الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب حد الزاني
1002 -
عن أبي هريرة رضي الله عنه وزيد بن خالد الجهني أنَّ رجلًا من الأعراب أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أنشدك الله إلا قضيت لي بكتاب الله. فقال الآخر، وهو أفقه منه: نعم، فاقض بيننا بكتاب الله وأْذن لي. فقال:"قل". قال: إن ابني كان عسيفًا على هذا، فزنى بامرأته، وإني أخبرت أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني أنما على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله؛ الوليدة والغنم رد عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها". متفق عليه (1)، وهذا اللفظ لمسلم.
قوله: أنشدك الله. بفتح أوله ونون ساكنة وضم الشين المعجمة؛ أي: أسألك بالله. وضمَّن أنشدك معنى أذكِّرك (1) رافعًا نشيدتي، أي صوتي، هذا أصله، ثم استعمل في كل مطلوب مؤكد، ولو لم يكن هناك رفع صوت، فلا يرد أنه كيف يرفع (ب) صوته عند النبي صلى الله عليه وسلم وقد نهى الله عنه. وذكر
(أ) زاد بعده في الأصل: اللَّه.
(ب) بعده في جـ: الرجل.
_________
(1)
البخاري، كتاب الحدود، باب الاعتراف بالزنى 12/ 136، 137 ح 6827، 6828، وباب هل يأمر الإمام رجلا فيضرب الحد غائبا عنه 12/ 185، 186 ح 6859، 6860، ومسلم كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنى 3/ 1324، 1325 ح 1697، 1698.
أبو علي الفارسي (1) أن بعضهم رواه بضم الهمزة وكسر المعجمة، وهو غلط.
وقوله: إلا قضيت لي. إلا للاستثناء، وهو استثناء مفرغ من مفعول أسأل المأخوذ من مفعول معنى أنشدك، والمعنى: لا أسألك إلا القضاء بكتاب الله، ودخل لفظ "إلا" على الفعل المؤول بالمصدر، وإن لم يكن معه حرف مصدري لضرورة افتقار المعنى إليه؛ كما في: تسمع بالمعيدي. و: {وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ} (2). ويصح أن يقال: إن الحرف المصدري مقدر. وإن لم يكن هذا من المواضع التي يقدر فيها الحرف، إلا أنه قد جاء في غيرها قليلًا، وجوز المصنف رحمه الله أن تكون "إلا" جواب القسم، قال (3): لما فيها من معنى الحصر، وتقديره: أسألك بالله لا تفعل شيئًا إلا القضاء. انتهى.
وهذا فيه تجوّز؛ لأن الجواب هو المنفي المقدر، والاستثناء من متعلقات المقدر، وليس هو الجواب في الحقيقة، وسؤال الأعرابي القضاء بكتاب الله؛ لأن مقصده بالمناشدة المسارعة [إلى ما طلب](أ) من إراحته من الخصومة، والمبادرة إلى الالتذاذ بحكم الشريعة السمحة، فقوله: بكتاب الله. لم يكن له مفهوم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن حكمه إلا بما أوحي إليه، فذكره إنما هو لما
(أ) ساقط من: الأصل.
_________
(1)
الفتح 12/ 138.
(2)
الآية 6 من سورة البقرة.
(3)
الفتح 12/ 138.
كان حكمه بكتاب الله -وقد كان بعض من جهل حكم الله حكم بخلافه للالتذاذ بذكر المحكوم به- الحق الذي يثلج له الصدر، والمراد بكتاب الله ما حكم به وكتب على عباده، وقيل: القرآن. وحكم الزنى قد عرف من القرآن، وإن كان الرجم غير مصرح به في القرآن، ولكنه قد ثبت في السنة، وحكم السنة واجب بنص القرآن:{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} (1). أو قد دل عليه إجمالًا بقوله تعالى: {أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} (2). وبيان الإجمال بالسنة وهو الرجم في حق المحصن والجلد في غيره، أو لكونه قد نزلت الآية المنسوخة، وهي: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما. ولعل القضية قبل النسخ، أو لم يعلم الأعرابي بالنسخ. وقيل: المراد بكتاب الله ما فيه من النهي عن أكل المال بالباطل؛ لأن خصمه كان أخذ منه الغنم والوليدة بغير حق، ورجح المصنف (3) رحمه الله تعالى أن المراد بكتاب الله ما يتعلق بجميع أفراد القصة مما وقع به الجواب.
قوله: وهو أفقه منه. قال ابن العربي في شرح الترمذي (4): يحتمل أن يكون الراوي كان عارفًا بهما قبل أن يتحاكما، فوصف الثاني بأنه أفقه من الأول؛ إما مطلقًا، وإما في هذه القضية الخاصة، واستدل بحسن أدبه في استئذانه وترك رفع صوته، إن كان الأول رفعه، وتأكيده السؤال على فقهه،
(1) الآية 7 من سورة الحشر.
(2)
الآية 15 من سورة النساء.
(3)
الفتح 12/ 138.
(4)
هذا النقل من شرح الترمذي للعراقي ابن حجر، لا شرح الترمذي لابن العربي، وينظر الفتح 12/ 138، وعارضة الأحوذي 6/ 205 - 210.
وقد ورد أن "
…
حسن السؤال نصف العلم" (1).
قوله: فقال: إن ابني. ظاهر السياق أن القائل هو الثاني، وجزم الكرماني (2) بأن القائل هو الأول، واستدل بما وقع في كتاب الصلح عن آدم عن ابن أبي ذئب (3): فقال الأعرابي: إن ابني. بعد قوله في أول الحديث: جاء أعرابي. وفيه: فقال خصمه. وهذه الزيادة شاذة، والمحفوظ ما في سائر الطرق كما في رواية سفيان في هذا الباب.
قوله: عسيفًا على هذا. زاد شعيب في روايته: والعسيف الأجير (4). وهذا التفسير مدرج في الحديث، وكأنه من قول الزهري، وهي عادته في إدخال التفسير، والعسيف بمهملتين الأجير وزنًا ومعنى، والجمع عسفاء كأجراء؛ ويطلق أيضًا على الخادم وعلى العبد وعلى السائل، وقيل: يطلق على من يستهان به. وفسره عبد الملك بن حبيب بالغلام الذي لم يحتلم، وإن ثبت ذلك فإطلاقه على صاحب هذه [القصة](أ) باعتبار حاله في ابتداء الاستئجار، ووقع في رواية النسائي (5) بلفظ: كان ابني أجيرًا لامرأته. ويسمى الأجير عسيفًا؛ لأن المستأجر يعسفه في العمل، والعسف الجور، أو هو بمعنى الفاعل؛ لكونه يعسف الأرض بالتردد إليها، يقال: عسف الليل
(أ) في الأصل: القضية. والمثبت من جـ موافق لما في الفتح 12/ 139، وينظر شرح مسلم 11/ 206.
_________
(1)
الطبراني في الأوسط 7/ 25 ح 6744.
(2)
شرح البخاري للكرماني 11/ 234.
(3)
البخاري 5/ 301 ح 2695، 2696.
(4)
البخاري 13/ 233 ح 7260.
(5)
النسائي في الكبرى 4/ 286 ح 7193.
عسفًا. إذا أكثر السير فيه، ويطلق العسف أيضًا على الكفاية، والأجير يكفى المستأجر الأمر الذي أقامه فيه ولفظ "على" في: على هذا. بمعنى عند، وقد جاء في رواية: عسيفًا في أهل هذا (1). وكأن الرجل استخدمه فيما تحتاجه امرأته من الأمور فلذلك وقع ما وقع.
وقوله: فإني أخبرت. على البناء للمجهول، كذا في رواية الحميدي (2)، وفي رواية أبي بكر الحنفي (3): فقال لي. وكذا عند أبي عوانة (4)، ووقع في رواية عمرو بن شعيب (5): فسألت من لا يعلم فأخبرني.
وقوله: وخادم (6). المراد بالخادم الجارية المعدة للخدمة، وفي رواية: ووليدة (7).
وقوله: أهل العلم. قال المصنف رحمه الله تعالى (8): لم أقف على أسمائهم، ولا على أعدادهم، ولا على اسم الخصمين، ولا الابن ولا المرأة، وفي رواية ابن أبي ذئب (9): فزعموا.
وفي قوله: جلد مائة. بالإضافة للأكثر، وقرأه بعضهم بتنوين جلد ونصب مائة، ولم يثبت رواية.
(1) البخاري 12/ 185، 186 ح 6859، 6860.
(2)
مسند الحميدي 2/ 354، 355 ح 811.
(3)
أبو نعيم في مستخرجه -كما في الفتح 12/ 139.
(4)
مسند أبي عوانة 4/ 138 ح 6299، 6300.
(5)
النسائي في الكبرى الموضع السابق.
(6)
هذا لفظ البخاري.
(7)
لفظ مسلم وهو أيضًا لفظ حديث الباب.
(8)
الفتح 12/ 139.
(9)
البخاري 12/ 160 ح 6835، 6836.
وقوله: "والذي نفسي بيده". في رواية مالك (1): "أما والذي".
وقوله: "لأقضين". بتشديد النون للتأكيد.
وقوله: "بكتاب الله". في رواية عمرو بن شعيب: "بالحق". وهي ترجح التفسير الأول بكتاب الله.
وقوله: [ردٌّ](أ) بمعنى مردود من إطلاق المصدر بمعنى اسم المفعول،
وفيه دلالة على أن المال في الصلح الباطل لا يحل، وأنه يجب رده.
وقوله: "وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام". محمول على أنه صلى الله عليه وسلم علم أن الابن لم يكن قد أحصن حتى يجب عليه الرجم، وأنه اعترف بالزنى بناء على أنه كان حاضرًا، وقد جاء في رواية للبخاري (2). إن ابني هذا. بالإشارة، أو أنه على تقدير الاعتراف إذا وقع منه، وكذا وقع في رواية عمرو بن شعيب بلفظ: وابني لم يحصن (3).
وقوله: "واغد يا أنيس". بنون ومهملة مصغرًا، قال ابن السكن في كتاب "الصحابة" (4): لم أدر من هو، ولا حدث له رواية ولا ذكر إلا في هذا الحديث. وقال ابن عبد البر (5): هو ابن الضحاك الأسلمي. وقيل: ابن مرثد. وقيل: ابن أبي مرثد. وضعف الأخير هذا، بأن أنيس بن أبي مرثد
(أ) ساقط من: الأصل.
_________
(1)
الموطأ 2/ 822.
(2)
البخاري 12/ 137 ح 6827، 6828.
(3)
تقدم عند النسائي ص 10.
(4)
الفتح 12/ 140.
(5)
الاستيعاب 1/ 114.
صحابي مشهور، وهو غنوي، بالغين المعجمة والنون، لا أسلمي، وهو بفتحتين غير مصغر، وغلط أيضًا من زعم أنه أنس بن مالك؛ لأنه أنصاري، لا أسلمي، ووقع في رواية [شعيب] (أ) وابن أبي ذئب (1):"وأما أنت يا أنيس -لرجل من أسلم- فاغد". وفي رواية معمر (2): لرجل من أسلم، يقال له: أنيس. وفي رواية مالك (3): "وأمر أنيسًا الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر. والمراد بقوله: "اغد". الغدو والذهاب والتوجه، كما يطلق الرواح على ذلك، لا الذهاب في ذلك الوقت.
وقوله: "فإن اعترفت فارجمها". ظاهر الحديث أنه يكفي الاعتراف مرة واحدة كغيره من سائر الأحكام، وقد ذهب إلى هذا أبو بكر والحسن البصري ومالك والشافعي وحماد والثوري والبتي وداود الظاهري، وذهبت العترة وأبو حنيفة وأصحابه وابن أبي ليلى وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وهو الراجح عند الحنابلة إلى أنه يشترط في الإقرار بالزنى أن يتعدد أربع مرات كما سيأتي في حديث ماعز، أنه رده أربع مرات، وقد جاء في الرواية من كلام الراوي: فلما شهد على نفسه أربع شهادات. فإن فيه إشعارًا بأن العدد هو العلة في تأخير إقامة الحد عليه، وإلا لأمر برجمه في أول مرة، وفي حديث ابن عباس أخرجه أبو داود (4) أنه قال لماعز: "قد شهدت
(أ) في الأصل، جـ: عمرو بن شعيب. والمثبت من الفتح 12/ 139.
_________
(1)
رواية ابن أبي ذئب في البخاري ليس فيها قوله: من أسلم.
(2)
عبد الرزاق 7/ 310 ح 13309، وأحمد 4/ 115.
(3)
الموطأ 2/ 822.
(4)
أبو داود 4/ 145 ح 4426.
على نفسك أربع شهادات؛ اذهبوا به فارجموه". ويؤيده القياس على شهود الزنى دون غيره من الحدود. وقد أجيب عن ذلك بأنه قد اضطربت الرواية، فجاء: "أربع مرات". في رواية أبي هريرة (1)، وكذا في حديث جابر بن سمرة من طريق أبي عوانة عن سماك: فشهد على نفسه أربع شهادات. أخرجه مسلم (2).
وأخرجه مسلم (3) من طريق شعبة عن سماك، قال: فرده مرتين. وفي أخرى: مرتين أو ثلاثًا. قال شعبة: فذكرته لسعيد بن جبير، فقال: إنه رده أربع مرات. ووقع في حديث أبي سعيد عند مسلم (4) أيضًا: فاعترف بالزنى ثلاث مرات. وبأن لم يكن في اللفظ ما يدل على أنه لا يعتبر ما دونها؛ لأنها حكاية فعل. وقوله: "قد شهدت على نفسك أربع مرات". حكاية لما قد وقع منه، فالمفهوم غير معتبر، والقياس على أنه قد اعتبر في الشهادة أربعة فاسد؛ لأن المال اعتبر فيه عدلان والإقرار يكفى فيه مرة واحدة، وحديث أنيس أطلق فيه الاعتراف، وهو يصدق بالمرة الواحدة، فلو كان الأربع معتبرة لذكرها؛ لأنه بيان في وقت الحاجة، وقد يدفع هذا بأنه قد عرف أن الإقرار في الزنى لا بد فيه من أربع مرات (أمن قصة ماعز، وهو محتمل أ)،
(أ- أ) ما بينهما ساقط من: جـ.
_________
(1)
أبو دارد 4/ 146 ح 4428.
(2)
مسلم 3/ 1319 ح 17/ 1692. وفيه: "أربع مرات" بدل "شهادات".
(3)
مسلم 3/ 1319 ح 1692/ 18.
(4)
مسلم 3/ 1321 ح 1694 / عقب 21.
