الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب حد الشارب وبيان المسكر
1032 -
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي برجل قد شرب الخمر فجلده بجريدتين نحو أربعين. قال: وفعله أبو بكر رضي الله عنه، فلما كان عمر استشار الناس، فقال عبد الرحمن بن عوف: أخف الحدود ثمانون. فأمر به عمر. متفق عليه (1).
ولمسلم (2) عن علي في قصة الوليد بن عقبة: جلد النبيُّ صلى الله عليه وسلم أربعين، و (أ) أبو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين، وكل سُنة، وهذا أحب إلي. وفي هذا الحديث: أن رجلا شهد عليه أنه رآه يتقيأ الخمر، فقال عثمان: إنه لم يتقيأْها حتى شربها.
قوله: أُتي برجل قد شرِب الخمرَ. الخمر مصدر (ب) خمر كضرب ونصر، وهي (جـ) مؤنثة وقد تذكر، ويقال أيضًا: خمرة. (د لواحد الخمر، سمى د) به الشَّراب المعتصر من العنب إذا غلا وقذف بالزبد. ويطلق على ما هو أعم من ذلك، وهو ما أسكر من العصير أو من النبيذ أو غير ذلك، قال
(أ) زاد بعده في مسلم: جلد.
(ب) زاد بعده في جـ: سمي.
(جـ) في جـ: هو. وينظر الفتح 10/ 32.
(د- د) في بر: لواحدة الخمرة.
_________
(1)
البخاري، كتاب الحدود، باب ما جاء في ضرب شارب الخمر 12/ 63 ح 6773، ومسلم، كتاب الحدود، باب حد الخمر 3/ 1330 ح 1706 واللفظ له.
(2)
مسلم، كتاب الحدود، باب حد الخمر 3/ 1331 ح 38 - 1707.
صاحب القاموس (1): والعموم أصح لأنها حرمت وما بالمدينة خمر عنب، وما كان شرابهم إلا من نبيذ البُسْر والتمر، وسميت بذلك لأنها تخمر العقل، أي تستره. ومنه خمار المرأة لستره وجهها. والخامر (أ) هو من يكتم شهادته، فيكون بمعنى اسم الفاعل أي الساترة للعقل، وقيل: لأنها تغطى حتى تشتد. ومنه: "خمروا آنيتكم"(2). أي غطوها. فيكون بمعنى اسم المفعول. وقيل: لأنها تخالط العقل ومنه خامره. إذا خالطه. وقيل: لأنها تترك حتى تدرك. ومنه: اختمر العجين. أي بلغ إدراكه، ومنه: خمرت الرأي. أي تركته حتى ظهر وتحرر، ولا مانع من صحة هذه الأقوال كلها لثبوتها عن أهل اللغة؛ وأهل المعرفة باللسان. قال ابن عبد البر (3): الأوجه كلها موجودة في الخمر؛ لأنها تركت حتى أدركت وسكنت، فإذا شربت خالطت العقل حتى تغلب عليه وتغطيه، فبيِّن أن الخمرَ تطلق على عصير العنب المشتد حقيقة إجماعا، وتطلق على غيره، لكن هل حقيقة أم مجازًا؟ ومع كونه مجازًا هل مجاز لغة أو من باب القياس على الخمر الحقيقية عند من يثبت التسمية بالقياس؟ قال الراغب في تفسيره لمفردات القرآن (4): سمي الخمر لكونه خامرًا للعقل أي ساترًا له، وهو عند بعض الناس اسمٌ لكلِّ مسكر، وعند بعضهم للمُتَّخَذ من العنب والتمر، وعند بعضهم لغير
(أ) زاد بعده في الأصل: و.
_________
(1)
القاموس المحيط 2/ 23 (ح م ر).
(2)
البخاري 6/ 355 ح 3316، ومسلم 3/ 1594 ح 2012.
(3)
التمهيد 1/ 244.
(4)
المفردات في غريب القرآن للأصفهاني ص 159.
المطبوخ، فرجح أن كل شيء يستر العقل يسمى خمرًا. وكذا قال أبو نصر بن (أ) القشيري في تفسيره (1): سميت الخمر خمرا لسترها العقل، [أو](ب) لاختمارها (جـ). وكذا قال غير واحد من أهل اللغة؛ منهم أبو حنيفة الدينوري وأبو نصر الجوهري، ونقل عن ابن الأعرابي قال: سميت الخمر خمرًا لأنها تركت حتى خمرت، واختمارها تغير رائحتها. ويقال: سميت بذلك لمخامرتها العقل. وجزم ابن سيدة في "المحكم"(2) بأن الخمر حقيقة إنما هي للعنب وغيرها من المسكرات يسمى خمرًا مجازا. وقال صاحب "الهداية"(3)، من الحنفية: الخمر عندنا ما اعْتُصر من ماء العنب إذا اشتد، وهو المعروف عند أهل اللغة وأهل العلم. قال: وقيل: هو اسم لكل مسكر، لقوله صلى الله عليه وسلم:"كل مُسكرٍ خمر (د) "(4). وقوله: "الخمر من هاتين الشجرتين"(5). ولأنه مخامر للعقل، وذلك موجود في كل مسكر. قال: ولنا إطباق أهل اللغة على تخصيص الخمر بالعنب، ولهذا اشتهر استعماله فيه. وقال الخطابي (6): زعم قوم أنَّ العربَ لا تعرف الخمر إلا من العنب؛ فيقال لهم:
(أ) ساقطة من: جـ. وينظر السير 19/ 424.
(ب) في الأصل: و. والمثبت من الفتح 10/ 47.
(جـ) في جـ: ولاحتمالها.
(د) ساقط من: جـ.
_________
(1)
ينظر الفتح 10/ 47.
(2)
المحكم 5/ 114.
(3)
الهداية 4/ 108.
(4)
سيأتي تخريجه ص 136.
(5)
مسلم 3/ 1573، 1574 ح 1985.
(6)
الفتح 10/ 48، وينظر معالم السننن 4/ 262.
إن الصحابةَ الذين سموا غير المتخذ من العنب خمرًا عربٌ فصحاء، فلو لم يكن هذا الاسم صحيحًا لما أطلقوه. وقال ابن عبد البر (1): قال الكوفيون: الخمر من العنب؛ لقوله تعالى: {أَعْصِرُ خَمْرًا} (2). قال: فدَلَّ على أن الخمرَ هو ما يعتصر لا ما ينتبذ. قال: ولا دليل فيه على الحصر. وقال أهل المدينة وسائر الحجازيين وأهل الحديث كلهم: كل مُسكرٍ خمر، وحُكْمُه حكم ما اتخذ من العنب. وقال القرطبي (3): الأحاديث الواردة عن أنس وغيره على صحتها وكثرتها تبطل مذهب الكوفيين القائلين بأن الخمر لا يكون إلا من العنب، وما كان من غيره لا يسمى خمرًا، ولا يتناوله اسم الخمر، وهو قول مخالفٌ لِلُغةِ العرب وللسُّنةِ الصحيحة وللصحابة؛ لأنهم لمَّا نزَل تحريمُ الخمرِ، فهموا من الأمر باجتناب الخمر تحريمَ كل ما يُسْكر، ولم يفرقوا بين ما يتخذ من العنب وبين ما يتخذ من غيره بل سووا بينهما، وحرموا ما كان من غير عصير العنب، وهم أهل اللسان، وبلغتهم نزل القرآن، فلو كان عندهم تردد لتوقفوا عن الإراقة حتى يستفصِلوا ويتحققوا التحريمَ، ثم خطبة عمر على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألَا إن الخمرَ قد حرمت، وهي من خمسة؛ من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير، والخمر ما خامر العقل (4). وعمر من أهل اللغةِ، وإن كان يحتمل أنه أرد أن هذا هو الذي تعلق به التحريم لا أنه المسمى في اللغة؛ لأنه بصددِ بيان الأحكام الشرعية، ولعل ذلك صار اسمًا شرعيًّا لهذا النوع فتكون حقيقة شرعية،
(1) التمهيد 1/ 245، وينظر الفتح 10/ 48.
(2)
الآية 36 من سورة يوسف.
(3)
الفتح 10/ 49.
(4)
البخاري 8/ 277 ح 4619، ومسلم 4/ 2322 ح 3032.
وإن كان مجازًا لغويًّا، وقال ابن المنذر: القائل بأن الخمر من العنب ومن غيره عمرُ وعلي وسعد (1) وابن عمر وأبو موسى وأبو هريرة وابن عباس وعائشة، ومن التابعين ابن المسيب (أ [وعروة والحسن وسعيد بن جبير وآخرون، وهو قول مالك والأوزاعي والثوري وابن المبارك] أ) والشافعي وأحمد وإسحاق وعامة أهل الحديث، ويمكن التأويل بما ذكرنا أن المراد الحقيقة الشرعية، [وقد روى](ب) الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي (2)"كل مسكر خمر، وكل مُسْكر حرام". وروى أبو داود: "كل مسكر خمر، وكل خمر حرام". وأخرج أحمد وأبو يعلى (3): "ألا فكل مسكر خمر، وكل (جـ) حرام". وفي الصحيحين (4) أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن البتع -أي نبيذ العسل- فقال: "كل شراب أسكر فهو حرام". قال الخطابي: إن الآيةَ لما نزلت في تحريم الخمر، وكان مسماها مجهولًا للمخاطبين، بيّن أن مسماها هو ما أسكر، فيكون مثل لفظ الصلاة والزكاة وغيرهما من الحقائق
(أ) ساقط من: الأصل، جـ. والمثبت من الفتح 10/ 49.
(ب) في جـ: وقد قرى.
(جـ) زاد بعده في جـ: خمر. وينظر مصادر التخريج.
_________
(1)
في الفتح 10/ 49: "سعيد".
(2)
مسلم 3/ 1587، 1588، ح 2003، وأبو داود 326/ 3 ح 3679، والترمذي 4/ 256 ح 1861، والنسائي 8/ 296.
(3)
أحمد 3/ 422 بلفظ: ألا فكل مسكر خمر. وأبو يعلى 3/ 26 ح 1436. بلفظ: وكل مسكر خمر. وأورده بلفظه المنذري في الترغيب والترهيب 3/ 260 ح 32، وعزاه لأحمد وأبي يعلى.
(4)
البخاري 10/ 41 ح 5586، ومسلم 3/ 1585 ح 2001.
الشرعية. هذا معنى كلامه، وهو بناء على أن مسمى الخمر في اللغة هو ماء العنب وحده، ثم قال: لا يأتينا أن الشارع ليس مقصوده تعليم اللغات بل تعليم الأحكام. ثمَّ قال: ووجه آخر وهو أن المراد بكون هذه المذكورات خمرًا أي أنها كالخمر في التحريم، فلا نقل للفظ الخمر عن معناه اللغوي، وقد حصل المقصود من تحريم ما أسكر من ماء العنب أو غيره؛ إما بنقل اللفظ إلى الحقيقة الشرعية أو (أبالتشبيه والإلحاق أ) الشرعي.
قوله: فجلده بجريدتين نحو أربعين. فيه دلالة على أن الحد يكون بالجريد، والجريد هو سعف النخلة، وقد اختلف العلماء في أنه هل يتعين الجلد بالجريد أم (ب) لا؟ على ثلاثة أقوال، وهي أوجه للشافعية (1)؛ أصحها: يجوز الجلد بالسوط، ويجوز الاقتصار على الضرب بالأيْدِي والنِّعال [والثياب] (جـ). ثانيها: يتعين الجلد. ثالثها: يتعين الضرب.
