الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
صلى الله عليه وسلم: مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ (1) .
فكيف يمكن الجمع بين اعتبار الرقى شركًا وبين الإذن النبوي بالاسترقاء والانتفاع بذلك؟
الجواب (2) : أن الرقى المنهي عنها هي الرقى التي فيها شرك أو توسّل بغير الله تعالى، أو ألفاظ مجهولة لا يُعرَف معناها، أما الرقى السليمة من ذلك فهي مشروعة، وهي من أعظم أسباب الشفاء، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: اِعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، لَا بَأْسَ بِالرُّقى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكُ (3) . وقوله صلى الله عليه وسلم: مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَنْفَعْهُ (4) ، وَقَدْ رَخَّصَ عليه الصلاة والسلام فِي الرُّقْيَةِ مِنَ الْعَيْنِ، وَالْحُمَةِ، وَالنَّمْلَةِ (5) .
28- النُّشْرة:
وهي لفظ يطلق ويراد به ما ينشّر (أي يُكشف ويزال به الضرر) عمن يُظنُّ أن به مس من الجن (6)، وتكون النشرة على أحد ضربين:
الأول: تعويذة مشروعة أو رقية جائزة مَقُولة أو مكتوبة (لتقرأ على المريض، ولينفث عليه بها، لا لتُعَلَّقَ وتكونَ تميمة)، ويقصد بهذه النُّشرة معالجة من كان به طِبُّ (أي: سحر أو عين أو مس أو عَصْب عن امرأته) .
والثاني: حل السحر عن المسحور؛ بسحر أو بألفاظ أعجمية، أو بطلاسم لا يُفهم معناها، أو بألفاظ شركية، ونحوه مما كان معهودًا من النُّشرة في الجاهلية.
فالنُّشرة الأولى لا بأس بها لما فيها من المصلحة وطلب المنفعة، وعدم المفسدة، بل ربما تكون مطلوبة لأنها مصلحة بلا مضرّة (7) .
وأما الثانية: فالتحقيقُ الذي لا ينبغي العدول عنه: أن استخراج السحر بسحر أو ألفاظ أعجمية أو بما لا يُفهم معناه، أو بنوع آخر مما
(1) أخرجه مسلم، كتاب السلام، باب: استحباب الرقية
…
، برقم (2199) ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.
(2)
الجواب مستفاد من كلامٍ للعلاّمة ابن باز رحمه الله، انظر: الفتاوى الذهبية في الرقى الشرعية، إعداد المؤلف ص 265.
(3)
أخرجه مسلم، كتاب: السلام، باب: لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك، برقم (2200) عن عوفِ بن مالكٍ الأشجعي رضي الله عنه.
(4)
التخريج السابق، وفي رواية:«فَلْيَفْعَلْ» .
(5)
أخرجه مسلم، كتاب: السلام، باب: استحباب الرقية من العين والنملة والحُمَة والنظرة، برقم (2196)، عن أنس رضي الله عنه. بلفظ:"رَخَّصَ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي الرُّقْيَةِ مِنَ الْعَيْنِ وَالْحُمَةِ وَالنَّمْلَةِ".
(6)
انظر: لسان العرب، لابن منظور (6/4424)، مادة: نَشَر.
(7)
المنقول هو من كلام العلامة ابن عثيمين رحمه الله. انظر: الفتاوى الذهبية ص 156. إعداد المؤلف.
لا يجوز، فإنه ممنوع (1) .
وعلى هذا التفصيل يُحمَل قول أهل العلم (2) الذين أجاز بعضهم النُّشرة - وعلل جوازها بحصول النفع، وكونها بالعربية - ومنهم الأئمة: سعيد بن المسيَّب، والمُزَنِيُّ، والشَّعبي، والطبري، وكذلك يفسّر بهذا التفصيل قولُ من منعها منهم كالحسن البصري، وابن تيمية وابن القيم عليهم رحمة الله جميعًا.
ومن أدلة جواز النشرة (بالمعنى الذي سلف) :
قول النبي صلى الله عليه وسلم، حين سألته السيدة عائشة رضي الله عنها: أفلا؟ - أي تنشَّرْتَ - فقال عليه الصلاة والسلام: أَمَّا اللهُ فَقَدْ شَفَانِي اللهُ، وَأَكْرَهُ أَنْ أُثيرَ عَلَى أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ شَرًّا (3) . وكان ذلك حين أبطل النبي صلى الله عليه وسلم سحرًا، جُعِل في بئر ذروان، - (أو: ذي أروان) - أبطله بالمعوذتين ثم أَمَرَ بالبئر فدُفنَتْ. وكان الذي صنع ذلك السحر رجل من بني زُريقٍ منافق حليف ليهود، يدعى لَبيد بن الأعصم.
ووجه الاستدلال في ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر على السيدة عائشة سؤالها، ثم إنه صلى الله عليه وسلم لم يذكر حرمة النشرة، مع أن الموضع موضع بيان الحكم، مع شدة الحاجة إليه، فعُلم بذلك مشروعيتها. والله أعلم.
وقد سأل قتادةُ سعيدَ بن المسيَّب قائلاً: رجل به طبٌّ أو: يؤخذ عن امرأته، أَيُحلّ عنه أو ينشَّر؟ قال: لا بأس به، إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما ينفع الناس فلم يُنْهَ عنه. اهـ (4) .
(1) انظر: أضواء البيان، للإمام الشنقيطي رحمه الله (4/505) .
(2)
ممن ذهب إلى هذا التفصيل الإمام ابن القيم رحمه الله، انظر: إعلام الموقعين: (4/396) .
(3)
جزء من رواية مطولّة، سبق ذكرها بتمامها وتخريجها ص53 بالهامش ذي الرقم (1) .
(4)
قول ابن المسيّب - عند البخاري -، وهو في الرواية المخرّجة أيضًا ص53 بالهامش ذي الرقم (1) .