الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وفي يوم من الأيام قال الأخ الأعزب لنفسه: إن من الظلم أن نتقاسم الإنتاج والأرباح بالتساوي، فأنا بمفردي واحتياجاتي بسيطة، بينما أخي ذو عائلة كبيرة واحتياجاته للمال والإنتاج أكثر، فكان يأخذ كيساً من الحبوب في كل ليلة من مخزنه ويزحف عبر الحقل من بين منازلهم، ويفرغ الكيس في مخزن أخيه دون أن يعلم، رغبة في مساعدة أخيه.
في نفس الوقت كان الأخ المتزوج يقول لنفسه: إنه ليس عادلاً أن نقتسم أنا وأخي الإنتاج والأرباح بالتساوي، إنني رجل متزوج ولدي زوجه وأطفال يرعونني في المستقبل، بينما أخي وحيد لا أحد يهتم به في المستقبل إن كبر، فكان يأخذ كل ليلة كيساً من الحبوب ويفرغه في مخزن أخيه لكي يستفيد منه ويزيد من أرباحه.
وظل الأخوان رغم ما يقومان به من إيثار لبعضهم متحيرين لسنين طويلة إذ ما عندهم من أكياس حبوب لا ينفذ أو يتناقص أبداً.
وفي ليلة مظلمة قام كل منهما بتفقد مخزنه، وحمل ما يستطيع منه ليضعه في مخزن أخيه كما تعود على ذلك، ففاجأهم قدر الله إذ التقيا وكل منهما يحمل على ظهره كيساً من الحبوب ليضعه في مخزن أخيه، فكانت مفاجأة سارة لكليهما، وأزالت الاستغراب، فلم يستطعا الوقوف طويلاً، فأسقطا أكياسهما وعانقا بعضهما.
(فصلٌ في منزلة حسن الخلق:
[*] (عناصر الفصل:
(تعريف الأخلاق:
(الأخلاق ومكانتها في الإسلام:
(أهمية الجانب الأخلاقي في منهج السلف:
(منزلة حسن الخلق وجزاؤه في الآخرة:
(أركان الأخلاق الحسنة:
(هل يمكن اكتساب الخلق الحسن:
(أسباب اكتساب حسن الخلق:
(علامات حسن الخلق:
(كيفية علاج ما اعوجّ من الأخلاق:
(اعتناء أهل العلم وكلامهم في الأخلاق:
وهاك تفصيل ذلك في إيجازٍ غيرِ مُخِّل:
(تعريف الأخلاق:
أما تعريف الخلق، فالخليقة هي: الطبيعة، كما قال ابن منظور رحمه الله في لسان العرب: وفي التنزيل: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ)[القلم:4] والجمع: أخلاق، ولا يكسر على غير ذلك، والخُلْق والخُلُق السجية، «والخُلُق هو الدين والطبع والسجية» ، وحقيقته أنه لصورة الإنسان الباطنة ـ وهي نفسه ـ وأوصافها ومعانيها المختصة بها بمنزلة الخَلْق لصورته الظاهرة وأوصافها ومعانيها، ولهما أوصاف حسنة وقبيحة.
((وقال ابن حجر رحمه الله: في شرح كتاب الأدب من صحيح البخاري قال الراغب: «الخَلق والخُلق في الأصل بمعنى واحد، كالشَرب والشُرب، لكن خُص الخلق الذي بالفتح بالهيئات والصور المدركة بالبصر، وخص الخُلق الذي بالضم بالتقوى والسجايا المدركة بالبصيرة» ، فالشكل والصورة التي تدرك بالبصر تسمى خَلْقاً، والسجايا والطبائع التي تدرك بالبصيرة تسمى خُلقاً.
((وقال القرطبي رحمه الله تعالى في المفهم: الأخلاق أوصاف الإنسان التي يعامل بها غيره، وهي محمودة ومذمومة، فالمحمودة على الإجمال: أن تكون مع غيرك على نفسك، فتنصف منها ولا تنصف لها، وعلى التفصيل: العفو، والحلم، والجود، والصبر، والرحمة، والشفقة، والتوادد، ولين الجانب، ونحو ذلك، والمذموم منها ضد ذلك: أي: ضد الأخلاق المحمودة، كالكذب والغش والقسوة ونحوها من الأخلاق الرديئة.
(الأخلاق ومكانتها في الإسلام:
إن للأخلاق فضلٌ عظيم وأجرٌ جسيم، فهي نعمةٌ عظيمة، وَمِنَّةٌ جسيمة، نعمة كبرى، ومنحة عظمى، شأنها عظيم، ونفعها عميم، لها فضائل لا تحصى، وثمرات لا تعد، ولها أهمية كبرى، وثمرات جليلة، وفضائل عظيمة، وأسرار بديعة، وهي طريق النجاة، وسلم الوصول، ومطلب العارفين، ومطية الصالحين، وهي روح الأعمال ومحك الأحوال، والحامل على اقتحام الأهوال، وهي الباب الذي يدخل منه الواصلون إلى حضرة ذي الجلال.
وتأمل في قوله تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ)[القلم:4].
إن موضوع الخلق من الموضوعات الإسلامية المهمة التي عليها يدور نجاح حياة المسلم، فكيف ينجح العَالِمُ في وظيفته إذا لم يكن على خلق؟ وكيف ينجح الزوج في حياته إذا لم يكن على خلق؟ وكيف ينجح الداعية في حياته إذا لم يكن على خلق؟ وكيف ينجح الأخ مع إخوانه إذا لم يكن على خلق؟ فالأخلاق عليها مدار نجاح الإنسان في هذه الحياة، حتى قال بعض العلماء: إن الدين كله هو الخلق، ونحن نعيش أزمة أخلاق في واقعنا، سواءً على مستوى العلاقات الزوجية، أو المصلين في المساجد، أو الطلاب والمدرسين، أو الموظف والمراجعين، أو الجار وجيرانه، بل بين طلبة العلم والعلماء والأقران، وهذا مما يؤكد أهمية طرق هذا الموضوع.
(أهمية الجانب الأخلاقي في منهج السلف:
وموضوع الأخلاق موضوع كبير يتعلق بمنهج أهل السنة والجماعة، وليس كما يتصور البعض أنه موضوع منفصل عن المنهج أو أنه شيء أدنى منزلة أو جانبا، كلا! بل هو من صلب المنهج. ومما يؤيد أهمية الجانب الأخلاقي في منهج السلف: تضمين علمائهم هذه الجوانب فيما كتبوه من أصول أهل السنة والجماعة، كالعقيدة الواسطية و الطحاوية وغيرها، ومن أمثلة ذلك ما يلي:
((قال الإمام الصابوني في تقريره لعقيدة السلف: ويتواصون بقيام الليل للصلاة بعد المنام، وبصلة الأرحام على اختلاف الحالات، وإفشاء السلام وإطعام الطعام، والرحمة على الفقراء والمساكين والأيتام، والاهتمام بأمور المسلمين، والتعفف في المأكل والمشرب والملبس والمنكح والمصرف، والسعي في الخيرات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمدار في فعل الخيرات أجمع، واتقاء عاقبة الطمع، ويتواصون بالحق والصبر.
((وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في العقيدة الواسطية لما ذكر معتقد أهل السنة والجماعة قال: ثم هم مع هذه الأصول يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر على ما توجبه الشريعة، ويرون إقامة الحج والجهاد والجمع والأعياد مع الأمراء أبراراً كانوا أو فجاراً، ويحافظون على الجماعات، ويدينون بالنصيحة للأمة، ويعتقدون معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً -وشبك بين أصابعه-) وقوله صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) ويأمرون بالصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء، والرضا بِمُرِّ القضاء، ويدعون إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، ويعتقدون معنى قوله صلى الله عليه وسلم:(أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً) ويندبون إلى أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، ويأمرون ببر الوالدين، وصلة الأرحام، وحسن الجوار، والإحسان إلى اليتامى والمساكين وابن السبيل، والرفق بالمملوك، وينهون عن الفخر، والخيلاء، والبغي، والاستطالة على الخلق بحق أو بغير حق، ويأمرون بمعالي الأخلاق، وينهون عن سفاسفها. أهـ
إذاً: هذا هو المنهج الشامل للسلف الصالح رحمهم الله أهل السنة والجماعة بجانبيه العقدي والأخلاقي، وبقدر ما يحصل من النقص في أحدهما يكون النقص في الالتزام بهذا المنهج العظيم، ولذلك يمكن أن يوجد في الواقع طلبة علم جيدون من جهة العقيدة والتفسير ومصطلح الحديث وأصول الفقه واللغة العربية ونحو ذلك، لكنهم في جانب الأخلاق ليسوا بذاك، فلا شك أن في هؤلاء نقصاً بحسب ما نقص من أخلاقهم. وموضوع الأخلاق موضوع خطير؛ لأنه يمكن أن يقدم بحسن الأخلاق منهج مسموم، كما يمكن أن يعرض الناس بسوء الخلق عن المنهج السليم.
((الخلق والدين:
إن حسن الخلق من أهم عوامل النجاح؛ فإن كثيراً من الناس لا ينظرون إلى معتقدك ولا إلى عبادتك، وإنما ينظرون إلى خلقك أولاً، فإذا أعجبهم أخذوا عنك العقيدة والأخلاق والعبادة والعلم، وإذا لم يعجبهم تركوك وما أنت عليه من العلم، فإذاً لابد من الخلق، ويكفينا أن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم:(وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ)[القلم:4]
قال ابن عباس و مجاهد: لعلى دينٍ عظيم وهو دين الإسلام. فالخلق أطلق على الدين كله، وهو ما كان يأمر به صلى الله عليه وسلم من أمر الله وينهى عنه من نهي الله، والمعنى: إنك لعلى الخلق الذي آثرك الله به في القرآن، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم خُلُقُه القرآن بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي:
((حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في صحيح الجامع) قالت: كان خُلُقٌه القرآن.
[*] قال المناوي في فيض القدير:
أي ما دل عليه القرآن من أوامره ونواهيه ووعده ووعيده إلى غير ذلك. وقال القاضي: أي خلقه كان جميع ما حصل في القرآن. فإن كل ما استحسنه وأثنى عليه ودعا إليه فقد تحلى به، وكل ما استهجنه ونهى عنه تجنبه وتخلى عنه. فكان القرآن بيان خلقه. انتهى. وقال في الديباج: معناه العمل به والوقوف عند حدوده والتأدب بآدابه والاعتبار بأمثاله وقصصه وتدبره وحسن تلاوته.
وأصول الأخلاق مجموعة في قوله تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ)[الأعراف:199] فليس هناك في القرآن أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية، فهي «أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك» ، فهذه الآية أرشدت النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ العفو من أخلاق الناس، ويقبل الاعتذار، ويعفو ويتساهل مع الناس، ويترك الاستقصاء والبحث والتفتيش عن أحوالهم، وكذلك يأخذ ما عفا من أموالهم وهو الفاضل، مثل قوله تعالى:(وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ)[البقرة:219] قال الله: (وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ)[الأعراف:199] أي: إذا سفه عليك الجاهل فلا تخاطبه بالسفه، كما قال تعالى:(وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً)[الفرقان:63].
وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث أنس الثابت في الصحيحين) قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقاً.
((حديث أبي هريرة الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ قال: تقوى الله وحسن الخلق ، وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار؟ قال الفم والفرج.
((حديث جابر الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن من أحبكم إلي و أقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا و إن من أبغضكم إلي و أبعدكم مني مجلساً يوم القيامة الثرثارون و المتشدقون و المتفيهقون قالوا: يا رسول الله قد علمنا الثرثارون والمتشدقون فما المتفيهقون؟ قال: المتكبرون.
*معنى الثرثارون: كثيري الكلام
*معنى المتشدقون: الذي يتشدَّقُ على الناس في الكلام ويبذو عليهم
((حديث أبي سعيد رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا الموطئون أكنافا الذين يألفون و يؤلفون و لا خير فيمن لا يألف و لا يؤلف.
((حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في صحيح الجامع) قالت: كان خُلُقٌه القرآن.
[*] قال المناوي في فيض القدير:
أي ما دل عليه القرآن من أوامره ونواهيه ووعده ووعيده إلى غير ذلك. وقال القاضي: أي خلقه كان جميع ما حصل في القرآن. فإن كل ما استحسنه وأثنى عليه ودعا إليه فقد تحلى به، وكل ما استهجنه ونهى عنه تجنبه وتخلى عنه. فكان القرآن بيان خلقه. انتهى. وقال في الديباج: معناه العمل به والوقوف عند حدوده والتأدب بآدابه والاعتبار بأمثاله وقصصه وتدبره وحسن تلاوته.
((حديث سهل بن سعد رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله يحب معالي الأخلاق و يكره سفسافها.
((حديث أنس الثابت في الصحيحين) قال لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أخذ أبو طلحة بيدي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن أنساً غلامٌ كيسٌ فليخدمك، قال: فخدمته في الحضر والسفر فوالله ما قال لي لشيءٍ صنعته لم صنعت هذا هكذا ولا لشيء لم أصنعه لِمَ لَمْ تصنع هذا هكذا.
((حديث النواس ابن سمعان الثابت في صحيح مسلم) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: البر حسن الخلق والإثم ما حاك في صدرك و كرهت أن يطلع عليه الناس.
((حديث وابصة بن معبدٍ رضي الله عنه الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالَ: "جئت تسألُ عن البر؟ " قُلتُ نعم، قال:((استفت قلبك، البرُّ: ما اطمأنت إليه النفسُ، واطمأن إليه القلبُ، والإثم ما حاك في النفسِ وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناسُ وأفتوكَ)
((حديث عبد الله بن عمرو الثابت في الصحيحين) قال لم يكن رسول الله فاحشاً ولا متفحشاً وكان يقول: إن من خياركم أحسنكم أخلاقاً.
((حديث أبي هريرة الثابت في صحيح الجامع) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق.
((حديث أبي الدر داء الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما من شيء أثقل في الميزان من حسن الخلق، فإن الله يُبْغِضُ الفاحشَ البذيء.
((حديث عائشة الثابت في صحيح أبي داود) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن المؤمن ليدرك بحسن الخلق درجة القائم الصائم.
((حديث أبي هريرة الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يُدخل الناس الجنة؟ قال: تقوى الله وحسن الخلق، وسئل عن أكثر ما يُدخل الناس النار؟ فقال الفم والفرج.
((حديث أبي أمامة الثابت في صحيح أبي داود) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء و إن كان محقا، و بيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب و إن كان مازحا، و بيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه.
((حديث أبي ذر رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن.
(منزلة حسن الخلق وجزاؤه في الآخرة:
حسن الخلق له فضلٌ عظيم وأجرٌ جسيم، فهو نعمةٌ عظيمة، وَمِنَّةٌ جسيمة، نعمة كبرى، ومنحة عظمى، شأنه عظيم، ونفعه عميم، له فضائل لا تحصى، وثمرات لا تعد، وله أهمية كبرى، وثمرات جليلة، وفضائل عظيمة، وأسرار بديعة، وهو طريق النجاة، وسلم الوصول، ومطلب العارفين، ومطية الصالحين، وحسن الخلق جامع لأبواب الخير؛ ومفتاح لسبل البر؛ من وفقه الله إليه فقد حاز فضلاً عظيماً؛ وسبق سبقاً كبيراً؛ وقد أعظم الله لمنزلته حتى قال بعض السلف:" لكل شيء أساس؛ وأساس الإسلام الخلق الحسن "، ومن وُفِقَ لرؤية عظيم منزلة حسن الخلق في الشريعة؛ سعى سعياً حثيثاً ليكون له النصيب الأعظم من ذلك، وإليك غيضٌ من فيض وقليلٌ من كثير مما ورد في فضل حسن الخلق:
قال تعالى مثنياً على نبيه صلى الله عليه وسلم: (وَإِنّكَ لَعَلَىَ خُلُقٍ عَظِيمٍ)[القلم / 4]
[*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين:
(قال ابن عباس ومجاهد: لعلى دين عظيم لا دين أحب إلي ولا أرضى عندي منه وهو دين الإسلام.
(وقال الحسن رضي الله عنه: هو آداب القرآن.
(وقال قتادة: هو ما كان يأمر به من أمر الله وينهى عنه من نهى الله،
والمعنى: إنك لعلى الخلق الذي آثرك الله به في القرآن وفي الصحيحين: أن هشام بن حكيم: سأل عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: كان خلقه القرآن فقال: لقد هممت أن أقوم ولا أسأل شيئا.
وقد جمع الله له مكارم الأخلاق في قوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199]
(قال جعفر بن محمد: أمر الله نبيه بمكارم الأخلاق وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية وقد ذكر: أنه لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل: ما هذا قال: لا أدري حتى أسأل فسأل ثم رجع إليه فقال: إن الله يأمرك أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك ولا ريب أن للمطاع مع الناس ثلاثة أحوال:
أحدها: أمرهم ونهيهم بما فيه مصلحتهم.
الثاني: أخذه منهم ما يبذلونه مما عليهم من الطاعة.
الثالث: أن الناس معه قسمان: موافق له موال ومعاد له معارض وعليه في كل واحد من هذه واجب فواجبه في أمرهم ونهيهم: أن يأمر بالمعروف وهو المعروف الذي به صلاحهم وصلاح شأنهم وينهاهم عن ضده وواجبه فيما يبذلونه له من الطاعة: أن يأخذ منهم ما سهل عليهم وطوعت له به أنفسهم سماحة واختيارا ولا يحملهم على العنت والمشقة فيفسدهم وواجبه عند جهل الجاهلين عليه: الإعراض عنهم وعدم مقابلتهم بالمثل والانتقام منهم لنفسه فقد قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199]
(قال عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما: أمر الله نبيه أن يأخذ العفو من أخلاق الناس.
(وقال مجاهد: يعني خذ العفو من أخلاق الناس وأعمالهم من غير تخسيس مثل قبول الأعذار والعفو والمساهلة وترك الاستقصاء في البحث والتفتيش عن حقائق بواطنهم.
(وقال ابن عباس رضي الله عنهما: خذ ما عفا لك من أموالهم وهو الفاضل عن العيال وذلك معنى قوله تعالى: {وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} [البقرة: 219] (ثم قال تعالى: {وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} وهو كل معروف وأعرفه: التوحيد ثم حقوق العبودية وحقوق العبيد.
(ثم قال تعالى {وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} يعني إذا سفه عليك الجاهل فلا تقابله بالسفه كقوله تعالى: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً} [الفرقان: 63].
والسنة الصحيحة طافحةٌ بما يبين فضائل حسن الخلق بياناً شافياً، وهاك بعض فضائل حسن الخلق الثابتة في السنة الصحيحة فتأملها بعين البصيرة:
(1)
ثقل الميزان والفوز بأعلى الجنان:
((حديث أبي الدر داء الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما من شيء أثقل في الميزان من حسن الخلق، فإن الله يُبْغِضُ الفاحشَ البذيء.
فالخلق الحسن أثقل شيء في ميزان العبد؛ لأن الأعمال توزن يوم القيامة وزناً حقيقياً ترجح الكفة بها، وأثقل شيء في الميزان الخلق الحسن،
((حديث أبي أمامة الثابت في صحيح أبي داود) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء و إن كان محقا، و بيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب و إن كان مازحا، و بيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه.
فالبيت العلوي جزاءٌ لأعلى المقامات الثلاثة وهي حسن الخلق.
(2)
حسن الخلق أكثر ما يدخل الناس الجنة بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي:
((حديث أبي هريرة الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يُدخل الناس الجنة؟ قال: تقوى الله وحسن الخلق، وسئل عن أكثر ما يُدخل الناس النار؟ فقال الفم والفرج.
(3)
ميزان الكمال عند المؤمنين بكمال أخلاقهم بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي:
((حديث أبي سعيد رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا الموطئون أكنافا الذين يألفون و يؤلفون و لا خير فيمن لا يألف و لا يؤلف.
(4)
إن المؤمن ليدرك بحسن الخلق درجة القائم الصائم بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي:
((حديث عائشة الثابت في صحيح أبي داود) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن المؤمن ليدرك بحسن الخلق درجة القائم الصائم.
(5)
صاحب الخلق الحسن أقرب الناس مجلساً من النبي عليه الصلاة و السلام يوم القيامة كما في الحديث الآتي:
((حديث جابر الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن من أحبكم إلي و أقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا و إن من أبغضكم إلي و أبعدكم مني مجلساً يوم القيامة الثرثارون و المتشدقون و المتفيهقون قالوا: يا رسول الله قد علمنا الثرثارون والمتشدقون فما المتفيهقون؟ قال: المتكبرون.
*معنى الثرثارون: كثيري الكلام
*معنى المتشدقون: الذي يتشدَّقُ على الناس في الكلام ويبذو عليهم
(6)
وحسن الخلق هو وصيته صلى الله عليه وسلم للمؤمن في معاملة الناس بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي:
((حديث أبي ذر رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن.
(7)
والله تعالى يحب مكارم الأخلاق ويكره سفسافها بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي:
((حديث سهل بن سعد رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله يحب معالي الأخلاق و يكره سفسافها.
سفسافها: أي حقيرها ورديئها.
(8)
إن الناس لم يعطوا شيئا خيرا من خلق حسن بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي:
((حديث أسامة ابن شريك رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الناس لم يعطوا شيئا خيرا من خلق حسن.