وحجة الراجح أنه فعل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يَثْبُتْ نسخه، والجلد في
عهد الصحابة، فدل على جوازه، وحجة الآخر ما قاله الشافعي في "الأم": لو أقام عليه الحد بالسوط فمات، وجبت الدية. فسوى بينه وبين ما إذا زاد، فدل على أن الأصل الضرب بغير السوط، وصرح أبو الطيب ومن تبعه بأنه لا يجوز بالسوط، وصرح القاضي حسين بتعيين السوط، واحتج بأنه إجماع الصحابة، ونقل عن النص في القضاء -يعني عن نص الشافعي في باب
(أ- أ) في جـ: بالشبه والإيجاب.
(ب) في جـ: أو.
(جـ) ساقطة من: الأصل، جـ. والمثبت من الفتح 12/ 66.
_________
(1)
الفتح 12/ 66.
القضاء- ما يوافقه، وينظر على دعوى إجماع الصحابة بما قال النووي في شرح مسلم (1): أجمعوا على الاكتفاء بالجريد والنعال وأطراف الثياب. ثم قال: والأصح جوازه بالسوط، وشذ من قال: هو شرط، وهو غلط منابذ للأحاديث الصحيحة. قال المصنف رحمه الله تعالى (2): وتوسط بعض المتأخرين؛ فعين السوط للمتمردين وأطراف الثياب والنعال للضعفاء، ومن عداهم بحسب ما يليق بهم وهو متجه. وهذا اللفظ هو رواية شعبة عن قتادة، وأخرج النسائي (3) من طريق يزيد بن هارون عن شعبة: فضربه بالنعال نحوًا من أربعين، ثم أتى به أبو بكر فصنع به مثل ذلك، ورواه همام عن قتادة بلفظ: فأمر قريبًا من عشرين رجلا فجلده (أ) كل واحدٍ (4) جلدتين بالجريد والنعال. أخرجه أحمد والبيهقي (5)، وهذا يجمع بين ما اختلف فيه على شعبة، وأن جملة الضربات كانت نحو أربعين لا (ب) أنه جلده بجريدتين أربعين، رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بلفظ: جلد بالجريد والنعال أربعين. علقه أبو داود بسند صحيح، ووصله البيهقي (6).
وقوله: فلما كان عمر استشار
…
إلخ. في رواية مسلم: فلما كان
(أ) في جـ: فجلد.
(ب) في جـ: إلا.
_________
(1)
الفتح 12/ 66، وينظر شرح مسلم 11/ 218.
(2)
الفتح 12/ 66.
(3)
النسائي في الكبرى 3/ 250 ح 5276.
(4)
في مصدري التخريج: فجلده كل رجل. والمثبت كما في الفتح 12/ 67.
(5)
أحمد 3/ 247، والبيهقي 8/ 319.
(6)
أبو داود 4/ 162 عقب ح 4479، والبيهقي 8/ 319.
عمر ودنا الناس من الريف والقرى، قال. ما ترون؟ وأخرج مالك في "الموطأ"(1) عن ثور بن زيد أن عمر استشار في الخمر، فقال له علي بن أبي طالب: نرى (أ) أن تجلده ثمانين، فإنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى. فجلد عمر في الخمر ثمانين. وهذا معضل، وقد وصله النسائي والطحاوي (2) عن ثور عن عكرمة عن ابن عباس بلفظ إن الشرَّاب كانوا يضربون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأيدي والنعال والعصا حتى توفى، فكانوا في خلافة أبي بكر أكثر منهم، فقال أبو بكر: لو فرضنا لهم حدًّا. فتوخى نحو ما كانوا يضربون في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فجلدهم أربعين حتى توفى، ثم كان عمر فجلدهم كذلك، حتى أتى برجل فذكر قصته وأنه تأوَّل قوله تعالى:{لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} . وأن ابن عباس ناظره في ذلك، واحتج ببقية الآية، وهو قوله تعالى:{إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} (3). والذي يرتكب ما حرمه الله، ليس بمتقي. فقال عمر: ما ترون؟ فقال علي: فذكره. وزاد بعد قوله: وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون جلدة. فأمر به عمر فجلده ثمانين. ولهذا الأثر عن عليٍّ طُرقٌ؛ منها: ما أخرجه [الطبراني](ب) والطحاوي والبيهقي (4) وفيه
(أ) في جـ: نراه من.
(ب) في الأصل: الطبري.
_________
(1)
الموطأ 2/ 842.
(2)
النسائي في الكبرى 3/ 252 ح 5288، والطحاوي في شرح المشكل 11/ 274 ح 4441.
(3)
الآية 93 من سورة المائدة.
(4)
الطبراني -كما في الفتح 12/ 69، والطحاوي في شرح المعاني 3/ 153، 154، والبيهقي 8/ 320.
أن رجلا من بني كلب، يقال له: ابن وبرة. أخبره أن خالد بن الوليد بعثه إلى عمر، وقال: إن الناس قد انهمكوا في الخمر واستخفوا العقوبة. فقال عمر رضي الله عنه لمن حوله: ما ترون؟ قال: ووجدت عنده عليا وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف في المسجد، فقال علي
…
فذكر مثل رواية ثور الموصولة.
وأخرج عبد الرزاق (1) عن عكرمة، أن عمر شاور الناس في الخمر فقال له علي: إن السكران إذا سكر هذى. الحديث.
ومنها: ما أخرج ابن أبي شيبة (2) في رواية أبي عبد الرحمن السلمي عن علي قال: شرب نفر من أهل الشام الخمر، وتأولوا الآية المذكورة، فاستشار عمر فيهم، فقلت: أرى أن تستتيبهم، فإن تابوا ضربتهم ثمانين وإلا ضربت أعناقهم، لأنهم استحلوا (أ) ما حرم الله، فاستتابهم فتابوا، فضربهم ثمانين ثمانين. وأخرج أبو داود والنسائي (3)، أن خالد بن الوليد كتب إلى عمر: إن الناس قد انهمكوا في الشراب، وتحاقروا العقوبة. قال: وعنده المهاجرون والأنصار فسألهم، واجتمعوا على أن يضربه ثمانين، وقال علي. فذكر مثله. وأخرج عبد الرزاق (4) عن ابن جريج، ومعمر عن ابن شهاب قال:
(أ) في جـ: يحلوا.
_________
(1)
عبد الرزاق 7/ 378 ح 13542.
(2)
ابن أبي شيبة 9/ 546.
(3)
أبو داود 4/ 165 ح 4489، والنسائي -كما في الفتح 12/ 70.
(4)
عبد الرزاق 7/ 377 ح 13540.
فرض أبو بكر في الخمر أربعين سوطًا، وفرض فيها (أ) عمر ثمانين. قال [الطحاوي (1)](ب) جاءت الأخبار متواترة عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسن في الخمر شيئًا، وجاء في حديث عقبة بن الحارث وعبد الرحمن بن أزهر، أنه أُتِيَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم برجل شرب الخمر، فقال للناس: اضربوه. فمنهم من ضربه بالنعال ومنهم من ضربه بالعصا، ومنهم من ضربه بالجريد، ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ترابًا فرمى به في وجهه. إلا إنه متعقب بما أخرجه مسلم (2)، أن عثمان أمر عليًّا بجلد الوليد بن عقبة في الخمر، فقال لعبد الله بن جعفر: اجلده، فجلده فلما بلغ أربعين، قال: أمسك، جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين، وكلٌّ سُنَّة، وهذا أحب إليَّ. فإن فيه الجزم بأن النبي صلى الله عليه وسلم جلد أربعين، وسائر الأخبار ليس فيها عدد إلا رواية: نحو الأربعين. ولكنه يجاب بأن ذلك لا يخالف.
قوله: لم يسن. لأن المراد بالسنة هو الطريقة التي استمرت، وضرْب أربعين مرة واحدة، لا يلزم أن تكون سُنة حيث لم يحافظ عليها كما في الروايات الأخر التي لم يذكر فيها عدد، ورواية: نحو الأربعين. إنما هي للتقريب لا للتحقيق، وتضعيف الطحاوي لحديث مسلم بأن في رواته (جـ)
(أ) في جـ: منها.
(ب) ساقط من: الأصل، جـ. والمثبت من الفتح 12/ 70.
(جـ) في جـ: رواية.
_________
(1)
شرح المعاني 3/ 155.
(2)
مسلم 3/ 1331، 1332 ح 1707.
عبد الله بن فيروز الداناج (1) بنون وجيم، وهو ضعيف؛ فقد وثقه أبو زرعة والنسائي، وقال الترمذي (2) أنه سأل البخاري عن الحديث فقوَّاه، وكفى بتصحيح مسلمٍ له، وتلقاه الناس بالقبول. وقال ابن عبد البر (3): إنه أثبت شيء في هذا الباب.
وقول علي: وكل سنة. يراد (أ) أن ذلك جائز (ب) قد وقع، لا محذور فيه، وبعض الرواة روى أيضًا: أن عليًّا جلد الوليدَ ثمانين. وأخرج الطحاوي والطبري (4) من طريق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين أن عليا رضي الله عنه جلد الوليد بسوط له طرفان. ومن طريق عروة مثله (5)، لكن قال: له ذنبان. وفي الطريقين ضعف. قال البيهقي (6): يحتمل أن يكون ضربه بالطرفين عشرين، فأراد بالأربعين ما اجتمع من عشرين وعشرين. واستدل الطحاوي أيضًا على ضعف [الحديث] (جـ) بأن عليا لا يرجح فعل عمر على فعل النبي صلى الله عليه وسلم بناء منه على أن قوله: وهذا أحب إليَّ. إشارة إلى الثمانين، وهو خلاف الظاهر، وبأن القياس من عليٍّ لا يكون مع معرفة النص
(أ) زاد بعده في جـ: به.
(ب) زاد بعده في جـ: و.
(جـ) ساقطة من: الأصل.
_________
(1)
الداناج داناه بالفارسية: العالم. ينظر تهذيب الكمال 15/ 437، والتقريب ص 318.
(2)
الفتح 12/ 70.
(3)
الاستذكار 24/ 273.
(4)
شرح المعاني 2/ 154، والطبري -كما في الفتح 12/ 71.
(5)
الطحاوي في شرح المعاني 2/ 155، وينظر الفتح 12/ 71.
(6)
البيهقي 8/ 321.
بالأربعين، ويجاب عنه بأنه إنما وقع الاستشارة في أمر زائد على المعتاد لدفع الجرأة من الشاربين، فلا محذور في القياس، ولا مخالفة للنص، ويتأيد هذا بما عند الدارقطني (1) في بعض طرق حديث الزهري عن حميد بن عبد الرحمن، كان عمر إذا أُتِي بالرجل الضعيف تكون منه الزَّلة جلده أربعين. قال: وكذلك عثمان جلد أربعين وثمانين. وفي رواية عبد الرزاق (2) عن عبيد (أ) بن عمير، من كبار التابعين، أنهم كانوا يضربون شارب الخمر بالأيدي والنِّعال، فلما كان عمر فعل ذلك حتى عتوا (ب)، فجعله أربعين سوطا، فلما رآهم لا يتناهون، جعله ثمانين سوطا وقال: هذا أخف الحدود. يريد (جـ) ما ذكر أولًا، والحديث فيه دلالة على ثبوت الحد (د) على شارب الخمر، قال القاضي عياض، وكذا الإمام الهدي في "البحر": إنه يجب الحد إجماعًا، وتعقب دعوى الإجماع بأن الطبري وابن المنذر وغيرهما حكَوْا عن طائفة من أهل العلم أن الخمرَ لا حدَّ فيها، وإنما فيها التعزير، واستدلوا بالأحاديث الواردة في ذلك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينص فيها على حد معينٍ، وإنما فيها الضرب المطلق، وأصرحها حديث أنس، وفيه: نحو الأربعين. ولم يجزم بالأربعين، وقد قال عبد الرزاق (3): أخبرنا ابن
(أ) في جـ: عبيدة. وينظر تهذيب الكمال 19/ 223.
