الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب العقيقة
العقيقة الذبيحة التي تذبح للمولود، وأصل العق الشق والقطع، وقيل للذبيحة: عقيقة. لأنها يشق حلقها. وقد يقال للشعر الذي يخرج على رأس المولود من بطن أمه: عقيقة. لأنه يحلق، وجعل الزمخشري الشعر أصلًا والشاة المذبوحة مشتقة منه، قال امرؤ القيس (1):
أيا هند لا تنكحي (أ) بوهة
…
عليه [عقيقته](ب) أحسبا
البوهة: الأحمق. زيد أنه من حمقه لم يحلق شعره الذي ولد عليه، والأحسب: الشعر الأحمر الذي يضرب إلى البياض. وقد جاء في صفة شعر النبي صلى الله عليه وسلم: إن انفرقت عقيقته فرق (2)، أي شعره، يسمى عقيقة تشبيها بشعر المولود، وسميت الذبيحة عقيقة باسم سببها، وأما عقوق الأمهات الوارد في الحديث فهو مشتق من العق الذي هو الشق والقطع.
1136 -
وعن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم عق عن الحسن والحسين كبشا كبشا. رواه أبو داود وصححه ابن خزيمة وابن الجارود
(أ) في جـ: تبكي.
(ب) في ب، جـ: عقيقة. والمثبت من الديوان.
_________
(1)
ديوانه ص 128.
(2)
شمائل الترمذي ص 21، 22 ح 7، والآحاد والمثاني 2/ 438 ح 1232 بلفظ: انفرقت عقيقته. وعند ابن سعد 1/ 422، وابن حبَّان في الثقات 2/ 145، والطبراني في الكبير 22/ 155 ح 414، وفي الأحاديث الطوال 1/ 245 ح 29، والبيهقي في الشعب 2/ 154 ح 1430 بلفظ: انفرقت عقيصته. وينظر النهاية 3/ 275، 277.
وعبد الحق، لكن رجح أبو حاتم إرساله (1).
وأخرج ابن حبان (2) من حديث أنس نحوه، وأخرج البيهقي والحاكم وابن حبان (3) من حديث عائشة (أ) نحوه بزيادة: يوم السابع وسماهما وأمر أن يماط عن رءوسهما الأذى. قال الحسن البصري (4): إماطة الأذى حلق الرأس. وصححه ابن السكن (5) بأتم من هذا، وفيه: وكان أهل الجاهلية يجعلون قطنة في دم العقيقة ويجعلونها على رأس المولود، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعلوا مكان الدم خلوقا. ورواه أحمد والنسائي (6) من حديث بريدة وسنده صحيح. ورواه الحاكم (7) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، والطبراني في "الصغير"(8) من حديث قتادة عن أنس، والبيهقي (9) من حديث فاطمة. ورواه الترمذي والحاكم والبيهقي (10) من حديث علي.
(أ) ساقط من: ب.
_________
(1)
أبو داود، كتاب الضحايا، باب في العقيقة 3/ 106 ح 2641، وابن الجارود 3/ 192 باب ما جاء في العقيقة ص 339 ح 911، وعبد الحق في الأحكام 4/ 141، وعلل ابن أبي حاتم 2/ 49 ح 1631.
(2)
ابن حبَّان 12/ 125 ح 5309.
(3)
البيهقي 9/ 299، 300، والحاكم 4/ 237، وابن حبان 12/ 127 ح 5311.
(4)
أبو داود 3/ 106 ح 2840.
(5)
التلخيص 4/ 147.
(6)
أحمد 5/ 355، والنسائي 7/ 164.
(7)
الحاكم 4/ 137.
(8)
الطبراني في الأوسط 2/ 246 ح 1878. والذي في الصغير 2/ 45 ح 899 حديث جابر.
(9)
البيهقي 9/ 304 من حديث عائشة.
(10)
الترمذي 4/ 84 ح 1519، والحاكم 4/ 237، والبيهقي 9/ 304.