[*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(إن الناس لم يعطوا) بالبناء للمفعول (شيئاً) من الخصال الحميدة (خيراً من خلق) بالضم (حسن) فإن حسن الخلق يرفع صاحبه إلى درجات الأخيار في هذه الدار ودار القرار. قال حجة الإسلام: لا سبيل إلى السعادة الأخروية إلا بالإيمان وحسن الخلق فليس للإنسان إلا ما سعى وليس لأحد في الآخرة إلا ما تزود من الدنيا وأفضل زادها بعد الإيمان حسن الخلق وبحسن الخلق ينال الإنسان خير الدنيا والآخرة. وقال بعض الحكماء: لحسن الخلق من نفسه في راحة والناس منه في سلامة ولسيء الخلق من نفسه في عناء والناس منه في بلاء. وقال بعضهم: عاشر أهلك بحسن الأخلاق فإن السوء فيهم قليل وإذا حسنت أخلاق المرء كثر مصادقوه وقل معادوه فتسهلت عليه الأمور الصعاب ولانت له القلوب الغضاب وقال الحكماء في سعة الأخلاق كنوز الأرزاق قال الماوردي وحسن الخلق أن يكون سهل العريكة لين الجانب طلق الوجه قليل النفور طيب الكلام. أهـ
(9)
إن بعثة النبي صلى الله عليه وسلم إنما هي لإتمام صالح الأخلاق بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي:
((حديث أبي هريرة الثابت في صحيح الجامع) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق.
(10)
ومن أسباب تجاوز الله عن العبد يوم القيامة حسن خلقه كما في الحديثين الآتيين:
((حديث حذيفة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: مات رجل، فقيل له، قال: كنت أبايع الناس، فأتجوز عن الموسر، وأخفف عن المعسر، فغفر له.
((حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كان تاجر يداين الناس، فإذا رأى معسرا قال لفتيانه: تجاوزوا عنه، لعل الله يتجاوز عنا، فتجاوز الله عنه).
(11)
وحسن الخلق هو الذي لفت إليه النبي صلى الله عليه وسلم إذا تقدم إليك من يخطب ابنتك كما في الحديث الآتي:
((حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيحي الترمذي) قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إذَا خَطَبَ إلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ، فَزَوّجُوهُ. إلاّ تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ وفَسَادٌ عَرِيضٌ» .
(أركان الأخلاق الحسنة:
إن حسن الخلق يقوم على أربعة أركان: «الصبر، والعفة، والشجاعة، والعدل» . فالصبر يحمل على الاحتمال وكظم الغيظ وكف الأذى، والعفة تجنب الإنسان الرذائل والقبائح، والشجاعة تحمل على عزة النفس وإيثار معالي الأخلاق، والعدل الذي يحمل على الاعتدال والتوسط. هذه الأخلاق الفاضلة الأربعة هي أركان الأخلاق الحسنة، كما أن الأخلاق السافلة مبناها على أربعة أخلاق:«الجهل، والظلم، والشهوة، والغضب» . فالجهل يري الإنسان الحسن قبيحاً، والظلم يحمله على وضع الشيء في غير موضعه، والشهوة تحمله على الحرص والشح والبخل والرذائل والفواحش والدناءات، والغضب يولد الكبر والحقد والحسد والعدوان والسفه، ولذلك لابد من مراقبة هذه الأخلاق الدنيئة؛ حتى يتخلص الإنسان منها ولا يقع فيها؛ لأننا إذا عرفنا الأصل عرفنا كيف نتعامل.
(هل يمكن اكتساب الخلق الحسن:
مسألة: هل يمكن اكتساب الخلق الحسن وتغيير الخلق القبيح؟
إن مما لا بد أن يعلمه المسلم أنه مأمور بتحسين خلقه؛ وإن غلبته نفسه على بعض الطباع الدنيئة فلا يستسلم ويقول: هذه سجيتي ولا أستطيع تغيير طبعي؛ فإن سوء الخلق أمرٌ مذموم؛ يجب على المسلم أن يتجنبه؛ وقد ثبت في السنة الصحيحة ما يدل على أن العبد يمكنه تحسين خلقه وأعظم ما يدل على ذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن نخالق الناس بخلقٍ حسن كما في الحديث الآتي:
((حديث أبي ذر رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن.
(وفصل الخطاب في هذه المسألة: أن الخلق الحسن يمكن اكتسابه بعدة أشياء منها ما يلي:
(1)
ترويض النفس على حسن الخلق، فإنه من يتحر الخير يعطه و من يتق الشر يُوّقَّه.
(حديث أبي هريرة في صحيح الجامع) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنما العلم بالتعلم و إنما الحلم بالتحلم و من يتحر الخير يعطه و من يتق الشر يُوّقَّه.
فينبغي للعبد أن يتحر حسن الخلق ويحرص عليه ويجاهد نفسه ويتكلفه حتى ينعم الله تعالى عليه بهذه الفضيلة، وهذا حاصلٌ لا محالة إذا صدق العبد في ذلك.
(حديث شداد بن أوس في صحيح النسائي) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن تصدق الله يصدقك.
(2)
لا بد من الصبر وطول النفس في تحصيل أي خير وليس له أن يستعجل فإنه من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه. فعليه أن يتأنى جيداً وإياه والعجلة فبئست المطيةُ هي، تحول بينك وبين أي خير.
(حديث أنس في صحيح الجامع) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: التأني من الله والعجلة من الشيطان.
(3)
ويمكن اكتساب حسن الخلق عن طريق مصاحبة أهل الخير والصلاح، فإن الطباع سرَّاقة والناس مجبولون على تقليد بعضهم بعض
(حديث أبي هريرة في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: المرء على دين أخيه فلينظر أحدكم من يخالل.
(حديث أبي سعيد في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تصاحب إلا مؤمنا و لا يأكل طعامك إلا تقي.
(4)
ويمكن اكتساب حسن الخلق أيضاً بالتضرع إلى الله تعالى بأن يمنَّ عليك بهذه النعمة فإن ذلك كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم
(حديث ابن مسعود في صحيح الجامع) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اللهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي.
فينبغي على العاقل الحرص على التزود من الأخلاق؛ وأن يجني ثمارها اليانعة كلما تيسر له سبيل إلى ذلك؛ ويجعل الطريق إلى ذلك قيامه بحقوق المسلمين؛ في أن يحب لهم ما يحب لنفسه، وأن يتواضع لهم ولا يفخر عليهم ولا يختال، ولا يتكبر ولا يعجب؛ وأن يوقر الشيخ الكبير، ويرحم الطفل الصغير، ويعرف لكل ذي حق حقه، مع طلاقة الوجه وحسن التلقي ودوام البِشر، كما قيل:
وما اكتسبَ المحامدَ طالبوها:
…
بمثل البشر والوجه الطليقِ
وعليه بلين الجانب، وحسن المصاحبة، وسهولة الكلمة، مع إصلاح ذاتِ بين إخوانه، وتفقد أقرانه وأخدانه وجيرانه، وأن لا يسمع كلامَ الناس بعضهم في بعض، وأن يبذل معروفه لهم لوجه الله؛ لا لأجل غرض؛ مع ستر عوراتهم؛ وإقالة عثراتهم، وإجابة دعواتهم؛ وأن لا يقف مواقف التهم؛ وأن يحلم عنْ مَنْ جهل عليه، ويعفو عن من ظلم؛ قال الحسن: معالي الأخلاق للمؤمن: قوة في لين، وحزم في دين، وإيمان في يقين، وحرص على العلم، واقتصاد في النفقة، وبذل في السعة، وقناعة في الفاقة، ورحمة للمجهود، وإعطاء في كرم، وبر في استقامة.
مسألة: ما هو حسن الخلق؟
[*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين:
قيل: إن حسن الخلق «بذل الندى وكف الأذى واحتمال الأذى»
وقيل: حسن الخلق: «بذل الجميل وكف القبيح»
وقيل: «التخلي من الرذائل والتحلي بالفضائل»
وحسن الخلق يقوم على أربعة أركان لا يتصور قيام ساقه إلا عليها:
«الصبر والعفة والشجاعة والعدل»
(فالصبر: يحمله على الاحتمال وكظم الغيظ وكف الأذى والحلم والأناة والرفق وعدم الطيش والعجلة.
(والعفة: تحمله على اجتناب الرذائل والقبائح من القول والفعل وتحمله على الحياء وهو رأس كل خير وتمنعه من الفحشاء والبخل والكذب والغيبة والنميمة.
(والشجاعة: تحمله على عزة النفس وإيثار معالي الأخلاق والشيم وعلى البذل والندى الذي هو شجاعة النفس وقوتها على إخراج المحبوب ومفارقته وتحمله على كظم الغيظ والحلم فإنه بقوة نفسه وشجاعتها يمسك عنائها ويكبحها بلجامها عن النزغ والبطش كما قال: ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد: الذي يملك نفسه عند الغضب وهوحقيقة الشجاعة وهي ملكة يقتدر بها العبد على قهر خصمه.
(والعدل: يحمله على اعتدال أخلاقه وتوسطه فيها بين طرفي الإفراط والتفريط فيحمله على خلق الجود والسخاء الذي هو توسط بين الذل والقحة وعلى خلق الشجاعة الذي هو توسط بين الجبن والتهور وعلى خلق الحلم الذي هو توسط بين الغضب والمهانة وسقوط النفس ومنشأ جميع الأخلاق الفاضلة من هذه الأربعة،
(ومنشأ جميع الأخلاق السافلة وبناؤها على أربعة أركان: «الجهل والظلم والشهوة والغضب»
(فالجهل: يريه الحسن في صورة القبيح والقبيح في صورة الحسن والكمال نقصا والنقص كمالا.
(والظلم: يحمله على وضع الشيء في غير موضعه فيغضب في موضع الرضا
ويرضى في موضع الغضب ويجهل في موضع الأناة ويبخل في موضع البذل ويبذل في موضع البخل ويحجم في موضع الإقدام ويقدم في موضع الإحجام ويلين في موضع الشدة ويشتد في موضع اللين ويتواضع في موضع العزة ويتكبر في موضع التواضع.
(والشهوة: تحمله على الحرص والشح والبخل وعدم العفة والنهمة والجشع والذل والدناءات كلها.
(والغضب: يحمله على الكبر والحقد والحسد والعدوان والسفه ويتركب من بين كل خلقين من هذه الأخلاق: أخلاق مذمومة وملاك هذه الأربعة أصلان: إفراط النفس في الضعف وإفراطها في القوة فيتولد من إفراطها في الضعف: المهانة والبخل والخسة واللؤم والذل والحرص والشح وسفساف الأمور والأخلاق ويتولد من إفراطها في القوة: الظلم والغضب والحدة والفحش والطيش ويتولد من تزوج أحد الخلقين بالآخر: أولاد غية كثيرون فإن النفس قد تجمع قوة وضعفا فيكون صاحبها أجبر الناس إذا قدر وأذلهم إذا قهر ظالم عنوف جبار فإذا قهر صار أذل من امرأة: جبان عن القوي جريء على الضعيف فالأخلاق الذميمة: يولد بعضها بعضا كما أن الأخلاق الحميدة: يولد بعضها بعضا وكل خلق محمود مكتنف بخلقين ذميمين وهو وسط بينهما وطرفاه خلقان ذميمان كالجود: الذي يكتنفه خلقا البخل والتبذير والتواضع: الذي يكتنفه خلقا الذل والمهانة والكبر والعلو فإن النفس متى انحرفت عن التوسط انحرفت إلى أحد الخلقين الذميمين ولابد فإذا انحرفت عن خلق التواضع انحرفت: إما إلى كبر وعلو وإما إلى ذل ومهانة وحقارة وإذا انحرفت عن خلق الحياء انحرفت: إما إلى قحة وجرأة وإما إلى عجز وخور ومهانة بحيث يطمع في نفسه عدوه ويفوته كثير من مصالحه ويزعم أن الحامل له على ذلك الحياء وإنما هو المهانة والعجز وموت النفس وكذلك إذا انحرفت عن خلق الصبر المحمود انحرفت: إما إلى جزع وهلع وجشع وتسخط وإما إلى غلظة كبد وقسوة قلب وتحجر طبع كما قال بعضهم:
تبكي علينا ولا نبكي على أحد فنحن أغلظ أكبادا من الإبل
وإذا انحرفت عن خلق الحلم انحرفت: إما إلى الطيش والترف والحدة والخفة وإما إلى الذل والمهانة والحقارة ففرق بين من حلمه حلم ذل ومهانة وحقارة وعجز وبين من حلمه حلم اقتدار وعزة وشرف كما قيل:
كل حلم أتى بغير اقتدار حجة لاجىء إليها اللئام
وإذا انحرفت عن خلق الأناة والرفق انحرفت: إما إلى عجلة وطيش وعنف وإما إلى تفريط وإضاعة والرفق والأناة بينهما وإذا انحرفت عن خلق العزة التي وهبها الله للمؤمنين انحرفت: إما إلى كبر وإما إلى ذل والعزة المحمودة بينهما وإذا انحرفت عن خلق الشجاعة انحرفت: إما إلى تهور وإقدام غير محمود وإما إلى جبن وتأخر مذموم وإذا انحرفت عن خلق المنافسة في المراتب العالية والغبطة انحرفت: إما إلى حسد وإما إلى مهانة وعجز وذل ورضا بالدون وإذا انحرفت عن القناعة انحرفت: إما إلى حرص وكلب وإما إلى خسة ومهانة وإضاعة وإذا انحرفت عن خلق الرحمة انحرفت: إما إلى قسوة وإما إلى ضعف قلب وجبن نفس كمن لا يقدم على ذبح شاة ولا إقامة حد وتأديب ولد ويزعم أن الرحمة تحمله على ذلك وقد ذبح أرحم الخلق بيده في موضع واحد ثلاثا وستين بدنة وقطع الأيدي من الرجال والنساء وضرب الأعناق وأقام الحدود ورجم بالحجارة حتى مات المرجوم وكان أرحم خلق الله على الإطلاق وأرأفهم وكذلك طلاقة الوجه والبشر المحمود فإنه وسط بين التعبيس والتقطيب وتصعير الخد وطي البشر عن البشر وبين الاسترسال مع كل أحد بحيث يذهب الهيبة ويزيل الوقار ويطمع في الجانب كما أن الانحراف الأول يوقع الوحشة والبغضة والنفرة في قلوب الخلق وصاحب الخلق الوسط: مهيب محبوب عزيز جانبه حبيب لقاؤه وفي صفة نبينا: من رآه بديهة هابه ومن خالطه عشرة أحبه والله أعلم.
(أسباب اكتساب حسن الخلق:
للأخلاق الفاضلة منزلة رفيعة في دين الله ولها ارتباط قوي بقوة الإيمان وحسنه، وتدين المرء وتمسكه بالشريعة، ولها أعظم الأثر في قوة الأمة ووحدة صفوفها ولأن الأخلاق يمكن اكتسابها كان من المهم الحديث عن وسائل اكتساب الأخلاق الفاضلة وهذا ما سيتناوله درسنا.
لا ريب أن أثقل ما على الطبيعة البشرية تغيير الأخلاق التي طبعت عليها النفس، إلا أن ذلك ليس متعذرًا ولا مستحيلاً، بل إن هناك أسبابًا، ووسائل يستطيع الإنسان من خلالها أن يكتسب حسن الخلق، ومن ذلك ما يلي:
(1)
سلامة العقيدة: فالسلوك ثمرة لما يحمله الإنسان من فكر ومعتقد، وما يدين به من دين، والانحراف في السلوك ناتج عن خلل في المعتقد، فالعقيدة هي الإيمان، وأكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم أخلاقًا؛ فإذا صحت العقيدة؛ حسنت الأخلاق تبعًا لذلك؛ فالعقيدة الصحيحة تحمل صاحبها على مكارم الأخلاق، كما أنها تردعه عن مساوئ الأخلاق.
(2)
الدعاء: فيلجأ إلى ربه، ليرزقه حسن الخلق، ويصرف عنه سيئه متأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم وتأمل في الحديثين الآتيين بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيهما واجعل لهما من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيهما من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصلاة قال: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعا إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت لبيك وسعديك والخير كله في يديك والشر ليس إليك أنا بك وإليك تباركت وتعاليت أستغفرك وأتوب إليك وإذا ركع قال اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي وإذا رفع قال اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد وإذا سجد قال اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره تبارك الله أحسن الخالقين ثم يكون من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت.
((حديث قطبة بن مالك رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء. فالخلق الحسن نوع من الهداية يحصل عليه المرء بالمجاهدة، قال عز وجل:{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69].
والمجاهدة لا تعني أن يجاهد المرء نفسه مرة، أو مرتين، أو أكثر، بل تعني أن يجاهد نفسه حتى يموت؛ ذلك أن المجاهدة عبادة، والله يقول:{وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [99]} [سورة الحجر].
(4)
المحاسبة: وذلك بنقد النفس إذا ارتكبت أخلاقًا ذميمة، وحملها على ألا تعود إليها مرة أخرى، مع أخذها بمبدأ الثواب، فإذا أحسنت أراحها، وأرسلها على سجيتها بعض الوقت في المباح. وإذا أساءت وقصرت أخذها بالحزم والجد، وحرمها من بعض ما تريد.
(5)
التفكر في الآثار المترتبة على حسن الخلق: فإن معرفة ثمرات الأشياء، واستحضار حسن عواقبها؛ من أكبر الدواعي إلى فعلها، وتمثلها، والسعي إليها. والمرء إذا رغب في مكارم الأخلاق، وأدرك أنها من أولى ما اكتسبته النفوس، وأجل غنيمة غنمها الموفقون؛ سهل عليه نيليها واكتسابها.
(6)
النظر في عواقب سوء الخلق: وذلك بتأمل ما يجلبه سوء الخلق من الأسف الدائم، والهم الملازم، والحسرة والندامة، والبغضة في قلوب الخلق؛ فذلك يدعو المرء إلى أن يقصر عن مساوئ الأخلاق، وينبعث إلى محاسنها.
(7)
الحذر من اليأس من إصلاح النفس: فهناك من إذا ابتلى بمساوئ الأخلاق وحاول التخلص من عيوبه فلم يفلح؛ أيس من إصلاح نفسه، وترك المحاولة، وهذا الأمر لا يحسن بالمسلم، ولا يليق به؛ بل ينبغي له أن يقوي إرادته، وأن يسعى لتكميل نفسه، وأن يجدَّ في تلافي عيوبه؛ فكم من الناس من تبدلت حاله، وسمت نفسه، وقلت عيوبه بسبب مجاهدته، وسعيه، وجده، ومغالبته لطبعه.
(8)
علو الهمة: فعلو الهمة يستلزم الجد، ونشدان المعالي، والترفع عن الدنايا ومحقرات الأمور. والهمة العالية لا تزال بصاحبها تزجره عن مواقف الذل، واكتساب الرذائل، وحرمان الفضائل حتى ترفعه من أدنى دركات الحضيض إلى أعلى مقامات المجد والسؤدد،
(قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
فمن علت همته، وخشعت نفسه؛ اتصف بكل خلق جميل، ومن دنت همته، وطغت نفسه؛ اتصف بكل خلق رذيل'.
(وقال رحمه الله: فالنفوس الشريفة لا ترضى من الأشياء إلا بأعلاها، وأفضلها، وأحمدها عاقبة، والنفوس الدنيئة تحوم حول الدناءات، وتقع عليها كما يقع الذباب على الأقذار؛ فالنفوس العلية لا ترضى بالظلم، ولا بالفواحش، ولا بالسرقة ولا بالخيانة؛ لأنها أكبر من ذلك وأجل. والنفوس المهينة الحقيرة الخسيسة بالضد من ذلك'. فإذا توفر المرء على اقتناء الفضائل، وألزم نفسه على التخلق بالمحاسن، ولم يرض من منقبة إلا بأعلاها، ولم يقف عند فضيلة إلا وطلب الزيادة عليها.
(9)
الصبر: فالصبر من الأسس الأخلاقية التي يقوم عليها الخلق الحسن، فالصبر يحمل على الاحتمال، وكظم الغيظ، وكف الأذى، والحلم، والأناة، والرفق، وترك الطيش والعجلة واستصحب الصبر إلا فاز بالظفر وقل من جد أمر تطلبه.
(10)
العفة: فهي تحمل على اجتناب الرذائل من القول والفعل، وتحمل على الحياء وهو رأس كل خير، وتمنع من الفحشاء، والبخل، والكذب، والغيبة، والنميمة.
(11)
الشجاعة: فهي تحمل على عزة النفس، وإباء الضيم، وإيثار معالي الأخلاق والشيم، وعلى البذل والندى الذي هو شجاعة النفس، وقوتها على إخراج المحبوب ومفارقته. وهي تحمل صاحبها على كظم الغيظ، والحلم؛ فإنه بقوة نفسه وشجاعتها يمسك عنانها، ويكبحها بلجامها عن النزق والطيش.
(12)
العدل: فهو يحمل على اعتدال الأخلاق، وتوسطها بين طرفي الإفراط والتفريط.
(13)
تكلف البشر والطلاقة، وتجنب العبوس والتقطيب: قال ابن حبان رحمه الله: ' البشاشة إدام العلماء، وسجية الحكماء؛ لأن البشر يطفئ نار المعاندة، ويحرق هيجان المباغضة، وفيه تحصين من الباغي، ومنجاة من الساعي'. 'وقيل للعتابي: إنك تلقى الناس كلهم بالبشر! قال: دفع ضغينة بأيسر مؤونة، واكتساب إخوان بأيسر مبذول'.
وما اكتسب المحامد حامدوها بمثل البشر والوجه الطليق
بل إن تبسم الرجل في وجه أخيه المسلم صدقة يثاب عليها بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي:
((حديث أبي ذر رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تبسمك في وجه أخيك لك صدقة وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة وبصرك للرجل الرديء البصر لك صدقة وإماطتك الحجر والشوكة والعظم عن الطريق لك صدقة وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة.
