الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ف
الأول: احفظ الله بتحقيق الإخلاص في توحيده
سبحانه.
والثاني: احفظ الله في تعظيمه بالإكثار من ذكره.
والثالث: احفظ الله في التزام تقوى الله تعالى، وبتسخير جوارحك في الاجتهاد بالعمل بمراضيه سبحانه، واجتناب نواهيه.
الرابع: احفظ الله بالاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ بالتزام أفعال مخصوصة أرشدت إليها السنة النبوية الكريمة.
أما الأول من التحصينات، فهو في تحقيق الإخلاص في توحيده سبحانه:
ويكون ذلك باليقين الجازم بعظمة الله عز وجل وقَدْره حقَّ قدره، وإفراده سبحانه بالعبادة، والاعتقاد بأنْ لا استحقاق في شيء منها لأحد غيره، وذلك بتوحيد الله في ربوبيته وإلهيته وأسمائه الحسنى وصفاته العُلى، وهذا - لو تحقق في قلب عبد - لأغناه عن الاسترقاء، فضلاً عن تحصينه من الشرور والآفات. ذلك أن هذا التوحيد هو مبنى التوكل على الله، وهو درع حصين وسلاح مكين لا يمكن لمخلوق أن يتسلل إليه، أو يقارب حِماه، إذ إن صاحبه لا يستعيذ إلا بالله، ولا يستغيث إلا بالله، ولا يستعين إلا بالله، ولا يطلب نفعاً إلا من الله، ولا يستدفع ضراً إلا بالله، ولا يتقرب إلا لله، فلو عزمت - أخي القارئ - في
جلسة تفكّر على استحضار حقيقة هذا الإخلاص في قلبك، ثم عزمت بحول الله وقوته على متابعة هدي النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، لاستقر - بإذن الله - معنى الإخلاص في قلبك، إذ لا خلاص بغير الإخلاص، وبقدر استحضارك ذلك وعزمك على المتابعة، وترك الابتداع يزداد إيمانك، فيكون القلب إذ ذاك قلعة مَصُوناً، تضعف أمامها حملات الإغارة الشيطانية، فيكون كيده كأضعف ما يكون، بل قد يفر منك فراراً، ويحذِّر الخلق من الاقتراب منك كي لا تفسد عليه مداخله عليهم!!
إن النظر في آيات الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم يرشد إلى حقيقة أن الإخلاص هو حقيقة الإيمان، ومبنى رفعته، وهو صفة المصطفَيْن الأخيار من عباد الله الصالحين، فتأمّل معي - أخي الحصيف - هذه النصوص المباركة:
-
…
-
…
وقال سبحانه: [الزُّمَر: 14]{قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي *} .
- وقال جل ذكره: [غَافر: 14]{فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ *} .
-
…
وقال تبارك اسمه: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ *إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ *} .
-
…
وقال عز وجل: [الحِجر: 39-42] {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأَُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ *إِلَاّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ *قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ
مُسْتَقِيمٌ *إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَاّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ *} .
فانظر - رعاك الله - إلى عجز إبليس وجنده، وضعفهم عن مجرد إغواء من اتصف بالإخلاص، فكيف بضرّهم أو الاستحواذ عليهم؟! بل إن الشياطين تجتنب الطريق التي يمر بها العبد المخلص، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سَالِكاً فَجَّاَ إِلَاّ سَلَكَ فَجّاً غَيْرَ فَجِّكَ (1) وكما بشّر به رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرَ بقوله: إَنَّ الشَّيْطَانَ لَيَخَافُ مِنْكَ يَا عُمَرُ (2) .
والإخلاص - كما ذكرنا آنفًا - هو مبنى التوكل وحقيقته، فلا يضر المتوكلَ شيء، ولا حاجة له لرقية مِنْ ضُرٍّ أصابه، بل إنه - بما استجمع من إخلاص في توحيد الله - يأتيه الشفاء بلا دواء ولا اكتواء ولا استرقاء، وهذا حال بعض عباد الله الصالحين المتوكلين، لكن ذلك لا ينافي وجوبَ التداوي وجواز الاسترقاء، فليس جميع الأمة قد تبوَّؤوا تلك المنزلة السامقة والدرجة الرفيعة في الإخلاص، فعلى قدر ما يبلغ بك الحال في إخلاص التوحيد، تبلغ بذلك تحصين قلبك، والدرءَ عن نفسك، فاجتهد - رحمك الله - في تحقيق ذلك. هذا، ولم يستكمل من هذه الأمة إخلاصهم لله إلا ثلة مباركة، وقد بُشّروا بشفاء من غير
(1) جزء من حديث متفق عليه من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، أخرجه الشيخان مطولاً؛ البخاري: كتاب: بدء الخلق، باب: صفة إبليس وجنوده، برقم (3294)، وفي مواضع عدة من صحيحه. ومسلم؛ كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل عمر رضي الله عنه برقم (2396) .
(2)
أخرجه الترمذي - وصحّحه -؛ كتاب: المناقب، باب [قوله صلى الله عليه وسلم:«إن الشيطان ليخاف منك يا عمر» ] ، برقم (3690) ، عن بُرَيْدَةَ رضي الله عنه.
دواء ومعافاة من غير اكتواء، وبإذهاب ضر مسهم من غير استرقاء، كما في قول نبي الله صلى الله عليه وسلم:«يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفاً بِغَيْرِ حِسَابٍ» قالوا: ومن هم يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم: «هُمُ الَّذِينَ لَا يَكْتَوُونَ، وَلَا يَسْتَرقُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» (1) .
اللهم إنا لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، اللهم اجعلنا من عبادك المخلَصين، المتوكلين عليك حق التوكل، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، سِلْماً لأوليائك، حرباً على أعدائك، واحفظنا بحفظك من كيد الشياطين، وممن اتبعهم من الغاوين، آمين.
وأما الثاني من التحصينات - بإذن الله - فيكون في تعظيم الله بالإكثار من ذكره سبحانه:
-
…
ومن أعظم أنواع الذكر المحصّنة لقلب المؤمن، والتي ينبغي له الاشتغال بها: تلاوة القرآن الكريم، مع الاجتهاد في تدبُّره وحفظه، فإن ذلك سمت أهل الله وخاصّته، وهو من أعظم ما يجتهد الشيطان في الصدّ عنه، لذا فقد أمرنا الله جلّ ذكره بالاستعاذة عند شروعنا بالتلاوة، قال الله تعالى:[النّحل: 98-100]{فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ *إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ *إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ *} .
(1) جزء من حديث أخرجه البخاري بطوله؛ كتاب: الرِّقاق، باب: يدخل الجنة سبعون ألفاً بغير حساب، برقم (6541)، عن عبد الله بن العباس رضي الله عنهما. ومسلم - واللفظ له - في كتاب: الإيمان، باب: الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب، برقم (218) ، عن عمران بن حُصين رضي الله عنه.
وقال عزّ ثناؤه مخاطباً نبيَّه صلى الله عليه وسلم: [الإسرَاء: 45-46]{وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا *وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا *} .
ومما لا يخفى مزيد فضلِ بعض سور القرآن الكريم، كما بعض آياته، التي صحّ بمزيد فضلها النصُّ، أما السور، فمنها:
1-
…
فضل سورة الفاتحة، ويتلوها المؤمن سبع عشرة مرة في صلواته من اليوم والليلة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} : هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيْتُهُ» (1) .
ومن فضلها العظيم أنها رقية مشروعة، قد أقرّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم نفراً من الصحابة رضي الله عنهم، رقَوْا بها - مجتهدين في كونها رقية - سيدَ حيٍّ من أحياء العرب، كان قد لُدِغ، فشفي، فقال صلى الله عليه وسلم للراقي - وهو أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ (2) .
2-
…
تلاوة سورة البقرة بتمامها في البيت، فتكون حصناً حصيناً لأهله؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ، إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ
(1) أخرجه البخاري؛ كتاب: التفسير، باب: ما جاء في فاتحة الكتاب، برقم (4474) ، عن أبي سعيد بن المعلّى رضي الله عنه.
(2)
مستفاد - اختصاراً - من حديث أخرجه البخاري؛ كتاب: الإجارة، باب: ما يُعطى في الرقية على أحياء العرب بفاتحة الكتاب، برقم (2276)، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. ومسلم؛ كتاب: السلام، باب: جواز أخذ الأجرة على الرقية بالقرآن والأذكار، برقم (2201) ، عنه أيضًا.
مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ» (1) .
وقال عليه الصلاة والسلام في فضلها أيضاً: «اقْرَؤُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ» (2) . فهي حصن حصين يبطل أعمال السَّحَرة الأشرار، وكيد أتباعهم الفجّار.
3-
…
ومن السور الداعية لِتَنَزُّل السَّكينة على قلب المؤمن، سورة الكهف، وقد قال عليه الصلاة والسلام لمن تنزلت عليه سحابة غَشِيَتْه عند قراءته لها،:«اقْرَأْ، فَإِنَّهَا السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ لِلْقُرْآنِ» (3) .
4-
…
ومن فُضليات السور أيضاً سورة (الكافرون) ، فإنها براءة من الشرك، ولا تدع للشيطان على الإنسان سلطاناً البتة، وقد أمر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم نوفلَ بن معاوية رضي الله عنه، أن يتلوها إذا أوى إلى
(1) أخرجه مسلم؛ كتاب: صلاة المسافرين وقَصْرِها، باب: استحباب صلاة النافلة في بيته، وجوازها في المسجد، برقم (780) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه. كما أخرجه أحمد في مسنده بلفظ «يفر» بدل «ينفر» ، في مواضع عدة منها، في مسند المكثرين، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. برقم (7808) ، وبرقم (9030) . والترمذي بنحوه، أبواب فضائل القرآن، باب: ما جاء في سورة البقرة وآية الكرسي، برقم (2877) ، عن أبي هريرة أيضاً رضي الله عنه.
(2)
هذا جزء من حديث أخرجه مسلم بطوله؛ كتاب: صلاة المسافرين وقَصْرِها، باب: فضل قراءة القرآن وسورة البقرة، برقم (804) ، عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه. و «البَطَلة» ، هم السحرة، كما ذكره معاوية بن سلام، (أحد رواة الحديث) .
(3)
متفق عليه من حديث البراء بن عازبٍ رضي الله عنه: أخرجه البخاري؛ كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام، برقم (3614)، ومسلم؛ كتاب: صلاة المسافرين وقَصْرِها، باب: نزول السكينة لقراءة القرآن، برقم (795) .
فراشه، بقوله صلى الله عليه وسلم «قُلْ {قل يا أيها الكافرون} ، ثُمَّ نَمْ عَلَى خَاتِمَتِهَا فَإِنَّهَا بَرَاءَةٌ مِنَ الشِّرْكِ» (1) .
5-
…
ومن السور الكريمات المحصِّنات: سورة الإخلاص والمعوِّذتان، إذا قرئت ثلاثاً، وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن خُبيب رضي الله عنه:«قُلْ {قل هو الله أحد} وَالْمُعوِّذَتَيْنِ حِينَ تُمْسِي وَتُصْبِحُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ تَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ» (2) .
كما أن سورة الإخلاص تعدل ثُلُثَ القرآن، لقوله صلى الله عليه وسلم «إِنِّي قُلْتُ لَكُمْ سَأَقْرَأُ عَلَيْكُمْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ، أَلَا إِنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ» (3) ، حيث قرأ صلى الله عليه وسلم على الناس حين احتشدوا سورة الإخلاص.
(1) أخرجه أبو داود بلفظه؛ كتاب: الأدب، باب: ما يقول عند النوم، برقم (5055)، عن نوفل الأشجعي رضي الله عنه. والترمذي؛ كتاب: الدعوات، باب: ما جاء في من يقرأ من القرآن عند المنام، برقم (3403) ، عن فروة بن نوفل، وكذلك عن نوفل رضي الله عنهما. حسّنه الألباني. انظر: صحيح الترمذي (2709) .
(2)
أخرجه أبو داود؛ كتاب: الأدب، باب: ما يقول إذا أصبح، برقم (5082)، عن عبد الله ابن خُبيب رضي الله عنه. والترمذي - وصحّحه -؛ كتاب: الدعوات، باب: الدعاء عند النوم، برقم (3575) ، عنه أيضاً.
(3)
كما في البخاري؛ كتاب: فضائل القرآن، باب: فضل: {قل هو الله أحد} ، برقم (5013) بلفظ:«والذي نفسي بيده، إنها لتعدل ثلث القرآن» . وفي كتاب الأَيْمان والنذور، باب: كيف كانت يمين النبي صلى الله عليه وسلم، برقم (6643) ، وأيضاً في كتاب التوحيد، باب: ما جاء في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى توحيد الله تبارك وتعالى: برقم (7375) ، وجمعيها عن أبي سعيد الخُدْري رضي الله عنه.
…
وأخرجه مسلم بنحوه، في مواضع من كتاب: صلاة المسافرين وقَصْرِها، باب: فضل قراءة {قل هو الله أحد} ، برقم (811) ، عن أبي الدرداء رضي الله عنه، وبرقم (812) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
وكذلك، فإن المعوذتين رقية شرعية للمريض، كما صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كَانَ إِذَا اشْتَكى - أي: مَرِض - نَفَثَ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ، فَلَمَّا اشْتَكى وَجَعَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ صلى الله عليه وسلم جَعَلَتِ السَّيِّدَةُ عَائِشَةُ رضي الله عنها تَنْفُثُ عَلَى نَفْسِهِ صلى الله عليه وسلم بِالْمُعَوِّذَاتِ، وَتَمْسَحُ بِيَدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَنْهُ [رَجَاءَ بَرَكَتِهَا](1) .
وأما الآيات الكريمات، التي تقي تلاوتها - بإذن الله - من صنوف الشرور.
فأولها: آية الكرسي، وذلك لما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله لأبيِّ ابن كعبٍ رضي الله عنه، «يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، أَتَدْرِي أَيَّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟» قلت: الله ورسوله أعلم، قال:«يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، أَتَدْرِي أَيَّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟» ، قُلْتُ:{اللَّهُ لَا إِلهَ إِلَاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ..} قال: فَضَرَبَ فِي صَدْرِي وقال: «وَاللهِ لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ» (2) .
وتلاوة هذه الآية هي أعظم سبب لحفظ الله تعالى لعبده، ولحجز الشياطين كافة عمن يقرأها، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: وكّلني
(1) أخرجه البخاري في مواضع عدة منها - بهذا اللفظ - في كتاب المغازي، باب: مرض النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته صلى الله عليه وسلم، برقم (4439)، عن عائشة رضي الله عنها. ومسلم؛ كتاب: السلام، باب: رقية المريض بالمعوّذات والنفث، برقم (2192) ، عنها أيضاً. وما بين معقوفين عند مسلم رحمه الله.
(2)
أخرجه مسلم؛ كتاب: صلاة المسافرين وقَصْرِها، باب: فضل سورة الكهف وآية الكرسي، برقم (810) ، عن أبيّ بن كعب رضي الله عنه.
…
وأخرجه أحمد في المسند، (5/58) ، عن رجل من أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم، هو أبيٌّ رضي الله عنه.
رسول صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان فأتاني آتٍ فجعل يحثو من الطعام، فأخذتُه فقلت: لأرفعنّك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: - ذلك الشيطان اللص -: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي، فإنه لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تُصبح، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ، ذَاكَ شَيْطَانٌ (1) .
ومن ذلك أيضاً، الآيتان من خواتيم سورة البقرة، وهي قوله تعالى:{آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ *لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَاّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ *} [البَقَرَة: 285-286] .
فقد صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنهما تكفيان من قرأهما من غائلات الليل، قال صلى الله عليه وسلم:«الآْيَتَانِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، مَنْ قَرَأَهُمَا فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ» (2) .
(1) أخرجه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، مطولاً، في كتاب: الوكالة، باب: إذا وكّل رجلاً فترك الوكيل شيئاً فأجازه فهو جائز
…
، برقم (2311)، وباختصار - وهو اللفظ المختار -؛ في كتاب: بدء الخلق، باب: صفة إبليس وجنوده، برقم (3275) ، عنه أيضاً.
(2)
أخرجه البخاري؛ كتاب: فضائل القرآن، باب: فضل سورة البقرة، برقم (5009)، عن أبي مسعود البدري الأنصاري رضي الله عنه. ومسلم؛ كتاب: صلاة المسافرين وقَصْرِها، باب: فضل الفاتحة وخواتيم البقرة....، برقم (807) ، عنه أيضاً. واللفظ لمسلم رحمه الله.
-
…
ومن صنوف الشرور العظمى التي يتحصن المسلم منها فتنة (المسيح الدجّال) ، ويكون ذلك التحصن بحفظ عشر آيات من أول سورة الكهف، وعشرٍ من آخرها. وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم:«مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ [مِنْ آخِرِ] سُورَةِ الْكَهْفِ عُصِمَ مِنَ الدَّجَّالِ» (1) .
لقد تفضّل الله تعالى على المؤمن بهدايته للإيمان، وإن تلاوة ما ذُكر آنفًا من السور والآيات لم يكن لينفع قارئه، النفع التام، إلا إذا صدر عن قلبٍ مخلَّصٍ من شوائب الشرك، ولوثات الرياء، فاحرص على حفظ النعمة العظمى، والمنة الكبرى: نعمة الإيمان، فهي الحصن الحصين، وهي التي تُحِيل النطق بالأذكار - ومن أعظمها تلاوة آيات الله تعالى - من مجرد قولٍ لكلمات يلهج بها اللسان، إلى أنوار من الهدى تحمي القلب فيطمئن بها، وتُبصِّره بالحق فيعقله فيتدبّر عندها هوان الدنيا، وحسن ثواب الآخرة، وتزكو نفسه، فتتلبسها السكينة، ويجلّلها الفلاح، وإن نعمة الإيمان هي التي تكشف للروح معنى النفخة العلوية والخِلْقة السويّة التي أسجد الله تعالى ملائكته الكرام بسببها لآدم عليه السلام، كما تكشف للروح شدة عداوة إبليس لبني آدم عليه السلام، وتكبُّرَه الذي حجب عنه كل خير، وأحاله رجيماً مذؤوماً مدحوراً، ملعوناً، مُتوعَّداً بأشد العذاب، إذا عقل القلب ذلك اتخذت الروحُ عندها الشيطانَ عدواً، وحذِرَتْ مكايده، وحصَّنَتِ النفس من مداخله، ولا يقتصر أمرها على ذلك، بل إن هذه النعمة العظمى تلقي
(1) أخرجه مسلم؛ كتاب: صلاة المسافرين وقَصْرِها، باب: فضل سورة الكهف وآية الكرسي، برقم (809) ، عن أبي الدرداء رضي الله عنه.
…
قال مسلم رحمه الله: قال شعبة: من آخر الكهف، وقال همّام، من أول الكهف. اهـ.
السرور والحبور في مناحي القلب، فيأمر القلبُ الجسدَ بحسن الامتثال للوهّاب، وبشدة الكراهية لمخالفة أمره، فتمتثل الجوارح عندها بالعبادة فيحقق العبد غاية وجوده، والحكمة من خلقه، فيعبد ربّه حق العبادة، ويتوكل عليه حق التوكل. وهاك - مكرماً - من آيات الله تعالى، ما يبين لك عظم هذه النعمة، ولتعلم أن المؤمن في أمان الله، فلا تسلط لشيطانٍ عليه، فهو في كنف الله وحفظه.
قال الله تعالى: [الحُجرَات: 17]{يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ *} .
وقال سبحانه: [الشّورى: 52]{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقَيمٍ *} .
وقال عز وجل: [الرّعد: 28]{الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ *} .
وقال عزّ شأنه: [الحَجّ: 46]{أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ *} .
وقال جلّ ثناؤه: [الحُجرَات: 7-8]{.. وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ *فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ *}
وقال تقدست أسماؤه وجلّت صفاته: [الذّاريَات: 56-58]{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَاّ لِيَعْبُدُونِ *مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ *إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ *} .
وقال تعالى جَدُّه: [الحِجر: 42]{إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَاّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ *} .
أخي القارئ الكريم، إذا عرفت قدر تلاوة آيات الله تعالى في مقام الأذكار المُحَصِّنة، وارْتَضْتَ في رَوْضِها، ورتَّلْتَها ترتيلاً آناء الليل وأطراف النهار، فهاك باقةً عطرة من أذكار نبوية شريفة، فاح شذاها من محبة النبي صلى الله عليه وسلم لأمته، ومزيد رحمته ورأفته بهم، وإشفاقه عليهم من أن تَجَاذَبَهُمْ أهواؤهم، وتأمَّر عليهم نفوسُهم بالسوء، ويُضِلَّهم قرناؤهم من شياطين الإنس والجن. قال تعالى:[التّوبَة: 128]{لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ *} . وقد دلنا عليه الصلاة والسلام على أن الخلق جميعَهم عجَزَة لا يملكون ضراً ولا نفعاً إلا بإذن الله، فهو سبحانه يُجري - إن شاء - ذلك على أيديهم، وأن القلم قد جرى في علم الله عز وجل بما هو لنا أو علينا، فالتعويل كله على إرادة الله وقدرته سبحانه، قال عليه الصلاة والسلام: «وَاعْلَمْ أَنَّ الأُْمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى
أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ، لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَاّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَاّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَْقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ» (1) . فإن استقر هذا المعنى في فؤادك حصل لك انتفاع تام بالأذكار النبوية، وتحصنت بها بإذن الله، فلا يضرك شيء بعدها يقيناً، بل ولا يجرؤ مخلوق على ضُرِّك، فإن أهل الحصن لا ينعمون بالاطمئنان والأمان إلا إذا وقف عند أبواب أسوارهم جند أشاوس يخشى العدو من مجرد التفكير بغزوهم، هذا مَثَلُ قلب المؤمن وقد أيقن بعزة الله سبحانه، ولهج لسانه بما أرشده إليه نبيه صلى الله عليه وسلم.
وهذه التحصينات بالأذكار النبوية على نوعين اثنين:
1-
…
تحصينات بذكر الله تعالى، عند الإصباح والإمساء.
2-
…
تحصينات في أحوالٍ يتقلَّب فيها المؤمن.
أولاً: أما التحصينات بأذكار الإصباح والإمساء، فقد حفلت بإيراد ما صح منها كتبُ السنّة المطهّرة (2) ، وليس الغرض استقصاءها، لكن أختار منها، مبيناً فضلها تفصيلاً بحسب ما يقتضيه المقام:
1-
…
تلاوة آية الكرسي: [البَقَرَة: جزء من الآية 255] {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ
…
} ، فهي أعظم آية في كتاب الله تعالى (3) ، وهي
(1) جزء من حديث سبق ذكره بتمامه، وتخريجه ص (111) ، بالهامش ذي الرقم (1) .
(2)
قد جمعت - بحول الله وقوته - ما تيسر من الأذكار عامة، ومن أذكار الإصباح والإمساء خاصة، بهيئة مفصلة، في مؤلّف سميته:«منتقى الأذكار» فانظره إن أحببت مزيد فائدة.
(3)
كما في مسلم وغيره؛ عن أبيّ بن كعب رضي الله عنه، وقد تقدّم تخريجه ص119، بالهامش ذي الرقم (2) .
الكلمات النافعة التي لا يزال على قارئها من الله حافظ، ولا يقربه شيطان (1)، وإن فيها وفي قوله تعالى:[آل عِمرَان: 1-2]{الم *اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ *} ، اسم الله الأعظم (2) ، وآية الكرسي مكتوبة تحت العرش (3) ، وفضلها يكاد لا يحصى.
(1) كما في البخاري، وقد مرَّ تخريجه ص120 بالهامش ذي الرقم (1) .
…
قال الحافظ ابن حجر في الفتح: (4/487، 488) : هكذا أورد البخاري هذا الحديث هنا - أي: في كتاب الوكالة - ولم يصرّح فيه بالتحديث، وزعم ابن العربي أنه منقطع، وأعاده - أي البخاري - في صفة إبليس وفي فضائل القرآن، لكن باختصار -[وقد وصله النَّسائي - أي: في عمل اليوم والليلة وليس في السنن الصغرى، كما ذكره العينيُّ في عمدة القاري (10/145) -، والمِزِّي في تحفة الأشراف (10/349) ]- وأبو نُعيم من طرق إلى عثمان المذكور - أي: ابن الهيثم (أبو عمرو) -، وذكرتُه - أي الإمام ابن حجر رحمه الله في «تغليق التعليق» (3/296) ، من طريق عبد العزيز بن منيب، وعبد العزيز بن سلام، وإبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، وهلال بن بشر الصوّاف، ومحمد بن غالب الذي يقال له: تمتام، وأقربهم لأن يكون البخاري أخذه عنه - إن كان سمعه من ابن الهيثم، هو هلال بن بشر، فإنه من شيوخه، أخرج عنه في «جزء القراءة خلف الإمام» . اهـ. كلام الحافظ رحمه الله. وقد أشار رحمه اللهإلى هذه الرواية كذلك في «هدي الساري» ص42. فليراجع.