الحديث فيه دلالة على شرعيتها في الجملة، وقد اختلف العلماء في حكمها؛ فذهب الجمهور إلى أنها سنة، وذهبت الظاهرية والحسن البصري إلى وجوبها، وذهب أبو حنيفة إلى أنها ليست فرضا ولا سنة، وقيل أنها عنده تطوع، ويحتج للجمهور بفعله صلى الله عليه وسلم مع قوله وقد سئل عن العقيقة فقال:"لا أحب العقوق، ومن ولد له ولد فأحب أن ينسك عن ولده فليفعل"(1). فهذا يدل على عدم الوجوب، وهو يحتمل الإباحة، ولكن فعله صلى الله عليه وسلم يدل على السنية، وأما القائل بوجوبها فلحديث عائشة الآتي، فإن الأمر حقيقة في الإيجاب، ولكنه يجاب عنه بأن ذلك إذا لم تقم قرينة تقضي (أ) بأن يحمل على غير الوجوب، والقرينة قوله:"فأحب أن ينسِك عن ولده". وهذا الحديث حجة لأبي حنيفة، ولكنه لا ينافي السنية فلا يتم احتجاجه، وذهب محمَّد بن الحسن الشيباني إلى أنها كانت في الجاهلية فنسخت في الإسلام، والجواب عنه بأن المنسوخ إنما هو التدمية للمولود كما تقدم في حديث عائشة.
وفي زيادة: يوم سابعه. في حديث عائشة يدل على أنه لا يصح قبل السابع ولا بعده، وادعى في "البحر" الإجماع، ونظر عليه؛ وذلك لأن النووي (2) ذكر عن أصحاب الشافعي قولا أنه يعق قبل السابع (ب كذلك عن الكبير ب)،
(أ) في جـ: تقتضي.
(ب- ب) ساقط من: جـ.
_________
(1)
أحمد 2/ 182، 183، وأبو داود 3/ 106 ح 2842، والنسائي 7/ 162، 163 من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.
(2)
المجموع 8/ 411.
وكذا ابن رشد (1)، قال: وأجاز بعضهم أن يعق عن الكبير؛ لما روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم عق عن نفسه بعد البعثة. وأخرجه البيهقي (2) وقال: منكر. وفيه عبد الله بن محرر (3)، بالحاء المهملة وراءين مهملتين، وهو ضعيف جدًّا. وأخرجه أبو الشيخ (4) من طريق أخرى عن أنس. قال النواوي (5): حديث باطل. وأخرجه من رواية أبي بكر المستملي عن الهيثم بن جميل (أ) عن عبد الله بن المثنى من حديث أنس، وفي ابن المثنى (6) مقال. وأخرجه الطبراني (7) أيضًا من هذه الطريق، وإن كان الترمذي والعجلي (8) وثقاه فهو من الشيوخ الذين لا يقبل ما تفردوا به، وقد أخرجه الضياء (9) بهذا الإسناد في "الأحاديث المختارة مما ليس في الصحيحين"، ويحتمل مع فرض صحته أن يكون ذلك من خصائصه، وقال السيوطي في كتاب "المقصد في عمل المولد" أنَّه فعل ذلك إظهارا للشكر على اتخاذ الله تعالى إياه رحمة للعالمين
(أ) في جـ: حميد.
_________
(1)
الهداية في تخريج أحاديث البداية 6/ 279.
(2)
البيهقي 9/ 300.
(3)
عبد الله بن محرر الجزري القاضي، متروك. التقريب ص 320، وينظر تهذيب الكمال 16/ 29.
(4)
الفتح 9/ 595.
(5)
المجموع 8/ 412.
(6)
عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري، أبو المثنى البصري، صدوق كثير الغلط. التقريب ص 320، وينظر تهذيب الكمال 16/ 25.
(7)
الطبراني في الأوسط 1/ 298 ح 994.
(8)
تاريخ الثقات للعجلي ص 276. وينظر الفتح 9/ 595.
(9)
الضياء في المختارة 5/ 205 ح 1833.
وتشريعا (أ) لأمته، فينبغي لنا أيضًا إظهار الشكر لمولده بالاجتماع وإطعام الطعام ونحو ذلك من وجوه القربات وإظهار المسرات (1). انتهى.
وقال مالك لا يعد في الأسبوع اليوم الذي ولد فيه إن ولد نهارا. وكذا نقله البويطي (ب) عن الشافعي، ونقل الرافعي وجهين رجح الحسبان (جـ)، وقال عبد الملك بن الماجشون: يحتسب. وقال ابن القاسم: إن عق ليلا لم يجزه. واختلف أصحاب مالك في مبدأ وقت الإجزاء؛ فقيل: وقت الضحايا، أعني ضحى. وقيل: بعد الفجر قياسا على قول مالك في الهدايا. ولا شك أن من أجاز الضحايا ليلا أجاز العقيقة ليلا، وقد قيل: يجوز في السابع الثاني والثالث، وكذا أخرج البيهقي (2) عن عبد الله بن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"العقيقة تذبح لسبع ولأربع عشرة ولإحدى وعشرين".
