المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌فصل ومن أحسن ما كتبوا في مخاطبة الأمراء - كنز الكتاب ومنتخب الأدب - جـ ١

[البونسي]

الفصل: ‌فصل ومن أحسن ما كتبوا في مخاطبة الأمراء

‌فصل ومن أحسن ما كتبوا في مخاطبة الأمراء

ما كتبه أبو عبد الله بن أبي الخصال إلى أمير المسلمين وناصر الدين رحمة الله عليه:

أطال الله بقاء أمير المسلمين، وناصر الدين، وهَدْيُهُ هدْي الأئمة المُتَّقينَ، وتَجاوَزَهُ تجاوُزَ البرَرَةِ

الأكْرَمينَ (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ). ولا زال على آثارهم مقتدياً، ولمآثرهم مُحْيِياً، وعلى سَنَنِهم في الإيراد والإصدار

مُحْتَذِياً.

كتبْناه عن اعتراف بإحسانه، والتحاف بأمانه، واعْتِصامٍ بحَبْل طاعَته وسُلْطانِه، ودُعاء إلى الله تعالى

جَدُّه في حسن الدِّفاع لنا خاصَّة، وللمسلمين كافَّة، عن عُلُوِّ مكانه، والله عز وجل اسمه، يستجيب له

الأدعِية البَرَّة، ويوالي لديه النِّعَمَ الثَّرَّةَ، ويَجْنيه من كلِّ رأي يَرْتَئيه، ومنحى كريم يَنْتَحيه، غِبْطَةً دائمة

ومسرَّة، وأنَّ الكتاب الجليل، والصَّفح الجميل، طالعنا من تلقائه ناصع الأَغَر، واضح الحجول

والغُرر، رافعاً للخَطَر، واقعاً من قلوب البشر، موقع صيِّبِ المطَر، فشفى غُللَ الصُّدُور، وفاضَ على

الجَمهور، وأَجْمَل بإذْهابِ الرَّوْعِ وكَشْْفِ المحْذور، وخَلُصَتْ بُشْراهُ إلى عذارى الخُذور. وتَخَلَّصْنا -

والحمد له - ثم له منْ خُطَّة

ص: 272

ضيقٍ، وأسَغْنا ما كنّا لا نُسيغُهُ منْ ريقٍ، وأخذ بحظه منْ أنْعامه كلُّ

فريق، وعاذَ الكلُّ منْ عَفْوِه الواسِع بأمْنَعِ معاذِه، وعلموا أنَّه - أعلى الله أمْرَه - كظَمَ غيظاً، وهو

يقْدِرُ على إنْفاذِهِ.

وإنَّا لَنَرْجو أنْ تَكون هذه المأْثُرَةُ التي رُفِعَت لها الأبصارُ، وتهادتْ حديثَ جلالَتها الأَمْصارُ، من

أوْثَقِ أَعْماله عند مآله، وأرْجَحِ قُرَبِه في مُنْقَلَبِه، فهَنأه الله ما منْ سعة الحِلْم أتاه، وبارَكَ له فيما خَوَّله

ووأوْلاهُ (وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ) والحمد لله الذي ذخر هذه المنَّة الخطيرة لأيامه، وسلكها في نظامه، وصير له من ذكرها

في الآفاق ما تزينُ الملوك لإعْظامه، وتعْجَبُ منْ نقَائصها وتمامه. ونحن بما به أمر - أيَّد الله أمره -

آخذون، وبالموعظة الحسنى للعوام لافظون. وما زلنا - عَلِمَ الله - نحذرهم ونتَّقيهم، ونرفقُ بهم كلَّ

الرِّفق ونُداويهم، ولمَّا نلنا بفضلِ الله، ثمَّ بفضله الموهوب، واطمأنت بإحسانه القلوب، بادرنا حضرته

الجليلة معْلِمينَ، ولِما افتَرَضَ الله علينا معْلنين، وبآلائه وحسنِ بلائه مُعْتَرِفين. فجوزيَ خيرَ جزاء

العارفين المُنْعَمين، ولَقَّاهُ يومَ الفزَعِ الأكبر فوزَ الناجين الآمنين، ولا حرمه الله اغْتِفَارَ الزَّلَاّتِ، وإقالة

العثرات التي تَجْمَعُ الدنيا والدين، وأيْدينا بيد الأمير الأجل، وَالِينَا، أيَّدَه الله، في هذا الأمر وسواه

شابكة بموصوله وأوامره، أَمْضاها الله في التَّظافُرِ والائْتلافِ، مُطاعَةٌ مقْبولةٌ، ولا نَدَّخرُ عنه في حال

من الأحوال نصيحة، ولا نَألوه محافظة صريحة ومُوالاةً في ذات الله تعالى صحيحة، وإنَّه ليرى منَ

الرفقِ ما نراه، ويَرْعى من أمورِ العامَّة ما نرعاه. والله يرفعُ مَسْعاهُ، ويُيَسِّره لما يرضاه.

ص: 273

وكتب أيضاً في المعنى:

أطال الله بقاء الأمير الأجل، السيد الأفضل، وصيته في كل مَكْرومَةٍ طائرٌ ذاهبٌ، وأيَّامه مننٌ،

ومواهب. ولازال سعْدُهُ ثاقبٌ، ومجْدُهُ عاقِبٌ، وهمَّتُه المآثر الخالدة المناقِبِ.

كتَبْتُهُ، كتبَ الله لك واضِحَ الآثار، وأَعْبَقََ الأخبار، وبَلَّغَكَ أقْصى الآمال والأوطار، عنْ إعظامٍ

وإكْبارٍ، وتَشَوُّقٍ وادكار، ورواحٍ في شُكْرِكَ وابْتِكار، واعْتِرافٍ بما للإسْلامِ منْ ديمٍ غِزارٍِ، وتَرْبِيَّة

كتربية عمْروِ بن شَأْسٍ لِعِرار وإنّي، وإنْ كنْتُ نَشْأةَ ناديهم، ورَهْنَ أَيَادِيهم، لأرى لكَ منَ الحقِّ ما

كنتُ أرى لِشُيُوخِهم المُوَقَّرِ قُعْدُدَ عُلاهُم، وشَبابِهِم النَّاضِرَة أَفْنان صباهم. سقى الله معاهدَهم ورُباهُم،

وأَجْمَلَ في كلِّ نادٍ ونَديّ ذِكْراهم. وما منْ يَدٍ للحُلَّةِ أرْعاها كيدٍ أنتَ مُوليها وموْلاها. عَوَّضْتَني من

تلك الأنهار بحراً زاخِراً، ومن تلك النُّجومِ بَدْراً باهراً، وأَعَدْتَ لي به بعد المشيبِ عهْدَ الشَّبابِ

ناضراً، وأرَيْتَني كل غَائبٍ من المُلوكِ حاضراً:

ولقيتُ كلَّ الفاضلينَ كأَنَّما

ردَّ الإله نُفوسهم والأَعْصُرَا

نسَقُوا لنا نَسْقَ الحساب مقدماً

وأتى بذلك إذ أتى متأخرا

ص: 274

وذلك الذي ليس الكمالُ والجلال رحمته سِيماه، ولأْلاؤُهُ أن يزالَ الأمير الأجل الأوحد الأفضل أبو

فلان، كبتَ الله عِداهُ، وأقرَّ به عُيُونَ عُلاه.