فائدة: إن سبب ورود الحديث، حادثة تكررت لاثنين من الصحابة، رضي الله عنهما، أبي هريرة، وأبي أيوب الأنصاري، مفاد الأولى تعدي شيطانٍ على مال الصدقة، وقد كان أبو هريرة حارساً عليها، فلما أن أَسَرَه، علّمه أن يقرأ آية الكرسي، ودله على فضلها، والثانية: وهي عند الترمذي برقم (2880) ، وأحمد برقم (23990) مفادها أن غُوْلاً (جنس من الجن والشياطين) ، كان يسرق تمراً لأبي أيوب كان يضعه في سَهْوة له (طاق في الحائط يوضع فيه الشيء) ، فلما أَسَرَه أبو أيوب، علَّمه أن يقرأ آية الكرسي، كي لا يقربه شيطان بعد ذلك.
(2)
كما في حديث أسماء بنت يزيد رضي الله عنهما، عند الترمذي - مصحَّحًا - برقم (3478) ، وأبي داود، برقم (1496) .
(3)
كما في جزء من حديث، في مسند أحمد (5/26) ، من حديث معقل بن يسار رضي الله عنه، وفيه: «وَاسْتُخْرِجَتْ {لا إله إلا هو الحي القيوم} مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ فَوُصِلَتْ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ
…
» الحديث.
2-
…
تلاوة سورة الإخلاص، والمعوذتين.
أما الإخلاص، فهي تعدل ثلُث القرآن (1) ، ومن فَقِهَ معناها وأحبّ أن يقرأ بها أحبَّه الله عز وجل (2) ، وهي سبب موجب - برحمة الله - لدخول الجنة (3) ، ومن دعا بها فقد دعا الله عز وجل باسمه الأعظم، الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دُعي به أجاب (4) ، وهي حصن مع المعوذتين، تكفي من كل شيء (5) ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في ركعتي سُنَّة الفجر {قل يا أيها الكافرون} ، و {قل هو الله
(1) كما في الحديث الذي سبق تخريجه ص 118 بالهامش ذي الرقم (3) .
(2)
كما في البخاري ومسلم، أما البخاري ففي مواضع منها: في كتاب فضائل القرآن، باب: فضل {قل هو الله أحد} برقم (5013) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. وفي كتاب: التوحيد، باب: ما جاء في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى توحيد الله تبارك وتعالى، برقم (7375)، عن عائشة رضي الله عنها. وأما مسلم؛ ففي كتاب: صلاة المسافرين وقصرِها، باب: فضل قراءة {قل هو الله أحد} برقم (813) ، عنها أيضاً.
(3)
كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه في سنن النسائي، وجامع الترمذي. أما النسائي؛ ففي كتاب الافتتاح، باب: الفضل في قراءة ُ س ش ص ضء ـ! ! ِ برقم (995)، وأما الترمذي؛ ففي كتاب: فضائل القرآن، باب: ما جاء في سورة الإخلاص وسورة إذا زُلزلت، برقم (2897) .
(4)
كما في سنن أبي داود؛ كتاب: الصلاة، باب ما يقول بعد التشهّد، برقم (985) ، عن محجن بن الأدرع رضي الله عنه. وكذا في سنن الترمذي - وحسّنه -؛ كتاب الدعوات، باب: ما جاء في جامع الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، برقم (3475) .
…
وهو عند أحمد في مسنده، في مسند الأنصار، من حديث بريدة الأسلمي رضي الله عنه، - مطوّلاً - برقم (23340) ، ومختصراً برقمي (23353) ، (23429) .
(5)
كما أخرج أبو داود؛ في كتاب: الأدب، باب: ما يقول إذا أصبح، برقم (5082)، عن خبيب رضي الله عنه. والترمذي؛ كتاب: الدعوات، باب: الدعاء عند النوم، برقم (3575)، عنه أيضاً. وقال: حديث حسن صحيح.
أحد} (1) .
وأما سورتا الفلق والناس، فهما السورتان المعوِّذتان (2) ، ما تعوّذ متعوِّذٌ بمثلهما، ويستحب أن يقرأ بهما في صلاة الصبح (3) ، وكذلك في أدبار الصلوات (4) ، وحين الإصباح والإمساء مع الإخلاص ثلاث مرارٍ - كما مرّ آنفاً -، كما يقرأ المؤمن بذلك جميعه وينفث بهما في كفيه إذا أوى إلى فراشه، ويتعوذ بهما عند شكايته المرض، ويرقي بهما نفسه عند نزول المرض، كل ذلك
(1) كما في مسلم؛ كتاب: صلاة المسافرين وقَصْرِها، باب: استحباب ركعتي سنة الفجر
…
، برقم (726) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(2)
تسمية السورتين بالمعوِّذتين، ورد فيه أحاديث عدة، منها، قوله صلى الله عليه وسلم:«قل: ُ س ش ص ضء ـ! ! ِ والْمُعَوِّذَتَيْنِ حِينَ تُمْسِي وَحِينَ تُصْبِحُ (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) تَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ» ، وقد مرّ تخريجه ص118 بالهامش ذي الرقم (2) . وقد سمى الصحابة السورتين بالمعوّذتين اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم منهم: عائشة، في وصفها لقراءة النبي صلى الله عليه وسلم بالإخلاص وبالمعوّذتين في الركعة الثالثة من الوتر. كما أخرجه أحمد في المسند (6/227) . وأبو سعيد الخدري بقوله:«كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَتَعَوَّذُ مِنَ الْجَانِّ وَعَيْنِ الإِْنْسَانِ، حَتَّى نَزَلَتِ الْمُعَوِّذَتَانِ، فَلَمَّا نَزَلَتَا أَخَذَ بِهِمَا وَتَرَكَ مَا سِوَاهُمَا» ، كما في الترمذي، برقم (2058) ، والنسائي، برقم (5496) ، وابن ماجَهْ، برقم (3511) .
(3)
ذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعقبة بن عامر رضي الله عنه: «يَا عُقْبَةُ، تَعَوَّذْ بِهِمَا، فَمَا تَعَوَّذَ مُتَعوِّذٌ بِمِثْلِهِمَا» . وقال عقبةُ: وسمعته يؤمُّنا بهما في الصلاة. أخرج ذلك أبو داود في كتاب: الوتر، باب: في المعوِّذتين، برقم (1463)، عن عقبة رضي الله عنه. والمقصود بالصلاة في الرواية: صلاة الصبح، كما صرّح به عقبة رضي الله عنه، عند أبي داود أيضاً برقم (1462) .
(4)
وذلك لأمره صلى الله عليه وسلم عُقْبَةَ رضي الله عنه بتلاوتها. كما أخرج أبو داود؛ في كتاب: الصلاة، باب: في الاستغفار، برقم (1523) . والترمذي، كتاب: فضائل القرآن، باب: ما جاء في المعوِّذتين، برقم (2903) وقال: هذا حديث حسن غريب، والنسائي؛ كتاب السهو، باب: الأمر بقراءة المعوّذات بعد التسليم، برقم (1337) .
اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم (1) .
3-
…
قول: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) ، عشر مرارٍ أو مائة مرّة. فمن قالها (عشراً) كان كمن أعتق رقبةً من ولد إسماعيل عليه السلام. ومن قالها (مائةً) كتبت له مائة حسنة، ومحي عنه مائة سيئة، ثم كانت له حِرْزاً من الشيطان في يومه ذاك حتى يمسي (2) .
4-
…
قول: «سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته» (ثلاث مرات) ، وهذه لو وزنت بما يقوله المؤمن من أذكار منذ انقضاء صلاة الفجر إلى وقت الضحى، لوزنتهن (3) .
5
(1) أما القراءة بهما وبسورة الإخلاص - عند النوم - فلفعله صلى الله عليه وسلم، عن عائشة رضي الله عنها، قالت:«كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ، نَفَثَ فِي كَفَّيْهِ بِقُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ وَبِالْمُعَوِّذَتَيْنِ جَمِيعاً، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ، وَمَا بَلَغَتْ يَدَاهُ مِنْ جَسَدِهِ، فَلَمَّا اشْتَكَى صلى الله عليه وسلم كَانَ يَأْمُرُنِي أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ بِهِ» . أخرج ذلك البخاري في مواضع عديدة من صحيحه؛ منها في كتاب: الطب، باب: النفث في الرقية، برقم (5748) . كما أخرجه مسلم؛ كتاب: السلام، باب: رقية المريض بالمعوّذات والنَّفْث، برقم (2192) . وجميع ذلك عن عائشة رضي الله عنها.
(2)
كما أخرج البخاري في كتاب: الدعوات، باب: فضل التهليل، برقم (6403) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه. وبرقم (6404)، عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه. ومسلم؛ كتاب: الذِّكر والدعاء، باب: فضل التهليل والتسبيح والدعاء، برقم (2693) ، عنه أيضاً.
(3)
كما أخبر بذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، بقوله لأم المؤمنين جويرية رضي الله عنها، حين مكثت من بعد صلاة الصبح جالسة في مسجدها تذكر الله تعالى إلى أن أضحت:«لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ الْيَوْمَ لَوَزَنَتْهُنَّ، سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَا نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ، وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ» . أخرجه مسلم؛ كتاب: الذكر والدعاء، باب: التسبيح أول النهار وعند النوم، برقم (2726) ، عن جويريةَ رضي الله عنها.
-
…
ثم يَشْرع بالصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، بقوله: اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى [إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى] آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى [إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى] آلِ إِبْرَاهِيمَ (فِي الْعَالَمِينَ) ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (1) . يكررها عشراً، أو يكثر منها ما شاء، لقوله صلى الله عليه وسلم: مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْراً (2) ، كما أنه يستحب للمؤمن أن يكثر جداً في يوم الجمعة وليلتها من الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك امتثالاً لأمره صلى الله عليه وسلم بقوله صلى الله عليه وسلم: إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ عليه السلام، وَفِيهِ قُبِضَ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ، وَفِيه الصَّعْقَةُ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلاةِ فِيهِ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ (3) .
6-
…
قول أفضل الاستغفار وسيِّده، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «اللهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَاّ أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ،
(1) أخرجه البخاري؛ كتاب: أحاديث الأنبياء، بابٌ بعد باب:(يزفُّون) ، برقم (3370)، عن كعب بن عجرة رضي الله عنه. وكذلك في مواضع عدة من صحيحه. وأخرجه مسلم؛ كتاب: الصلاة، باب: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد التشهُّد، برقم (405) ، عن كعب أيضاً رضي الله عنه.
…
- وما بين معقوفين [إبراهيم وعلى] في الموضعين هي في البخاري. أما زيادة (في العالمين) في التبريك فجاءت عند مسلم رحمه الله.
(2)
جزء من حديث أخرجه مسلم؛ كتاب: الصلاة، باب: استحباب القول مثل قول المؤذِّن
…
، برقم (384) ، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.
(3)
جزء من حديث أخرجه أبو داود؛ باب: فضل يوم الجمعة وليلة الجمعة، برقم (1047) ، عن أوس بن أوس الثقفي رضي الله عنه. كما أخرجه أحمد في مسنده، (3/440) ، من حديث أوسٍ أيضًا.
وَأَبُوءُ [لَكَ] بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَاّ أَنْتَ» (1) . وقد أَعْلَمَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بفضل هذا الاستغفار بقوله صلى الله عليه وسلم:«وَمَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِناً بِهَا، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِي، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» (2) . وأنّى يكون لشيطان سلطان على من هو معدود في أهل الجنة قال تعالى: [الحِجر: 42]{إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَاّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ *} ، وقال سبحانه:[النّحل: 100]{إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ *} .
7-
…
ملازمة الاستغفار والتوبة في اليوم والليلة. مما يحبط محاولات الشيطان المتكررة لإلحاق أكبر عدد ممكن بمعيته من بني آدم إلى مستقره الأخير وإلى مصيره البئيس، فالعبد - إذا غفر الله له وتاب عليه - أيأس شيطانَه من اللحاق به، فيعاود الكرّة مرة بعد مرة عسى أن ينال مبتغاه وغاية مناه، فيلزم العبدُ عندها الاستغفارَ والتوبة لتبدأ المحاولات من جديد، ولعل ذلك هو سر إشفاق النبي صلى الله عليه وسلم على أمته المكرمة بأمرهم بتكرار الاستغفار والتوبة سبعين أو مائة مرة، مع أن العبد قد لا تبلغ ذنوبه هذا الكم، إلا أن وساوس شياطين الإنس والجن قد تبلغ ذلك، وقد تزيد، عياذاً بالله من شر وساوسهم.
(1) أخرجه البخاري؛ كتاب: الدعوات، باب: أفضل الاستغفار، برقم (6302) ، عن شداد ابن أوس رضي الله عنه، وبرقم (6323) ، عنه أيضاً، بتأخير لفظ:«أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ» . وبزيادة لفظ [لَكَ] .
(2)
تتمة الرواية - سيد الاستغفار -، بالتخريج السابق.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: وَاللهِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّة (1)، وقال عليه الصلاة والسلام: إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ فِي الْيَوْمِ مَائِةَ مَرَّة (2) . فإن كان النبي صلى الله عليه وسلم وشأنه دوام ذِكر الله تعالى - يفتر عن الذكر أحياناً، فيَعُدّ ذلك صلى الله عليه وسلم ذنباً فيشرع بالاستغفار والتوبة، فما بال أحدهم وقد استقر الغَيْنُ على قلبه ساعات، بل ربما أياماً، ولعل البعض قد علا رانُ الذنوب قلبَه، ثم يسأل مستغرباً كيف تسلط شيطان على قلبه؟! وكيف تلبس به وجرى في دمه؟! وكيف صرعه مس شيطاني، أو أضرّ به سحر سُفْلي، أو عانه عائن، أو أضر به شر حسد حاسد؟! حتى إذا استعصى علاج ذلك على الخلق عرف آنذاك أن ما أصابه كان بما كسبت يداه واشتغلت به يمناه، وبما أعرض قلبه عن ذكر مولاه، فيمّم وجهه مسارعاً إلى راقٍ يرقيه، أو صالح يدعو له، وكان الأجدر به أن يعلم ابتداءً أن لا ملجأ ولا منجىً من الله إلا إليه، وأن الأمر كله لله، فلو تعلق بالرقية أو بصلاح عبد وحسب، لم ينفعه ذاك، حتى يعود إلى مولاه ويطلب رضاه، عندها ينفع التحصينُ ويوفق الله الراقي والمسترقي، ويشفي الله عبده من كل ما يؤذيه، ويقوم كأنما نشط من عقال، وليس به ضُرٌّ مسَّه.
(1) أخرجه البخاري؛ كتاب: الدعوات، باب: استغفار النبي صلى الله عليه وسلم في اليوم والليلة، برقم (6307) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(2)
أخرجه مسلم؛ كتاب: الذّكر والدعاء، باب: استحباب الاستغفار والاستكثار منه، برقم (2702)، عن الأغرِّ المُزَني رضي الله عنه. ومعنى:«لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي» ، قال أهل اللغة: الغَيْنُ والغيمُ بمعنىً، - أي بمعنى واحد - والمراد هنا: ما يتغشى القلبَ من غفلات عن ذكر الله تعالى. انظر: المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجّاج، للإمام النووي رحمه الله. (17/26) .
8-
…
ومن الأذكار المحصنة لقلب المؤمن في الإصباح والإمساء، أيضًا قول النبي صلى الله عليه وسلم: أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ (أَمْسَيْنَا وَأَمْسَى) الْمُلْكُ لِلّهِ، وَالْحَمْدُ لِلّهِ، لَا إِلَهَ إِلاّ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، ويزيد إن شاء إذا أمسى: رَبِّ أَسْأَلُكَ خَيْرَ مَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ، وَخَيْرَ مَا بَعْدَهَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ، وَشَرِّ مَا بَعْدَهَا (1) ، أَصْبَحْنَا (أَمْسَيْنَا) عَلَى فِطْرَةِ الإِْسْلَامِ، وَعَلَى كَلِمَةِ الإِْخْلَاصِ، وَعَلَى دِينِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وَعَلَى مِلَّةِ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، (2) أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ومن فضل قول ذلك أن العبد إذا نزل منزلاً فقالها لم يضره شيء إنس ولا جان وحيوان، حتى يترك منزله ذلك (3) . كذلك قول: بِسْمِ اللهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعِ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الأَْرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (يقولها ثلاثًا) ومن فضلها: أن قائلها لا تصيبه فَجْأَةُ بلاءٍ (4)، وقول: رَضِيتُ بِاللهِ رَبّاً، وَبِالإِْسْلَامِ دِيناً، وَبِمُحَمَّدٍ
(1) أخرجه مسلم؛ كتاب: الذِّكر والدعاء، باب: التعوّذ من شر ما عُمل ومن شر ما لم يُعمل، برقم (2723) ، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
(2)
أخرجه أحمد في مسنده، (3/407) ، من حديث عبد الرحمن بن أبزى رضي الله عنه. كما أخرجه ابن السُّنِّي في «عمل اليوم والليلة» ، برقم (34) .
(3)
كما صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه مسلم؛ كتاب: الذِّكر والدعاء، باب: في التعوّذ من سوء القضاء ودَرَك الشقاء وغيره، برقم (2709) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(4)
كما عند أبي داود؛ كتاب: الأدب، باب: ما يقول إذا أصبح، برقم (5088) ، عن عثمان رضي الله عنه. وأخرجه الترمذي أيضاً، كتاب: الدعوات، باب: ما جاء في الدعاء إذا أصبح وإذا أمسى، برقم (3388)، عنه أيضاً. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب.
صلى الله عليه وسلم نَبِيّاً يقولها ثلاثاً كذلك. فمن قال ذلك كان حقاً على الله تعالى أن يُرضيه يوم القيامة (1) .
فضل الاستعاذة بالله تعالى:
أخي القارئ الكريم - نفعك الله بما علمتَ وزادك علماً -: إن تحصين المؤمن نفسَه مدارُه جميعاً على وقاية قلبه مما قد يؤثر فيه فيفتح فيه ثلمة يلج الشيطان وأتباعه منها فيستحوذ على روحه، أو يضره في جسده، وقد علمت - بفضل الله - ما يحصن قلبك بتلاوة آيات الله تعالى، وملازمة ما أرشد إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من أذكار مباركات تقولها إذا أصبحت أو أمسيت، لكن ومع ذلك فقد يتحيّن الشيطان - عياذاً بالله - فرصة يغفل فيها العبد عن ذكر ربه، فيُقبل موسوساً، لذا، فقد أرادت الشريعة المطهرة ألاّ تدع لعدوك إليك سبيلاً يسلكه، ولا تسلُّطاً يتسلط به عليك، فإن غفلت أو أُنسيت، أو شغلك شاغل عن ذكر ربك، فما أيسر من أن تتلفظ عندها بكلمات تلتجئ بقولهن إلى حمى مولاك، وتستجير بعزته، وتستمسك بقدرته، وتُظهِر بها مدى ضعفك وافتقارك، فيُضعِف الله كيد عدوك، ليخنس عن قلبك. مَثَل ذلك لو أنك قصدت قصراً مَشِيداً أبوابه شتى، وكلما أوشكتَ على ولوج بابٍ منها وهو مفتوح ألفَيْت سَبُعاً مزمجراً عنده يوشك أن يثب عليك، لكنه لا يفعل، وغاية ما يفعله هو استفزازك بصوته وتخويفك بفتح فيه، وشررٍ خارجٍ من عينيه يكاد يسطو بك، بغية منعك من دخول القصر، فلو أنك كابدتَّه
(1) أخرجه أبو داود؛ كتاب: الأدب، باب: ماذا يقول إذا أصبح، برقم (5072) . وعند أحمد في مسنده - بزيادة (ثلاثاً) -، (4/337) ، من حديث خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فرددته عنك مرة بعد مرة لطال الأمر عليك، ولو أنك ولجتَ باباً لم تستطع ولوج آخر، وأنت تحب أن تدخل ذلك القصر مراراً من ليل أو نهار من أبوابه كلها، فما أيسر عند ذلك أن تطلب من ربّ القصر - وأنت تعلم وداً لك عنده - أن يأذن لك بالدخول إليه فتُربط السِّباعُ عندئذٍ أو تُحبس بعيداً عن الأبواب المشرّعة فتدخلها كأيسر ما يكون.
فإذا ما أردت - أخي القارئ - أن تتخلص من كيد شياطين الإنس والجن، لتلج في حرز العبادة والتقوى، فما عليك إلا أن تستعين بخالقهم وتستجير بجنابه سبحانه وتلتجئ إلى حماه، وتلوذ بكنفه، فهو القادر سبحانه على إعاذتك من نزغات الشيطان، وطائفه، وهمزه، ونفخه، ونفثه، ومحاولات صدّه لك عن ذكر ربك، ووساوسه المتكررة بالخواطر يلقيها في رُوعك، ثم يوهمك بأنها حقائق، فلو أنك استجبت له، صدّك فعلاً، وأمرك بالفاحشة، واستحوذ على قلبك، أعيذك بالله عز وجل من ذلك.
لذلك كله - الخطر الداهم المؤكد المتكرر على قلب المؤمن - فقد أرشدت الشريعة المطهرة إلى وجوب الاستعاذة بالله تعالى رحمة بهذا الإنسان وطلباً لسلامته، وتحصيناً متواصلاً له، وهاك نصوصاً من كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم دالّة على ذلك، فاستمسك بالامتثال لما أمرَتْ به، فإن أَمْرَ عدوك جِدّ، وما من اتخاذه عدواً بُدّ.
-
…
قال الله تعالى: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ *} [الأعرَاف: 200] .
-
…
وقال تبارك اسمه: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ *} [النّحل: 98] .
-
…
وقال سبحانه: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ *وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ *} [المؤمنون: 97-98] .
-
…
وقال عز وجل: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ *} [فُصّلَت: 36] .
أما السنُّة فمنها قول النبي صلى الله عليه وسلم لرجل مغضَبٍ قد احمرّ وجهُه -: إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، لَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، فقال الصحابة للرجل: ألا تسمع ما يقول النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: إني لست بمجنون (1) .
ومنها قوله عليه الصلاة والسلام: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ، لَا إِلَهَ إِلَاّ أَنْتَ، أَنْ تُضِلَّنِي، أَنْتَ الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَالْجِنُّ وَالإِْنسُ يَمُوتُونَ (2) .
وقوله صلى الله عليه وسلم في استفتاح صلاة التطوع -: اللهُ أَكْبَرُ كَبِيراً - ثَلَاثَ مِرَارٍ - وَالْحَمْدُ لِلّهِ كَثِيراً - ثَلَاثَ مِرَارٍ - وَسُبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً - ثَلَاثَ مِرَارٍ - اللهُمَّ إِني أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْثِهِ وَنَفْخِهِ، قلت - القائل: جبير بن مُطعِم رضي الله عنه: همزُه ونفثُه ونفخُه؟
(1) أخرجه البخاري؛ كتاب: بدء الخلق، باب: صفة إبليس وجنوده، برقم (3282) ، وفي موضعين آخرين، برقم (6048) وبرقم (6115)، جميعها عن سليمان بن صُرَد رضي الله عنه. ومسلم بنحوه؛ كتاب: البر والصِّلة والآداب، باب: فضل من يملك نفسه عند الغضب وبأي شيء يذهب الغضب، برقم (2615) ، عنه أيضاً.
(2)
جزء من حديث أخرجه البخاري؛ كتاب: التوحيد، باب: قول الله تعالى: ُ چ 9: ِ، برقم (7383)، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ومسلمٌ؛ كتاب: الذكر والدعاء، باب: التعوّذ من شرّ ما عُمل ومن شرّ ما لم يُعمل، برقم (2717) ، عنه أيضًا. واللفظ لمسلم.
قال صلى الله عليه وسلم: أَمَّا هَمْزُهُ: فَالْمَوْتَةُ (1) الَّتِي تَأْخُذُ ابْنَ آدَمَ، وَأَمَّا نَفْخُهُ: الْكِبْرُ، وَنَفْثُهُ: الشِّعْرُ (2) .
هذا، وكما تشرع الاستعاذة بالله تعالى تحصناً في أي وقت من ليل أو نهار، كذلك فإن الشريعة المطهرة قد خصت مواضع بتأكد الاستعاذة، منها: عند الغضب، وعند افتتاح الصلاة، كما مرَّ بأدلته، كذلك فإنها تتأكد عند إرادة الشروع بتلاوة آيات من القرآن الكريم. قال تعالى:[النّحل: 98]{فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ *} . وفي ذلك حِكم بالغة أوجزها بما يلي:
-
…
أن القرآن الكريم وهو شفاء للصدر وهداية للقلب، يشفي الله به الصدر مما علق به من الوساوس، فيصير القلب قابلاً للهداية فيتأثر بما يتلوه صاحبه من آيات الله، وتؤثر التلاوة عندها بمن يسمعها،
(1) الموتة: أي الخَنْق، الذي يأخذ صاحبَ المس، والعياذ بالله تعالى.