1137 -
وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يعق عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة. رواه الترمذي (3) وصححه، وأخرج أحمد والأربعة (4) عن أم كرز الكعبية نحوه.
(أ) في جـ: تشريفا.
(ب) في ب: السيوطي.
(جـ) في جـ: الحساب.
_________
(1)
قال الإمام أبو حفص تاج الدين الفاكهاني: لا أعلم لهذا المولد أصلًا في كتاب ولا سنة، ولا ينقل عمله عن أحد من علماء الأمة، الذين هم القدوة في الدين، المتمسكون بآثار المتقدمين، بل هو بدعة، أحدثها البطالون، وشهوة نفس اغتنى بها الأكالون. المورد في عمل المولد (ضمن رسائل في حكم الاحتفال بالمولد النبوي) 1/ 8، 9.
(2)
البيهقي 9/ 303.
(3)
الترمذي 4/ 81 ح 1513.
(4)
أحمد 6/ 422، وأبو داود 3/ 104 ح 2834، والترمذي 4/ 83 ح 1516، والنسائي=
حديث أم كرز أخرجه البيهقي (1) في طرق ست، وفي بعضها مقال، وحديث عائشة (1) من طريقين، وأخرج (1) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن اليهود تعق عن الغلام شاة ولا تعق عن الجارية، فعقوا عن الغلام شاتين وعن الجارية شاة". وأخرجه أبو داود والنسائي (2) من حديث عمرو بن شعيب، وأخرجه أحمد (3) من حديث أسماء بنت يزيد.
ومكافئتان. قال النووي (4): هو بكسر الفاء وبعدها همزة، هكذا صوابه عند أهل اللغة، والمحدثون يقولونه بفتح الفاء. قال أحمد وأبو داود (5): ومعناه متساويتان أو متقاربتان. قال الخطابي (6): والمراد التكافؤ في السن فلا تكون [إحداهما](أ) مسنة والأخرى غير مسنة، بل تكون مما تجزئ في الأضحية، وقيل: معناه أنهما متساويتان. وقيل: معناه أن تذبح إحداهما مقابلة للأخرى.
والحديث فيه دلالة على اختلاف العقيقة عن الذكر وعن الأنثى. وقد ذهب إلى هذا الشافعي، وأبو ثور، وأحمد، وداود، والإمام يحيى، ومذهب الهدوية ومالك إلى أنه يجزئ عن الذكر والأنثى شاة، لما تقدم من
(أ) في ب، جـ: أحدهما. والمثبت من معالم السنن.
_________
= 7/ 146، وابن ماجه 2/ 1056 ح 3162.
(1)
البيهقي 9/ 300 - 302.
(2)
أبو داود 3/ 106 ح 2842، والنسائي 7/ 145.
(3)
أحمد 6/ 456.
(4)
المجموع 8/ 408، 409.
(5)
أحمد -كما في الفتح 9/ 592، وأبو داود 3/ 105 عقب ح 2834.
(6)
معالم السنن 4/ 284.
حديث ابن عباس. وأجيب عنه بأن حديث ابن عباس فعل وهذا (أقول، وهو أ) أقوى، وقد روي أيضًا من طرق كثيرة فهو أرجح، مع (ب) أن أبا الشيخ (1) أخرج حديث ابن عباس من وجه آخر عن عكرمة عن ابن عباس بلفظ: كبشين كبشين. ومن حديث عمرو بن شعيب مثله (1). مع أنه قد يقال: إن في اقتصار النبي صلى الله عليه وسلم دلالة على أنه يجوز أن يفعل مثل ذلك للذكر وأن التثنية ليست بمتعينة، وإن كانت هي المستحبة، والفرد جائز غير مستحب. ويحتمل أنه إنما فعل ذلك لكونه المتيسر، ولم يتسير الاثنان، مع مناسبة العلة لهذا الحكم، فإنه إذا كانت العقيقة مشروعة؛ لما فيها من التقرب لاستبقاء المولود فأشبهت الدية التي دية المرأة على النصف من دية الرجل، وفي إطلاق لفظ "شاتان" دلالة على أنه لا يشترط فيها ما يشترط في الأضحية، وفيه وجهان للشافعية؛ أصحهما: يشترط. وهو بالقياس، وقد (جـ) ذكر شاتان على أنه يتعين الغنم للعقيقة، وبه ترجم أبو الشيخ الأصفهاني (2)، ونقله ابن المنذر (2) عن حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، وقال البندنيجي من الشافعية (2): لا نص للشافعي في ذلك، وعندي لا يجزئ غيرها. واختلف قول مالك في الإجزاء، وأما الأفضل عنده فالكبش مثل الأضحية، والجمهور على إجزاء الإبل والبقر أيضًا، وفيه حديث عند الطبراني وأبي الشيخ (3) عن أنس رفعه:"يعق عنه من الإبل والبقر والغنم".