والابتسام للحياة يضيئها، ويعين على احتمال مشاقها، والمبتسمون للحياة أسعد الناس حالاً لأنفسهم ومن حولهم، بل هم أقدر على العمل، وأكثر احتمالاً للمسؤولية، وأجدر بالإتيان بعظائم الأمور التي تنفعهم، وتنفع الناس؛ فذو النفس الباسمة المشرقة يرى الصعاب فيلذه التغلب عليها، ينظرها فيبتسم، وينجح فيبتسم، ويخفق فيبتسم. وإذا كان الأمر كذلك فأحرى بالعاقل ألا يرى إلا متهللاً.
(ومن أعظم ما يعين على اكتساب تلك الخلة: الإقبال على الله، وطهارة القلب، وسلامة المقاصد، والبعد عن موطن الإثارة قد المستطاع. ومن ذلك قوة الاحتمال، ومحاربة اليأس، وطرد الهم والكآبة.
(14)
التغاضي والتغافل: وهو من أخلاق الأكابر، ومما يعين على استبقاء المودة واستجلابها، وعلى وأد العداوة وإخلاد المباغضة، ثم إنه دليل على سمو النفس، وشفافيتها، وهو مما يرفع المنزلة، ويعلي المكانة، قال ابن الأثير متحدثًا عن صلاح الدين الأيوبي:'وكان صبورًا على ما يكره، كثير التغافل عن ذنوب أصحابه، يسمع من أحدهم ما يكره، ولا يعلمه بذلك، ولا يتغير عليه. وبلغني أنه كان جالسًا وعنده جماعة، فرمى بعض المماليك بعضًا بسرموز ـ يعني: بنعل ـ فأخطأته، ووصلت إلى صلاح الدين فأخطأته، ووقعت بالقرب منه، فالتفت إلى الجهة الأخرى يكلم جليسه؛ ليتغافل عنها'.
وكان الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله كثير التغاضي عن كثير من الأمور في حق نفسه، وحينما يسأل عن ذلك كان يقول:
ليس الغبي بسيد في قومه لكن سيد قومه المتغابي
(15)
الإعراض عن الجاهلين: فمن أعرض عن الجاهلين حمى عرضه، وأراح نفسه، وسلم من سماع ما يؤذيه، قال عز وجل:{خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [199]} [سورة الأعراف].
فبالإعراض عن الجاهلين يحفظ الرجل على نفسه عزتها، والعرب تقول:'إن من ابتغاء الخير اتقاء الشر'. وروي أن رجلاً نال من عمر بن عبد العزيز، فلم يجبه، فقيلله: ما يمنعك منه؟
قال: التقى ملجم.
(16)
العفو والصفح ومقابلة الإساءة بالإحسان: فهذا سبب لعلو المنزلة، ورفعة الدرجة، وفيه من الطمأنينة، وشرف النفس، وعزها، ما ليس شيء منه في المقابلة والانتقام، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما نقصت صدقةٌ من مال، وما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزا، وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله)
(وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله:'أحب الأمور إلى الله ثلاثة: العفو عند المقدرة، والقصد في الجِدَةِ، والرفق بالعَبَدَةِ'.
(وقال الشافعي رحمه الله:
أرحت نفسي من ظلم العدوات لما عفوت ولم أحقد على أحد
فإذا كان الأمر كذلك فإنه يجدر بالعاقل ـ كما قال ابن حبان ـ:'توطين نفسه على لزوم العفو عن الناس كافة، وترك الخروج لمجازاة الإساءة؛ إذ لا سبب لتسكين الإساءة أحسن من الإحسان، ولا سبب لنماء الإساءة وتهييجها أشد من الاستعمال بمثلها'.
وقد يظن ظان أن العفو عن المسيء، والإحسان إليه مع القدرة عليه؛ موجب للذلة والمهانة، وأنه قد يجر إلى تطاول السفهاء. وهذا خطأ؛ فالعفو إسقاط حقك جودًا، وكرمًا، وإحسانًا مع قدرتك على الانتقام، فتؤثر الترك؛ رغبة في الإحسان ومكارم الأخلاق .. بخلاف الذل؛ فإن صاحبه بترك الانتقام عاجزًا، وخوفًا، ومهانة نفس، فهذا غير محمود، بل لعل المنتقم بالحق أحسنُ حالاً منه.
(17)
الرضا بالقليل من الناس، وترك مطالبتهم بالمثل: وذلك بأن يأخذ منهم ما سهل عليهم، وطوعت له به أنفسهم سماحة واختيارًا، وألا يحملهم على العنت والمشقة، قال تعالى:{خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [سورة الأعراف: 199].
(قال عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما في هذه الآية:'أمر الله نبيه أن يأخذ العفو من أخلاق الناس'. وقال مجاهد:'يعني خذ العفو من أخلاق الناس وأعمالهم من غير تخسيس، مثل قبول الأعذار، والعفو، والمساهلة، وترك الاستقصاء في البحث والتفتيش عن حقائق بواطنهم'.
(قال المقنع الكندي- واصفًا حاله مع قومه-:
وأعطيهم مالي إذا كنت واجدًا وإن قل مالي لم أكلفهم رفدا
(وقال الرافعي رحمه الله:'إن السعادة الإنسانية الصحيحة في العطاء دون الأخذ، وإن الزائفة هي الأخذ دون العطاء، وذلك آخر ما انتهت إليه فلسفة الأخلاق'.
(18)
احتساب الأجر عند الله عز وجل: فهذا الأمر من أعظم ما يعين على اكتساب الأخلاق الفاضلة، فهو مما يعين على الصبر، والمجاهدة، وتحمل أذى الناس؛ فإذا أيقن المسلم أن الله سيجزيه على حسن خلقه ومجاهدته؛ سيهون عليه ما يلقاه في ذلك السبيل.
(19)
تجنب الجدال: لأن الجدال يذكي العداوة، ويورث الشقاق، ويقود إلى الكذب، ويدعو إلى التشفي من الآخرين. فإذا تجنبه المرء؛ سلم من اللجاج، وحافظ على صفاء قلبه، ثم إن اضطر إلى الجدال؛ فليكن جدالاً هادئًا، يراد به الوصول إلى الحق، وليكن بالتي هي أحسن وأرفق، قال تعالى:{وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [125]} [سورة النحل].
أما إذا لج الخصم في الجدال، وعلا صوته في المجلس؛ فإن السكوت أولى، وإن أفضل طريقة لكسب الجدال؛ حينئذٍ هي تركه، وتأمل في الحديثين الآتيين بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيهما واجعل لهما من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيهما من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (
((حديث أبي أمامة الثابت في صحيح أبي داود) أن النبي صلى الله عليه وسلم أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا و بيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب و إن كان مازحا و بيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه.
((حديث عائشة الثابت في الصحيحين) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن أبغض الرجال عند الله الألدُ الخَصِم.
(20)
التواصي بحسن الخلق: وذلك ببث فضائل حسن الخلق، وبالتحذير من مساوئ الأخلاق، وبنصح المبتلين بسوء الخلق، وبتشجيع حسني الأخلاق، فحسن الخلق من الحق، والله يقول:{وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [3]} [سورة العصر].
(21)
قبول النصح الهادف، والنقد البناء: فهذا مما يعين على اكتساب الأخلاق الفاضلة، ومما يبعث على التخلي عن الأخلاق الساقطة. فعلى من نُصِحَ أن يتقبل النصح، وأن يأخذ به؛ حتى يكمل سؤدده، وتتم مروءته، ويتناهى فضله.
بل ينبغي لمتطلب الكمال ـ خصوصًا إذا كان رأسًا مطاعًا ـ أن يتقدم إلى خواصه، وثقاته، ومن كان يسكن إلى عقله من خدمه وحاشيته ـ فيأمرهم أن يتفقدوا عيوبه ونقائضه، ويطلعوه عليها، ويعلموه بها؛ فهذا ما يبعثه للتنزه من العيوب، والتطهر من دنسها.
(22)
لزوم الصدق: فالصدق يهدي إلى البر، وحسن الخلق من جملة ذلك البر.
(23)
تجنب الوقيعة في الناس: فالوقيعة في الناس، والعرض لعيوبهم ومغمزهم ـ مما يورث العداوة، ويشوش على القلب، فتسوء الأخلاق تبعًا لذلك.
(24)
أن يتخذ الناس مرآة لنفسه: فكل ما كرهه، ونفر عنه من قول، أو فعل، أو خلق ـ فَلْيَتَجَنَّبْه، وما أحبه من ذلك واستحسنه فليفعله، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث أبي هريرة الثابت في صحيح أبي داوود) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: المؤمن مرآة المؤمن و المؤمن أخو المؤمن يكفُّ عليه ضيعته و يحُوطُه من ورائه.
(ولله درُ من قال:
إذا أعجبتك خصال امرئٍ فكنْهُ تكن مثل ما يعجبك
فليس على المجد والمكرمات إذا جئتها حاجب يحجبك
(25)
مصاحبة الأخيار وأهل الأخلاق الفاضلة: فالمرء مولع بمحاكاة من حوله، شديدُ التأثر بمن يصاحبه. فالجبان قد تدفعه قوة الصداقة إلى أن يخوض في خطر؛ ليحمي صديقه من نكبة. والبخيل قد تدفعه قوة الصداقة إلى أن يبذل جانبًا من ماله؛ لإنقاذ صديقه من شدة.
فالصداقة المتينة لا تحل في نفس إلا هذبت أخلاقها الذميمة. فإذا كان الأمر كذلك فما أحرى بذي اللب أن يبحث عن إخوان الثقات؛ حتى يعينوه على كل خير، ويقصروه عن كل شر.
(26)
الاختلاف إلى أهل الحلم والفضل وذوي المروءات: فإذا اختلف المرء إلى هؤلاء، وأكثر من لقائهم وزيارتهم؛ تَخَلَّق بأخلاقهم، وقبس من سمتهم ودلهم. يروى أن الأحنف بن قيس قال:'كنا نختلف إلى قيس بن عاصم نتعلم منه الحلم كما نتعلم الفقه'.
ولا يلزم أن يكون هؤلاء الذين يختلف إليهم من أهل العلم، بل قد يوجد من العوام من جبل على كريم الخلال وحميد الخصال، قال ابن حزم: [[وقد رأيت من غمار العامة من يجري في الاعتدال وحميد الأخلاق إلى مالا يتقدمه فيه حكيم عالم رائض لنفسه، ولكنه قليل جدًا '.
(27)
معرفة أحوال الناس ومراعاة عقولهم، ومعاملتهم بمقتضى ذلك: فهذا الأمر دليل على جودة النظر في سياسة الأمور، فالرجل العاقل يحكم هذا الأمر، وينتفع به عند لقائه بالطبقات المختلفة، فتراه يزن عقول من يلاقونه، فيتيسر له أن يسايرهم إلا أن ينحرفوا عن الرشد، ويتحامى ما يؤلمهم إلا أن يتألموا من صوت الحق .. ومراعاة عقول الناس وطباعهم فيما لا يقعد حقاً، ولا يقيم باطلاً؛ مظهر من مظاهر الإنسانية المهذبة.
(28)
مراعاة أدي المحادثة والمجالسة: فذلك مما يزرع المودة، وينمي الأخلاق الفاضلة.
(29)
المحافظة على الصلاة: فهي سبب عظيم لحسن الخلق، وطلاقة الوجه، وطيب النفس، وسموها، وترفعها عن الدنايا. كما أنها في مقابل ذلك تنهى عن الفحشاء والمنكر، وسوء الخلق من جملة ما تنهى عنه الصلاة. ثم إنها سبب لعلاج أدواء النفس الكثيرة كالبخل، والشح، والحسد، والهلع، والجزع، وغيرها.
(30)
الصيام: فبالصيام تزكو النفس، ويستقيم السلوك، وتنشأ الأخلاق الرفيعة، وبالصيام تعلو الهمة، وتقوى الإرادة، ويتحقق الاطمئنان. فهو تدريب منظم على حمل المكروه، ودرس مفيد في سياسة المرء نفسه، ثم إن الصيام يحرك النفوس للخير، ويسكنها عن الشر، ويطلقها من أسر العادات، ويحررها من فساد الطباع، ويجتث منها رعونة الغرائز. فهذه الأمور وغيرها من أعظم ما يعين على اكتساب حسن الخلق.
(31)
قراءة القرآن بتدبر وتعقل: فهو الهدى والنور، وهو كتاب الأخلاق الأول، وهو الذي يهدي للتي هي أقوم، وحسن الخلق من جملة ما يهدي إليه القرآن. وفيه من الوصايا العظيمة الجامعة التي لا توجد في أي كتاب آخر، والتي لو أخذت بها البشرية لتغير مسارها، ولاستنارت سبلها، ولعاشت عيشة الهناءة والعز. بل إن آية واحدة في القرآن جمعت مكارم الأخلاق، وهي قوله تعالى:{خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199].
(32)
تزكية النفس بالطاعة: فهذا من أعظم ما يكسب الأخلاق الفاضلة إن لم يكن أعظمه، قال تعالى:{قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} [الشمس: 9]. وقال: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} [الأعلى: 14].
(33)
لزوم الحياء: فالحياء يبعث على فعل الجميل وترك القبيح. والحياء كله خير، ولا يأتي إلا بخير، وهو خلق الإسلام، وهو شعبة من شعب الإيمان،
وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث ابن عمر الثابت في الصحيحين) أن النبي صلى الله عليه وسلم مرَّ على رجلٍ وهو يعظُ أخاه في الحياء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دَعْه فإن الحياء من الإيمان.
((حديث عمران ابن حصين الثابت في الصحيحين) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الحياءُ لا يأتي إلا بخير.
((حديث أبي هريرة الثابت في صحيح مسلم) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الإيمان بضع و سبعون شعبة فأفضلها قول: لا إله إلا الله و أدناها إماطة الأذى عن الطريق و الحياء شعبة من الإيمان.
((حديث أنس رضي الله عنه الثابت في صحيح ابن ماجه) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن لكل دين خلقاً وخلق الإسلام الحياء.
((حديث أبي سعيد الثابت في الصحيحين) قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها، فإذا رأى شيئاً يكرهه عرفناه في وجهه.
((حديث أبي مسعودٍ الأنصاري الثابت في صحيح البخاري) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت.
((حديث ابن عمر الثابت في صحيح الجامع) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الحياء و الإيمان قرنا جميعا فإذا رُفِعَ أحدهما رفع الآخر.
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الحياء من الإيمان والإيمان في الجنة والبذاء من الجفاء والجفاء في النار.
(حديث أبي أمامة رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الحياء والعي شعبتان من الإيمان والبذاء والبيان شعبتان من النفاق.
العي: سكوت الإنسان كثيراً وعدم نطقه كثيراً؛ خشية الوقوع في الخطأ والمعصية.
((حديث يعلى الثابت في صحيح أبي داود) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله حَييٌ سِتير يحبُ الحياءَ والستر، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر.
((حديث سلمان الثابت في صحيح أبي داوود والترمذي) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن ربكم حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا.
(34)
إفشاء السلام: فإذا ما أفشى الناس السلام توادوا، وتحابوا، وإذا توادوا وتحابوا زكت نفوسهم، وزالت الوحشة فيما بينهم، فتحسن أخلاقهم تبعًا لذلك، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث أبي هريرة الثابت في صحيح مسلم) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: و الذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا و لا تؤمنوا حتى تحابوا أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم.
(35)
إدامة النظر في السيرة النبوية: فالسيرة النبوية تضع بين يدي قارئها أعظم صورة عرفتها الإنسانية، وأكمل هدي وخلق في حياة البشرية، قال ابن حزم رحمه الله:'من أراد خير الآخرة، وحكمة الدنيا، واستحقاق الفضائل والاحتواء على محاسن الأخلاق كلها، واستحقاق الفضائل بأسرها؛ فَلْيَقْتَدِ بمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليستعمل أخلاقه، وسيره ما أمكنه، أعاننا الله على التأسب به بمنه آمين'.
(36)
النظر في سير الصحابة الكرام: فهم أعلام الهدي، ومصابيح الدجى، وهم الذين ورثوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هديه، وسمته، وخلقه، فالنظر في سيرهم، والاطلاع على أحوالهم ـ يبعث على التأسي بهم، والإقتداء بهديهم.
(37)
قراءة سير أهل الفضل والحلم: فإن قراءة سيرهم، والنظر في تراجمهم مما يحرك العزيمة على اكتساب المعالي ومكارم الأخلاق؛ ذلك أن حياة أولئك تتمثل أمام القارئ، وتوحي إليه بالاقتداء بهم، والسير على منوالهم.
(38)
قراءة كتب الشمائل والكتب في الأخلاق: فإنها تنبه الإنسان على مكارم الأخلاق، وتذكره بفضلها، وتعينه على اكتسابها.
(علامات حسن الخلق:
كيف يعرف الواحد منا مدى اتصافه من بحسن الخلق من عدمه ومدى التزامه بهذا التوجيه الكريم الذي يأمرنا فيه ربنا بالإقتداء بالرسول عليه الصلاة والسلام: قال تعالى: (لّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لّمَن كَانَ يَرْجُو اللّهَ وَالْيَوْمَ الَاخِرَ وَذَكَرَ اللّهَ كَثِيراً)[الأحزاب: 21]
وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم نوعين العلامات الدالات على حسن الخلق فمنها ما هو مجمل ومنها ما هو مفصل ولا نستطيع أن نأتي عليها كلها لكثرتها كثرة مستفيضة كما صح عنه.
أولاً المعيار المجمل: محبة الخير لأخيه المسلم:
وتأمل في الحديثين الآتيين بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيهما واجعل لهما من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيهما من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث أنس رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه.
((حديث أنس رضي الله عنه الثابت في صحيح النسائي) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: والذي نفس محمد بيده لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير.
ورواية النسائي تفيد فائدة عظيمة وتقطع دابر من أراد أن يستعمل الحديث في غير ما أراده النبي صلى الله عليه وسلم، فقد يقول أنا أحب كذا وكذا مما يسخط الله فأريد أن أجلبه إلى أخي المسلم فتقطع هذه الوساوس بهذه الرواية الثانية: الخير فيما يحبه الله كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم.
فإن كنت تحب لإخوانك المسلمين ما تحبه لنفسك من خير فأنت إن شاء الله من ذوي الخلق الحسن.
ثانياً المعيار المفصل: الأحاديث الدالة على مكارم الأخلاق:
أداء الأمانة وتحريم المماطلة – كظم الغيظ – الإحسان إلى الجار وعدم إيذائه – البشر وطلاقة الوجه عند لقيا الإخوان ـ قضاء حوائج المسلمين – أسباب الألفة والمحبة: وهي «الكلام الطيب واللين – إفشاء السلام – الهدية – الزهد فيما في أيدي الناس»
(من علامات حسن الخلق أداء الأمانة وتحريم المماطلة:
قال تعالى: (إِنّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدّواْ الأمَانَاتِ إِلَىَ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنّ اللّهَ نِعِمّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً)[سورة: النساء - الآية: 58]
((حديث أبي هريرة في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك"
((حديث أنس الثابت في صحيح الجامع) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا إيمان لمن لا أمانة له و لا دين لمن لا عهد له.
((حديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: مطل الغني ظلم فإذا أُتبع أحدكم على مليء فليتبع.
((حديث الشريد بن سُويد الثابت في صحيح السنة الأربعة) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ليُّ الواجدِ يُحِلُ عِرْضِهِ و عُقُوبَتَه.
(تعريف الأمانة وحدها:
الأمانة: كل ما ائتمنك الله عليه من قليل أو كثير، فهو سائلك عنه يوم العرض الأكبر: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88 - 89] وقال سبحانه: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ [النساء:58].
فالأمانة هنا ما ائتمن الله العبد عليه، وظيفة قلَّت أو جلَّت، كبرت أو صغرت، يؤديها عند الله يوم القيامة، قال بعض السلف:" الفروج ومن تولى عليها في عقود أمانة، والأموال ومن كلف بها أمانة، والولايات أمانة، والرجل في بيته مؤتمن، والمرأة في بيتها مؤتمنة"، وسوف يأتي في ذلك عنصر.
ولما فتح المسلمون القادسية
ونصرهم الله، ورفعوا لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم في القادسية سلم لسعد بن أبي وقاص ذهب وفضة، واستولى على خزائن كسرى، ولما رآها دمعت عيناه وقال: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ * فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ [الدخان:25 - 29]
فماذا فعل؟ جمع الجيش وقال: هذه أمانة فما رأيكم؟
قالوا: نرى أن تدفعها لعمر بن الخطاب الخليفة فما أخذوا منها درهماً ولا ديناراً.
قوم ممزقة ثيابهم، مكسرة رماحهم، بهم من الظمأ والمجاعة ما الله به عليم، فدفعوا الأموال لعمر، فلما رآها بكى وقال: والله الذي لا إله إلا هو إن قوماً دفعوها إليَّ لأمناء.
ولما جاء معاذاً من اليمن كان معه بغال أتى ببغال معه وأتى ببعض المال -والقصة صحيحة- فقال عمر: سلم ما عندك من مال أحاسبك، قال: أنت الخليفة، أو أبو بكر، قال: أبو بكر الخليفة ولكن أنا هو وهو إياي، يعني أنا أقول بلسانه وهو يقول بلساني.