(2)
أخرجه أصحاب السنن:
-
…
أبو داود؛ كتاب: الصلاة، باب: من رأى الاستفتاح بسبحانك اللهم وبحمدك، برقم (775) ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. وفي الكتاب عينه، باب: ما يُستفتح به الصلاة من الدعاء، برقم (764) ، عن جبير بن مُطعِم رضي الله عنه.
-
…
الترمذي؛ كتاب: الصلاة، باب: ما يقول عند افتتاح الصلاة برقم (242)، عن أبي سعيد رضي الله عنه. قال أبو عيسى: وحديث أبي سعيد رضي الله عنه أشهر حديث في هذا الباب. اهـ.
-
…
والنَّسائي؛ في الصلاة، كتاب: الافتتاح، باب: نوع آخر من الذكر بين افتتاح الصلاة وبين القراءة، عنه أيضاً.
-
…
وابن ماجهْ؛ كتاب: أبواب إقامة الصلوات والسنن فيها، باب: الاستعاذة في الصلاة، برقمي (807) و (808) ، الأول عن جبير، والثاني عن ابن مسعود رضي الله عنهما.
-
…
وقد أخرجه أحمد في مسنده؛ (4/80) ، من حديث جبير بن مُطعِم رضي الله عنه، وفي مسند أحمد أيضًا (5/253)، من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه لكنْ في آخره:«شِرْكِهِ» بدل «وَنَفْثِهِ» .
ويمكن إذ ذاك تمكُّن الهداية في النفس وبقاؤها مانعة للنفس عن الشهوات، وحاجزة للفكر عن الشبهات، لذا، فإن الشيطان الرجيم سرعان ما يغيظه ذلك، فيهرع لشغل القارئ والسامع عن ذلك الانتفاع حسداً من عند نفسه، وحجزاً للمؤمن عن الهداية، فإذا استعاذ المؤمن صرف الله كيد الشيطان وأذن بالهداية وشفاء الصدر للمؤمن ولم ينتفع بالتلاوة غيره، ولله الحمد والمنة. قال تعالى:[الإسرَاء: 45]{وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا *} . وقال سبحانه وتعالى: [فُصّلَت: 44] {
…
قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً
…
*} .
-
…
ومن الأحوال أيضاً التي تتأكد فيها مشروعية التعوّذ أيضاً حدوث نزغ من الشيطان، أو طائف منه، (وهو إحداث الإفساد بفعل الغضب)، قال تعالى:[الإسرَاء: 53]{وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِيناً *} . وقال سبحانه: [الأعرَاف: 200-201]{وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ *إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ *} .
فائدة:
قال الإمام ابن كثير رحمه الله: قال الله تعالى: [الأعرَاف: 199-200]{خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ *وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ *} وقال تعالى: [المؤمنون: 96-97] {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ *وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ *} وقال تعالى: [فُصّلَت: 34-36]{وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ *وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَاّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَاّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ *وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ *} .
قال رحمه الله: [فهذه ثلاث آيات (1) ليس لهن رابعة في معناها، وهو أن الله يأمر بمصانعة العدوّ الإنسيِّ والإحسان إليه ليردَّه عنه طبعُه الطيبُ الأصلِ، بالموادّة والمُصافاة، ويأمر سبحانه بالاستعاذة به من العدو الشيطاني لا محالةَ، إذ لا يقبل مصانعة ولا إحساناً، ولا يبتغي غير هلاك ابن آدم، لشدة العداوة بينه وبين ابيه آدم من قبلُ....] اهـ. من كلام الإمام رحمه الله (2) .
-
…
كما يشرع التعوّذ بالله، عند إرادة دخول الخلاء، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء، قال: اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ (3) .
-
…
وعند سماع نباح الكلاب، أو نهيق الحُمُر - في الليل خاصةً -
(1) يعبّر السلف رحمهم الله عن الموضع من القرآن بالآية، وإن كان قد حوى أكثر من آية فيما اصطلح عليه من مطالع الآيات ومقاطعها، ومن ذلك قول ابن عباس رضي الله عنهما: أخوف آية في القرآن: [الزّلزَلة: 7-8]{فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ *وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ *} ، فقد أطلق تسمية آية على هذا النص، وفيه آيتان كما لا يخفى.
(2)
انظر: تفسير القرآن العظيم، للإمام ابن كثير رحمه الله. ص 730 ط: بيت الأفكار الدولية.
(3)
متفق عليه، من حديث أنس رضي الله عنه؛ البخاريُّ، في موضعين، الأول: في كتاب الوضوء، باب: ما يقول عند الخلاء، برقم (142)، والثاني: في كتاب الدعوات، باب: الدعاء عند الخلاء، برقم (6322) . ومسلم؛ كتاب الحيض، باب: ما يقول إذا أراد دخول الخلاء، برقم (375) .
وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: «
…
وَإِذَا سَمِعْتُمْ نَهِيقَ الْحِمَارِ، فَتَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِنَّهَا رَأَتْ [فَإِنَّهُ رَأَى] شَيْطَاناً
…
» (1) الحديث. ولقوله عليه الصلاة والسلام: «إِذَا سَمِعْتُمْ نُبَاحَ الْكِلَابِ وَنَهِيقَ الْحُمُرِ بِاللَّيْلِ فَتَعَوَّذُوا بِاللهِ، فَإِنَّهُنَّ يَرَيْنَ مَا لَا تَرَوْنَ» (2) .
-
…
هذا، ومما يحسن ختم صنوف التعوذ به، الاستعاذة بالله تعالى من أن يتسلط الشيطان على نفس المؤمن عند النزع الأخير، فيُخْتَمُ له بخاتمة السوء، عياذاً بالله، لذا فقد شُرِع التعوذ بالله تعالى من ذلك، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «
…
وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ يَتَخَبَّطَنِيَ الشَّيْطَانُ عِنْدَ الْمَوْتِ
…
» (3) .
هذا، ومما يحسن إيراده في هذا المقام ما ذكره عبد الله بن أحمد ابن حنبل - رحمهما الله - قال: لما حضرَتْ أبي الوفاةُ جلست عنده، وبيدي الخرقة لأَِشُدَّ بها لَحْييه، فجعل يغرق ثم يفيق، ثم يفتح عينيه ثم يقول بيده هكذا - مشيراً بالنفي -:(لا، بَعْد)(لا، بَعْد)(لا، بَعْد) ، ثلاث مرات، ففعل هذا مرةً وثانية، فلما كان في
(1) جزء من حديث متفق عليه، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ومطلع الحديث:«إِذَا سَمِعْتُم صِيَاحَ الدِّيَكَةِ، فَاسْأَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ، فَإِنَّهَا رَأَتْ مَلَكًا» .
…
أخرجه البخاري؛ كتاب: بدء الخلق باب: خير مال المسلم غنم
…
، برقم (3303) . ومسلم؛ كتاب: الذّكر والدعاء، باب: استحباب الدعاء عند صياح الديك، برقم (2729) . وما بين معقوفين من لفظِ مرويِّ البخاري رحمه الله.
(2)
أخرجه أبو داود؛ كتاب: الأدب، باب: نهيق الحمير ونباح الكلاب، برقم (5103)، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. والترمذيُّ؛ كتاب: الدعوات، باب: ما يقول إذا سمع نهيق الحمار، برقم (3459)، عن أبي هريرة رضي الله عنه. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
(3)
هذا جزء من حديث، أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب: في الاستعاذة، برقم (1552) عن أبي اليَسَر رضي الله عنه.
الثالثة قلت له: يا أبت، أي شيءٍ هذا قد لهجتَ به في هذا الوقت؟ تغرق حتى نقولَ قد قضيتَ، ثم تعود فتقول:(لا، بعد)، فقال: يابنيّ ما تدري؟ فقلت: لا، فقال: إبليس لعنه الله قائم حذائي عاضّ على أنامله، يقول لي: يا أحمد فُتَّنِي - أي: تركتني؟! - وأنا أقول له: لا، بعد حتى أموت. وقال صالح بن أحمد: جعل أبي يحرك لسانه إلى أن توفي (1) .
هذا، ومما يشرع في التحصين بذكر الله تعالى تحصينُ الولد والأهل والمال والبيت، ومن ذلك، ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعوّذ به الحسن والحسين رضي الله عنهما، ويقول: إِنَّ أَبَاكُمَا كَانَ يُعَوِّذُ بِهَا إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ عليهم السلام: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّةِ، مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ (2) . ومن تحصين الأهل والولد معاً ما يدعو به المؤمن عند إتيان أهله (زوجه)، كما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتى أَهْلَهُ قَالَ: بِسْمِ اللهِ، اللهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَقُضِيَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْطَانٌ أَبَداً، [وَلَمْ يُسَلَّطْ عَلَيْهِ](3) . ومما يحصَّن به المولود أيضاً التأذين في أُذنه حين الولادة، كما: أَذَّنَ
(1) انظر: أحمد بن حنبل إمام أهل السنة، لعبد الغني الدقر، ص298.
(2)
أخرجه البخاري؛ كتاب: أحاديث الأنبياء عليهم السلام، بابٌ بعد بابِ [الصَّافات: 94] {يَزِفُّونَ *} : النَّسَلان في المشي، برقم (3371) ، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.
…
و «هامّة» ، بالتشديد - كما في الرواية -: هي واحدة الهوام، وهي ذات السموم، وقيل: دواب الأرض التي تهمّ بأذى الناس، وهذا مما لا يصح نفيه إلا إن أُريد به أنها لا تضر بذواتها، وإنما تضر إذا أراد الله إيقاع الضرر بمن أصابته، انظر: فتح الباري: (10/241) .
(3)
متفق عليه، من حديث عبد الله بن العباس رضي الله عنهما؛ أخرجه البخاري؛ كتاب: الوضوء، باب: التسمية على كل حال وعند الوِقاع، برقم (141)، وفي مواضع عدة من صحيحه. ومسلم؛ كتاب: النكاح، باب: ما يستحب أن يقوله عند الجِماع، برقم (1434) ، وما بين معقوفين زيادة عند البخاري رحمه الله.
النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي أُذُنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ حِينَ وَلَدَتْهُ فَاطِمَةُ بِالصَّلَاةِ (1) . ولعل الحكمة في ذلك: أن تسبق كلمةُ التوحيد إلى قلب المولود، قبل أن ينخسه الشيطان أو ينزغه، أو يطعنه - يمسه - في جنبيه بأصبعه، فإذا سمع النداء للصلاة استقرت كلمة التقوى في قلبه، وعلَتْ روحَه، فلا يجتاله الشيطان عن الفطرة التي فُطر عليها، ولا يتسلط عليه بعد ذلك ولا يضره، كما في الحديث الشريف المذكور آنفًا.
ومن تحصين المال، قول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، إذا رأى المؤمن مالاً له فأعجب به. قال تعالى:[الكهف: 39]{وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَاّ بِاللَّهِ} .
ثانياً: وأما الأذكار التي يشرع قولها بغية تحصين المؤمن نفسه في أحوال متغايرة يتقلب فيها في حياته الدنيا، فهي أوسع من أن تذكر في مقامنا هذا؛ لذا فسوف أقتصر على مهماتها، وإن شئت توسعاً فدونك كتب الأذكار، ففيها شفاء العليل وإرواء الغليل (2) . ومن ذلك:
الأذكار المتعلقة بالنوم، ومنها:
1-
…
تلاوة آية الكرسي [أعظم آية في كتاب الله، وسيدة آي القرآن] .
(1) أخرجه أبو داود؛ كتاب: الأدب، باب: في المولود يؤذّن في أذنه، برقم (5105)، عن أبي رافع رضي الله عنه. والترمذي؛ كتاب: الأضاحي، باب: الأذان في أذن المولود، برقم (1514) ، عنه أيضاً، وقال الترمذي: هذا حسن صحيح. اهـ. وقال شمس الحق العظيم آبادي: ( «بالصلاة» ، أي: بأذان الصلاة، وهو متعلق بـ «أذَّن» ، والمعنى: أذّن بمثل أذان الصلاة، وهذا يدل على سُنّية الأذان في أذن المولود) . اهـ. انظر: عون المعبود (14/7) .
(2)
العمدة في ذلك مُصنَّف «الأذكار» ، للإمام النووي رحمه الله، وقد جمعت طائفة منها في مؤلّفي المسمى بـ «منتقى الأذكار» ، فانظره - إن أحببت -.
لما جاء في رواية استحفاظ النبي صلى الله عليه وسلم أبي هريرة لزكاة رمضان، وقد أنبأه آتٍ أتاه يحثو من مال الصدقة مرات عدة - وهو يَعِدُ بألا يعود، ثم هو يعود - بقوله: إذا أويتَ إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة رضي الله عنه: صَدَقَكَ، وَهُوَ كَذُوبٌ، ذَاكَ شَيْطَانٌ (1) .
2-
…
تلاوة خواتيم سورة البقرة: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ..} إلى آخر السورة الكريمة [البقرة 285-286] . وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: الآْيَتَانِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ؛ مَنْ قَرَأَ بِهِمَا فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ (2) .
3-
…
تلاوة سورة (الكافرون)، لقوله عليه الصلاة والسلام: اقْرَأْ: [الكافِرون: 1]{قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ *} ، ثُمَّ نَمْ عَلَى خَاتِمَتِهَا فَإِنَّهَا بَرَاءَةٌ مِنَ الشِّرْكِ (3) .
4-
…
النفْث في اليدين - الكفَّين -، مع قراءة سورة الإخلاص والمعوّذتين، وذلك لفعله صلى الله عليه وسلم ذلك، فَقَدْ كَانَ عليه الصلاة والسلام إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ نَفَثَ فِي يَدِهِ وَقَرَأَ بِالْمُعَوِّذَاتِ، وَمَسَحَ بِهِمَا جَسَدَهُ (4) .
(1) سبق تخريجه ص 120 بالهامش ذي الرقم (1) .
(2)
سبق تخريجه ص 120، بالهامش ذي الرقم (2) .
(3)
سبق تخريجه ص 118، بالهامش ذي الرقم (1) .
(4)
أخرجه البخاري؛ كتاب: الدعوات، باب: التعوذ والقراءة عند المنام. برقم (5017) ، عن عائشة رضي الله عنها، وبرقم (6319) ، عنها أيضاً، والمختار الثانية.
…
النفث: نفخ لطيف مع قليل من الريق. وسورة الإخلاص مع المعوّذتين، تسمى جميعًا المعوِّذات، كما وردت بذلك الرواية عند أبي داود رحمه الله، برقم (1523)، عن عقبةَ بنِ عامرٍ رضي الله عنه:«أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ أَقْرَأَ بِالْمُعَوِّذَاتِ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ» .
5-
…
التكبير أربعاً وثلاثين، والحمد ثلاثاً وثلاثين، والتسبيح ثلاثاً وثلاثين، وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم لعلي وفاطمة رضي الله عنهما: إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا، فَكَبِّرَا اللهَ أَرْبَعاً وَثَلَاثِينَ، وَاحْمَدَا ثَلَاثاً وَثَلَاثِينَ، وَسَبِّحَا ثَلَاثاً وَثَلَاثِينَ (1) .
6-
…
ومن ذلك، إِسْباغُ الوضوءِ، وَالاضْطِجاع على الشِّق الأيمن، مع قول: اللهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَاّ إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ، فَإِنْ مُتَّ مُتَّ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَقُولُ (2) .
*
…
ومن الأحوال، لو رأى المؤمن حُلْماً يكرهه، فَهِيَ مِنَ الشَّيْطَانِ. فَلْيَقُلْ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ وَشَرِّهَا، ثُمَّ [لِيَنْفُثْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثاً] ، وَلَا يُحَدِّثْ بِهَا أَحَداً، فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ (3) .
(1) أخرجه البخاري في مواضع عدة، منها: كتاب: فرض الخُمُس، باب: ما ذكر عن دِرع النبي صلى الله عليه وسلم، برقم (3113)، عن علي رضي الله عنه. ومسلم؛ كتاب: الذِّكر والدعاء، باب: التسبيح أول النهار وعند النوم، برقم (2727) ، عنه أيضاً.
(2)
أخرجه البخاري؛ كتاب: الدعوات، باب: ما يقول إذا نام، برقمي (6311) و (6313)، عن البراء بن عازب رضي الله عنه. ومسلم؛ كتاب: الذكر والدعاء، باب: ما يقول عند النوم، برقم (2710) ، عنه أيضاً. واللفظ المختار - لنصِّ الدعاء - هو للبخاري.
(3)
جزء من حديث أخرجه البخاري؛ كتاب: التعبير، باب: الرؤيا من الله تعالى، برقم (6985)، عن أبي سعيد رضي الله عنه. ومسلم؛ كتاب: الرؤيا، برقم (2261) ، عن أبي سلمة رضي الله عنه، وما بين معقوفين زيادة عند مسلم.
b
…
ومن ذلك، لو وجد وسوسةَ خُِنْزَب - وهو شيطان اختص بالوسوسة في الصلاة -، فليقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم يتفُلُ عن يساره ثلاثاً، وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم مرشداً عثمان بن أبي العاص، حين شكا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، تلبيس شيطانٍ عليه صلاتَه: ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ خُِنْزَب، فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْهُ، وَاتْفُلْ عَلَى يَسَارِكَ ثَلَاثاً، قال عثمان: ففعلت ذلك فأذهبه الله عني (1) .
b
…
ومن الأحوال، فيما لو تعسّر مركوبه، كالسيارة مثلاً، فإنه ينبغي للمؤمن ألا يعمد إلى لعن المركوب، فإن الأمر عندها قد يزداد صعوبة، وقد يستحوذ الشيطان على الراكب، فقد قال صلى الله عليه وسلم في دابة تعسرت، فلعنتها امرأة في سفرٍ: ضَعُوا عَنْهَا، فَإِنَّهَا مَلْعُونَةٌ (2) . والمشروع في مثل هذه الحال أن يقول: اللهُمَّ لَا سَهْلَ إِلَاّ مَا جَعَلْتَهُ سَهْلاً، وَأَنْتَ تَجْعَلُ الْحَزْنَ إِذَا شِئْتَ سَهْلاً (3) .
b
…
ومن أحوال المؤمن في السفر، أن ينزل منزلاً ليبيت فيه، فإن نزله فليقل: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَق (4) .
(1) أخرجه مسلم؛ كتاب: السلام، باب: التعوّذ من شيطان الوسوسة في الصلاة، برقم (2203) ، عن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه.
(2)
أخرجه أبو داود؛ كتاب الجهاد، باب: النهي عن لعن البهيمة، برقم (2561) ، عن عمران بن حُصين رضي الله عنه.
(3)
أخرجه ابن حبان في «صحيحه» ، برقم (970) ، عن أنس رضي الله عنه. وابن السنيّ في «عمل اليوم والليلة» ، برقم (353) . والحَزْن: هو ما غَلُظ من الأرض.
(4)
أخرجه مسلم؛ كتاب: الذكر والدعاء، باب: في التعوّذ من سوء القضاء
…
، برقم (2708) ، عن خولة بنت حكيم رضي الله عنها.
فلو دخل بلدة أو قرية، قال: اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَمَا أَظْلَلْنَ، وَرَبَّ الأَْرَضِينَ السَّبْعِ وَمَا أَقْلَلْنَ، وَرَبَّ الرِّيَاحِ وَمَا ذَرَيْنَ، أَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذِهِ الْقَرْيَةِ، وَخَيْرَ أَهْلِهَا، وَخَيْرَ مَا فِيها، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا، وَشَرِّ أَهْلِهَا، وَشَرِّ مَا فِيهَا (1) .
b
…
ومن أحوال المؤمن الغضب، فلو اجتهد - إذْ غَضِب - أن يعمل بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لجارية بن قدامة رضي الله عنه، بقوله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرارٍ: لَا تَغْضَبْ (2) ، فإنْ تملّكه غضب شديد، فعليه إذ ذاك بالمبادرة إلى قول: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، كما أمر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم (3) .
هذا، وإنَّ غَضَبَ المؤمن ينبغي أن يكون لله تعالى، فلا يغضب لأمر من أمور الدنيا، ولا ينتقم لنفسه، بل له في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِنَفْسِهِ، إِلَاّ أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللهِ، فَيَنْتَقِم للهِ بِهَا (4)
(1) رواه النَّسائي في «الكبرى» ، برقم (8827) .
(2)
أخرجه البخاري؛ كتاب: الأدب، باب: الحذر من الغضب، برقم (6116) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(3)
متفق عليه من حديث سليمان بن صُرَدٍ رضي الله عنه: أخرجه البخاري؛ كتاب: الأدب، باب: الحذر من الغضب، برقم (6115)، ومسلم؛ كتاب: البِرِّ والصلة والآداب، باب: فضل من يملك نفسه عند الغضب
…
، برقم (2610) .
(4)
جزء من حديث أخرجه البخاري؛ كتاب المناقب، باب: صفة النبي صلى الله عليه وسلم، برقم (3560) ، عن عائشة رضي الله عنها، ومسلم؛ كتاب: الفضائل، باب: مُباعدتِه صلى الله عليه وسلم للآثام....، برقم (2327) ، عنها أيضاً، واللفظ للبخاري.
*
…
ومن ذلك وقوعه في كربٍ وهمٍّ في معاش أو مرضٍ أو تسلُّطِ عدوٍّ-، فيُشرَع له أن يقول: لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَْرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (1) .
*
…
ومن الأحوال إن أصاب المؤمنَ شيء يكرهه، فاستقر في ذهنه أنه قد ترتب ذلك على أمر كان قد فعله، فتمنى أن لم يكن قد فعله، كي لا يصيبه ما يكره. فعند ذلك يحصّنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بنهيه عن قول «لو» ويرشده قائلاً:....وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ، وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ (لَوْ) تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ (2) .
*
…
ولو اشتكى المؤمن مرضاً فليَرْقِ نفسه، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل، إِذَا اشْتَكَى يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ وَيَنْفُثُ» (3)، قيل للزُّهري رحمه الله: كيف ينفث؟ قال: (كَانَ يَنْفُثُ عَلَى
(1) أخرجه البخاري في عدة مواضع، منها كتاب: الدعوات، باب: الدعاء عند الكرب، برقم (6345)، عن ابن عباس رضي الله عنها. ومسلم؛ كتاب: الذكر والدعاء، باب: دعاء الكرب، برقم (2730) ، عنه أيضاً. واللفظ المختار للبخاري.
(2)
أخرجه مسلم؛ كتاب: القدَر، باب: في الأمر بالقوة وترك العجز، برقم (2664) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(3)
أخرجه البخاري؛ كتاب: فضائل القرآن، باب: فضل المعوّذات، برقم (5016)، عن عائشة رضي الله عنها. ومسلم؛ كتاب: السلام، باب: رقية المريض بالمعوّذات والنَّفْث، برقم (2192) ، عنها أيضاً.
يَدَيْهِ، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا عَلَى وَجْهِهِ) (1) الأنور صلى الله عليه وسلم (2) .
*
…
وإن آلمه موضع من جسده، فَلْيَضَعْ يَدَهُ عَلَى الَّذِي يَأْلَمُ مِنْ جَسَدِهِ، وَلْيَقُلْ: بِسْمِ اللهِ - ثَلَاثاً -، وَلْيَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِاللهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ (3) .
*
…
فلو خاف المؤمن أن يُفتَن في دينه - نسأل الله العفو والعافية - جرّاء ضرٍّ شديد أصابه، فلم يُطِق تحمُّلَه، فليتبع إرشاد النبي صلى الله عليه وسلم له بقوله: لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ مِنْ ضُرٍّ أَصَابَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَاعِلاً، فَلْيَقُلْ: اللهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْراً لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْراً لِي (4) .
*
…
فلو مرض فغلب على ظنه أنه مرض الموت - أسأل الله لي ولك حسن الخاتمة - فليتلُ كما تلا النبي صلى الله عليه وسلم في مرض وفاته صلى الله عليه وسلم قولَه تعالى: [النِّسَاء: 69] {
…
مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ
(1) قول الإمام الزُّهري رحمه اللهذكره النووي في «الأذكار» ، كتاب: أذكار المرض والموت.
(2)
هذه صفة من صفات حُسْن وجه النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت في صحيح الآثار، ومن ذلك قول كعب بن مالك رضي الله عنه:«كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ، وَكُنَّا نَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْهُ» . انظر صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم مفصلة في كتاب: المناقب من صحيح البخاري، وكتاب الفضائل من صحيح مسلم، وفي غيرهما من كتب السنة الشريفة. كذلك ما أُفرِد في بيان صفته صلى الله عليه وسلم، نحو: صفة النبي صلى الله عليه وسلم للإمام النووي رحمه الله.
(3)
أخرجه مسلم؛ كتاب: السلام، باب: استحباب وضع يده على موضع الألم مع الدعاء، برقم (2202) ، عن عثمان بن أبي العاص الثقفي رضي الله عنه.