(أ- أ) ساقط من: جـ.
(ب) في جـ: من.
(جـ) في ب: في.
_________
(1)
أبو الشيخ -كما في الفتح 9/ 592.
(2)
الفتح 9/ 593.
(3)
الطبراني في الصغير 1/ 84 ح 220، وأبو الشيخ -كما في الفتح 9/ 593.
ونص أحمد على اشتراط كاملة. وذكر الرافعي بحثا أنه يجوز اشتراك سبعة في الإبل والبقر، كما في الأضحية.
1138 -
وعن سمرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كل غلام مرتهن بعقيقته، تُذبح عنه يوم سابعه ويُحلق ويُسمَّى". رواه أحمد والأربعة (1)، وصححه الترمذي.
الحديث ذكره البخاري (2) مجملا ولم يسق لفظه، وكأنه اكتفى عن إيراده لشهرته، وهو من رواية الحسن عن سمرة، وأخرج نحوه البزار (3) وأبو الشيخ (4) في كتاب "العقيقة" عن ابن سيرين عن أبي هريرة، فالحديث يتقوى برواية التابعيين الجليلين عن الصحابيين، إلا أنه لم يقع في حديث أبي هريرة لفظ:"ويسمى".
وقوله: "مرتهن". قال الخطابي (5): اختلف الناس في هذا؛ فذهب أحمد بن حنبل إلى أنه يريد أنه إذا مات وهو طفل ولم يُعقّ عنه لم يشفع لأبويه. وقيل: المعنى أن العقيقة لازمة لا بد منها، فشبه لزومها للمولود بلزوم الرهن للمرهون في يد المرتهن. وهذا يقوي قول الظاهرية بالوجوب، وقيل:
(1) أحمد 5/ 7، 8، 12، 17، 18، 22، وأبو داود، كتاب الضحايا، باب في العقيقة 3/ 105 ح 2838، والترمذي، كتاب الأضاحي، باب من العقيقة 4/ 85 ح 1522، والنسائي، كتاب العقيقة، باب متى يعق؟ 7/ 166، وابن ماجه، كتاب الذبائح، باب العقيقة 2/ 1056، 1057 ح 3156.
(2)
البخاري 9/ 590 عقب ح 5472.
(3)
البزار 2/ 73 ح 1236 - كشف.
(4)
أبو الشيخ -كما في الفتح 9/ 593.
(5)
معالم السنن 4/ 285، 286.
المعنى أنه مرهون بأذى شعره، ولذلك جاء:"فأميطوا عنه الأذى"(1). ويقوي قول أحمد ما أخرجه البيهقي (2) عن عطاء الخراساني، وأخرج ابن حزم (3) عن بريدة الأسلمي قال: إن الناس يُعرضون يوم القيامة على العقيقة كما يعرضون على الصلوات الخمس. وهذا لو ثبت لكان دليلا لمن قال بالوجوب. قال ابن حزم (3): ومثله عن فاطمة بنت الحسين. وقوله: "يذبح عنه يوم سابعه". فيه دلالة على أن العقيقة موقتة بالسابع، وأنها تفوت بعده، وهذا قول مالك، وقال أيضًا: إن (أ) مات قبل السابع سقطت العقيقة. وفي رواية ابن وهب عن مالك أنه إن فات السابع الأول فالثاني. قال ابن وهب: ولا بأس أن يعق عنه في السابع الثالث. ونقل الترمذي (4) عن أهل العلم أنهم يستحبون أن تذبح العقيقة في السابع، فإن لم يتهيأ فيوم الرابع عشر، فإن لم يتهيأ فيوم أحد وعشرين. قال المصنف رحمه الله تعالى (5): ولم أر هذا صريحا إلا عن أبي عبد الله البوشنجي، ونقله صالح بن أحمد عن أبيه (ب وورد فيه ب) حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه (6)
(أ) زاد في ب، جـ: من.
(ب- ب) في ب، جـ: وقد تقدم. والمثبت من الفتح.
