المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌تأكد الخبر عند قريش ومطاردة المبايعين: - التحالف السياسي في الإسلام

[منير الغضبان]

فهرس الكتاب

- ‌بين يدي البحث

- ‌ ابتدأت الحركة الإسلامية مسارها الأول

- ‌كانت المرحلة الثانية

- ‌ كانت المرحلة الثالثة)

- ‌أولا: الحلف لغة وشرعا:

- ‌ثانيا: الأحلاف في مرحلة الضعف

- ‌أ - حلف الفضول

- ‌ب - حلف المطيبين

- ‌حلف أبي طالب مع رسول الله

- ‌المرحلة الأولى:

- ‌المرحلة الثانية:

- ‌المرحلة الثالثة

- ‌المرحلة الرابعة:

- ‌عودة إلى الحلف السابق

- ‌جـ - حلف رسول الله صلى الله عليه وسلم والمطعم بن عدي

- ‌د - صور من الأحلاف لم تنجح

- ‌ثالثا: التحالف في مرحلة تأسيس الدولة

- ‌ بيعة العقبة الأولى

- ‌بيعة العقبة الثانية:

- ‌بنود البيعة:

- ‌التأكيد على خطورة البيعة:

- ‌اثنا عشر نقيبا:

- ‌شيطان يكشف المعاهدة:

- ‌استعداد الأنصار لضرب قريش:

- ‌قريش تقدم الاحتجاج إلى رؤساء يثرب:

- ‌تأكد الخبر عند قريش ومطاردة المبايعين:

- ‌ميثاق الدولة الجديد

- ‌الباب الأول

- ‌الباب الثاني

- ‌الباب الثالث

- ‌((الباب الرابع))

- ‌ ملاحظات

- ‌مع الباب الأول:

- ‌مع الباب الثاني

- ‌مع الباب الثالث

- ‌مع الباب الرابع:

- ‌أولا: ميثاق الجبهة الإسلامية

- ‌ثانيا: ميثاق عامة الشعب

- ‌ثالثا: ميثاق الفئات والتجمعات غير الإسلامية

الفصل: ‌تأكد الخبر عند قريش ومطاردة المبايعين:

‌استعداد الأنصار لضرب قريش:

وعند سماع صوت هذا الشيطان قال العباس بن عبادة بن نضلة: والذي بعثك بالحق إن شئت لنميلن على أهل منى غدا بأسيافنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم نؤمر بذلك ولكن ارجعوا إلى رحالكم. فرجعوا وناموا حتى أصبحوا.

‌قريش تقدم الاحتجاج إلى رؤساء يثرب:

ولما قرع هذا الخبر آذان قريش وقعت فيهم ضجة أثارت القلاقل والأحزان لأنهم كانوا على معرفة تامة من عواقب مثل هذه البيعة ونتائجها بالنسبة إلى أنفسهم وأموالهم، فما إن أصبحوا حتى توجه وفد كبير من زعاء قريش وأكابر مجرميها إلى مخيم أهل يثرب ليقدم احتجاجه الشديد على هذه المعاهدة، فقد قال: يا معشر الخزرج إنه قد بلغنا أنكم قدجئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا، تبايعونه على حربنا، وإنه والله ما من حي من أحياء العرب أبغض إلينا من أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم، ولما كان مشركو الخزرج لا يعرفون شيئا عن هذه البيعة لأنها تمت في سرية تامة وفي ظلام الليل، انبعث هؤلاء المشركون يحلفون بالله: ما كان من شيء وما علمناه. حتى أتوا عبد الله بن أبي بن سلول فجعل يقول: هذا باطل وما كان هذا، وما كان قومي ليفتاتوا علي مثل هذا، لو كنت بيثرب ما صنع قومي هذا حتى يؤامروني. أما المسلمون فنظر بعضهم إلى بعض ثم لاذوا بالصمت، فلم يتحدث أحد منهم بنفي أو إثبات، ومال زعماء قريش إلى تصديق المشركين فرجعوا خائبين.

‌تأكد الخبر عند قريش ومطاردة المبايعين:

عاد زعماء مكة وهم على شبه اليقين من كذب هذا الخبر لكنهم لم يزالوا

ص: 63

يتنطسونه- يكثرون البحث عنه ويدققون فيه النظر- حتى تأكد لهم أن الخبر صحيح والبيعة قد تمت فعلا وذلك بعد ما نفر الحجيج إلى مواطنهم فسارع فرسانهم بمطاردة اليثربيين ولكن بعد فوات الأوان، إلا أنهم تمكنوا من رؤية سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو فطاردوهما، فأما المنذر فأعجز القوم، وأما سعد فألقوا القبض عليه، فربطوا يديه إلى عنقه بنسع رحله وجعلوا يضربونه ويجرونه ويجرون شعره حتى أدخلوه مكة، فجاء المطعم بن عدي والحارث بن حرب بن أمية فخلصاه من أيديهم إذ كان سعد يجير لهما قوافلهما المارة بالمدينة، وتشاورت الأنصار حين فقدوه أن يكروا إليه فإذا هو قد طلع عليهم فوصل القوم جميعا إلى المدينة. (1)

قال ابن إسحاق: فلما أذن الله لرسوله في الحرب وبايعه هذا الحي من الأنصار على الإسلام والنصرة له ولمن تبعه وأوى إليهم المسلمون، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه من المهاجرين من قومه ومن معه بمكة من المسلمين بالخروج إلى المدينة والهجرة إليها، وقال: إن الله قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون فيها فخرجوا أرسالا.