تضاءلَتْ لقَدْرِه الأقْدارُ، وتَقاصرتْ دونَه الأخْطارُ، قامَ الله تعالى بحَقِّه فحَبَّبَهُ إلى خَلْقِه:

وإذا أَحَبَّ اللهُ عبده يوماً

ألقى عليه محبَّة النَّاسِ

هذه الحضرة، حاضِرُها وبادِيها، وأعْلامها وهواديها، لاهِجَةٌ بحَمْدِهِ، داعِيَةٌ لِمَجْدِهِ، ومُعْتَرِفَةٌ بحسنِ

آثاره، متواضعة لما بهرهم وَرَاقَهُمْ منْ سكينَتِه ووَقارِهِ:

ملكٌ عليه تحية وسلامٌ

أَلْقَتْ عليْهِ جمالَها الأيامُ

وكتب أيضاً في المعنى:

وردتَ ورود مُنْهل الغمام

وسيبُكَ والحيا هامٍ وَهَامِ

فهذا أخضرُ النفحات نَضْرٌ

وهذا أحمر الصفحات دَامِ

هما سِرُّ الحياة ولا حياةٌ

بغير الغيث في ظِلِ الحُسَامِ

وما اعْتدل الزمان وطاب

إلا بِعَدْلِ سجيةِ الملْك الهُمَامِ

لقد فازت دمشقُ بتاشفين

وطار لها به أعلى السِّهامِ

ص: 275

وما فوق التى نالوا محلٌّ

وبين ظهورهم هدي الإمام

ولما لمْ أفِدْ لقضاء حقٍّ

أزَرْتُنديه وفدَ السَلَامِ

أطال الله بقاء الأمير الأجل، الملك الأوحد الأفضل، رالأفئدة تهوى إليه، والقبول يوضع له، والمحبة

تُلْقى عليه. والآمالُ تُخَيِّمُ لديه، ومقاليدُ السيادة والسياسة في يديه، ولا زال يحوز المدى، ويُزْجي

كتائبَ النَّصر، وجيوشَ الهُدى، ويأخُد كل تَقِيَّةٍ على العدى، وهو - أيده الله - لا يزال في انتظام

منقبة، واقتحام عقبة، وموارد ومصادر مرْتَقبة، ومساعٍ كل سماء لها أرض، وأداء حقِّها على

الحاضروالبادي فَرْض.

فالحمد لله الذي ثَنَاه عن مغزاه راضياً، ولحقوق الثغر قاضياً، وهنيئاً له وللإسلام به، يُمنُ المآب

والمَقْفَل، وانفِتَاحُ كل مُرْتِج مُقْفَل، وغزو العدو في عُقره المنيع، وأمره الجميع، ولقد حلَّت عليهم

المنايا وحامتْ، لولا جُدُرٌ دُونَهم قامتْ، وسَتَجْعَلُها العزائمُ

بحول الله دكاًّ، تَصُكُّهم بوادرها صكّا ساعَده القَدَرُ، وحالَفَه الظَّفَرُ، ولا زال يغْزو ويُنْصَرُ، وعَدوه

يُصْرَعُ ويُعَفَّرُ، بحول الله وطوله. واقرأ على حضرته الجليلة أعم السلام وأوفاه، وأبرَّه وأحفاه، ثم

السلام المُجدد عليها ورحْمَةُ الله وبركاته.

ص: 276

قوله في القطعة (في ظلِّ الحُسام) الظِّلُّ هنا يريد به: العِزَّ والمَنَعَة. ومنه قول الفرزدق:

فلوْ كُنْتَ مَوْلى الظِّل أوْ في ظلالِهِ

ظَلَمْتَ ولكنْ لا يدَيْ لكَ بالظلْمِ

معناه: لو كنتَ ذَاعِزَّ، أو في ظلال ذي عزة. وقال أبو تمام:

القَوْمُ ظِلُّ الله أَسْكَنَ دينَهُ

فيهم وهم جَبَلُ الملوكِ الراسي

وفي حديث أنس بن مالك: "السُّلْطانُ ظلُّ الله في الأرض" معناه ما ذكرناه.

وفي حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: قلتُ: يا رسول الله، أخبرني عن هذا السلطان

الذي ذكت له الرقاب، وخضعت له الأجساد، ما هو؟ قال: "ظلُّ الله في الأرض فإذا أحْسَنَ فله الأجر،

وعلكيم الشكر، وإذا أساء فعليه الإصْر، وعليكم الصبْر" وقد يكون الظِّل بمعنى السَّتْر، ومنه قول

القائل للرجل الشريف: أنا ظلُّك: أي في سترك وذُراك. ولا أزالَ الله عنَّا ظلك. ومن هذا ظلُّ

الشجرة، وكذلك ظلُّ الليل وهو سوادُه. قال ذو الرمة:

قد أعْسِفُ النَّازِحَ المجهول مَعْسَفُهُ

في ظِلِّ أخضر يدعو هَامَهُ البُومُ

ويروى: في ظل أَغْضف.

وقد يكون الظلُّ أيضا بمعنى القُرب والدُّنُو والاختصاص، ومنه قول أبي صخر الهذلي:

ص: 277

ورنقت المنية فَهْي ظلٌّ

على الأبطال دانية الجَناحِ

ومن هذا قولهم: أَظَلَّنا شَهْرُ الصومِ، وأَظَلَّنا الأميرُ وما أَشبه هذا من كلامهم.