(ب) في جـ: عتبوا. وفي مصدر التخريج: ثم خشي يغتال الرجل. وفي الفتح. خشي. والمثبت موافق لما في رواية النسائي في الكبرى 3/ 250 ح (5278).
(جـ) في جـ: يؤيد.
(د) في جـ: الجلد.
_________
(1)
سنن الدارقطني 3/ 157.
(2)
عبد الرزاق 7/ 377 ح 13541.
(3)
تقدم تخريجه ص 140، 141.
جريج ومعمر: سئل ابن شهاب كم جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر؟ فقال: لم يكن فرض فيها حدًّا، كان يأمر من حضره أن يضربوه بأيديهم ونعالهم، حتى يقول لهم:"ارفعوا". وورد أنه لم يضربه أصلا فيما أخرجه أبو داود والنسائي (1) بسند قوي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يوقت (أ) في الخمر حدًّا. قال ابن عباس: وشرب رجل فسكر، فانطلق به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلما حاذى دار العباس انفلت (ب)، فدخل على العباس فالتزمه، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فضحك، ولم يأمر فيه بشيء. وأخرج الطبري (جـ) (2) من وجه آخر عن ابن عباس رضي الله عنه: ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر إلا أخيرا، ولقد غزا تبوك فغشى حجرته من الليل سكران، فقال:"ليقم إليه رجل فيأخذ بيده، حتى يرده إلى رحله". والجواب عن ذلك أن الإجماع من الصحابة انعقد على وجوب الحد؛ لأن أبا بكر تحرى ما كان النبي صلى الله عليه وسلم ضرب به السكران فصيَّره حدًّا، واستمر عليه، وكذا استمر عليه من بعده وإن اختلفوا في العدد، ويجاب عن حديث ابن عباس في الذي استجار بالعباس بأن ذلك كان قبل أن يشرع، ثم شرع الجلد، ولم يطلع أكثرهم على تعيينه صريحا مع اعتقادهم أن فيه الحد المعين، ومن [ثَمَّ](هـ) توخى أبو
(أ) في جـ: يوقف.
(ب) في جـ: انقلب.
(جـ) في جـ: الطبراني.
(هـ) ساقطة من: الأصل.
_________
(1)
أبو داود 4/ 161 (4476)، والنسائي في الكبرى 3/ 254 ح 5290، 5291.
(2)
الطبري -كما في الفتح 12/ 72.
بكر ما فعل بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم فاستقر عليه الأمر، ثم رأى عمر ومن وافقه الزيادةَ على الأربعين، إما حدًّا ثبت بالقياس وإما تعزيرًا، وذهب الجمهور إلى أنه يجب الحد على السكران، وأنه ثمانون، ومنهم العترة وأبو حنيفة ومالك وأحمد وأحد القولين للشافعي، قالوا: لقيام الإجماع عليه في عهد عمر، فإنه لم ينكر عليه أحد، وتعقب بأن عليًّا رجع عن ذلك، واقتصر على الأربعين، وقد تقدم ذلك، ويرد عليه أيضًا، بأن عليًّا جلد النجاشي الشاعر في خلافته ثمانين (1). وإسناده غير صحيح، وذهب الشافعي في القول المشهور عنه وأحمد في رواية وأبو ثور وداود إلى أن حده أربعون؛ وذلك لأن الأربعين التي استقر عليها الأمر في أيام أبي بكر ورجوع عليٍّ إليها، والمشورة من علي في عهد عمر لانْهِماكِ الناس في الخمر، فكانت الأربعون تعزيرًا واقفة على نظَرِ المصلحة من الإمام، وبهذا تمسكتِ الشافعية، قالوا: أقل ما في حد الخمر للحر أربعون، وتجوز الزيادة فيه إلى الثمانين على سبيل التعزير، ولا يتجاوز الثمانين، وأما قول علي: وكل سنة. فمعناه: أن (أ) الاقتصار على الأربعين سنة النبي صلى الله عليه وسلم وصار إليه أبو بكر رضي الله عنه، والوصول إلى الثمانين سنة عمر ردعًا للشاربين الذين احتقروا العقوبة الأولى، ووافقه من ذكر في زمانه؛ إما أن تكون الزيادة حدًّا، إذا جوز إثبات الحد بالقياس كما ذهب إليه البعض، وإما أنه عقوبة تعزير بناء على أنه يجوز أن يبلغ بالتعزير قدر الحد، ولعلهم لم يبلغهم الحديث (ب) الناهي عن ذلك، [ويؤيد](جـ) أن الزيادة
(أ) ساقطة من: جـ.
(ب) في جـ: الحد.
(جـ) في الأصل، جـ: ويؤيده. والمثبت يقتضيه السياق.
_________
(1)
الطحاوي في شرح المعاني 3/ 153، والبيهقي 8/ 321، وينظر الفتح 12/ 75.
كانت تعزيرًا، ما أخرجه أبو عبيد (1) في غريب الحديث بسند صحيح عن أبي رافع عن عمر أنه أُتِي بشارب، فقال لمطيع بن الأسود: إذا أصبحت غدًا فاضربه، فجاء عمر فوجده يضربه ضربًا شديدًا، فقال: كم ضربته؟ قال: ستين، قال: اقتص عنه بعشرين. قال أبو [عبيد](أ): يعني اجعل شدة ضربك له قصاصًا بالعشرين التي بقيت من الثمانين. فيؤخذ منه أن الزيادة على الأربعين ليست بحدٍّ، إذ لو كانت حدًّا لما جاز النقص منه بشدةِ الضرب، إذ لا قائلَ به إلا أن فيما أخرجه البخاري (2) عن علي أنه قال: ما كنت لأقيم حدًّا على أحد فيموتَ؛ فأجِد (ب) في نفسي إلا صاحب الخمر، فإنه لو مات ودَيْتُه، وذلك أدن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يَسُنه. دلالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر الأربعين في لفظه، ولا اسْتَمرَّ عليها في فعله، وأن الضرب كان يختلف حاله؛ فلذلك أنه إذا حصل من الضرب إعنات بإفضاء القتل، دل على أنه غير سائغ شرعًا فيضمنه؛ لأن التأديب من حقه ألا يفضي إلى النفس، وهو غير مأمور به، فقد تعدى المقيم له بخلاف الحد المعين من الشارع، فإنه إذا حصل الإعنات كان مِن سببٍ مأمور به فلا تعدِّي من المقيم، ووقع في رواية الشعبي (3): فإنما هو شيء صنعناه. ولعله يجمع بين هذه الرواية وما تقدم من قوله: كل سنة. أنه قدر (جـ) الضرب الواقع من النعال
(أ) في الأصل، جـ: عبيدة.
(ب) في جـ: فاخذ.
(جـ) في جـ: قد حد.
_________
(1)
غريب الحديث 3/ 306.
(2)
البخاري 12/ 66 ح 6778.
(3)
الدارقطني في العلل 4/ 94، وينظر الفتح 12/ 68.
والجريد في رواية، وأطراف الثياب والأيدي في رواية بمقدار الأربعين الضربة وكان هذا القدر سُنةً، ولكنه على جهة التقريب لا التحقيق.
وقوله: إنه لم يسنه. أي تحقيقًا، ولعل البخاري يميل إلى عدم التقرير، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقتصر في ضرب (أ) الشارب إلى ما يليق بحاله، ولذلك لم يترجم بالعدد أصلا ولا أخرج في العدد حديثًا صريحًا. وقال الشافعي (1): إن ضرَب بغير السوط فلا ضمان، وإن جلد بالسوط ضمن، قيل: الدية. وقيل: قدر تقاوت ما بين الجلد بالسوط وبغيره، والدية في ذلك على عاقلة الإمام، وكذا لو زاد على الأربعين ومات.
وقوله: إنه رآه يتقيأها. هذا في قصة الوليد بن عقبة، شهد عليه رجلان؛ أحدهما، حمران (ب) أنه شرب الخمر، وشهد آخر أنه رآه يتقيأ، فقال عثمان: إنه لم يتقيأ حتى شربها. فيه دلالة على أنه تكفي الشهادة على القيء وكذا الشم، وقد ذهب إلى هذا الهدوية ومالك والناصر؛ لأن الصحابة أقاموا على الوليد الحد ولم ينكر، وذهب الشافعية والحنقية إلى أنه لا تكفي الشهادة على القيء والشم، وأجابوا عن هذه الواقعة بأن عثمان قد علم شرب الوليد، فقضى بعلمه، ولعل مذهبه جواز قضاء القاضي بعلمه في الحدود، (جـ وفيه ضعف جـ).
(أ) في جـ: شرب.
(ب) زاد بعده في جـ: وشهد.
(جـ - جـ) في جـ: فيضعف.
_________
(1)
الفتح 12/ 68.
1033 -
وعن معاوية [عن النبي صلى الله عليه وسلم](أ) أنه قال في شارب الخمر: "إذا شرب فاجلدوه، ثم إذا شرب فاجلدوه، ثم إذا شرب الثالثة فاجلدوه، ثم إذا شرب الرابعة فاضربوا عنقه". أخرجه أحمد وهذا لفظه، والأربعة (1) وذكر الترمذي (2)[ما يدل](ب) على أنه منسوخ، وأخرج ذلك أبو داود (3) صريحًا عن الزهري.
الحديث أخرجوه عن معاوية مرفوعًا، وأخرجه الشافعي (4) في رواية حَرْملةَ عنه، وأبو داود وأحمد والنسائي والدارمي وابن المنذر، وصححه ابن حبان (5) كلهم عن أبي هريرة مرفوعًا، وقد أخرجه (*) ابن أبي شيبة (6) من رواية أبي صالح عن أبي سعيد، والمحفوظ أنه عن معاوية بدل أبي سعيد،
(أ) سقط من: الأصل، جـ. والمثبت من البلوغ ومصادر التخريج.
(ب) ساقطة من: الأصل.
(*) إلى هنا انتهى ما لدينا من نسخة مكتبة صنعاء، والمشار إليها بـ (الأصل) في الحواشي.
_________
(1)
أخرجه أحمد 4/ 96، وأبو داود، كتاب الحدود، باب إذا تتابع في شرب الخمر 4/ 163
ح 4482، والترمذي، كتاب الحدود، باب ما جاء مَن شرب الخمر فاجلدوه ومن عاد في الرابعة
فاقتلوه 4/ 39 ح 1444، وابن ماجه، كتاب الحدود، باب من شرب الخمر مرارًا 2/ 859 ح 2573، والنسائي في الكبرى، كتاب الحد في الخمر، باب الحكم فيمن يتتابع في شرب الخمر 3/ 255/ 257 ح 5298 - 5301.
(2)
الترمذي 4/ 39، 40 عقب ح 1444.
(3)
أبو داود 4/ 163، 164 ح 4485.
(4)
الفتح 12/ 78.
(5)
أبو داود 4/ 163 ح 4484، وأحمد 2/ 280، والنسائي 8/ 314، وفي الكبرى 3/ 255 ح 5296، والدارمي 2/ 1336 ح 2151، وابن المنذر -كما في الفتح 12/ 78، وابن حبان 10/ 297 ح 4447.
(6)
الفتح 12/ 79.