(أومع تقدير ثبوت أنه وقع في قصة ماعز أربع مرات أ)، فهو يحتمل أن ذلك لزيادة الاستثبات، فإنه جاء عند مسلم (1) في قصة الغامدية حيث قالت لما جاءت: طهرني. فقال: "ويحك، ارجعي فاستغفري". فقالت: أراك تريد أن ترددني كما رددت ماعزًا، إنها حبلى من الزنا. فلم يؤخر إقامة الحد عليها إلا لكونها حبلى، فلما وضعت أمر برجمها، ولم يستفسرها مرة أخرى، ولا اعتبر تكرير إقرارها، ولا تعدد المجالس.
وقد أجيب عن الاضطراب بالجمع بين الروايات؛ أما رواية: مرتين. [فتحمل](ب) على أنه اعترف مرتين في يوم واحد ومرتين في يوم آخر؛ لما يشعر به قول بريدة: فلما كان من الغد. فاقتصر الراوي على إحداهما، ومراده اعترف مرتين في يومين، فيكون من ضرب اثنين في اثنين، وقد وقع عند أبي داود (2) من طريق إسرائيل عن سماك عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: جاء ماعز فاعترف بالزنى مرتين. وأما رواية الثلاث، فكأن المراد الاقتصار على المرات التي رده فيها، فإنه في الرابعة لم يرده، بل استثبت وسأله عن عقله، وقد جاء عند أبي داود (3) من حديث أبي هريرة: فشهد على نفسه أنه أصاب امرأة حرائا أربع مرات، لم كل ذلك يعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل في الخامسة، فقال:"أتدري ما الزنى؟ ". والمراد
(أ- أ) ما بينهما ساقط من: جـ.
(ب) في الأصل: فيحتمل.
_________
(1)
مسلم 3/ 1321، 1322 ح 1665/ 22.
(2)
أبو داود 4/ 145 ح 4426.
(3)
أبو داود 4/ 146 ح 4428.
بالخامسة الصفة التي وقعت منه عند السؤال والاستثبات؛ لأن صفة الإعراض وقعت أربع مرات، وصفة الإقبال عليه للسؤال وقع بعدها.
وتمام الحديث: فغدا عليها فاعترفت فرجمها (1). كذا في رواية الأكثر (2)، ووقع في رواية الليث (3): فاعترفت فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجمت. واختصره ابن أبي ذئب (4)، فقال: فغدا عليها فرجمها. ونحوه في رواية صالح بن كيسان (5)، وفي رواية عمرو بن شعيب (6): وأما امرأة هذا فترجم. ورواية الليث أتمها؛ لأنها تشعر بأن أنيسًا أعاد جوابها على النبي صلى الله عليه وسلم فأمر برجمها، ويحتمل أن يكون المراد أمره الأول المعلق على اعترافها، فيتحد مع رواية الأكثر. قال المصنف (7) رحمه الله تعالى: والذي يظهر أن أنيسًا لما اعترفت أعلم النبي صلى الله عليه وسلم مبالغة في الاستثبات، مع كونه كان علَّق له رجمها على اعترافها. ولكنه لا بد من أن يقال: إن أنيسًا أعلم النبي صلى الله عليه وسلم ومعه غيره ممن يصح أن يثبت بشهادته حد الزنى. لكنه اختصر ذلك في الرواية، وإن كان قد استدل به بعض بأنه يجوز للحاكم أن يحكم بإقرار الزاني من غير أن يشهد عليه غيره، وأنيسًا قد فوض إليه النبي صلى الله عليه وسلم الحكم، وقد يجاب عنه بأنها واقعة عين، ويحتمل أن يكون
(1) البخاري 12/ 137 ح 6827، 6828.
(2)
يعني روايات صحيح البخاري فالقائل هو المصنف في شرحه الفتح 12/ 140.
(3)
مسلم 4/ 1324، 1325 ح 1697، 1698.
(4)
البخاري 5/ 301 ح 2696، 13/ 185 ح 7193، 7194.
(5)
البخاري 13/ 233 ح 7258، 7259.
(6)
تقدم ص 10.
(7)
الفتح 12/ 142.
أنيس قد أشهد قبل رجمها، قال القاضي عياض (1): احتج به قوم بجواز حكم الحاكم في الحدود ونحوها بما أقر به الخصم عنده. وهو أحد قولي الشافعي، وبه قال أبو ثور، وأبي ذلك الجمهور، والخلاف في غير الحدود أقوى. قال: وقصة أنيس يطرقها احتمال معنى الإعذار، أو أن قوله:"فارجمها". بعد إعلامي أو أنه فوض الأمر إليه، والمعنى: فإذا اعترفت بحضرة من يثبت ذلك بقولهم حكمت، وقد دل قوله: فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجمت. أن النبي صلى الله عليه وسلم -هو الذي حكم فيها بعد أن أعلمه أنيس باعترافها. انتهى.
واعلم أن بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى المرأة ليس لأجل إثبات الحد عليها، فإنه صلى الله عليه وسلم قد أمر باستتار (أ) من أتى الفاحشة (2)، وبالستر عليه كما قال لهزال (3)، ونهى عن التجسس (4)، وإنما ذلك لأنه لما قذفت المرأة بالزنى بعث إليها النبي صلى الله عليه وسلم لتنكر، فتطالب بحد القذف، أو تقر بالزنى فيسقط عنه، فكان منها الإقرار، فأوجبت على نفسها الحد، ويؤيد هذا ما أخرجه أبو داود والنسائي (5) عن ابن عباس: أن رجلًا أقر أنه زنى بامرأة، فجلده النبي صلى الله عليه وسلم مائة، ثم سأل المرأة فقالت: كذب. فجلده جلد الفرية ثمانين. وقد سكت
(أ) في جـ: باستثبات.
_________
(1)
المصدر السابق.
(2)
الحاكم 4/ 383.
(3)
أحمد 5/ 216، 217، وأبو دواد 4/ 131 ح 4377.
(4)
البخاري 9/ 198، 199 ح 5143، ومسلم 4/ 1985 ح 2563/ 28.
(5)
أبو داود 4/ 158 ح 4467، والنسائي في الكبرى 4/ 324 ح 7348، والحاكم 4/ 370.
عليه أبو داود وصححه الحاكم واستنكره النسائي، وقد تضمن الحديث فوائد وآداب يطول الكلام بذكرها.
1003 -
وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم". رواه مسلم (1).
قوله: "قد جعل الله لهن سبيلًا". هو إشارة إلى ما وقع في قوله تعالى: {أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} (2). فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا هو السبيل الذي جعله الله تعالى.
وقوله: "البكر". المراد بالبكر هو من لم يجامع في نكاح صحيح، وهو حر بالغ [عاقل](أ).
وقوله: "بالبكر" ليس هذا التقييد معتبرًا، بل هو مثل التقييد الذي يخرج مخرج الغالب، فإن البكر يجب عليه الجلد وحده، سواء كان مع بكر أو مع ثيب كما في [قصة](ب) العسيف.
وقوله: "ونفي سنة". الحديث فيه دلالة على وجوب التغريبا عامًا،
(أ) ساقط من: الأصل. وينظر شرح مسلم 11/ 190.
(ب) في جـ: قصة.
_________
(1)
مسلم، كتاب الحدود، باب حد الزانى 3/ 1316 ح 1690/ 12.
(2)
الآية 15 من سورة النساء.
وأن ذلك من تمام الحد، وقد ذهب إلى هذا الخلفاء الأربعة (1) وذهب إليه مالك والشافعي وأحمد وإسحاق والثوري والزهري وابن أبي ليلى وأبو يوسف، وادعى محمد بن نصر في كتاب "الإجماع"(2) الاتفاق على نفي الزاني البكر، إلا عن الكوفيين، وقال ابن المنذر (2): أقسم النبي صلى الله عليه وسلم في قصة العسيف أنه يقضي بكتاب الله، ثم قال:"إن عليه جلد مائة، وتغريب عام". وهو المبين لكتاب الله، وخطب بذلك عمر رضي الله عنه على رءوس الناس (3)، وعمل به الخلفاء الراشدون، فلم ينكره أحد فكان إجماعًا.
وذهبت الهدوية وأبو حنيفة وحماد إلى أن التغريب غير واجب؛ إذ لم يذكر في آية النور، والتغريب زيادة على النص، وهو ثابت بخبر الواحد، فلا يعمل به، لأنه يكون ناسخًا، وهذا قول الحنفية.
والجواب أن الحديث مشهور لكثرة طرقه، ومن عمل به من الصحابة، وقد عملت الحنفية بمثله، بل بدونه كنقض الوضوء بالقهقهة، وجواز الوضوء بالنبيذ، وغير ذلك مما هو زيادة على ما في القرآن، ولا نسلم أن ذلك نسخ، فإن الزيادة على النص إذا لم يخرج بها المزيد عليه عن أن يكون [مجزيا](أ) لا يكون نسخًا، لأن النسخ رفع حكم شرعي، وإنما يكون نسخًا
(أ) في الأصل: مجربا.
_________
(1)
عبد الرزاق 7/ 311، 314، 315 ح 13311، 13321، 13323، 13328، وابن أبي شيبة 10/ 83 - 85.
(2)
الفتح 12/ 157.
(3)
سيأتي ح 1006، وليس فيه ذكر الجلد والنفي.
زيادة ركعة خامسة، ونحو ذلك؛ كما هو مقرر في الأصول، وأجاب الإمام المهدي في "البحر" من جانب الهدوية على الحديث بقوله: قلت: التغريب عقوبة لا حدٌّ؛ لقول علي رضي الله عنه: جلد مائة وحبس سنة. ولنفي عمر رضي الله عنه في الخمر ولم ينكر، ثم قال: لا أنفي بعدها أحدًا (1)، والحدود لا تسقط. انتهى، ولا يخفى ضعف الاحتجاج بقول علي فإنه مؤيد لقول الجمهور، وأما نفي عمر في الخمر فذلك اجتهاد منه في زيادة العقوبة على شارب الخمر، ثم عارض المصلحة التي رآها مفسدة فتركها، ولا تلازم بين ذلك وبين حديث النفي إلا باحتمال أن يكون ذلك وقع زيادة عقوبة، لا زيادة حدّ، والاحتمال لا يعارض الصريح، وأجاب الطحاوي (2) بأن التغريب منسوخ بحديث:"إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها". ثم قال في الثالثة: "فليبعها"(3). والبيع يفوِّت التغريب، قال: وإذا سقط عن الأمة سقط عن الحرة؛ لأنها في معناها، ويتأكد بحديث:"لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم"(4). قال: وإذا انتفى عن النساء انتفى عن الرجال. كذا قال، وهو مبني على أن العموم إذا خص سقط الاستدلال [به](أ)، وهو مذهب ضعيف، ولا يخفى ضعف هذا الجواب؛ أما أولًا: فإنه في الأمة، فغاية ما
(أ) ساقط من: الأصل.
_________
(1)
النسائي 8/ 319، وعبد الرزاق 4/ 317 ح 13320 بنحوه.
(2)
شرح معاني الآثار 3/ 137.
(3)
سيأتي ح 1007.
(4)
تقدم في 5/ 196 ح 557.
يفيده أنه مخصص للأمة من حكم التغريب.
وأما ثانيًا: فإن عدم الذكر لا يدل على مخالفة ما ذكر حكمه، وظاهر الحديث أن التغريب عام للذكر والأنثى، والحر والعبد، وقال مالك والأوزاعي، وروي عن علي رضي الله عنه: إن المرأة لا تغرب. قالوا: لأنها عورة، وفي نفيها تضييع لها، وتعريض للفتنة؛ ولهذا نهيت عن السفر مع غير محرم، إلا أن القائلين بتغريبها، يقولون بالتغريب لها مع محرمها، وأجرته منها إذ وجبت بجنايتها. وقيل: في بيت المال كأجرة الجلاد. وأما الرق فذهب مالك وأحمد والحسن وإسحاق وحماد وقول للشافعي إلى أنه لا ينفى، قالوا: لأن نفي الرق عقوبة لمالكه؛ لمنعه منفعته مدة نفيه، وتصرف الشرع يقضي أنه لا يعاقب غير الجاني، ومن ثَم سقط فرض الجهاد والحج عن المملوك، وذهب الثوري وداود والطبري وقول للشافعي إلى أنه ينفى لعموم أدلة التغريب، وقوله تعالى:{فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} (1). وينصف في حق المملوك لعموم الآية، وفي قول للشافعي: لا ينصف التغريب، هو طرد سنة، وأقله مسافة القصر لتحصل الغربة، ولأنه غرب عمر من المدينة إلى الشام (2)، وغرب عثمان إلى مصر (3)، ومن كان غريبًا لا وطن له غرب إلى غير البلد الذي كان فيه، وذلك موكول إلى نظر الإمام، وروي في "البحر" عن علي والباقر والصادق وأحد قولي الناصر أنه حبس سنة، ثم قال في الجواب عليهم:
(1) الآية 25 من سورة النساء.
(2)
سعيد بن منصور كما في التلخيص 4/ 60، والبغوي في الجعديات 1/ 195 ح 598.
(3)
قال الحافظ: لم أجده. التلخيص 4/ 61.
قلنا: مخالف لوضع لفظ التغريب.
وقوله: "والثيب". المراد بالثيب من قد وطئ في نكاح صحيح وهو بالغ عاقل حر، والرجل والمرأة في ذلك سواء، ويستوي في هذا الكافر والسلم، والرشيد والمحجور عليه لسفه.
وقوله: "جلد مائة والرجم". والحديث فيه دلالة على أنه يجمع في حد الثيب بين الجلد والرجم، والرجم ثابت إجماعًا، إلا ما حكاه القاضي أبو بكر بن العربي عن الخوارج وبعض المعتزلة كالنظّام وأصحابه، والجمع بينهما أخرجه البخاري (1) وغيره عن علي رضي الله عنه في حق شراحة -بضم الشين المعجمة وتخفيف الراء المهملة ثم حاء مهملة- الهمدانية -بسكون الميم وبالدال المهملة- فجلدها يوم الخميس، ورجمها يوم الجمعة، وقال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الشعبي: قيل لعلي: جمعت بين حدين! فأجاب بما ذكر (2). قال الشعبي: وقال أبي ابن كعب بمثل ذلك (3). قال الحازمي (4): ذهب إلى هذا أحمد وإسحاق وداود وابن المنذر، وهو مذهب العترة وداود، وذهب الجمهور إلى أنه لا يجمع بينهما في حق الثيب، وهي رواية عن أحمد أيضًا، قالوا: وحديث عبادة بن الصامت المذكور منسوخ، والناسخ له ما ثبت في قصة ماعز أن النبي صلى الله عليه وسلم رجمه، ولم يذكر الجلد. قال الشافعي رحمه الله تعالى: فدلت
(1) البخاري 12/ 117 ح 6812، والنسائي في الكبرى 4/ 269، 270 ح 7140، 7141.
(2)
البخاري 12/ 119 ح 6812 بنحوه، وأخرجه أحمد 1/ 116.
(3)
أخرجه عبد الرزاق 7/ 328 ح 13356.