نشير في بداية التحليل لوقائع هذه البيعة بأنها بالرغم مما تحمل من صورة الحرب وما أطلق عليها بعد أنها بيعة الحرب، إلا أنها تمت بأعمق تخطيط سياسي شهده التاريخ، حيث انبثقت دولة الإسلام وتم تحديد معالمها وقيادتها وهي جزيرة صغيرة وسط خضم من الشرك مثله العرب جميعا من حجاج منى أولا ثم دولة مكة المشركة ثانيا ثم قيادة المشركين من أهل يثرب ثالثا، ثم دولة اليهود في المدينة رابعا. وسط هذا العدو العاتي والمحيط بالمسلمين من كل جانب إحاطة

(1) الرحيق المختوم للمباركفوري والصفحات 164 - 172 باختصار، وقد استقاها من ابن هشام وزاد المعاد ومسند الإمام أحمد، ومختصر السيرة لابن محمد بن عبد الوهاب وبعض كتب الحديث.

ص: 64

السوار بالمعصم، وسط هذا الخضم انبثقت دولة الإسلام الأولى في التاريخ، ولنتعلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم معالم طريقنا الذي نخوضه اليوم وسط بحرين كبيرين، بحر من الدماء، وبحر من الأعداء.

لقد كان المسلمون البالغ عددهم بضعا وسبعين ضمن وفد من المشركين قوامه نحو ثلاثمائة وهذا يعني صعوبة الحركة والتنقل والاتصال. فما من مسلم إلا وحواليه عدد من المشركين يراقب تنقلاته وتحركاته. ومع ذلك فلقد كانت السرية المضروبة على التحركات خلال الحج من أعجب المخططات الناجحة. تمت الاتصالات بين قيادة مكة المسلمة الممثلة برسول الله صلى الله عليه وسلم وقيادة المسلمين في المدينة، وتم تحديد مكان اللقاء، وتم دخول بعض الأعداد الجديدة في الإسلام خلال هذه الأيام المعدودة. ولعل من أهم أحداث هذه الأيام انضمام زعيمين من أكبر زعاء المدينة للإسلام هما: البراء بن معرور عبد الله بن عمرو بن حرام.

يحدثنا كعب بن مالك فيقول: خرجنا نسأل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنا لا نعرفه ولم نره من قبل، فلقينا رجلا من أهل مكة فسألناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هل تعرفانه؟ فقلنا: لا. قال: فهل تعرفان عمه العباس؟ قلنا: نعم- وكان العباس لا يزال يقدم علينا تاجرا- قال: فإذا دخلتما المسجد فهو الرجل الجالس مع العباس. فدخلنا المسجد فإذا العباس جالس، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس معه. فسلمنا ثم جلسنا إليه. فقال عليه الصلاة والسلام لعمه: هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل؟ قال: نعم، هذا البراء بن معرور سيد قومه. وهذا كعب بن مالك. فوالله ما أنسى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: الشاعر؟! قلت: نعم. فقال له البراء بن معرور: يا نبي الله إني خرجت في سفري هذا، وقد هداني الله للإسلام، فرأيت أن لا

ص: 65

أجعل هذه البنية (الكعبة) مني بظهر. فصليت إليها، وقد خالفني أصحابي في ذلك حتى وقع في نفسي من ذلك شيء، فماذا ترى يا رسول الله؟ قال: قد كنت في قبلة لو صبرت عليها. فرجع البراء إلى قبلة رسول الله وصلى معنا إلى الشام

وتشير بعض الروايات إلى أن رئاسة الوفد كله مسلمه ومشركه قد انتهت إلى البراء بن معرور. وطالما أنه قد أسلم فهو الذي يقوم بتحديد اللقاءات المقررة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم واختار كعبا ليرافقه بصفته الشاعر المشهور والمعروف عند قريش. وكان العباس هو الذي تحمل عبء حماية الرسول صلى الله عليه وسلم مع المطعم بن عدي بعد وفاة أبي طالب. فكان رفيق رسول الله صلى الله عليه وسلم الدائم ومعرفته قائمة كما رأينا من خلال التجارة، فتم تحديد موعد ومكان اللقاء.

وتشير رواية جابر بن عبد الله إلى بعض اللقاءات الثانوية. (فقال له عمه العباس: يا ابن أخي ما أدري ما هؤلاء القوم الذين جاؤوك، إني ذو معرفة بأهل يثرب. فاجتمعنا عنده من رجل ورجلين، فلما نظر العباس في وجوهنا قال: هؤلاء القوم لا نعرفهم، هؤلاء أحداث). أما إسلام أبي جابر الزعيم الثاني فكان يوم اللقاء المقرر كما يقول كعب: فلما فرغنا من الحج وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لها ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام سيد من ساداتنا، وشريف من أشرافنا أخذناه معنا، وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا، فكلمناه وقلنا له: يا أبا جابر. إنك سيد من ساداتنا، وشريف من أشرافنا، وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبا للنار غدا، ثم دعوناه إلى الإسلام. وأخبرناه بميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم إيانا العقبة. فأسلم وشهد معنا العقبة، وكان نقيبا. فكم كان نشاط المسلمين إذن. وهم يضمون الفرد تلو الفرد، والقائد تلو القائد إلى صفوفهم ليشارك في بيعة الحرب.

ص: 66

وكانت لقاءات القاعدة مع القائد العظيم صلى الله عليه وسلم أكبر حلم عندها تتعرف عليه وتتلقى منه، وتستجيب لأمره وتوجيهاته.