(4)
أخرجه البخاري؛ كتاب: المرضى، باب: نهي تمني المريض للموت، برقم (5671) ، عن أنس رضي الله عنه. ومسلم؛ كتاب الذِّكر والدعاء، باب: كراهة تمني الموت، برقم (2680) ، عنه أيضاً. واللفظ للبخاري.
وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا *} (1)، وليقل: اللهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي، وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ الأَْعْلَى (2) . وليكن آخر كلامه، لا إله إلا الله، لقوله صلى الله عليه وسلم: مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ، دَخَلَ الْجَنَّةَ (3) .
هذا، وقد اقتصرت بالأحوال التي يتقلب بها المؤمن في حياته على ما رأيتَ، أسأل الله تعالى أن يوفقني وإياك للتحصن بذكره في جميع أحوالنا، وأن يُذهِب عنا رجز الشيطان ويُضعف كيده، ويُخزي جنده ويُعدم سلطانه، وأن يمتن الله عز وجل علينا فيوفقنا لأن نكون من عباده المخلَصين. آمين.
(1) أخرجه البخاري؛ كتاب: المغازي، باب: مرض النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته، برقم (4435)، عن عائشة رضي الله عنها. ومسلم؛ كتاب: فضائل الصحابة، باب: في فضل عائشة رضي الله عنها، برقم (2444) ، عنها أيضاً.
(2)
البخاري؛ في الموضع السابق، برقم (4440) عن عائشة أيضاً رضي الله عنها.
(3)
أخرجه أبو داود؛ كتاب: الجنائز، باب: في التلقين، برقم (3116) ، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، وللحديث - في صحيح ابن حبان - شاهدٌ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، برقم (719) .
أما الثالث من التحصينات الواقية - بإذن الله - فهو بأن تحفظ الله تعالى بالتزام تقواه سبحانه:
وذلك بأن تحفظ قلبك سليماً من ميلٍ لشهوات، أو زيغ بشبهات، وأن تحفظ ما يتبع القلب، وهي أعضاء الجسد كافة، أن تحفظها بتسخيرها في الاجتهاد بالعمل بمراضي الله سبحانه، وفي اجتناب نواهيه. ولا ريب بأن ذلك لا يتأتى للعبد إلا بمجاهدة عظمى لما جُبِلَتْ عليه النفسُ من ميلٍ للأهواء، وبكبح جماحها عما تستسهله من آفات مكدرة للإخلاص، وجعل مطلب العقل وربحه هو تزكية هذه النفس، وطلب فلاحها بالعمل الصالح، قال تعالى:[الشّمس: 9-10]{قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا *وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا *} ، لذا، فقد تحتم على كل ذي عقل راجح، وفكر حازم، وقد آمن بالله واليوم الآخر، ألا يغفل عن متابعة نفسه ومحاسبتها، بسؤالها تكراراً: ما الذي أمرَتْ به رعاياها الخادمين لها: القلبَ وأتباعه: العين، والأذن، واللسان، والبطن، والفرج، واليد، والرِّجْل؟ فيحاسبها على ما تصرفت به، فيعاتبها عتاب الناصح المشفق، ويرشدها بعقله إلى طرق الفلاح، ويضطرّها - أحياناً - إلى سلوك سبيل لا تحبه، وإفهامها بأن السرور العاجل المنقضي قد يجني غماً آجلاً سرمداً غير منقطع، فتنزجر النفس بذلك، وتزكو، وقد تلوم صاحبها بعد ذلك على مقارفته ذنباً أو مفارقته طاعة، قال تعالى:[القِيَامَة: 1-2]{لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ *وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ *} ، فلا تطمئن بعدها إلا إلى عمل الصالحات، ولا ترضى عندها إلا بما يرضي ربها، فتنال بذلك رضا الله تعالى، فينجو صاحبها ويفلح ويكتب مع الذين أنعم الله عليهم من عباده الصالحين. قال تعالى:[الفَجر: 27-28]{يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ *ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَةً *} .
أخي القارئ المكرم، لذلك كله فإن المؤمن يعمل على إبعاد كيد الشيطان عن نفسه، حيث إنها مبتلاة بما حوت من أهواء وحب للشهوات، فلو لم يعمل العبد على تخليص نفسه بحفظ جوارحه عن المحارم، كان ذلك سبباً محتماً لورود كيد شياطين الإنس والجن عليها، تداعى عليه كما تداعى الأَكَلَة إلى قصعتها.
وهاك ما يكون سبباً بعون الله تعالى لحفظك من ضعف نفسك التي بين جنبيك، فلا يعود لعدوك سلطان عليك، فيكون كيده لك كأضعف ما يكون:
أولاً: احفظ الله في قلبك؛ فإن إصلاح القلب - كما عرفتَ هو - ملاكُ الأمر كله، والأعضاء تبع له، وإصلاحه لا يكون إلا بتطهيره من حب الشهوات، والميل إلى الشبهات، هذه المضغة التي لو سَلِمت سلم الجسد كله، وإنْ تملَّكها الهوى، ألقت بها الشياطين وساوسها فانقلبت عن حالها، وتردت إلى أسوأ حال، وسرعان ما يعمل الفساد في خُدّامها من الأعضاء، فتعمل فيما عقد عليه القلبُ العزمَ وتترك ما حلّ القلبُ عنه العزم، فهو كالراعي لها، مسؤول عنها، لذا كان على المؤمن الحصيف إعمال عقله فيما يُصلِح قلبَه ويسلّمه من الشك والشرك، من العُجْب والرياء، من الغِلِّ والحسد، ومن شَرْك الفتن والشبهات، بل من كل ما يكون سبباً في فساده، وأن يُعمل عقله - في الوقت نفسه - فيما يُصلِح قلبَه أيضاً، بملئه بمحبة بارئه، وخشيته، ورجاء رحمته، وحق التوكل عليه، ومزيد الإنابة إليه، حتى يصير القلب عاقلاً، فيكون سبباً عندها لسماع التعقل وتبصُّر الحق، سليماً أبيضَ، لا تضره وسوسة، ولا تراوده شبهة، ولا تستحوذ عليه شهوة.
قال الله تعالى: [الشُّعَرَاء: 88-89]{يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ *إِلَاّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ *} . وقال سبحانه: [الحَجّ: 46]{أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ *} . ويقول عليه الصلاة والسلام: تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُوداً عُوداً، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَة سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَة بَيْضَاءُ، حَتّى تَصَيرَ الْقُلُوبُ عَلَى قَلْبَيْنِ، عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا؛ فَلَا تَضُرّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَْرْضُ، وَالآْخَرُ أَسْوَدُ مُرْبادّاً، كَالْكُوْزِ مُجَخِّياً، لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفاً وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَراً، إِلَا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ (1) . ويقول صلى الله عليه وسلم: أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ
(1) أخرجه البخاري - مختصراً - في مواضع عدة، منها: كتاب مواقيت الصلاة، باب: الصلاة كفارة، برقم (525)، عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه. ولم يذكر فيها عرض الفتن على القلوب. ومسلم - بلفظه -؛ كتاب: الإيمان، باب: بيان أن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريبًا
…
، برقم (144) ، عنه أيضاً رضي الله عنه.
…
ومعنى: «أُشربها» : حلّ فيه محلّ الشراب.
…
و «مُربادّاً» ، أي: شدة البياض في سوادٍ. كما بينه أبو مالك (سعد بن طارق) أحد رواة الحديث. وهو - كما بيّنه الإمام القرطبي -: شَبَهٌ بالبياض في سواد، لأن الرِّبدة إنما هي شيء من بياض يسير يخالطه السواد، كلون أكثر النَّعام. اهـ. والمقصود: تغير بياض القلب وفطرته ودخول سواد فيه. فهو كلون الرماد.
…
ومعنى: «مجخِّياً» ، منكوساً، كما بينه سعدٌ أيضاً. والمقصود: أنه خاوٍ من الإيمان، مقلوب رأساً على عقب، لا يثبت فيه شيء، كما في الحديث عينه:«لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب من هواه» .
وتشبيه القلب بالصفا، وهو الحجر الأملس الذي لا يعلَق به شيء، وهو حجر صلب، هذا دال على أن قلب المؤمن لا تعلق به فتنة، ولا ينخرم عقد الإيمان به، كما لا ينخرم الصفا لصلابته. وأما البياض فيه فهو من أثر مجموع النكت البيض بإنكاره الفتن مرة بعد مرة. انظر في بيان ذلك كله: المُفهِم شرحُ صحيح مسلم للإمام القرطبي (1/357) .
مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ (1) .
وعلى ذلك كله، فإن سلَّم العقلُ القلبَ من الشك والشرك، ومن الرياء والعُجْب والنفاق، وسلّمه من الغل والحسد، واستقر في القلب التوحيد واليقين، والإخلاص والتواضع، وسلامة النية، استطاع بذلك تمحيص ما يَرِد عليه من فتن، تتوالى عليه تترا كنسج الحصير عودًا عودًا، فيردّ عنه ما عقل أنه من صنوف الشر، حتى يعتاد ذلك ويكون له فيه مَلَكةُ تمييز، فتهرع الجوارح عندئذٍ جميعُها لطاعته وتسخّر له، وتعمل بما ذهب إليه ورضيه من خير، وإن لم يسلم من ذلك أطاعته أيضًا وعملت على معنى ما استقر فيه من الشرور، عندها - والعياذ بالله - تُقيَّض الشياطين لصاحبه، وتستهويه، وتوقع في صدره وسواسها، وقد تجري منه مجرى الدم، فتصرعه أو تؤزه على فعل المنكرات أزًا، حتى تورده مهالك الدنيا وسوء مصير الآخرة، عياذًا بالله تعالى من ذلك.
ثانياً: احفظ الله في بصرك. وقد وهبك الله عز وجل آلة الإبصار، وجعلها بريداً للقلب المتعقل، ونافذة إلى الروح، وإن المتأمل في كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ليدرك - يقيناً - أن العين تتقلب في حال إبصارها في منازل متعلقة بالقلب وما يدركه من مشاعر، بل ومن عقائد تسير وفقها باقي الجوارح، فليست العين عند ابن آدم غرضًا وآلة للرؤية وحسب، بل إن لها أثراً بالغاً في كيان الإنسان بأكمله، لذا، فقد اتخذ إبليس هذه الوسيلة الكبرى لإغواء آدم عليه السلام وزوجه، ثم ما زالت
(1) سبق تخريجه ص107 بالهامش ذي الرقم (1) .
تلك الوسيلة أداة الفتنة الأكثر خطراً، تدك بمعاولها حصون قلوب ذرية آدم، وذلك بإيهامهم بأن العين هي أداة للرؤية فقط، وأنها نعمة ننظر بها ما شئنا، وأن رؤية الأشياء هو أمر يوصلنا بما حولنا بطريق غير محسوس، فنتلذذ بالحياة، وننْعَم بمتاعها، ومن ثَمَّ فإن النظرة لن تضر البدن، ولذا فإنها لن توقع ضرراً يُذْكَر بالروح، فلماذا تُمنع إذاً أو يُطلب الحد من امتدادها؟! كل ذلك مما اعتادت الشياطين إلقاءه في صدور الناس، وهي تبعد عن تفكّرهم - ما وَسِعها إلى ذلك سبيلاً - مهامَّ البصر الأخرى، والتي خلقت العين لأجلها، وبأنها في الحقيقية تستميل هوى القلب، فيتعطل التعقل، وتنجرف الحواس تبعاً لتلك الأهواء، فتملي الشياطين عندها ما شاءت من أوامر ونواهٍ، وتحتنك الإنسان حيث أرادت فتهلكه، والعياذ بالله.
وسأورد - إن شاء الله - فيما يأتي بعض المهام والآثار المهمة، المنوطة بالبصر، مستدلاً عليها بنصوص كريمة، فتأمل بها ملياً ليتبين لك مدى خطورة هذه الحاسة، ولتحذر - إن شاء الله - أشد الحذر من استعمالها إلا فيما خُلِقت له، فتحصن نفسك من استهواء الشياطين لقلبك، وتنجو - بعون الله - مما يُحاك حولك من مكائد مهلكة.
1-
البصر بريد الزنا، ومناط الفتنة:
*
…
قال تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ *وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زَينَتَهُنَّ إِلَاّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا
وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ولَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَاّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ *} [النُّور: 30-31] .
*
…
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ، فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ (1) .
*
…
انظر كيف رتَّب الله تعالى حفظ الفرج عن الزنا، على غضّ البصر، وكيف بيّن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مبدأ فتنة بني إسرائيل كان مبدؤه من النظر المحرّم!!
2-
البصر دالٌّ على حالة المبصِر النفسية:
*
…
قال سبحانه: [الأحزَاب: 19] {
…
فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ
…
*} .
*
…
وقال تعالى: [محَمَّد: 20]{يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ} .
*
…
انظر كيف عبّرت العيون عن حالة الخوف، بل عن حالة المُبصِر في النزع الأخير!
*
…
وقال عز وجل: [القَلَم: 43] {خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ
…
*} .
*
…
انظر كيف دل خشوع البصر وانكسار النظرة، على تعب النفس من شدة الذل والهوان!
*
…
وقال تبارك اسمه: [البَقَرَة: 69] {
…
قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ} .
(1) أخرجه مسلم؛ كتاب: (الرِّقاق)، باب: أكثر أهل الجنة الفقراء وأكثر أهل النار النساء، وبيان الفتنة بالنساء، برقم (2742) ، عن أبي سعيد الخُدْري رضي الله عنه.
*
…
انظر كيف يوقع النظر إلى جمال لون هذه البقرة السرورَ في قلوب الناظرين إليها!
*
…
وقال تعالى جدُّه: [هُود: 31]{وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا} .
*
…
انظر إلى الاستعلاء والكبر وقد ظهرا بجلاء تام في نظرات عَلِيّة القوم، مستخفِّين بمن آمن ولم يؤتَ سعة من المال، فازدرت أعينهم منزلة المؤمنين فصدتهم تلك النظرات عن اللحاق بركب الإيمان!!
*
…
وقال جلّ ثناؤه: [القَلَم: 51]{وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ *} .
*
…
انظر إلى مبلغ الحسد، وغاية البغض، وإضمار الشر، وإرادة الضر، وقد تمثل ذلك جميعه في نظرة أطلقت سهامها عيون عبرت عما تُكِنُّه صدور أولئك القوم، وقد كادت - لولا لطف الله تعالى بنبيّه صلى الله عليه وسلم أن توقع به ضرًا، من فَرْط عداوتهم وتغيُّظِ قلوبهم، والعياذ بالله تعالى.
3-
البصر مقدّم للتبصر والتفكّر والاعتبار، ومن ثَمَّ الهداية:
*
…
قال جلّ من قائل: [الأعرَاف: 184-185]{أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَاّ نَذِيرٌ مُبِينٌ *أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ *} .
*
…
انظر - هداك الله وسدّدك -، كيف جعل الله تعالى النظر ببصيرةٍ وتفكُّر إلى سَمْت النبي صلى الله عليه وسلم وأحواله التي يعرفونها، دليلاً على صدق نبوته وبُعدِه كل البعد عن أي وصف يشكك في نِذارته، كما أن النظر بتفكر في خلق الله تعالى، ودورة الحياة المتعاقبة التي يشهدونها، حيث تبدأ وتزول مرات ومرات، وقد حثهم ليستدلوا بنظرهم هذا إلى أنهم من جنس هذه المخلوقات، وأن أجلهم آتٍ لا محالة، إن ذلك الهدى كله كان مبدؤه من النظر، لكنِ انتهاؤه يكون بالاستبصار والإيمان. فانظر إلى رؤية البصر كيف ترتب عليها - في المآل - إيمان أو تكذيب!!
فواعجباً - بعد ذلك كله - كيف يسوغ لمؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ليلَه يُقلِّب ناظريه فيما لا يحل له النظر إليه، حتى إذا تطلّعت نفسه إلى شيء مما حرمه الله عليه ألفى الباب إليه موصداً، فلم يحصل له إفضاءٌ إلى ما استثاره النظر في نفسه من شهوات، فذهبت نفسه على ذلك حسرات، فاضطر - عند ذلك مكرهاً - إلى كبح جماح نفسه بعد الاستثارة، فتلبَّسه مرضٌ سمَّوْه كبتاً، ولزمَتْه عقدةٌ سمَّوْها نقصاً وتلبّس به اضطراب دعَوْه انفصاماً، فصار بذلك هائماً على وجهه لا يلوي على شيء، واستمر به الحال كذلك حتى حظي به شيطان من شياطين الإنس يؤزُّه آخرُ من شياطين الجن، يوسوس إليه للالتحاق بركبه، وترسُّم خطاه، فإذا التحق به أورده المهالك وأقصاه عن سبيل الهدى، حتى إذا تمكن منه الضلال، وانتهى به الحال إلى نفس أمارة بالسوء، استهوته
الشياطين، وأضرّت به السحرة الأشرار، وقد لا يستقيم له حال بعدها، والعياذ بالله، وقد يموت على ذلك، إلا أن يتداركه الله برحمة وفضل، نسأل الله تعالى حسن الخاتمة، فانظر - رحمني الله وإياك - ما مؤدى تلك النظرات الخائنة التي ظن ناظرها ابتداءً أنها تسرُّه ولا تضره، وتثيره ولا تعذبه، وتنعّمه ولا تشقيه، ومن مرض الشهوة تخلصه وتشفيه!!
يقول الإمام القرطبي رحمه الله: «البصر هو الباب الأكبر إلى القلب، وأَعْمَرُ طرق الحواس إليه، وبحسب ذلك كَثُر السقوط من جهته، ووجب التحذير منه، وغضُّه عن جميع المحرّمات» (1) .
وختاماً: كيف تحفظ بصرك فتحصن نفسك؟
إن ذلك يتأتى لك إذا وفقت إلى غض البصر عما يحرم النظر إليه، بل عن كل فُضول مستغنىً عنه، فإن الله تعالى يسأل عن فضول النظر كما يسأل عن فضول الكلام. إن صرفت العين عن النظر إلى ما سلف لم تقنع به حتى تُشغِلها بما فيه تجارتها وربحها، وهو: ما خُلِقَتْ له من النظر إلى عجائب صنع الله تعالى بعين الاعتبار، والنظر إلى أعمال الخير للاقتداء، والنظر في كتاب الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومطالعة كتب الحكمة للاتعاظ والاستفادة) (2) .
ثالثاً: احفظ الله في سمعك، فإن الله تعالى يقول:[لقمَان: 6]{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ *} .
(1) انظر: الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي (12/222) .
(2)
انظر: إحياء علوم الدين، للغزالي رحمه الله. (5/159) - بتصرف يسير -.
ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ.. (1) ويخوّف عليه الصلاة والسلام أناساً من أمته فيقول: لَيَشْرَبَنَّ أُنَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا، وَيُضْرَبُ عَلَى رُؤُوسِهِمْ بِالْمَعَازِفِ وَالْقَيْنَاتِ، يَخْسِفُ اللهُ بِهِمُ الأَْرْضَ، وَيَجْعَلُ مِنْهُمْ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ (2) .
وفي تفسير قوله تعالى: [لقمَان: 6]{لَهْوَ الْحَدِيثِ} ، [قال عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه: هو «الغناء، واللهِ الذي لا إله إلا هو، يرددها ثلاث مرات» . وكذا قال ابن عباس، وجابر، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومجاهد، ومكحول، وعمرو بن شعيب، وعلي بن بذيمة رحمهم الله، وقال الحسن البصري رحمه الله: «أنزلت هذه الآية [لقمَان: 6]{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} في الغناء والمزامير. وقال قتادة: واللهِ لعله - أي سامع الغناء والمزامير - لا ينفق فيه مالاً، ولكنْ شراؤه استحبابُه، بِحَسْب المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحق، وما يضرّ على ما ينفع] (3) .
ويقول الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله: {لَهْوَ الْحَدِيثِ} ، هو:
(1) جزء من حديث أخرجه البخاري؛ كتاب: الأشربة، باب: ما جاء فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه، برقم (5590)، عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه. والحِرَ: هو الفَرْج الحرام - يعني: الزنا -. والمعازف: هي الأغاني وآلات الطرب.
(2)
أخرجه ابن حبّان في «صحيحه» ، برقم (6758) ، وأحمد في المسند، (4/237) ، من حديث رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وابن ماجَهْ، كتاب: الأشربة، باب الخمر يسمونها بغير اسمها، برقم (3385) ، عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه. بالاقتصار على ذكر الخمر دون المعازف.
(3)
انظر: تفسير القرآن العظيم، لابن كثير. ص 1322، ط - بيت الأفكار الدولية.
[كل كلام يصدّ عن آيات الله واتباع سبيله] . اهـ (1) .
وقال الإمام القرطبي رحمه الله في تفسير الآية عينها: [هذه إحدى الآيات الثلاث التي استدل بها العلماء على كراهة الغناء، والمنع منه. والآية الثانية: [النّجْم: 61]{وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ *} ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: هو الغناء بلغة حِمْيَر، اسمدي لنا، أي: غنِّي لنا. والآية الثالثة: قوله تعالى: [الإسرَاء: 64]{وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ} . قال مجاهد: الغناء والمزامير] (2) . اهـ.
أيها الأخ الحصيف، هذا قول الله تعالى، وقول رسوله صلى الله عليه وسلم، وفِقْهُ بعض أولي العلم لذلك، فاحذر على نفسك من سماعٍ لا يليق بمؤمن، ومما يجرّئ الشياطين على التعرُّضِ لقلبك، فربما استحوذ الشيطان على عبد فأنساه ذكر الله، جراء تعلق قلبه وتسخير جوارحه فيما لا يثمر خيراً ولا يليق - أصلاً - بما خُلق الإنسان له من عمارة الأرض بعبادة الله، واستخراج مكنوناتها بما ينفع ساكنيها، فإنك ترى أحدهم قد بذل الغالي والنفيس من ماله وعمره في تعلّم لهو رخيص، قاصداً بذلك متعة آنية، ومالاً مورَّثًا لمن بعده، تراه قد اتخذ سبيل الله (الطريق الذي اختطه الله تعالى لعباده ليسلكوه في حياتهم الدنيا) هزواً فيَضِلّ عن هذا السبيل، ويُضِلّ غيره، حتى يصدق عليه قول الله تعالى [لقمَان: 6-7] {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ *وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ
(1) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، (21/63) .
(2)
انظر: الجامع لأحكام القرآن، (14/48) .
بِعَذَابٍ أَلِيمٍ *} .
فما الذي تسبب بهذا الوقر - الحاجز المانع - في الأذنين، عن تلقي الحق بالقبول، وسماعه بتدبر؟ لقد امتلأت هاتان الأذنان - وقد أُرهِقتا بما أرهقهما ليلاً ونهاراً سراً وجهاراً - بالغناء فاحش اللفظ، والمزامير الداعية إلى التمايل، فلما أن صار ذلك دَيْدن الأذنين لم تعودا تستسيغان سماع آيات الله تعالى، فقد انشغل القلب بمؤدى ذلك الغناء، من دعوات إلى الأهواء، وحثٍ على الشهوات، فصار القلب - والعياذ بالله - يَرِدُ غير ما تعوّده، فتجده وقد فَقَدَ حصانته التي فُطِر عليها، فإذا نادته مزامير الشياطين أقبل عليها وزال الوقر عن أذنيه؟ ولو ناداه داعي الرحمن أعرض عنه غير مُبالٍ، كالأصمّ غافلِ القلب!! هذا، فيما لو فرضنا أن الأغاني المنتشرة في مجتمعاتنا، انتشار النار في الهشيم، لا تحوي إلا على دعواتٍ سافرات للحب - غير البريء - وأنها تحكي قصص العاشقين المولهين، حتى ليخيل إلى الشاب أو الفتاة أنْ لا مناص من محاكاة ما يجري مع هؤلاء، فترى أحدهم - أو إحداهن - يلهث باحثاً عن قصة حب ولو متخيَّلة، ليستطيع بذلك أن يتفاعل بصدق مع كلمات تلك الأغنية أو معاناة ذلك المغنّي، وقد فاته أن من يسبر أغوار حياة بعض أولئك [النجوم] لَيَهُولُه ما يجده من سعيهم الحثيث وتهافتهم على شركات الإنتاج بغية إصدارِ [ألبومٍ جديد فيه أغنية (تضرب في السوق) ، فيحصل بذلك له ما ابتغاه من حطام الدنيا ونعيمها الزائل.