(4)
الاعتبار ص 201.
السنة على أن الجلد ثابت على البكر، ساقط عن الثيب، والدليل على أن قصة ماعز متراخية عن حديث عبادة أن حديث عبادة ناسخ لما شرع أولًا؛ من حبس الزاني في البيوت فنسخه الجلد، وزيد الثيب الرجم، وذلك صريح في حديث عبادة، ثم نسخ الجلد في حق الثيب، وذلك مأخوذ من الاقتصار في قصة ماعز والغامدية والجهنية واليهوديين، ولم يذكر الجلد مع الرجم، قال ابن المنذر (1): عارض بعضهم الشافعي، فقال: الجلد ثابت بكتاب الله، والرجم ثابت بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال علي، وقد ثبت الجمع بينهما في حديث عبادة، وعمل به علي، ووافقه أبي، وليس في قصة ماعز ومن ذكر معه تصريح بسقوط الجلد عن المرجوم، لاحتمال أن يكون ترك ذكره لوضوحه ولكونه الأصل، وقد احتج الشافعي بنطر هذا حين عورض في إيجاب العمرة، بأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من سأله أن يحج عن أبيه، ولم يذكر العمرة، فأجاب الشافعي بأن السكوت عن ذلك لا يدل على سقوطه، قال: فكذا ينبغي أن يجاب هنا، لكن الشافعي يقول (2): إن قصة ماعز جاءت من طرق متنوعة بأسانيد مختلفة، لم يذكر في شيء منها أنه جلد، وكذلك الغامدية والجهنية وغيرهما، فدل عدم ذكره على عدم وقوعه، ودل عدم وقوعه على عدم وجوبه. وقال الإمام المهدي في الرد على دليل الجمهور: قلنا: معارض بفعل علي، وهو توقيف. انتهى.
ويقال عليه: إن عليًّا رضي الله عنه ظاهر قوله [أنه](أ) فعل ذلك اجتهادًا
(أ) في الأصل، جـ: أن.
_________
(1)
الفتح 12/ 119.
(2)
هذا من كلام الحافظ وليس الشافعي، وينظر الفتح 12/ 120.
منه جمعًا بين الدليلين، لما قال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فعمل بالدليلين اجتهادًا منه ببقاء حكمهما وكأنه لم يظهر له ما نسخ ذلك فوجب إعمال الدليلين، والله أعلم.
واعلم أن ثبوت الجلد كان بسورة النور، ونزولها كان في قصة الإفك، وقد اختلف: هل كان سنة أربع أو خمس أو ست؟ والرجم كان بعد ذلك، فقد حضره أبو هريرة، وإسلامه سنة سبع، وابن عباس كذلك حضره، وهو إنما جاء مع أمه إلى المدينة سنة تسع.
1004 -
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتى رجل من المسلمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد فناداه، فقال: يا رسول الله، إني زنيت. فأعرض عنه، فتنحى تلقاءَ وجهه، فقال: يا رسول الله، إني زنيتُ. فأعرض عنه، حتى ثنَى ذلك عليه أربع مرات، فلما شهد على نفسه أربع شهادات، دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"أبك جنون؟ ". قال: لا. قال: "فهل أحصنت؟ ". قال: نعم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اذهبوا به فارجموه". متفق عليه (1).
قوله: فتنحى تلقاء وجهه. أي: انتقل من الناحية التي كان فيها إلى الناحية التي يستقبل بها وجهَ النبي صلى الله عليه وسلم. وتلقاءَ مصدرٌ أقيم مقام الظرف، أي مكان تلقاء، فحذف مكان. وليس من المصادر "تفعال" بكسر أوله غير هذا ولفظ تبيان، وما عداهما فتفتح التاء، وأما الأسماء غير المصادر فبهذا
(1) البخاري، كتاب الحدود، باب لا يرجم المجنون والمجنونة 12/ 120، 121 ح 6815، ومسلم، كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنى 3/ 1318 ح 1691/ 16.
الوزن كثير. وهذا المذكور لفظ شعيب. وفي رواية ابن مسافر (1): فتنحى لشق وجه النبي صلى الله عليه وسلم الذي أعرض قبله. بكسر القاف وفتح الموحدة.
وقوله: ثنَى ذلك عليه. وهو بمثلثة بعدها نون خفيفة، أي: كرر. وجاء في لفظ [حتى](أ) ردد (2) بدالين، وفي لفظ [حتى رد](أ) بدال مدغمة (3).
وقوله: أربع مرات. وقع في رواية أبي ذر (4) في لفظ: أربع شهادات.
وأخرج مسلم (5) من حديث جابر بن سمرة من طريق أبي عوانة عن سماك: فشهد على نفسه أربع شهادات. وأخرجه (6) من طريق شعبة عن سماك قال: فرده مرتين. وفي أخرى: مرتين أو ثلاثًا. قال شعبةُ: فذكرته لسعيد بن جبير، فقال: إنّه ردَّه أربع مراتٍ. ووقع في حديث أبي سعيد عند مسلم (7) أيضًا: فاعترف بالزنى ثلاث مرات.
والجمع بينهما؛ أما رواية: مرتين. فتحمل على أنه اعترف مرتين في يوم
(أ) ساقط من: الأصل.
_________
(1)
مسند أبي عوانة 4/ 125 ح 6263، بلفظ:"فتنح لشق وجهه الذي أعرضا عنه". وينظر الفتح 12/ 122.
(2)
البخاري 12/ 120، 121 ح 6815.
(3)
البخاري برواية الكشمهيني -كما في الفتح 12/ 122.
(4)
مسند أحمد 5/ 179، بلفظ:"ثم ربع"، وهو بلفظه عند أبي داود 4/ 147 ح 4430 من حديث جابر بن عبد الله.
(5)
مسلم 3/ 1319 ح 1692/ 17 بلفظ: "أربع مرات".
(6)
مسلم 3/ 1319 ح 1692/ 18.
(7)
مسلم 3/ 1321 ح 1694/ 21.
واحد، ومرتين في يوم آخر، لما يشعر به قول بريدة (1): فلما كان من الغد. فاقتصر الراوي على أحدهما، أو مراده اعترف مرتين في يومين، فيكونُ من ضرب اثنين في اثنين، وقد وقع عند أبي داود (2) من حديث ابن عباس: جاء ماعز فاعترف بالزنى مرتين. وقد تقدم ذلك قريبًا.
وقوله: [فقال](أ)"أبك جنون؟ ". وقع في رواية بريدة (3). فسأل، "أبه جنون؟ ". فأخبر أنه ليس بمجنون. وفي لفظ (4): فأرسل إلى قومه، فقالوا: ما [نعلمه](ب) إلا وفيَّ العقل من صالحينا. وفي حديث أبي سعيد (5): ثم سأل قومه، فقالوا: ما نعلم به بأسًا، إلا أنه أصاب شيئًا، يرى أنه لا يخرجه منه إلا أن يقام فيه الحد. وفي مرسل سعيد (6): بعث إلى أهله، فقال:"أيشتكي؟ أبه جنون؟ ". فقالوا: يا رسول الله، إنه لصحيحٌ. ويجمع بينهما بأنه سأله، ثم سأل عنه احتياطًا، فإن فائدة سؤاله أنه لو ادَّعى الجنون لكان في ذلك دفع (جـ) لإقامة الحدِّ عليه، حتى يظهر خلاف دعواه،
(أ) ساقط من: الأصل.
(ب) في الأصل، جـ: نعلم. والمثبت من مصدر التخريج.
(جـ) في جـ: رفع.
_________
(1)
مسلم 3/ 1323 ح 1695/ 23.
(2)
أبو داود 4/ 145 ح 4426.
(3)
مسلم 3/ 1321، 1322 ح 1695/ 22.
(4)
مسلم 3/ 1323 ح 1695/ 23.
(5)
مسلم 3/ 1320 ح 1694/ 20.
(6)
النسائي في الكبرى 4/ 281 ح 7179، بلفظ:"والله إنه لصحيح".
فلما أجاب بأنه لا جنون به سأل عنه؛ لاحتمال أن يكون كذلك، ولا يعتد بقوله، وفيه دلالة على أنه يجب على الإمام أن يستفصل عن الأمور التي لا يجب معها الحد، فإن قصر في ذلك، ضمن إن تعمد وإلا كان خطأ، وضمان الخطأ في بيت المال، وقد يدفع بأنه لم يقع استفصال في قصة العسيف، ويجاب بأنَّ عدم ذكر ذلك لا يدل على عدم وجوده، فإنه قد يروي الراوي بعض الواقع. والله أعلم.
وقوله: "أحصنت؟ ". بفتح الهمزة، المراد تزوجت، وهذا معناه هنا جزمًا؛ لأن الحكمَ في الزنى إنما افترق في حق من تزوج ومن لم يتزوج.
قوله: قال: نعم.
وهذا الحديث قد روي بزيادات، ففي حديث بريدة (1) قبل هذا قال:"أشربت خمرًا؟ ". قال: لا. وفيه: فقام رجل فاستنكهه، فلم يجد منه ريحًا. وفي حديث ابن عباس (2):"لعلك قبلت، أو غمزت -بغين معجمة وزاي- أو نظرت". والمعنى: أنك تجوزت بإطلاق لفظ الزنى على مقدماته. وفي رواية نعيم (3) فقال: "هل ضاجعتها؟ ". قال: نعم. قال: "فهل باشرتها؟ ". قال: نعم. قال: "هل جامعتها؟ ". قال: نعم. وفي حديث ابن عباس المذكور، فقال (4):"أنكتها؟ ". لا يكني؛ بفتح الياء التحتانية وسكون الكاف، من الكناية، أو أنه ذكر هذا اللفظ صريحًا، ولم
(1) بلفظ: "أشرب خمرا، فقام
…
".
(2)
سيأتي ح 1005.
(3)
أحمد 5/ 216، 217، وأبو داود 4/ 143، 144 ح 4419. بلفظ "هل باشرتها؟ ".
(4)
البخاري 12/ 135 ح 6824.
يكن عنه بلفظ آخر كالجماع، ويحتمل أن يجمع بأنه ذكره بعد ذكر الجماع؛ لأن الجماع قد يحمل على مجرد الاجتماع. وفي حديث أبي هريرة (1):"أنكتها؟ ". قال: نعم. قال: "حتى دخل ذلك منك في ذلك منها؟ ". قال: نعم. قال: "كما يغيب المرود في المكحلة، والرشاء في البئر؟ ". قال: نعم. قال: "تدري ما الزنى؟ ". قال: نعم، أتيت منها حرامًا، ما يأتي الرجل من امرأته حلالًا. قال:"فما تريد بهذا القول؟ ". قال: تطهرني. فأمر به فرجم. وفي رواية النسائي (2): "هل أدخلته وأخرجته؟ ". قال: نعم.
والحديث فيه دلالة أنه يندب تلقين ما يسقط الحد، وأن الإقرار لا بد فيه من اللفظ الصريح الذي لا يحتمل غير المواقعة، وقد روي عن جماعة من الصحابة تلقين المُقِر، كما أخرج مالك (3) عن أبي الدرداء وعن علي في قصة شراحة، وقال أبو ثور: التلقين إنما هولمن يُظَن منه أنه يجهلٍ حكم الزنى، وعند المالكية: لا يلقن من اشتهر بانتهاك [الحرمات](أ). وقد يستدل بما في حديث (ب) بريدة من قوله: "أشربت خمرًا؟ ". أن السكران لا يصح إقراره بالزنى. قال المازري (4): استدل به بعضهم على أن طلاق
(أ) في الأصل: المحرمات.
(ب) زاد بعده في الأصل، جـ: أبي.
_________
(1)
أبو داود 4/ 146 ح 4428.
(2)
النسائي في الكبرى 4/ 288، 289 ح 7200.
(3)
الفتح 12/ 126.
(4)
المعلم بفوائد مسلم 2/ 257، وينظر الفتح 12/ 127.
السكران لا (أ) يقع، وتعقبه عياض بأنه لا يلزم من درء الحد به ألا (ب) يقع طلاقه لوجود تهمته على ما يظهر من عدم العقل. قال: ومذهبنا إلزامه بجميع أحكام الصحيح؛ لأنه أدخل ذلك على نفسه، وهو حقيقة مذهب الشافعي، واستثنى من أكره ومن شرب ما ظن أنه غير مسكر، ووافقه بعض متأخري المالكية. وقال النووي (1): الصحيح عندنا صحة إقرار السكران، ونفوذ أقواله فيما له وعليه. قال: والسؤال عن شربه الخمر محمول عندنا على أنه لو كان سكرانًا لم يقم عليه الحد. انتهى.
ولعله يقال: المراد به: يؤخر إقامة الحد إلى بعد الصحو؛ لجواز أن يكون له شبهة يدعيها. وذهب الليث إلى أنه يعمل بأفعاله ولا يعمل بأقواله؛ لأنه يلتذ بفعله ويشفي غيظه ولا يفقه أكثر ما يقول، وقد قال الله تعالى:{لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} (2).
وقوله: "اذهبوا به فارجموه". فيه دلالة على أنه لا يجب أن يكون أول من يرجم الإمام فيمن يثبت عليه بالإقرار، وقد ذهب إلى هذا الشافعي والهادي، وإنما يستحب ذلك. قال ابن دقيق العيد: وإن كان الفقهاء قد استحبوا أن يبدأ الإمام بالرجم إذا ثبت الزنى بالإقرار ويبدأ (جـ)
(أ) ساقطة من: جـ.
(ب) في جـ: أولًا.
(جـ) في جـ: يبتدأ.
_________
(1)
الفتح 12/ 127، وينظر شرح مسلم 11/ 200.
(2)
الآية 43 من سورة النساء.
الشهود به إذا ثبت بالبينة، كأن الإمام لمَّا كان عليه التثبُّت والاحتياط، قيل له: ابدأ. لكون (أ) ذلك زاجرًا عن التساهل في الحكم وداعيًا إلى غاية التثبت، وأما في الشهود فظاهر، لأن قتله بقولهم. وذهب أبو حنيفة واختاره الهدوية إلى أن ذلك واجب، ويرد عليهم بهذا الحديث. وظاهر قوله:"فارجموه". أنه لم يحفر له حفيرة، بل وقع التصريح في حديث أبي سعيد عند مسلم (1)، فقال: ما حفرنا له ولا أوثقناه. ولكن وقع في حديث بريدة عند مسلم (2): فحفر له حفيرة. ويمكن الجمع بأن النفي (ب) حفيرة لا يمكنه الوقوف فيها، والمثبت عكسه، أو أنهم لم يحفروا له في أول الأمر ثم لما فَرَّ فأدركوه حفروا له حفيرة، فانتصب لهم فيها حتى فرغوا منه، أو أنهم حفروا له في أول الأمر، ثم لما وجد مس الحجارة خرج من الحفيرة فتبعوه، وهذا أوجه، ويؤيده ما في لفظ البخاري (3): فلما أذلفته الحجارة -بالذال المعجمة والقاف؛ أي بلغت منه الجهد- هرب، فأدركناه بالحَرَّةِ فرجمناه. زاد معمر في روايته (4) حتى مات. وذهبت الشافعية إلى أنه لا يحفر للرجل، وفي وجهٍ: يتخير الإمام. وفي المرأة أوجه ثلاثة، ثالثها: يحفر إن ثبت زناها
(أ) في جـ: ليكون.