_________
(1)
البخاري 9/ 590 ح 5472.
(2)
البيهقي 9/ 299. ونصه عن يحيى بن حمزة قال: قلت لعطاء الخراساني: ما: "مرتهن بعقيقة"؟ قال: يحرم شفاعة ولده.
(3)
المحلى 8/ 317.
(4)
الترمذي 4/ 86 عقب ح 1522.
(5)
الفتح 9/ 594.
(6)
تقدم ص 426.
ولكن من رواية إسماعيل بن مسلم، قال الطبراني (1): تفرد به وهو ضعيف. وعند الحنابلة في اعتبار الأسابيع بعد ذلك [روايتان](أ)، وعند الشافعية أن ذِكر السابع للاختيار لا للتعيين، فنقل الرافعي أنه يدخل وقتها بالولادة. قال: وذكر السابع في الخبر بمعنى أنه لا تؤخر عنه اختيارًا. ثم قال: والاختيار ألا يؤخر عن البلوغ، فإن تأخرت (ب) إلى البلوغ سقطت عمن كان يريد أن يعق عنه، لكن إن أراد هو أن يعق عن نفسه فعل. وأخرج ابن أبي شيبة (2) عن ابن سيرين قال: لو أعلم أني لم يُعق عني لعققت عن نفسي. واختاره القفال، ونقل عن نص الشافعي ألا يُعق عن كبير، وهو يحتمل أنه لا يعق عنه الغير إذا كبر، وأما هو عن نفسه فيصح. وأخرج عبد الرزاق (3) عن قتادة أن من لم يُعق عنه أجزته أضحيته عن العقيقة.
ولفظ: "تُذبح". بضم التاء مغيرًا للمجهول لم يدل على تعيين الذابح، وأنه يصح أن يتولى ذلك أجنبي، وعند الشافعي يتعين على من تلزمه النفقة للمولود، وعند الحنابلة يتعين الأب إلا أن يموت أو يمتنع، وفي كون النبي صلى الله عليه وسلم عق عن الحسنين [ما](جـ) يقوي الاحتمال الأول، ولعله يحتمل أن
(أ) في ب، جـ: روايات. والمثبت من الفتح 9/ 594، وينظر المغني 13/ 397.
(ب) في جـ: تأخر.
(جـ) ساقط من: ب، جـ. والمثبت يقتضيه السياق.
_________
(1)
الطبراني في الصغير 1/ 256.
(2)
ابن أبي شيبة 8/ 174.
(3)
عبد الرزاق 4/ 331 ح 7967.
يكون مؤيدا لقول الحنابلة أنَّه يصح من غير الأب (أ) إذا تعذر منه الفعل، والتعذر يجوز أن يكون لإعسار الأبوين، أو أنَّه تبرع بإذنهما، أو أن قوله: عق. أي أمر الأب أن يعق عنهما، أو أن ذلك من خصائصه صلى الله عليه وسلم، أو لكونه للحسنين كالأب.
وأخرج أحمد (1) من حديث أبي رافع: لما ولدت فاطمة حسنا قالت: يا رسول الله، ألا أعق عن ابني بدم؟ قال:"لا ولكن احلقي رأسه ثم تصدقي بوزن شعره فضة". ففعلت، فلما ولدت حسينا فعلت مثل ذلك. وهذا يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم كان عق عنه ثم استأذنته فاطمة أن تعق هي عنه أيضًا فمنعها، وكأنه لكونه تبرع بالعقيقة، أو كان لضيق ما عندهم فأرشدها إلى نوع من الصدقة أخف، أو أنه لم يكن قد فعل لتعسره عليه وعليهم ثم فعل ذلك.
ونص مالك على أنَّه يعق عن اليتيم من ماله، ومنعه الشافعية.
"ويحلق رأسه". أي جميعه؛ لثبوت النهي عن القزع. وحكى المازري (ب) كراهة حلق رأس الجارية. وعن بعض الحنابلة: يحلق. وهو ظاهر إطلاق الحديث. وفي حديث علي عند الترمذي والحاكم (2) في حديث
(أ) في هامش بـ: قلت: أو لكونه أباهما كما قد ورد: "أنا أبوهما وعصبتهما" وقال: "إن ابني هذا سيد" وغير ذلك، وقد أشار إلى ذلك الشارح رحمه الله.
(ب) كذا في: ب، جـ، وفي الفتح 9/ 595: الماوردي.
_________
(1)
أحمد 6/ 390، 391.
