئناس للجزء الأول أيضًا.
وواحد منها: موضوع؛ وهو حديث ابن عباس، ذكره للاستئناس له أيضًا.
وواحد منها: ضعيف سندًا، وحسن متنًا؛ وهو حديث أنس، ذكره للاستشهاد به للجزء الأخير من الترجمة.
والله سبحانه وتعالى أعلم