فقال معاذ: والله ما أخذت هذا المال إلا متاجرة وما أخذته من أموال المسلمين، فتركه عمر ونام معاذ تلك الليلة، فرأى في المنام أنه يريد أن يهوي إلى نار عميقة، وأن عمر يسحبه بثيابه على شفى حفرة من النار أي يرى أنه يكاد يهوي على وجهه في نار، وعمر يجره -فذهب معاذ إلى عمر في الصباح، قال: أحسنت، أصاب بك الله الخير، رأيت كيت وكيت، قال عمر: هيا بنا إلى خليفة رسول الله عليه الصلاة والسلام، فإن أحلك في مالك فهنيئاً مريئاً، وإلا فرده، فذهبوا إلى أبي بكر فأخبره، قال: أحللته لك خذه هنيئاً مريئاً.
إن عبادتهم كانت أمانة، ومراقبتهم لله عز وجل لا تفارقهم ليل نهار، وهم الذي بلغوا درجة الإحسان.
((من قصص السلف مع الأمانة:
(أبو بكر الصديق رضي الله عنه:
أبو بكر المسئول والخليفة الأول بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، تعالوا، لننتقل إليه في عاصمة الإسلام في المدينة؛ لنرى يوماً من أيامه مع الرعية، وكيف عاش الخليفة أبو بكر؟!
ينطلق من المسجد كل صباح بعد صلاة الفجر مع المسلمين ويذهب إلى خيمة في الصحراء فريدة وحيدة، فيدخلها وعمر الوزير والمستشار المفوض لأبي بكر، يتابع الخليفة في خطواته ولا يدري أبو بكر أن عمر يتابعه ويريد أن يرى أين يذهب أبو بكر الصديق خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولما دخل أبو بكر وخرج من الخيمة؛ دخل عمر بعد أبي بكر، فوجد عجوزاً كبيرة كسيرة عمياء في الخيمة، معها أطفال أبوهم قد مات، لا عائل لهم إلا الواحد الأحد، قال عمر: يا أمة الله! من أنت؟
قالت: امرأة من المسلمين حسيرة كسيرة، عجوز لي أطفال، مات أبوهم من زمن، قال: فمن هذا الشيخ الذي يأتيكم؟
قالت: والله ما أدري من هو.
لكن الواحد الأحد يدري من هو، الذي يعلم السر وأخفى، الذي يعلم صدق الصادقين وإنابة المنيبين.
قال عمر: ماذا يفعل هذا الشيخ الذي يأتيكم، قالت: يأتينا بعد فجر كل يوم، فيكنس
بيتنا، الله أكبر أبو بكر يكنس البيت؟!
نعم. لأنه يريد الجنة، يقول سبحانه وتعالى: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص:83] وقال تعالى أيضاً: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً [الفرقان:63].
وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من تواضع لله رفعه، ومن تكبر على الله وضعه} .
قالت المرأة: يكنس البيت، ويصنع لنا طعامنا ـ يتحول الخليفة إلى طباخ للمساكين، يقدم لهم وجبة الإفطار ـ ويحلب لنا شياهنا، ثم ينطلق.
فماذا يرد عمر على هذه القصة؟ جلس عمر يعلق على القصة بالبكاء.
إذا اشتبكت دموع في خدودٍ
…
تبين من بكى ممن تباكى
أحاذر أن يشق على المطايا
…
فلا تمشي بنا إلا سواكا
ثم يقول عمر: [[أتعبت الخلفاء بعدك يا أبا بكر]] أتعبت يا أبا بكر المسئولين، أتعبت يا أبا بكر الموظفين؛ لأنك مشيت في طريق لا يستطيع أحد أن يمشي فيه، ولذلك ابن القيم إذا ذكر أبا بكر الصديق قال له:
من لي بمثل سيرك المدلل
…
تمشي رويداً وتجى الأول
((عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
عمر بن الخطاب الخليفة الصادق صاحب الجبة المرقعة، الذي يأكل خبز الشعير في الزيت، والذي يموت خوفاً منه كسرى وقيصر:
يا من يرى عمراً تكسوه بردته
…
والزيت أدم له والكوخ مأواه
يهتز كسرى على كرسيه فرقاً
…
من خوفه وملوك الروم تخشاه
يصعد المنبر يوم الجمعة، وعليه جبة عليها أربع عشرة رقعة، ويقول لبطنه وأحشائه عندما تقرقر جوعاً:[[قرقري أو لا تقرقري، والله لا تشبعي حتى يشبع أطفال المسلمين]].
ذكر ابن كثير في تاريخه بسند جيد عن أسلم مولى عمر قال: قال لي عمر في ظلام الليل
…
وعمر لا ينام، تقول له امرأته: يا أمير المؤمنين لا تنام في النهار ولا تنام في الليل، قال:[[لو نمت الليل لضيعت نفسي، ولو نمت النهار لضاعت رعيتي]] يخرج في الليل والناس نيام يجوب الشوارع، يسأل عن الأمن، يطرق البيوت، يدافع الإجرام، يفضح المجرمين، يسري كالبدر، معه درة في يده، يخرج بها وساوس الشياطين من بعض الرءوس.
قال أسلم وهو مولى: فقال لي عمر انطلق معي هذه الليلة.
ليلة من ليالي أهل الجنة، قال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم:{عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله} :
نامت الأعين إلا مقلة
…
تذرف الدمع وترعى مضجعك
قال: فانطلقت معه، فأتينا إلى خيمة بها امرأة في الولادة وهي تبكي، فأخذ عمر يشاركها البكاء -لله دره، قلب وعى القرآن وعرف الإيمان- فقال أسلم: مالك يا أمير المؤمنين تبكي؟
قال: يا أسلم ما تدري ماذا تجد من ألم الولادة وألم النفاس، ثم انطلق إلى بيت المال، وأتى بجراب من شحم ومن دقيق ومن تمر وحمله على كتفه.
فقال أسلم: أنا أحمل عنك هذا يا أمير المؤمنين! قال: إنك لا تحمل خطاياي يوم القيامة، وذهب فدخل البيت، واستأذن على المرأة، فتحجبت وقام يشعل النار، والدخان يتخلل لحيته الكثة التي نصرت لا إله إلا الله في الأرض، فصنع الطعام وقدمه للمرأة فقالت: والله إنك خير من عمر بن الخطاب، وهو عمر بشحمه ولحمه ودمه، وإرادته وصدقه وعزيمته.
((سعيد بن عامر:
اختار عمر من الصحابة رجلاً فقيراً زاهداً مصلياً عابداً ليكون والياً على حمص.
وحمص بلد للمشاغبين، كل يوم ترتفع منها شكاية لعمر يشكون فيها العامل، يثلمون في العامل ولو كان ملكاً من الملائكة، أمة تحب الشكايات طبعاً، فأراد عمر أن يسكتهم في رجل لا مطعن فيه، فقال: يا سعيد بن عامر اذهب فقد وليتك على حمص.
قال: لن أتولى حمص لك، إني أخاف من الله.
قال عمر: هيه! تضعونها في عنقي وتتركونني! والله لتتولين حمص.
يعني: تجعلون الخلافة في عنقي مسئولية وأمانة وغرماً وكلفاً ثم تركونني، فهي ليست سعادة، إنها لمن لم يحسنها خيبة وندامة يوم القيامة.
فذهب، أتدرون ما هو متاعه، قالوا: صحفة وعصا وشملة، صحفة يغتسل ويتوضأ ويأكل طعامه فيها، وشملة ينام فيها ويجلس عليها، ويضيف ضيوفه على هذا الفراش، وعصا يتوكأ عليها ويهش بها على غنمه وله فيها مآرب أخرى.
ذهب إلى حمص، فاستقبله أهل حمص -يظنون أنه يبشر بالأمير، فأتى هذا ومعه صحفة وعصا وشملة وزوجته وراءه- قالوا: هل رأيت الأمير؟
قال: أنا الأمير.
قالوا: لا تستهزئ بنا! الأمير الذي أرسله عمر هل رأيته في الطريق؟
قال: أنا والله الذي لا إله إلا هو.
قالوا: وثيابك ثياب أمير!
قال: إني خرجت مأموراً من عمر ما أردت إمارة وما طلبتها.
وأتى إلى زوجته وقال: هل لك أن نتاجر في مالك وفي مالي؟ لأنها كانت تاجرة، قالت: وهل تعلم شريكاً يربحنا في التجارة؟
قال: نعم، وجدت بعض الشركاء يعطوننا في الدرهم عشرة أضعاف إلى سبعمائة درهم.
قالت: خذ مالي إلى مالك، ولا يفوتك هذا، فإنه مكسب عظيم، فأخذ ماله ومالها، فتصدق به في سبيل الله، وتولى الإمارة ومكث فيهم راضياً زاهداً صادقاً، فأتى عمر يبحث عن الأمراء -كان عمر له جولة استطلاع لاكتشاف المواهب، واكتشاف الدسائس، ويحاكم الأمير والوالي أمام الناس في مجلس شورى مفتوح- فيقول: ما رأيكم فيه، وما رأيه فيكم.
فلما وصل دور سعيد بن عامر وهو جالس، قال: يا أهل حمص ما رأيكم في أميري عليكم سعيد بن عامر، قام الناطق الرسمي بلسانهم، قال: فيه كل خير إلا أربع خلال فيه.
قال عمر: الله المستعان! اللهم لا تخيب ظني فيه، ما هي الأربع؟ قال: أولها: لا يخرج إلينا يوماً في الأسبوع ولا نراه، قال: هذه واحدة، والثانية؟ قالوا: من بعد صلاة العشاء مهما طرقنا عليه لا يخرج إلينا، قال: هذه ثانية، والثالثة؟ قالوا: لا يخرج علينا حتى يرتفع النهار ضحى، قال: هذه ثالثة -يعني يتأخر في الدوام- والرابعة، قالوا: إذا جلس في الحكم وفي دار الإمارة يغمى عليه، قال: هذه الرابعة، قال عمر: أجب يا سعيد.
فقال سعيد: ما أردت أن أظهر شيئاً من عملي بعد أن كتمه الله، ولكن ما دام أنك قد سألتني يا أمير المؤمنين فاسمع.
قال: الأولى: أما أني لا أخرج لهم يوماً في الأسبوع، فإن امرأتي مريضة، وليس لي خادم، فأنا أغسل ثيابي وثيابها يوماً من الأسبوع، فدمعت عينا عمر وشكره.
وأما أني لا أخرج عليهم حتى يتعالى النهار، فامرأتي كما قلت مريضة ولا خادم لي، فأنا أصنع الطعام وأفطر أنا وزوجتي، ثم أتوضأ وأخرج إليهم.
وأما أني لا أخرج لهم من بعد العشاء ولا أفتح الباب، فقد جعلت النهار لهم والليل لربي.
وأما قولهم إنه يغمى علي في المجلس، فإني حضرت قتل خبيب بن عدي في مكة وكنت مشركاً، وكان خبيب مسلماً، فاجتمع المشركون حوله ليقتلوه، فرأيته يرفع على الخشبة وهو يقول:[[اللهم احصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً]].
ثم قال:
ولست أبالي حين أقتل مسلماً
…
على أي جنب كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ
…
يبارك على أوصال شلو ممزع
فكلما ذكرت ذاك الموقف وأني ما نصرته أغمي علي، وغشي علي، فبكى عمر وبكى الناس، وقال: الحمد لله الذي لم يخيب ظني فيك، فقام سعيد بن عامر وقال: خذ إمارتك يا أمير المؤمنين، والله لا أتولى بعدها لك ولاية.
وجاء عمر يحاسبه بعد هذا الكلام والمحاضرة قال عمر: نحاسبك على ما أعطيناك من عطاء وعلى ما عندك، أدخلني بيتك، فدخل بيته فوجد شملة وصحفة وعصا، قال: أسألك بالله ما عندك من الدنيا إلا هذا، قال: والله الذي لا إله إلا هو ما أملك من الدنيا إلا هذا، فجلس في ركن البيت يبكي، وجلس عمر في ركنه الآخر يبكي، يقول عمر: غرتنا الدنيا إلا أنت يا سعيد.
سلام الله عليهم، ورضي الله عنهم، أمة أخرجها الله للناس.
(من علامات حسن الخلق كظم الغيظ وعدم الغضب:
وقد قال الله جل وعلا: {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران:133،134]. فأين نحن يا عباد الله من هذه الصفات، هل نحن ممن يكتم الغيظ ويعفو عن الناس حتى إن أساءوا إليه.
وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ليس الشديد بالصُرعة و إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب.
((حديث معاذ ابن أنس الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من كظم غيظا و هو قادر على أن يُنْفِذَه دعاه الله على رءوس الخلائق حتى يخيره من الحور ما شاء.
وقد قال الله جل وعلا: {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران:133،134]. فأين نحن يا عباد الله من هذه الصفات، هل نحن ممن يكتم الغيظ ويعفو عن الناس حتى إن أساءوا إليه.
وقد قال الله تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ} [المؤمنون: 96] فإذا أساء إليك إنسان فادفع إليه بالكلمة التي هي أحسن وبالفعلة التي هي أحسن وقال: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 43] وهذه نتيجة دفع السيئة بالحسنة.
{تنبيه} : (اعلم علم اليقين الذي لا يخالطه شك أن كظم الغيظ يمكن اكتسابه بترويض النفس فلا ينبغي للإنسان أن يستوطئ العجز ولا أن يقول أنني جُبلت على ذلك فإنه من يتحرى الخير يُعطه ومن يتق الشر يُوَقَّه بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي:
((حديث أبي هريرة الثابت في صحيح الجامع) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنما العلم بالتعلم و إنما الحلم بالتحلم و من يتحر الخير يعطه و من يتق الشر يُوّقَّه.
[*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(إنما العلم) أي تحصيله.
(بالتعلم) بضم اللام على الصواب كما قاله الزركشي ويروى بالتعليم أي ليس العلم المعتبر إلا المأخوذ عن الأنبياء وورثتهم على سبيل التعليم وتعلمه طلبه واكتسابه من أهله وأخذه عنهم حيث كانوا فلا علم إلا بتعلم من الشارع أو من ناب عنه منابه وما تفيده العبادة والتقوى والمجاهدة والرياضة إنما هو فهم يوافق الأصول ويشرح الصدور ويوسع العقول ثم هو ينقسم لما يدخل تحت دائرة الأحكام ومنه ما لا يدخل تحت دائرة العبادات وإن كان مما يتناوله الإشارة ومنه ما لا تفهمه الضمائر وإن أشارت إليه الحقائق في وضوحه عند مشاهده وتحققه عند متلقيه فافهم قال ابن مسعود تعلموا فإن أحدكم لا يدري متى يحتاج إليه وقال ابن سعد ما سبقنا ابن شهاب للعلم إلا أنه كان يشد ثوبه عند صدره ويسأل وكنا تمنعنا الحداثة وقال الثوري من رق وجهه رق علمه وقال مجاهد لا يتعلم مستحي ولا متكبر وقيل لابن عباس بما نلت هذا العلم قال بلسان سؤول وقلب عقول
(وإنما الحلم بالتحلم) أي ببعث النفس وتنشيطها إليه قال الراغب: الحلم إمساك النفس عن هيجان الغضب والتحكم إمساكها عن قضاء الوطر إذا هاج الغضب
(ومن يتحر الخير يعطه) أي ومن يجتهد في تحصيل الخير يعطه اللّه تعالى إياه.
(ومن يتق الشر يوقه) زاد الطبراني والبيهقي في روايتيهما ثلاث من كن فيه لم يسكن الدرجات العلى ولا أقول لكم الجنة من تكهن أو استقسم أو ردّه من سفر تطير.
(تنبيه) قال بعضهم: ويحصل العلم بالفيض الإلهي لكنه نادر غير مطرد فلذا تمم الكلام نحو الغالب قال الراغب: الفضائل ضربان نظري وعملي وكل ضرب منها يحصل على وجهين أحدهما بتعلم بشرى يحتاج إلى زمان وتدرب وممارسة ويتقوى الإنسان فيه درجة فدرجة وإن فيهم من يكفيه أدنى ممارسة بحسب اختلاف الطبائع في الذكاء والبلادة، والثاني يحصل بفيض إلهي نحو أن يولد إنسان عالماً بغير تعلم كعيسى ويحيى عليهما الصلاة والسلام وغيرهما من الأنبياء عليهم السلام الذين حصل لهم من المعارف بغير ممارسة ما لم يحصل لغيرهم وذكر بعض الحكماء أن ذلك قد يحصل لغير الأنبياء عليهم السلام في الفيئة بعد الفيئة وكلما كان يتدرب فقد يكون بالطبع كصبي يوجد صادق اللّهجة وسخياً وجريئاً وآخر بعكسه وقد يكون بالتعلم والعادة فمن صار فاضلاً طبعاً وعادة وتعلماً فهو كامل الفضيلة ومن كان رذلاً فهو كامل الرذيلة.
(من علامات حسن الخلق الإحسان إلى الجار وعدم إيذائه:
قال تعالى: (وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَىَ وَالْيَتَامَىَ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىَ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصّاحِبِ بِالجَنْبِ وَابْنِ السّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنّ اللّهَ لَا يُحِبّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً)[سورة: النساء - الآية: 36]
((حديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت.
((حديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن قيل: يا رسول الله ومن؟ قال: الذي لا يأمن جارة بوائقة "
((حديث أبي هريرة الثابت في صحيح مسلم) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه.
((حديث عائشة الثابت في الصحيحين) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيُوَرِثُه.
(من إكرام الجار تعاهده بالهدايا ولو بالشيء القليل:
((حديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا نساء المسلمات! لا تحقرن جارة لجارتها و لو فِرْسَن شاة.
((حديث عائشة الثابت في صحيح البخاري) قالت: قلت يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيهما أهدي، قال: إلى أقربهما منك باباً"
(ومن إكرام الجار ألا يمنع جارٌ جاره أن يغرز خشبةً في جداره:
((حديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يمنع جارٌ جاره أن يغرز خشبةً في جداره " ثم يقول أبو هريرة مالي أراكم عنها معرضين، والله لأرمينَّ بها بين أكتافكم.
(ومن إكرام الجار أن يتفقد حاله فقد يكون جائعاً وأنت لا تدري:
((حديث أنس الثابت في صحيح الجامع) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما آمن بي من بات شبعان و جاره جائع إلى جنبه و هو يعلم به.
فهل نحن ممن يحسن الجوار فإن حسن الخلق والجوار يعمران الديار ويزيدان في الأعمار.
(من علامات حسن الخلق البشر وطلاقة الوجه:
من علامات حسن الخلق البشر وطلاقة الوجه؛ فإن الابتسامة دليل على حسن الخلق؛ وتوطِّنُ النفس على الأخذ بمحاسن الأخلاق؛ فالبسمة في وجه أخيك هي من أغلى ما تهديه إليه .. وبها تدخل السرور في قلب أخيك المسلم فإن أثر طلاقة الوجه على النفوس لا يجهله أحد وهو أثر ملموس يحسه كل أحد عندما يجد البسمة من أخيه، فالابتسامة تكسر كل الحواجز ، وتنهي كل الضغائن ، وتريح النفوس ، وتجمع القلوب ، وتدعو إلى المسامحة والتآلف والمحبة ، وتشجع على التعاون والتكاتف والتآخي، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث عائشة الثابت في الصحيحين) قالت ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضاحكاً حتى أرى لهواته إنما كان يبتسم.
((حديث جرير ابن عبد الله الثابت في الصحيحين) قال ما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أن أسلمت إلا تبسم في وجهي.
((حديث أبي ذر رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تبسمك في وجه أخيك لك صدقة وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة وبصرك للرجل الرديء البصر لك صدقة وإماطتك الحجر والشوكة والعظم عن الطريق لك صدقة وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة.
((حديث أبي ذر الثابت في صحيح مسلم) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تحقرن من المعروف شيئا و لو أن تلقى أخاك بوجهٍ طليق.
فمن الفوائد اللطيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن احتقار أي شيء من المعروف بدليل قوله: {لاتحقرن من المعروف شيئاً} فكلمة {شيئاً} هنا هي نكرة في سياق النهي فتفيد العموم ومعنى ذلك أن لايحقر الإنسان من المعروف شيئاً حتى لو كان ذلك الشيء هو الابتسامة.
ومن الفوائد أيضاً أن الابتسامة هي أقل أنواع المعروف وذلك لأنها لاتتطلب مزيد عمل أو جهد وإنما يكفي فقط المبتسم أن يتبسم دون أن يتكلم أو يعمل شيئاً ومن الفوائد كذلك أن الابتسامة من المعروف لأن طلاقة الوجه هي التبسم والبشاشة فتكون من المعروف وهذا يدل على أن المبتسم يؤجر على ابتسامته وطلاقة وجهه لأن النبي صلى الله عليه وسلم سماه هنا معروفاً والمعروف هو إسداء الخير للغير فيكون مأجوراً عليه صاحبه ويدل على ذلك أيضاً أن العلماء عرفوا حسن الخلق بتعريف شامل لهذا المعروف فقالوا إن حسن الخلق هو بذل المعروف وكف الأذى وطلاقة الوجه ولا شك أن للابتسامة العديد من الفوائد والثمار التي يحصل عليها المتبسم كما يحصل عليها الآخرين ومن ثم تعود تلك الفوائد والثمار على المجتمع بأسره.
فمن الفوائد والثمار التي تعود على صاحب الابتسامة ما يلي:
(1)
أن المبتسم يكون قد أطاع النبي صلى الله عليه وسلم في هذا التوجيه النبوي وهو طلاقة الوجه والتبسم ولو لم يحصل المبتسم إلا على هذه الفائدة لكفته.