أقول: لو فرضنا ذلك لكان الخطب يسير، لكن - للأسف البالغ - فإنك تجد بعضها وقد تجرّأ بذكر اسم الله تعالى، فيقسم به مراتٍ ومرات على أمر لم ولن
يحصل، أو يحكي بأن صبره على صدِّ محبوبه قد قارب أو ساوى أو حتى فاق في بعض الأحيان صبر النبي أيوب عليه السلام، أو أنه لا يبغي دخول الجنة إلا برفقة من أغوته في الدنيا، أو أنه مستعد أتم الاستعداد لأن يلقي بنفسه في دركات جهنم إن كان ذلك يجمعه مع محبوبه، هذا، ناهيك عما يترافق في سهرات الغناء من تمايل الحضور - رجالاً ونساءً - على أنغامِ ما يلقيه النجم المغني على مسامعهم، وقد تجد بعض الحضور ثَمِلاً قد فَقَدَ السيطرة على نفسه، فهو يراقص من يعرف ومن لا يعرف، ونساءً يصرخن بأعلى ما تبلغه شدة تذبذب الأصوات البشرية، وغاية ما تطيقه حبال حناجرهن الصوتية، ومن ثَمَّ تراهنّ يتدافعن ليلقين بأيديهن متشوّفاتٍ إلى مصافحة المطرب - بالطاء لا بالكاف، كما يسمُّونه زُوْرًا - ثم هن قد يقَبِّلْنَه، بشغفٍ بمحضرٍ من أزواجهن أو آبائهن أو إخوانهن أو حتى أبنائهن!!
هذه صورة واقعة - للأسف - في كثير من مجتمعات المسلمين، وقد قصدت بتسطيرها بيانَ الضرر الهائل لهذه المزامير وأهلها، ثم - بعد ذلك كله - قد تجد من يفتيك بأن الغناء مكروه فقط، وقد قال بإباحته فلان وفلان!!
نعم، لكنْ هل هذه الفتاوى تنطبق على حال الغناء الذي نشهده اليوم وما يتبعه من منكرات، والذي لا يشك عابد فضلاً عن عالم بحرمته؟!.
سئل سماحة الشيخ عبد الله بن جبرين حفظه الله، ونفع بعلمه، عن أسباب كثرة إصابة الناس بالسحر أو العين أو المس ونحو ذلك؟
فأجاب - حفظه الله -: من أسباب ذلك الغفلة عن ذكر الله، وعن تلاوة كتابه، وذلك لأن الذِّكر يعتبر حصناً حصيناً من ضرر الشياطين، ولذلك نرى أن أهل الخير والصلاح لا يضرّهم عمل السحرة ولا حِيَلُهم، وأكثر ما يتسلطون على أهل الملاهي والغفلة، كما أن من أسباب الإصابة عمل المعاصي واقتراف الفواحش، والذنوب ضِدٌّ على صاحبها، فلا يؤمَن أن يسلَّط عليه الشيطان بواسطة الساحر والعائن ونحو ذلك، وهكذا من الأسباب استعمال آلات اللهو وإدخالها في المنازل فإنها مجلبة للشياطين ومَرَدة الجن، حيث إن أغلب ما تتسلط الشياطين على أهل الملاهي، وتألف تلك المساكن الخالية عن الخير والممتلئة بالأشرار، فيجد الشيطان إليهم سبيلاً، ويستطيع الساحر أن يؤثر فيهم بمن سخّره من الجن، سواء بالصرع أو بالمس أو العين، وهناك أسباب أخرى كالابتلاء والامتحان وإظهار قدرة الله، وإظهار أثر المعاصي ونحو ذلك، ولا شك بأن هذه الإصابات كلها بقضاء الله وقدَره، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولكن يسلّط الشياطين على أعدائه، كما قال تعالى:[مَريَم: 83]{أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا *} ، أي: تزجُّهم إلى الكفر والمعاصي، فمن أراد الحفظ أو الوقاية من شرّهم الحسي أو المعنوي، فعليه أن يتحصّن عن الذنوب بذكر الله وطاعته وكثرة الحسنات والأعمال الصالحة، والله يتولى الصالحين. اهـ (1) .
أخي القارئ، يبقى أن هناك مسموعات تصد عن ذكر الله وتُسلِّط
(1) انظر: منكرات الإنسان فيما يسلط الجن والشيطان، لأسامة المعاني ص: 26، وقد نقل الفتوى عن مخطوط بخط الشيخ عبد الله الجبرين - وذكر أنها بحوزة الشيخ علي بن حسين أبو لوز (1/147) .
أعداء الله، غير ما ذُكر من الغناء والمعازف، كمثل سماع الفاحش من الكلام، أو سماع الاستهزاء في مجلس بشيء من دين الله، والقعود معهم، أو سماع غيبة أو نميمة أو بهتان في أعراض، ونحو ذلك مما عُلِمَتْ حرمةُ سماعه، والله أعلم.
رابعاً: احفظ الله فيما تلفظ من قول، فإن الله عز وجل يقول:{مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ *} [ق: 18]، ويقول سبحانه وتعالى:{وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ *كِرَامًا كَاتِبِينَ *يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ *} [الانفِطار: 10-12]، ويقول جلّ شأنه:{وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ *} [المؤمنون: 3]، ويقول تبارك اسمه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا *} [الأحزَاب: 70] .
واحفظ لسانك: فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ، مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا، يَزِلُّ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ الْمَشْرِقِ، [وَالْمَغْرِبِ] (1) . ويقول عليه الصلاة والسلام: إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللهِ، لَا يُلقِي لَهَا بَالاً، يَرْفَعُهُ اللهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ، لَا يُلقِي لَهَا بَالاً، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ (2) . ويقول صلى الله عليه وسلم: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللهِ تَعَالى، مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ، يَكْتُبُ اللهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إِلى يَوْمِ
(1) أخرجه البخاري؛ كتاب: الرِّقاق، باب: حفظ اللسان، برقم (6477)، عن أبي هريرة رضي الله عنه. ومسلم؛ كتاب: الزهد والرقائق، باب: التكلُّم بالكلمة يهوي بها في النار، برقم (2988) ، عنه أيضاً. واللفظ للبخاري، وما بين معقوفين زيادة عند مسلم.
(2)
التخريج السابق عند البخاري، برقم (6478) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أيضاً، وهو عند مسلم أيضاً مختصراً بالتخريج السابق.
يَلْقَاهُ. وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ، مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ، يَكْتُبُ اللهُ عَلَيْهِ بِهَا سَخَطَهُ إِلى يَوْمِ يَلْقَاهُ (1) .
ويرشد صلى الله عليه وسلم أمته بقوله: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أَوْ لِيَصْمُتْ
…
(2) ، وقد بشر صلى الله عليه وسلم من حفظ لسانه عن قول السوء، وفرجَه عن مقاربة الزنا، بشّره بالجنّة، فقال عليه أزكى صلاة وأبلغ تسليم: مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ، وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ (3) .
هذه النصوص الكريمة من كتاب الله وسنّة نبيّه صلى الله عليه وسلم، وغيرها كثير جليل، كلها دالٌّ بوضوح على عِظَم خطر شأن اللسان، والكلمة الصادرة عنه، ومع ذلك كله فإن الإنسان بعامة لا يستشعر هذا الخطر، وقد يظن ظان بأن الكلمة تتلاشى في الأثير وتمر محاذية لآلة السمع، وأمرها كأمر نسمة هواء عابرة، ومن ثم فلا يؤاخذ بقوله، حيث يُخيِّل إليه الشيطان أنها لا أثر ملموساً لها على جسد السامع، ومن ثَمَّ فهي لم تؤذه، فلا داعي للكف عن قولها أو الاعتذار بعده.
(1) أخرجه الترمذي؛ كتاب: أبواب الزهد، باب: ما جاء في قلة الكلام، برقم (2319) ، عن بلال بن الحارث المُزَني، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وابن ماجَهْ؛ كتاب: أبواب الفتن، باب: كفُّ اللسان في الفتنة، برقم (3969) ، عنه أيضاً. وهو عند أحمد (3/469) ، من حديث بلال بن الحارث أيضًا.
(2)
جزء من حديث أخرجه البخاري؛ كتاب: الرِّقاق، باب حفظ اللسان، برقم (6475)، عن أبي هريرة رضي الله عنه. وهو أيضًا جزء من حديث أخرجه مسلم؛ كتاب: الإيمان، باب: الحث على إكرام الجار والضيف ولزوم الصمت إلا عن الخير
…
، برقم (47) ، عنه أيضاً.
(3)
أخرجه البخاري؛ كتاب: الرقاق، باب: حفظ اللسان، برقم (6474)، عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه. وفي لفظ عنده أيضاً: «مَنْ تَوَكَّلَ لِي
…
تَوَكَّلْتُ لَهُ
…
» برقم (6807) عنه أيضاً.
لكن ما يشهد به الواقع من حال الناس - فضلاً عما بينته النصوص - دال على خلاف ذلك، فكم هُدِّمت علاقة طيبة بفعل كلمة جرت على لسان، وكم هُتِك عرض ودُمِّرت حياة بسبب اتهام باطل نطق به إنسان، وكم من سمعة طيبة لمجتمع بأكمله أَسْهَم في تشويهها وصفٌ ارتآه فلان من أصحاب القلم وأولي البيان، بل كم من فتنة جَرَّت بعدها حربًا ضروسًا، كان مردّها لكلمة جرّحت هيئة أو نالت من منزلة سلطان، أو لم توافق هوى لحاكم ظالم، وها هو الواقع والتاريخ يشهدان لذلك كله، فما السر الكامن في قوة الكلمة؟ أفلا يستطيع الناس أن يتسامعوا محكيَّاتِهم، من غير أن يؤاخِذَ بعضُهم بعضاً في الجهر بالسوء من الأقوال؟ هذا ما أكدت الشريعة نفيَه تأكيداً جازماً، وقد زادتنا علماً بأن هذا الكلام الجاري على اللسان، إنما هو ترجمان صادق لما في القلب، وبأننا سوف نتحمل تبعاته آجلاً فضلاً عن تحمّل ذلك إياها عاجلاً، فها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ينبّه معاذاً رضي الله عنه، حين استشكل هذا المفهوم، بقوله صلى الله عليه وسلم: أَلَا أُخْبِرُكَ بِمَلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟ فقلتُ - أي معاذ رضي الله عنه: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسانه وقال: كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا قلت: يانبي الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟! فقال: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ! وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ - أَوْ قَالَ: عَلَى مَنَاخِرِهِمْ - إِلَاّ حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ (1) . فتأمّل - رحمك الله - كيف وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم حفظ اللسان بملاك أمر الإسلام كله، ثم جعل صلى الله عليه وسلم سبب هلاك
(1) جزء من حديث أخرجه الترمذي بطوله، كتاب: الإيمان، باب: ما جاء في حرمة الصلاة - أي: منزلتها العظمى في الإسلام -، برقم (2616)، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وابن ماجَهْ؛ كتاب: الفتن، باب: كف اللسان في الفتنة، برقم (3973) ، عنه أيضاً.
الناس - عامة - نتيجةً لما نطقوا به في الحياة الدنيا!!
فما ميزان الشرع في طريق حفظ اللسان؟ لقد دل الحديث الشريف: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أَوْ لِيَصْمُتْ
…
(1) ، على ضابط اللسان لدى المؤمن، حيث يلزم من فقه هذا الحديث ثلاثة أمور:
الأول: عند إرادة المؤمن الكلام ينبغي له استحضار عظمة الله، وإحصائه أعمال العباد - ومنها الأقوال - ومحاسبته عليها يوم القيامة.
الثاني: اجتهاد المؤمن في التعوّد على الصمت، ما أمكن، وتدريب النفس على ذلك، مرة بعد مرة.
الثالث: إن لم يكن من الكلام بُدٌّ، فليكن فيما تُحمَد عقباه، من قولٍ في خير، أو قولٍ مباح.
ولنذكر الآن تسع عشرة آفة من آفات اللسان: نسردها سرداً، مما ينبغي للمؤمن أن ينزّه لسانه عن أن يجري به (2) :
1-
…
التكلم فيما لا يعني من الكلام، وحدُّه: أنْ لو سُكِت عنه لم يأثم الصامت ولم يُستضر. أو السؤال عما لا يعني أيضاً، لما فيه من مضيعة للوقت أو مضرة على السائل أو المسؤول.
2-
…
التبسّط في الكلام فيما يعني، والعمد إلى فُضول الكلام، فلو تأدى المقصود بكلمة واحدة، فالثانية فضول زائدة عن الحاجة، وإن لم يكن في قول فضول الكلام إثم ولا ضرر، لكنْ [حَسْبُ
(1) سبق تخريجه ص164 بالهامش ذي الرقم (2) .
(2)
استفدت ذلك من: إحياء علوم الدين للغزالي رحمه الله. (3/178) وما بعدها.
المؤمن من الكلام ما بَلَغَ به حاجته] (1) .
3-
…
الخوض في الكلام الباطل، كالتحدث بالمعاصي، أو التفكُّه بأعراض الناس، أو الخوض فيما جرى أو يجري من فتن بين الناس.
4-
…
العمد إلى المراء، وهو الطعن في كلام الغير، بقصد إظهار خلل فيه، وليس من المراء بيان بطلان بدعة، أو الردُّ على مذهب فكري فاسد. بتراتب منطقي، مؤيّدٍ بأدلة شرعية.
5-
…
المخاصمة بالباطل في مجادلة أو مناظرة ما، كأن تكون مخاصمة بغير علم ولا تبيُّن فيها لوجهة نظر المجادَل، أو النطق بلفظ نابٍ عند المحاجَّة، أو العمد إلى جَدْل الخصم بعناد لقهره، لا لإظهار وجه الحق.
6-
…
التكلُّف في الكلام، والتصنُّع فيه بما يُخرِجه عن مقصوده وعن تحقيق الغرض منه، ولا يدخل في ذلك تحسين ألفاظ الخطابة، بما يشد السامع ويستجيش عاطفته الإيمانية، فيؤدي غرض الوعظ والتذكير وترقيق القلوب.
7-
…
الفحش في الكلام، وبذاءة اللسان، وهو التجرؤ بالتعبير عن المراد بعبارات غير لائقة بقائلها فضلاً عن المقولة له، ومما قد يفضي إلى الفحش في الكلام: ترك التكنية في الألفاظ الصريحة، فالأَوْلى في حق المؤمن أن يكنّي ويتلطف في ألفاظه، ولا يعبر
(1) هذا شطر من قول لابن مسعود رضي الله عنه، وتمامه:[أُنذركم فُضول كلامكم، حسب امرئ من الكلام ما بلغ به حاجته] اهـ. انظر: الإحياء (3/182) .
بصريح اللفظ عما قد يُستحيا منه، ومثاله: قوله الملامسة بدلاً من قوله الجماع، وأم الأولاد بدلاً من الزوجة، وأن يكني عن مرض قد يخجل صاحبه من ابتلائه به، فيقول: عارض ألمَّ به، بدلاً من تسمية مرضٍ كالعُنَّة أو الباسور، ونحو ذلك.
8-
…
اللعن - والعياذ بالله - وهو: الوصف بالطرد والإبعاد من رحمة الله، وفي قول اللعن خطر عظيم لكون اللاعن يتألى على الله تعالى أنه لا يرحم فلاناً، وأنه أَبْعَدَ الملعون، وذلك غيب لا يحكم به ولا يطّلع عليه غير الله تعالى.
9-
…
الغناء، بما يحرم - كالمعهود في عصرنا -، وإنشاد الشعر بكلام مستكره أو فاحشٍ، أو بتوسعٍ في مدح، أو بكذبٍ فيه، والعياذ بالله. أو التوسع في مزاح كاذب - فهو مُسقِط للهيبة مُمِيت للقلب-، وإن كان الغرض منه إضحاك الغير - وضابط المزاح المباح: ألا تقول إلا حقاً، وألا تؤذي قلباً، وألا تتخذ المزاح حِرْفة تواظب عليه، وتُفرِط فيه، وهذا الأخير هو من أشنع الخصال التي طالما ارتدّت إلى ضد الغرض منها وأفضَتْ إلى خصومة بيِّنة.
10-
…
النطق بالاستهزاء والسخرية، والتنقّص من قَدْر الآخرين، ومما يدخل في ذلك - ولا يُتفطَّن إليه -: التنبيهُ على العيوب والنقائص، لا بقصد إصلاحها، بل بقصد التحقير والاستهانة بمن اتصفّ بها أو ذكرها على وجه يُضحَك منه، حتى لو كان ذلك بإشارة لا بتصريح، كذلك الاستهزاء في غيبة المُستهزَأ به، وهو من أقبح صور الغِيبة، ومن صنوف الاستهزاء الضحك على صورة
فلان أو صفة من صفاته الخَلْقية كالقِصَر أو العَوَر أو العَرَج ونحوه، ومن السخرية التي لا يُتنبّه إليها كذلك: الضحك على طريقة المشي، أو الكلام، أو صورة الخط، أو التنقص من قدر الصنعة، والمؤمن يحفظ لسانه ويكفّه عن جميع ذلك في حضرة المُتكلَّم عنه، أو في غيبته، ذلك كي لا ينزغ شيطان بينه وبين أخيه، فيما لو علم أنه كان محلاً للسخرية من قِبَلِه، أو مخافة أن يقع في قلب المستهزئ كِبْر وعُجْبٌ وترفُّعٌ عن قَدْرِ عباد الله تعالى، فإن الحاكم - في خيرية الناس أو عدمها - هو الله تعالى، قال سبحانه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ} [الحُجرَات: 11] .
11-
…
خيانة الأمانة: بإفشاء السر حيث إن إفشاءه قد يضر بمن استكتم أخاه سرًا، فيؤدي إلى ملامة وعتاب، وربما وجد في نفسه شيئاً على من أفشى سره، فينزغ الشيطان بينهما. وإن لنا في أنسٍ - خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم لقدوة حسنة في الحرص على حفظ السر، حتى عن أقرب الناس إليه؛ وهي والدته حيث قال لها: (سرُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فشجعته رضي الله عنهما على ألَاّ يبوح بما استكتمه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم من سِرٍّ.
12-
السِّباق إلى الوعد، والتعجُّل به، بما لا يسمح بالوفاء، فيصير الوعد إذ ذاك خُلْفاً، وهو من أمارات صورة النفاق الأربع (1) ، ولا
(1) كما في الحديث: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ» انظر: صحيحي البخاري ومسلم؛ الأول برقم (34) ، والثاني برقم (58) .
يدخل ذلك في النفاق إلا إذا وعد عازماً على ألا يفي بموعده، والأَوْلى للمؤمن أن ينزِّه نفسه عن كثرة الوعد، أو أن يضبطه بقوله: عسى، أو إن شاء الله، - والمشيئة المقصودة هنا على التحقيق لا على التعليق -، ولا يخرج من صورة النفاق وحقيقته إلا إذا وعد عازماً على الوفاء، فمنعه مانع منه. ولا يخفى ما لخُلق الوعد الكاذب من أثر سيئ في العلاقة بين الناس، وفَقْد مصداقية صاحب الوعد المُخلِف فيه من غير عذر.
13-
…
الكذب في القول عامة، وفي اليمين - خاصة في تنفيق السلع -، والكذب من قبائح الذنوب، وأوحش العيوب، حتى لو كان على سبيل المزاح.
هذا، وقد توعّد رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الرجل الكذاب بعذاب في قبره إلى يوم القيامة (1) وقال عليه الصلاة والسلام: ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، قَالَهَا ثَلَاثَ مِرَارٍ، فقال أبو ذر رضي الله عنه: خابوا وخسروا، من هم يا رسول الله؟ قال: الْمُسْبِلُ إِزَارَهُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ (2) . وقال
(1) من معنى حديث طويل في رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أخرجه البخاري بطوله؛ في خاتمة كتاب: التعبير، باب: تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح، برقم (7047)، عن سَمُرة بنِ جُنْدبٍ رضي الله عنه. وبيان كيفية عذاب الكذاب في قبره من نصّ الحديث:«وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ، يُشَرْشَرُ شِدْقُهُ إِلى قَفَاهُ، وَمَنْخِرُهُ إِلى قَفَاهُ، وَعَيْنُهُ إِلى قَفَاهُ، فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَغْدُو مِنْ بَيْتِهِ، فَيَكْذِبُ الْكَذْبَةَ تَبْلُغُ الآفَاقَ» . والحديث أخرجه مسلم كذلك، كتاب: الرؤيا، باب: رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم، برقم (2275) ، عنه أيضاً، مقتصراً على مطلع الحديث:«هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمُ الْبَارِحَةَ رُؤْيَا» ، ولم يَسُق مسلم رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم كما ساقها البخاري رحمهما الله.
(2)
أخرجه مسلم؛ كتاب: الإيمان، باب: بيان غلظ تحريم إسبال الإزار
…
، برقم (106) ، عن أبي ذر رضي الله عنه.
صلى الله عليه وسلم وَيْلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ فَيِكْذِبُ لِيَضْحَكَ بِهِ الْقَوْمُ، وَيْلٌ لَهُ، وَيْلٌ لَهُ (1) .
ولا يدخل في الكذب ما رُخّص فيه، بقصد إصلاح، أو خدعة في حرب، أو تودد لزوج. وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام: لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ، وَيَقُولُ خَيْراً، ويَنْمِي خَيْراً، وقالت: أم كلثوم بنت عقبة رضي الله عنها: [ولم أسمع يرخّص في شيء مما يقول الناس كذبٌ إلا في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأتَه وحديث المرأة زوجَها](2) .
هذا، وإن أشنع صور الكذب، كذبٌ على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، كتحريم حلال أو تحليل حرام أو وضع حديث. يقول الله تعالى:[الأنعَام: 21]{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ *} . ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: مَنْ تََعَمَّدَ عَلَيَّ كَذِباً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ (3) . وبالمقابل، فإن من صوره التي لا يُتنبّه لها: الكذب بادعاء رؤيا أو حُلُم لم يره، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول في ذلك: مَنْ تَحَلَّمَ بِحُلُمٍ لَمْ يَرَهُ، كُلِّفَ
(1) أخرجه أبو داود؛ كتاب: الأدب، باب: التشديد في الكذب، برقم (4990)، من رواية بهز بن حكيم عن أبيه عن جده رضي الله عنه. والترمذي؛ كتاب: الزهد، باب: ما جاء من تكلم بالكلمة ليضحك الناس، برقم (2315)، عنه أيضاً. وقال: هذا حديث حسن.
(2)
أخرجه البخاري؛ مختصراً - من غير زيادة ابن شهاب لكلام أم كلثوم رضي الله عنها، كتاب: الصلح، باب: ليس الكاذب الذي يصلح بين الناس، برقم (2692) ، عن أم كلثوم بنت عقبة رضي الله عنها. ومسلم - مطولاً بالزيادة، ومختصراً من غيرها -؛ كتاب: البِرّ والصلة والآداب، باب: تحريم الكذب وبيان المباح منه، برقم (2605) ، عنها أيضاً.
(3)
متفق عليه من حديث أنس رضي الله عنه: أخرجه البخاري؛ كتاب: العلم، باب: إثم من كذب على النبي صلى الله عليه وسلم، برقم (107)، ومسلم؛ في مقدمة صحيحه؛ باب: تغليظ الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم برقم (2) .
…
فائدة: وهذا الحديث متفق عليه أيضًا من حديث عليٍّ والمغيرة وغيرهما، وهو متواتر لفظًا ومعنى.
أَنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْنَ وَلَنْ يَفْعَلَ.... (1) .
15-
الوقوع في الغِيبة، وحدّها: أن تذكر أخاك بما فيه من صفة يكره أن يوصف بها، أو التنقص من شيء يتعلق به، كداره أو ثوبه ونحوه. ومما يدخل في حدّ الغيبة التعريض والتلميح إلى صفة نقص بأخيك، بطريق الإشارة والإيماء أو الغمز وكل ما يُفهِم المقصود، كأن يشير أحدُهم بيده مُفهِماً قِصَر فلان، أو يهز بيده مشيراً إلى خفة عقل فلان، أو يحاكي مشية فلان. وبالجملة، فإن المحذور - الغيبة - يقع بكل ما يُفهم التنقص، ولو كان ظاهره المدح، كقول أحدهم - مظهراً لصلاحه - إذا ذُكِر شخص بعينه، فقيل له: ما رأيك بفلان؟ فقال: نعوذ بالله من قلة الحياء، أو مِنْ طَلَبِ الدنيا، اللهم اعصمنا من ذلك، وهو يريد بذلك التنقص من أخيه، مع امتداح نفسه، فذكر ذلك بصيغة الاستعاذة أو الدعاء.
ولا يدخل في الغيبة خمسة أمور:
1-
…
التظلّم عند من يستطيع دفع الظلم، كأن تشكو ظالماً لقاضٍ ليدفع الظلم عنك.
2-
…
الاستعانة على تغيير المنكر ورد العاصي إلى سبيل الصلاح، وذلك بقصد إصلاحه لا الوشاية به.
3-
…
تحذير المسلم من شر يتهدده، كتحذيره من مصاحبة أهل البدع والأهواء.
(1) جزء من حديث أخرجه البخاري؛ كتاب التعبير، باب: من كذب في حُلُمه، برقم (7042)، عن ابن العباس رضي الله عنهما. وعن أبي هريرة أيضاً بلفظ: «مَنْ كَذَبَ فِي رُؤْيَاهُ
…
» الحديث.