(ب) في جـ: النفي.
_________
(1)
مسلم 3/ 1320، 1321 ح 1694. بلفظ: فما أوثقناه ولا حفرنا له.
(2)
مسلم 3/ 1323 ح 1695 بلفظ: حفر له حفرة.
(3)
البخاري 12/ 121 ح 6816.
(4)
البخاري 12/ 192 ح 6820.
بالبينة لا بالإقرار. وعن الأئمة الثلاثة في المشهور عنهم: لا يحفر. وعند الهدوية الحفر مندوب للرجل والمرأة. وقال أبو يوسف وأبو ثور: يحفر للرجل والمرأة. وقد أخرج أبو داود (1) من حديث يزيد بن نعيم بن هزال (أ) أنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: "هلا رددتموه إليَّ". وفي رواية (2): "تركتموه لعله يتوب فيتوب الله عليه". وفيه دلالة على أنه يقبل من المقر الرجوع عن الإقرار، وقد ذهب إلى هذا الهدوية، وهو مذهب الشافعي وأحمد، فإذا هرب ترك لعله يرجع، وعند المالكية (ب [في المشهور] ب): لا يترك إذا هرب. وقيل: إن المقر يقام عليه الحد إذا أخذ على الفور، فإن لم يؤخذ ترك. وعند الحنفية: إذا أخذ في الحال أقيم عليه الحد، وإن أخذ بعد أيام ترك. وعن أشهب: إن ذكر عذزا يقبل تُرِك، وإلا فلا. ونقله القعنبي عن مالك، وحكى اللخمي عنه قولين فيمن رجع إلى شبهة، ومنهم من قيده بما بعد إقراره عند الحاكم، واحتجت المالكية بأن الذين رجموه حين مات بعد أن هرب لم يُلْزَموا بديته، فلو شرع تركه لوجبت عليهم الدية. والجواب: أنه لم يصرح بالرجوع، ولم يقل أحد: إن الحد يسقط بمجرد الهرب.
(أ) في جـ: هلال. وينظر تهذيب الكمال 30/ 171.
(ب- ب) ما بينهما ساقط من الأصل.
_________
(1)
أبو داود 4/ 143، 144 ح 4419.
(2)
أبو داود 4/ 143، 144 ح 4419، والنسائي في الكبرى 4/ 290، 291 ح 7205.
1005 -
وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: لما أتى ماعز بن مالك إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "لعلك قبلت، أو غمزت، أو نظرت؟ ". قال: لا يا رسول الله. رواه البخاري (1).
قوله: "قبلت". أي المرأة، فحذف (أ) المفعولَ للعلم به، والمراد المرأة المذكورة، ولم يعين محل التقبيل.
وقوله: "أو غمزت". بالغين المعجمة والزاي؛ أي بعينك، أو يدك، أي أشرت، أو المراد: تعمدت بيدك الجس، أو وضعها على عضو الغير، وإلى ذلك الإشارة بقوله في رواية زيادة:"أو لمست".
وقوله: "أو نظرت". والمراد أنه أطلق على كل واحدة من هذه المذكورات لفظ الزنى مجازًا، وذلك كما جاء في حديث:"العين تزني وزناها النظر"(2).
الحديث فيه دلالة على أنه يلقن المقر الشبهة التي إذا قالها سقط عنه الحد، وأن الإقرار بالزنى لا بد فيه من اللفظ الصريح الذي لا يحتمل
(أ) في جـ: محذوف.
_________
(1)
البخاري، كتاب الحدود، باب هل يقول الإمام للمقر: لعلك لمست أو غمزت 12/ 135 ح 6824.
(2)
الطحاوي في شرح المشكل 1/ 93 ح 98، والسنة لابن أبي عاصم ح 193 بلفظه.
غير المواقعة.
1006 -
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه خطب فقال: إن الله بعث محمدًا بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان فيما أُنزل عليه آية الرجم، قرأناها ووعيناها وعقلناها، فرجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله. فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، وإن الرجم حق في كتاب الله على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف. متفق عليه (1).
قوله: أنه خطب. كانت الخطبة بعد رجوعه من الحج وقدم المدينة.
وقوله: آية الرجم. لم يذكرها البخاري، وقد أخرج الإسماعيلي (2) من رواية جعفر الفريابي عن علي بن عبد الله شيخ البخاري فيه، فقال بعد قوله: أو الاعتراف: وقد قرأناها: الشيخ والشيخة فارجموهما البتة. وقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده. فسقط من رواية البخاري من قوله: وقد. إلى قوله: البتة. ولعل البخاري هو الذي حذف ذلك عمدًا، فقد أخرجه النسائي (3) عن محمد بن منصور عن سفيان كرواية جعفر، ثم قال: لا أعلم
(1) البخاري، كتاب الحدود، باب رجم الحبلى من الزنى إذا أحصنت 12/ 144 ح 6830، ومسلم، كتاب الحدود، باب رجم الثيب في الزنى 3/ 1317 ح 1691.
(2)
الفتح 12/ 143.
(3)
النسائي في الكبرى 4/ 273 ح 7156.
أحدًا ذكر في هذا الحديث: الشيخ والشيخة. غير سفيان، وينبغي أن يكون وهم في ذلك، وقد وقعت هذه الزيادة في هذا الحديث من رواية "الموطأ" (1) عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال: لما صدر عمر من الحج وقدم المدينة، خطب الناس فقال (أ): أيها الناس، قد سنت لكم السنن، وفرضت لكم الفرائض، وتركتم على الواضحة. ثم قال: إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم؛ أن يقول [قائل](ب): لا نجد حدين في كتاب الله. فقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا، والذي نفسي بيده لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب الله. لكتبتها بيدي: الشيخ والشيخة فارجموهما البتة (جـ). قال مالك: الشيخ والشيخة: الثيب والثيبة. ووقع في "الحلية"(2) في ترجمة داود بن أبي هند: لكتبتها في آخر القرآن. وفي رواية أبي معشر (3) بلفظ: قد قرأنا: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالًا من الله والله عزيز حكيم. وأخرجه (د) النسائي وصححه الحاكم (4) من حديث أبي بن كعب
(أ) زاد بعده في جـ: يا.
(ب) ساقطة من: الأصل.
(جـ) زاد بعده في مصدر التخريج: فإنا قد قرأناها.
(د) في جـ: أخرج.
_________
(1)
الموطأ 2/ 824.
(2)
حلية الأولياء 2/ 174.
(3)
مسند البزار 1/ 407 - 411 ح 286.
(4)
النسائي في الكبرى 4/ 271، 272 ح 7150، والحاكم 2/ 415.
قال: ولقد كان فيها -أي في سورة "الأحزاب"- آية الرجم: الشيخ. فذكر مثله. ومن حديث زيد بن ثابت (1): سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم[يقول](أ): الشيخ والشيخة. مثله، إلى قوله: البتة. ومن رواية أبي أمامة بن سهل (2) أن خالته أخبرته قالت: [لقد](أ) أقرأناها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فذكره، إلى قوله: البتة. وزاد (ب): بما قضيا من اللذة. وهذا من نسخ التلاوة وبقاء الحكم، وهو قسم من أقسام النسخ كما هو مبين في الأصول.
وقوله: فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله. أي في الآية المذكورة التي نسخت تلاوتها وبقي حكمها، وقد وقع ما خشي عمر، فإنه قد أنكر الرجم طائفة من الخوارج أو معظمهم وبعض العتزلة، وهذا إما من التحديث الذي وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم به عمر، أو أنه قد سمع ذلك، وقد أخرج عبد الرزاق والطبراني (3) عن ابن عباس أن عمر قال: سيجيء قوم يكذبون بالرجم. الحديث. وفي رواية عند النسائي (4): وأن ناسًا يقولون: ما بال الرجم؟!
(أ) ساقطة من: الأصل.
(ب) في جـ: وأراد.
_________
(1)
أحمد 5/ 183، والنسائي في الكبرى 4/ 270 ح 7145.
(2)
النسائي في الكبرى 4/ 270 ح 7146.
(3)
لم أجده عند الطبراني والحديث عند عبد الرزاق 7/ 330 ح 13364، والطبري 6/ 161 من حديث ابن عباس بنحوه.
(4)
النسائي في الكبرى 4/ 273 ح 7154.
[وإنما](أ) في كتاب الله الجلد؛ ألا قد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقوله: أو كان الحَبَل. بفتح المهملة والموحدة، وفي رواية معمر (1): الحمل. أي وجدت المرأة الخلية (ب) من زوج أو سيد حُبْلَى، و [لم](جـ) تذكر شبهة ولا إكراهًا، فيه دلالة على أنه يثبت الحد بالحبَل المذكور، وهذا مذهب عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وذهب إليه مالك وأصحابه، وقالوا: إذا حملت ولم يعلم لها زوج ولا سيد، ولا عرفنا إكراهها، لزمها الحد، إلا أن تكون غريبة طارئة، وتَدَّعي أنه من زوج أو سيد. قالوا: ولا تقبل دعواها الإكراه إذا لم تقم بذلك بيِّنَةٌ عند الإكراه قبل ظهور الحبَل. وقال الشافعي وأبو حنيفة وجماهير العلماء وذكره القاضي زيد في شرحه من الهادوية: إنه لا حد عليها إلا ببينة أو اعتراف؛ لأن [الحدود تسقط](د) بالشبهات، وقد يستأنس لهذا بما روي عن علي في قصة شراحة (2)، أنه قال لها: أستكرهت؟ قالت: لا. قال: فلعل رجلا أتاك في نومك؟ فسؤالها عن الاستكراه بعد الإقرار يدل على أن الاستكراه مسقط للحد ما لم يصرح بعدمه، ولكن قول عمر لما ذكر في خطبته ولم ينكر عليه، دليل
(أ) في. . . . [قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: غير واضح بالمطبوع]
(ب) في جـ. . . . [قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: غير واضح بالمطبوع]
(جـ) في الأصل: لا.
(د) في الأصل: الحد يسقط.
_________
(1)
البخاري 12/ 137 ح 6829.
(2)
تقدم ص 22.
قوي، فإنه ينزل منزلة الإجماع، وأجاب الطحاوي (1) بتأويل ذلك على أن المراد أن الحبل إذا كان من زنى وجب فيه الرجم، ولا بد من ثبوت كونه من زنى، ولا يخفى تكلفه، فإن عمر جعل الحبل مقابلًا للاعتراف.
وقوله: أو الاعتراف. أي الإقرار بالزنى والاستمرار عليه. وقد تقدم الكلام فيه.
1007 -
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إن زنت فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من شعر".متفق عليه (2) ، وهذا لفظ مسلم.
قوله (فتبين زناها) ظاهر الحديث أنه إذا علم السيد بزنا أمته جلدها وإن لم تقم الشهادة، وقد ذهب إليه بعض العلماء ويحتمل أنه إذا تبين زناها بما يتبين به في حق الحرة، وهو الشهادة أو الإقرار والشهادة تقام عند الحاكم عند الأكثر، وذهب بعض أصحاب الشافعي إلى أنها تقام عند السيد
وقوله (فليجلدها) فيه دلالة على أن ولاية الحد إلى السيد وقد
ذهب إلى هذا الشافعي، وذهب الهادي إلى أن ولاية إقامة الحد إلى الإمام، إن كان في الزمان إمام، وإلا فإلى السيد، قال: جمعًا بين الأدلة. أو (أ) أن قوله: "فليجلدها". بأمر الإمام، وهو (ب) بعيد، والمراد فليجلدها الحد الواجب عليها المعروف من صريح قوله تعالى:{فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} (1). وقد وقع في رواية النسائي (2): "فليجلدها بكتاب الله".
وقوله: "ولا يثرب عليها". التثريب (جـ) بمثناة ثم مثلثة ثم موحدة هو التعنيف وزْنًا ومعنى، وقد جاء أيضًا بلفظ:"ولا يعنفها". عند النسائي (3)، والمراد أنه لا يجمع عليها العقوبة بالجلد وبالكلام. وقيل: المراد: ولا يقنع بالتعنيف دون الجلد، وهو بعيد. قال ابن بطال (4): يؤخذ منه أن كل من أقيم عليه الحد لا يعزر بالتعنيف واللوم، وإنما يليق ذلك بمن صدر منه قبل أن يرفع إلى الإمام للتحذير والتخويف، فإذا رفع وأقيم عليه الحد كفاه. ويؤيد
(أ) في جـ: و.
(ب) في جـ: هذا.
(جـ) ساقطة من: جـ.
_________
(1)
الآية 25 من سورة النساء.
(2)
النسائي في الكبرى 4/ 299 ح 7243.
(3)
النسائي في الكبرى 4/ 300 ح 7246، بلفظ:"ولا يعتقها" وهو تصحيف وجاء على الصواب معزوا إلى النسائي في الفتح 12/ 165 ح 6839، وسبل السلام 4/ 18.
(4)
ابن بطال 6/ 283، وينظر الفتح 12/ 166.
هذا نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن سب الذي أقيم عليه حد الخمر، وقال:"لا تكونوا عونًا للشيطان على أخيكم"(1).
وقوله: "ثم إن زنت" إلى آخر الحديث. فيه دلالة على أن الزاني إذا تكرر منه الزنى بعد إقامة الحد عليه تكرر عليه الحد، وأما إذا زنى مرات من دون تخلل إقامة الحد، لم يجب عليه إلا حد واحد. وظاهر قوله:"فليبعها". أنه لا يعيد عليها الحد. وقال المصنف رحمه الله تعالى في "فتح الباري"(2): الأرجح أنه يجلدها قبل البيع، ثم يبيعها، والسكوت عنه للعلم بأن الحد لا يترك، ولا يقوم البيع مقامه. وقال في "شرح مسلم" للنووي (3): وفيه إشارة إلى أن العقوبة في التعزيرات إذا لم يحصل بها المقصود من الزجر لا تفعل، فيعدل عن الحد إلى ترك شرط إقامته على السيد، وهو بالإخراج عن الملك، ولذلك قال:"فليبعها". ولم يقل: فليجلدها كلما تكرر منها الزنى. كذا ذكره ابن دقيق العيد (4)، وقال: قد تعرض إمام الحرمين لشيء من ذلك، فقال: إذا علم المعزر أن التأديب لا يحصل إلا بالضرب المبرح فليتركه؛ لأن المبرح يهلك، وليس له الإهلاك، [وغير المبرح لا يفيد](أ)،
(أ) ساقط من: الأصل، جـ. والمثبت من مصدر التخريج.