رجع

وكتب بعض الأدباء في هذا المعنى بعد الصدر:

وإنّى، أَعَزَّ الله المَلِكَ الكريم، لما أضاءتْ لي أهِلَّةُ مفاخِرِه في سماء النِّجَار، وأشْرَقَتْ شموسُ مكارِمِه

على مفارِقِ الأحرار، وأبْصرتْ شمائلُه الزُّهْرُ تُثيرُ منَ الهُمومِ كامِنَها، ومَحاسِنُهُ الغُرّ تُوقِظُ منَ الآمال

قائمها، تَيَقَّنْتُ أنَّ القُلُوبَ بحَقٍّ انْقادتْ له في أَعِنَّتِها، وتهادتْ إليه النُّفوسُ بأزِمَّتها؛ فآلَيْتُ ألّا أُلِمََّ إلا

بحِماه، ولا أَحُطُْ رَحْلاً إلا في ذُراه، عِلْما بأنَّهُ نثْرةُ الفجر، وغُرَّةُ الدَّهر. فَتَيَمَّمْتُ سارِياً في طالع

نوره، مُتَيَمِّناً بِيُمْن طائره، بأمل مُتَحقِّق الرِّبْح، موفَّقَ النُّجْح، حتى حَلَلْتُ بدوْحَةِ المجد، وأَنَخْتَُ بذِرْوَةِ

السَّعْدِ، فَجَعَلْتُ أنْثرُ منْ جواهر الكلامِ، ما يُرْبي على جواهر النِّظام، وأنْشُرُ منْ عِطْر الثَّناء، ما

يُزْري بالرَّوْضَةِ الغَنّاء، وحاشَ للفضل أنْ يُعَطِّلَ ليلي منْ أقْمارك، أوْ تُجَلي أُفُقي منْ أنْوارِكَ، فَأُرَى

مُنْخَرطاً في غير سِلْكِكَ، مُنْحطاً إلى غير مُلْكِكَ، لا جَرَمَ أنَّه من استضاء بالهلال غني عن الذُّبالِ،

ومن استنار بالصباح، ألْقى سنا المصباح. تالله ما هزَّتْ آمالي ذوائبُها إلى سِواك، ولا حَدتْ أطْماعي

ركَائبها إلى حاشاكَ، ليكون لذلك في آثار الموسِمي للْماحل، وعلى جمال الحلي للعاطل، بسيادتك

الأولية، ورياستك الأزلية، التي يَقْصُرُ عنْ وَصْفها إفصاحي، وَيَعي عنْ بعضها ثنائي وإيضاحي.

فالقراطيس عنْدَبَثِّ مناقبِكَ تَفْنى، والأقلامُ في رسم آثارك تَحفى.

ص: 278

ومنها: والسعيدُ منْ نَشَأ في دوْلَتِكَ، وظهر في جُمْلَتِك، واستضاء بغُرَتكَ، والفائزُ بالسبْقِ منْ لَحْظَتْه

عُيُونُ رِعايَتِكَ، وكَنفه حِرْزُ حمايَتِكَ. ُفأنْت الذي أمِنَتْ بعدْله نوائبُ الأيام، وقويت بفضله دعائم

الإسلام، تختال بك المعالي اختيال العروس، وتَخْضَعُ لجلالِكَ أعِزّة النُّفوسِ، بسابِقةٍ أشْهَرَ منَ الفجر،

وفِطْنَةٍ أَنْورَ منَ البدر، وهِمَّةٍ أبْعدَ من الزهر:

لقد فاز من أضحى بكم متمسِّكاً

يمد إلى تليد عزّكمُ يدا

سلَكْت سبيل الفضل خُلْقاً مُرَكَّباً

وغيرُك لا يأتيه إلا تجلدا

يُهَنِّيكُُمُ مجدٌ تَلِيدٌ بَنِيتُمُ

أغار لعمري في البلاد وأنْجَدا

وإنّما أهدي لمولاي خِدمتي، وأضع في ميزان اختياره همتي، لأمتاز في جملة عبيده، وأشهر في

خِدْمَته وعديده:

وما رغْبتي في عَسْجَد أستفيده

ولكنها في مفْخر أسْتَجدُّه

وكل نوالٍ كان أوْ هو كائنٌ

فلَحْظةُ طرْفٍ منكَ عندي نِدُّه

فكن في اصطناعي مُحسنا كَمُجَرِّبٍ

يبن لك تقريبُ الجواد وَبُعْدُهُ

إذا كنت في شك من السيف فَابْلُه

فإمَّا تُنَفِّيه وإما تُعِدُّه

وما الصَّارمُ الهنديُّ إلَاّ كغيره

إذا لم يُفارِقْه النجادُ وغِمْدُهُ

وكتب بعضهم بعد الصدر:

ثم إنَّ شُكْري نِعْمَة اللَّه عَلَيَّ بِمَا جدَّدَهُ مِنْ ملاحظة سيدنا حالي، وتداركَهُ بطِبِّ التَّطَوُّل مَرَضُ آَمَالِي،

بما لا أؤمِّلُ معَ المبالغة والإغْراق فيه، فَكَّ نفسي بحال من رِقِّ أياديه، غير أني أحسن لها النظر،

وأُجْمل عليها الأُحْدُوثة والخَبَر، وأدْخُلُ في جملة الشاكرين؛ إذْ هو، أيَّده الله، كعبَةُ فضل، وغمامةُ

بذلٍ، وحُسامُ حقٍّ، ولسانُ صدْقٍ، يحمده أولياؤه، ويشهدُ له بالفضل أعْداؤه،

ص: 279

والليالي بأفعاله مُشْرِقة، والأقدارُ من خوفه مُطْرِقة، ومازالَ، أبْقاه الله، يَنْصُرُ نباهتي عن الخمول، ويَسْتنْقِذُني منَ التَّعَبُّدِ

للتَّأميل، فصرتُ أعجزُ عن أوصاف نعمَته شكراً، وتَنطِقُ حالي عن آثارها فخراً، فأقول:

لما تحَصَّنتُ من دهري بخلعته

سَمَتْ بحملانه ألحاظُ إقبالي

وواصلتني صلاتٌ منه رُمْتُ بها

أختالُ في حلل للجاه والمالِ

فَلْيَنْظُرِ الدَّهرُ عقبى ما صبرت له

إذْ كان منْ بعض حُسَّادي وعُذَّالِي

ألم أكده بحسن الانتصار إلى

أن صنْتُ حظي عن حل وتَرْحالِ

بَلَغْتُ مَنْ لا تجوز السُّؤْلَ قائله

ولا يدافع عن فضلٍ وأفضالِ

ياعارضاً لم أَشِمْ مُذْ كنتُ بارقَه

إلَاّ رَوِيتُ بغيث منه هطَّال

رُويَد جُودك قد ضاقتْ به هِمَمِي

وردَّ عنّي برغم الدهر إقلالي

لم يبق لي أملٌ أرجو نداك به

دهري لأنك قد أفنيتَ آمالي

وكتب قريع دهرنا، وأديب عصرنا، الوزير الأجل أبو عمرو محمد بن عبد الله بن غياث شيخنا، في