2 -

وكانت الخطوة الثانية من التخطيط العبقري هو الخروج المنظم لموعد الاجتماع، يقول كعب: حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم نتسلل تسلل القطا (طائر مشهور بخفة حركته) مستخفين، حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة ونحن ثلاثة وسبعون رجلا ومعنا امرأتان من نسائنا: نسيبة بنت كعب، وأسماء بنت عمرو. وتم الاجتماع لهذا العدد الضخم الذي انسل من بين معسكرات المشركين دون أن يتنبه لهم أحد.

3 -

وكانت الخطوة الثالثة من التنظيم المحكم كما تشير بعض الروايات إلى تأمين حراسة الشعب بحيث لا يدري أحد بالأمر.

يقول المقريزي: وجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه عمه العباس وهو وعلى دين قومه. وأبو بكر وعلي رضي الله عنهما، فأوقف العباس عليا على فم الشعب عينا له، وأوقف أبا بكر على فم الطريق الآخر عينا له.

فلم يدر حتى المهاجرون بهذا اللقاء السري إلا من كان له مهمة خاصة في الحراسة والمراقبة وهما: علي وأبو بكر رضي الله عنهما.

4 -

وكان حضور العباس وحديثه وهو على دين قومه- كما يظهر ضرورة سياسية فهو الذي يحمل عبء الحماية النبوية كما قلنا، فلا بد أن يتوثق من مستوى هذه الحماية الجديدة ليطمئن إليها، وإلا فلن يفرط في ابن أخيه. ولعل هذا يشير إلى إمكانية اشتراك بعض الشخصيات غير الإسلامية إذا كانت مناط ثقة تامة من القيادة في عملية تغيير سياسي لصالح الإسلام أو- على الأقل- يمكن

ص: 67

القول: إنها في ظاهرها موالية للسلطة الحاكمة، أما حقيقة ولائها فللقيادة المسلمة، خاصة إذا كان لها دور رئيسي في التحرك، كقيادة فرقة في عملية انقلاب عسكرية، أو قيادة مجموعة سياسية في عملية تغيير سياسي. بل بإمكانها أن تشارك في رسم الخطة وتنفيذها إذا كانت ذات خبرات عريقة. فلقد شارك العباس رضي الله عنه في تنفيذ هذا اللقاء- كما تشير الرواية- وهو الذي أمر أبا بكر وعليا بالوقوف على الطرق المؤدية للشعب.

إن من حق القيادة- بل من واجبها- أن تستفيد من الخبرات والطاقات الإسلامية وغير الإسلامية عندما تدين لها بالولاء والطاعة.

5 -

ونلاحظ أن الأنصار رضي الله عنهم حرصوا على استماع الخطة من القيادة مباشرة. فقالوا للعباس: قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله فخذ لنفسك ولربك ما أحببت. ومن أجل هذا قلنا: إننا لسنا أمام حلف سياسي، إنما نحن أمام قيادة واحدة وقاعدة صلبة تنتظر الأوامر، وتريد معرفة إمكانات التنفيذ. وإذا كانت البيعة لم تتم فإن الاستعداد الكامل للتنفيذ قائم. فخذ لنفسك ولربك ما أحببت.

6 -

وكانت البنود الخمسة للبيعة من الوضوح والقوة بحيث لا تقبل التمييع والتراخي. إنه السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في اليسر والعسر، والأمر بالمعروف، والنهي عن النكر، والقيام في الله لا تأخذهم فيه لومة لائم

ونصر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وحمايته إذا قدم المدينة

إن البيعة على الإسلام شيء، والبيعة على إقامة دولة الإسلام شيءآخر.

وإن الرجال الذين يعدون ليكونوا أفرادا مغمورين في عداد المسلمين شيء، والذين يعدون لتقوم دولة الإسلام بسواعدهم وبأرواحهم وبأموالهم وبدمائهم شيءآخر. ويكفي أنها مضت مثلا في التاريح الإسلامي أن البيعة الخالية من

ص: 68

الحرب والجهاد- ومنها بيعة العقبة الأولى- كانت تسمى بيعة النساء. أما هذه البيعة فبيعة الحرب.

ومع ذلك فليست حرب الإبادة، وليست حرب الإفناء بل الحرب المخططة المحكمة المحدودة الأهداف والمحددة الاستراتيجية التي ترتبط بالنصرة بعد وصول القيادة النبوية للمدينة. إن كل قطرة دم يجب أن تراق ضمن هدف. لا أن تراق لانفعال عاطفي أو غضبة جارفة. وإذا جد الجد فالإسلام عديل الروح بل أغلى منها لأنه يضحى بالروح والدم والمال من أجله. وتحمى القيادة الإسلامية كما يحمي المرء زوجه وولده ونفسه.

7 -

وسرعان ما استجاب قائد الأنصار دون تردد- البراء بن معرور قائلا: والذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا فبايعنا يا رسول الله. فنحن والله أبناء الحرب وأهل الحلقة. ورثناها كابرا عن كابر.

والبراء هو المفوض الرسمي، وهو رئيس الوفد المفاوض، وهو الذي أسلم بنشاط الدعاة على الطريق. وها هوذا يعرض إمكانيات قومه لرسول الله صلى الله عليه وسلم. قومه أبناء الحرب والسلاح. إن هذا يعني بالنسبة للحركة الإسلامية أن تعرف أولا الطاقات القتالية عندها من جهة، وأن تعرف من جهة ثانية كيف توجه هذه الطاقات في أحسن سبيل. فيأخذ صاحب الكفاءة مجاله، وأخو الحرب مكانه.