وأخرجه أبو داود (1) من رواية أبان العطار، وذكر الجلد ثلاث مرات بعد الأولى، ثم قال: فإن شربوا فاقتلوهم. ثم ساقه أبو داود (2) من طريق حميد بن يزيد عن نافع عن ابن عمر قال: وأحسبه قال في الخامسة: "ثم إن شربها فاقتلوه". كذا قال. وكذا في حديث غُطَيف (أ): في الخامسة. قال أبو داود (3): وفي رواية عمر بن أبي سلمة عن أبيه، وسهيل بن أبي صالح عن أبيه كلاهما عن أبي هريرة: في الرابعة. وكذا في رواية (ب بن أبي نُعْم ب) عن ابن عمر. وقد أخرج حديث الأربع أحمد والدارمي والطبراني وصححه الحاكم (4) من حديث الشريد بن [سويد](جـ) الثقفي. وأخرج أحمد والحاكم والطبراني وابن منده في "المعرفة"(5) ورواته ثقات من حديث شرحبيل الكندي، وأخرجه الطبراني وابن منده (6) وفي سنده ابن لهيعة من حديث أبي
(أ) في جـ، والفتح 12/ 79: عطف. وفي مصدر التخريج: أبو غطيف، وهو ما قيل في اسمه، والمثبت كما في تهذيب التهذيب 8/ 248.
(ب- ب) في جـ: أبي نعيم، وفي الفتح: ابن أبي نعيم. والمثبت من مصدر التخريج. وينظر تهذيب الكمال 17/ 456.
(جـ) في جـ: أوس. وهو خطأ؛ فالشريد هو ابن سويد الثقفي. والمثبت من مصادر التخريج، وينظر الإصابة 3/ 327، 328، 340.
_________
(1)
أبو داود 4/ 163 ح 4482.
(2)
أبو داود 4/ 163 ح 4483.
(3)
أبو داود 4/ 163 عقب ح 4484.
(4)
أحمد 4/ 388، 389، والدارمي 3/ 1489 ح 2359، والطبراني 7/ 379 ح 7244، والحاكم 4/ 372.
(5)
أحمد 4/ 234، والحاكم 4/ 373، والطبراني 1/ 198، 7/ 366 ح 620، 7212، وابن منده -كما في أسد الغابة 2/ 511.
(6)
الطبراني 22/ 355، 356 ح 893، وابن منده -كما في أسد الغابة 6/ 112، والفتح 12/ 79.
الرمداء -براء مهملة وميم ساكنة ودال مهملة وبالمد، وقيل: بموحدة ثم ذال معجمة- وهو بلوي، وفي سياق حديثه- أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بضرب عنقه، وأنه ضرب عنقه، فإن ثبت هذا كان فيه رَدٌّ على مَن يقول: إدن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعمَلْ به. وأخرجه الطبراني الحاكم (1) من حديث جرير، وقد روي عن عبد الله بن (أعمرو بن العاص أ) من طريقين وفيهما مقال، وعن ابن (ب) عمر ونفر من الصحابة وعن جابر وعن رجل من الصحابة، وقال الترمذي (2): سمعت محمدا، يعني البخاري، يقول: حديث معاوية في هذا أصح.
والحديث فيه دلالة على (جـ) قتلِ الشارب إذا تكرر منه أربع مرات، وقد ذهب إلى هذا بعض أهل الظاهر واستمر عليه ابن حزم، واحتج له وادعى أن لا إجماع على ترك القتل، وأورد من مسند الحارث بن أبي أسامة ما أخرجه هو والإمام أحمد (3) من طريق الحسن عن عبد الله بن عمرو أنه قال: ائتوني برجل أقيم عليه الحد، يعني ثلاثا، ثم سكر فإن لم أقتله فأنا كاذب. وهذا منقطع؛ لأن الحسن لم يسمع من عبد الله بن عمرو كما جزم به ابن المديني وغيره، فلا حجة فيه، وذهب الجمهور إلى أن القتل منسوخ، فأخرج الطحاوي (4) عن ابن المنكدر أنه بلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم جلد
(أ- أ) في جـ: عمر. والمثبت من الفتح 12/ 79. وينظر النسائي في الكبرى 3/ 256 ح 5300.
(ب) ساقطة من: جـ. والمثبت من الفتح 12/ 79.
(جـ) زاد بعده في جـ: أن. والحذف يقتضيه السياق.
_________
(1)
الطبراني 2/ 382 ح 2397، 2398، والحاكم 4/ 371.
(2)
الترمذي 4/ 39 عقب ح 1444.
(3)
الحارث بن أبي أسامة -كما في الفتح 12/ 80، وأحمد 12/ 191، 211.
(4)
شرح المعاني 3/ 161.
ابن (أالنعيمان فضربه أ) بعد الرابعة. وأخرج الشافعي وعبد الرزاق وأبو داود (1) من رواية الزهري عن قبيصة بن ذؤيب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من شرب الخمر فاجلدوه، إلى أن قال: ثم إذا شرب في الرابعة فاقتلوه". قال: فأتى برجل قد شرب فجلده، ثم أتى به قد شرب فجلده ب) ثم أتى به وقد شرب فجلده ب)، ثم أتى به الرابعة قد شرب فجلده فرفع القتل عن الناس، وكانت رخصة. وعلقه الترمذي (2)، فقال: روى الزهري، وأخرجه الخطيب في "المبهمات"(3) عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن قبيصة، وقال: قال: أتى برجل من الأنصار يقال له: نعيمان. فضربه أربع مرات. فرأى المسلمون أن القتل قد أُخِّر، وأن الضربَ قد وجَب، وقبيصة بن ذؤيب من أولاد الصحابة ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسمع منه (4)، ورجاله ثقات مع إرساله وأعله الطحاوي (5) بما أخرجه من طريق الأوزاعي أن الزهري راويه قال: بلغني عن قبيصة. ولكنه معارض بأن في رواية ابن وهب عن يونس أخبرني الزهري أن قبيصة حدثه أنه بلغه عن النبي صلى الله عليه وسلم (6)،
(أ- أ) في جـ: النعمان. والمثبت من الفتح 12/ 80.
(ب- ب) ساقطة من: جـ. والمثبت من مصادر التخريج، وينظر الفتح 12/ 80.
_________
(1)
الأم 6/ 144، 180، وعبد الرزاق 7/ 381 ح 13553، وأبو داود 4/ 163، 164 ح 4485.
(2)
الترمذي 4/ 40 عقب ح 1444.
(3)
المبهمات ص 307 ح 152.
(4)
تهذيب الكمال 23/ 476.
(5)
الطحاوي -كما في الفتح 12/ 80.
(6)
الطحاوي في شرح المعاني 3/ 161.
وهذا أصح؛ لأن يونس أحفظ لحديث الزهري من الأوزاعي، والظاهر أن واسطة قبيصة صحابي، وإبهام الصحابي لا يضر، فيكون له حكم الصحيح، ويتأيد بما أخرجه عبد الرزالتي عن ابن المنكدر مثله (1)، وكذا أخرجه النسائي (2) عن جابر. قال الشافعي (3) بعد تخريجه: هذا ممَّا لا اختلاف فيه بين أهل العلم. وقال الترمذي (4): لا نعلم بين أهل العلم اختلافا في القديم والحديث، وقال في "العلل" آخر الكتاب (5): جميع ما في هذا الكتاب قد عمل به بعض أهل العلم إلا هذا الحديث، وحديث الجمع بين الصلاتين في الحضر. وقال الخطابي (6): إن حديث الأمر بالقتل ليس على ظاهره، وإنما المراد به الردع والتحذير. ثم قال: ويحتمل أنه نسخ بالإجماع من الأمة فتقَرَّر النسخ. وأما الاعتراض بأن حديث معاوية متأخر لأنه إنما أسلم بعد الفتح، ولم يكن في [الأحاديث الدالة](أ) على النسخ ما يدل على [تأخر هذا](ب). ويجاب عنه بأن تأخر إسلام الصحابي لا يكون قرينة على التأخر؛ لأنه قد يروى عن غيره كما ذلك مقرر في الأصول، ثم لا يسلم أن معاوية أسلم بعد الفتح، فإنه قد قيل: إنه أسلم
(أ) في جـ: الحديث الدال. والمثبت من الفتح 12/ 80.
(ب) في جـ: تأخرها. والمثبت يقتضيه السياق، وينظر الفتح 12/ 80.
_________
(1)
عبد الرزاق 7/ 380 عقب ح 13545.
(2)
النسائي في الكبرى 3/ 257 ح 5302، 5303.
(3)
الأم 6/ 144.
(4)
الترمذي 4/ 40 عقب ح 1444.
(5)
الترمذي 5/ 692.
(6)
معالم السننن 3/ 339.
قبل الفتح، وقيل: في الفتح، وقصة ابن النعيمان كانت بعد ذلك؛ لأن عقبة بن الحارث حضرها إما بحنين وإما بالمدينة، وهو إنما أسلم في الفتح وحنين وحضور عقبة [إلى](أ) المدينة كان بعد الفتح جزما، وقد عمل بالناسخ الصحابة، فأخرج عبد الرزاق في مصنفه (1) بسند فيه لين عن عمر، أنه جلد أبا محجن الثقفي في الخمر ثماني مرات. وأورد نحو ذلك عن سعد بن أبي وقاص، وأخرج حماد بن سلمة في مصنفه (2) من طريق أخرى رجالها ثقات أن عمر جلد أبا محجن في الخمر أربع مرات ثم قال له: أنت خليع. فقال: أما إذ خلعتني فلا أشربها أبدًا.
1034 -
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه". متفق عليه (3).
الحديث فيه دلالة على أن المحدود لا يضرب في وجهه، وكذلك لا يضرب في المراق (4) والمذاكير، وقد روي عن علي أنه قال للجلاد: اضربه في أعضائه، وأعط كل عضو حقه، واتق وجهه ومذاكيره. أخرجه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق وسعيد بن منصور والبيهقي (5) من طرق عن علي،
(أ) في جـ: في. والمثبت من الفتح 12/ 80.
_________
(1)
عبد الرزاق 7/ 381 ح 13554.
(2)
مصنف حماد بن سلمة -كما في الفتح 12/ 81.
(3)
البخاري، كتاب العتق، باب إذا ضرب العبد فليجتنب الوجه 5/ 182 ح 2559، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب النهي عن ضرب الوجه 4/ 2016 ح 2612.
(4)
مراق البطن: ما رق منه ولان. القاموس المحيط (ر ق ق).
(5)
ابن أبي شيبة 10/ 48، 49، وعبد الرزاق 7/ 370 ح 3517، وسعيد بن منصور -كما في التلخيص 4/ 78 - والبيهقي 8/ 327.
واجتناب المذاكير والمراق؛ لأنه لا يؤمن عليه من ضربها، واختلف العلماء في الرأس فذهب ابن الصباغ والماسرخسي من أصحاب الشافعي إلى أنه لا يضرب فيه، إذ هو غير مأمون. وذهب الهدوية وأبو يوسف إلى أنه يضرب فيه لقول علي: واضرب الرأس. وقول أبي بكر للجلاد: اضرب الرأس فإن الشيطان فيه. أخرجه ابن أبي شيبة (1)، وذكره أبو بكر الرازي في [كتاب](أ)"أحكام القرآن"(2) في حق رجل انتفى من أبيه، فقال أبو بكر: اضرب الرأس فإن الشيطان في الرأس. وفيه ضعف وانقطاع، وذهب مالك إلى أنه لا يضرب إلا في رأسه.
1035 -
وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقام الحدود في المساجد". رواه الترمذي والحاكم (3).
الحديث أخرجه الترمذي وابن ماجه (4)، وفي إسناده إسماعيل بن مسلم المكي وهو ضعيف من قبل حفظه (5). وأخرجه أبو داود والحاكم وابن السكن وأحمد والدارقطني والبيهقي (6) من حديث حكيم بن حزام، ولا
(أ) في جـ: باب. والمثبت من التلخيص 4/ 78.
_________
(1)
ابن أبي شيبة 10/ 151.
(2)
أحكام القرآن 5/ 102، وينظر التلخيص 4/ 78.
(3)
الترمذي، كتاب الديات، باب ما جاء في الرجل يقتل ابنه 4/ 12 ح 1401، والحاكم، كتاب الحدود 4/ 369.