_________
(1)
أحمد 1/ 438.
(2)
الفتح 12/ 164.
(3)
شرح مسلم 11/ 211 بدون ذكر نص الكلام كله، والفتح 12/ 165 بتمامه.
(4)
الفتح 12/ 165.
وهذا البيع المأمور به مستحب ليسٍ بواجب عند الجمهور، وادعى بعض الشافعية أن سبب صرف الأمر عن (أ) الوجوب أنه منسوخ، وممن حكاه ابن الرفعة في "المطلب"(1)، ويحتاج إلى ثبوت. وقال ابن بطال (2): حمل الفقهاء الأمر بالبيع على الحض (ب) على مباعدة من تكرر منه الزنى؛ لئلا يظن بالسيد الرضا بذلك، ولما في (جـ) ذلك من الوسيلة إلى تكثير أولاد الزنى. قال: وحمله بعضهم على الوجوب، ولا سلف له (د) من الأمة، فلا يشتغل به، وقد ثبت النهي عن إضاعة المال، فكيف يجب بيع ما له قيمة خطيرة بالحقير؟ انتهى.
وظاهر هذا أن الإجماع صرف الأمر عن الوجوب، وقال داود وأهل الظاهر: هو واجب، وفيه دلالة على ترك مخالطة الفساق وأهل المعاصي وفراقهم، وأنه يجوز بيع الشيء الثمين بالثمن الحقير، وهذا مجمع عليه إذا كان البائع عالمًا به، فإن كان جاهلًا فكذلك عند الجمهور، ولأصحاب مالك فيه خلاف، إلا أنه يلزم البائعَ أن يعرِّف الشتري العيب الذي فيها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:"من غشنا فليس منا"(3). إلا أنه يقال: كيف أحب لأخيه
(أ) في جـ: على.
(ب) في جـ: الحصر.
(جـ) ساقطة من: جـ.
(د) في جـ: لهم.
_________
(1)
الفتح 12/ 164.
(2)
ابن بطال 6/ 282، وينظر الفتح 12/ 164.
(3)
أحمد 2/ 417، ومسلم 1/ 99 ح 101.
المسلم شراءها وهو لا يرتضيه لنفسه؟ والجواب عنه: أن ذلك لكونها قد تستعف عند المشتري بأن يعفها لنفسه (أ) أو يزوجها أو يصونها لهيبته أو الإحسان إليها. وفي الحديث دلالة أنه يقام الحد على الأمة وإن لم تكن قد أحصنت، وإن كانت الآية الكريمة مشروطًا فيها بالإحصان، فالآية بيان حد المحصنة، وأن عليها نصف الجلد لا الرجم؛ لأنه لا يتنصف، ولعل هذا هو فائدة التقييد بالشرط، وهذا الحديث فيه بيان حد الأمة مطلقًا، وفي خطبة علي (1): يأيها الناس، أقيموا على أرقائكم الحد، من أحصن منهم (ب) ومن لم يحصن. وإن كان الطحاوي (2) أشار إلى إعلال لفظ: ومن لم يحصن. وقال: لم يذكرها من الرواة غير مالك. فقد أنكر الحفاظ ذلك على الطحاوي، وقالوا: قد رواها ابن عيينة ويحيى بن سعيد عن ابن شهاب كما قال مالك (3). وهذا قول الجمهور، وذهب جماعة من السلف إلى (ب) أنه لا حد على من لم يكن قد أحصن من العبيد والإماء، وممن قاله ابن عباس وطاوس وعطاء وابن جريج وأبو عبيد (4). والله سبحانه أعلم.
1008 -
وعن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(أ) في جـ: بنفسه.
(ب) ساقطة من: جـ.
_________
(1)
أحمد 1/ 156، ومسلم 3/ 1330 ح 1705، والترمذي 4/ 37 ح 1441.
(2)
شرح المشكل 9/ 356 بدون ذكر قوله: لم يذكرها من الرواة غير مالك. وينظر شرح مسلم 11/ 213 ففيه موضع الشاهد.
(3)
شرح مسلم 11/ 213.
(4)
شرح مسلم 11/ 314.
"أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم". رواه أبو داود (1)، وهو في مسلم (2) موقوف.
وأخرجه البيهقي مرفوعًا (3)، وقد غفل الحاكم فاستدركه (4).
الحديث فيه دلالة على أن ولاية إقامة الحد إلى السيد على الذكور والإناث، سواء مع الإحصان ومع عدمه، في الزنا وغيره، وقد ذهب إليه الشافعي وغيره من السلف، وقال مالك: إن كانخما الأمة مزوجة كان أمر الحد إلى الإمام، إلا أن يكون زوجها عبدًا لسيد الأمة، فأمرها إلى السيد. واستثنى مالك القطع في السبرقة، وهو وجه للشافعية. وفي آخر يستثنى حد الشرب، واحتج [المالكية](أ) بأن في القطع مثلة، فلا يأمن السيد أن يدعى عليه إرادة المثلة، فيمنع من مباشرته القطع؛ سدًّا للذريعة، وبعض المالكية فرع على هذا التعليل بأن ذلك حيث كان ثبوته بالإقرار لا إذا كان بالبينة، فالعلة منتفية، وظاهر الحديث أن السيد له الإقامة سواء كان فيه صلاحية أو لا، وقد ذهب إليه بعض الشافعية، قالوا: لأن سبيله سبيل الاستصلاح فلا يفتقر إلى أهلية. وقال ابن حزم: يقيمه السيد إلا إن كان كافرًا. قال: لأنهم
(أ) في الأصل: للمالكية.
_________
(1)
أبو داود، كتاب الحدود، باب إقامة الحد على المريض 4/ 160 ح 4473.
(2)
مسلم، كتاب الحدود، باب تأخير الحد عن النفساء 3/ 1330 ح 1705.
(3)
البيهقي 8/ 229.
(4)
الحاكم 4/ 369. قال الصنعاني: وقد غفل الحاكم فظن أنه لم يذكره أحد الشيخين واستدركه عليهما، قلت: يمكن أنه استدركه لكون مسلم لم يرفعه، وقد ثبت عند الحاكم رفعه. ينظر سبل السلام 4/ 21.
لا يقرون إلا بالصغار، وفي تسليطه على إقامة الحد منافاة لذلك، وقد روي عن جماعة من الصحابة إقامة الحد على المملوك من دون أمر الإمام، فأخرج البيهقي (1) عن ثمامة (2) بن أنس قال: شهدت أنس بن مالك يضرب إماءه الحد إذا زنين، تزوجن أو نم يتزوجن. وأخرج عن عبد الله بن عمر أنه حد جارية له زنت. وأخرج (3) عن [عمرو](أ) بن مرة، قال: سمعت سعيد بن جبير يقول: إذا زنت الأمة لم تجلد الحد ما لم تزوج. فسألت عبد الرحمن بن أبي ليلى، فقال: أدركت بقايا الأنصار وهم يضربون الوليدة من ولائدهم في مجالسهم إذا زنت. قال الشافعي: وابن مسعود رضي الله عنه يأمر به، وأبو برزة رضي الله عنه يحد وليدته. وأخرج (3) عن أشعث إجازة، عن أبيه قال: شهدت أبا برزة ضرب أمة له فجرت. وأخرج (3) عن خارجة بن زيد عن زيد رضي الله عنه، أنه حد جارية له. وأخرج (3) عن ابن أبي الزناد [عن أبيه](ب) عن الفقهاء الذين ينتهى إلى قولهم من أهل المدينة، كانوا يقولون: لا ينبغي لأحد أن يقيم شيئًا من الحدود دون السلطان، إلا أن للرجل أن يقيم حد الزنى على عبده وأمته. وأخرج الشافعي (4) عن مالك
(أ) في الأصل، جـ: عمر. والمثبت من مصدر التخريج، وينظر تهذيب الكمال 22/ 232.
(ب) ساقط من: الأصل.
_________
(1)
البيهقي 8/ 243.
(2)
بعده في مصدر التخريج: بن عبد الله. ولعله نسبه إلى جده. وينظر تهذيب الكمال 4/ 405.
(3)
البيهقي 8/ 245.
(4)
الأم 6/ 150.
عن نافع، أن عبدًا لابن عمر سرق وهو آبق، فأرسل به عبد الله إلى سعيد بن العاص -وهو أمير المدينة- ليقطع يده، فأبى سعيد بن العاص أن يقطع يده، وقال: لا تقطع يد [الآبق](أ) إذا سرق. فقال له ابن عمر: في أي كتاب الله وجدت هذا؟ فأمر به ابن عمر فقطعت يده. ورواه عبد الرزاق (1) في "مصنفه" عن معمر عن أيوب عن نافع، أن ابن عمر قطع يد غلام له سرق، وجلد عبدًا له زنى، من غير أن يرفعهما إلى الوالي. ورواه من وجه آخر (2)، وأخرج مالك في "الموطأ" والشافعي (3) عنه عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة، قالت: خرجت عائشة إلى مكة ومعها غلام لبني عبد الله بن أبي بكر الصديق. فذكرت قصة فيها أنه سرق واعترف، فأمرت به عائشة فقطعت يده. وأخرج مالك في "الموطأ"(4) أنه بلغه أن حفصة قتلت جارية لها سحرتها، وكانت قد دبرتها. ورواه عبد الرزاق (5) من وجه آخر، وفيه: فأمرت بها عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب فقتلها، فأنكر ذلك عثمان بن عفان، فقال له ابن عمر: ما تنكر على أم المؤمنين؟ امرأة سحرت واعترفت.
(أ) في الأصل، جـ: العبد. والمثبت من مصدر التخريج.
_________
(1)
عبد الرزاق 10/ 239 ح 18979.
(2)
عبد الرزاق 10/ 240، 241 ح 18983.
(3)
الموطأ 2/ 832، 833، والأم 6/ 149، 150.
(4)
الموطأ 2/ 871.
(5)
عبد الرزاق 10/ 180، 181 ح 18747.
وأخرج الشافعي وعبد الرزاق (1) عن عمرو بن دينار عن الحسن بن محمد بن علي، أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حدت جارية لها زنت. ورواه ابن وهب (2) عن ابن جريج عن عمرو بن دينار، أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تجلد وليدتها خمسين إذا زنت. وذهب الأوزاعي والثوري إلى أنه لا يقيم السيد إلا حد الزنى (3)، وقالت الحنفية: لا يقيمها إلا الإمام أو من أذن له. واحتج الطحاوي (4) لذلك بما أخرجه من طريق مسلم بن يسار قال: كان أبو عبد الله، رجل من الصحابة، يقول: الزكاة والحدود والفيء والجمعة إلى السلطان. قال الطحاوي (4): لا نعلم له مخالفًا من الصحابة. وتعقبه ابن حزم فقال (2): بل خالفه اثنا عشر نفسًا من الصحابة. وقد سمعت ما روي عن جماعة من الصحابة، وفيه كفاية للرد على الطحاوي، وأنت خبير أن قول الهدوية: ويُحِد العبدَ -حيث لا إمام- سيدُه. أخذ من قول المانعين (أ) والمجيزين بطرف فلا يكون خارقًا للإجماع، ولكنه تفصيل، وهو يحتاج إلى دليل.
1009 -
وعن عمران بن حصين، أن امرأة من جهينة أتت نبي الله صلى الله عليه وسلم، وهي حبلى من الزنى، فقالت: يا نبي الله، أصبت
(أ) في جـ: التابعين.
_________
(1)
الأم 6/ 135، وعبد الرزاق 7/ 394 ح 13603.
(2)
ذكره ابن حزم في المحلى 13/ 164، وينظر التلخيص 4/ 62.
(3)
ينظر الفتح 12/ 163.
(4)
مختصر اختلاف العلماء 3/ 299.
حدًّا فأقمه علي. فدعا نبي الله صلى الله عليه وسلم وليها، فقال:"أحسن إليها، فإذا وضعت فأتني بها". ففعل، فأمر بها فشكت عليها ثيابها، ثم أمر بها فرجمت، ثم صلى عليها، فقال عمر: أتصلي عليها يا نبي الله وقد زنت؟! فقال: "لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله". رواه مسلم (1).
قوله: امرأة من جهينة. المرأة هذه هي الغامدية، وغامد بغين معجمة ودال مهملة أبو قبيلة؛ بطن من جهينة، واسمه عمرو (أ) بن عبد الله، ولُقِّب غامدًا لإصلاحه أمرًا كان في قومه، وقد روى هذه القضية أبو هريرة وأبو سعيد وجابر بن عبد الله وجابر بن سمرة وابن عباس، روى عنهم مسلم (2)، وروى أيضًا هو وأبو داود (3) عن بريدة وعن عمران بن حصين، وروى عن عمران أيضًا الترمذي والنسائي (4).
وقوله: "أحسن إليها". هذا الإحسان له سببان:
أحدهما: الخوف عليها من أقاربها أن تحملهم الغيرة ولحوق العار بهم
(أ) في جـ: عمر.
_________
(1)
مسلم، كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنى 3/ 1324 ح 1696.
(2)
كذا قال الشارح، والروايات المذكورة في مسلم 3/ 1318 - 1320 ح 1691/ 16، 1692 - 1694، فيها ذكر ماعز وليس الغامدية.
(3)
مسلم 3/ 1321، 1324 ح 1695، 1696، وأبو داود 4/ 149، 150 ح 4440، 4442.
(4)
الترمذي 3/ 33 ح 1435، والنسائي 4/ 63.
أن يؤذوها، فأوصى بالإحسان إليها تحذيرًا لهم من ذلك.
والثاني: لرحمتها إذ قد تابت، وحرص على الإحسان إليها؛ لما في نفوس الناس من النفرة من مثلها وإسماع الكلام المؤذي.
وقوله: "فإذا وضعت فأتنى بها". ففعل، إلى آخره. ظاهر هذه الرواية أنه كان رجْمُها عقيب الوضع، وفي رواية أخرى لمسلم (1): أنها إنما رجمت بعد أن فطمت ولدها وأتت به وفي يده كسرة خبز. والروايتان صحيحتان، وهي [قصة](أ) واحدة، وهذه رواية صريحة لا يمكن تأويلها، فيتعين تأويل الأولى بأن فيها طيًّا وحذفًا لما ذكر في الرواية الثانية.
وقوله: فشكت. أي شدت، وقد جاء في بعض النسخ: شدت. وهو في معنى شكت، وهو مستحب شد الثياب وجمعها عليها وشدها بحيث لا تنكشف في تقلبها وتكرار اضطرابها. واتفق العلماء على أن المرأة ترجم قاعدة، وأما الرجل فالجمهور على أنه يرجم قائمًا، وقال مالك: قاعدًا. وقال غيره: يخير الإمام بينهما.