8 -

والأوامر شيء والمفاوضات شيء آخر. فلقد اعترض أبو الهيثم بن التيهان رضي الله عنه وهو المسلم العظيم على أمر مهم قبل البيعة وكان لا بد من طرحه بصراحة ووضوح: يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال حبالا وإنا قاطعوها - يعني يهود- فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟

ص: 69

فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: بل الدم الدم، والهدم الهدم. أنا منكم وأنتم مني أحارب من حاربتم وأسالم من سالتم.

ويا لها من مفاوضات نادرة المثال في التاريخ بين جندي وقائد بين مسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم. إن طبيعة المعركة تقتضي أوضاعا جديدة. وإن حمل السلاح يعني الحرب الضروس التي تأكل كل شيء.

فالحركة الإسلامية قبل أن تتبنى الجهاد وقبل أن تحمل السلاح. كانت آمنة، شبابها في وظائف الدولة يملؤون فجاجها. بل ومرت مرحلة وصل بعضهم إلى مجلس الشعب- كما يسمونه- ولكن في خدمة النظام الجاهلي الكافر. بل ولم يكن أحد يعلن أنه جزء من الحركة الإسلامية أو فرد في تنظيم الإخوان المسلمين إلا بالظنة والتهمة. هذا واقع قبل البيعة.

أما بعد البيعة على الجهاد. فانقلبت الصورة كاملة. إن مجرد الظنة باشتراك فرد أو بل شروعه أو بل تفكيره بالانضمام إلى التنظيم المسلح يعني الحكم بإعدامه وإبادته ويعني الحكم بإبادة عائلته وأقاربه كذلك.

فهل يحق للقيادة بعد أن وصلت الأمور إلى هذا الحد أن تتخلى عن هذا الطريق وتترك جنودها يبادون وحدهم في العراء. أن تصالح لنفسها أو تأخذ أمانا لنفسها وتترك الفاجعة على كل شبابها وشيبها.

هذا هو مفهوم اعتراض أبي الهيثم بن التيهان رضي الله عنه. لأن قطع العهود مع يهود يعني إعلان الحرب عليهم، فإذا تخلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم ومضى إلى قومه في مكة فهذا يعني ترك المسلمين تحت رحمة يهود يفعلون بهم الأفاعيل بل يستأصلون أخضرهم ويابسهم، إذا كان من حق أبي الهيثم أن يناقش رسول رب العالمين بهذا الأمر فأي قيادة في الدنيا مهما ارتفعت لا تناقش فيه؟ وأي قائد في هذا الوجود لا يحاسب عليه.

ص: 70

ألا فليعلم كل جندي في المعركة الإسلامية أن من حقه أن يعترض هذا الاعتراض على قيادته إن انسحبت من المعركة وتركته يتلوى وحده في النار. إن كل قطرة دم تراق بأمر القيادة أو من جراء أمرها هي في عنق هذه القيادة ستسأل عنها يوم الدين. فيم أراقتها، وفيم لم تحافظ عليها من الضياع.

وماذا كان جواب سيد الخلق لجنديه ابن التيهان؟ قال له: بل الدم الدم، والهدم الهدم. أنا منكم وأنتم مني. أحارب من حاربتم، وأسالم من سالتم. ويا له من جواب خالد تردده أصداء الوجود.

القيادة جزء من القاعدة، والقاعدة جزء من القيادة. شركاء متلاحمون منصهرون في المغرم والمغنم، دمهم واحد ومصيرهم واحد، ونكبتهم واحدة، وحملهم واحد. بل أكثر من ذلك أحارب من حاربتم وأسالم من سالتم.

لقد أبدى رسول الله صلى الله عليه وسلم استعداده وهو الطرف القائد المفاوض أن يشهر الحرب على من حارب جنده، ويسالم من سالمهم. جعلهم الأصل في الحرب والسلم.

9 -

وعلى هذا الأساس من المفاوضات كان لا بد أن يظهر الوجه المقابل للصورة التي عرضها ابن التيهان رضي الله عنه. ولم يحمل لواءها رسول الله صلى الله عليه وسلم. إنما حمل لواءها واحد من طرف المفاوضين.

وإذا رأينا في الفقرة السابقة عظمة القيادة وتضحيتها وواجباتها. فما هي واجبات القاعدة مقابل ذلك؟

يقول العباس بن عبادة بن نضلة: هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟ إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس. فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة وأشرافكم قتلا أسلمتموه فمن الآن، فهو والله خزي الدنيا والآخرة. وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نهكة الأموال وقتل الأشراف فهو والله خير الدنيا والآخرة.

ص: 71

وفي التعبير الآخر لسعد بن زرارة:

وإن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم.

لابد أن نعرف طبيعة المعركة التي نخوضها اليوم إنها كمعركة الأمس: حرب الأحمر والأسود

وقتل الأشراف والخيار، ونهكة الأموال والأعراض، العالم كله ضدنا، يحاربنا، لا يرضى أن ينتهي الحكم إلينا أو إلى أية حركة إسلامية نظيفة، فمن ذا يحالفنا على هذا الأساس؟ كل الحلفاء السياسيبن يرضون بحلفنا إذا عرفوا أننا منتصرون. أما في الأخرى فيقول أحدهم:{قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا} .