(2)
الترمذي 4/ 84 ح 1519، والحاكم 4/ 237.
العقيقة عن الحسن والحسين: "يا فاطمة، احلقي رأسه وتصدقي بزنة شعره". قال: فوزنّاه فكان درهما أو بعض درهم. وأخرج سعيد بن منصور (1) من مرسل [أبي جعفر](أ) الباقر أن فاطمة كانت إذا ولدت [ولدا حلقت](ب) شعره وتصدقت بزنته ورِقا.
وقوله: "ويسمَّى". رواها أكثر أصحاب قتادة بالسين، وقال همام عن قتادة:"يدمى" بالدال. قال أبو داود (2): خولف همام، وهو وهم منه ولا يؤخذ به. ورَوَى (3) من غير طريق قتادة بلفظ:"يسمَّى". وقد استُشكل ما قاله أبو داود؛ فإن تمام رواية همام ما يدل على تحقيق ما رواه، وذلك أنهم سألوا قتادة عن الدم كيف نصنع به؟ فقال: إذا ذبحت العقيقة أخذت منها صوفة واستقبلت به أوداجها، ثم توضع على يافوخ الصبي حتى يسيل على رأسه مثل الخيط، ثم يغسل رأسه بعد ويحلق. فيبعد مع هذا الضبط أن يقال: إن هماما وهم عن قتادة في قوله: "ويدمى". إلا أن يقال: إن أصل الحديث: "ويسمَّى" ولكن قتادة بعد أن ذكر: "ويسمَّى" ذكر الدم حاكيا عما كان أهل الجاهلية يصنعونه.
وقال ابن عبد البر (4): هذا الذي تفرد به همام إن كان حفظه فهو
(أ) في ب، جـ: جعفر بن. والمثبت من الفتح.
(ب) في ب، جـ: أحلقت. والمثبت من الفتح.
_________
(1)
سعيد بن منصور -كما في الفتح 9/ 596.
(2)
أبو داود 3/ 105 عقب ح 2837.
(3)
أبو داود 3/ 105، 106 عقب ح 2838.
(4)
التمهيد 4/ 319، 320.
منسوخ. وحمل بعضهم التسمية على التسمية عند الذبح؛ لما أخرج ابن أبي شيبة (1) من طريق هشام عن قتادة قال: يسمي على العقيقة كما يسمي على الأضحية: باسم الله، عقيقة فلان. ومن طريق سعيد نحوه عن قتادة (1) وزاد: اللهم منك ولك، عقيقة فلان، باسم الله والله أكبر. ثم يذبح.
وقد ورد ما يدل على النسخ في عدة أحاديث؛ منها ما أخرجه ابن حبَّان (2) في "صحيحه" عن عائشة قالت: كانوا في الجاهلية إذا عقوا عن الصبي خضبوا قطنة بدم العقيقة، فإذا حلقوا رأس المولود وضعوها على رأسه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"اجعلوا مكان الدم خلوقا". زاد أبو الشيخ (3): ونهى أن يمس رأس المولود بدم. وأخرج ابن ماجه (4) عن يزيد بن عبد المزني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يعق عن الغلام ولا يمس رأسه بدم". وهذا مرسل؛ فإن يزيد لا صحبة له، وقد وصله البزار (5) من هذه الطريق وقال: عن يزيد بن عبدٍ المزني عن أبيه. ومع هذا فقد قالوا إنه مرسل. وأخرج أبو داود والحاكم (6) من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: كنا في الجاهلية -فذكر نحو حديث عائشة ولم يصرح برفعه - فلما جاء الله بالإِسلام كنا نذبح شاة ونحلق رأسه ونلطخه بزعفران. وهو شاهد لحديث عائشة، ولهذا
(1) ابن أبي شيبة 8/ 180.
(2)
ابن حبان 12/ 124 ح 5308.
(3)
أبو الشيخ -كما في الفتح 9/ 594.
(4)
ابن ماجه 2/ 1057 ح 3166.
(5)
البزار -كما في الفتح 9/ 594.
(6)
أبو داود 3/ 106، 107 ح 2843، والحاكم 4/ 238.
كره الجمهور التدمية. ونقل ابن حزم (1) عن ابن عمر وعطاء استحباب التدمية.
قال في "نهاية المجتهد"(2): وحكم لحمها وجلدها حكم لحم الضحايا في الأكل والصدقة ومنع البيع.
(1) المحلى 8/ 317.
(2)
الهداية في تخريج أحاديث البداية 6/ 284.