وقوله: ثم أمر بها فرجمت. وفي بعض الروايات (1): وأمر الناس فرجموها. فيه دلالة على أنه لم يحضر، وأنه لا يجب على الإمام الحضور، وقد تقدم.
(أ) في الأصل: قضية.
_________
(1)
مسلم 3/ 1324، 1323 ح 1695/ 23.
وقوله: ثم صلى عليها. هذه الرواية فيها التصريح بأنه صلى الله عليه وسلم صلى على المرأة، ويؤيده قول عمر رضي الله عنه: أتصلي عليها؟ وإن كان يحتمل أنه بصيغة المبني للمفعول كما قال القاضي (1) في رواية مسلم: فصلي عليها، ثم دفنت، أنه قال الطبري: إنها بضم الصاد وكسر اللام. قال: وكذا هو في رواية ابن أبي شيبة وأبي داود (2). قال: وفي رواية لأبي داود (3): ثم أمرهم أن يصلوا. وإن كان أكثر الرواة لمسلم بفتح الصاد واللام كالرواية المذكورة في هذا الكتاب، إلا أنه يمكن الجمع بين الروايات بأن معنى: صلى عليها. بفتح الصاد: أمر بالصلاة عليها، والإسناد إلى السبب مجاز عقلي، وقول عمر: أتصلي؟ أي تأمر بالصلاة عليها، فلا تتخالف الروايات، ويمكن أيضًا التأويل لرواية أبي داود: أمرهم أن يصلوا. أي أمرهم أن يأتموا به ويصلوا معه، فالتأويل ممكن في الروايتين، ولم يذكر مسلم أنه صلى الله عليه وسلم صلى على ماعز، وقد ذكر ذلك البخاري (4)، وقد اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في الصلاة على المرجوم، فكرهها مالك وأحمد للإمام وأهل الفضل دون باقي الناس، قالا: ويصلي عليه غير الإمام وأهل الفضل. وقال الشافعي (1) وآخرون: يصلي عليه الإمام وأهل الفضل وغيرهم. فالخلاف بين الشافعي ومالك إنما هو في الإمام وأهل الفضل، وأما غيرهم فاتفقا على أنهم يصلون. وقال جماهير العلماء: يصلى على الفساق والمقتولين في الحدود والمحاربة
(1) شرح مسلم 11/ 204.
(2)
ابن أبي شيبة 10/ 85 - 87،. وأبو داود 4/ 150 ح 4442.
(3)
أبو داود 4/ 149 ح 4440.
(4)
البخاري 12/ 129 ح 6820.
وغيرهم. وقال الزهري (1): لا يصلي أحد على المرجوم وقاتل نفسه. وقال قتادة: لا يصلى على ولد الزنى. واحتج الجمهور بهذا الحديث، وأجاب أصحاب مالك عنه بجوابين؛ أحدهما: تضعيف رواية الصلاة لكون الأكثر لم يذكروها. والثاني: تأويلها بأنه صلى الله عليه وسلم أمر بالصلاة، أو دعا، فسمي صلاة على مقتضاها في اللغة. وَرُدّ ذلك بأن الزيادة ثابتة في الصحيح، وزيادة الثقة مقبولة، وبأن التأويل إنما يصار إليه إذا اضطر إلى ارتكابه، وليس هنا شيء من ذلك، فوجب العمل على ظاهره، والرجوع إلى الحق أحق.
وقوده: "لقد تابت توبة". يدل على أن التوبة لا تسقط بها الحدود، وهذا أصح القولين في مذهب الشافعي، وهو قول غيرهم. والقول الثاني: أن الحد يسقط بالتوبة، وأما حد المحارب قبل القدرة فيسقط بالتوبة عند الجمهور، كما في قوله تعالى:{إلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} (2) الآية. وعند ابن عباس وغيره: لا يسقط الحد.
وقوله: "جادت بنفسها". أي كرمت.
1010 -
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا من أسلم، ورجلًا من اليهود، وامرأة. رواه مسلم (3). وقصة اليهوديين في "الصحيحين"(4) من حديث ابن عمر.
(1) شرح مسلم 11/ 204.
(2)
الآية 34 من سورة المائدة.
(3)
مسلم، كتاب الحدود، باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنى 3/ 1328 ح 1701.
(4)
البخاري، كتاب الحدود، باب الرجم في البلاط، 12/ 128 ح 6819، ومسلم، كتاب الحدود، باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنى 3/ 1326 ح 1699.
قوله: رجلًا من أسلم. هو ماعز بن مالك الأسلمي، والمرأة الجهنية وهي الغامدية.
وقوله: وقصة اليهوديين في الصحيحين. وأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بهما فرجما. وفيها من الفوائد. وجوب الحد على الكافر الذمي إذا زنى، وهو قول الجمهور، وفيه خلاف عند الشافعية لعدم شرط الإحصان الموجب للرجم، وهو الإسلام، حتى نقل ابن عبد البر (1) الاتفاق على أن شرط الإحصان الموجب للرجم هو الإسلام، ورد عليه بأن الشافعي وأحمد لا يشترطان ذلك، ويؤيد مذهبهما وقوع التصريح بأن اليهوديين اللذين زنيا كانا قد أحصنا، وذهب المالكية ومعظم الحنفية وربيعة شيخ مالك إلى مثل قول بعض الشافعية من اشتراط الإسلام، وأجابوا عن الحديث بأنه صلى الله عليه وسلم إنما رجمهما بحكم التوراة، وليس هو في حكم الإسلام في شيء، وإنما هو من باب تنفيذ الحكم عليهم بما في كتابهم، فإن في التوراة الرجم على المحصن وعلى غيره، قالوا: وكان ذلك أول دخول النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وكان مأمورًا باتباع حكم التوراة والعمل بها حتى نسخ ذلك في شرعه، فرجم اليهوديين على ذلك الحكم، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى:{وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ} . إلى قوله: {أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} (2). ثم نسخ ذلك بالتفرقة بين من أحصن وبين من لم يحصن. انتهى.
وقد يجاب عن هذا بأنه جاء في رواية الطبري (3) من طريق أن أحبار
(1) التمهيد 14/ 394، وينظر الفتح 12/ 170.
(2)
الآية 15 من سورة النساء.
(3)
الطبري في تفسيره 8/ 416 - 418.
اليهود اجتمعوا في بيت [الدراس](أ)، وقد زنى رجل منهم بعد إحصانه بامرأة منهم قد أحصنت. فذكر القصة فصرح فيها بالإحصان. وقال مالك (1): إنما رجم اليهوديين؛ لأن اليهود يومئذ لم يكن لهم ذمة فتحاكموا إليه. وتعقبه الطحاوي (1) بأنه لو لم يكن واجبًا ما فعله، قال: وإذا أقام الحد على من لا ذمة له، فلأن يقيمه على من له ذمة أولى. مع أن قتل المرأة الحربية عند مالك لا يجوز، إلا أن يقول: إن ذلك كان قبل النهي عن قتل النساء. قال القرطبي (2): ويعكر عليه أن مجيئهم سائلين يوجب لهم عهدًا كما لو دخلوا لغرض التجارة، فإنهم في أمان إلى أن يردوا إلى مأمنهم، إلا أن يقول: السائل عن ذلك ليس هو صاحب الواقعة. وقال ابن العربي (3): إنما رجمهما لإقامة الحجة عليهم بما لا يراه في شرعه مع قوله: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} (4). ومن ثم استدعى شهودهم لتقوم عليهم الحجة منهم. ومثل هذا أجابت به الحنفية عن رجم اليهوديين بأنه وقع بحكم التوراة، ورده الخطابي (5) بأن الله تعالى قال:{وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} . وإنما جاءه القوم سائلين عن الحكم عنده كما دلت عليه الرواية، فنبههم على ما كتموه من حكم التوراة، ولا جائز أن يكون حكم الإسلام عنده مخالفًا لذلك؛ لأنه لا يجوز الحكم بالمنسوخ، فدل على أنه إنما حكم بالناسخ، وقد جاء في
(أ) في الأصل، جـ: المدارس. والمثبت من مصدر التخريج، والدراس: البيت الذي يدرسون فيه. النهاية 2/ 113.
_________
(1)
مختصر اختلاف العلماء 3/ 281، 282، وينظر التمهيد 14/ 393.
(2)
الفتح 12/ 170.
(3)
أحكام القرآن 2/ 620 بنحوه.
(4)
الآية 49 من سورة المائدة.
(5)
معالم السنن 3/ 326.
حديث أبي هريرة (1): "فإني أحكم بما في التوراة". لكن في سنده رجل مبهم، مع أنه يحتمل أن يكون معناه: إني أحكم بما في التوراة موافقًا لشريعتي. ولا يسلم أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بذلك أول ما قدم المدينة، فإنه قد جاء في بعض طرقه الصحيحة، أنهم تحاكموا إليه وهو في المسجد بين أصحابه، والمسجد لم يكمل بناؤه إلا بعد مدة من دخوله المدينة، وفي القصة أنهم شهدوا من اليهود، فيدل على قبول شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض، قال القرطبي (2): والجمهور على أن الكافر لا تقبل شهادته على مسلم ولا كافر؛ لا في حد ولا في غيره، في السفر والحضر، وقد قبل شهادتهم جماعة من التابعين ؤبعض الفقهاء (أ). وقد ذهب إلى ذلك الهدوية، فقالوا: تقبل شهادة ملِّي على مثله. واستثنى أحمد بن حنبل حالة السفر، فتجوز شهادة الكافر على غيره إذا لم يوجد مسلم، وقال النووي (3): الظاهر أنه رجمهما بالاعتراف، فإن ثبت حديث جابر (4) بالشهادة، فلعل الشهود كانوا مسلمين، ولعله يجوز أن يكون حكمه بما أطلعه الله تعالى عليه، وإنما كانت الشهادة في الظاهر لإلزامهم الحجة، وفي الحديث دلالة على أن أنكحة الكفار صحيحة؛ لأن ثبوت الإحصان فرع عن ثبوت صحة النكاح، وأن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع، وأن اليهود كانوا ينسبون إلى
(أ) بعده في مصدر التخريج: إذا لم يوجد مسلم.
_________
(1)
أبو داود 4/ 153، 154 ح 4450.
(2)
الفتح 12/ 170.
(3)
شرح مسلم 11/ 208 - 210.
(4)
أبو داود 4/ 154، 155 ح 4452.
التوراة ما لم يكن فيها كما وقع في القصة.
1011 -
وعن سعيد بن سعد بن عبادة رضي الله عنهما قال: كان بين أبياتنا رويجل ضعيف، فخبث بأمة (أ) من إمائهم، فذكر ذلك سعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"اضربوه حده". فقالوا: يا رسول الله، إنه أضعف من ذلك. فقال:"خذوا عثكالا فيه مائة شمراخ، ثم اضربوه به ضربة واحدة". ففعلوا. رواه أحمد والنسائي وابن ماجه (1) وإسناده حسن، لكن اختلف في وصله وإرساله.
هو سعيد بن سعد الأنصاري، قيل: له صحبة. روى عن أبيه، وعنه ابنه شرحبيل وأبو أمامة بن سهل، قال الواقدي وغيره: صحبته صحيحة وكان واليًا لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه على اليمن (2).
وقوله: اختلف في وصله وإرساله. فأخرجه الشافعي (3) عن سفيان عن يحيى بن سعيد وأبي الزناد، كلاهما عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، ورواه أيضًا البيهقي، وقال: هذا هو المحفوظ عن أبي أمامة مرسلًا (4).
(أ) في جـ: بامرأة.
_________
(1)
أحمد 5/ 222، والنسائي في الكبرى، كتاب الرجم، باب الضرير في الخلقة يصيب الحدود 4/ 313 ح 7309، وابن ماجه، كتاب الحدود، باب الكبير والمريض يجب عليه الحد 2/ 859 ح 2574.
(2)
الاستيعاب 2/ 620، والإصابة 3/ 105.
(3)
الأم 6/ 136.
(4)
البيهقي 8/ 230. وفيه: عن سفيان مرسلًا. والمثبت موافق لما في التلخيص 4/ 58.
ورواد أحمد وابن ماجه من حديث أبي الزناد (1) عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن سعيد بن سعد بن عبادة موصولًا. ورواه الدارقطني (2) من حديث فليح عن أبي حازم عن سهل بن [سعد](أ)، وقال: وهم فيه فليح، والصواب عن أبي حازم عن أبي أمامة بن سهل. ورواه أبو داود (3) من حديث الزهري عن أبي أمامة عن رجل من الأنصار. ورواه النسائي (4) من حديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه (5). ورواه الطبراني (6) من حديث أبي أمامة بن سهل عن أبي سعيد الخدري، فإن كانت الطرق كلها محفوظة، فيكون أبو أمامة قد حمله عن جماعة من الصحابة (ب).
قوله: رويجل. تصغير رجل للتحقير كما هو الأصل في التصغير، وقد جاء في رواية: أنه كان مقعدًا (7). وفي رواية: رجل مُخْدَج ضعيف (8).
وبوب عليه البيهقي (9): باب الضرير في خلقته لا من مرض.
(أ) في الأصل، جـ: سعيد. والمثبت من مصدر التخريج.
(ب) بعده في التلخيص 2/ 59: وأرسله مرة.
_________
(1)
روايتا أحمد وابن ماجه من طريق يعقوب بن عبد الله بن الأشج عن أبي أمامة وليس من طريق أبي الزناد، وما ذكره الشارح موافق لما في التلخيص 4/ 58، 59.
(2)
الدارقطني 3/ 99.
(3)
أبو داود 4/ 159 ح 4472.
(4)
النسائي في الكبرى 4/ 313 ح 7308، بدون ذكر "أبيه".
(5)
كذا ذكره الشارح، وتبع فيه المصنف في التلخيص 4/ 59، وينظر تحفة الأشراف 4/ 98 ح 4659.
(6)
الطبراني 6/ 47 ح 5446.
(7)
النسائي في الكبرى 4/ 311، 312 ح 7301، 7303.
(8)
ابن ماجه 2/ 859 ح 2574.
(9)
البيهقي 8/ 230.
وقوله: خبث [بأمة](أ). وفي رواية: أصاب امرأة حَبَلٌ فرمته به فاعترف (1).
وقوله: "عثكالا". قد جاء في رواية: "بإثكال"(2). وفي رواية: "بأثكول"(3). والإثكال والأثكول هو العثكال، والعثكال بكسر العين المهملة وثاء مثلثة كقرطاس: العذق والشمراخ، ويقال: عثكول وعثكولة بضم العين. كذا في "القاموس"(4).
قوله: "فيه مائة شمراخ". الشمراخ غصن دقيق في أعلى الغصن، وكعصفور لغة فيه. كذا في "الضياء"، وفي "القاموس" (5): الشمراخ بالكسر: العثكال عليه بسر أو عنب كالشمروخ. انتهى.