إن معرفة طبيعة المعركة يعيننا على تحديد طبيعة الحركة المناسبة. وإن طبيعة المعركة يجب أن تكون معروفة لدى كل فرد في القاعدة حتى يبايع بعدئذ عن بينة أو يرفض! إنه يمكن أن يبقى على بيعة النساء- كما وردت في سورة الممتحنة- أما بيعة الرجال

بيعة الحرب فهذه طبيعتها.

وما أحرى الحركة الإسلامية أن تكون صريحة صادقة مع قواعدها، لا تغشهم، ولا توحي إليهم أن النصر قاب قوسين أو أدنى

وأن العرب معنا

وأن ما ينقصنا هو التفاوض معهم

وأن قوى العالم ترضانا إذا فاوضنا وإذا ملكنا المرونة السياسية

وأن الأمر كله أمر حركة سياسية أو أمر جبهة وطنية، أو أمر حلف سياسي، أو أمر لعبة ذكية.

والذين يريدون أن يحرفوا المعركة ولا يتحملوا تبعاتها فمكانهم خارج الصف، ومن أول الطريق. ولقد كانت القيادات الأنصارية على مستوى المعركة. وكانت واضحة مع قواعدها فماذا كان بعد ذلك؟ قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف. فما لنا إن نحن وفينا بذلك؟ قال: الجنة.

إذن فالمعركة في الحقيقة معركتنا نحن، معركة الجنود المؤمنين، معركة القاعدة الإسلامية الصلبة العريضة في الأرض، وفي هذه المرحلة

ص: 72

بالذات، فالاتجاه الدقيق هو اتجاه البناء الداخلي. إن ظروفنا الآن هي ظروف بيعة العقبة، هي ظروف بيعة الحرب، نحن الآن في مرحلة المواجهة السافرة مع العدو، مع قوى الأرض، وذخيرتنا هي قاعدتنا الصلبة. هي قواعدنا المؤمنة التي ترضى بالجنة ثمنا لحرب الأحمر والأسود من الناس، ترضى بالجنة ثمنا لمفارقة العرب كافة، ترضى بالجنة ثمنا لنهكة الأموال والأعراض تستعد للوفاء بهذه الالتزامات، وترضى بالجنة ثمنا وحيدا.

ليس عند القيادة ثمن في هذه الظروف إلا الجنة. كما نطق رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك. أما النصر، فقد لا نكون نحن أصحابه. قد نكون نحن جيل القتل، إن النصر قادم لا محالة. لكن لنا؟ لا ندري. إن الوعد الذي قطعه الله تعالى على نفسه لمن وفى بهذه الالتزامات هو الجنة، وهو الوعد الذي رضيه الله تعالى لرسوله أن يعطيه باسمه. وأما النصر فهبة ربانية تأتي في الموعد الذي يختاره جل شأنه، أما ما نحسبه من نصر موهوم يقوم على أكتاف عدو لله يقدمه لنا، فنحن إذن واهمون. ونحن لسنا مدركين إذن لطبيعة المعركة التي نخوضها، وإن تحقق دون أن نلتزم بقواعد هذه الشريعة فالمعركة والعياذ بالله كلها خاسرة. إنه قبل أن تقوم دولة الإسلام على الأرض، فلا وعد عند الله تعالى إلا الجنة للجيل الذي يحمل اللواء لحرب الأحمر والأسود من الناس فمن قبل بالثمن فليبايع، ومن تلكأ فحسبه بيعة النساء.

11 -

فقالوا: ابسط يدك، فبسط يده فبايعوه. وقالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل، وقالوا: يا أسعد أمط عنا يدك فوالله لا نذر هذه البيعة ولا نستقيلها. قال جابر: فقمنا إليه رجلا رجلا فأخذ علينا البيعة يعطينا بذلك الجنة.

وأما بيعة المرأتين اللتين شهدتا الوقعة فكانت قولا. ما صافح رسول الله صلى

ص: 73

الله عليه وسلم أمرأة أجنبية قط. وقبل المفاوضون بالبيعة وبايعوه جميعا دون أن يتخلف أحد، حتى المرأتين بايعتا بيعة الحرب. وصدقتا عهدهما. فلقد سقطت أم عمارة في أحد وقد أصابها اثنا عشر جرحا وقد قطع مسيلمة الكذاب ابنها إربا إربا فما وهنت وما استكانت وتحولت النسوة في هذه البيعة إلى رجال يقاتلن ويبايعن على قتل أشرافهن، وحرب الأحمر والأسود من الناس.

12 -

ولم تنته القضية بعد، فلن يستطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتصل مع كل فرد من هؤلاء المبايعين كل مرة، ولن يستطيع أن يبايع كل أفراد الأمة المسلمة على ذلك فلا بد من انتخاب قيادة مسؤولة أمامه مسؤولية مباشرة عن هذه القواعد.

قال للقوم: أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبا ليكونوا على قومكم بما فيهم. ولما تم انتخاب هؤلاء النقباء أخذ عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ميثاقا آخر بصفتهم رؤساء مسؤولين.

قال لهم: أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء، ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم. وأنا كفيل على قومي بما فيهم- يعني المهاجرين.