4-
…
الاستفتاء، كما يقول للمفتي: ظلمني فلان، فكيف طريقي إلى الخلاص.
5-
…
ذكر الشخص بصفة لا يعرف إلا بها، بقصد التعريف لا التنقص؛ كالأعرج، والأعمش، والأعور، ونحو ذلك.
وتأمل - أخي القارئ - بعدها شدة التنفير من إثم الغيبة، في كلام الله تعالى، وقول رسوله صلى الله عليه وسلم:
قال تعالى: {وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ} [الحُجرَات: 12] . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أَتَدْرُونَ مَا الْغِيَبةُ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ، قيل: أفرأيتَ إن كان في أخي ما أقول؟، قال: إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ، فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ (1) .
16-
…
ومن أعظم آفات اللسان: النميمة، وهي: نقلُ ونمُّ قولِ الغير إلى المقول فيه بقصد التحريش بين الناس، وإفساد ذات البَيْن، كأن يقول: إن فلاناً كان يتكلم فيك بكذا وكذا. والنميمة تقع باللسان، كما تقع بغيره ككتابةٍ أو إيماءٍ مُفهِمٍ، حيث إنّ مقصدها كشف المقول بأي طريقة.
قال تعالى في وصف من اشتدَّت عداوتُه للإسلام وأهله: {هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ *} [القَلَم: 11] . وقال سبحانه - في حق من وشى بالصحابي الجليل الحارث بن ضرار والد أم المؤمنين جويرية رضي الله عنها، وكانت الوشاية بأنه وبني المصطلق قد منعوا الزكاة وأرادوا
(1) أخرجه مسلم؛ كتاب: البرّ والصِّلة والآداب، باب: تحريم الغيبة، برقم (2589) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ *} [الحُجرَات: 6] ، وقد تثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم من صحة نسبة ذلك - بسؤال الحارث رضي الله عنه، فألفاه وبني المصطلق مُبرَّئين مما نُسب إليهم (1) .
ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ (2) . وفي جزاء النمّام في عالم البرزخ (حالُه في القبر)، يقول عليه الصلاة والسلام حين مرّ بقبرين -: إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَبْرِئُ مِنَ الْبَوْلِ، وَأَمَّا الآْخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ. ثُمَّ أَخَذَ صلى الله عليه وسلم جَرِيدَةً رَطْبَةً فَشَقَّهَا نِصْفَيْنِ، فَغَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً، قالوا: يا رسول الله، لم فعلت هذا؟ قال: لَعَلَّه يُخَفِّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا (3) . فإن كان ذلك جزاء النمّام وعذابه في القبر، فكيف بما بعده؟
17-
…
الآفة السابعة عشرة هي كلام ذي اللسانَيْن، وهو الذي يتردد بين المتعاديَيْن، فيكلِّم كلَّ واحد منهما بكلام يوافق هواه، ويكون ذلك بمجاملته بما يحبه. من عداوة صاحبه له، أو بنقل كلام كل منهما
(1) انظر: الرواية بتمامها، في مسند الإمام أحمد، مسند الكوفيين، من حديث الحارث بن ضرار الخزاعي رضي الله عنه.
(2)
متفق عليه، من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما، أخرجه البخاري، كتاب: الأدب، باب: ما يكره من النميمة، برقم (6056)، ومسلم؛ كتاب: الإيمان، باب: بيان غِلَظ تحريم النميمة، برقم (105) . و «قتَّات» يعني: نمّام، كما بينته رواية لمسلم رحمه الله.
(3)
متفق عليه، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما؛ أخرجه البخاري، كتاب: الوضوء، باب: ما جاء في غسل البول برقم (218)، ومسلم؛ كتاب: الطهارة، باب: الدليل على نجاسة البول ووجوب الاستبراء منه، برقم (292) .
للآخر بما يَكْره، مما يتسبّب في إيغار صدره على أخيه، أو بوعده لأحدهما أو لكليهما بنصرته على من عاداه، أو بالثناء عليه بسبب معاداته للآخر، ونحو ذلك مما يؤجج نار العداوة بينهما، وهذا شر من النميمة وهو عين النفاق، - إن كان المتخاصمان إنما تعادَيا بسبب تخالف الدين - وإلا فهو من خصال المنافقين والعياذ بالله. ولا يدخل في (ذي اللسانين) من يُضطر لمداراة ذي شرٍ اتقاءً لشره، كأن يتبسم بوجهه أو يقبل على الترحيب به، لكنْ شرط ألا يثني عليه خيراً مما ليس فيه، أو يقرّه على باطل يقوله، أو يجاريه في بدعة ارتكبها أو معصية اجترحها.
يقول صلى الله عليه وسلم: تَجِدُونَ النَّاسَ مَعَادِنَ، خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الإِْسْلَامِ، إِذَا فَقِهُوا، وَتَجِدُونَ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ فِي هَذَا الأَْمْرِ، أَكْرَهُهُمْ لَهُ، قَبْلَ أَنْ يَقَعَ فِيهِ، وَتَجِدُونَ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ ذَا الْوَجْهَيْنِ، الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ (1)، وتقول السيدة عائشة رضي الله عنها: استأذن رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ائْذَنُوا لَهُ، بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ، أَوِ ابْنُ الْعَشِيرَةِ، فلما دخل ألان له الكلام. قلت: يا رسول الله، قلتَ ما قلت، ثم ألنْتَ له الكلام؟! فقال عليه الصلاة والسلام: أَيْ عَائِشَةُ، إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ أَوْ وَدَعَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ (2) .
(1) متفق عليه، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أخرجه البخاري؛ كتاب: المناقب، باب: قول الله تعالى: [الحُجرَات: 13]{يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى} . برقم (3493)، ومسلم؛ كتاب: فضائل الصحابة، باب خيار الناس، برقم (2526) .
(2)
متفق عليه، من حديث السيدة عائشة رضي الله عنها. أخرجه البخاري؛ كتاب: الأدب، باب: ما يجوز من اغتياب أهل الفساد والرِّيَب، برقم (6054) . ومسلم؛ كتاب: البرِّ والصِّلة والآداب، باب: مدارة من يُتّقى فُحْشُه، برقم (2591) .
18-
…
المديح والثناء بأوصاف مطلقة باطنة، لا يمكن الاطلاع عليها، كالوصف بالتقى والورع والزهد، ومن المديح المذموم كيل أوصاف الكمال على امرئ لم يعرفه تمام المعرفة بعدُ، ولم يخالطه بعِشرة في سفر ونحوه، يبتغي بذلك التوصل إلى منفعة آنية، أو رياسة دنيوية. أما لو علم أنه لا يفرح بمدحه ولا يتكبر بسببه، وكان صالحاً فيما يظهر من حاله، وكان لا بد من وصفه، فوصَفَه بما يعرف من حاله الظاهر من غير إفراط، كأن قال: أَحْسِبُ فلاناً كذا، والله حسيبُه، ولا أزكّي على الله أحداً، كان ذلك مشروعاً (1) .
ولعل الحكمة في المنع من كيل المديح على من ليس أهلاً له، هي حصول التألّي والادعاء عند المادح بمعرفة باطن الممدوح، وحصول الفرح الناتج عن الكِبْر والعُجبِ بالنفس عند الممدوح، وسداً لمدخل الشيطان إلى نفس كلٍّ منهما؛ يوسوس للمادح أن ازددْ ثناءً على صاحبك عسى أن تنال شيئاً من فتات الدنيا، ويوسوس للممدوح بقوله: لو لم تكن أهلاً لذلك لما امتدحك الخلق، وقد يكون في واقع حاله ليس أهلاً لذلك.
قال الله تعالى: {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} [النّجْم: 32] .
وقال سبحانه: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً *} [النِّسَاء: 49] . {قليلا} : هو الخيط الرقيق في وسط النواة.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل مدح رجلاً في حضرته صلى الله عليه وسلم: وَيْحَكَ،
(1) كما سيأتي - في الهامش التالي - من عنونةٍ للإمام مسلم رحمه الله: باب النهي عن المدح إذا كان فيه إفراط، وخيف منه فتنة على الممدوح.
قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ، - يَقُولُهُ مِرَاراً - إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ مَادِحاً لَا مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ: أَحْسِبُ كَذَا وَكَذَا، إِنْ كَانَ يُرَى أَنَّهُ كَذِلِكَ، وَاللهُ حَسِيبُهُ، وَلَا يُزَكِّي أَحَداً (1) .
وقد أثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي بكر رضي الله عنه، خيراً بما يعلم صلى الله عليه وسلم من حاله رضي الله عنه، ففي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ، لَمْ يَنْظُرِ اللهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فقال أبو بكر رضي الله عنه: إنّ أحد شِقَّيْ ثوبي يسترخي، إلا أنْ أتعاهد ذلك منه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إِنَّكَ لَسْتَ تَصْنَعُ ذَلِكَ خُيَلَاءَ (2) .
19-
…
التسرّع بالنطق بما لا يخلو التلفظ به من زللٍ، ذلك أن اللسان من لطائف عجيب صنع الله تعالى، فهو منطلق بطبعه، لا تكلّ عَذَبته مهما أطلقت، ولا مؤنة في تحريكه - مع خطره الجسيم - ولا يَرُدُّه إلا العقل الحكيم، المتقيد بلجام الشرع الكريم. لذا، فإن المرء قد يجري لسانه بما لا يحب، أو بما لا يريد أحياناً، وربما نطق بما لا يفقه عظيم خطره، لجهل أو غضبٍ، ومن ذلك أن يسوّي بين الله وبعض خلقه في الاعتراف بالمِنَّة والإنعام، أو بالتسوية في المشيئة، فينسب الفضل إلى الله وإلى عباده في آن، كأن يقول: إن ما أصابه من خير كان من الله ومن فلان،
(1) أخرجه البخاري؛ كتاب: الأدب، باب: ما يُكره من التمادح، برقم (6061) ، عن أبي بكرة رضي الله عنه، ومسلم؛ كتاب: الزهد والرقائق، باب: النهي عن المدح إذا كان فيه إفراط وخيف منه فتنة على الممدوح، برقم (3000) ، عنه أيضاً.
(2)
أخرجه البخاري بلفظه؛ كتاب: فضائل الصحابة، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم:«لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلاً» ، برقم (3665)، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. وفي عدة مواضع من صحيحه. ومسلم كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم جرّ الثوب خُيَلاء برقم (2085) ، عنه أيضاً.
أو ما شاء الله وفلان، أو لولا الله وفلان لعُدمنا الخير، وذلك لقصور علمه بعظمة الله تعالى وحقه على العبيد، فالأصل في ذلك كله أن ينسب الفضل لله وحده، فإن أراد ذكر فضل عبدٍ، فليقل ثم فلان، ليُخرِج لفظَه بهذا العطف عن التشريك والتسوية، التي قد تقع في قلبه والعياذ بالله، فيمنح تعظيماً لغير الله لا يستحقه إلا الله، فيوقعه الشيطان بما يُحذر شرعاً. والحاصل أن مطلق لفظٍ متعلقٍ بالله تعالى وصفاته العلى ينبغي عرضه أولاً على ميزان العلم، وقسطاس الفصاحة المستقيم، وإلا فإنه قد يوقع صاحبه بالزلل الذي قد يفضي إلى اعتقاد ما لا يليق بحق الله تعالى.
20-
…
اشتغال العوامّ بالخوض في دقائق مسائل العلم بما يتعلق بالله تعالى وأسمائه الحسنى وصفاته العلى، ولا يزال الشيطان يحبب ذلك إليهم، حتى يُخيَّل إلى أحدهم أنه قد حاز قصب السبق فيما علم، وأنه لولا أنه قد عَلِم ما عَلِم ما نجى وما سَلِم، لكنه في واقع أمره يكون قد تخرّص بما لم يفهم، وهرف بما لم يعرف، وتعلّق بما لم يعلم، وتشبّع بما لم يعط، وقد يُكثِر بعضهم الغوص في مسائل حارت بشأنها ألباب العلماء، وحيث إنه ليست لديه آلات العلوم بما يمكّنه من فقه الإجابة فإنه يلتبس عليه ما سأل عنه بالكلية، فيلقى في قلبه شبهة به، ويُفتَتن بذلك، ومن ثَمّ ينتقل إلى الخوض مع أمثاله من العوام في فهمها، فيزيدونه رهقاً إلى رهقه، وجهلاً إلى جهله.
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ
فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ (1) .
إن ما سبق جميعه هو مجمل ما يتأكد على المؤمن حفظ اللسان عنه، [وما أحسن التزام المؤمن بقول النبي صلى الله عليه وسلم: أَمْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ (2) ، فهذه الآفات كلها مهالك ومعاطب، وهي جميعاً على طريق المتكلّم، فإن سكت سلم من الكلّ، وإن نطق وتكلم خاطَرَ بنفسه، فإن كنتَ ممن لا يقدر على أن يكون ممن تكلم فَغَنِمَ، فكن - رعاك الله - ممن سكت فَسَلِمَ، فالسلامة إحدى الغنيمتين] (3) .
خامساً: احفظ الله بحفظ شهوة البطن، فإن مَنْ علم خطرها نجا من تكدر النفس، ومن غفلة القلب، وعمى البصيرة، ومن غلبة الشهوة، وتملّك الهوى، واستهواء المعصية، وعُصِم بإذن الله من ذل مقارفتها، بل إن حفظ هذه الشهوة - كما تقرر في الطب - هو وقاية مؤكدة من كثير من الأمراض العضوية، كما أنه في آنٍ منجاة من الحرص على الدنيا. ولا مبالغة في ادعاء أن هذا الحفظ - لمن وفقه الله إليه - هو سبب لجميع الفضائل. فتأمل - رحمك الله - إلى هذا المطعوم والمشروب كم أساء إدخاله البدن بِشَرَهٍ زمناً متطاولاً إلى نفسِ مَنْ تلذّذ بطعمه واستساغه لدقائق معدودات، فقد وسّع ذلك للشيطان مجراه في
(1) متفق عليه؛ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أخرجه البخاري؛ كتاب: الاعتصام، باب: الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، برقم (7288) . ومسلم؛ كتاب: الحج، باب: فرض الحج مرة في العمر، برقم (1337) .
(2)
جزء من حديث أخرجه الترمذي - وحسَّنه -؛ كتاب: أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب: ما جاء في حفظ اللسان، برقم (2406) ، عن عقبة بن عامر رضي الله عنه.
(3)
هذا، وما قبله من التحذير من آفات اللسان، جميعه مستفاد من:«إحياء علوم الدين» ، كما سبق الإشارة إليه.
دم الإنسان، فهرعت إلى نفسه شهوة الغضب، وشدة الشَّبَق إلى شهوة النكاح، والتشبع بالبطر، وغير ذلك مما هو مجرّب يقره الواقع والمعقول، وهذا مما يجعل للشيطان مدخلاً مشرَعاً إلى قلب المؤمن ونفسه، فيؤزّه إلى الشهوات أزًّا، ليكون بعدها لشرار الخلق على هذا العبد سبيل بضرّه، والاستحواذ عليه.
فإذا عرفت ذلك وخطره الجسيم فكيف لك أن تحفظ نفسك وتقيها شر شهوة البطن؟
إن ذلك لا يتأتى بالتخفيف من الطعام، وتنظيم وقته، والتوسط في سرعة تناوله، وتحديد نوعه، والاقتصار على المشتهى منه وحسب - على ما جرت عليه عادة إرشاد مختصِّي التغذية وهو نافع ولا شك - لكنْ لدى المؤمن فضلاً عن ذلك كله اختصاص بأمور، منها:
1-
…
أنه لا يأكل إلا حلالاً، ويمقت الرشوة، ويأبى الربا وينزّه نفسه عن أكل مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن.
2-
…
وهو يتورع عن أكل ما فيه شبهة، ويسأل أهل العلم عن مشتبهات الأمور، وعما حاك في القلب، وتردد في الصدر، خشية أن يَطعَم أو يُطعَم أو يُطعِم ما كان حراماً، أو مشتبهاً بحرمة.
3-
…
وهو لا يخالط طعامَه إسراف فيه، أو مَخِيلة يكسر بها قلوب عباد الله، وهم لا يستطيعون معشار ما يقدر عليه.
4-
…
ولا ينام على شِبَع بطن، فيجمع بين غفلتين: الفتور عن القيام إلى الطاعة مع قسوة القلب.
5-
…
كما أنه لا يرائي بالتخفيف من الطعام، ذلك بأن المؤمن يأكل في
الخلوة مقدار ما يأكله مع الجماعة، وهو يعلم أن إخفاء النقص عن الغير، وإظهاره للنفس هو نقص مضاعف. هذا، وإنّ مما يُذَمُّ كذلك مخالفة شهوة الطعام، لأجل الاشتهار بهذا التعفف، فإذا اشتُهِر بذلك رضي، ليكون عندها قد وقع بِشرِّ مما فرّ منه: حيث خالف شهوة الطعام ثم تلبس بشهوة الجاه.
سادساً: احفظ الله بحفظ الفَرْج عن الحرام، وطريق ذلك أن تُصرَف هذه الشهوة إلى ما خُلِقت له؛ لبقاء النسل وإحصان النفس، وإدراك لذة الوقاع والتنعّم بها، لقياسها على لذات الآخرة، فإن من لا يُدرَك بالذوق لا يَعظُم إليه الشوق. لكن المؤمنَ لا يسعى لإدراك هذه اللذة إلا بطريق ما يحل له، فيفرح بما أعدّ الله لأهل الإيمان والاستقامة من نعيم مقيم ولذات لا يدرك كنهها خيالٌ، ولا تخطر على بال.
قال تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ *إِلَاّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ *فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ *} [المؤمنون: 5-7]، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ (1) . ولا يخفى أن غرض الزواج هو التعفف عن الزنا، لذا فقد أرشد عليه الصلاة والسلام الشابَّ الذي لا يملك مؤنة الزواج أن يتعفف بالإكثار من الصوم، فتخمد شهوته بذلك وتُدَّخَر إلى حين قدرته على النفقات المترتبة على الزواج. ومن أعظم مداخل الشيطان وأهله
(1) متفق عليه، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. أخرجه البخاري؛ كتاب النكاح، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ
…
» ، برقم (5065) . ومسلم؛ كتاب: النكاح، باب: استحباب النكاح لمن تاقت نفسه
…
، برقم (1400) . ومعنى الباءة: القدرة على مؤن النكاح. ومعنى «لَهُ وِجَاءٌ» : قاطع لشهوته.
على قلوب شبابنا اليوم، الوسوسةُ إليهم بأن المحل الأقرب لقضاء الوَطَر هو المصاحبة أو المساكنة إلى حين القدرة على الإنفاق على عائلة بأكملها، فيقضي بذلك شبابه مستغرقاً في الأوزار، لا تهدأ شهوته طوال سني شبابه، بل وكهولته، فهو يؤجّجها مراراً وتكراراً، متقلباً من خليلة إلى أخرى، والعياذ بالله، باسم ما يسمونه (الحب) ، ويكون الصوم والتقوى، وطلب العفة من أبعد المعاني عن قلبه وعن نفسه، ثم تجده بعد ذلك وقد اضطربت نفسه، وهو يشعر بفراغ روحي واجتماعي لا يملأه سوى الاستقامة والانصراف إلى كنف أسرة هادئة مستقرة، لذا فإنك تجد أن هؤلاء هم أكثر الناس، تأثراً بالوساوس، ومن أكثرهم تردداً إلى أبواب السحرة والمشعوذين يسألونهم استمالة قلب فلانة، أو منحهم حُجُباً يعلقونها للتحبيب، أو للتفريق، أو يقصدونهم لضرب برمل أو فتح مندل لمعرفة من سَلَبَتْ قلبَه فمنعَتْه عن معشوقته المستجدة. وهكذا اتخذوا الشياطين أولياء بإسرافهم على أنفسهم بالمعاصي فزينت لهم أعمالهم، باسم الحب والحرية الشخصية، وتحقيق الذات!!
هذا، وإن حفظ الفرج عن الحرام، إنما هو محصّلة لتحصين القلب عن الانصياع لداعي الهوى، وحفظ العين عن رؤية ما يحرم، وحفظ السمع عن سماع المجون، وحفظ اللسان عن الخضوع بالقول، وعن قول الرفث، وحفظ اليد عن لمس ما يحرم لمسه، وحفظ الرِّجل عن المشي إلى حرام، عند ذلك يُحفَظ الفرج، ويصدِّق عفةَ الأعضاء، وإن تبعت العينُ النظرَ المحرّم واللسانُ قولَ الفحش، تمنت النفس واشتهت فربما صدّق الفَرْجُ ذلك، وقاربَ العبدُ الزنا ولم يكن في خاطره يوماً أن يفعل!! وانظر - رعاك الله وقد عرفت ذلك - إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَا، مُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَالْعَيْنَانِ
زِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالأُْذُنَانِ زِنَاهُمَا الاسْتِمَاعُ، وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلَامُ، وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ، وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا، وَالْقَلْبُ يَهْوى وَيَتَمَنَّى، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ (1) الحديث. وهنا أشير إلى ما يدق فهمه من لفظ الحديث بتقديم زنا العين على غيره من زنا الأعضاء: وهو أن (الإنسان إن لم يحفظ عينه، لم يُحفظ عليه فكره، وتفرّق عليه همُّه، وربما وقع في بلية لا يطيقها، وزنا العين من كبار الصغائر، وهو يؤدي إلى القرب من الكبيرة الفاحشة، وهي زنا الفرج، ومن لم يقدر على غض بصره لم يقدر على حفظ فَرْجه)(2) .
سابعاً: احفظ الله في نعمة اليد: ومن أعظم ما تحفظ به هذه النعمة إعمالُها في طاعة الله بالصلاة والذكر (عند عقد الأصابع) ، والرمي للجهاد في سبيل الله، وكفّها عن البطش والظلم، وعن الإشارة بسلاح، ولو بحديدة إلى أخٍ مسلم، أو قتل نفس مؤمنة بغير نفس - والعياذ بالله -، أو الإقدام بها على الانتحار، نعوذ بالله من شر وساوس الشيطان، وكفها أيضاً عن مس امرأة لا يحل مسها. كذلك فإن من وسائل حفظ اليد كفّها عن لبس الذهب بتختم الرَّجُل به، أو رمي النرد بقمار أو بغيره، أو إمساك ورق اللعب (الكوتشينة أو الشدة) باليد، وقضاء الأوقات في ذلك مع تضييع لصلوات مفروضات تلهيًا بذلك، مما يعلّق قلب المؤمن بما يسمى الحظ، فيورثه ذلك شكاً بالعدل في القدر، أو يوقع نزغًا بينه وبين إخوته المؤمنين، فيحرّش الشيطان بينهم، ليوقع
(1) أخرجه البخاري؛ كتاب: الاستئذان، باب زنى الجوارح دون الفرج، برقم (6243)، عن أبي هريرة رضي الله عنه. ومسلم؛ كتاب: القَدَر، باب: قُدِّر عى ابن آدم حظُّه من الزنا وغيرِه، برقم (2657) ، عنه أيضاً. واللفظ لمسلم رحمه الله.
(2)
انظر: إحياء علوم الدين» لأبي حامد الغزالي رحمه الله (3/161) .
بينهم عداوة وبغضاء، وأغلب ما يقع ذلك إن تعدى اللعب بالورق إلى نوع مَيْسِرٍ (قمار) ، ومن حفظها بسطها قَواماً في الخير، وغلَّها تماماً عن الإنفاق بوجوه الشر، أو بوجوه إسرافٍ، وألا تكون اليد أداة لتدوين ما يدعو إلى الميل عن الحق، أو ما يدعو إلى الفجور، بل الواجب جعلها مسخَّرَةً للذب عن حياض الدين، ودعوة الناس إلى الخير، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر.
وهاك نصوصًا كريمة تقرر ما سبق:
قال الله تعالى: [ص: 45]{وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ *} . وقال سبحانه: [ص: 17]{وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ} .
ومعنى (أولي الأيدي)، و (ذا الأيد) : أي من اتصفوا بالقوة والعزم في تسخير الأيدي في العلم والعمل بالطاعات (1) .
وقال عز وجل: [الرُّوم: 41]{ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ} .
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: لَا يُشِيرُ أَحَدُكُمْ إِلَى أَخِيهِ بِالسِّلاحِ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَحَدُكُمْ لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِي يَدِهِ فَيَقَعُ فِي حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ (2)، ويقول عليه الصلاة والسلام: إِنِّي لَا أُصَافِحَ النِّسَاءَ (3) ، وهذا في مقام
(1) انظر: تفسير القرآن العظيم، لابن كثير ص 1463، ط: بيت الأفكار الدولية.
(2)
متفق عليه، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أخرجه البخاري؛ كتاب الفتن، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من حمل علينا السلاح فليس منا» ، برقم (7072) . ومسلم؛ كتاب: البر والصلة والآداب، باب: النهي عن الإشارة بالسلاح إلى مسلم، برقم (2617) .