(4)
ابن ماجه، كتاب الحدود، باب النهي عن إقامة الحدود في المساجد 2/ 867 ح 2599.
(5)
تقدمت ترجمته في 2/ 400.
(6)
أبو داود 4/ 165 ح 4490، والحاكم 4/ 378، وابن السكن -كما في التلخيص 4/ 77، =
بأس بإسناده، ورواه البزار (1) من حديث جبير بن مطعم، وفيه الواقدي، ورواه ابن ماجه (2) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده نهى أن يجلد الحد في المسجد وفيه ابن لهيعة (3)، وأخرج ابن أبي شيبة (4) عن طارق بن شهاب قال: أتي عمر بن الخطاب رضي الله عنه برجل في حد، فقال: أخرجاه من المسجد، ثم اضرباه. وسنده على شرط الشيخين، وأخرج (4) عن علي، أن رجلا جاء إلى علي فساره فقال: يا قنبر أخرجه من المسجد، فأقم عليه الحد. وفي سنده مقال.
والحديث فيه دلالة على أنه لا يجوز إقامة الحدود في المساجد، وقد ذهب إليه الكوفيون والشافعي وأحمد وإسحاق، وذهب الشعبي وابن أبي ليلى إلى جوازه. وقال مالك: لا بأس بالضرب بالسياط اليسيرة، فإذا كثرت الحدود فليَكُنْ ذلك خارج المسجد. قال ابن بطال (5): وقول من نَزَّه المسجد أوْلَى.
1036 -
وعن أنس رضي الله عنه قال: لقد أنزل الله تحريم الخمر وما بالمدينة شراب يشرب إلا من تمر. أخرجه مسلم (6).
= وأحمد 3/ 434، والدارقطني 3/ 85، 86، والبيهقي 8/ 328.
(1)
البزار -كما في التلخيص 4/ 78.
(2)
ابن ماجه 2/ 867 ح 2600.
(3)
تقدمت ترجمته في 1/ 175.
(4)
ابن أبي شيبة 10/ 42.
(5)
شرح البخاري لابن بطال 8/ 242.
(6)
مسلم، كتاب الأشربة، باب تحريم الخمر 3/ 1572، ح 1982.
الحديث فيه دلالة على أن نبيذ التمر يسمى خمرا، وقد تقدم الكلام في ذلك.
1037 -
وعن عمر رضي الله عنه قال: نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة: من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير، والخمر ما خامر العقل. متفق عليه.
وأخرجه الثلاثة (1).
تقدم الكلام عليه.
1038 -
وعن ابن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام". أخرجه مسلم.
والثلاثة (2).
(1) البخاري، كتاب التفسير، باب {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} ، 8/ 277 ح 4619، ومسلم، كتاب التفسير، باب في نزول تحريم الخمر، 4/ 2322 ح 3032، وأبو داود، كتاب الأشربة، باب في تحريم الخمر، 3/ 323 ح 3669، والنسائي، كتاب الأشربة، باب ذكر أنواع الأشياء التي كانت منها الخمر حين نزل تحريمها، 8/ 295، والترمذي، كتاب الأشربة، باب ما جاء في الحبوب التي يتخذ منها الخمر، 4/ 263، ح 1874.
(2)
مسلم، كتاب الأشربة، باب بيان أن كل مسكر خمر، وأن كل خمر حرام، 3/ 1587 ح 2003، والنسائي، كتاب الأشربة، باب إثبات اسم الخمر لكل مسكر من الأشربة، وباب تحريم كل شراب أسكر، 8/ 296، 297، وباب ذكر الأخبار التي اعتل بها من أباح شراب السكر، 8/ 324، 325، والترمذي، كتاب الأشربة، باب ما جاء في شارب الخمر، 4/ 256 ح 1861، ابن ماجه، كتاب الأشربة، باب كل مسكر حرام، 2/ 1123 ح 3387.
الحديث فيه دلالة على أن كل مسكر يسمى خمرا، وفيه الاحتمال الذي قد مر.
وقوله: "وكل مسكر حرام". عام لكل ما أسكر، سواء كان من النبيذ أو من العصير، ولكنه يحتمل أن يراد أنه يحرم القدر المسكر، ويحرم تناوله مطلقا وإن قل، وإن لم يسكر، إذا كان في ذلك الجنس [صلاحية الإسكار](أ)، قال الطحاوي: اختلفوا في تأويل الحديث؛ فقال بعضهم: أراد به جنس ما يسكر، وقال بعضهم: أراد [به](ب) ما يقع السكر عنده، ويؤيده أن القاتل لا يسمى قاتلا حتى يقتل، قال: ويدل [له](جـ) حديث ابن عباس رفعه: "حرمت الخمر قليلها وكثيرها، والسكر من كل شراب". وهو حديث أخرجه النسائي (1)، ورجاله ثقات، إلا أنه اختلف في وصله وانقطاعه، وفي رفعه ووقفه، وعلى تقدير صحته فقد رجح الإمام أحمد وغيره أن الرواية فيه بلفظ:"والمسكر". بضم الميم وسكون السين، لا (السكر) بضم ثم سكون، أو بفتحتين، وعلى تقدير ثبوته فهو حديث فرد، معارض بعموم أحاديث صحيحة كثيرة، وقد ذهب إلى أنه يحرم المسكر (د) قليله وكثيره -الجمهور من الصحابة والتابعين والفقهاء؛ كعلي، وعمر، وابن عباس، وابن عمر، وابن مسعود، وأبي هريرة، وسعد بن أبي وقاص،
(أ) في جـ: صلاحه السكر. والمثبت من الفتح 10/ 42.
(ب) ساقطة من: جـ. والمثبت من الفتح 10/ 43.
(جـ) في جـ: عليه. والمثبت من الفتح 10/ 43.
(د) في جـ: بالمسكر. والمثبت يقتضيه السياق.
_________
(1)
النسائي 8/ 320، 321.
وعائشة، والنخعي، وأحمد، وإسحاق، والشافعي، ومالك، والعترة جميعا، وحجتهم هذا الحديث، وحديث جابر الآتي (1)، وما أخرجه أبو داود (2) من حديث عائشة:"كل مسكر حرام، وما أسكر منه الفرق؛ فملء الكف منه حرام". وأخرجه ابن حبان والطحاوي (3) من حديث سعد بن أبي وقاص، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أنهاكم عن قليل ما أسكر كثيره". وجاء أيضًا عن علي عند الدارقطني (4)، وعن ابن عمر عند ابن إسحاق والطبراني، وعن خوات بن جبير عند الدارقطني والحاكم والطبراني (5)، وعن زيد بن ثابت عند الطبراني (6)، وفي أسانيدها مقال، ولكنها تزيد الأحاديث الصحيحة قوة وشهرة، قال أبو مظفر بن السمعاني: الأخبار [في ذلك](أ) كثيرة، ولا مساغ لأحد في العدول عنها. وذهب الكوفيون ومنهم إبراهيم النخعي، وسفيان الثوري، وابن أبي ليلى، وشريك، وابن شبرمة، وأبو حنيفة وأصحابه، وأكثر علماء البصرة على أنه يحل دون المسكر من غير عصير العنب والرطب، [قالوا] (ب): لأنه لا يسمى خمرا إلا مجازا، ولما أخرجه
(أ) ساقطة من: جـ. والمثبت من الفتح 10/ 43.
(ب) في جـ: قال. والمثبت يقتضيه السياق.
_________
(1)
سيأتي ح 1039.
(2)
أبو داود 3/ 327 ح 3687.
(3)
ابن حبان 12/ 192 ح 5370، شرح معاني الآثار 4/ 216.
(4)
الدارقطني 4/ 250.
(5)
الطبراني في الكبير 12/ 381 ح 13411، والأوسط 1/ 197 ح 626، 5/ 106 ح 4807، والدارقطني 4/ 254، والحاكم 3/ 413.
(6)
الطبراني 5/ 154 ح 4880.
البيهقي (1) في حديث عبد القيس، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"فإن اشتد متنه فاكسروه بالماء، فإن أعياكم فأهريقوه". ثم قال البيهقي: الروايات الثابتة عن وفد عبد القيس خالية عن هذه اللفظة، وقد روي عن أبي هريرة في هذه القصة أنه قال:"فإن خشي شدته فليصب عليه الماء". فلا يتم الاحتجاج لهم، وأخرج من حديث ابن عباس (2)، أنه قال لهم:"إذا اشتد صبوا عليه الماء". وقال في الثالثة أو الرابعة: "فإذا اشتد فأهريقوه". وهو من رواية قيس بن [حبتر](أ)، وقد خالفه أبو جمرة عن ابن عباس، فذكر الكسر بالماء من قول ابن عباس، وأنه قال: إذا خشيت شدته فاكسره بالماء. وأخرج (3) عن عائشة رضي الله عنها مرفوعًا: "لا تنبذوا في الدباء والمزفت، ولا النقير ولا [الحنتم] (ب)، ولا تنبذوا البسر والرطب جميعًا، ولا التمر والزبيب جميعًا، وما كان سوى ذلك فاشتد [عليكم] (جـ) فاكسروه بالماء". وفي إسناده ثمامة بن [كلاب](د)(4) وهو مجهول، وفي حديث عكرمة بن
(أ) في جـ: جبل. والمثبت من مصدر التخريج. وينظر تهذيب الكمال 24/ 17.
(ب) في جـ: الخنمة. والمثبت من مصدر التخريج.
(جـ) في جـ: عليه. والمثبت من مصدر التخريج.
(د) في جـ: أثال. والمثبت من مصدر التخريج.
_________
(1)
البيهقي 8/ 302.
(2)
البيهقي 8/ 304، 305.
(3)
السابق 8/ 303.
(4)
ثمامة بن كلاب،. قال الحافظ: مقبول. التقريب ص 134، وينظر تهذيب الكمال 4/ 409.
عمار (1)، عن أبي كثير السحيمي، عن أبي هريرة مرفوعًا، أنه قال:"إذا رابك من شرابك ريب فشن عليه الماء، أمط عنك حرامه واشرب حلاله". وفيه ضعف؛ لأن عكرمة (2) اختلط في آخر عمره وساء حفظه، فروى ما لم يُتابَع عليه، وقال عبد الله بن يزيد المقرئ، [عن عكرمة بن عمار] (أ) لفظ:"إذا رابك". قاله أبو هريرة. وذكره إسحاق الحنظلي في مسنده، وأخرج (3) من حديث الكلبي: أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف بالبيت، واستسقى رهطا من قريش، فأتي بنبيذ زبيب، فوجد له رائحة شديدة، ثم دعا بدلو من ماء زمزم فصبه على الأناء، وقال:"إذا اشتد عليكم شرابه فاصنعوا به هكذا". أخرجه من طريقين، ولكن الكلبي متروك (4)، وقد رواه عن أبي صالح باذان (5)، وهو ضعيف، وأخرجه (6) عن يحيى بن يمان من طريقين بزيادة: ثم شرب فقال رجل: أهو حرام يا رسول الله؟ قال: "لا". وفي رواية قال: "حلال". لكن قال علي بن عمر: هذا حديث معروف
(أ) ساقطة من: جـ. والمثبت من مصدر التخريج.
_________
(1)
البيهقي 8/ 303.
(2)
تقدمت ترجمته في 2/ 67.
(3)
البيهقي 8/ 304.
(4)
محمد بن السائب بن بشر الكلبي، أبو النضر الكوفي، النسابة المفسر، متهم بالكذب ورمي بالرفض. التقريب ص 479، وينظر تهذيب الكمال 25/ 246.
(5)
باذام، ويقال: آخره نون، أبو صالح، مولى أم هانئ ضعيف يرسل. التقريب ص 120، وينظر تهذيب الكمال 4/ 6.
(6)
البيهقي 8/ 304.