فما هي مهمة هذه القيادة التي مثلت القاعدة الصلبة وتم انتخابها في الحال، وكان الانتخاب بنسبة التمثيل العددي للأوس والخزرج؟؟

وهذا يذكرنا بدور القيادة القائمة اليوم للحركة الإسلامية. فقد تم انتخابها من مستويات معينة، وأنيط بها أخطر مهمة في هذه الظروف، مهمة تحقيق وحدة الجماعة المبعثرة التي تقطعت أرحامها منذ سنوات عديدة وعاشت في جو محموم من الكراهية والضغينة، وتداركت رحمة الله هذه الحركة عندما أعطت ولاءها لله وارتفعت فوق خصوماتها وصراعاتها، ووحدت طريقها على الجهاد في

ص: 74

سبيل الله، وكانت بركة هذه الدماء الزكية بلسما لجراحها، حتى استطاعت أن تصل إلى قيادة موحدة وأمير واحد بايعته بيعة الحرب.

إنها أمانة أنيطت بها في هذ الظروف الحرجة الدقيقة. وتطلعت إليها أنظار العالم الإسلامي كله في أن تكون قادرة على رص الصف، وتذويب الفوارق فيه، والقضاء على الأحقاد والضغائن فيه.

لقد كانت المهمة العسيرة للنقباء الإثني عشر أخطر من مهمة قيادتنا اليوم. فلقد كلفت برص الصف وتوحيده بعد حرب حقيقية بالسيوف لا بالكلام. بعد عام واحد على حرب بعاث أو عامين. فبين الأوس والخزرج دماء وثارات وأحقاد ما يمكن أن تزول بجرة قلم. ونعرف الثارات الجاهلية التي تبقى مستكنة سني طوالا ولا تهدأ حتى تنتقم.

هذا الوضع هو الذي استلمته القيادة الجديدة من النقباء الاثني عشر. واستطاعت بإخلاصها وصدقها، وارتفاعها فوق ذواتها وميولها وعواطفها، وجعل رضا ربها نصب عينيها أن تظفر بتوفيق الله تعالى لها وإلفة كلمتها. لأنها صدقت الله تعالى فيما عاهدته عليه.

{وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} .

13 -

وأين كان طواغيت الأرض من هذه البيعة الفريدة في تاريخ الأرض. أين كان مشركو المدينة والبيعة تتم على رؤوسهم. وأين كانت قريش والبيعة تريد أن تحطم طاغوتها وكبرياءها وهي تحاد الله وتكذب رسوله؟ وأين كان الحجيج المشرك كله. والبيعة تريد أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان. نقول هنا عن العدو القريب الذي كان وضع هؤلاء السبعين بالنسبة لهم كوضع اللقمة بين فكي الأسد؟؟

ص: 75

ولا نذكر ملوك الأرض الأبعدين كسرى وقيصر وحلفاءهما وعبيدهما: أين كان هؤلاء كلهم؟ كانوا يشخرون في نومهم

وعين الله تكلأ العصبة المؤمنة.

والساهر الوحيد الذي كان يقضم أسنانه غيظا هو الشيطان الرجيم. لم يجد أحدا من حلفائه يتحرك لدرء الخطر فما تمالك أن صرخ بأنفذ صوت سمع قط: يا أهل الأخاشب. هل لكم في محمد والصبأة معه قد اجتمعوا على حربكم؟!

الشيطان ساهر ليمزق كل بيعة على الجهاد في سبيل الله. وقد ساءه ما ظهر من البراعة السياسية من رسول الله صلى الله عليه وسلم التي حققت كل هذه الانتصارات. والشرك غاف كالمقبور

فهل لنا بمثل هذه البراعة السياسية في تحركنا الجديد؟!

لا بد أن نذكر الأخطاء للعبرة والذكرى. فيوم تحركت القيادات المتفرقة للحركة الإسلامية لتشكيل قيادتها الواحدة. ويوم أن زادت حدة نقاشها قليلا عن العهود كانت استخبارات العدو تذيع أخباز هذا النقاش وتضخمه لتجعل منه حربا سقط فيها عشرات القتلى وتدخل فيها جيش الدولة المضيفة لوقفه. والمتفاوضون والمتناقشون يعدون على الأصابع.

فكم الفرق هائل بين التحرك النبوي بالسبعين والنيف عنده في قلب بحر الشرك، وتحركنا السياسي هذا؟

14 -

ووضع المبايعون أيديهم على مقابض السيوف ليستلوها من أغمادها أمام هذا النداء قائلين: لئن شئت يا رسول الله لنميلن غدا على أهل منى بأسيافنا. الاستعداد بالتو لتنفيذ بنود البيعة، وأكثر من البنود. ويأتي الجواب النبوي العظيم: لم نؤمر بذلك، ولكن ارفضوا إلى رحالكم.

بين معركة آنية يسقط بها هؤلاء السبعون شهداء. استجابة لنزوة طارئة وانفعال هائج وبين المسؤولية عن كل قطرة دم تسقط دون تخطيط وتسفح دون

ص: 76

هدف. إن دم المسلم أشد عند الله تعالى حرمة من الكعبة المشرفة. فكيف يسقط هدرا دون مقابل؟

لابد من الإعداد للمعركة. ولما تحن المعركة بعد، فالنبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يحدد زمانها ومكانها. واجب الجنود أن تكون أيديهم في كل لحظة على الزناد، أو العتاد، أما واجب القيادة فأضخم من ذلك بكثير، أن تدرس آلاف الاحتمالات الناجحة والفاشلة لخوض المعركة لأن كل قطرة دم سوف تقف يوم القيامة على رأس هذه القيادة وتسألها، فيم أريق دمي يا هذه. فماذا تجيب؟

ولئن كان واجب الجندية أن تكون يدها على الزناد في كل لحظة يطلب فيها ذلك، فأشد وجوبا عليها وألزم أن ترفع يدها عنه وتمضي إلي رحلها دون اعتراض "ولكن ارفضوا إلى رحالكم)).