(3)
أخرجه النسائي؛ كتاب: البيعة، باب: بيعة النساء، برقم (4186) ، عن أُمَيْمَة بنت رُقَيْقَة رضي الله عنها. وهو في مسند أحمد، (4/454) ، من حديث أسماء بنت يزيد، وفي الموطأ، كتاب البيعة، باب: ما جاء في البيعة، برقم (2) ، عن أميمةَ رضي الله عنها.
مبايعة النساء للنبي صلى الله عليه وسلم، وقد ذكر نص البيعة في كتاب الله من آخر سورة (الممتحنة)، ومع ذلك فإن السيدة عائشة رضي الله عنها تقسم فتقول: لَا، وَاللهِ مَا مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ، غَيْرَ أَنَّهُ بَايَعَهُنَّ بِالْكَلَامِ (1) وهو مَنْ هو صلى الله عليه وسلم، فكيف يأمن على نفسه شاب صافح فتاة محتجاً بأنه استحيا من ردّ يدها بعد أن مدّتها إليه، وهو لا يريد إحراجها!! فهل منعُ الإحراجِ بات ضرورة شرعية تفوق ضرورة المبايعة على التوحيد والاستقامة؟!، وليت الأمر اقتصر على المصافحة - عند البعض - إذ قد يتعداه إلى التقبيل من الوجنتين، [بداعي السفر!!] أو ذكرى ميلاد، أو حفل تخرّج، وما إلى ذلك مما يفتح باب الفتنة الذي قد لا يوصد بعد ذلك.
ثامناً: احفظ الله، واجعل كسب رجليك بالخير، فإن للرجلين كسب، وأنت مجازىً عن كسبهما، بل إن لهما بعض اطلاع على كسب باقي الجوارح!! انظر إلى قول الله تعالى:[النُّور: 24]{يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ *} . فكيف يكون للرِّجْل شهادة؟! [فُصّلَت: 21]{قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ} فلا بد بعدها أن يكون للرجلين كسب واكتساب في العمل؟! وإن المتأمل في ذلك لَيَجد أنهما وسيلة التنقل التي لا يُعدَمُها إنسان عموماً، فإذا أراد خيراً مشى إليه، وإن أراد سوءاً مشى إليه أيضاً، وأنهما قوام قوة التحرك لدى الإنسان. لذا، فإن في حفظهما بتسخيرهما للمشي إلى الخيرات وكفّهما عن السير إلى المنكرات حقيقةُ شكر نعمة الله، إذ وهبهما للإنسان صفةَ كمال
(1) جزء من حديث متفق عليه، من حديث السيدة عائشة رضي الله عنها: أخرجه البخاري، كتاب: الطلاق، باب: إذا أسلمت المشركة أو النصرانية تحت الذِّمِّي أو الحربيّ، برقم (5288)، ومسلم؛ كتاب: الإمارة، باب: كيفية بيعة النساء، برقم (1866) .
يتصرف بها بحسب إرادته.
يقول الله عز وجل مُعِيباً على الكفار المتصفين بصفة كمال الخَلْق، وقد تفوقوا بذلك - مرارًا - على أصنامهم التي ظلوا لها عاكفين، وهي جامدة في موضعها لا تستطيع حراكاً:[الأعرَاف: 195] {أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا
…
} .
ويقول سبحانه في حق نسوة أردن فتنةً بالضرب بالأرجل على الأرض، ليُسمع رنين الزينة المعلَّقة بها، [النُّور: 31] {وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ
…
} .
وها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يبشر بني سَلِمَةَ بإحصاء خطوات أرجلهم الجادّة في سيرها إلى المسجد النبوي الشريف، وذلك لمّا أرادوا الانتقال إلى مقربة المسجد من وادٍ كانوا يسكنون فيه، فأمرهم صلى الله عليه وسلم بألاّ يفعلوا، لتكتب آثار خطواتهم، فقال عليه الصلاة والسلام: يَا بَنِي سَلِمَةَ، دَيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ، دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ (1)، إِنَّ لَكُمْ بِكُلِّ خُطْوَةٍ دَرَجَةً (2) . ويقول صلى الله عليه وسلم: مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ مَشَى إِلَى بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ، لِيَقْضِيَ فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللهِ، كَانَتْ خُطُوَتَاهُ إِحْدَاهُمَا تَحُطُّ خَطِيئَةً، وَالأُْخْرَى تَرْفَعُ دَرَجَةً (3) . ويقول الإمام قتادة بن دِعامة السدوسي - من أئمة التابعين رحمه الله: (لو كان الله مُغْفِلاً شيئاً
(1) أخرجه البخاري؛ كتاب: الأذان، باب: احتساب الآثار، برقم (655)، عن أنسٍ رضي الله عنه. ومسلم - بلفظه - كتاب: المساجد، باب: فضل كثرة الخُطا إلى المساجد، برقم (665) ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.
(2)
أخرجه مسلم؛ في الموضع السابق، برقم (664) عن جابر أيضاً رضي الله عنه.
(3)
أخرجه مسلم؛ كتاب المساجد، باب: المشي إلى الصلاة تُمحى به الخطايا وتُرفع به الدرجات، برقم (666) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
من شأنك يا ابن آدم، أغفلَ ما تُعفي الرياحُ من هذه الآثار، ولكنْ أحصى على ابن آدم أثره وعملَه كلَّه، حتى أحصى هذا الأثر فيما هو من طاعة الله أو من معصيته، فمن استطاع منكم أن يُكتب أثرُه في طاعة الله فليفعل) (1) .
أما الرابع من التحصينات الواقية - بإذن الله - فهو: بالاجتهاد في تحقيق الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم.
ويكون ذلك بإعمال سنّته صلى الله عليه وسلم فيما أرشدت إليه من محادّة الشيطان؛ وقصد مخالفته، ومخالفة أتباعه؛ وليس المقصود في هذا المقام استقصاء الوصايا النبوية الكريمة جميعها، بل بعض ما أرشدت إليه، ومن ذلك:
1-
…
أكثِرْ من الاستعاذة بالله تعالى من الشيطان الرجيم، وبخاصة عند الغضب. قال النبي صلى الله عليه وسلم: إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (2) .
2-
…
سمِّ الله تعالى، عند كل أمرٍ ذي بال من قول أو عمل تريد الشروع به. كتلاوة القرآن، والوضوء، ودخول المسجد والخروج منه، ودخول البيت والخروج منه، وركوب الدابة، وعند البدء بطعام أو شراب، أو عند ذبح مأكول اللحم، أو عند إرادة الجماع، أو دخول
(1) انظر: تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ص: 1428، ط: بيت الأفكار الدولية.
(2)
أخرجه البخاري؛ كتاب: الأدب، باب: ما يُنهى عنه من السِّباب واللعن، برقم (6048)، عن سليمان بن صُرَد رضي الله عنه. ومسلم؛ كتاب: البِرّ والصلة والآداب، باب: فضل من يملك نفسه عند الغضب، برقم (2610) ، عنه أيضًا، واللفظ لمسلم.
الخلاء،
…
]- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كُلُّ كَلَامٍ، أَوْ أَمرٍ ذِي بَالٍ، لَا يُفتَحُ بِذِكْرِ اللهِ عز وجل، فَهُوَ أَبْتَرُ (1) .
3-
…
تيمَّنْ في شأنك كلِّه: كَانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ، وَتَرَجُّلِهِ، وَطُهُورِهِ، وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ (2)، أي: في الأمور المستحسنة جميعها (3) . اهـ.
4-
…
خالف سَمْت الشيطان، ومحبوبَه وما يميل إليه، ومن ذلك:
*
…
الكِبْرُ والاستعلاء، وهما داءان مهلكان مانعان من كل خير، مردّهما إلى العُجْب بالنفس، والبَطْرِ بأنعُم الله وكفرٍ وجحود بها، وهذا عين ما اتصف به إبليس الرجيم حين أمره الله تعالى بالسجود لآدم تكريمًا لهذا الخلق، اعترافًا بقدرة الخالق، وامتثالاً لأمره سبحانه، قال تعالى: {فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ *إِلَاّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ *قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ *قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ *قَالَ فَاخْرُجْ
(1) أخرجه أحمد في المسند، (2/359) ، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، برقم (8697) ، وهو في مصنّف عبد الرزاق، بمعناه، برقم (10455) - (20280) ، وكذا هو عند البيهقي في الكبرى، برقم (10331) . كل ذلك بلفظ:«فهو أبتر» ، وعند أبي داود بلفظ:«فهو أجذم» ، كتاب: الأدب، باب: الهُدى في الكلام، برقم (4840) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أيضًا.
(2)
أخرجه البخاري؛ كتاب: الوضوء، باب: التيمُّن في الوضوء والغُسل، برقم (168) ، وفي مواضع عدة - من صحيحه - كلها عن عائشة رضي الله عنها.
(3)
قال الإمام النووي رحمه الله: (قاعدة الشرع المستمرة أن كلَّ ما كان من باب التزيين والتحسين استُحِبَّ فيه التيمُّنُ، وما كان بضِدّ ذلك استُحِبَّ فيه التياسر) . اهـ. انظر: صحيح مسلم بشرح النووي (3/160) .
مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ *وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ *} [ص: 73-78]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلاّ عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ إِلَاّ رَفَعَهُ اللهُ تَعَالى (1) .
*
…
والعجلةُ [وهي المانعة عن التمهل والتأمل قبل الشروع بالأفعال، فيشرع المرء بها من غير تبصُّرٍ ولا معرفة، فيروّج الشيطانُ شرَّه على المستعجِل من حيث لا يدري](2) ، ومردّ العجلة الكِبْر والعُجْب بالنفس، والتشبّع بما لم يعط، فإن المرء إذا اعتدّ بنفسه توهّم قدرته على إنجاز ما يريده كأسرع ما يكون، فإذا حاول ذلك أعياه الأمر، فاستشاط غيظاً، وربما جرّه ذلك إلى إحباطٍ يستتبع تركاً للأعمال النافعة، واستسلاماً لوساوس الشيطان بالعجز، والتنحي جانبًا عن مسار العمل النافع، وترك الاستعانة بالله، فيلقي الشيطان عندئذٍ شُبُهاته في قلبه، ويُخيِّل إليه عجز الإنسان عمومًا عن أداء ما يحقق له الاستخلاف في الأرض أو حتى عن القيام بما خُلِق له من العبادة، فيتوجه عندها إلى اتباع الهوى والتطفل على موائد الغير، ويُمضي حياته على هذا المنوال!! فهل كان يتصور عند تعجّله في أداء مهامه أن يصير إلى ما صار إليه؟! قال الله تعالى:[الإسرَاء: 11]{وَكَانَ الإِنْسَانُ عَجُولاً} . وقال سبحانه: [الأنبيَاء: من الآية 37] {خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ
…
} وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الأَْنَاةُ مِنَ اللهِ
(1) جزء من حديث أخرجه مسلم؛ كتاب: البِرّ والصلة والآداب، باب: استحباب العفو والتواضع، برقم (2588) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(2)
انظر: الإحياء، لأبي حامد الغزالي رحمه الله (3/33) .
وَالْعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ (1) . وقال عليه الصلاة والسلام: يُسْتَجَابُ لأَِحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ، يَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي (2) . فإن كان التعجُّل مذموماً في الدعاء، والحال أن المؤمن أشد ما تَعظُم رغبته في استجابة دعائه، فكيف بما دون ذلك من أمور الدنيا؟!
*
…
والغضبُ: وهو جمرة تتوقد في قلب ابن آدم تؤزُّه على إنفاذ ما يريده قسرًا، وإن الملقي لهذه الجمرة الخبيثة هو الشيطان، يلقيها على حين غفلة من هذا القلب عن ذكر الله. وكم ألحق الغضب بابن آدم من ويلات تندَّم بعد وقوعها، بل استغرب أحياناً صدورها عنه، لكنْ لاتَ ساعةَ مَنْدَمِ، فكم من قتيل - بغير حق - وطلاق بغير بصيرة، وعداوة بغير مسوِّغٍ، وقطيعة رحم جرَّاء غضب في ساعة غفلة، غطى عقل صاحبه، وأحرق الحكمة المودعة في قلبه، فاستحال شبيهًا بمجنون لا يعي ما يقول ولا يدرك ما يفعل، فغلب الشيطان على عقله واستحوذ على بصيرته فأوقعه بما لا يريد وأورده المهالك، والمرء يحسب في ذلك كله أنه ينتصر لنفسه،
(1) أخرجه الترمذي؛ كتاب: البرّ والصلة، باب: ما جاء في التأنِّي والعجلة، برقم (2012)، عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه. وقال الترمذي: هذا حديث غريب، وقد تكلم بعض أهل العلم في عبد المهيمن بن عباس بن سهل، وضعَّفه من قِبَل حفظه. اهـ. وقد حسّن الحديثَ الألبانيُّ رحمه الله في الصحيحة برقم (3795) .
(2)
متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أخرجه البخاري؛ كتاب: الدعوات: باب: يُستجابُ للعبد ما لم يعجل، برقم (6340)، ومسلم؛ كتاب: الذِّكْر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: بيان أنه يستجاب للداعي ما لم يعجل
…
، برقم (2735) .
ويُنْفِذ رأيه، ويحقق مراده. لذا، فقد أكد رسول الله صلى الله عليه وسلم النهي عن الوقوع بمثل هذا الفخ الشيطاني المتكرر، حيث حذر عليه الصلاة والسلام مراراً من الغضب، وأرشد النبي الكريم صلى الله عليه وسلم إلى قول الكلمة الطيبة، وإلى أن يملك المؤمن نفسه عند الغضب، وأن يكثر من الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، وبالوضوء عند الغضب، وبتغيير هيئة الغضبان بجلوسٍ بعد قيام، وباستلقاء بعد جلوس، مما يسهم في إطفاء جذوة تلك الجمرة المتوقدة في قلب الغضبان.
قال الله تعالى: [آل عِمرَان: 134]{وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} .
وقال رسول صلى الله عليه وسلم: لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ (1) .
وقال عليه الصلاة والسلام: إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، لَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (2) فقالوا للرجل: ألا تسمع ما يقول النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: إني لست بمجنون.
(1) متفق عليه، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أخرجه البخاري؛ كتاب: الأدب، باب: الحذر من الغضب، برقم (6114) . ومسلم؛ كتاب: البِر والصلة والآداب، باب: فضل من يملك نفسه عند الغضب، برقم (2609) .
(2)
الحديث متفق عليه من حديث سليمان بن صُرَدٍ رضي الله عنه. وقد مرَّ تخريجه ص187 بالهامش ذي الرقم (2) . والقائل للرجل الغضبان هو الصحابي الجليل معاذ بن جبل رضي الله عنه، كما في سنن أبي داود، بلفظ:(فجعل معاذ يأمره، فأبى ومَحِك، وجعل يزداد غضباً) . انظر: سنن أبي داود، برقم (4780) .
وقد أرشد صلى الله عليه وسلم إلى مايطفئ الغضب، من تغيير هيئة، فقال صلى الله عليه وسلم: إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ وَهُوْ قَائِمٌ فَلْيَجْلِسْ، فَإِنْ ذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبُ، وَإِلَاّ فَلْيَضْطَجِعْ (1) . وأوصى عليه الصلاة والسلام جاريةَ بن قدامة رضي الله عنه، بقوله مراراً: لَا تَغْضَبْ (2) .
*
…
والحَيْرة: وهي كثرة التردد، وذلك سبب مؤكد لاستهواء الشيطان ابنَ آدم بإضلاله، وتسييره إلى مَهلِكه، لكنِ المؤمنُ يحزم أمره فيما يريد في حياته الدنيا، وغيره قد تلمّس معالم طريقه من وحي شيطان إنس أو جن فاجتالته الشياطين وألقت في رُوْعه الشبهات وتلاعبت به حتى ضلّ فألفى الأفّاكون طريقاً إليه، فهلك هلاكًا محتماً، والعياذ بالله تعالى.
قال تعالى: [الأنعَام: 71] {كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ
…
} (3)، وقال سبحانه:[النِّسَاء: 143] {مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ
…
} ، وقد أرشد الله عز وجل نبيَّه صلى الله عليه وسلم، ومن بعده أمته صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى:[آل عِمرَان: 159] {فَإِذَا عَزَمْتَ
(1) أخرجه أبو داود، كتاب: الأدب، باب: ما يقال عند الغضب، برقم (4782)، عن أبي ذرٍ الغفاري رضي الله عنه. صححه الألباني. انظر: صحيح أبي داود، برقم (4000) .
(2)
أخرجه البخاري، كتاب: الأدب، باب: الحذر من الغضب، برقم (6116) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(3)
{استهوته} : أضلَّته، كما في البخاري، كتاب: التفسير، من تفسير سورة الأنعام، من سياق النقل عن ابن عباس رضي الله عنهما. وفي الفتح [8/141] : هو تفسير قتادة، أخرجه عبد الرزاق. اهـ.
فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مرشدًا أمته صلى الله عليه وسلم: إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلْيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ، وَلَا يَقُولَنَّ: اللهُمَّ إِنْ شِئْتَ فَأَعْطِنِي، فَإِنَّه لَا مُسْتَكْرِهَ لَهُ (1) .
فتأمّل - رحمك الله - إن كان العزم مأموراً به في الطلب من الله تعالى - مع أن الأصل هو كمال التأدب مع الربّ سبحانه وتسليم الأمر إلى مشيئته تعالى - فكيف بما هو دون ذلك من الأمور؟!.
*
…
والتبذير، بالإسراف في الإنفاق، ومجانبة التوسط فيه، وكذلك في الإنفاق بغير وجه حق، أوفي معصية، أو في الحث عليها، والمؤمن يجانب ذلك كلَّه، فيكون إنفاق النعمة - من مال وغيره - عنده قوامًا بين الإسراف والتقتير، مع إعطاء كل ذي حقٍّ حقه، وفي طاعة الله بمباح أو قُرْبَةٍ. وهو يعلم أن مِنْ أَحَبِّ ما يُنفَق به المال عند الله تعالى: ما كان زكاةً، أو صلة أرحام، أو إحساناً إلى جار مسكين، أو إجابةً لسائل. وحيث يجانب المؤمنُ ذلك فقد قارب التشبه بصفة الشيطان في التبذير والسَّفَه، ومقاربة المعاصي واجتناب الطاعات، وفي ذلك كفر بالنعمة وجحود بها، وإنكار لها، باستعمالها بغير ما وُهِبَتْ لأجله، فيتآخى المسرف المبذر مع
(1) متفق عليه من حديث أنس رضي الله عنه: أخرجه البخاري؛ كتاب: الدعوات، باب:«لِيعزم المسألة فإنه لا مكرِه له» برقم (6338) . ومسلم؛ كتاب: الذِّكْر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: العزم بالدعاء، ولا يقل: إن شئتَ، برقم (2678) .
الشيطان من هذه الحيثية، فيكون للشيطان على إخوانه المبذرين سبيل للغواية وتسلط على قلوبهم الجاحدة - بواقع حالهم - بنعمة الله تعالى.
قال تعالى: [الإسرَاء: 26-27]{وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا *إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيْاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا *} .
وقال سبحانه: [الفُرقان: 67]{وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا *} .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ رِزْقُهُ، أَوْ يُنْسَأُ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ (1) . وجاء رجل إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: يا رسول الله، مَنْ أحق الناس بحسن الصحبة؟ قال: أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أَبُوكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ (2) .
وقد أخبر - عليه أزكى صلاة وأتم تسليم - رجلاً ذا مال كثير وذا أهل وولد وحاضرةٍ، كيف يصنع بماله، فقال صلى الله عليه وسلم: تُخْرِجُ الزَّكَاةَ مِنْ مَالِكَ، فَإِنَّهَا طُهْرَةٌ تُطَهِّرُكَ، وَتَصلُ
(1) متفق عليه من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: أخرجه البخاري؛ كتاب: البيوع، باب: من أحب البسط في الرزق، برقم (2067)، ومسلم؛ كتاب: البِرّ والصلة والآداب، باب: صلة الرَّحِم وتحريم قطيعتها، برقم (2557) .
(2)
أخرجه مسلم - واللفظ له -؛ كتاب: البرّ والصلة والآداب، باب: بِرّ الوالدين وأنهما أحقُّ به، برقم (2548)، عن أبي هريرة رضي الله عنه. وعند البخاري؛ من غير زيادة:«ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ» في آخره. كتاب: الأدب، باب: من أحق الناس بحسن الصحبة، برقم (5971) ، عنه أيضًا.
أَقْرِبَاءَكَ، وَتعْرِفُ حَقَّ السَّائِلِ وَالْجَارِ وَالْمِسْكِينِ
…
(1) .
*
…
والجدال بالباطل، ومردّه إلى (إعجاب كل ذي رأي برأيه)(2) ، وأصله من الكِبْر المذموم، والجدل مشتق من محاولة كل من المتخاصمين جَدْل صاحبه عن رأيه، فإن كان بغير وجه حق سمي مِراءً، وهو المعنيّ هنا، وإن كان بالحق سمي جدالاً، وقد فطر الإنسان على حب المجادلة، فمن أعمل ذلك من غير حجة بينة وكان قصده إعلاء كلمته وإظهار مذهبه تعظيمًا لشأن نفسه وتحقيرًا لنظيره، لا إظهارًا لوجه الحق الذي التزمه، وجد إذ ذاك غيظًا في قلبه واستفاض حَنَقاً على صاحبه، فإن قهره الخصم بحجته الدامغة استحال الغيظ غِلاًّ في قلبه، حتى إذا تظاهر أنه نسي تلك الجولة الخاسرة، تحوّل الغِلُّ في قلبه إلى إِحَنٍ وحقد دفين، وهو أخطر مدخل للشيطان على قلبه، حيث يبقى صاحبه يتحين الفرصة ليُنفِذ غيظه، ولينقضّ على صاحبه فيفتك به. إن مثل هذا المشكِّك بالحق - لأجل رأيه - لا ريب أنه ولي للشيطان، قد زخرف له مولاه الكِبْرَ والمماراةَ على أنها فضيلة يُتوصَّل بها إلى تحقيق الذات وقهر الخصم. هذا، فضلاً عما يورثه هذا الجدل من تحريش من الشياطين بين
(1) جزء من حديث أخرجه أحمد في مسنده، (3/136) - من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
(2)
هذا مستفاد من جزء من حديث، أخرجه الترمذي مطولاً - ومنه: «.... حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعاً، وَهَوىً مُتَّبَعاً، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ وَدَعِ الْعَوَامَّ
…
» الحديث - كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة المائدة، برقم (3058)، عن أبي ثعلبة الخُشَني رضي الله عنه. وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب. وأخرجه أبو داود أيضاً مطولاً برقم (4341) . وابن ماجه كذلك، برقم (4014) .
المتخاصمَيْن، وقد تتعصب لرأي كل واحد منهما زمرة، مما يثير العداوة والبغضاء بينهم، وقد تجد أحدهم على أتم الأهبة والاستعداد لعمل ما بوسعه ليوقع الضر بصاحبه وقد يسلب عقله بسحر، أو يفرق بينه وبين من يحب، أو يتسبب في إمراضه، أو حتى قتله، وهذا عين ما يبغيه الشيطان وأتباعه من تحريش بين الناس، وإيقاع العداوة بينهم.
-
…
قال تعالى: [الكهف: 54]{وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} .
-
…
وقال سبحانه: [الأنعَام: 121]{وَإِنَّ الشَّيْاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَولِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} .
-
…
وقال عزّ شأنه: [غَافر: 56]{إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَاّ كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ *} .
-
…
وقال تقدست أسماؤه: [الأنعَام: 112]{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ *} .
-
…
وقد طرق النبي صلى الله عليه وسلم باب حجرة علي وفاطمة عليهما السلام ليلةً، فقال: أَلَا تُصَلِّيَانِ، فقلت - أي علي رضي الله عنه: يا رسول الله، أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعَثَنا، فَانْصَرَفَ حِينَ قُلْنَا ذَلِكَ، وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيَّ شَيْئًا، ثُمَّ سَمِعْتُهُ - وَهُوَ مُوَلٍّ [مُدْبِرٌ] يَضْرِبُ فَخِذَهُ - وَهُوَ يَقُولُ: {وَكَانَ الإِنْسَانُ
أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} [الكهف: 54](1) .
*
…
والعمد إلى تغيير خلق الله تعالى، وهو من أعظم ما يستهوي الشياطين، والعياذ بالله عز وجل، فتعمد إلى تزيين ذلك للناس، فيقع كثير منهم في هذا الشَّرْك، متوهّمين بأن هذا التغيير يحسّن مظهرهم ويرفع منزلتهم، وقد لا يقتصر هذا التغيير على صاحبه، بل قد يسّول له الشيطان أن يتعدى ذلك إلى محاولة تغيير وتشويه خلقٍ آخر، وهذا عين ما فعله بعض مشركي العرب، حيث عمدوا إلى تشقيق آذان الأنعام وجعله سمة وعلامة لتحكمهم بجواز الانتفاع بها، أو حرمة ذلك، أو اختصاص هذا النفع بأناس دون آخرين، ومن ذلك ما ادَّعَوْه افتراءً من [بَحِيرة، أو سائبة، أو وصيلة، أو حامٍ](2) ، فوقعوا
(1) أخرجه البخاري - بلفظه - كتاب: أبواب التهجَّد، باب: تحريض النبي صلى الله عليه وسلم على صلاة الليل
…
، برقم (1127) . ومسلم؛ صلاة المسافرين وقَصْرِها؛ باب: ما رُوي فيمن نام الليل أجمعَ حتى أصبح، برقم (775) عنه أيضاً.