(2)
محبة الآخرين فإن الشخص المبتسم يكون محبوباً من الآخرين ولا شك أن كل عاقل وعاقلة يسعى إلى الحصول على محبة الآخرين ويجتهد في الأخذ بأسبابها ومن أسبابها الابتسامة والبشاشة.
(3)
أن المبتسم يحظى بما يريده من الآخرين من مطلوبات مباحة أو عفو عن زلل أو مسامحة على خطأ فإن الرضا عن هذا المبتسم البشوش يحقق له مايريد الوصول إليه من أهداف نبيلة ومساع طيبة لاسيما إذا كان من الدعاة إلى الله تعالى وقد أحسن من قال:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة
…
ولكن عين السخط تبدي المساويا
أما الفوائد التي تعود على الآخرين فهي كثيرة جداً ومن أهمها ما يلي:
(1)
الارتياح لهذا الشخص وغالباً مايؤدي هذا الارتياح إلى السؤال عن ذلك الشخص ثم بعد معرفته تبنى جسور الثقة التي كان أساسها تلك الابتسامة وهذا أمر مهم.
(2)
التعاون مع هذا المبتسم سواء كان في عمله أو فيما يحتاجه من مساعده أو قبول ماعنده من الحق وقد بين الله تعالى أهمية ذلك في كتابه الكريم بقوله تعالى: (وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضّواْ مِنْ حَوْلِكَ)[آل عمران: 159] فالفظاضة من الشخص وكونه دائماً مكفهراً الوجه حاد الطبع تجعل الناس يبتعدون عنه أما الابتسامة والبشاشة وطلاقة الوجه وحسن التعامل فإنها تجعل الناس يقتربون من هذا الشخص ويستمعون إليه وهذا هو المهم فإن الناس يستفيدون من هذا المبتسم ويستمعون إليه بسبب كونه بشوشاً مبتسماً محباً لهم وليس العكس.
وأما الفوائد التي تعود على المجتمع فهي كثيرة أيضاً من أبرزها ما يلي:
(1)
التعاون والتكاتف والإنجاز فإن المجتمع الذي يتعامل أفراده فيما بينهم بالابتسامة والود والوفاء يكون مجتمعاً متعاوناً ومنتجاً ومتكاتفاً فإن للابتسامة أثراً نفسياً عجيباً في الإخلاص والتحمل والوفاء وهذا بدوره يؤدي إلى التعاون والإنجاز الذي يسعى إليه كل مجتمع من المجتمعات.
(2)
أن الابتسامة تشيع روح المحبة في المجتمع. والحب في المجتمعات يؤدي إلى الكثير من الأمور التي يحتاجها الأفراد والتي من خلالها يتلاحم أفراد هذا المجتمع فالحب في الله أوثق عرى الإيمان وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث ابن عباس الثابت في صحيح الجامع) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أوثق عرى الإيمان: الموالاة في الله و المعاداة في الله و الحب في الله و البغض في الله عز و جل.
((حديث أبي أمامة الثابت في صحيح أبي داود) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من أحب لله و أبغض لله و أعطى لله و منع لله فقد استكمل الإيمان.
((حديث عمر الثابت في صحيح أبي داود) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن من عباد الله لأناساً ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله تعالى قالوا يا رسول الله تخبرنا من هم؟ قال هم قوم تحابوا بروح الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها فوالله إن وجوههم لنور وإنهم على نور لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس وقرأ هذه الآية (أَلآ إِنّ أَوْلِيَآءَ اللّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)[يونس: 62].
((حديث أبي موسى رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قال: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم الرجل يحب القومَ ولما يلحقُ بهم قال: المرء مع من أحب.
((حديث أنس رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم متى الساعة؟ قال: «وما أعددت لها؟» قال: لا شيء إلا أني أُحب الله ورسوله. قال: «أنت مع من أحببت» .
ومن الخطأ الفاحش عند بعض الناس؛ ظنه بأن التبسم في وجوه الناس يجرئهم عليه؛ أو أنه لا يليق بالسمت والرزانة؛ فتجد أحدَهم إذا سلَّم على الناس أو خاطبهم أقبل عليهم بوجه عبوس وكأنه مغضبٌ من أمر ما؛ وهذا خطأ بالغ جسيم؛ وهو من تلبيس الشيطان؛ فالسمت وقوة الشخصية ليست بترك التبسم ومحاسن الأخلاق؛ بل إن التعامل بهذا المنطق دليل الجفاء والغلظة؛ قال الحارث بن جزء رضي الله عنه: " يعجبني من القراء كل طليق مضحاك؛ فأما الذي تلقاه ببشر؛ ويلقاك بوجه عبوس كأنه يمن عليك؛ فلا أكثر الله في المسلمين مثله".
والهيبة لا يُنقصها حسن الخُلق في التعامل مع الناس؛ والتبسم في وجوه الخلق؛ فقد كان سلف الأمة أحسن الناس أخلاقاً؛ وأعظمهم هيبة في قلوب الناس؛
((قال ضرار بن حمزة يصف عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: " كان واللهِ يجيبنا إذا سألناه؛ ويأتينا إذا دعوناه، ونحن والله مع تقريبِه لنا وقربِه منّا؛ لا نكلمه هيبةً له، يعظِّمُ أهل الدين؛ ويحب المساكين؛ لا يطمع القوي في باطله ولا ييأس الضعيف من عدله ".
(من علامات حسن الخلق قضاء حوائج المسلمين:
من علامات حسن الخلق قضاء حوائج المسلمين يمسحون آلامهم ويقيلون عثراتهم، يعينونهم برأيهم وهم لهم ناصحون ويمدونهم بمالهم وهم عليهم مشفقون، ويسعون معهم بجاههم وهم لخيرهم راغبون وفي كل ذلك يلتمسون الأجر والقرب منه تعالى، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة.
الكربة: هي الشدة العظيمة التي توقع صاحبها في الهم والغم والكرب.
أليس الحري بنا أن ننفّس كربات المكروبين وأن نيسّر على المعسرين وأن نقضي حوائج المحتاجين ونمدّ يد المعونة والنجدة للمنكوبين من إخواننا المسلمين. أليس فينا المهجر والمنكوب والمحروم والمسكين والمُعدَم واليتيم. أوليس فينا الغني والموسر ومن يستطيع سدّ ضرورات المحتاجين.
(ولقد وعد الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم أن يرفع كرب الآخرة عمن يرفع كرب الدنيا عن المسلمين.
(ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة)
ومن المعلوم أن كرب الدنيا كلها بالنسبة لكرب الآخرة لا شيء، فإن كرب الآخرة شيء عظيم، يدلك على ذلك قول الله تعالى: يَأَيّهَا النّاسُ اتّقُواْ رَبّكُمْ إِنّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلّ مُرْضِعَةٍ عَمّآ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النّاسَ سُكَارَىَ وَمَا هُم بِسُكَارَىَ وَلََكِنّ عَذَابَ اللّهِ شَدِيدٌ [الحج:1 - 2].
وقال تعالى: فَكَيْفَ تَتّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً السّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً [المزمل:17 - 18].
وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (
((حديث المقداد بن الأسود رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل، فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق فمنهم من يكون إلى كعبيه ومنهم من يكون إلى ركبتيه ومنهم من يكون إلى حِقْوَيْه ومنهم من يلجمه العرق إلجاما.
((حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعاً، ويلجمهم حتى يبلغ آذانهم).
((حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ سمع وجبة فقال النبي صلى الله عليه وسلم تدرون ما هذا؟ قال قلنا الله ورسوله أعلم، قال هذا حجر ُرِمىَ به في النار منذ سبعين خريفا فهو يهوى في النار الآن حتى انتهى إلى قعرها فسمعتم وَجْبَتَها.
((حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدَّم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدَّم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشِقِّ تمرة).
((حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة.
فكل هذه النصوص تدل على أن كرب الآخرة شيء عظيم جدا، وليس هناك من يدفع عنك – أيها المسلم – كرب الآخرة يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلاّ مَنْ أَتَى اللّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) [الشعراء:88 - 89].
إلا أن تفرج عن المسلمين كرب الدنيا، ففي الحديث عن النبي أنه قال:((من فرّج عن مؤمن كربة من كرب الدنيا فرّج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة)).
فعليك أيها المسلم القادر أن تسعى لإزالة ما يحل بالمسلمين من النائبات والمصائب والكرب، فمن ابتلي بمسغبة بذلت له من مالك، أو حثثت الأغنياء على التصدق عليه ومعونته، ومن ابتلي بالعطالة سعيت له في تحصيل عمل، ومن حاق به ظلم ظالم رددت عنه الظلم ما وجدت إلى ذلك سبيلا، وبالجملة فأنت أيها المسلم مكلف شرعا أن تسعى جاهدا لإزالة النائبات أو تخفيفها عن إخوانك المسلمين، والله سبحانه يعدك علىذلك أن يدفع كرب يوم الدين.
((حديث أبي موسى الثابت في الصحيحين) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: على كل مسلمٍ صدقة، قالوا يا نبي الله فمن لم يجد؟ قال: يعمل بيده فينفع نفسه ويتصدَّق. قالوا فإن لم يجد؟ قال: يُعينُ ذا الحاجةِ الملهوفِ فإنه له صدقة. قالوا فإن لم يجد؟ قال: فليعمل بالمعروفِ وليُمسك عن الشرِ فإنه له صدقة.
((حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيح الجامع) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أحب الناس إلى الله أنفعهم و أحب الأعمال إلى الله عز و جل سرور تدخله على مسلم أو تكشف عنه كربة أو تقضي عنه دينا أو تطرد عنه جوعا «و لأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في المسجد شهرا» ومن كف غضبه ستر الله عورته و من كظم غيظا و لو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رضا يوم القيامة و من مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى يثبتها له أثبت الله تعالى قدمه يوم تزل الأقدام وإن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل.
((حديث محمد بن المنكدر الثابت في صحيح الجامع) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من أفضل العمل إدخال السرور على المؤمن تقضي عنه دينا تقضي له حاجة تنفس له كربة.
((حديث جابر الثابت في صحيح الجامع) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خير الناس أنفعهم للناس.
{تنبيه} : (النفع هنا لا يقتصر على النفع المادي فقط، ولكنه يمتد ليشمل النفع بالعلم، والنفع بالرأي، والنفع بالنصيحة، والنفع بالمشورة، والنفع بالجاه، والنفع بالسلطان، ونحو ذلك، فكل ما استطعت أن تنفع به إخوانك المسلمين فنفعتهم به، فأنت داخل في قوله صلى الله عليه وسلم خير الناس أنفعهم للناس.
((حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الساعي على الأرملة و المسكين كالمجاهد في سبيل الله أو القائم الليل الصائم النهار.
((حديث سهل بن سعد الثابت في صحيح البخاري) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أنا و كافل اليتيم في الجنة هكذا وأشار بأُصبعيه بالسبابة والوسطى.
(ومن قضاء حوائج المسلمين أن تقضي عنهم ديونهم:
إن الله تبارك وتعالى جعل للغارمين نصيبا في الصدقات المفروضة، وجعل لهم حقا معلوما في مال الأغنياء، قال تعالى:(إِنّمَا الصّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السّبِيلِ فَرِيضَةً مّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)[التوبة:60].
والغارمون هم من ركبتهم الديون ولزمتم، ثم لم يجدوا لها وفاء، فأهل الأموال مطالبون شرعا بقضاء دين الغارمين، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) قال * أصيب رجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمار ابتاعها فكثر دينه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تصدقوا عليه فتصدق الناس عليه فلم يبلغ ذلك وفاء دينه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لغرمائه خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك.
فعلى أصحاب الأموال وذوي الغنى والثراء أن يتفقدوا الغارمين من الفقراء، والأغنياء على حد سواء، فإن الرجل لو أوتي من المال نصيبا، ثم كان عليه من الدين أكثر مما عنده فهو من الغارمين، فوجب على أصحاب الأموال أن يقضوا عنه دينه، حتى يخرجوه من هذه الكربة التي نزلت به، ولو أن أصحاب الأموال والغنى والثراء، ولو أن رجال الأعمال تفقد بعضم بعضا وبحثوا عن الغارمين منهم وقضوا دينهم، لوقف الرجل على رجليه مرة ثانية، وسعى فرزقه الله، ولم يعد يحتاج إلى الناس بعد ذلك، ولكن مشكلة الأغنياء أنهم يتغافلون عن الديون التي تلزم إخوانهم أصحاب الأموال، ولا يفكرون في قضائها عنهم، في حين أن الإسلام قد جعل قضاء الدين عن الغارمين من أبواب الصدقات المفروضة.
(ومن قضاء حوائج المسلمين أن تطرد عن مسلم جوعا:
ومن أحب الأعمال إلى الله عز وجل: أن تطرد عن مسلم جوعا، فطرد الجوع عن الجائعين عمل من أعمال البر، يجزي الله عليه بجنة عالية، قطوفها دانية، فيها من النعيم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، قال تعالى: (إِنّ الأبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللّهِ يُفَجّرُونَهَا تَفْجِيراً يُوفُونَ بِالنّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرّهُ مُسْتَطِيراً وَيُطْعِمُونَ الطّعَامَ عَلَىَ حُبّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً إِنّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلَا شُكُوراً إِنّا نَخَافُ مِن رّبّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً فَوَقَاهُمُ اللّهُ شَرّ ذَلِكَ الْيَومِ وَلَقّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُواْ جَنّةً وَحَرِيراً [الإنسان:5 - 12].
ولقد حث الله تعالى على طرد الجوع عن الجائعين، فقال عز وجل: فَلَا اقتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ ثُمّ كَانَ مِنَ الّذِينَ آمَنُواْ وَتَوَاصَوْاْ بِالصّبْرِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْمَرْحَمَةِ أُوْلََئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ [البلد:11 - 18].
وبين الله سبحانه وتعالى أن من الأسباب الموجبة لدخول النار عدم طرد الجوع عن الجائعين مع القدرة عليه، قال تعالى: كُلّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلاّ أَصْحَابَ الْيَمِينِ فِي جَنّاتٍ يَتَسَآءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنّا نَخُوضُ مَعَ الُخَآئِضِينَ وَكُنّا نُكَذّبُ بِيَوْمِ الدّينِ حَتّىَ أَتَانَا الْيَقِينُ [المدثر:38 - 47].
وجعل الله تعالى من أسباب دخول النار ترك الحض على إطعام الجائعين، قال الله عز وجل: وَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَلَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يَلَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ مَآ أَغْنَىَ عَنّي مَالِيَهْ هّلَكَ عَنّي سُلْطَانِيَهْ خُذُوهُ فَغُلّوهُ ثُمّ الْجَحِيمَ صَلّوهُ ثُمّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللّهِ الْعَظِيمِ وَلَا يَحُضّ عَلَىَ طَعَامِ الْمِسْكِينِ فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ وَلَا طَعَامٌ إِلاّ مِنْ غِسْلِينٍ لاّ يَأْكُلُهُ إِلاّ الْخَاطِئُونَ [الحاقة:25 - 37].
وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث أبي موسى الثابت في صحيح البخاري) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أطعموا الجائع، وعودوا المريض، وفكُّوا العاني: الأسير.
((حديث عبد الله بن سلام الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجه) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يأيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام.
((حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيح الجامع) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أحب الناس إلى الله أنفعهم و أحب الأعمال إلى الله عز و جل سرور تدخله على مسلم أو تكشف عنه كربة أو تقضي عنه دينا أو تطرد عنه جوعا و لأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في المسجد شهرا ومن كف غضبه ستر الله عورته و من كظم غيظا و لو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رضا يوم القيامة و من مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى يثبتها له أثبت الله تعالى قدمه يوم تزل الأقدام وإن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل.
(النكير على من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه:
((حديث أنس الثابت في صحيح الجامع) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما آمن بي من بات شبعان و جاره جائع إلى جنبه و هو يعلم به.
((حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله عز وجل يقول يوم القيامة يا بن آدم مرضت فلم تعدني قال يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين قال أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده يا بن آدم استطعمتك فلم تطعمني قال يا رب وكيف أطعمك وأنت رب العالمين قال أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي يا بن آدم استسقيتك فلم تسقني قال يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين قال استسقاك عبدي فلان فلم تسقه أما إنك لو سقيته وجدت ذلك عندي.
(إن إعانة الآخرين والسعي إلى قضاء حوائجهم من علامات حسن الخلق فينبغي أن يسعى الإنسان إلى ذلك. فقد صح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان معتكفاً في المسجد ذات يوم فدخل رجلٌ وعلى وجهه علامات الهم والغم فقال له ابن عباس: "ما لك يا ابن أخي؟ "، فقال:"إن علي ديناً وقد حل أجله وليس عندي سداده". فقال ابن عباس: "أتريد أن أكلم لك صاحب الدين أن ينظرك إلى ميسرة؟ ". قال: "نعم". فأمسك بيده يمشيان في المسجد حتى إذا وصلا إلى الباب قال الرجل: "يا ابن عباس أنسيت أنك معتكف وأن المعتكف لا يخرج من المسجد". قال: "كلا ما نسيت ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في المسجد شهرا.
فالمسلم يساعد أخاه المسلم، بقدر إمكانياته بيده، بماله، بجاهه ولا يضيق به مؤثراً السكينة وقد أخلد إلى الراحة .. بينما نجد غيره من إخوته تؤرقهم الهموم، وتقض مضاجعهم المحن .. وبإمكانه أن يمسحها بشيء من الإيثار ولو على حساب راحته.
قد تحل بأحد المسلمين مشكلة فماذا يكون موقف الآخرين منها؟ لن نتحدث عن ضعاف الإيمان وإنما نتحدث عن الصفوة التي نأمل منها الكثير .. وكثير من هؤلاء يواجهون المشكلة بهز الكتفين ولسان حال أحدهم يقول: مالي ولهذا الأمر، فأشغالي أجل منها.
وفي أحسن حالاته يحوقل ويتأوه وكأنه يقول: ليس بالإمكان أحسن مما كان.
إن السلبية واللامبالاة لن تحل أمور المسلمين، وهذه التصرفات لابد أن نؤاخذ عليها.
فالنعمة التي خولها الله للعبد سيسأل عنها فيم وضعها؟ فكيف إذا سئل العبد يوم القيامة إن فلاناً المسلم كان في ضائقة وكان بإمكانك مساعدته،
وكم من شاب قد ينحرف عن دينه لقضاء مصالحه عن طريق غير المسلمين إذا ساعدوه في المال لإنهاء دراسته! وكم من أسرة تضرع بالدعاء إلى من مد لها يد العون وقد يكون من أعداء الإسلام! ..
وهذا ما يقوم به المنصرون في كثير من ديار المسلمين الفقيرة، وأندونيسيا خير شاهد على ذلك.
كم من أسرة ناشئة بنيت على غير مرضاة الله للتقصير في مساعدة الشباب على الإحصان الذي يدعو له الشرع! كل ذلك في غيبة الوعي الفعلي والتقدير لقيمة العون.
والله تعالى يقول: (مَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا)[النساء 85].
إن سيرك في حاجة أخيك المسلم إن أحسنت النية واحتسبت الأجر من الله قد تكون من أفضل العبادات.
ومن هنا كان السلف الصالح رضوان الله عليهم أشد حرصا من غيرهم على المشي في قضاء حوائج المسلمين،
(وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يحلب للحي أغنامهم فلما استخلف قالت جارية منهم: الآن لا يحلبها. فقال أبو بكر وإني لأرجو ألا يغرني ما دخلت فيه ـ يعني الخلافة ـ عن شيء كنت افعله أو كما قال.
(ولقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتعاهد الأرامل بالليل يستقي لهن الماء فرآه طلحة رضي الله عنه ليلة يدخل بيت امرأة، فدخل طلحة على المرأة نهارا فإذا هي امرأة عمياء مقعدة.
فقال لها: يا هذه ما يصنع هذا عندك؟ قالت: إنه منذ كذا وكذا يتعاهدني يأتيني بما يصلحني ويخرج عني الأذى.
فقال طلحة رضي الله عنه: ثكلتك أمك يا طلحة! أعورات عمر تتبع؟! وكان كثير من الصالحين إذا خرج في سفر مع أصحابه يشترط عليهم أن يخدمهم، فإذا خرجوا وأراد أحدهم أن يغ
(روي أن الحسن البصري رحمه الله بعث نفرا من أصحابه في قضاء حاجة لرجل مسلم، وأمرهم أن يمروا بثابت البناني فيأخذوه معهم، فأتوا ثابتا فأخبروه فقال: إني معتكف، فرجعوا إلى الحسن.
فقال لهم: قولوا له يا أعمش! أما تعلم، مشيك في قضاء حوائج المسلمين خير لك من حجة بعد حجة. فرجعوا إلى ثابت فترك اعتكافه وخرج معهم. سل رأسه أو قميصه قال: هذا شرطي، فتركه يغسل رأسه وقميصه.
((حديث أنس رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، أكثرنا ظلا الذي يستظل بكسائه، وأما الذين صاموا فلم يعملوا شيئا، وأما الذين أفطروا فبعثوا الركاب وامتهنوا وعالجوا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:(ذهب المفطرون اليوم بالأجر).
لأنهم كانوا في خدمة إخوانهم الصائمين وقضاء حوائجهم.