ما أحلاه من درس وما أروعها من عبرة. الاستعداد لقتال الحجيج كافة (

على أهل منى بأسيافنا) والاشارة الواحدة: لا. ارفضوا إلى رحالكم.

ويعود السبعون ونيف يتسللون كالقطا إلى أماكنهم التي انسحبوا منها في الهزيع الأول من الليل ومن حولهم يغطون في نومهم فيشاركونهم في النوم دون أن يدري بهم حتى من تسللوا من فرشهم وكانوا معهم ينامون.

15 -

وتحركت قريش كالذي أصابه الشيطان من المس. وجاءت مخيم الخزرج، وراح المشركون يحلفون بالله ما فعلوها. وهم صادقون. وراح عبد الله بن أبي ينفي الأمر نفيا قاطعا، ويؤكد استحالته. فما كان لقومه أن يفتئتوا عليه بمثل ذلك. وما علم بأن الانقلاب الذي تم لا يمكن البوح بأسراره ولو قطعت الرقاب. ترى لو أن واحدا من المشركين شعر بتحرك واحد من المسلمين

ص: 77

في الليل جيئة أو ذهابا، أما كان بإمكانه أن يدلي بشهادته؟ ولكنها السرية العجيبة التي تدعو أمم الأرض ليتعلموها من هؤلاء المتبايعين.

ونحن بدورنا مدعوون كذلك لنتعلم السياسة والحرب، والسرية والشجاعة والانضباط والكتمان من هؤلاء المتبايعين. وكم هو واجب ثقيل أن نربي الصف كله على ذلك.

16 -

وبعد أن فات الركب وانفض الحجيج تأكد لاستخبارات مكة صحة الخبر، فراحت تطارد المسلمين في المدينة كالمعتوهة إلى أن قبضت على سيد من سادات الخزرج سعد بن عبادة، وعجزت عن القبض على الآخر.

وتدخلت قوانين الجاهلية لحمايته، ولعل الذي دعا لتنفيذ هذا القانون أحد المسلمين فهو الذي ذكر سعدا بحلفائه من قريش: الحارث بن حرب، وجبير بن مطعم. فجاءا على عجل وأجاراه وهما يمثلان فرعي عبد مناف. نوفل وعبد شمس. أما لو ترك الأمر لقريش فليس إمامها إلا قتله. كما قال ضرار بن الخطاب بن مرداس شاعر قريش:

تداركت سعدا عنوة فأسرته

وكان شفائي لو تداركت منذرا

ولو نلته طلت دماء جراحه

وكان حقيقا أن يهان ويهدرا

لقد أمسكت قريش بفتيل الثورة الإسلامية الذي أوشك على الانفجار وابتدأت شجارا خفيفا في حبس سعد عنوة وكان من الممكن أن يقع صدام فعلي عندما تأخر سعد وهم المسلمون بالعودة للبحث عنه فحال حلفه السياسي مع الحارث وجبير دون ذلك.

وانطلقت بوادر الحرب الإعلامية بين الفريقين فأجاب حسان ضرارا:

فلست إلى سعد ولا المرء منذر

إذا ما مطايا القوم أصبحن ضمرا

فلا تك كالشاة التي كان حتفها

بحفر ذراعيها فلم ترض محفرا

ص: 78

فهو رد على تحدي ضرار بالمعركة الحربية ولم ينس أن يرد على تحديه في الحرب الإعلامية:

فإنا ومن يهدي القصائد نحونا

كمستبضع تمرا إلى أهل خيبرا

هذا ورسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة لم يتعرض له أحد بسوء لأنه في جوار المطعم بن عدي وحماية العباس بن عبد المطلب، ولا يريد أن يثير معركة جانبية قبل الإعداد الكامل لها، واستطاع عليه الصلاة والسلام أن يؤجل المعركة الإسلامية ويؤجل الدماء حتى قامت الدولة الإسلامية.

فهل لدى الحركة الإسلامية أكبر من هذا الهدف في هذه المرحلة. أن تقيم دولة الإسلام في أقل ما تستطيع من دماء. ولا تدع حلفا سياسيا أو عرفا جاهليا أو قانونا أرضيا إلا وتستخدمه لصالح هذا الهدف؟ ونستطيع أن نلخص بحث بيعة العقبة في النتائج التالية:

1 -

النشاط الإسلامي الدؤوب والسري في صفوف قيادات العدو وتحويلها إلى الخط الإسلامي هو هدف استراتيجي. ونجاح كبير للدبلوماسية الإسلامية. البراء، وعبد الله بن عمرو.

2 -

المحافظة على السرية التامة في التحركات أدعى ما يكون لنجاح أية خطة معدة.

3 -

الاستخبارات الإسلامية، أو جهاز الأمن للجماعة هو حاجة ماسة وأساسية في رصد تحركات العدو، والحيلولة بينه وبين اكتشاف أنشطة الحركة الإسلامية واجب تحتمه ظروف المعركة (علي رضي الله عنه. وأبو بكر. وحراستهما للطرق المؤدية للشعب).

4 -

الاستفادة من الطاقات والخبرات لغير المسلمين، والمأمونة الولاء للحركة الإسلامية، هو أمر متاح ومباح للحركة الإسلامية. بل واجب عليها حين لا يوجد إلا هذه الطاقات.