(2)
السائبة: هي الناقة التي كانت تُسيَّبُ في الجاهلية لنذر أو نحوه، لكونها قد ولدت عشرة أبطن كلهن إناث، فلا يُركب ظهرها ولا يُشرب لبنها، إلا ولدُها فيشرب من لبنها، وكذلك الضيف، حتى تموت، فإذا ماتت اشترك في أكلها الرجال والنساء، ثم بُحِرَتْ أذن بنتها الأخيرة، أي شُقَّتْ الأذن وخُرِقَتْ. فسميت هذه البنت (بحيرة) ، وكان حكمها كحكم أمها.
أما (الوصيلة) : فهي الشاة تلد سبعة أبطن، عَناقين عَناقين - أي: أنثيين أنثيين -، فإن ولدت في الثامنة جَدْياً - أي: ذكراً -: ذبحوه لآلهتهم المزعومة، واختصُّوها به، وإن ولدت جدياً وعناقاً، قالوا: قد وصلت أخاها، أي: وصلت العناق أخاها الجدي، فلا يذبحون أخاها من أجلها، ولا تشرب لبنَها النساءُ، وكان للرجال فقط، ثم يُجْرُونها مجرى السائبة - على ما عَرَفْتَ من حالها -.
وأما (الحامي) ، فهو الفحل من الإبل الذي طال مكثه عندهم، بحيث لَقِحَ ولدُ ولدِه، فيقولون: قد حمى ظهرَه، فلا يُركب، ولا يُجَزُّ له وبرٌ، ولا يُمنع من مرعى. انظر في بيان ذلك كله، مختار الصحاح، مادة (سَيَب - بَحَر - وَصَل - حَمَيَ) .
في تغيير دين الله، ومحادّة ما شرعه لخلقه، واسترضَوْا بذلك الشيطان الرجيم، ومن ثَمَّ استحوذ عليهم فمَرَدُوا على الشرك، وحاربوا دين الله حرب استماتة لا هوادة فيها. ويتبين من ذلك أن تغيير خلق الله، هو مدعاة لطرد الإنسان من رحمة الله تعالى، ذلك أنه - في حقيقته - تدخُّلٌ سافِرٌ في حق التشريع الذي هو من أخص خصائص الألوهية.
ومما يدخل في تغيير خلق الله تعالى ما يحرم من زينة النساء: كالوشم (1) ، والنَّمْص (2) ، والتفلُّج (3) في الأسنان ووصل الشعر، وما يحرم من زينة الرجال: كالتزين بما اختُصّت به النساء من لباس، أو تحلٍّ بذهب، أو ادهانٍ بطِيب ملوّنٍ كحناء في اليدين أو الرِّجْلين، أو تَزَعْفُرٍ (4) لكونه مختصاً بالنساء، وكذلك التزيُّن بما فيه مُثْلة أو تشويه للخِلْقة، كالقَزَع (5) ، وغير ذلك كثير مما يطلع به علينا،
(1) الوشم: هو جعل علامة مستقرة في الجلد، وذلك بغرز إبرة فيه، ثم ذَرُّ أي: إلقاء النَّثُور، وهو مادة تترسّب في مسام الجلد تسمى النَّيْلَج، تجعل بعد الغرز في الجلد. انظر: مختار الصحاح (وَشَمَ) .
(2)
النَّمْصُ، هو: نتف الشعر من الوجه، وتسمى من تفعله نامصة، ومن تأمر بفعله متنمِّصة، أو منتمصة. انظر: النهاية لابن الأثير (5/104) .
(3)
التفلّج: ما تفعله المرأة بأسنانها للتفريج قليلاً ما بين الثنايا والرَّباعيات، وكُنَّ يفعلن ذلك رغبة في التحسين. انظر: النهاية أيضًا (3/420) .
(4)
التزعفر، هو: صبغ الثوب بالزعفران، أو التطيُّب به. انظر: مختار الصحاح مادة (زَعْفَرَ) .
(5)
القَزَع: أن يُحلَق رأسُ الصبي، ويُترَك في مواضعَ منه الشعرُ مُتفرِّقاً. اهـ. انظر: المختار مادة (قَزَعَ) . ويكون ذلك على وجه غير متناسق، مما كان يفعله بعض الأعراب في الجاهلية، ويفعله - للأسف - بعض شبابنا اليوم، وهو ما يطلق عليه قصة الكابوريا، تقليداً لمن يسمى بـ (الهيبيز أو البنكيز) من فَسَقة الغربيين.
أصحاب (التقليعات الغربية) وإنْ كلُّ ذلك إلا مدعاة للشياطين لاستخفاف نفوس فاعليه، مما يتسبب باستهوائها لتلك الأنفس، ومن ثم استعبادها وإضلالها.
وهاك ما يدل من كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم على التحذير مما سلف ذكره:
وقال عز وجل: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ *} [المَائدة: 103] .
وقال عز وجل: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ *} [الرُّوم: 30] .
قال الإمام ابن كثير رحمه الله: {لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} [الرُّوم: 30]، قال بعضهم: معناه لا تُبدِّلوا خلق الله، فتغيروا الناس عن فطرتهم التي فطرهم الله عليها، فيكون خبراً بمعنى الطَّلَب، كقوله تعالى:[آل عِمرَان: 97]{وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} ، وهذا معنى حسنٌ صحيح. اهـ (1) .
(1) انظر: تفسير القرآن العظيم، (ص1326) ، ط - بيت الأفكار الدولية.
والمعنى المقصود: أمّنوا - أعطوا الأمان - كمن استأمن بدخوله بيت الله المحرّم.
وقال الإمام البخاري رحمه الله: {لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} : لدين الله. اهـ (1) .
وقد خطب النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم، فقال في خُطبته: أَلَا إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مِمَّا عَلَّمَنِي، يَوْمِي هَذَا، كُلُّ مَا نَحَلْتُهُ عَبْدًا حَلَالٌ، وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا
…
الحديث (2) .
وفي الصحيح عن ابن مسعود - مرفوعًا - قال: لَعَنَ اللهُ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُوتَشِمَاتِ، وَالْمُتَنَمِّصَاتِ، وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ، الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللهِ، وقال: مالي لا ألعن من لعن رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، ومن هو في كتاب الله {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحَشر: 7] (3) .
وقد تزوجت جارية من الأنصار، فمرضت وتمعّط شعرها، فأرادوا أن يَصِلُوها، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لَعَنَ اللهُ الْوَاصِلَةَ
(1) انظر: صحيح البخاري: كتاب: التفسير، مطلع عنوان بابٍ فيه، من تفسير سورة الروم، وتمامُه: خُلُق الأولين: دين الأولين، والفطرة: الإسلام. اهـ.
(2)
جزء من حديث أخرجه مسلم - بطوله -؛ كتاب: الجنة، باب: الصفات التي يُعرف بها في الدنيا أهلُ الجنة وأهل النار، برقم (2865) ، عن عياض ابن حمارٍ المجاشعي رضي الله عنه. و «اجْتَالَتْهُمْ» ، أي:«أَضَلَّتْهُمْ» كما في مسند أحمد (4/162) ، من حديث عياض أيضًا، و «نَحَلْتُهُ» ، النُّحْل، بالضم: العطية والهبة ابتداءً من غير عِوَض ولا استحقاق. انظر: النهاية لابن الأثير (5/24) .
(3)
جزء من حديث متفقٍ عليه، أخرجه البخاري، كتاب: التفسير، باب: ُ إ ج ث ت ِ، برقم (4886) . ومسلمٌ؛ كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم فعل الواصلة والمستوصلة
…
، برقم (2125) .
وَالْمُسْتَوْصِلَةَ (1) .
أما تشبُّه كلٍّ من الجنسين بالآخر، فقد لَعَنَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ (2) . وقال صلى الله عليه وسلم: أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ (3) .
وقد «أُتي النبيُّ صلى الله عليه وسلم بمُخنَّثٍ قد خضب يديه ورجليه بالحِنَّاء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما بال هذا؟» ، فقيل: يا رسول الله، يتشبَّه بالنساء! فأُمر به فنُفي إلى النقيع، قالوا: يا رسول الله، ألا نقتله؟ قال: إِنِّي نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ (4) .
وأما حرمة تختم الرجل بذهب، فقد رَأَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ فِي يَدِ رَجُلٍ، فَنَزَعَهُ فَطَرَحَهُ، وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ إِلى جَمْرَةٍ مِنْ نَارٍ فَيَجْعَلُهَا فِي يَدِهِ، فقيل للرجل بعدما ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم: خذ
(1) أخرجه البخاري؛ كتاب اللباس، باب: الوصل في الشعر، برقم (5934)، عن عائشة رضي الله عنها. ومسلم؛ بلفظ:«فتمرّط شعرها» ، كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم فعل الواصلة والمستوصلة
…
، برقم (3123) عنها أيضًا.
(2)
أخرجه البخاري؛ كتاب: اللباس، باب: المتشبهون بالنساء والمتشبهات بالرجال، برقم (5885) ، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.
(3)
أخرجه البخاري في الموضع السابق، باب: إخراج المتشبهين بالنساء من البيوت، برقم (5886) ، عن ابن عباسٍ أيضاً.
(4)
أخرجه أبو داود؛ كتاب: الأدب، باب: الحكم في المخنثين، برقم (4928)، عن أبي هريرة رضي الله عنه. صححه الألباني. انظر: صحيح أبي داود، برقم (4119) .
…
والنقيع: ناحية عن المدينة، وليس بالبقيع، الذي هو موضع مقبرة أهل المدينة. كما بينه أبو داود رحمه الله، بعد إخراجه للحديث. وبين المدينة والنقيع عشرون فرسخاً، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حماه لخيله، وله هناك مسجد يقال له مقمّل، وهو من ديار مُزَينة. انظر: معجم البلدان لياقوت الحَمَوي، (5/348) .
خاتمك انتفِعْ به، قال: لا واللهِ، لا آخذه أبدًا، وقد طَرَحه رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) .
وأما كراهة التَّزَعْفُر، فقد نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ (2) .
وأما كراهية القَزَع، فلِما صح أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنِ القَزَعِ (3) .
*
…
والعمد إلى أفعال يحبها الشيطان، قد لا يلقي لها المؤمن بالاً، ومن ذلك:
1-
…
الإكثار من التثاؤب.
2-
…
ترك القيلولة (وهي نومة يسيرة قبيل الزوال) .
3-
…
الجلوس في مجلس الشيطان، وهو الموضع الذي تخلله الظل والشمس.
(1) أخرجه مسلم؛ كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم خاتم الذهب على الرجال
…
، برقم (2090) ، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.
(2)
أخرجه مسلم؛ كتاب: اللباس والزينة، باب: نهي الرجل عن التزعفر، برقم (2101) ، عن أنس رضي الله عنه. والحديث عند الجماعة إلا الموطأ، وقال الترمذي: ومعنى كراهية التزعفر للرجل: أن يتطيب به. اهـ. وقد سبق بيانه.
(3)
أخرجه البخاري - مطولاً - كتاب: اللباس، باب: القزع، برقم (5920)، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. ومسلم؛ كتاب: اللباس والزينة، باب: كراهة القَزَع، برقم (2120)، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. قال مسلم رحمه الله: قال - أي (عبيد الله بن حفصٍ الراوي عن عمر ابن نافع) - قلت لنافع: وما القَزَع؟ قال: يُحلق بعضُ رأس الصبي ويُترك بعضٌ. اهـ. وقد سبق بيان معنى القزع.
4-
…
الأكل والشرب بالشمال، والأخذ والإعطاء بالشمال.
5-
…
ترك التأذين (المناداة للصلاة) .
6-
…
النوم الطويل، وترك قيام الليل.
7-
…
ترك اللقمة إذا سقطت على الأرض، لما فيه من تفريطٍ بنعمة الله تعالى.
8-
…
المكث على غير وضوء، وترك صلاة الجماعة في المسجد.
9-
…
اقتناء كلب (لغير صيد أو حراسة أو زرع) ، أو وضعِ صورٍ في البيوت، لذوات أرواح، ولو لم يكن لها ظِلّ.
10-
…
العمد إلى الأكل منفردًا، والإكثار من المأكل والمشرب، لحد الشِّبَع والتُّخمة.
ومن أدلة النهي عما سبق بترتيبه:
1-
…
قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ، وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ، فَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللهَ، فَحَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يُشَمِّتَهُ، وَأَمَّا التَّثَاؤُبَ: فَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِذَا قَالَ: هَا، ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ» (1) .
2-
…
ترغيب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقيلولة، معللاً ذلك بأن الشياطين لا تقيل. قال صلى الله عليه وسلم: قِيلُوا، فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَا تَقِيلُ (2) .
(1) أخرجه البخاري - بطوله -؛ كتاب: الأدب، باب: ما يُستحَبُّ من العطاس وما يُكرَه من التثاؤب، برقم (6223)، عن أبي هريرة رضي الله عنه. ومسلم - بشطره الثاني -؛ كتاب: الزهد والرقائق، باب: تشميت العاطس وكراهة التثاؤب، برقم (2994) ، عنه أيضاً.
(2)
رواه أبو نُعيم في الحِلْية، انظر: صحيح الجامع: (4/147) .
3-
…
نَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُجْلَسَ بَيْنَ الضِّحِّ وَالظِّلِّ، وَقَالَ: مَجْلِسُ الشَّيْطَانِ (1) .
4-
…
قال عليه الصلاة والسلام: لَا يَأْكُلَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِشِمَالِهِ، وَلَا يَشْرَبَنَّ بِهَا، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِهَا (2) . وقال صلى الله عليه وسلم: لِيَأْكُلْ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ، وَيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ، وَلْيَأْخُذْ بِيَمِينِهِ وَلْيُعْطِ بِيَمِينِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ، وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ، وَيُعْطِي بِشِمَالِهِ، وَيَأْخُذُ بِشِمَالِهِ (3) .
5-
…
قال النبي عليه الصلاة والسلام: إِذَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتّى لَا يَسْمَعَ الأَْذَانَ، فَإِذَا قُضِيَ الأَْذَانُ أَقْبَلَ، فَإِذَا ثُوِّبَ بِهَا أَدْبَرَ، فَإِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ
…
الحديث (4) .
(1) أخرجه أحمد في المسند، (3/414) ، من حديث رجلٍ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال المنذري في الترغيب والترهيب (5/260) : سنده جيد. اهـ. وكان سعيد بن المسيَّب يقول: [مقيل الشيطان بين الظل والشمس] . انظر: آكام المرجان في غرائب الأخبار وأحكام الجانّ. لبدر الدين الحنفي. ص: 235. والضِّح - بالكسر وتشديد الحاء -: شعاع الشمس. انظر: مختار الصحاح، لابن الأثير، مادة (ضحَحَ) .
(2)
أخرجه مسلم؛ كتاب: الأشربة، باب: آداب الطعام والشراب وأحكامهما، برقم (2020)، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. قال مسلم:[قال - أي سالم -: وكان نافع يزيد فيها: «وَلَا يَأْخُذُ بِهَا، وَلَا يُعْطِي بِهَا» ] . اهـ.
(3)
أخرجه ابن ماجَهْ، كتاب: أبواب الأطعمة، باب: الأكل باليمين، برقم (3266) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه. وقد صحح سندَه المنذريُّ في الترغيب والترهيب (4/191) .
(4)
جزء من حديثٍ أخرجه البخاري بتمامه؛ كتاب: السهو، باب: إذا لم يدرِ كم صلّى
…
برقم (1231)، عن أبي هريرة رضي الله عنه. ومسلم بنحوه؛ كتاب: الصلاة، باب: فضل الأذان وهربِ الشيطان عند سماعه، برقم (389)، عنه أيضاً. والتثويب: الإقامة، والضُراط: هو حُصاصُ الشيطان - أي: شدة عَدْوه - وصوتُه. كما بيَّنه مرويُّ مسلم رحمه الله.
6-
…
قال الله تعالى: مخاطبًا نبيه صلى الله عليه وسلم: [المُزّمل: 1-4]{يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ *قُمِ اللَّيْلَ إِلَاّ قَلِيلاً *نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً *أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً *} .
ويقول عليه الصلاة والسلام: يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ ثَلَاثَ عُقَدٍ إِذَا نَامَ، بِكُلْ عُقْدَةٍ يَضْرِبُ: عَلَيْكَ لَيْلاً طَوِيلاً، فَإِذَا اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللهَ، انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، وَإِذَا تَوَضَّأَ، انْحَلَّتْ عَنْهُ عُقْدَتَانِ، فَإِذَا صَلَّى انْحَلَّتْ الْعُقَدُ، فَأَصْبَحَ نَشِيطاً طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإِلَاّ أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ (1) .
7-
…
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إِنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُ أَحَدَكُم عِنْدَ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ شَأْنِهِ، حَتّى يَحْضُرَهُ عِنْدَ طَعَامِهِ، فَإِذَا سَقَطَتْ مِنْ أَحَدِكُمُ اللُّقْمَةُ، فَلْيُمِطْ مَا كَانَ بِهَا مِنْ أذىً، ثُمَّ لِيَأْكُلْهَا، وَلَا يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ، فَإِذَا فَرَغَ فَلْيَلْعَقْ أَصَابِعَهُ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيِّ طَعَامِهِ تَكُونُ الْبَرَكَةُ (2) .
8-
…
سمع عثمان بن عفان رضي الله عنه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: مَنْ تَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ مَشَى إِلَى الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ، فَصَلَاّهَا مَعَ النَّاسِ، أَوْ مَعَ الْجَمَاعَةِ، أَوْ فِي الْمَسْجِدِ، غَفَرَ اللهُ لَهُ ذُنُوبَهُ (3) .
(1) أخرجه مسلم؛ كتاب صلاة المسافرين وقَصْرِها، باب: ما روي فيمن نام الليل أجمع حتى أصبح، برقم (776) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(2)
أخرجه مسلم؛ كتاب الأشربة، باب: استحباب لعق الأصابع والقصعة
…
، برقم (2033) ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.
(3)
أخرجه البخاري؛ كتاب: الرقاق، باب: قول الله تعالى: [فَاطِر: 5] {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ
…
} . برقم (6433)، عن عثمان بن عفان رضي الله عنه. ومسلم - بلفظه -؛ كتاب: الطهارة، باب: فضل الوضوء والصلاة عَقِبه، برقم (232) ، عنه أيضًا.
وقال عليه أعطر الصلاة وأزكى التسليم: إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ (أَوِ الْمُؤْمِنُ) ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ، خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ - نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنَيْهِ - مَعَ الْمَاءِ (أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ) ، فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ كَانَ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ الْمَاءِ (أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ) ، فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيَئةٍ مَشَتْهَا رِجْلَاهُ مَعَ الْمَاءِ (أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ) ، حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيّاً مِنَ الذُّنُوبِ (1) . فأكرِمْ بمنزلةٍ نزلها المُسبِغُ لوضوئه، الماشي إلى الجماعات، فقد أخزى اللهُ شيطانَه، وسلّمه من مكائده، وجعل سعيَ شيطانِه هباءً منثورًا، لمّا أشغل قلبه وجوارحه بطاعة مولاه سبحانه.
9-
…
قال النبي صلى الله عليه وسلم: مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا، إِلَاّ كَلْبًا ضَارِياً لِصَيْدٍ أَوْ كَلْبَ مَاشِيَةٍ، فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ (2) .
وقال عليه الصلاة والسلام: مَنْ أَمْسَكَ كَلْبًا، فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ عَمَلِهِ، كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ، إِلَاّ كَلْبَ حَرْثٍ أَوْ مَاشِيَةٍ (3) .
(1) أخرجه مسلم؛ كتاب: الطهارة، باب: خروج الخطايا مع ماء الوضوء، برقم (244) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه. وعن عثمان رضي الله عنه، برقم (245)، بلفظ:«مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ جَسَدِهِ، حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِهِ» .
(2)
متفق عليه؛ من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أخرجه البخاري؛ كتاب الذبائح والصيد، باب: من اقتنى كلبًا ليس بكلب صيد أو ماشية، برقم (5481)، ومسلمٌ؛ كتاب: المساقاة، باب: الأمر بقتل الكلاب وبيان نسخه
…
، برقم (1574) .
(3)
متفق عليه، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أخرجه البخاري؛ كتاب: المزارعة، باب: ما يُحذر من عواقب الاشتغال بآلة الزرع
…
، برقم (2322)، ومسلمٌ؛ كتاب: المساقاة، باب: الأمر بقتل الكلاب وبيان نسخه
…
، برقم (1575) .
ويقول عليه الصلاة والسلام: لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةُ تَمَاثِيلَ (1) .
10-
…
قال بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، إنا نأكل ولا نشبع، قال: فَلَعَلَّكُمْ تَفْتَرِقُونَ؟ قالوا: نعم. قال: فَاجْتَمِعُوا عَلَى طَعَامِكُمْ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ، يُبارَكْ لَكُم فِيهِ (2) .
ويقول عليه الصلاة والسلام: مَا مَلَأَ ابْنُ آدَمَ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِهِ، حَسْبُ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ، يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ، فَثُلُثُ طَعَامٍ، وَثُلُثُ شَرَابٍ، وَثُلُثٌ لِنَفْسِهِ (3) .
أخي القارئ، تلك تحصينات أربعة أوردتُّها مدلِّلاً عليها، فاجتهد وُسْعَك في حفظ الله تعالى يحفظْك، فإنك إن فعلت فلن يضرك شيء بعدها، - شيطان ولا غيره - لكنَّ ذلك لا يمنحك عصمة مستمرة،
(1) متفق عليه، من حديث أبي طلحة رضي الله عنه: أخرجه البخاري؛ كتاب: بدء الخلق، باب: إذا قال أحدكم آمين، برقم (3225)، ومسلم؛ كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم تصوير صورة الحيوان، برقم (2106) .
(2)
أخرجه أبو داود؛ كتاب: الأطعمة، باب: في الاجتماع على الطعام، برقم (3764)، عن وحشيِّ بنِ حربٍ رضي الله عنه. حسّنه الألباني رحمه الله. انظر: صحيح أبي داود، برقم (3199) . والحديث أخرجه ابنُ ماجَهْ أيضًا؛ كتاب: الأطعمة، باب: الاجتماع على الطعام، برقم (3286) .
…
فائدة في أدب الضيف: قال أبو داود رحمه الله بعد ذكره هذه الرواية -: إذا كنت في وليمةٍ فوُضع العَشاء فلا تأكل، حتى يأذن لك صاحب الدار. اهـ.
(3)
أخرجه الترمذيُّ؛ كتاب: الزهد، باب: ما جاء في كراهية كثرة الأكل، برقم (2380)، عن المقدام أيضًا. وقال الترمذي: حسن صحيح. وابن ماجَهْ، كتاب: الأطعمة، باب: الاقتصاد في الأكل وكراهية الشِّبَع، برقم (3349) ، عنه أيضًا.
…
كما أخرجه أحمد في المسند، (4/132) ، من حديث المقدام الكِندي رضي الله عنه، والنَّسائي - في الكبرى - (4/2769)، باب: ذِكْر القَدْر الذي يُستحَب للإنسان من الأكل.
فالعبد المؤمن قد يغفُل عن صنوف الحفظ تلك، لا بعمدِ محادّةٍ، لكنْ بغلَبة نفسٍ وميلِ هوىً، ثم إن العائن مثلاً قد يتوجه إلى نعمة أنعمها الله على عبد، فيَعِينُه - إذ لم يبرّك عليه -، أو يسلِّط ساحرٌ لَعِيْنٌ خادمَه ابتداءً على عبدٍ أذيةً له، أو استرضاء لعدوٍّ متربصٍ به، فبحسب تمكن العبد من تحصين نفسه، يتفاوت ضُرُّ ذلك عليه، أو يتملكه الضرّ حال خلوّه من التحصين، عياذاً بالله تعالى. لذا فإن عباد الله تعالى، يعمدون عند ذلك إلى الاستشفاء بما شرعه الله تعالى لعباده من رقى، وبما أنزله لهم من دواء، وهو ما سأعمد إلى بيانه - إن شاء الله - في فصلين؛ اختُصَّ الأول منهما ببيان أنواع الأمراض وأصول التداوي، مع ذكر بعض الأدوية النبوية، والآخر ببيان رقى مشروعة، قد جمعتها من مَعِين كتاب الله تعالى، وسُنَّة نبيه صلى الله عليه وسلم، أعانني الله وإياك على فقهها والالتزام بها، آمين.