المعنى:

الحمد لله موالي الآلاء، ومُسْبغِ النَّعماء، وجاعِلِ هذا الإقبالَ، المُوذِنِ بالإِقْبَالِ. عنوانُ الفتوحات التي

تُفْتَحُ لها أبوابُ السماء، ويرتَبِطُها النصر ارْتِباط الري في الماء، ويخْدمها بالسعدِ الذي تتلاعبُ موادُّه

بصروف الدهر تلاعب الأفعال بالأسماء، والصلاة على سيدنا محمد خاتم الرسل والأنبياء، الذي ما

ضلَّ ولا غَوى، ولا نطَقَ عن الهوى، فتختلف عليه مختلفاتُ

ص: 280

الأهواء. السراجُ الوهَّاجُ الذي بهرتْ آياته، وأشرقت إيَاتُه وأَخْرَسَتْ معْجِزاتُه أَلْسِنَةَ الفصحاء البُلغاء، وصدعَتْ بأمر الله في تبليغ رسالاته

عزماتُهُ مصمِّمَة المَضاء والإمضاء، ودعا فأسْمَعَ بالأسنة واللُّهى صُمَّ العِدا في الصخرة الصماء.

والرضا عن الخلفاء الراشدين الهادين إلى السبيل السواء، السالكين منْ أفعاله وأقواله على المحجَّة

الحنيفية البيضاء، بأخْلاق خُلِقْنَ من التمني فلاقت كل داء بالشفاء، وعن الإمام المعصوم المهدي

المعلوم الكافي أكفَّ البغْي والاعْتداء، وعن أصحابه الأئمة الخلفاء المذخُورين للأمر العزيز يتوارثه

الأبناء عن الآباء، وراثة مورث العَلْيَاءِ بما توارث من ثُراث الأنبياء:

فغار الكفر في ظُلَم الدياجي

ولاح الدينُ في حلل الضِّياءِ

والدعاء لسيدنا ومولانا الخليفة الأتقى، ملجأ الدين الأوقى، الموفَّقِ الآراء، النافخِ أرْواح أشباح الأمل

والرَّجاء بجميع الجهات والأرْجاء، المجْلي غياهب الظَّلْماء، عن أنوار الاقتداء، سيف الله المحلى

بالمحامد والثناء، المعيد منارَ الكفر كمنبت الهباء، المصيِّر أهله كهشيم الغُثَاءِ:

بعزم يلبس الأيام يُمْناً

ويطوي الأرض منشورَ اللِّواءِ

ونصرٍ للرياح به هبوبٌ

لأقصى الأرض من غير انتهاء

فَيُصْعِقُهُمْ بصاعقة المنايا

ويمطرهم شآبيبَ الفناء

وبعدُ، فإنه لما كانت هذه (الجزيرة الأندلسية) غربية المعنى على الإطلاق،

ص: 281

فذة الحسن باصطفاقٍ واتفاق، يتمثل بها في الآفاق، وتحدو بأوْصافها حداة الرفاق، وتُزْهى بمنظرها الرائق، وبخيرها

الفائق على الشام والعراق، وكانت بين عَدُوَّيْن يقطعانِ عنها فيما سلفَ الإرفاق، من الأمن والأرزاق،

أحدهما البحر الذي هي منه كالمِعْصَمِ في سوارٍ أوِ الخِصْر في نطاق. والثاني الكفر الذي أحدق بها

إحداق الأشفار بالأحداق، وكانا يطمسان أنوارها كالأجفان للنواظر عند الإرْتِدادِ والإنْطباقِ، وكلاهما

قد فَغَرَ عليها فاه لإضرامِ الأعْلاقِ، وإطْفاء الأنوار الواضحة الإشراق، حتى عاد بدْرُها هلالاً في

قبضة المُِحاق، وكادت تبكي عيون السبعة الطباق، إلى أنْ تلافاها النَّظَرُ المهدي، والأمر الإمامي،

فأحيا رمقها الخافت، وأَعَادَ كمالها الفائت، فاعْتَصَمَتْ منه أوثق اعتصام، وتوقَّتْ منه بأوقى واقٍ، ولم

يزل النظر الإمامي يستمد لها على الدوام، ويلقيه خليفة إلى خليفه وإمامٌ إلى إمامٍٍ، فيقع منها موقع

الماء الزُّلالِ على شدة الأُوام، إلى أنْ أفضى النظر إلى الخليفة العليّ الإمام المرضيّ، المَقْتَفِي، أثر

المهدي أبي عبد الله محمد ابن الخلفاء الأئمة المؤيد بالنصر الحفيِّ، الذي لا يكتحل جَفْنه بمنام، ولا

يخْلو خاطرهُ النَّيِّرُ عن اهتبالٍ بها وبغيرها وعنِ اهتمام، فأطلع بآفاقها بدر تمام، يحمل بين جوانحه

إِقْبَالَ

ص: 282

ضِرْغَامٍ، في ذكاء إياس وعلم ابن العباس وحلم الأحنف ورصانة (رضوى) اختصاصاً بواحد

جمع له ما في الأنام، مُنْبَسِط الوجه رحيبَ الصدر، يفيض بِكَفِّه منْ كل أَنْمُلَةٍ بَحْرُ إنْعامٍ، ويهْمِي بها

من أفضاله واكفُ غَمامٍ، ويسُلُّ على منْ عاداهُ سيف انْتِقامٍ، يجْلبُ له الحِمام، قبل وقتِ الحُمام،

وتَخْدُمُه صروف الدهر في كل مقامٍ، ويُيَسِّرُ له السعد كلَّ مرامٍ، حتى عادتْ لياليه مُشْرِقَةً كالأيام،

مُجْلِيَةً دياجي الظُّلْمِ، وسَدف الإظلام. صنْوُ الخليفة الذي تُزْهى الدُّنْيا به شرفاً، ومُجْتَنِي الخلافة حسباً

ونسَباً وسلفاً، المقتفي منْ سَنَنِ آبائه الخلفاء ما اقتفى، السيد المُعَظَّمُ الشأن، المُوَقَّرُ المكان أبو إسحاق