والمراد هنا بالعثكال الغصن الكبير الذي يكون عليه أغصان صغار، وهو للنخل كالعنقود للعنب، وكل واحد من تللث الأغصان يسمى شمراخًا. والحديث يدل على أنه إذا كان المحدود لا يحتمل تكرار الضرب لضعف أو مرض، فإنه يضرب بما يحتمله مجموعًا كالعثكول ونحوه، وقد ورد هذا التخفيف في حق من هو مأيوس البرء كما جاء في الروايات: أنه مُخْدَج. أي ناقص الخلقة، أو: أنه كان مقعدًا. وهذا قول الجمهور، وذهب الناصر
(أ) في الأصل: بامرأة.
_________
(1)
النسائي في الكبرى 4/ 311 ح 7301.
(2)
النسائي في الكبرى 4/ 311، 312 ح 7302 - 7304، 7306.
(3)
النسائي في الكبرى 4/ 313 ح 7310.
(4)
القاموس (ث ك ل).
(5)
القاموس (شمرخ).
والمؤيد بالله إلى أنه لا يحد المريض وإن فات الحد، وأما إذا كان المرض يرجى زواله فإنه يؤخر اتفاقًا، وكذلك لشدة الحر والبرد إذا خيف على المحدود معهما إجماعًا، قالوا: ولا بد أن تباشر المحدودَ جميعُ الشماريخ؛ ليقع المقصود من الحد. وروي عن الإمام يحيى وصاحب "الكافي" أنه يجزئ وإن لم تباشره جميع الشماريخ، قالوا: لأن الاعتماد كاف، ولأنه ظاهر الحديث، وكذا قوله تعالى:{وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا} الآية (1). قال الإمام المهدي في الرد عليه: قلنا: يقل الألم بذلك كالساتر الغليظ. انتهى.
ويجاب عنه بأن الغرض من هذه الرخصة هو تقليل الألم فلا يتم الرد، والله أعلم.
1012 -
وعن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به، ومن وجدتموه (أ) على بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة". رواه أحمد والأربعة (2)، ورجاله موثقون إلا أن فيه اختلافًا.
الحديث أخرجه أحمد وأبو داود، واللفظ له، والترمذي وابن ماجه
(أ) بعده في جـ: يعمل وقع.
_________
(1)
الآية 44 من سورة ص.
(2)
أحمد 1/ 300، وأبو داود، كتاب الحدود، باب فيمن عمل عمل قوم لوط 4/ 157 ح 4462، والترمذي، كتب الحدود، باب ما جاء في حد اللوطي 4/ 47 ح 1456، وابن ماجه، كتاب الحدود، باب من عمل عمل قوم لوط 2/ 856 ح 2561 كلهم بشطره الأول. وينظر الدراية 2/ 103، والتلخيص 4/ 54.
والحاكم والبيهقي من حديث عكرمة عن ابن عباس (1) إلى قوله: "والمفعول به". واستنكره النسائي (2)، ورواه ابن ماجه والحاكم من حديث أبي هريرة (3)، وإسناده أضعف من الأول بكثير، وقال ابن الطلاع في "أحكامه" (2): لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رجم في اللواط، ولا أنه حكم فيه، وثبت عنه أنه قال:"اقتلوا الفاعل والمفعول به". رواه عنه ابن عباس وأبو هريرة، وفي حديث أبي هريرة:"أحصنا أم لم يحصنا". كذا قال. وحديث أبي هريرة لا يصح، وقد أخرجه البزار من حديث عاصم بن عمر العمري عن سهيل عن أبيه عنه (أ)، وعاصم (3) متروك. وقد رواه ابن ماجه من طريقه بلفظ:"فارجموا الأعلى والأسفل"(4).
وحديث ابن عباس مختلف في ثبوته.
وأخرج البيهقي (5) من حديث سعيد بن جبير ومجاهد عن ابن عباس في البكر يوجد على اللوطية، قال: يرجم. وأخرج (5) من طريق يحيى بن معين، أنه سئل ابن عباس عن حد اللوطي، قال: ينظر أعلي بناء في القرية فيرمى به منكسًا ثم يتبع بالحجارة. وأخرج (2) أن عليّا رضي الله عنه رجم
(أ) ساقط من: جـ.
_________
(1)
الحاكم 4/ 355، واللفظ له، والبيهقي 8/ 232 مختصرًا.
(2)
التلخيص 4/ 54، 55.
(3)
تقدمت ترجمته في 1/ 124.
(4)
ابن ماجه 2/ 856 ح 2562، والحاكم 4/ 355.
(5)
البيهقي 8/ 232.
لوطيًّا. قال الشافعي (1): وبهذا نأخذ برجم اللوطي محصنًا كان أو غير محصن. وأخرج البيهقي (2) أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه جمع الناس في حق رجل ينكح كما تنكح النساء، فسأل أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن ذلك؛ فكان من أشدهم يومئذ قولًا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: إن هذا ذنب لم تعص به أمة من الأم إلا أمة واحدة، صنع اللَّه بها ما قد علمتم، نرى أن نحرقه بالنار. فاجتمع رأي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يحرقه بالنار، فكتب أبو بكر رضي الله عنه إلى خالد بن الوليد يأمره أن يحرقه بالنار. وفي إسناده إرسال، وروي من وجه آخر عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي رضي الله عنه في غير هذه القصة قال: يرجم ويحرق بالنار (2). قال البيهقي (2): ويذكر عن ابن أبي ليلى عن رجل من همدان أن عليًّا رجم رجلًا محصنًا في عمل قوم لوط. هكذا ذكره الثوري (1) مقيدًا بالإحصان، وهشيم رواه عن ابن أبي ليلى مطلقًا. وأخرج (2) عن عطاء أنه قال في اللوطي: حده حد الزاني. وأخرج (2) عن ابن الزبير في سبعة أخذوا في اللواطة، أربعة منهم قد أحصنوا وثلاثة لم يحصنوا، فأمر بالأربعة فأخرجوا من المسجد فرضخوا بالحجارة، وأمر بالثلاثة فضربوا الحدود وابن عمر وابن عباس في المسجد. وأخرج (2) عن الحسن في الرجل يأتي البهيمة ويعمل عمل قوم لوط، قال: هو بمنزلة الزاني. وأخرج (2) عن إبراهيم النخعي قال: إن
(أ) في جـ: النووي.
_________
(1)
الأم 7/ 183.
(2)
البيهقي 8/ 232، 233.
اللوطي بمنزلة الزاني؛ إن كان محصنًا رجم، وإن كان غير محصن جلد الحد. قال البيهقي (1): وإلى هذا رجع الشافعي فيما زعم الربيع بن سليمان. وأخرج (1) عن أبي موسى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان، وإذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان". وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن (2)، قال البيهقي: لا أعرفه. والحديث منكر بهذا الإسناد.
وقوله: "من وجدتموه". هذا حديث مستقل من رواية ابن عباس، أخرجه بهذا اللفظ البيهقي (1) من حديث عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة عن ابن عباس قال: فقيل لابن عباس: ما شأن البهيمة؟ فقال: ما سمعت عن (أ) رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك شيئًا، ولكن أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم كره أن يؤكل من لحمها، أو ينتفع بها بعد ذلك العمل.
وأخرج البيهقيِ (3) عن عاصم ابن بهدلة عن أبي رزين عن ابن عباس، أنه سئل عن الذي يأتي البهيمة، قال: لا حد عليه. ثم قال: قال أبو داود: حديث عاصم يضعف حديث عمرو بن أبي عمرو، قال البيهقي: قد رويناه
(أ) ساقط من: جـ.
_________
(1)
البيهقي 8/ 233.
(2)
محمد بن عبد الرحمن القرشي، قال الأزدي: لا يصح حديثه. المغني في الضعفاء 2/ 231، ولسان الميزان 5/ 251.
(3)
البيهقي 8/ 234.
من أوجه عن عكرمة، ولا أرى عمرو بن أبي عمرو يقصر عن عاصم بن بهدلة في الحفظ، كيف وقد تابعه على روايته جماعة، وعكرمة عند أكثر الأئمة من الثقات الأثبات. انتهى.
وقال الترمذي: حديث عاصم أصح، ولما رواه الشافعي في كتاب اختلاف علي وعبد اللَّه من جهة عمرو بن أبي عمرو، قال: إن صح قلت به. فأشار إلى تضعيفه. وكذا أخرجه عبد الرزاق عن إبراهيم بن محمد عن داود بن الحصين عن عكرمة. ويقال: إن أحاديث عباد بن منصور عن عكرمة إنما سمعها من إبراهيم بن أبي يحيى عن داود عن عكرمة، وكان يدلسها بإسقاط رجلين، وإبراهيم ضعيف، وإن كان الشافعي يقوي أمره. وقد أخرج البيهقي عن جابر بن زيد قال:[من أتى البهيمة](أ) أقيم
(أ) في جـ: ابن أبي الهيثم.
[قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: الحواشي غير واضحة بالمطبوع]
عليه الحد. وأخرج (1) عن عكرمة قال: سئل الحسن بن علي رضي الله عنه عن رجل أتى بهيمة، قال: إن كان محصنًا رجم. قال (1): وروينا عن الحسن البصري أنه قال: هو بمنزلة الزاني.
فقول المصنف رحمه اللَّه تعالى: إلا أن فيه اختلافا. هو في حديث البهيمة، وقد سمعت الاختلاف الذي وقع على ابن عباس، ولكنه لا يضعف الحديث على الصحيح، فإن حديث عاصم موقوف على ابن عباس، ولعل ذلك اجتهاد من ابن عباس، فإن للاجتهاد مساغًا، فيكون من اجتهاد الصحابي بخلاف ما روى، وذلك لا يقدح فيما روى على المختار.
وقد أخرجه أبو يعلى الموصلي (2) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من وقع على بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه". وقد رواه ابن عدي (3) عن أبي يعلى، ثم قال: قال لنا أبو يعلى: بلغنا أن عبد الغفار بن عبد الله بن الزبير (4) شيخ أبي يعلى رجع عنه، وذكر ابن عدي أنهم كانوا لقنوه.
والحديث فيه دلالة على تحريم إتيان الذكر، وهو كبيرة، قد ورد الوعيد عليها وعقاب فاعلها في كتاب الله عز في حق قوم، وشرع
(أ) ساقط من: الأصل.
_________
(1)
البيهقي 8/ 234.
(2)
أبو يعلى 10/ 389 ح 5987.
(3)
التلخيص 4/ 56.
(4)
عبد الغفار بن عبد الله بن الزبير، لم يذكر فيه أبو حاتم جرحًا تعديلا، وذكره ابن حبان في الثقات. الجرح والتعديل 6/ 54، والثقات 8/ 421، وتالي. . . . . [قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: غير واضح بالمطبوع]
من قبلنا لازم اتباعه في شرعنا على المختار، والأحاديث المتواترة من حيث المعنى في تحريم ذلك، واختلف العلماء في عقوبة الفاعل؛ فذهب الحسن البصري وأبو طالب والإمام يحيى، وهو نص الهادي في "الأحكام"، ورواه أبو طالب عن القاسم، واختيار المؤيد بالله، وقول للشافعي، أنه يحد حد الزاني؛ قياسًا على الزاني بجامع الإيلاج المحرم في فرج محرم، ولا تقدم من حديث أبي موسى (1) وغيره من الآثار، وهي وإن لم تكف في الاستدلال مع ضعف الحديث فهي متقوية بالقياس. وذهب الناصر، ورواه المؤيد بالله عن القاسم، وقول قديم للشافعي، إلى أن حده القتل؛ محصنًا كان أو بكرًا، الفاعل والمفعول به، وحجتهم الحديث المذكور وغيره، وهو عام للمحصن وغيره، ولكنه محتمل للتخصيص؛ إما بالقياس المذكور، أو بالحديث على فرض صحته بأن ذلك في حق المحصن، وذهب المرتضى وأبو حنيفة وقول للشافعي، ورواه في "البحر" عن المؤيد بالله أنه يعزر ولا يقتل. ولعلهم يقولون: إن القياس على الزاني لا يتم؛ فإنه قد يكون من تمام العلة كراهة اختلاط الأنساب، فلا يتم الجامع، والأحاديث فيها ما عرفت لا تقوم بمثل هذا الموجب لاستباحة دم المسلم، ولم يثبت حكم النبي صلى الله عليه وسلم ولا فعله، فوجب الدرء، ولا سيما مع قول النبي صلى الله عليه وسلم:"لأن تخطئ في العفو خير من أن تخطئ في العقوبة"(2). وحكى في "الشفا" إجماع الصحابة على قتل الفاعل والمفعول به، فإن تم الإجماع فهو حجة قائمة، وقال أحمد بن أبي بكر البوصيري في كتاب "إتحاف السادة الهرة بزوائد المسانيد العشرة" (3):
(1) تقدم تخريجه ص 59.
(2)
أخرجه الترمذي 4/ 25 ح 1424 من حديث عائشة رضي الله عنها بنحوه.
(3)
إتحاف الخيرة 5/ 250، 251.
قال البغوي: اختلف أهل العلم في حد اللوطي، فذهب قوم إلى أن حد الفاعل حد الزنى؛ إن كان محصنا يرجم، وإن لم يكن محصنًا يجلد مائة. وهو قول سعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح والحسن وقتادة والنخعي، وبه قال الثوري والأوزاعي، وهو أظهر قولي الشافعي، ويحكى أيضًا عن أبي يوسف ومحمد بن الحسن، وعلى المفعول به عند الشافعي على هذا القول جلد مائة وتغريب عام، رجلًا كان أو امرأة، محصنًا كان أو غير محصن. وذهب قوم إلى أن اللوطي يرجم، محصنًا كان أو غير لم محصن. رواه سعيد بن جبير ومجاهد عن ابن عباس، وروى ذلك عن الشعبي، وبه قال الزهري، وهو قول مالك وأحمد وإسحاق. وروي حماد بن إبراهيم عن إبراهيم النخعي، قال: لو كان الحد يستقيم أن رجم مرتين لرجم اللوطي. والقول الآخر للشافعي أنه يقتل الفاعل والمفعول به، كما جاء في الحديث. وقال الحافظ المنذري: حرق اللوطية بالنار أربعة من الخلفاء؛ أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن الزبير وهشام بن عبد الملك. والله أعلم.
وقوله: "ومن وجدتموه وقع على بهيمة" إلخ. الحديث فيه دلالة على تحريم إتيان البهيمة، ويؤيده قوله تعالى:{فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} (1). وقوله صلى الله عليه وسلم: "لعن الله من وقع على بهيمة"(2). ويدل على أن عقوبة الفاعل هي القتل. وقد ذهب إليه الشافعي في قول له، وذهب القاسم وقول للشافعي إلى أنه يوجب حد [الزنى](أ) كقتل المرأة قياسًا على الزاني،
(أ) في جـ: الزاني.