بيحيى بن يمان (1)، ويقال: إنه انقلب عليه الإسناد، واختلط بحديث الكلبي. وقال ابن نمير: يحيى بن يمان سريع النسيان، وحديثه عن أبي مسعود خطأ، إنما هو عن الكلبي عن أبي صالح. وقد قال عبد الرحمن بن مهدي: لا تحدث بهذا (2). وقد أخرج (3) مثل هذا من حديث عكرمة عن بن عباس في قصة طواف النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه قال:"إذا اشتد عليكم فاقتلوه بالماء". وفي إسناده يزيد بن أبي زياد (4)، وهو ضعيف لا يحتج به لسوء حفظه، وأما ما روي في حديث عكرمة، أنه شرب منه النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يخلط بالماء. فهو مخالف لسائر الروايات، وأخرج (5) عن ابن عمر قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوجد منه ريحا فقال: "ما هذه الريح؟ ". فقال: نبيذ، قال:"فأرسل إلي منه". فأرسل إليه فوجده شديدًا، فدعا بماء فصبه عليه ثم شوب، ثم قال:"إذا اغتلمت أشربتكم فاكسروها بالماء". وجاء في رواية عن عبد الملك: "فاقطعوا متونها بالماء". وفي إسناده عبد الملك بن نافع، ابن أخي القعقاع بن [شور](أ)، وهو رجل مجهول، اختلفوا في اسمه واسم
(أ) في جـ: سور. والمثبت من مصدر التخريج. وينظر تهذيب الكمال 18/ 424.
_________
(1)
تقدمت ترجمته في 4/ 5.
(2)
السياق في مصدر التخريج: ثنا أبو موسى ذكرت لعبد الرحمن بن مهدي حديث سفيان عن منصور في النبيذ، قال: لا تحدث بهذا.
(3)
البيهقي 8/ 304، 305.
(4)
يزيد بن أبي زياد القرشي الهاشمي، أبو عبد الله الكوفي، قال الحافظ: ضعيف، كبر فتغير وصار يتلقى، وكان شيعيًّا. التقريب ص 601، وينظر تهذيب الكمال 32/ 135.
(5)
البيهقي 8/ 305.
أبيه، فقيل: هكذا. وقيل: عبد الملك بن القعقاع. وقيل: ابن أبي القعقاع. وقيل: مالك بن القعقاع. وقال يحيى بن معين: هم يضعفونه. وقال البخاري: عبد الملك بن نافع ابن أخي القعقاع بن شور، عن ابن عمر في النبيذ، لم يتابع عليه. وقال النسائي: عبد الملك بن نافع ليس بمشهور، ولا يحتج بحديثه، والمشهور عن ابن عمر خلاف حكايته (1). ولحديث أبي عون الثقفي (2)، عن عبد الله بن شداد، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"حرمت الخمر لعينها [قليلها وكثيرها، والسكر من كل شراب] (أ) ". وهذا نص لا يحتمل التأويل، ولكنه قد روي:"والمسكر من غيرها". ولحديث شريك بإسناده إلى أبي بردة بن [نيار](ب)، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني كنت نهيتكم عن الشراب في الأوعية فاشربوها فيما بدا لكم، ولا تسكروا". أخرجه الطحاوي (3)، وروي عن ابن مسعود أنه قال: شهدت تحريم النبيذ كما شهدتم، ثم شهدت تحليله فحفظت ونسيتم. وهذا اللفظ يحتمل تحريم الانتباذ في الظروف، ثم نسخ ذلك، ولا روي عن أبي موسى قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا ومعاذ إلى اليمن فقلنا: يا رسول الله، إن بها شرابين يصنعان من البر والشعير؛ أحدهما يقال له: المزر. والآخر يقال له:
(أ) في جـ: والسكر من غيرها. والمثبت من مصدر التخريج.
(ب) في جـ: دينار. والمثبت من مصدر التخريج، وينظر تهذيب الكمال 33/ 71.
_________
(1)
ينظر تهذيب الكمال 18/ 424، وتهذيب التهذيب 6/ 427.
(2)
البيهقي 10/ 213.
(3)
شرح معاني الآثار 4/ 228.
البتع. فما نشرب؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "اشربا ولا تسكرا". أخرجه الطحاوي (1)، ولقوله تعالى:{تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا} (2). والمراد بالسكر؛ إما الخمر فإن كانت الآية قبل التحريم فلا حجة، وإن كانت بعده فكذلك، ويكون المراد الجمع بين العتب والمنة، وإن كان المراد به النبيذ فهي حجة على حله؛ لأنه لا يسمى لغة خمرا، سواء كانت بعد تحريم الخمر أو قبله؛ لأن الظاهر من سياق الآية الكريمة أنها للامتنان، وإن كان فيها احتمال العتب والامتنان لتقييد الرزق بالحسن دون السكر، واحتجوا من جهه النظر بأن الله سبحانه علل تحريم الخمر بالصد عن ذكر الله تعالى ووقوع العداوة والبغضاء، وهذه العلة إنما توجه في القدر المسكر لا فيما دون ذلك، فوجب أن يكون هذا القدر هو الحرام، إلا ما انعقد عليه الإجماع من تحريم قليل الخمر وكثيرها، و [للعلة](أ) التي نص عليها الشارع لما ابتنى عليها من القياس حكم المنصوص عليه. والجواب عن هذه الأحاديث ما عرفت في أكثرها من الضعف، حتى قال إسحاق بن راهويه: سمعت عبد الله بن إدريس الكوفي يقول: قلت لأهل الكوفة: يا أهل الكوفة، إنما حديثكم الذي تحدثونه في الرخصة في النبيذ عن العميان والعوران والعمشان، أين أنتم عن أبناء المهاجرين والأنصار؟ (3). فلا يعارض الأحاديث المعمول بها المتكاثرة التي
(أ) في جـ: العلة. والمثبت ما يقتضيه السياق.
_________
(1)
السابق 4/ 220.
(2)
الآية 67 من سورة النحل.
(3)
البيهقي 8/ 306.
بعضها يقول بعضا كما قد عرفت، وأيضًا فإن هذه الأحاديث محتملة الدلالة على ما طلبوه، فإن كسر الشدة قد يكون لاشتداد حلاوتها أو لحموضتها، ومع الاحتمال لا يحتج به؛ وكذا حديث:"اشرلا ولا تسكرا"، وحديث:"فاشربوها فيما بدا لكم ولا تسكروا"، فإنهما معارضان بما هو أقوى، ولو سلم التساوي تساقط الاحتجاج بها، ورجع إلى إثبات حكم النبيذ بالقياس على الخمر، وأيضًا فإن لفظ الخمر قد تناولها شرعًا، وإن لم يتناولها لغة، والحقيقة الشرعية مقدمة على اللغوية، والقياس مؤيد لأحاديث التحريم، فإن الشارع حرم قليل الخمر سدا لذريعة التوصل إلى القدر المسكر، وهذا موجود في النبيذ، فإن شرب النبيذ قليله يدعو إلى شرب كثيره، فيناسبه سد الذريعة، والآية الكريمة لا حجة فيها للاحتمال، والقياس الذي ذكروه معارض بهذا القياس المذكور، فترجح ما ذهب إليه الجمهور من تحريم القليل من النبيذ كالكثير، وكذا يحرم ما أسكر وإن لم يكن مشروبا كالحشيشة وغيرها، وقد جزم [النووي](أ) وغيره والإمام المهدي -صرح بذلك في "الأزهار"- بأنها مسكرة، وجزم آخرون بأنها مخدرة وليست بمسكرة. قال المصنف رحمه الله تعالى (1): وهو مكابرة؛ لأنها تحدث ما يحدث الخمر من الطرب والنشاة والمداومة عليها والانهماك فيها، وإذا سلم عدم الإسكار فهي مفترة، وقد أخرج أبو داود (2)، أنه نهى
(أ) في جـ: الثوري. والمثبت من الفتح 10/ 45.
_________
(1)
الفتح 10/ 45.
(2)
أبو داود 3/ 327 ح 3686.
رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر. قال الخطابي (1): المفتر: كل شراب يورث الفتور والخدر في [الأطراف](أ). وحكى [العراقي](ب) وابن تيمية الإجماع على تحريم الحشيشة، قال: ومن استحلها فقد كفر. قال: وإنما لم يتكلم فيها الأئمة الأربعة؛ لأنها لم تكن في زمنهم، وإنما ظهرت في آخر المائة السادسة وأول المائة السابعة، حين ظهرت دولة التتار. وذكر المازري (جـ) قولًا: إن النبات الذي فيه شدة مطربة يجب فيه الحد. وكذا ذكر ابن تيمية في كتاب "السياسة"(2): إن الحد واجب في الحشيشة كالخمر. قال: لكن لما كانت جمادا وليست شرابًا تنازع الفقهاء في نجاستها على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره. وقال ابن البيطار -وإليه انتهت الرئاسة في معرفة خواص النبات والأعشاب-: إن الحشيشة وتسمى القُنَّب توجد في مصر، مسكرة جدًّا إذا تناول منها الإنسان قدر درهم أو درهمين، ومن أكثر منها أخرجته إلى حد الرعونة، وقد استعملها قوم فاختلت عقولهم، وأدى بهم الحال إلى الجنون، وربما قتلت، قال بعض العلماء: وفي أكلها مائة وعشرون مضرة دينية ودنيوية، وقبائح خصالها موجودة في الأفيون، بل وفيه زيادة مضار. وكذا قال ابن دقيق العيد في الجوزة: إنها مسكرة. ونقله عنه المتأخرون من الحنفية والشافعية والمالكية واعتمدوه، وحكى [القرافي](د) عن
(أ) في جـ: الأعضاء. والمثبت من مصدر التخريج.
(ب) في جـ: الفرياني. والمثبت من عون المعبود 3/ 370، وسبل السلام 4/ 74.
(جـ) في عون المعبود: الماوردي 3/ 373.
(د) في جـ: الفريابي. والمثبت من عون المعبود 3/ 373.
_________
(1)
معالم السنن 4/ 267.
(2)
السياسة الشرعية 1/ 137.
بعض فقهاء عصره أنه فرق في إسكار الحشيشة بين كونها ورقا أخضر فلا إسكار فيها، بخلافها بعد التحميص فإنها تسكر، قال: والصواب أنه لا فرق؛ لأنها ملحقة بجوزة الطب والزعفران والعنبر والأفيون والبنج، وهي من المسكرات المخدرات، ذكر ذلك ابن القسطلاني في "تكريم المعيشة". وقال الزركشي: إن هذه المذكورات تؤثر في متعاطيها للمعنى الذي يدخله في حد السكران، فإنهم قالوا: السكران هو الذي اختل كلامه المنظوم، وانكشف ستره المكتوم. وقال بعضهم: هو الذي لا يعرف السماء من الأرض، ولا الطول من العرض. ثم نقل عن [القرافي] (أ) أنه خالف في ذلك. والأولى أن يقال: إن أريد بالإسكار تغطية العقل، فهذه كلها صادق عليها معنى الإسكار، وإن أريد بالإسكار تغطية العقل مع نشاة وطرب فهي خارجة عنه، فإن إسكار الخمر يتولد عنه النشاة والنشاط والطرب والعربدة والحمية، والسكران بالحشيشة وغيرها تكون فيه ضد ذلك، فيتقرر من هذا أنها تحرم لمضرتها للعقل، ودخولها في الفتن المنهي عنها، ولا يجب الحد على متعاطيها؛ لأن قياسها على الخمر قياس مع الفارق مع انتفاء بعض أوصافه.