المحتسبُ نفسه وبنيه وماله في نصر الدين وحياطة المسلمين قُرُباتٍ عند الله وزُلْفى، المجلّي من

الضلال والمحال ظلماً وسَدَفاً، المُفْضي عزائمه حتى لا يَذَرَ على الأرض كافراً متمرداً ولا منافقاً

متشوفاً، ولا عادلاً عن المحجة البيضاء الحنيفية ولا مُنْحرفاً. يقود جيوشاً يضيق عنها ذرعُ الزمانُ،

ويخشى سطوتَها طارقُ الحدَثان، وينْصرفُ بأمر الله الذين هُم حزْبُه الملوان:

فمن سره المحْيا فسمعٌ وطاعةٌ

ومنْ يحسُد الموتى يُدِنْه بعصيان

ص: 283

ما منهم إلا روضةُ ندى، وهضْبةُ هدى، وغمامٌ يُحْتدى، وحُسامٌ به يَرْدى منْ يردى، ببأسهم على

الدَّهر يُسْتَعْدى، وبأنوارهم يُقْتدى ويُهتدى، ملائكُ لكنَّهم في الحرب أسود عواجسُ لهم ملابس، قد

استلموها للحرب فهي ملابس، كتائب ومواكب، تحسدها الكواكب، بَوَاسِلُ بأيديهم عَوَاسِلُ، كأن أْسنتهم

النجوم، نثرتها سماء الدين العلي وفهي لشياطين الكفر رجوم، تقلَّدوا بوارقَ وأرْسلوها صراعق. لَيْلَهُم

عَجَاجُهم، ونورُ التوحيد سراجُهم، بركاتهم قد وَضحَتْ وضوح النهار، ولاحَتْ كتائبهم مخايل

الاسْتِبْشار:

حملوا قُلوبَ الأسْد بين ضلُوعهم

وَلَووْا عمائمهم على الأقمارِ

وتقلَّدوا يوم الوغى هندية

أمضى إذا سُلَّتْ من الأقدار

ولله إقبالٌ نفخَ في شخص الأمن رُوحَهُ، وجر على الحقٍ كفَّهُ، فكان فسيحه، وشفى من الدين لواعجه

وتباريحه، وأهبَّ على الكُفر زَعْزَعا ريحه، وركب على ليليه المظلمة سرجه ومصابيحه. فَبُشْرى ثم

بُشْرى للأندلس والإسلام، وبحمص فكم قد تزخرفت لهذا الإقبال، كأنها جنَّة الرضوان، فادْخلوها

بسلامنزَّه الله عن السرار بدور كمالهم، وضاعف إشراقاً أنوار جلالهم، ولا يضْحِنا من وارِفِ ظلالهم،

ومنَّ علينا بِقَبُولهم وإقبالهم.

ثم ختم الرسالة بهذه القصيدة الفريدة، التي تختال لها المعالي كما تختال بالحلي والحلل الكواعب

الخريدة، وهي:

ص: 284

إذا لم يجبني الدهر حين أسائله

سيتلو لسانُ الأمر ما أنا قَاِئلُهْ

فللملأ الأعلى حديثٌ تُذيعه

لنا ألْسُنُ الأيام فَهْي رَسَائلهْ

صَحائِفُها إذْ تُجتلى صفحاتُها

تبشر بالفتح الذي حان آجِلُهْ

وهل جرت الأقدارُ إلا بِنصْره

فآجِلُه فيه تساوى وعَاجِلُهْ

أَمَا هو أمرُ الله ليس يَفُوتُه

مراد إذا ما شاءه فهو فَاعِلُهْ

ولما تشكَّت أرضُ أندلُسٍ وقد

عراها من الشَّوق المبرِّح قَاتِلُهْ

وألقت إلى الأنباء واعي سَمْعِها

عسى الأمرُ قد زمَّتْ إليها رَوَاحله

وحنت حنين الجذْع لكن رجاؤها

يراسلها لا تحْزني وتراسله

فمولاك مصروفٌ إليك اعتناؤه

ولا شيءَ عن أسباب نصرك شَاغِلُه

فقالت وأَنَّى لي بذلك برهةً

وهذا مَحَلُّ الصبر أقوتْ منازلُه

إلى أن تلافاها البَشير وجاءها

كما جاء يعقوبَ القمِيصُ وحامِلُه

وإذا سمعتْ ذكر البَشير تزخْرفت

بزي جِنَان الخلد أو ما يشاكله

وقابل شكواها الخليفةُ بالرضا

فجدَّ وأبوابُ الفتوح تُقابله

ووجَّه جيْشاً والسعود تقوده

بحزمٍ كإعصار الرياح قَنَابِلُه

دَرَارِ دوارٍ فوق أفلاكِ ضمَّرٍ

تُريكَ ارتداد الطَّرف كيف تعاجله

تباري الرياح العاصفات ولا يُرى

لها أثرٌ في التُّرب حين تزاوله

فَمِن مُنْعَلٍ بالبرق أجرَد سابحٍ

سليمٍ شظاه لم يُحرَّقْ أباجِلُه

ص: 285

ومِنْ أخضَرٍ خاض الدجى إذْ سرى به

وخاضت به نهر النهار أَسَافلهْ

ومن أشقرٍ كالتبر إذ سال ماؤه

عليه فغشَّاه من التِّبْر سائلهْ

ومن أشْهَب كالشيب حلَّ بِمَفرقٍ

فسال على المُسْوَدِّ منه يُزايلُهْ

وورْدٍ ولكنْ كالدهانِ مهفهفٍ

أقبَّ أسِيلِ الخد نَهْدٍ مراكِلُه

عليه هِزَبرٌ ترجف الأرضُ خوفَه

بَراثنه أسيافُه وعواسِلُهْ

عجبت له في الحرب مرٌّ لقاؤُه

وقد عذبت للواردين مناهلهْ

عجبت له مُذْكانَ في المهد لم يزل

يقوم به الملك الذي شُقَّ بازِلهْ

أما هو سيفُ الله سُلَّ على العِدَى

وما غمده إلا التُّقَى وحمائلهْ

هو السيد الأعلى المحبب للورى

هو الفذّ لكنْ لا تُعدُّ فضائله

فأنَّى يُضَاهَى أو يُباهَى علاؤه

وقد جمعتْ شملَ المعالي شمائلهْ

قدومُ أبي اسحاق يُمنٌ ورحمةٌ

وأمنٌ وفتح يجمع الكلَّ شاملُهْ

فلله يوم قد تجَلَّى بأفقه

وليس له بالأفق نورٌ يماثلهْ

تَخِدْنَاه عيداً لا نرى العيد غيره

أواخرُه محمودةٌ وأوائلهْ

فقل لذوي الإلحاد ما كان ظنكمْ

بذي لَجب لجَّاته وصواهلُهْ

إذا أمَّ أرض الشرك تنشد أهلها

صحا القلبُ عن سَلْمَى وأقصر باطِلُهْ

ص: 286

إذا حل حزبُ الله يوماً بساحتي

أصيبتْ من الكُفر الصريح مَقَاتلهْ

ألم يعلموا أنْ صالتْ الأسْدُ في الوغى

وعنَّ لها لا تستطيع تُصاولهْ

ألم يعلموا أن الغمام إذا همت

سحائبه لا تستطيع تُسَاجِلُهْ

ألم يعلموا أن البحار تمدها

إذاهي فاضت بالنوال أَنَامِلُهْ

ألم يعلموا أن الزمان تهابُه

حوادثه في كل أمر يحاولهْ

حُسامٌ ولكنْ في يد الأمر مرهفٌ

سنانٌ ولكن في يد الحق عَامِلُهْ

وهذا البيت مما أجاد فيه الاستدراك والتقسيم، ودافع في صدر كل حديث وقديم، سلك فيه مسلك

البلغاء من المتأخرين، واحتذى حذو المجيدين منهم والماهرين، كقول أبي بكر بن عمار:

غصنٌ ولكنَ النفوس رياضُهُ

رَشَأٌ ولَكِنَّ القُلوبَ عَرَارُهُ

وكقوله أيضاً:

ببدر ولكن من مطالعه الوغى

وليثٍ ولكن من براثنه الهندي

وكقوله أيضاً:

بدور ولكنَّ السماء محاربٌ

وأُسْدٌ ولكنَّ العرين حروبُ

وكقول حسان بن المصيصي:

ص: 287

جرَّ الذُّيول ولكن من محافله

على التناد ولكن منْ شبا الأَسَلِ

رجع

تهيم به زُهْرُ النجوم بأُفْقها

فَطَوراً تناجيه وطوراً تغازلُهْ

وهل هي إلا من أسارير وَجْهِه

فمن ذَايُبَاهيه سنىً أو يعادلُهْ

فلا خَطْبَ إلا وَهْيَ عنه تذوده

ولا حادث إلا وعنه تُنَاضِلُهْ

إذا قيل شمسٌ فهي من بعض نوره

وإن قيل بحرٌ فالبحارُ جَداوله

ولو كان هذا البيت في مدح الرسول، لبلغ به غاية السُّؤل، وألقى إليه كل ناظم طائعاً وأعْطاه صَفْقة

يده مبايعاً:

فلو وَهَبَ الدنيا لأقسم أنها

أقلُّ نوالاً للأنامِ يناوِِلُهْ

ولولم يكن في كَفِه غيرُ نفسه

لجاد بها فليتق اللهَ سائلُهْ

لو أنَّ ما أولى الورى فاض في الثرى

لضل به البحرُ المحيطُ وَسَاحِلُهْ

قرارة علمٍ ثم رَضْوَى رصانة

ودوحةُ فضلٍ ثَمَّرتْها فَوَاضِلُهْ

له شيمٌ مأثورة الفضل لم تَزَلْ

وسائلُ من أعْيت عليه وَسَائِلُهْ

هَمَتْ ببساط الأرض سُُحْبٌ هباتُه

وعمَّتْ جميع العَالَمِينَ نوافلُهْ

سميَّ خليل الله أَنْدلسٌ غدت

مقامٌ وحيث الغزو فيها تُواصله

وأنت وَلِيُّ الله ناصرُ دينه

ومن يخذُل الإسلام فالله خَاذِلُهْ

وكل وَلِيٍّ أو عدوٍّ فإنه

بما عامل الله الكريم يُعامله

وياحمصُ بُشرى ثم بشرى عميمةٌ

بحزب هدىً وافاك واللهُ كَافِلُهْ

ص: 288

قوله:

ولو لم يكن في كفه غير نفسه

البيت

هو لمسلم بن الوليد وقد تمثل به أبو تمام في قصيدة له مدح بها المعتصم وفي مدح السيد أبي إسحاق

هذا يقول الأديب الكامل أبو العباس أحمد بن شكيل رحمه الله قصيدته الفريدة وهي:

بُشْرَايَ دَالَتْ دَوْلَةُ المعْصُوم

بِحَيَا العُفَاةِ وَنُصْرَةِ المَظْلُومِ

بِقُدُومِ إبْراهيمَ سَيِّدِنَا الرِّضَا

قَدِمَتْ وُفُودُ السَّْعْدِ خَيْرَ قُدُومِ

حَيَّتْ مُحَيَّاهُ المَواسِمُ والْتَقَتْ

مِنْهُ العُيُونُ على أَغَرَّ وَسِيمِ

وَتَحَدَّثَ الحيُّ الجَميعُ بِقُربِْهِ

فَتَرَوَّحُوا في نَضْرَةٍ وَنَعيمِ

فَالظِّلُّ مَمْدُودُ كَأَنَّا في ذُرى

عَدْنٍ بِهِ وَالشُّرْبُ منْ تَسْنِيمِ

وَالأَرْضُ رَاجِفَةٌ وَما رَجَفَاتُهَم

إِلَاّ لِأَنَّ بِهَا قُلُوبَ الرُّومِ

ص: 289

شَهِدَ الزَّبُورُ بِهَا وَللإله

فَضْلاً عَلَى المَنْثُورِ وَالمَنْظُومِ

عَذُبَت مَوَارِدُ جُودِهِ فَلَوَ انَّنِي

أوُرِِِدْتُهَا لَشَرِبْتُ شُرْبَ الهِيم

حَاوَلْتُ مِدْحَتَهُ فَبِتُّ بِلَيْلَةٍ

مَا لَيْلُ مَهْجُورٍ وَلَيْلُ سَلِيمِ

تَبِتُ القَوافِي في يَدِي فَأَنِسُّهَا

بِجَلَالِهِ فَتَفِرُّ مِنْ تَنْظِيمِ

حتَّى كَأَنِّي مُفْحَمٌ أَوْ أَنَّ بِي

عِيّاً وَذَاكَ العِيُّ غَيْرُ ذَمِيمِ

وَلَقَدْ وَثِقْتُ بِحِلْمِهِ فَنَظَمْتُهَا

سَعْياً لَعَمْرُكَ لَيْسَ بِالمذْمُومِ

مَدْحُ الأَمِيرِ ابنِ الخَلِيفَةِ قُرْبَةٌ

للَّهِ كَالتَّكْبِيرِ وَالتَّعْظِيمِ

قُلْ لِلَّذي شَادَ النَّسِيبَ مُقَدِّمًآ

مَدْحُ الأَمِيرِ أَحَقُّ بِالتَّقْديمِ

فَإِذَا طَرِبْتَ إلى النَّسِيبِ فَنَفْثَةٌ

بَعْدَ الصَّلَاةِ عَلى ذَوِي المَعْصُومِ

وَإِذَا بَلَغْتَ إلى الخِيَامِ فَبَلِّغَنْ

مِنِّي الخِيَامَ وَدَائعَ التَّسْلِيمِ

لَهْفِي عَلَى حَيِّ حَلَالٍ قَوَّضُوا

خِيَمَ الرُّبَا لِبِنَاءِ خَيْم الخِيمِ

وَمَضَوْا وَلَوْ أنَّ النُّجُومَ نَوَاظِرٌ

عَارُوا عُيُونَ الشُّهْبِ بالتَّغْييِمِ

ص: 290

وَلأَنَّ عَيْنَ الشَّمْسِ عَيْنٌ رَفَّعُوا

ظُلَلَ العَجَاجِ عَلَى عِمَادِ الكُومِ

لَاثُوا مُدَثَّرةَ السُّجُوفِ وَظَلَّلُوا

فَوْقَ الحُدُوجِعلى شَقِيقَةٍ رِيمِ

قَمَرَ الجَمَالِ فَسَلْ بِهَا وَبِخِدْرها

مِنْ هَالَةٍ مَحْفُوفَةٍ بِنُجُوم

جَرَّبْتُ لَذَّاتِ النُّفُوسِ فَلَا أَرَى

كَالرَّكْبِ يَخْبِطُ في حَشَى الدَّيْمُومِ

مُتَرَنِّمِينَ عَلَى ذُرَى كِيرانِهِمْ

وَصَرِيرُهَابَدْلٌ مِنَ التَّرْنِيمِ

في كُلِّ طَامِسَةِ الصُّوَى لَا يَهْتَدِي

فيها الدَّليلُ بِمَعْلَمٍ مَعْلُومِ

كانتْ صَحائفُ قفرها غُفْلاً فَقَد

رَسَمَ السُّرَى وَخْدِي بِها ورَسِيمِي

قُلْ لِلْمَطِيِّ تَجَلَّدِي لَا بُدَّ مِنْ

صِنْوِ الخَليفَةِ فَاقْعُدِي أَوْ قُومِي

سِيري على اسْمِ اللَّه في أمَلي فَقَدْ

ضَمِنَ المَطَالِبَ جُودُ إِبراهِيمِ

سِيري إلى مَلْكٍ رِضىً في مَالِهِ

حَقُّ لِسَائِلهِ ولِلْمَحْرُومِ

القَائِدِ الخَيْلَ العِتَاقَ كَأنَّها

سِيدَانُ رَمْلٍ أو نُجُومُ رُجُومِ

ص: 291

فِيهَا قَتَاتُ الطَّيْر يَرْتَعُ بِالضُّحَى

وَلها انْقِضَاضَةُ لِقْوَةٍ يَحْمُومِ

نَضَحَ الحَمِيمُ جُلُودَهَا فَتضوَّعَتْ

فكَأَنَّ مِسْكاً رَشْحُ كُلِّ أديمِ

مِنْ كُلِّ وَرْدٍ خَاضَ بَحْراً من دمٍ

فنَجا بِلَوْنِ الأَحْمَرِ المَذْمُومِ

أَوْ أَشْقَرٍ غَشَّتْه شَمْسُ جَبِينِهِ

شَفَقاً وَعِطْفَاهُ هُبُوبُ نَسِيمِ

أَوْ أَصْهَبٍ شَرِبَ المُدامَ أَدِيمُهُ

فأقلَّ فارِسَهُ بِرَسْمٍ قَدِيمِ

أَوْ أَشْهَبٍ رَقَمَتْ قَرَاطِسُ جِلْدِهِ

فأتى الوَغى بكتابِه المرْقومِ

أَوْ أَبْلَقٍ كَالقِدْحِ يَحْسِبُ أَنَّهُ

قَدْ قُلِّدَتْ مِنْهُ الوَغَى بِبَرِيمِ

أَوْ أَدْهَمٍ أَرْخَى الظَّلَامُ سُدُولَهُ

مِنْه ُعَلَى طِرْفٍ أَحَمَّ بَهِيمِ

خيلُ الأمير أعَدَّها فَكِلاهُما

خَلَفٌ مِنَ النُّعْمانِ واليَحْمُومِ

يا خَيْلَ موْلانا أبِيني حالَةً

فلَقد خَلَطْتِ الضُّمْرَ بالتَّطِهِيمِ

أمَعَ الأعِنَّةِ تَمْرحينَ تَجاذُباً

وعلى الكَتيبَةِ شِدَّة التَّصْميمِ

ص: 292

إنْ كُنْتِ غزِلانَ الصَّريمَةِ فاسْنَحي

أَوْ كُنْتِ عِقبانَ السَّراء فَحُومي

لمَّا استهلَّ بها الثّغُورَ صَوارِخاً

طَلَعَتْ طُلُوعَ العارِضِ المركومِ

تقعُ السَّنابِكُ بالصَّفا فتَرى بهِ

آثارَها كالطَّابَعِ المخْتُومِ

قالتْ جُموعُ الرُّومِ حينَ وَطِئْتَهُمْ