_________
(1)
الآية 7 من سورة المؤمنون، والآية 31 من سورة المعارج.
(2)
أحمد 1/ 317.
وعموم الحديث مخصص في حق المحصن قياسًا على الزاني، وذهب المؤيد وأحمد بن حنبل والناصر والإمام يحيى وأبو حنيفة وقول للشافعي ومالك إلى أنه يعزر فقط إذ ليس بزنى، والحديث فيه ما عرفت من الاختلاف.
وقوله: "واقتلوا البهيمة". فيه دلالة على أن البهيمة تقتل ولا يحل أكلها لأمره بقتلها على كل حال، فلو كانت تحل لما حل قتلها إلا عند إرادة الانتفاع بها، وكذا لو كانت غير مأكولة، لئلا تأتي بولد مشوه، وقد ذهب إلى هذا علي رضي الله عنه وقول للشافعي. وذهب الهدوية وقول للشافعي وأبو حنيفة وأبو يوسف إلى أنه يكره أكلها، وظاهره أنه لا (أ) يجب القتل، قال الخطابي (1): الحديث هذا معارض بنهيه صلى الله عليه وسلم عن قتل الحيوان إلا لمأكلة. قال الإمام المهدي في "البحر": فيحمل على أنه أراد عقوبته بذبحها إذا (ب) كانت له وهي مأكولة؛ جمعًا بين الأدلة. قال: وإذا التبست البهيمة، فلا ضمان على الواطئ، ولا يلزمه الفحص إجماعًا. انتهى.
وظاهره أن الواقع على البهيمة يلزمه قيمتها؛ لأنه في حكم المتلف لها. والله أعلم.
1013 -
وعن ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب وغرب، وأن أبا بكر ضرب وغرب". رواه الترمذي ورجاله ثقات، إلا
(أ) ساقط من: جـ.
(ب) في جـ: إن.
_________
(1)
معالم السنن 3/ 333.
أنه اختلف في رفعه ووقفه (1).
وأخرجه البيهقي مرفوعًا (2)، وأخرجه كذلك موقوفًا (2)، وأخرجه أيضًا [موقوفًا](أ)(3)، أن عليًّا رضي الله عنه جلد ونفى من البصرة إلى الكوفة، أو قال: من الكوفة إلى البصرة. وأخرجه عن أبي بن كعب موقوفًا. وقد تقدم الكلام على التغريب. والله أعلم.
1014 -
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المخنثين من الرجال، والمترجلات من النساء، وقال:"أخرجوهم من بيوتكم". رواه البخاري (3).
قوله: لعن. اللعن من النبي صلى الله عليه وسلم[يقع](ب) على ضربين:
أحدهما: يراد به الزجر عن الشيء الذي وقع اللعن بسببه، وهو يدل على قبح ذلك الشيء، فإنه من علامات الكبائر. وقد يقع للزجر عن الشيء في حال الحرج والغضب، وذلك يكون رحمة لمن لعنه إذا كان غير مستحق للعن كما جاء ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح (4).
وقوله: المخنثين. وهو بكسر النون وبفتحها، من تشبه بخلقة النساء في
(أ) في الأصل: مرفوعًا.
(ب) ساقط من: الأصل.
_________
(1)
الترمذي، كتاب الحدود، باب ما جاء في النفي 4/ 35 ح 1438.
(2)
البيهقي 8/ 223.
(3)
البخاري، كتاب اللباس، باب إخراج المتشبهين بالنساء من البيوت 10/ 333 ح 5886.
(4)
مسلم 4/ 2007، ح 2601/ 89.
حركاته وكلامه وغير ذلك من الأمور المختصة بالنساء، وأما هيئة اللباس فهو يختلف باختلاف عادات الناس؛ فإن كان من عادة أهل بلدة الاستواء في اللباس فلا محذور في ذلك، وهذا الذم في حق من تعمد ذلك باختياره، وأما من كان ذلك من أصل خلقته فيؤمر بتكلف تركه والإدمان على ذلك بالتدريج، وهذا يؤخذ من الحديث الآخر وهو:"لعن الله المتشبهين"(1). فهو يدل على قصد التشبه، [وأطلق النووي](أ)(2) أنه لا يجب على المخنث الخلقي تكلف خلاف ما هو عليه، ويحمل كلامه على أنه إذا لم يقدر على التغيير، وظاهر اللفظ تحريم تشبه الرجال بالنساء، وكذا العكس من حديث آخر، إلا أنه مبني على أن اللعن لقبح الفعل، وهو محتمل، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأذن للمخنثين بالدخول على النساء، وإنما نفى من سمع منه وصف المرأة بما لا يفطن [له](ب) إلا من كان له إربة، فهو لأجل تتبع أوصاف الأجنبية، وكذلك من خضب كفيه بالحناء لخشية الفتنة، وكذلك من نفاهم عمر إنما هو لخشية الفتنة كما يدل عليه القصص، وقد استوفى تعداد المغرَّبين أبو الحسن المدائني في "كتاب المغرَّبين"(3)، فلا يدل اللعن علي التحريم.
وقوله: والمترجلات من النساء. المراد المتشبهات بالرجال، وقد جاء في
(أ) في جـ: وأطل الثوري.
(ب) في الأصل، جـ: منه. والمثبت من سبل السلام 4/ 30.
_________
(1)
أحمد 1/ 339، والطبراني 11/ 252 ح 11647.
(2)
شرح مسلم 14/ 164.
(3)
ينظر الفتح 10/ 334.
حديث أبي داود (1) عن عكرمة: فقلت له: ما المترجلات من النساء؟ قال: المتشبهات بالرجال. قال ابن التين (2): المرأد باللعن في هذا الحديث: من تشبه من الرجال بالنساء في الزي، ومن تشبه من النساء بالرجال كذلك، فأما من انتهى في التشبه بالنساء من الرجال إلى أن يؤتى في دبره، وبالرجال من النساء إلى أن تتعاطى السحق، فإن لهذين المصنفين من اللوم والعقوبة أشد ممن لم يصل إلى ذلك. قال: وإنما أمر بإخراج من تعاطى ذلك من البيوت (أ)؛ لئلا يفضي الأمر بالتشبه إلى تعاطي ذلك الأمر المنكر.
1015 -
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ادفعوا الحدود ما وجدتم لها مدفعًا". أخرجه ابن ماجه، وإسناده ضعيف (3).
وأخرجه الترمذي والحاكم من حديث عائشة رضي الله عنها بلفظ: "ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم". وهو ضعيف أيضًا (4).
ورواه البيهقي عن علي من قوله بلفظ: ادرءوا الحدود بالشبهات (5).
تمام حديث عائشة: "فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن
(أ) بعده في الأصل، جـ: كما في الباب الذي يليه.
_________
(1)
أبو داود -كما في الفتح 10/ 334.
(2)
الفتح 10/ 333.
(3)
ابن ماجه، كتاب الحدود، باب الستر على المؤمن ودفع الحدود بالشبهات 2/ 850 ح 2545.
(4)
الترمذي، كتاب الحدود، باب ما جاء في درء الحدود 4/ 25 ح 1424، والحاكم، كتاب الحدود 4/ 384.
(5)
البيهقي 8/ 238 مرفوعًا دون قوله: "بالشبهات". وينظر التلخيص 4/ 56.
يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة". وفي إسناده يزيد بن زياد الدمشقي وهو ضعيف (1)، قد قال فيه البخاري: منكر الحديث (2). وقال النسائي: متروك الحديث (3). ورواه وكيع عنه موقوفًا (4)، وهو أصح، قال الترمذي: وقد روي عن غير واحد من الصحابة أنهم قالوا ذلك (5). وقال البيهقي في "السنن": رواية الوقف أقرب إلى الصواب. قال: ورواه رشدين عن عقيل عن الزهري، ورشدين ضعيف أيضًا، ورويناه عن علي مرفوعًا: "ادرءوا الحدود، ولا ينبغي للإمام أن يعطل الحدود". وفيه المختار بن نافع (6)، وهو منكر الحديث، قاله البخاري؛ قال: وأصح ما فيه حديث سفيان الثوري عن عاصم عن [أبي](أ) وائل عن عبد الله بن مسعود قال: ادرءوا الحدود بالشبهات، ادفعوا القتل عن المسلمين ما استطعتم. وروي عن عقبة بن عامر ومعاذ أيضًا موقوفًا، وروي منقطعًا وموقوفًا على عمر (7). قال المصنف رحمه الله تعالى: ورواه [أبو](ب) محمد بن حزم في كتاب
(أ) في الأصل، جـ: ابن أبي. والمثبت من سنن البيهقي، وينظر تهذيب الكمال 12/ 548.
(ب) ساقط من: الأصل، جـ. والمثبت هو الصواب. وينظر سير أعلام النبلاء 18/ 184.
_________
(1)
يزيد بن زياد أو ابن أبي زياد القرشي الدمشقي، قال الحافظ: متروك. وضعفه البخاري وأبو حاتم وغيرهما. التاريخ الكبير 8/ 334، والجرح والتعديل 9/ 262، وتهذيب الكمال 32/ 134، التقريب ص 601.
(2)
التاريخ الصغير 2/ 83.
(3)
ينظر الضعفاء والمتروكين ص 111.
(4)
أخرجه ابن أبي شيبة 9/ 569، 570، والبيهقي 8/ 238 من طريق وكيع به.
(5)
الترمذي 4/ 25.
(6)
ينظر تهذيب الكمال 27/ 321.
(7)
ينظر البيهقي 8/ 238، 9/ 123.
"الإيصال" من حديث عمر موقوفًا عليه بإسناد صحيح، وفي ابن أبي شيبة (1) من طريق إبراهيم النخعي عن عمر: لأن أخطئ في الحدود بالشبهات أحب إلى من أن أقيمها بالشبهات. وفي "مسند أبي حنيفة" للحارثي (2) من طريق مقسم عن ابن عباس بلفظ: "ادرءوا الحدود بالشبهات". مرفوعًا.
الحديث فيه دلالة على أنه يدرأ الحد إذا ادعى من لزمه شبهة يجوز وقوعها؛ وذلك إذا ادعى الإكراه، أو أن المرأة أتيت وهي نائمة، أو نحو ذلك، ولا يحتاج إلى إقامة شهادة على (أ) تلك الشبهة التي ادعاها. والله أعلم.
1016 -
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اجتتبوا هذه القاذورات التي نهى الله عنها، فمن ألم فليستتر بستر الله وليتب إلى الله، فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله عز وجل". رواه الحاكم، وهو في "الموطأ" من مراسيل زيد بن أسلم (3).
الحديث أخرجه الحاكم في "المستدرك" عن ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قام بعد رجم الأسلمي، فقال:"اجتنبوا" الحديث. قال المصنف رحمه الله تعالى (4): ورويناه في "جزء هلال الحفار" عن حسين بن يحيى القطان عن
(أ) في جـ: في.
_________
(1)
ابن أبي شيبة 9/ 566.
(2)
التلخيص 4/ 56.
(3)
الحاكم، كتاب التوبة والإنابة 4/ 244، ومالك، كتاب الحدود، باب ما جاء فيمن اعترف على نفسه بالزنى 2/ 825.
(4)
التلخيص 4/ 57.
[حفص بن عمرو الربالي](أ) عن عبد الوهاب الثقفي عن يحيى بن سعيد الأنصاري به إلى قوله: "فليستتر بستر الله". وصححه ابن السكن، وذكره الدارقطني في "العلل" وقال: روي عن عبد الله بن دينار مسندًا ومرسلًا، والمرسل أشبه. وفي "الموطأ" عن زيد بن أسلم، أن رجلًا اعترف على نفسه بالزنى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوط. الحديث، ثم قال:"أيها الناس، قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله، فمن أصاب من هذه القاذورات". فذكره، وفي اخره:"نقم عليه كتاب الله". ورواه الشافعي (1) عن مالك، قال: وهو منقطع. وقال ابن عبد البر (2): لا أعلم هذا الحديث أسند بوجه من الوجوه. ومراده بذلك من حديث مالك، وأما حديث الحاكم فهو مسند، مع أن إمام الحرمين في "النهاية" قال: إنه صحيح متفق على صحته. قال ابن الصلاح: وهذا مما يتعجب منه العارف بالحديث، وله أشباه بذلك كثيرة أوقعه فيها اطراحه صناعة الحديث التي يفتقر إليها كل فقيه وعالم. انتهى. ولكنه ورد على ابن الصلاح بأن الحاكم ذكر أنه على شرطهما، فلعل إمام الحرمين أراد بالاتفاق على صحته أنه على شرط الصحة. والله أعلم.
قوله: "اجتنبوا هذه القاذورات". الأمر للوجوب؛ فإن القاذورة المراد بها الفعل القبيح والقول السيئ مما نهى الله سبحانه وتعالى عنه مما يجب عليه
(أ) في الأصل، جـ: جعفر بن عمرو الرياني. والمثبت من التلخيص، وينظر تهذيب الكمال 7/ 52.
_________
(1)
الأم 6/ 145.
(2)
التمهيد 5/ 321.
حد كالزنى وشرب الخمر. والحديث يدل على أنه يجب على من فعل معصية أن يستتر بستر الله تعالى، ولا يفضح نفسه بالإقرار بذلك الفعل، ويبادر إلى التوبة، وان أخبر أحدًا بذلك ندب له أن يأمره بالتوبة، ويستره عن الناس، كما جرى لماعز مع أبي بكر ثم عمر، فإنهما أمراه بالستر والتوبة (1). وقولة صلى الله عليه وسلم لهزال:"لو سترته بثوبك لكان خيرًا لك"(2). وذكر الثوب مبالغة؛ أي. لو لم تجد السبيل إلى ستره [إلا](أ) بردائك ممن علم أمره كان أفضل مما أشرت عليه به من الإظهار.
وقوله: "بيد لنا صفحته". أي يظهر لنا حقيقة أمره، استعار الصفحة التي هي جانب الوجه للأمر المظهر؛ لإظهارها عند الإقرار بالشيء والمواجهة بالخطاب.
وقوله: "نقم عليه كتاب الله". أي الحد الذي وجب بكتاب الله تعالى، وفيه دلالة على أنه إذا ظهر عند الإمام أو الحاكم ما يوجب الحد باستكمال شروطه وجب إقامته وحرم العفو، وهو في معنى قوله:"تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب". ترجم له أبو داود (3): العفو عن الحد ما لم بيلغ السلطان. وصححه الحاكم (4)، وسنده إلى عمرو بن شعيب صحيح.
(أ) ساقط من: الأصل، جـ. والمثبت من الفتح 12/ 125.
_________
(1)
الموطأ 2/ 820.
(2)
أبو داود 4/ 131 ح 4377، والنسائي في الكبرى 4/ 305، 306 ح 7274.
(3)
أبو داود 4/ 131 ح 4376.
(4)
الحاكم 4/ 424.