فيا أخا الإسلام:
اقض الحوائج مااستطعت
…
و كن لهم أخيك فارج
فلخير أيام الفتى
…
يوم قضى فيه الحوائج
اقض الحوائج ما استطعت، واسعَ في حوائج المسلمين ما استطعت، وتذكر أن ما بك من نعمة فإنما أنعم الله بها عليك لتنفع المسلمين، وتمشي في حوائجهم، فإن أنت فعلت أتم عليك نعمته وزادك منها، وإن أنت بخلت وقعدت عن المشي في قضاء حوائج المسلمين ذهبت عنك نعمة الله تبارك وتعالى.
((حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيح الجامع) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن لله تعالى أقواما يختصهم بالنعم لمنافع العباد و يقرها فيهم ما بذلوها فإذا منعوها نزعها منهم فحولها إلى غيرهم.
((يقول ابن القيم رحمه الله في معرض ذكره للآراء في أفضل العبادات: ومنهم من رأوا أن أنفع العبادات وأفضلها ما كان فيه نفع متعدٍ.
فرأوه أفضل من ذي النفع القاصر.
فرأوا خدمة الفقراء والاشتغال بمصالح الناس وقضاء حوائجهم ومساعدتهم بالمال والجاه والنفع أفضل فتصدوا له وعملوا عليه واحتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الخلق كلهم عيال الله وأحبهم إليه أنفعهم لعياله» [رواه أبو يعلى].
(ضعيف الجامع)
واحتجوا بأن عمل العابد قاصر على نفسه، وعمل النافع متعدٍ إلى الغير (أين أحدهما من الآخر؟)
قالوا: ولهذا كان فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب.
واحتجوا أن صاحب العبادة إذا مات انقطع عمله وصاحب النفع لا ينقطع عمله ما دام نفعه الذي سعى إليه.
واحتجوا بأن الأنبياء إنما بعثوا بالإحسان إلى الخلق وهدايتهم ونفعهم في معاشهم ومعادهم، ولم يبعثوا بالخلوات والانقطاع عن الناس والرّهب، ولعل في هذا القول ما يشفي ويكفي.
فإلى قضاء مصالح المسلمين ينبغي أن ينشط الدعاة المخلصون في كل مكان، ولا تشغلهم عنها كثرة التبعات.
وما قصة عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع المرأة التي كانت في حالة وضع، ومساعدة زوجها في طهي الطعام عنا ببعيدة.
إن الفطرة السوية لن تنسى اليد التي امتدت إليها ساعة المحنة.
أيها الأخ المسلم يا من تريد النجاح في الدارين: إن الأمر سهل ميسور، إذا عودت نفسك على قضاء مصالح إخوانك ذوي الحاجات، ولن تنفع الخطب والمواعظ إذا تقاعست عن أداء حق الأخوة والدين.
(من علامات حسن الخلق التحلي بأسباب الألفة والمحبة:
(من علامات حسن الخلق التحلي بالكلام الطيب:
قال الله جل وعلا في وصف أهل الجنة (وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ) سورة الحج: 24]، وقال تعالى آمراً لنا (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) [البقرة:83]،
(وبيَّن سبحانه أن الشيطان يحرص على التحريض بين الناس. وأن الكلام الطيب هو الذي يفسد مخططات هذا الشيطان فقال تعالى (وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ)[الإسراء: 53]،
وقال جل وعلا حينما بعث موسى وهارون إلى فرعون الذي قال: (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى)[النازعات: 24] والذي قال: (مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي)[القصص: 38]، بعثهما الله سبحانه وتعالى آمراً لهما (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) طه: 44]
وقد جاء أن أحد الوعاظ جاء ينصح أحد العصاة وقد شدد عليه، فقال له الفاسق: رويداً يا ابن أخي فلست خيراً من موسى وهارون ولست بأفسد من فرعون فإن الله قد ابتعث من هو خير منك إلى من هو شر مني وقال له: (وقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى)
(وبيَّن سبحانه وجوب الكلام الطيب مع الناس عامة فقال تعالى: (وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا)[البقرة: 83]
وقال تعالى: (وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً)[النساء: 5].
وقال تعالى: (فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُورًا)[الإسراء: 28].
(ثم بين سبحانه أن للوالدين الحق الأول على الإنسان في مخاطبتهما بالكلام اللين والطيب فقال تعالى: (فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًا)[الإسراء: 22، 23].
(وقد لا تستطيع أن تقدم المال للناس وللفقراء منهم والمساكين لكنك تستطيع أن تقدم لهم الكلام الطيب قال تعالى: (قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى)[البقرة: 263]
وقال تعالى: (وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ)[الضحى: 10].
(وبين سبحانه الثواب العظيم الذي يترتب على قول الطيب فقال تعالى: (يأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً)[الأحزاب: 70، 71]
(والكلمة الطيبة صدقة بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي:
((حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كلُ سُلامى من الناس عليه صدقة، كل يومٍ تطلع فيه الشمس، َيعِدلُ بين الاثنين صدقة، ويعين الرجلُ على دابته فيحمل عليها، أو يرفع عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكلُ خطوةٍ يخطوها إلى الصلاة صدقة، ويميطُ الأذى عن الطريق صدقة)
(حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها و باطنها من ظاهرها أعدها الله تعالى لمن أطعم الطعام و ألان الكلام و تابع الصيام و صلى بالليل و الناس نيام.
(والكلمة الطيبة قد ترفع صاحبها درجات بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي:
((حديث أبي هريرة الثابت في صحيح البخاري) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالا يرفعه الله بها درجات و إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا يهوي بها في جهنم.
(والكلمة الطيبة مما يتقى به من النار بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي:
((حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة.
(والكلمة الطيبة مغنم بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي:
((حديث خالد بن أبي عمران الثابت في صحيح الجامع) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: رحم الله عبدا قال خيرا فغنم أو سكت عن سوء فسلم.
(طيب الكلام من الخصال الموجبة للجنة بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي: (
((حديث أبي شريح رضي الله عنه الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أنه قال: يا رسول الله أخبرني بشيء يوجب لي الجنة. قال: طيب الكلام، وبذل السلام، وإطعام الطعام.
((هل يمكن اكتساب التحلي بالكلام الطيب:
{تنبيه} : (اعلم علم اليقين الذي لا يخالطه شك أن التحلي بالكلام الطيب يمكن اكتسابه بترويض النفس فلا ينبغي للإنسان أن يستوطئ العجز ولا أن يقول أنني جُبلت على ذلك فإنه من يتحرى الخير يُعطه ومن يتق الشر يُوَقَّه بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي:
((حديث أبي هريرة الثابت في صحيح الجامع) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنما العلم بالتعلم و إنما الحلم بالتحلم و من يتحر الخير يعطه و من يتق الشر يُوّقَّه.
[*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(إنما العلم) أي تحصيله.
(بالتعلم) بضم اللام على الصواب كما قاله الزركشي ويروى بالتعليم أي ليس العلم المعتبر إلا المأخوذ عن الأنبياء وورثتهم على سبيل التعليم وتعلمه طلبه واكتسابه من أهله وأخذه عنهم حيث كانوا فلا علم إلا بتعلم من الشارع أو من ناب عنه منابه وما تفيده العبادة والتقوى والمجاهدة والرياضة إنما هو فهم يوافق الأصول ويشرح الصدور ويوسع العقول ثم هو ينقسم لما يدخل تحت دائرة الأحكام ومنه ما لا يدخل تحت دائرة العبادات وإن كان مما يتناوله الإشارة ومنه ما لا تفهمه الضمائر وإن أشارت إليه الحقائق في وضوحه عند مشاهده وتحققه عند متلقيه فافهم قال ابن مسعود تعلموا فإن أحدكم لا يدري متى يحتاج إليه وقال ابن سعد ما سبقنا ابن شهاب للعلم إلا أنه كان يشد ثوبه عند صدره ويسأل وكنا تمنعنا الحداثة وقال الثوري من رق وجهه رق علمه وقال مجاهد لا يتعلم مستحي ولا متكبر وقيل لابن عباس بما نلت هذا العلم قال بلسان سؤول وقلب عقول
(وإنما الحلم بالتحلم) أي ببعث النفس وتنشيطها إليه قال الراغب: الحلم إمساك النفس عن هيجان الغضب والتحكم إمساكها عن قضاء الوطر إذا هاج الغضب
(ومن يتحر الخير يعطه) أي ومن يجتهد في تحصيل الخير يعطه اللّه تعالى إياه.
(ومن يتق الشر يوقه) زاد الطبراني والبيهقي في روايتيهما ثلاث من كن فيه لم يسكن الدرجات العلى ولا أقول لكم الجنة من تكهن أو استقسم أو ردّه من سفر تطير.
(تنبيه) قال بعضهم: ويحصل العلم بالفيض الإلهي لكنه نادر غير مطرد فلذا تمم الكلام نحو الغالب قال الراغب: الفضائل ضربان نظري وعملي وكل ضرب منها يحصل على وجهين أحدهما بتعلم بشرى يحتاج إلى زمان وتدرب وممارسة ويتقوى الإنسان فيه درجة فدرجة وإن فيهم من يكفيه أدنى ممارسة بحسب اختلاف الطبائع في الذكاء والبلادة، والثاني يحصل بفيض إلهي نحو أن يولد إنسان عالماً بغير تعلم كعيسى ويحيى عليهما الصلاة والسلام وغيرهما من الأنبياء عليهم السلام الذين حصل لهم من المعارف بغير ممارسة ما لم يحصل لغيرهم وذكر بعض الحكماء أن ذلك قد يحصل لغير الأنبياء عليهم السلام في الفيئة بعد الفيئة وكلما كان يتدرب فقد يكون بالطبع كصبي يوجد صادق اللّهجة وسخياً وجريئاً وآخر بعكسه وقد يكون بالتعلم والعادة فمن صار فاضلاً طبعاً وعادة وتعلماً فهو كامل الفضيلة ومن كان رذلاً فهو كامل الرذيلة.
((أقوال السلف في فضل طيب الكلام:
(روى ابن المبارك في كتاب الجهاد بإسناده عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: لولا ثلاث، لولا أن أسير في سبيل الله عز وجل أو يغبر جبيني في السجود، أو أقاعد قوما ينتقون طيب الكلام كما يُنتقى طيب الثمر لأحببت أن أكون قد لحقت بالله عز وجل.
(وروى ابن المبارك في الزهد أن أبا الدرداء رضي الله عنه قال: لولا ثلاث ما أحببت البقاء: ساعة ظمأ الهواجر، والسجود في الليل، ومجالسة أقوام يَنتقون جيد الكلام كما يُنتقى أطايب الثمر.
وفي رواية أنه قال: لولا ثلاث لأحببت أن لا أبقى في الدنيا؛ وضعي وجهي للسجود لخالقي في اختلاف الليل والنهار أقدمه لحياتي، وظمأ الهواجر، ومُقاعدة أقوام يَنتقون الكلام كما تُنتقى الفاكهة.
((وفي تاريخ دمشق عن شعبة قال: سمعت حميد الأوزاعي قال: قال رجل من رهط أبي الدرداء:
ولولا ثلاث هن من حاجة الفتى = أجدك لم أحفل إذا قام رامسي
قال أبو الدرداء: لكني لا أقول كما قال، لولا ثلاث ما باليت متى متّ: لولا أن أسير غازيا في سبيل الله، أو أعفر وجهي في التراب، ولولا أن أقاعد قوما يلتقطون طيب الكلام كما يُلتقط طيب التمر، ما باليت متى متّ.
وذكر الجاحظ في البيان والتبيين بعض الآثار عن فضل طيب الكلام فقال:
((قال الفضيل بن عياض رحمه الله: نِعمت الهدية الكلمة من الحكمة يحفظها الرجل حتى يلقيها إلى أخيه.
((وكان يُقال: اجعل ما في الكتب بيت مال، وما في قلبك للنفقة.
((وكان يُقال: يَكتب الرجل أحسن ما سمع، ويحفظ أحسن ما كتب.
((وقال أعرابي: حرف في قلبك خير من عشرة في طومارك.
((وقال عمر بن عبد العزيز: ما قُرن شيء بشيء أفضل من علم إلى حلم، ومن عفو إلى قدرة.
((وكان ميمون بن سياه إذا جلس إلى قوم قال: إنا قوم منقطع بنا فحدثونا أحاديث نتجمل بها.
((وضرب الحجاج أعناق أسرى فلما قَدّموا إليه رجلا ليضرب عنقه قال: والله لئن كنا أسأنا في الذنب فما أحسنت في العفو، فقال الحجاج: أف لهذه الجيف أما كان فيها أحد يحسن مثل هذا؟ وأمْسَكَ عن القتل.
((وقدموا رجلا من الخوارج إلى عبد الملك لتضرب عنقه ودخل على عبد الملك ابن صغير له قد ضربه المعلم وهو يبكي فهمّ عبد الملك بالمعلم فقال: دعه يبكي فانه أفتح لجرمه وأصح لبصره وأذهب لصوته، فقال له عبد الملك: أما يشغلك ما أنت فيه عن هذا؟! قال: ما ينبغي للمسلم أن يشغله عن قول الحق شيء، فأَمَرَ بتخلية سبيله. انتهى ما ذكره الجاحظ. اهـ.
((وسُئل الأوزاعي: ما إكرام الضيف؟
قال: طلاقة الوجه، وطيب الكلام.
((وقد جعل ابن القيم رحمه الله طيب الكلام وانتقاءه من الأسباب الجالبة للمحبة والموجبة لها
فعدّ من تلك الأسباب:
مجالسة المحبين الصادقين والتقاط أطايب ثمرات كلامهم كما ينتقى أطايب الثمر. أهـ
(من علامات حسن الخلق التواضع:
و التواضع هو «خفض الجناح ولين الجانب كالجمل الذلول» :
قال تعالى: (وَعِبَادُ الرّحْمََنِ الّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىَ الأرْضِ هَوْناً)[الفرقان: 63]
أي في سكينة ووقار متواضعين «مع خفض جناحٍ ولين جانب» ،ليسوا مرحين، ولا متكبرين، أي علماء حكماء، أي أصحاب وقار وعفة، لا يسفهون، وإن سفه عليهم حلموا، هذا معنى قوله تعالى:
وقال تعالى: (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبّهُمْ وَيُحِبّونَهُ أَذِلّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ)[المائدة: 54]
(معنى أَذِلّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ: أي ينقادون لهم، يشفقون عليهم، يرحمونهم، يعطفون عليهم، «ليس ذل هوان وإنما ذل انقياد» ، كيف أن الأم لما أودع الله في قلبها من الرحمة يستطيع ابنها أن يسألها، وأن تجيبه، تجيبه برحمتها به، لذلك المؤمن كالجمل الذلول، والمنافق والفاسق ذليل.
أما معنى قوله تعالى:
(معنى أَعِزّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ:
من عزة القوة والمنعة والغلبة، قال عطاء: أذلة على المؤمنين أي هم للمؤمنين كالوالد لولده، وعلى الكافرين كالسبع على فريسته.
وقال تعالى: (مّحَمّدٌ رّسُولُ اللّهِ وَالّذِينَ مَعَهُ أَشِدّآءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ)[الفتح: 29].
وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث عِياضِ بن حمار الثابت في صحيح مسلم) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله أوحى إليَّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد و لا يبغي أحد على أحد.
((حديث أبي هريرة الثابت في صحيح مسلم) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما نقصت صدقة من مال و ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا و ما تواضع أحد لله إلا رفعه الله.
((حديث أنس الثابت في الصحيحين) أنه مرَّ على صبيان فسلَّم عليهم وقال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله.
((حديث الأسود بن يزيد الثابت في صحيح البخاري) قال سُئلت عائشةُ رضي الله تعالى عنها ما كان يصنع النبي صلى الله عليه وسلم في بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة.
((حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في صحيح الجامع) أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخيط ثوبه و يخصف نعله و يعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم.
((حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفلي ثوبه و يحلب شاته و يخدم نفسه.
((حديث أبي هريرة الثابت في صحيح البخاري) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم، قال أصحابه وأنت؟ فقال نعم كنت أرعاها على قراريط َ لأهل مكة.
((حديث أبي هريرة الثابت في صحيح البخاري) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لو دُعِيتُ إلى ذراعٍ أو كُرَاعٍ لأجبت و لو أُهْدِيَ إليَّ ذراعٍ أو كُرَاعٍ لقبلت
…
.
((حديث أنس الثابت في صحيح البخاري) قال: كانت ناقةٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم تسمى العضباء وكانت لا تُسبق، فجاء أعرابي على قَعُودٍ له فسبقها فاشتد ذلك على المسلمين فقالوا: سُبقت العضباء! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن حقا على الله تعالى أن لا يرفع شيئا من أمر الدنيا إلا وضعه.
((حديث أبي جُحَيفة رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إني لا آكل متكئاً).
(حديث ابن مسعود رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حرم على النار كل هين لين سهل قريب من الناس.
{تنبيه} : (والسبب في ذلك أن الإتكاء حال الأكل من صفات المتكبرين والعياذ بالله.
((حديث عبد الله بن بسر رضي الله عنه الثابت في صحيحي أبي داوود وابن ماجة) قال: أهديت للنبي شاة فجثى رسول الله على ركبتيه يأكل فقال أعرابي ما هذه الجلسة؟ فقال إن الله جعلني عبدا كريما ولم يجعلني جبارا عنيدا.
((حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في صحيح الجامع) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: آكل كما يأكل العبد و أجلس كما يجلس العبد.
((حديث أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه الثابت في صحيح ابن ماجه) قال أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فكلمه فجعل ترعد فرائصه فقال له هون عليك فإني لست بملك إنما أنا ابن امرأة تأكل القديد.
{تنبيه} : (وكلما زاد تواضع المسلم زاد مقدار الحكمة عنده وتعلم العلم ومتى تكبر قلَّت حكمته ومنع العلم
((حديث أبي هريرة الثابت في صحيح الجامع) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما من آدمي إلا في رأسه حكمة بيد ملك فإذا تواضع قيل للملك ارفع حكمته و إذا تكبر قيل للملك: دع حكمته.
[*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(إلا في رأسه حكمة) وهي بالتحريك ما يجعل تحت حنك الدابة يمنعها المخالفة كاللجام والحنك متصل بالرأس.
(بيد ملك) موكل به.
(فإذا تواضع) للحق والخلق.
(قيل للملك) من قبل اللّه تعالى.
(ارفع حكمته) أي قدره ومنزلته يقال فلان عالي الحكمة، فرفعها كناية عن الأعذار.
(فإذا تكبر قيل للملك ضع حكمته) كناية عن إذلاله فإن من صفة الذليل تنكيس رأسه فثمرة التكبر في الدنيا الذلة بين عباد اللّه وفي الآخرة نار الإيثار وهي عصارة أهل النار كما جاء في بعض الأخبار.
(من دواعي إفشاء المحبة إفشاء السلام:
إن إفشاء السلام هو مفتاح القلوب، فإذا أردت أن تُفتح لك قلوب العباد فسلم عليهم إذا لقيتهم وابتسم في وجوههم، وكن سباقًا لهذا الخير يزرع الله محبتك في قلوب الناس وييسر لك طريقًا إلى الجنة، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث أبي هريرة الثابت في صحيح مسلم) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: و الذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا و لا تؤمنوا حتى تحابوا أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم.
((وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ثلاثٌ يُصْفِين لك وُدَّ أخيك: أن تسلم عليه إذا لقيته، وتوسع له في المجلس، وتدعوه بأحب أسمائه إليه.
(وإفشاء السلام التحية اصطفاها الله لنا في الدنيا والآخرة:
((حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خلق الله آدم وطوله ستون ذراعا، ثم قال: اذهب فسلم على أولئك من الملائكة، فاستمع ما يحيونك، تحيتك وتحية ذريتك، فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، فزادوه: ورحمة الله، فكل من يدخل الجنة على صورة آدم، فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن)
وأما في الآخرة فلأن السلام تحية الملائكة للمؤمنين في الجنة، قال الله تعالى:(وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ)[الرعد/23، 24]
،وقال تعالى:(وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ)[الزمر 73:]
والسلام هو تحية أهل الجنة في الجنة:
قال الله عز وجل عن أهل الجنة: (تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ)[الأحزاب:44]،
وقال سبحانه وتعالى: (لَايَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا * إِلاّ قِيلاً سَلَاماً سَلَاماً)[[الواقعة26،25]،
وقال تعالى: (وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ)[إبراهيم:23].
(وإفشاء السلام حق المسلم على أخيه:
إن إلقاء السلام ورده أحد الحقوق التي كفلها الشرع للمسلم على أخيه المسلم.
((حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس).
((حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حق المسلم على المسلم ست قيل ما هن يا رسول الله قال إذا لقيته فسلم عليه وإذا دعاك فأجبه وإذا استنصحك فانصح له وإذا عطس فحمد الله فسمته وإذا مرض فعده وإذا مات فاتبعه.
(وإفشاء السلام سبب للبركة:
إذا أردت أن يبارك الله لك في نفسك وأهل بيتك فسلم عليهم كلما دخلت بيتك؛ فإن ذلك من أعظم أسباب البركة.
(حديث أنس بن مالك رضي الله عنه الثابت في صحيح الكلم الطيب) قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا بُني إذا دخلت على أهلك فسلِّم يكون بركة عليك وعلى أهل بيتك".
فأين أكثر المسلمين من هذا الأدب؟!
(وإفشاء السلام سبب العلو ورفعة الدرجات:
(حديث أبي الدرداء رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أفشوا السلام كي تعلوا.
قال المناوي رحمه الله (2/ 30):" أي يرتفع شأنكم؛ فإنكم إذا أفشيتموه تحاببتم فاجتمعت كلمتكم، فقهرتم عدوكم وعلوتم عليه. وأراد الرفعة عند الله".