والحديث يدل على حرمة الخمر العنبي، سواء كان نيئا أو مطبوخا، وقد وردت آثار في شرب المطبوخ قبل أن يصير خمرا، وهو الباذق -بالباء الموحدة والذال المعجمة المفتوحة- كذا ضبطه ابن التين، وقال القابسي: بكسر الذال، وأنكر الفتح، وهو فارسي معرب أصله باذه، وهو الطلاء -بكسر الطاء المهملة والمد- وهو أن يطبخ العصير حتى يصير مثل طلاء
(أ) في جـ: الفرياني. والمثبت من عون المعبود 3/ 374.
الإبل. وقال ابن قرقول: الباذق: المطبوخ من عصير العنب إذا أسكر، أو إذا طبخ بعد أن اشتد. وذكر ابن سيده في "المحكم"، أنه من أسماء الخمر. وقال الداودي: إنه يشبه الفقاع، إلا أنه ربما اشتد وأسكر، وكلام من هو أعرف منه بذلك يخالفه، ويقال للباذق أيضًا: المثلث، إشارة إلى أنه ذهب منه بالطبخ ثلثاه، وكذلك المنصف، وهو ما ذهب نصفه، ويسمى مينختج، بفتح الميم وسكون التحتانية وضم الموحدة وسكون الخاء المعجمة وفتح المثناة وآخره جيم، ومنهم من يضم المثناة أيضًا، وفي "مصنف ابن أبي شيبة" [بالباء] (أ) بدل المثناة التحتية وبحذف الميم والياء من أوله. فذكر البخاري (1) تعليقا عن عمر و [أبي] (5) عبيدة ومعاذ: شرب الطلاء على الثلث. أي رأوا جواز شرب الطلاء، إذا طبخ فصار على الثلث، ونقص منه الثلثان، وقد أخرج مالك في "الموطأ"(2)، أن عمر حين قدم الشام، شكا إليه أهل الشام وجاء الأرض وثقلها وقالوا: لا يصلحنا إلا هذا الشراب. فقال عمر: اشربوا العسل. قالوا: ما يصلحنا العسل. فقال رجل من أهل الأرض: هل لك أن نجعل لك من هذا الشراب شيئًا لا يسكر؟ فقال: نعم. فطبخوه حتى ذهب منه ثلثان، وبقي الثلث فأتوا به عمر، فأدخل فيه إصبعه، ثم رفع يده فتبعها يتمطط، فقال: هذا الطلاء مثل طلاء الإبل، فأمرهم عمر أن يشربوه، وقال عمر: اللهم إني لا أحل لهم شيئًا حرمته عليهم. ومثله أخرجه سعيد بن
(أ) في جـ: بالدال. والمثبت كما في مصنف ابن أبي شيبة 8/ 187.
(ب) في جـ: ابن. والمثبت من مصدر التخريج.
_________
(1)
الفتح 10/ 62.
(2)
الموطأ 2/ 847.
منصور من طريق أبي مجلز [عن عامر بن عبد الله](أ)، ومن طريق ابن المسيب. وأخرج النسائي (1) أيضًا، أنه كتب عمر: اطبخوا شرابكم، حتى يذهب نصيب الشيطان منه، فإن للشيطان اثنين، ولكم واحد. وهذه أسانيدها صحيحة. وقد دل قوله: فإني لا أحل لهم
…
إلى آخره. أنه لا يحل المسكر منه، وأخرج النسائي (2) من طريق ابن سيرين في قصة نوح عليه السلام، أنه لما ركب فقد الحبلة (3)، فقال له الملك: إن الشيطان أخذها. ثم أحضرت له ومعها الشيطان، فقال له الملك: إنه شريكك فيها، فأحسن الشركة. قال: له النصف. قال: أحسن. قال: له الثلثان ولي الثلث. قال: أحسنت، وأنت محسان، أن تأكله عنبا وتشربه عصيرا، وما طبخ على الثلث، فهو لك ولذريتك، وما جاز عن الثلث، فهو من نصيب الشيطان. وأخرج أيضًا (2) من وجه آخر عن ابن سيرين عن أنس بن مالك. ومثله لا يقال بالرأي، فيكون له حكم المرفوع، وأخرج أبو مسلم الكجي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة (4)، من طريق قتادة، عن أنس، أن أبا عبيدة ومعاذ بن جبل وأبا طلحة كانوا يشربون من الطلاء ما طبخ على الثلث، وذهب ثلثاه، وأخرج النسائي (5) حِلَّ ذلك عن أبي موسى وأبي
(أ) ساقط من: جـ. والمثبت من الفتح 10/ 63.
_________
(1)
النسائي 8/ 329.
(2)
النسائي -كما في الفتح 10/ 63.
(3)
الحبلة: بضم الحاء، الكرم. والحَبَلُ: شجر العنب. القاموس المحيط (ح ب ل).
(4)
ابن أبي شيبة 8/ 170، وسعيد بن منصور -كما في الفتح 10/ 64.
(5)
النسائي 8/ 330.
الدرداء، وأخرج ابن أبي شيبة (1) ذلك عن علي، وأبي أمامة، وخالد بن الوليد وغيرهم، وقال البخاري (2) تعليقا: وشرب أبو جحيفة والبراء على النصف. وقد أخرج ابن أبي شيبة (3) عن البراء، أنه كان يضرب على النصف. أي إذا طبخ فصار على النصف، وأخرج (4) أيضًا عن أبي جحيفة. قال (5): ووافقهما جرير وأنس، ومن التابعين ابن الحنفية وشريح، وأطبق الجميع على أنه إن كان يسكر حرم. وقال أبو عبيد في "الأشربة": بلغني أن النصف يسكر، فإن كان ذلك فهو حرام. والذي يظهر أن ذلك يختلف باختلاف أعناب البلاد، فقد قال ابن حزم إنه شاهد من العصير ما إذا طبخ إلى الثلث ينعقد، ولا يصير مسكرا أصلًا، ومنه ما إذا طبخ إلى النصف كذلك، ومنه ما إذا طبخ إلى الربع كذلك، بل قال إنه شاهد منه ما يصير [ربا خاثرا](أ) لا يسكر، وما لو طبخ حتى لا يبقى غير ربعه لا يخثر ولا ينفك السكر عنه، قال: فوجب أن يحمل ما ورد عن الصحابة من أمر الطلاء على ما لا يسكر بعد الطبخ. وللحنفية تفصيل وتحقيق، وهو أن أبا حنيفة قال: الخمر هو النيء من ماء العنب إذا غلا واشتد وقذف بالزبد، فحرم قليلها وكثيرها. قال أبو حنيفة: إن الغليان بداية الشدة، وكماله بقذف الزبد
(أ) في جـ: ريا حائزا. والمثبت من الفتح 10/ 64.
_________
(1)
ابن أبي شيبة 18/ 171، 176، 177.
(2)
الفتح 10/ 62.
(3)
ابن أبي شيبة 8/ 185.
(4)
السابق 8/ 185.
(5)
أي الحافظ. ينظر الفتح 10/ 64.
وبسكونه، إذ به يتميز الصافي من الكدر. وأحكام الشرع قطعية، فتناط بالنهاية، كالحدود، وإكفار المستحل، وحرمة البيع، والنجاسة، وعند صاحبيه إذا اشتد صار خمرا، ولا يشترط القذف بالزبد؛ لأن الاسم يثبت به والمعنى المقتضي للتحريم، وهو المؤثر في الفساد وإيقاع العداوة، والطلاء؛ وهو العصير إن طبخ حتى يذهب أقل من ماء ثلثيه، والسكر، وهو النيء من ماء الرطب، ونقيع الزبيب، وهو النيء من ماء الزبيب، والكل حرام إن غلا واشتد، وحرمتها دون الخمر، والحلال منها أربعة؛ نبيذ التمر والزبيب، إن طبخ أدنى طبخ وإن اشتد، إذا شرب ما لا يسكر بلا لهو وطرب، والخليطان، وهو أن يخلط ماء التمر وماء الزبيب، ونبيذ العسل والتين، والبر والشعير والذرة طبخ أو لا، والمثلث العنبي. انتهى كلامهم على ما حققه في "الكنز".
وحجة أبي حنيفة الآثار المتقدمة، وذلك لأن اسم الخمر لا يتناولها، فلا تدل الآية الكريمة على تحريمها، وقد جاء حديث (1):"والسكر -بضم السين- من كل شراب". بهذه الرواية كما عرفت، ففيه دلالة على أن ما عدا الخمر لا يحرم منه إلا السكر، وهذا فيما يقصد به التقوِّي، وأما ما قصد به التلهي والطرب فلا يحل اتفاقا، وذهب الجمهور ومنهم الشافعي ومالك وقول لمحمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة إلى أن الطلاء لا يحل وإن ذهب نصفه أو ثلثاه بالطبخ، وحجتهم الأحاديث التي مرت، فإن عمومها أن المسكر يحرم قليله وكثيره على أي صفة كان، وهذه الآثار المروية لا تعارض العمومات السابقة إلا إذا كان لها حكم الوقف، ولم يكن
(1) البخاري 8/ 62 ح 5598.
للاجتهاد فيها مساغ، فالموقوف يعمل به عند الأكثر من المحققين بهذا الشرط، وقد أخرج البخاري (أ) عن ابن عباس، لما سألة أبو الجويرية عن الباذق، فقال: سبق محمَّد صلى الله عليه وسلم الباذق، ما أسكر فهو حرام، قال: الشراب الحلال الطب لا الحرام الخبيث. ولفظ البخاري (1) قال: الشراب الحلال الطيب، قال: ليس بعد الحلال الطيب إلا الحرام الخبيث. وأخرج البيهقي (2) عن ابن عباس، أنه أتاه قوم فسألوه عن الطلاء، فقال ابن عباس: وما طلاؤكم هذا؟ إذا سألتموني فبينوا لي الذي تسألوني عنه. فقالوا: هو العنب، يعصر ثم يطخ ثم يجعل في الدنان. قال: وما الدنان؟ قالوا: دنان مقيرة، قال: مزفتة؟ قالوا: نعم. قال: أيسكر؟ قالوا: إذا أكثر منه أسكر. قال: فكل مسكر حرام. وأخرج أيضًا (2)، أنه قال في الطلاء: إن النار لا تحل شيئًا ولا تحرمه. وأخرج أيضًا (3) عن عائشة في سؤال أبي مسلم الخولاني قال: يا أم المؤمنين، إنهم يشربون شرابا لهم -يعني أهل الشام- يقال له: الطلاء. فقالت: صدق الله وبلغ حبي، سمعت [حبي] (ب) رسول الله صلى الله عليه وسلم[يقول] (جـ):"إن أناسا من أمتي يشربون الخمر، يسمونها بغير اسمها". وأخرج (4) مثله عن أبي مالك الأشعري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ليشربن
(أ) كذا في جـ. ولعل الصواب: البيهقي. والأثر في سنن البيهقي 8/ 294.
(ب) في جـ: حبيبي. والمثبت من مصدر التخريج.
(جـ) ساقطة من: جـ.
_________
(1)
البخاري 10/ 62 ح 5598.
(2)
البيهقي 8/ 294.
(3)
البيهقي 8/ 294، 295.
(4)
البيهقي 8/ 295.