ص: 79

5 -

التمويه السياسي حيث يبقى للحركة الإسلامية رصيدها في التجمعات العادية وموثوقة فيها تستطيع أن تجعل الجماعة المسلمة في الصورة التامة عن أعدائها (4، 5 العباس).

6 -

القيادات ودورها الكبير في شرح أهداف الجماعة وخططها للقواعد العاملة في الصفوف هو الذي يضمن الكفاءة في التنفيذ والثقة المتبادلة بين القاعدة والقيادة.

7 -

وضع الكفاءات والطاقات في مكانها المناسب قمين بإنجاح خطط الجماعة المرحلية والبعيدة (رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلب لربه ولنفسه ما أحب).

8 -

وضوح الخطة وتفاصيلها وأهدافها وأبعادها شيء رئيسي يتم التعامل بموجبه بين القيادة والقاعدة، لتكون القاعدة على بصيرة مما تكلف به (البنود الخمسة).

9 -

الشخصية المسؤولة ذات الوزن الجماهيري والرصيد الشعبي يناط بها الرأي في المسؤولية (البراء).

10 -

التعرف على الإمكانات والخبرات الموجودة حقيقة لدى القواعد (نحن أبناء الحرب وأهل الحلقة).

11 -

التحديد الواضح لمسؤولية القيادة وانخراطها في صفوف القواعد وعدم التغرير والتوريط لهذه القواعد والانسحاب وتركها وحدها في الساحة (اعتراض أبي الهيثم).

12 -

إستجابة القيادات لرغبات قواعدها واتجاهاتهم وربط مصيرها بمصيرهم (أحارب من حاربتم).

ص: 80

13 -

تحديد أبعاد المعركة ونتائجها الخطيرة واحتمالاتها المتوقعة. وقيام البيعة على ضوء ذلك (حرب الأحمر والأسود من الناس، مفارقة العرب كافة، قتل الأشراف ونهكة الأموال والأعراض).

14 -

البيعة هي مع الله تعالى، والجزاء والثمن في هذه المرحلة هو الجنة (إن الله اشترى

بأن لهم الجنة)

15 -

النصر هبة من الله تعالى لجنوده عندما يأذن بذلك. ولا يمكن أن يبنى على أساسه بيعة في هذه المرحلة.

16 -

لا يمكن أن يقبل بهذه البيعة إلا المؤمنون المجاهدون. وغير المؤمنين لا يعتمد عليهم في هذه المرحلة.

17 -

الأصل في هذه المرحلة هو الاعتماد على القواعد داخل الصف أكثر من الاعتماد على التحالف خارج الصف.

18 -

لا بد من أخذ بيعة الحرب الواضحة من القواعد. فلا ينضم أحد إلا على بينة وعلى معرفة بتكاليف هذه البيعة من الرجال والنساء على السواء وبالطريقة النبوية.

19 -

عدم المبايعة على الحرب، لا تخرج الأخ خارج الصف. ففي بيعة النساء سعة للقاعدين: (بايعنني على أن لا تشركن

).

20 -

لكن فرز الأخ القاعد من الأخ المجاهد هو من الضرورة بمكان، لتعرف القيادة طاقاتها وتخطط على ضوئها وتوجه المعركة للحسم مع العدو من خلالها.

21 -

تحديد القيادة المسؤولة عن التنفيذ، أو ما يمكن تسميته بالقيادة الميدانية أو مجلس الحرب أمر لا مناص منه لنجاح أي معركة مع العدو ((النقباء)).

ص: 81

22 -

ومن مهام القيادة النيابة عن الأمير في أخذ البيعة ممن انتخبها لهذا المركز وأناط بها هذه المسؤولية.

23 -

ومن مهامها إزالة كل عوامل الفرقة وعوائق النمر، ورص الصف الواحد وتلاحمه ((من الأوس والخزرج)).

24 -

فكرة الانتخاب من مستويات معينة ومراعاة النسبة العددية. وضم الكفاءات العديدة للقيادة هو أمر شرعي قبل أن يكون اتجاها سياسيا.

25 -

تعميق خط الشورى وجعله الأساس الذي يحكم خط سير الجماعة. ((فاختاروا

)).

26 -

وقد تختلف بيعة القيادة لأميرها عن بيعة القاعدة لأميرها بحيث تختلف المهام بين المرحلتين.

27 -

وحدة الصف ليس من صنع القيادة بمقدار ما هو هبة من الله تعالى لها عند إخلاصها وتفانيها في سبيل الله. وكلما ارتفعت عن نوازعها وأهوائها أعطاها الله تعالى تلاحما أكثر، وانصهارا أكبر ((

وأالف بين قلوبهم

)).

28 -

لا يجوز أن نضخم من خطر العدو فالله تعالى هو الذي يمكر به، ويصرف كيده عن العصبة المؤمنة فلو أن كل قوى الأرض لا تريد لهذا الدين سيادة والله تعالى يريد، فإرادة الله تعالى نافذة (يريدون ليطفئوا نور الله

)

29 -

ولكن هذا لا يعني إغفال خطره. فمعسكر الشيطان ساهر ليل نهار، وقد يبرز لنا عدو لم يكن بالحسبان في لحظة مفاجئة. وقد يغدر حليف أو تكشف خطة. فالمحنة لا بد أن تأخذ أبعادها ولا تكون ردود الأفعال هي التي تحكم سير القيادة ولا الانشغال بمعركة جانبية أو هدف جزئي عن الهدف الأساسي.

ص: 82