(لاتجعل أحد يسبقك بالسلام:
((حديث أبي أمامة رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن أولى الناس بالله مَن بدأهم بالسلام".
أولى الناس بالله مَن بدأهم بالسلام: قال في عون المعبود:"قال الطيبي: أي أقرب الناس من المتلاقيين إلى رحمة الله من بدأ بالسلام"[14/ 70].
((حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان: فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام.
(وبذل السلام من موجبات المغفرة:
((حديث هانئ ابن يزيد الثابت في صحيح الجامع) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن من موجبات المغفرة بذلَ السلام وحسنَ الكلام.
(وبذل السلام من موجبات الجنة:
((حديث أبي شريح رضي الله عنه الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أنه قال يا رسول الله أخبرني بشيء يوجب لي الجنة قال طيب الكلام وبذل السلام وإطعام الطعام.
(وإفشاء السلام سبب للسلامة من الحقد وسلامة الصدر:
((حديث البراء رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أفشوا السلام تسلموا»
((حديث الزبير بن العوام الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: دَبَّ إليكم داءُ الأممِ من قبلِكم: الحسدُ و البغضاء، والبُغْضةُ هي الحالقة، لا أقول حالقة الشعر ولكن حالقةَ الدين، و الذي نفس محمد بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا و لن تؤمنوا حتى تحابوا ألا أنبئكم بما يُثّبتُ ذلك أفشوا السلام بينكم.
(دب إليكم: سار إليكم.
(وإفشاء السلام من كنوز الحسنات:
((حديث عمران ابن حصين الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) قال جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال السلام عليكم فقال صلى الله عليه وسلم: عشر حسنات، وجاء آخر فقال السلام عليكم ورحمة الله فقال: عشرون، ثم جاء آخر فقال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فقال ثلاثون.
((حديث سهل بن حنيف رضي الله عنه الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قال السلام عليكم كتبت له عشر حسنات، ومن قال السلام عليكم ورحمة الله كتبت له عشرون حسنة ومن قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته كتبت له ثلاثون حسنة»
(وبإفشاء السلام يغتاظ اليهود:
((حديث أنس الثابت في صحيح الجامع) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن اليهود ليحسدونكم على السلام والتأمين.
وإغاظة المشركين مطلب شرعي، قال تعالى:{مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلا إِلا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [التوبة: 120]
(وإفشاء السلام من خير الأعمال:
((حديث عبد الله ابن عمرو الثابت في الصحيحين) أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الإسلامُ خير؟ قال: تُطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف.
أي الإسلامُ خير؟: أي خصال الإسلام خير؟
(وإفشاء السلام من موجبات الجنة:
((حديث عبد الله بن سلام الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجه) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يأيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام.
(التحذير من البخل بالسلام:
((حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن أبخل الناس من بخل بالسلام وأعجز الناس من عجز عن الدعاء.
((آداب السلام:
للسلام آدابٌ ينبغي على الإنسان أن يتحلى بها منها ما يلي:
1) رد السلام بتحيةٍ أحسن مثلها أو مثلها امتثالاً لقوله تعالى (وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيّةٍ فَحَيّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدّوهَآ)(النساء / 86)
2) يسلم الراكب على الماشي والماشي على القاعد والقليل على الكثير.
((حديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يسلم الراكب على الماشي والماشي على القاعد والقليل على الكثير.
3) من السنة التسليم على الصبيان:
((حديث أنس الثابت في الصحيحين) أنه مرَّ على صبيان فسلَّم عليهم وقال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله.
4) ويجوز السلام على مجموعة من النساء:
((حديث أسماء بنت يزيد الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) قالت: مرّ علينا النبي صلى الله عليه وسلم في نسوة ٍ فسلَّم علينا.
{تنبيه} : (إذا كانت المرأة واحدة فالأولى ألا يسلم عليها مخافة الفتنة ولا سيما إن كانت شابة لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه ما ترك بعده فتنة أضر على الرجال من النساء
((حديث أسامة الثابت في الصحيحين) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما تركتُ بعدي فتنةً أضرُ على الرجال من النساء.
5) أن يعيد إلقاء السلام إذا فارق أخاه ولو يسيرًا:
((حديث أبي هريرة الثابت في صحيح أبي داود) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا لقي أحدكم أخاه فليسلم عليه فإن حالت بينهما شجرة أو حجر ثم لقيه فليسلم عليه.
6) عدم الاكتفاء بالإشارة باليد أو الرأس، فإنه مخالف للسنة، إلا إذا كان المسلَّم عليه بعيدًا فإنه يسلم بلسانه ويشير بيده ولا يكتفي بالإشارة.
((حديث عبد الله ابن عمرو رضي الله عنهما الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ليس منا من تشبه بغيرنا، لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى، فإن تسليم اليهود الإشارة بالأصابع، وإن تسليم النصارى بالأكف» وإن أشار بالسلام لبعيد أو أصم فإنه يتلفظ به مع إشارته، وإن لم يسمع قوله؛ مخالفةً لمن أمرنا بمخالفتهم.
7) لا نبدأ اليهود والنصارى بالسلام:
((حديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تبدءوا اليهود و لا النصارى بالسلام و إذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه.
(8)
السلام إذا دخل على أهل بيت:
((حديث قتادة رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا دَخلتم بيتاً فسلموا على أهلِه، فإذا خرجتم، فأودِعوا أهلهُ بالسلام.
(9)
سلام الرجل إذا دخل بيته:
((حديث جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما الثابت في صحيح مسلم) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا دخل الرجل بيته فذكر الله عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان لا مبيت لكم ولا عشاء وإذا دخل فلم يذكر الله عند دخوله قال الشيطان أدركتم المبيت وإذا لم يذكر الله عند طعامه قال أدركتم المبيت والعشاء.
((حديث أنس بن مالك رضي الله عنه الثابت في صحيح الكلم الطيب) قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا بُني إذا دخلت على أهلك فسلِّم يكون بركة عليك وعلى أهل بيتك".
((حديث أبي أمامة رضي الله عنه الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ثلاثةٌ كلُّهمْ ضامنٌ على الله إن عاش رُزقِ وكُفِيَ، وإن ماتَ أدخلَهُ اللهُ الجنّة، من دخل بيتَه فَسَلَّمَ، فهو ضامنٌ على الله ومن خرج إلى المسجد فهو ضامن على الله ومن خرج في سبيل الله فهو ضامن على الله.
(10)
السلام على النائم:
((حديث المقدام بن الأسود رضي الله عنه الثابت في صحيح الأدب المفرد) قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يجيء من الليل فيسلم تسليماً لا يوقظ نائماً، ويسمع اليقظان.
(11)
السلام قبل السؤال:
((حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيح الجامع) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: السلام قبل السؤال، فمن بدأكم بالسؤال قبل السلام فلا تجيبوه.
(12)
أن يسلم ثلاثا تأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم:
((حديث أنس الثابت في الصحيحين) قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تكلم بكلمةٍ أعادها ثلاثاً حتى تُفهم عنه، وإذا أتى على قومٍ فسلَم عليهم سلَم عليهم ثلاثا.
(التحلي بالمصافحة من الرجل للرجل:
((حديث البراء الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا.
((حديث ابن عباس رضي الله عنهما الثابت في السلسلة الصحيحة) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا لقي المسلم أخاه المسلم، فأخذ بيده فصافحه، تناثرت خطاياهما من بين أصابعهما كما يتناثر ورق الشجر بالشتاء.
((حديث أنس رضي الله عنه الثابت في صحيح ابن ماجه) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قلنا يا رسول الله أينحني بعضنا لبعض قال لا قلنا أيعانق بعضنا بعضا قال لا ولكن تصافحوا.
((حديث أنس أبن مالك رضي الله عنه الثابت في السلسلة الصحيحة) قال: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا تلاقوا تصافحوا، وإذا قدموا من سفر تعانقوا.
(تحريم مصافحة النساء:
((حديث معقل ابن يسار في صحيح الجامع) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأن يُطعن في رأس أحدكم بمخيطٍ من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له.
((حديث أميمة بنت رقيقة في صحيح الجامع) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إني لا أصافح النساء.
(من دواعي إفشاء المحبة الهدية:
(تعريف الهدية لغةً واصطلاحاً:
(الهدية لغةً:
قال الفيومي في (المصباح المنير): "هَدَيتُ العروسَ إلى بعلها هِداء بالكسر والمدّ فهي هَدِي وهَدِيَّة، ويُبنى للمفعول فيقال: هُدِيَت فهي مَهْديّة، وأَهديتها بالألف لغة قَيْس عَيْلان، فهي: مُهداة .. وأَهديت للرجل – كذا بالألف – بعثت به إليه إكراماً فهو هَديَّة بالتثقيل لا غير.
(الهدية اصطلاحاً:
هي تمليك في الحياة بغير عوض" (انظر: المغني8/ 239).
وقال في (المجموع شرح المهذب 15/ 370): "والهبة والعطية والهدية والصدقة معانيها متقاربة، وكلها تمليك في الحياة بغير عوض واسم العطية شامل لجميعها وكذلك الهبة.
والصدقة والهدية متغايران، فإن النبي _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ كان يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة.
(حكم الهدية:
الهدية مستحبة عند أهل العلم كما ذكر ذلك ابن قدامة في (المغني 8/ 239)
ويدل على الاستحباب قوله _عليه السلام_: "تهادوا تحابوا"، فهي جالبة للمحبة، ومشيعة للود والسرور بين المتهادين.
وقال القرطبي (13/ 132): "الهدية مندوب إليها، وهي ممّا تورث المودة وتذهب العداوة"، وقال:"ومن فضل الهدية مع اتباع السنّة أنها تزيل حزازات النفوس وتكسب المُهدي والمُهدَى إليه رنة في اللقاء والجلوس".
وقال في المجموع شرح المهذب (15/ 367): "الهبة مندوب إليها لما روت عائشة _رضي الله عنها_ أنّ النبي _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ قال: "تهادوا تحابوا".
وللهدية عظيم الأثر في استجلاب المحبة وإثبات المودة وإذهاب الضغائن وتأليف القلوب،
*فكم من ضغينة ذهبت بسسبب هدية!!
*وكم من مشكلة دفعت بسبب هدية!!
*وكم من صداقة ومحبة جلبت بسبب هدية!!
وقد حثنا النبي صلى الله عليه وسلم على الهدية والإثابة عليها، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تهادوا تحابوا.
((حديث عائشة الثابت في صحيح البخاري) أن النبي صلى الله عليه وسلم:كان يقبل الهدية ويثيب عليها.
((حديث ابن مسعود رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أجيبوا الداعي ولا تردوا الهدية ولا تضربوا المسلمين.
((حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتي بطعام سأل عنه: أهدية أم صدقة؟ فإن قيل صدقة قال لأصحابه: (كلوا) ولم يأكل وإن قيل: هدية ضرب بيده فأكل معهم.
(وكان الأنصار يهدون لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الآتي:
((حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في الصحيحين) أنها قالت لعروة: ابن أختي، إن كنا لننظر إلى الهلال ثلاثة أهلة في شهرين، وما أوقدت في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نار، فقلت: ما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان التمر والماء، إلا أنه قد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم جيران من الأنصار، كان لهم منائح، وكانوا يمنحون رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبياتهم فيسقيناه.
(الحث على الهدية ولو بالقليل:
((حديث أبي هريرة رضي الله عنه رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لو دعيت إلى ذراع، أو كُراع، لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع أو كُراع لقبلت).
كراع: والكراع من الدابة ما دون الكعب.
((قال الحافظ ابن حجر رحمه الله (فتح الباري:5/ 236): وخص الذراع والكراع بالذكر ليجمع بين الحقير والخطير لأن الذراع كانت أحب إليه من غيرها، والكراع لا قيمة له.
((حديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا نساء المسلمات! لا تحقرن جارة لجارتها و لو فِرْسَن شاة.
فِرْسَن شاة: والفرسن هو موضع الحافر، والمراد أن النبي صلى الله عليه وسلم حث المرأة على الإهداء لجارتها والجود بما تيسر عندها، وإن كان هذا المُهدى قليلا فهو خير من العدم، وهو دليل على المودة، وفي الحديث أيضا حث للمهدى إليها على قبول الهدية وإن قلت الهدية فهي دليل على تقدير المهدية للمهدى إليها.
(الحث على قبول الهدية:
((حديث عائشة الثابت في صحيح البخاري) أن النبي صلى الله عليه وسلم:كان يقبل الهدية ويثيب عليها.
((حديث ابن مسعود رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أجيبوا الداعي ولا تردوا الهدية ولا تضربوا المسلمين.
((حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتي بطعام سأل عنه: أهدية أم صدقة؟ فإن قيل صدقة قال لأصحابه: (كلوا) ولم يأكل وإن قيل: هدية ضرب بيده فأكل معهم.
(إذا رددت الهدية فبين سبب ردها جبرا للخاطر تأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم:
هذا إذا كان الخاطر يجبر بذلك، أما إذا كان الخاطر يكسر ببيان سبب الرد فلا تبين والله أعلم.
((حديث الصعب بن جثامة الليثي الثابت في الصحيحين) أنه أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم حمارا وحشيا وهو بالأبواء أو بودَّان فردَّه عليه فلما رأى ما في وجهه قال إنَّا لم نرده عليك إلا أنَّا حرم.
(قبول الهدية من النساء:
فصل الخطاب في (قبول الهدية من النساء) أنه إذا أمنت الفتنة ـ كأن المرأة كبيرة السن ونحو ذلك ـ فإنه تقبل منها الهدية، وإن لم تؤمن الفتنة سُدَّ هذا الباب تماماً وعدم الاقتاب منه لأن المرأة هي شرُ فتنةٍ للرجال بنص السنة الصحيحة، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث ابن عباس رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) قال * أهدت خالتي أم حفيد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سمنا وأقطا وأضبا فأكل من السمن والأقط وترك الضب تقذرا وأكل على مائدة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو كان حراما ما أكل على مائدة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
((حديث أسامة الثابت في الصحيحين) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما تركتُ بعدي فتنةً أضرُ على الرجال من النساء.
((حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بنى إسرائيل كانت في النساء.
(لا ترجع في هبتك:
((حديث ابن عباس الثابت في الصحيحين) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليس لنا مثلُ السوءِ الذي يعودُ في هِبته كالكلبِ يعودُ في قيئه)
(إياك أن تُهْدِي ثم تَمُنُّ على من أهديت له فيبطل ثوابك:
إياك أن تهدي ثم تمن على من أهديت له، فإن الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم:(قَوْلٌ مّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى وَاللّهُ غَنِيّ حَلِيمٌ * يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لَا تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنّ وَالأذَىَ)[البقرة 263، 264]
فلا تعطي الأعطيات وهب الهبات وتقدم الصدقات ثم تتبع ذلك بالمن فالمن يبطل ثواب الصدقات وثواب الهدايا فضلا عما يدخر للمنان من العذاب، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (
((حديث أبي ذر رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم قال فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرار قال أبو ذر خابوا وخسروا من هم يا رسول الله قال المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب.
(الهدية للأقرب فالأقرب:
تهديها للأقرب فالأقرب، قرابة النسب وقرابة الجوار؛ وتأمل في الحديثين الآتيين بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيهما واجعل لهما من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيهما من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث ميمونة الثابت في الصحيحين) أنها أعتقت وليدةً في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (لو أعطيتِها أخوالك كان أعظمُ لأجرك)
فمع أنها أعتقت الأمة فهي ـ بلا شك إن شاء الله ـ مأجورة لعتقها الرقبة ولكن هنا فاق أجر الهدية أجر العتق لقول النبي صلى الله عليه وسلم: لو أعطيتِها أخوالك كان أعظمُ لأجرك.
فالهدية في بعض الأحيان تفوق الصدقة في الأجر، وذلك إذا وقعت موقعها في التأليف والوصل وابتغاء الأجر والثواب.
((حديث عائشة الثابت في صحيح البخاري) قالت: قلت يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيهما أهدي، قال: إلى أقربهما منك باباً"
(فيستفاد من هذين الحديثين أن القريب يقدم على الغريب وأن الأقارب إذا استووا في درجة القرابة قدم الأقرب بابا، وهذا كله إذا كان هؤلاء محل احتياج، والله أعلم.
(حكم قبول هدية المشرك:
القول الذي دلت عليه السنة الصحيحة وتجتمع فيه الأدلة أن المسألة على التفصيل الآتي:
(أنّ الامتناع من قبول الهدية في حقّ من يريد بهديته التودد والموالاة:
وعليه يحمل
قال تعالى: (لاّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الَاخِرِ يُوَآدّونَ مَنْ حَآدّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوَاْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلََئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيّدَهُمْ بِرُوحٍ مّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ أُوْلََئِكَ حِزْبُ اللّهِ أَلَا إِنّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)[سورة: المجادلة - الأية: 22]
((حديث عياض بن حمار رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أنه أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم هدية أو ناقة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "أسلمت؟ قال: لا. قال: إنّي نُهيت عن زَبْد المشركين".
زَبْد المشركين: يعني هداياهم.
((حديث عامر بن مالك الثابت في صحيح الجامع) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنّي لا أقبل هدية مشرك".
(وقبول الهدية في حقّ من يرجى تأنيسه وتأليفه على الإسلام:
(حديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قال: غزونا مع النبي صلى الله عليه وسلم تبوك، وأهدى ملك أيلة للنبي صلى الله عليه وسلم بغلة بيضاء وكساه بردا.
((حديث أنس بن مالك رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن يهودية أتت النبي بشاة مسمومة فأكل منها، فجيء بها، فقيل: ألا نقتلها؟ قال: (لا). فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله.
(حكم الإهداء إلى المشرك:
الأصل في الإهداء للمشركين الجواز، وتأمل في النصوص الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
قال تعالى: (لاّ يَنْهَاكُمُ اللّهُ عَنِ الّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرّوهُمْ وَتُقْسِطُوَاْ إِلَيْهِمْ إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُقْسِطِينَ * إِنّمَا يَنْهَاكُمُ اللّهُ عَنِ الّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدّينِ وَأَخْرَجُوكُم مّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُواْ عَلَىَ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلّهُمْ فَأُوْلََئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ)[الممتحنة 8، 9] *
((حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) قالت: قدمت علي أمي وهي مشركة، في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت: إن أمي قدمت وهي راغبة، أفأصل أمي؟ قال:(نعم، صلي أمك).
وأهدي عمر حلة لأخ له مشرك بمكة قبل أن يسلم أخوه:
(حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيح البخاري) أن عمر بن الخطاب رأى حلة سيراء عند باب المسجد، فقال: يا رسول الله، لو اشتريت هذه، فلبستها يوم الجمعة، وللوفد إذا قدموا عليك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة). ثم جاءت رسول االله صلى الله عليه وسلم منها حلل، فأعطى عمر بن الخطاب رضي الله عنه منها حلة، فقال عمر: يا رسول الله، كسوتنيها وقد قلت في حلة عطارد ما قلت؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إني لم أكسكها لتلبسها). فكساها عمر بن الخطاب رضي الله عنه أخا له بمكة مشركا.
{تنبيه} : (لكن إذا كان هذا الكافر سيتقوى بهذه الهدية على المسلمين ويؤذيهم ويتمرد عليهم ويتجبر فحينئذ لا يهدي إليه و لا كرامة.
((حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما الثابت في صحيح الترمذي) أنه ذُبِحت له شاة في أهله فلما جاء قال: أهديتم لجارنا اليهودي؟ أهديتم لجارنا اليهودي؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه.
(ضوابط قبول هدايا المشركين والإهداء إليهم:
(1)
ألاّ يترتب على قبول الهدية أو إهدائها مودة أو محبة؛ قال تعالى: (لاّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الَاخِرِ يُوَآدّونَ مَنْ حَآدّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوَاْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلََئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيّدَهُمْ بِرُوحٍ مّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ أُوْلََئِكَ حِزْبُ اللّهِ أَلَا إِنّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)[المجادلة: 22]
(2)
ألاّ تكون الهدية بمثابة الرشوة كأن يكون المُهدى إليه قد أهدي إليه بسبب توليه منصب أو جاه أو وظيفة يستفاد منها في إنجاز غرض غير مشروع كإحقاق باطل أو إبطال حق.
قال الجصاص في تفسيره (2/ 234) تعليقاً على حديث ابن اللتبية المشهور "وقد دلّ على هذا المعنى قول النبي _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_: "هلا جلس في بيت أبيه وأمه فنظر أيهدى له أم لا؟ ".
فأخبر أنه إنّما أُهدي له؛ لأنه عمل ولولا أنه عامل لم يهدَ له، وقد روي أنّ بنت ملك الروم أهدت لأم كلثوم بنت علي امرأة عمر؛ فردها عمر ومنع قبولها" ا. هـ.
(3)
ألاّ تكون الهدية ممّا يستعان به على الباطل من شرك أو كفر أو بدع أو معاصي كإهداء الصلبان أو الشموع للنصارى في أعيادهم وغيرها، أو إهداء آلات الطرب والغناء ونحوها.
وبهذا المعنى منع إهداء الكفار والمشركين في أعيادهم حتى لا تكون تشجيعاً لهم وإقراراً على باطلهم، فإن كان الإهداء لهم في يوم عيدهم تعظيماً لليوم فهو جدّ خطير.