أناس من أمتي الخمر، يسمونها بغير اسمها، وتضرب على رءوسهم المعازف، يخسف الله بهم الأرض، ويجعل منهم قردة وخنازير". وأخرج (1) عن عمر رضي الله عنه أنه قال: إني وجدت من فلان ريح شراب، فزعم أنه يشرب الطلاء و [أنا](أ) سائل عما يشرب، فإن كان [يسكر](ب) جلدته، فجلده عمر الحد تاما. وأخرج (1) عن أبي عبيد (2) أنه قال: جاءت في الأشربة [آثار](جـ) كثيرة مختلفة عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وكل له تفسير، [فأولها](د) الخمر، وهي ما غلا من عصير العنب، فهذا مما لا اختلاف في تحريمه بين المسلمين، إنما الاختلاف في غيره، ومنها: السكر، وهو نقيع التمر الذي لم تمسه النار، وفيه يروى عن ابن مسعود أنه قال: السكر خمر. ومنها: البتع -بكسر الباء الموحدة، والتاء الثناة أي الساكنة، والمهملة- وهو نبيذ العسل، ومنها: الجعة -بكسر الجيم- وهي نبيذ الشعير، ومنها: المزر، وهو من الذرة. جاء تفسير هذه الأربعة عن ابن عمر، وزاد ابن المنذر في الرواية عنه قال: والخمر من العنب، والسكر من التمر، ومنها: السكركة، جاء عن أبي موسى أنها من الذرة، ومنها: الفضيخ، وهو ما افتضخ من البسر من غير أن تمسه نار، وسماه ابن عمر
(أ) في جـ: إني. والمثبت من مصدر التخريج.
(ب) في جـ: مسكرا. والمثبت من مصدر التخريج.
(جـ) في جـ: آيات. والمثبت من مصدري التخريج.
(د) في جـ: فإن لها. والمثبت من مصدري التخريج.
_________
(1)
البيهقي 8/ 295.
(2)
غريب الحديث 2/ 176، 177.
الفَضوخ، قال أبو عبيد: فإن كان مع البسر تمر، فهو الذي يسمى الخليطين. قال أبو عبيد: وبعض العرب تسمي الخمر بعينها الطلاء، قال عبيد بن الأبرص (1):
هي الخمر [بالهزل](أ) تكنى
…
الطلاء كما الذئب يكنى أبا جعده
قال: وكذلك الخمر يسمى الباذق. وهذه آثار تؤيد العمل بالعموم، ومع التعارض فالترجيح للمحرم على المبيح كما ذهب إليه المحققون.
1039 -
وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما أسكر كثيره فقليله حرام". أخرجه أحمد والأربعة وصححه ابن حبان (2).
الحديث حسنه الترمذي ورجاله ثقات، ورواه النسائي والبزار والدارقطني وابن حبان (3) من طريق عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه بلفظ: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قليل ما أسكر كثيره. وفي الباب عن علي أخرجه الدارقطني (4)، وعن عائشة أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي،
(أ) ساقطة من: جـ، وسنن البيهقي. والمثبت من الديوان. وينظر غريب الحديث 2/ 177.
_________
(1)
ديوانه ص 62.
(2)
أحمد 3/ 343، وأبو داود، كتاب الأشربة، باب النهي عن المسكر 3/ 326 ح 3682، والترمذي، كتاب الأشربة، باب ما جاء ما أسكر كثيره فقليله حرام 4/ 258 ح 186، والنسائي، كتاب الأشربة، باب ذكر الأخبار التي اعتل بها من أباح شراب السكر، 8/ 324 وعنده من حديث ابن عمر، وابن ماجه، كتاب الأشربة، باب ما أسكر كثيره فقليله حرام 2/ 1125 ح 3393، وابن حبان 12/ 202 ح 5382.
(3)
النسائي 8/ 301، والبزار 3/ 306 ح 1098، والدارقطني 4/ 251، وابن حبان 12/ 192 ح 5370.
(4)
الدراقطني 4/ 250.
وابن حبان، وأعله الدارقطني (1) بالوقف. وعن خوات أخرجه في "المستدرك"(2). وعن [سعد](1) أخرجه النسائي (3). وعن ابن عمرو أخرجه ابن ماجه والنسائي أيضًا (4). وعن ابن عمر وزيد بن ثابت أخرجه الطبراني (5). وقد تقدم الكلام فيه وفي ما يؤيده (6). والله أعلم.
1040 -
وعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينبذ له الزبيب في السقاء، فيشربه يومه، والغد، وبعد الغد، فإذا كان مساء الثالثة شربه وسقاه، فإن فضل شيء أهراقه. أخرجه مسلم (7).
هذه الرواية إحدى روايات مسلم، وقد جاء في لفظ مسلم في اليوم الثالث بلفظ: والغد إلى العصر. فإن بقي شيء سقاه الخادم أو أمر به فصب (8). وقد جاء في لفظ: ينبذ له في سقاء من ليلة الاثنين، فيشربه يوم الاثنين والثلاثاء إلى العصر. فإن فضل منه شيء سقاه الخادم، أو صبه (9).
(أ) في جـ: سعيد. والمثبت من مصدر التخريج.
_________
(1)
أحمد 6/ 72، وأبو داود 3/ 327 ح 3687، والترمذي 4/ 259 ح 1866، وابن حبان 12/ 203 ح 5383، والدارقطني 4/ 255.
(2)
المستدرك 3/ 413.
(3)
النسائي 8/ 301.
(4)
ابن ماجه 2/ 1125 ح 3394، والنسائي 8/ 301.
(5)
الطبراني في الأوسط 1/ 197، 5/ 106، 6/ 291 ح 626، 4807، 6446.
(6)
ينظر ما تقدم ص 157 وما بعدها.
(7)
مسلم، كتاب الأشربة، باب إباحة النبيذ الذي لم يشتد ولم يصر مسكرًا 3/ 1589 ح 82 - 2004.
(8)
مسلم 3/ 1589 ح 79 - 2004.
(9)
مسلم 3/ 1589 ح 80 - 2004.
وفي لفظ له: إلى مساء الثالثة ثم يأمر به فيسقى أو يهراق (1). وفي لفظ: فلما أصبح -يعني في اليوم الثالث- أمر بما بقي منه فأهريق (2). وجاء في حديث عائشة: نبذ غدوة وشربه عشية، وينبذه عشيا ويشربه غدوة (3)، وهذا لا يخالف حديث ابن عباس، فإن الشرب في يوم لا يمنع الشرب فيما زاد وحديث ابن عباس مصرح بالزيادة، أو محمول حديث عائشة بما إذا كان في زمن الحر يخشى عليه الشدة إذا زاد على اليوم، وحديث ابن عباس في أيام البرد، أو كان ذلك في القليل، وحديث ابن عباس في الكثير. وقد احتج من جوز شرب النبيذ برواية: سقاه الخادم أو أمر به فصب. فإن سقى الخادم دليل على جواز شربه، وإنما تركه النبي صلى الله عليه وسلم تنزها منه على عن مقاربة ما لا يحل. وأجيب عنه بأنه لم يبلغ حد الإسكار، وإنما بدا فيه بعض تغير في طعمه من حموضة أو نحوها، فسقاه الخادم مبادرة لخشية الفساد، ويحتمل أن تكون "أو" للتنويع؛ لأنه قال: سقاه الخادم، أو أمر به فأهريق. أي إن كان بدا في طعمه بعض التغير فلم يشتد، سقاه الخادم، وإن اشتد أمر بإهراقه. وبهذا جزم النووي (4).
وقوله: فإن فضل منه شيء. بفتح الضاد وكسرها. والله أعلم.
(1) مسلم 3/ 1589 ح 81 - 2004.
(2)
مسلم 3/ 1589، 1590 ح 83 - 2004.
(3)
البيهقي 8/ 299.
(4)
شرح مسلم 13/ 174.
1041 -
وعن أم سلمة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم". أخرجه البيهقي وصححه ابن حبان (1).
الحديث أخرجاه من حديث أم سلمة قالت: نبذت نبيذا في كوز، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم وهو يغلي، فقال:"مما هذا؟ ". قلت: اشتكت ابنة لي فنعت لها هذا. فقال: "إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم". وفي لفظ أحمد (2) وابن حبان: "إن الله لم يجعل شفاءكم في حرام". وذكره البخاري (3) تعليقا، عن ابن مسعود.
والحديث فيه دلالة على أنه يحرم التداوي بالخمر؛ لأنها إذا لم يكن فيها شفاء فتحريم شربها بأن، لا يرفعه تجويز أن يدفع به الضرر عن النفس. وقد ذهب إلى هذا الشافعي والعترة، قالوا: إلا إذا غص بلقمة، ولم يجد ما يسوغها به إلا الخمر، فإنه يجوز ذلك. وادعى في "البحر" الإجماع على ذلك؛ قال الإِمام المهدي في "البحر" (4): وكذا لو خشي التلف بالعطش، أو من قادر توعده. قال: وكذا إذا خشي من علته التلف وقطع بزوالها بها، حل التداوي بها كمن غص بلقمة، ويقاس عليه غير الخمر من النجاسات. وقال أبو حنيفة: يجوز التداوي بالخمر مطلقا كالترياق المتخذ من لحوم الأفاعي، وهو نجس. هكذا ذكره في "البحر"(4)، وفي "ملتقى الأبحر" في
(1) البيهقي، كتاب الضحايا، باب النهي عن التداوي بالمسكر 10/ 5، وابن حبان، كتاب الطهارة، باب النجاسة وتطهيرها 4/ 233 ح 1391.
(2)
أحمد في كتاب الأشربة ص 63 ح 159.
(3)
الفتح 10/ 78.
(4)
البحر 5/ 351.
فقه الحنفية ما لفظه: ولا يجوز الانتفاع بالخمر ولا أن يداوى بها جرح (أ)، ولا يسقي آدميا ولو صبيا للتداوي، ولا تسقى الدواب. هذا كلامه، ولم يحك خلافًا بينهم، ثم قال الإِمام المهدي ردا على أبي حنيفة: قلنا: لا نسلم للخبر، إلا حيث استحال النجس سلمنا، ففي الخمر من التغليظ ما ليس في غيرها. انتهى كلامه.
وأراد بالخبر هو حديث أم سلمة، وأقول: لا نسلم حل الترياق فالقياس عليه غير صحيح، وأنه قد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا أبالي ماذا أتيت إن أنا أكلت ترياقا، أو علقت تميمة، أو قلت شعرا"(1). أو كما قال، فهذا يقتضي تحريم الترياق. وكذلك التداوي بالنجس المجمع عليه؛ كالبول والغائط والدم فإنه محرم إجماعا، والمختلف في نجاسته كبول الإبل، فيه خلاف. ذهب الهادي والناصر وأبو طالب والشافعي وأبو حنيفة أنه يحرم التداوي به، وذهب الباقر والقاسم وأبو يوسف إلى أنه يجوز. قال الإِمام المهدي: والأولى أن المختلف فيه في حق من مذهبه التحريم، حكمه حكم المجمع عليه، فإذا قيس على الخمر في حق من غص بلقمة، فإذا خشي التلف، وقطع بالبرء جاز ذلك وإلا لم يجز. ثم قال: وإن لم يخش التلف، وقطع بارتفاع الضرر به ففيه تردد، الأقرب الجواز، كما يجوز ترك الواجب خشية الضرر، وإن لم يقطع لم يجز لما مر. انتهى. ومثله للإمام شرف الدين. والقياس على ترك الواجب غير صحيح؛ لأن هذا فعل محصور، وهو أغلظ
(أ) زاد بعده في جـ: لم. والمثبت يقتضيه السياق.
_________
(1)
أحمد 2/ 167، 223، وأبو داود 4/ 6 ح 3869 من حديث عبد الله بن عمرو.
من ترك الواجب.
1042 -
وعن وائل الحضرمي، أن طارق بن سويد سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الخمر يصنعها للدواء، فقال:"إنها ليست بدواء، ولكنها داء". أخرجه مسلم وأبو داود وغيرهما (1).
الحديث فيه دلالة على تحريم التداوي بالخمر كالحديث الأول؛ لأنها إذا لم تكن دواء قد سلب عنها صلاحيتها للدواء، لم يكن شيء مقتضيا لتناولها فهي باقية على أصل التحريم. والله سبحانه وتعالى أعلم.
(1) مسلم، كتاب الأشربة، باب تحريم التداوي بالخمر 3/ 1573 ح 1984، وأبو داود، كتاب الطب، باب في الأدوية المكروهة 4/ 6 ح 3873.