قال أبو حفص الحنفي: "من أهدى فيه بيضة إلى مشرك تعظيماً لليوم فقد كفر بالله _تعالى_"(فتح الباري 2/ 315)
(4)
أن يغلب على الظن وجود مصلحة في الإهداء إلى الكافر أو قبول الهدية منه كتأليف قلبه على الإسلام وتحبيب الدين إلى نفسه.
فقد جعل الشارع الحكيم أحد مصارف الزكاة دفعها إلى المؤلفة قلوبهم على الإسلام، وهي فريضة واجبة، فكيف بالهدية المندوبة في أصلها؟
(5)
ألا يترتب على الإهداء إلى الكافر أو قبول الهدية منه مفسدة ظاهرة كاستكبار الكافر واستعلائه، أو تكون الهدية للكافر مبالغ فيها؛ لعموم النهي عن التبذير.
(6)
ألا يترتب على الإهداء إلى الكافر تفويت مصلحة راجحة كسد حاجة مسلم مضطر؛ لأنّ البدء بالأهم فالأهم منهج شرعي حكيم وعام.
ويدل على ذلك الحديث الآتي:
((حديث ابن عباس الثابت في الصحيحين) قال. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذٍ ابن جبل حين بعثه إلى اليمن إنك ستأتي قوما أهل كتاب فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم و ليلة فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك و كرائم أموالهم و اتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها و بين الله حجاب.
(وهناك هدايا لا ترد:
منها: الطيب.
((حديث أنس الثابت في صحيح البخاري) أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يرد الطيب.
((حديث أبي هريرة الثابت في صحيح مسلم) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من عرض عليه ريحان فلا يرده فإنه خفيف المَحمِل طيب الريح.
(موانع الإهداء ومتى لا تقبل الهدية:
فهذه النصوص التي قدمناه نصوص تحث عل الإهداء وقبول الهدية، ولكن قد تأتي موانع تمنع من الإهداء من قبول الهدية.
ألا ترى أن ملكة سبأ أهدت لسليمان عليه السلام هدية فردها سليمان، مع أن إبراهيم عليه السلام قبل هاجر لما أهديت إلى زوجته، وقد قبل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الهدية، فلماذا قبل نبينا الهدية وردها سليمان عليه السلام؟!
ردها سليمان عليه السلام «لما كانت رشوة عن الدين» ، فالمرأة أرسلت الهدية إلى سليمان كي يقرها على عبادتها للشمس ويسكت عنها، ولم يكن لسليمان ذلك، وخاصة أنه في مركز قوة واستغناء فمن ثم ردها لما كانت رشوة عن الدين.
قال تعالى: (وَإِنّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ * فَلَمّا جَآءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدّونَنِ بِمَالٍ فَمَآ آتَانِي اللّهُ خَيْرٌ مّمّآ آتَاكُمْ بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيّتِكُمْ تَفْرَحُونَ * ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنّهُم بِجُنُودٍ لاّ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنّهُم مّنْهَآ أَذِلّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ)[النمل 35: 37]
«فإذا كانت الهدية بمثابة الرشوة لإبطال الحق وإثبات الباطل فلا تقبل حينئذ» .
(وكذلك إذا كانت الهدية للأمراء والوزراء والمسئولين (كالقضاة والشرط ونحوهم)
كي يعطوك شيئا ليس لك من حقك أو يتجاوزوا لك عن شيء لا ينبغي لهم أن يتجاوزوا عنه فحينئذ يحرم عليك الإهداء ويحرم عليهم قبول الهدية، وقد استعمل النبي صلى الله عليه وسلم لفظا شديدا في الزجر في هذا الباب، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قال: استعمل النبي رجلا من الأزد، يقال له ابن اللتبية، على الصدقة، فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أهدي لي. قال: (فهلا جلس في بيت أبيه أو بيت أمه، فينظر يهدى له أم لا؟ والذي نفسي بيده، لا يأخذ أحد منه شيئا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيرا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاه تيعر، ثم رفع بيده حتى رأينا عفرة إبطيه: (اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت). ثلاثا.
((حديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: هدايا العمال غلول.
((حديث بريدة الثابت في صحيح أبي داوود) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا فما أخذ بعد ذلك فهو غلول.
* ومن ثم روى البخاري معلقا (وقال عمر بن عبد العزيز: كانت الهدية في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم هدية، واليوم رشوة).
،قال الحافظ ابن حجر في الفتح: وصله ابن سعد بقصة فيه، فروى من طريق فرات بن مسلم قال: اشتهى عمر بن عبد العزيز التفاح فلم يجد في بيته شيئا يشتري به فركبنا معه فتلقاه غلمان الدير بأطباق تفاح فتناول واحدة فشمها ثم رد الأطباق فقلت له في ذلك: لا حاجة لي فيه، فقلت: ألم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية؟ فقال: إنها لأولئك هدية، وهي للعمال بعدهم رشوة.
وأخرج عبد الرزاق في المصنف بإسناد صحيح لغيره عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: السحت الرشوة في الدين. قال سفيان: يعني الحكم. (المصنف:14664)،وانظر السنن الكبرى للبيهقي (10/ 139)
وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
((حديث عبد اله بن عمرو رضي الله عنهما الثابت في صحيحي أبي داوود و الترمذي) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لعن الله الراشي و المرتشي.
[*] قال صاحب عون المعبود شرح سنن أبي داوود:
قيل الرشوة ما يعطى لإبطال حق أو لإحقاق باطل أما إذا أعطى ليتوصل به إلى حق أو ليدفع به عن نفسه ظلما فلا بأس به وكذا الآخذ إذا أخذ ليسعى في إصابة صاحب الحق فلا بأس به لكن هذا ينبغي أن يكون في غير القضاة والولاة لأن السعي في إصابة الحق إلى مستحقه ودفع الظالم عن المظلوم واجب عليهم فلا يجوز لهم الأخذ عليه.
(وكذلك إذا كانت الهدية شيئا مسروقا أو شيئا محرما فلا تقبل لما في ذلك من أكل الحرام والمعاونة على الإثم والعدوان.
(وكذلك إذا كانت الهدية إنما أهداها صاحبها لأخذ أكثر منها وإن لم يأخذ أكثر منها يتسخط، فإذا عرف من عادته هذا فَلَك ـ والله أعلم ـ أن تتوقف في قبول هديته.
وقد قال تعالى: (وَمَآ آتَيْتُمْ مّن رّباً لّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللّهِ)[الروم: 39]. وهذا في مثل هذا الموطن، في رجل يهدي وينتظر من المهدي إليه أضعاف ما يقدمه له.
(أو إن كان المهدي يعتبر هديته بمثابة الدين عليك ن وأنت لا تريد أن تتحمل دينا شرعيا ولا عرفا، فَلَك في مثل هذه الحالة أن تتوقف مع اعتذار لطيف للمهدي، اعتذار لا يكسر له خاطر ولا يشوش عليه فكرا.
(وكذلك إذا كان المهدي منان يمن بهديته ويتحدث بها فلك في مثل هذه الحال أن تتوقف.
وكل هذا يقدر بقدره والأصل استحباب الهدية واستحباب قبولها والإثابة عليها.
(وكذلك يكره لك أن تهدي هدية لشخص سفيه يستعملها في معصية الله عز وجل وفي الفساد في الأرض، فإن الله تعالى يقول: (وَاللّهُ لَا يُحِبّ الفَسَادَ)[البقرة: 205]
ويقول سبحانه: قال تعالى: (وَلَا تُؤْتُواْ السّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ)[النساء: 5]
(وكذلك فأثناء هديتك انتبه هل ستصلح في باب وتفسد في باب آخر أم أن الهدية كلها خير، فقد تهدي لابن من أبنائك دون الآخرين فتسبب مفسدة وضغينة بين الأولاد.
وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) قال: أعطاني أبي عطية، فقالت عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد رسول الله، فأتى رسول الله فقال: إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطية، فأمرتني أن أشهدك يا رسول الله، قال:(أعطيت سائر ولدك مثل هذا). قال: لا، قال:(فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم). قال: فرجع فرد عطيته.
(وأيضا ينبغي أن يتحفظ الشخص ويتورع عن الهدية إن كانت تقوم مقام الربا فقد يقترض شخص من شخص مالا ويحل وقت السداد ولا يطيق المدين السداد؛ فيسلك مسلك الإهداء لصاحب المال حتى يسكته وحتى يصبر عليه فحينئذ من الورع ترك الهدايا، نعم إنه يجوز قبولها ما لم يشترط لكن الأورع ترك الهدية إذا كانت بهذه المثابة.
(ولا ينبغي أن تحرج أحدا وتحمله على الإهداء لك، فإنك إن فعلت أوشكت أن لا يبارك لك في هذا الشيء المهدى ولكن إن أهدي إليك أو أخذت الشيء بغير مسألة و لا إشراف نفس بورك لك فيه، ولتحرص على أن تكون نفس المهدي طيبة وهو يهدي إليك، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيني العطاءَ، فأقولُ أعطهِ من هو أفقر مني فقال:(خذه، إذا جاءك من هذا المال شيءٌ، وأنت غير مشرفٍ ولا سائل، فخُذهُ، وما لا، فلا تُتْبعِه نفسك)
((حديث حكيم بن حزام رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال لي:(يا حكيم، إن هذا المال خضر حلو، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى)
((حديث معاوية رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تلحفوا في المسألة فوالله لا يسألني أحد منكم شيئا فتخرج له مسألته مني شيئا وأنا له كاره فيبارك له فيما أعطيته.
لا تُلْحِفُوا: أي لا تلحوا.
(من دواعي إفشاء المحبة الزهد فيما في أيدي الناس:
قال تعالى: (وَلَا تَمُدّنّ عَيْنَيْكَ إِلَىَ مَا مَتّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىَ)[سورة: طه - الآية: 131]
والاستدلال ظاهر، حيث نهي عليه الصلاة والسلام والنهي لأمته على وجه التبع، أن يمد المرء عينيه إلى ما متع به الخلق من زهرة الحياة الدنيا، ومن مد عينيه إلى ما متع به الخلق من زهرة الحياة الدنيا، فإنه يفوته الزهد في الدنيا؛ لأنه لا بد وأن يحصل بالقلب نوع تعلق بالدنيا، وهذا خلاف الزهادة.
((حديث سهل بن سعد الثابت في صحيح ابن ماجة) قال أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجلٌ فقال يا رسول الله: دلني على عملٍ إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما عند الناس يحبك الناس.
الشاهد: قوله صلى الله عليه وسلم[وازهد فيما عند الناس يحبك الناس]
ومعنى ازهد فيما عند الناس: لا يكن قلبك متعلقا فيما في أيدي الناس، فإذا فعلت ذلك، فأخرجت ما في أيدي الناس من التعلق ومن الاهتمام، وكان ما عند الناس في قلبك لا قيمة له، سواء أعظم أم قل، فإنه بذلك يحبك الناس؛ لأن الناس يرون فيه أنك غير متعلق بما في أيديهم، لا تنظر إلى ما أنعم الله به عليهم نظر رغبة، ولا نظر طلب، وإنما تسأل الله -جل وعلا -لهم التخفيف من الحساب، وتحمد الله -جل وعلا -على ما أعطاك، وما أنت فيه، فهذا إخراج ما في أيدي الناس من القلب، هذه حقيقة الزهادة فيما عند الناس، وإذا فعل ذلك المرء أحبه الناس؛ لأن الناس جبلوا على أنهم لا يحبون من نازعهم ما يختصون به، مما يملكون، أو ما يكون في أيديهم حتى إذا دخلت بيت أحد، ورأيت شيئا يعجبك، وظهر عند ذلك أنك أعجبت بكذا، فإنه يكون في نفس ذاك الآخر بعض الشيء. وهذا يعكر صفو المحبة، فوطن نفسك أن ما عند الناس في قلبك شيء قليل لا قيمة له، حقير لا قيمة له، حقير قيمة له مهما بلغ، وهذا في الحقيقة لا يكون إلا لقلب زاهد متعلق بالآخرة، لا ينظر إلى الدنيا أما من ينظر إلى الدنيا، فإنه يكون متعلقا بما في أيدي الناس.
(وهذا الحديث أصل في بيان كيف يكون المرء محبوبا عند الله تعالى وعند الناس.
وهو أيضاً من أحاديث الوصايا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أجاب عن سؤال مضمونه طلب الوصية، قال سهل بن سعد رضي الله عنه: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: دلني على عمل إذا عملته أحبني الله، وأحبني الناس، وهذا السؤال يدل على علو الهمة؛ لأن محبة الله تعالى غاية المطالب ومحبة الناس للمرء، أو للعبد معناها أداء حقوقهم، والدين قائم على أداء حقوق الله وأداء حقوق العباد، فمن أدى حق الله تعالى أحبه الله، ومن أدى حقوق العباد وعاملهم بالعدل والإحسان، فإنه يثوب بمحبة الناس له، وهذا الذي يجمع بين الطرفين هو الصالح من عباد الله؛ لأن الصالح هو الذي يقوم بحق الله وحق العباد، والصلاح هو القيام بحقوق الله وحقوق الناس.
فهذا الحديث فيه ما يحصل به محبة الرب تعالى للعبد فقال: دلني على عمل إذا عملته أحبني الله، وهذا فيه تنبيه إلى أصل، وهو أن همة المرء ينبغي أن تكون مصروفة لما به يحب الله العبد، وليس أن تكون مصروفه لمحبته هو لله تعالى، فالعباد كثيرون منهم من يحبون الله تعالى، بل كل متدين بالباطل أو بالحق، فإنه ما تدين إلا لمحبة الله تعالى، وليس هذا هو الذي يميز الناس، وإنما الذي يميز الناس عند الله تعالى هو من الذي يحبه الله تعالى.
((وقد قال بعض أئمة السلف رحمهم الله: ليس الشأن أن تحِب، ولكن الشأن كل الشأن أن تُحَب، يريد أن محبة العبد لربه تعالى، هذه تحصل إما بموافقة مراد الله، أو بمخالفة مراد الله، فالنصارى يحبون الله، وعباد اليهود يحبون الله، وعباد الملل يحبون الله، وعباد جهلة المسلمين يحبون الله، ولكن ليس هؤلاء بمحبوبين لله تعالى إلا إذا كانوا على ما يحبه الله تعالى ويرضاه من الأقوال والأعمال.
إذاً فحصل من ذلك أن «السعي في محبة الله للعبد هذا هو المطلب» ، وهذا إنما بالرغبة في العلم ومعرفة ما يحبه الله تعالى ويرضاه، فإذا عرفت كيف يحب الله العبد، أو إذا عرفت بما يحب الله تعالى العبد، حصل لك السعي في محبة الله تعالى.
((وقال الحسن البصري رحمه الله تعالى: "لا تزال كريما على الناس ولا يزال الناس يكرمونك ما لم تعاط ما في أيديهم، فإذا فعلت ذلك استخفوا بك وكرهوا حديثك وأبغضوك".
((وقال أيوب السختياني رحمه الله تعالى: "لا يقبل الرجل حتى تكون فيه خصلتان: العفة عما في أيدي الناس، والتجاوز عما يكون منهم".
فمن زهد فيما في أيدي الناس وعف عنهم فإنهم يحبونه ويكرمونه لذلك ويسود به عليهم؛ كما قال أعرابي لأهل البصرة: من سيد أهل هذه القرية؟ قالوا: الحسن، قال: بم سادهم؟ قالوا: احتاج الناس إلى علمه واستغنى هو عن دنياهم.
وما أحسن قول بعض السلف في وصف الدنيا:
وما هي إلا جيفة مستحيلة
…
عليها كلاب همهن اجتذابها
فإن تجتنبها كنت سلما لأهلها
…
وإن تجتذبها نازعتك كلابها.
(كيفية علاج ما اعوجّ من الأخلاق:
والنبي صلى الله عليه وسلم كان يتلافى المِعْوَّجَ من أخلاق الناس بكرمه، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (
(حديث ابن أبي مليكة رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) أن النبي صلى الله عليه وسلم أهديت له أقبية من ديباج، مزررة بالذهب، فقسمها في ناس من أصحابه، وعزل منها واحدا لمخرمة بن نوفل، فجاء ومعه ابنه المسور بن مخرمة، فقام على الباب فقال: ادعه لي، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم صوته، فأخذ قباء فتلقاه به، واستقبله بأزراره، فقال:(يا أبا المسور خبأت هذا لك، يا أبا المسور خبأت هذا لك). وكان في خلقه شدة.
فكان عليه الصلاة والسلام يتلافى بحسن خلقه شدة أخلاق الناس، والأخلاق الحسنة تغطي على الأخلاق الرديئة، ولذلك وجه النبي صلى الله عليه وسلم الأزواج إلى النظر إلى الناحية الإيجابية من أخلاق الزوجات فقال صلى الله عليه وسلم:(لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقاً رضي منها آخر) كما في الحديث الآتي:
((حديث أبي هريرة رضي الله عنه الأنصاري الثابت في صحيح مسلم) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يفرك مؤمن مؤمنه إن كره منها خلقا رضي منها آخر.
لا يفرك: لا يكره.
وحكمة الله البالغة اقتضت أن يجعل في البشر أخلاقاً عالية، وكذلك أخلاقاً سافلة، وعند المقارنة يظهر حسن هذا وقبح ذاك؛ لأن الضد يظهر حسنه الضد، وبضدها تتميز الأشياء، فلولا الظلام ما عرفت فضيلة النور، ولولا أنواع البلايا ما عرفت قيمة العافية، ولولا خلق الشياطين والهوى والنفس الأمارة بالسوء لما حصلت عبودية الصبر والمجاهدة وترتب الأجر والجنة عليهما. إذاً: عندنا محاسن الأخلاق ومساوئ الأخلاق، فإذا قلت: محاسن الأخلاق مثل: الصدق، والأمانة، والوفاء، والإيثار، والكرم، والعفة، وكظم الغيظ، والتواضع، والإخلاص، والعدل، وغير ذلك؛ فإنك إذا قارنتها بغيرها تتبين جمال هذه الأخلاق، وضدها مثل: الكذب، والنفاق، والغدر، والخيانة، والبخل، والرياء، والكبر، والعجب، والمفاخرة، والحسد، و الطمع، والحقد، والظلم، وغير ذلك من الأخلاق. وكما أن حسن الخلق منجاة ونجاح، فسوء الخلق ضياع ودمار، ولا بد إذاً من الالتزام والتمسك بهذه الأخلاق الحسنة.
(اعتناء أهل العلم وكلامهم في الأخلاق:
وقد اعتنى العلماء رحمهم الله تعالى بجمع محاسن الأخلاق ومساوئ الأخلاق، وأفردوها بالمصنفات، وألف في ذلك ابن أبي الدنيا و الخرائطي رحمهما الله، وكذلك عدد من العلماء. ومن أنفس ما قيل في محاسن الأخلاق كلام الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى:
((قال ابن القيم في تهذيب الأخلاق:
وكما قلنا؛ فإن العلماء رحمهم الله اهتموا بقضية جمع محاسن الأخلاق، وكذلك اهتموا بجمع مساوئ الأخلاق للتحذير منها، واهتموا كذلك بالكلام عن حقيقة الخلق وكيف تعالج الأخلاق الرديئة، وكيف يتخلص الإنسان من الأخلاق الرديئة، وهناك كلام نفيس ذكره أهل العلم في هذه المسألة.
يقول ابن القيم رحمه الله تعالى في مسألة التخلص من الأخلاق الرديئة: اعلم أن أصعب ما على الطبيعة الإنسانية تغيير الأخلاق التي طبعت النفوس عليها، وأصحاب الرياضات الصعبة والمجاهدات الشاقة إنما عملوا عليها ولم يظفر أكثرهم بتبديلها
…
ثم قال: ونقدم مثلاً: نهر جارٍ في صببه ومنحدره، ومنتهٍ إلى تغريق أرض وعمران ودور، وأصحابه يعلمون أنه لا ينتهي هذا النهر حتى يخرب دورهم ويتلف أراضيهم، فانقسموا ثلاث فرق: فرقةٌ صرفت قواها وقوى أعمالها إلى سَكْره وحبسه وإيقافه، وقالوا: أحسن شيء أن نقفل النهر ونغلقه من أساسه، فلم تصنع هذه الفرقة كبير أمرٍ، فإنه يوشك أن يجتمع ثم يحمل على السكر الذي وضعوه للإغلاق، فيكون إفساده وتخريبه أعظم. والفرقة الثانية: رأت هذه الحالة وعلمت أنه لا يغني عنها شيئاً، فقالت: لا خلاص من محذوره إلا من قطعه من أصل الينبوع، فرامت قطعه من أصله، فتعذر ذلك غاية التعذر، وأبت الطبيعة النهرية عليهم ذلك أشد الإباء، فهم دائماً في قطع الينبوع، وكلما سدوه من موضع نبع من موضع، فاشتغل هؤلاء بشأن هذا النهر عن الزرع والعمارة وغرس الأشجار، فإذاً لا الإغلاق نفع ولا سده من أصله نفع. فجاءت فرقةٌ ثالثة خالفت رأي الفريقين، وعلموا أنهم قد ضاع عليهم كثير من مصالحهم؛ فأخذوا في صرف ذلك النهر عن مجراه المنتهي إلى العمران، فصرفوه إلى موضع ينتفعون بوصوله إليه ولا يتضررون، فصرفوه إلى أرض قابلةٍ للنبات وسقوها به. فإذا تبين هذا المثل؛ فالله سبحانه قد اقتضت حكمته أن ركَّب الإنسان على طبيعةٍ محمولة على قوتين: غضبية وشهوانية، وهاتان القوتان هما الحاملتان لأخلاق الناس وصفاتها.