وَيْلٌ لِبيضِ رُؤُوسِنا المَخْطوم

فيها بُرُوقُ المَشْرَفِيَّةِ لُمَّعاً

تَعِدُ الكُماةَ بجَحْفَلٍ مَهْزُومِ

والزَّاعِبيَّةُ كُلِّ صِلٍّ مُطْرِقٍ

شرِهٍ لسدِّ المُهْجَةِ المَكْتُومِ

والخافِقاتُ كأنَّ أفْئدة العِدى

أكْسَبْنَها الخَفَقانَ بالتَّعْليم

والمُسْرَداتُ منَ الدِّلاص كَأَنَّها

عَرْضَ السَّلامَةِ رَدٌّ للتَّجْسيمِ

وأراكَ في الجَيْشِ اللَّهامِ وأهْلِهِ

قَلْباً يُصانُ بِجُؤْجُؤٍ وحَزيمِ

ص: 293

وَلَوِ انفَرَدْتَ من الفوارِسِ للعِدى

لَهَزَمْتَهُم بالآيِ منْ حامِيمِ

اللَّهُ حِزْبُكَ لا الخمِيسُ وأهْلُهُ

والنَّصْرُ جنْدُكَ ليْسَ كُل شَتيمِ

إنَّ الإمام رآكَ في أعْمالِهِ

كالبَدْرِ يسْطعُ ليلةَ التَّتْميمِ

فَرَمى ظلامَ الظُّلْمِ منْكَ بِنَيِّرٍ

عَدْلٍ رَؤُوفِ بالعِبادِ رحيمِ

يَقِظٍ نِقابُ ظُنُونِهِ كَيَقينه

إنَّ العُلُومَ نتَائجُ التَّرجِيمِ

باتَ الطُّغاةُ على المَضاجِعِ غُفَّلا

عمَّا يُرادُ وباتَ غيرَ نَؤُومِ

تَأْبَى السِّياسة أنْ يُهَوِّمَ ساعَةً

أنَّى تَحامِي الملْكِ يالتَّهْويمِ

وَهْوَ الحَكِيمُ يزينُهُ سَفَهُ الَوَغَى

إنَّ الحَليمَ هُناكَ غيرُ حليمِ

بَشِّرْ يتامى المُسْلِمينَ بوالِدٍ

مِنْهُ يَحُوطُ ذِمارَ كُلِّ يتيمِ

والمُمْحِلاتُ منَ البلادِ بوابلٍ

منْ جُودِهِ يُحْيِي الأنامَ سُجُوم

وَلْتُنْذِر الرُّومَ الطُّغاةَ بِعاصِفٍ

من باسِهِ مثلَ الدَّبُورِ عقيمِ

ظَنُّوا بِهِ قَدْ زَارَهُمْ مُتَوشِّحاً

بنِجَادٍِ عَضْبِ الشَّفْرَتَيْنِ صَمِيم

في عُصْبَةِ التَّوْحِيدِ يَقْدُمُهُمْ بِأبَّ

هة الجَلالةِ في حُلى التّكْريمِ

يَرْتَدُّ طَرْف العَيْنِ عَنْهُ مَهَابَةً

ويَجِلُّ لَوْلا الحِلْمُ عنْ تَكْليمِ

ص: 294

فَإِذَا تنَادَيْنَا بِحَضْرَتِهِ رَوَت

عَنَّا النُّحَاةُ غَرَائِبَ التَّرْخِيمِ

وَإِذَا رَأَوْا جَرْيَ القَضَاءِ بِأمره

فهِمُوا يقينَ الحزْمِ والمَحْزُومِ

كمْ ذا أفَضِّلُ مَدْحَهُ وَلو انَّني

كنْتُ ابن صفوانٍ خطيبَ تميمِ

لَعَجزْتُ عَنْ وَصْفِ الأَمِيرِ وإنَّما

يُومي الخديمُ بمقصِدٍ مَفْهومِ

أَجِدُ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ يَعْدِلُ حجَّةً

وَعَلى ذَويهِ كَعُمْرَةِ التَّنعيمِ

إِنَّ القَوَافِي ذُو تَقِلُّ لِقَدْرِهِ

ليقل عنها قدْرُ كلِّ عظيمِ

إِنْ كُنَّ دُرّاً فَهْيَ مِنْ تَنْظِيمي

أوكُنَّ زُهْراً فَهْيَ منْ تَنْجِيمي

وَإِذَا انتَسَبْنَ نَمِينَ أَكرَْمَ مَعْشَرٍ

منْ آلِ قَحْطانٍ وأشْرَفِ خيم

صَدَفِيَّةٌ كِنْدِيَّةٌ تَرْعَى المُنى

فلَرُبَّما أكَلَتْ مُرَارَ سُمُومي

دُفِنَتْ بِأَنْقَرَةٍ مَعَ الضِّلِّيلِ فَاسْ

تَخْرجْتُهَا مِنْ ثَوْبِهِ المَسْمُوم

عَرَبِيَّةٌ في بُقْعَةٍ عَجَمِيَّةٍ

فرَّتْ إلى صدْري من التَّعْجيمِ

فَمَنِ ادَّعَى السِّحْرَ الحَرَامَ فإنني

بِحَلالِ هذا السِّحْرِ حَقُّ زعيمِ

وَإِلى أَبِي إسحَاقَ مَوْلَانَا الرِّضَى

يَا نَفْسُ أَمِّي جَلَّ مِنْ مَأْمُومِ

ص: 295

وَخُذي أَمَاناً مِنْ زَمَانِكِ عنده

فلقد أجازَ عليكِ حُكْمُ ظَلُومِ

مَنْ مُبْلِغٌ عَنِّي الخُطُوبَ بأنني

آوي لِرُكنٍ ليْسَ بالمُهْدُوم

فات الغنى كفي فكم من حاسد

فَرحٍ وكَمْ مِنْ صَاحِبٍ مَهْمُوِم

فطلبت جدواه ليحْدقني غنىً

سِيَّاَن فيه حَاسِدِي وحَمِيمِي

ورجوت خدمته لِيَخْدُمَنِي الورى

فَأَفُوزَ باسْمِ الخَادِمِ المَخْدُومِ

قال أبو إسحاق:

قد جئت بهذه القصيدة على طولها، وأثبتها بكمالها، لانطباعها، وقلة فضولها. وكل مُنْصف يشهد

بِتَفْضِيلها. فبمثلها يحل الكتْب ويسير حيث شاء الرَّكْبُ، ولله درُّ أبي العباس فلقد كان في النظم طويل

الباع، كثير الانطباع، متأخراً بذَّ الأوائل، وحط من مراتبه كلَّ مُتَطَاوِل وقوله:

فإذَا تَنَاديْنَا بِحَضْرَتِهِ رَوَتْ

عَنا النحاة غرائب التَّرْخِيمِ

يريد أن السيد الممدوح ذو هَيْبَة ووقَارٍ وسكينة وجلالة، فإذا تنادوا بحضرته تنادوا بلفظ خفيف

سهل، لأن الترخيم تخفيف اللفظ وتسهيله، فإذا قلت: رخم الاسم فمعناه سهَّل النطق به بحذفك منه.

قال الأصمعي: أخذ عني الخليل معنى الترخيم وذلك أنه لقيني فقال لي: ما تُسَمِّي العرب الكلام

السهل؟ فقلت له: العرب تقول: جارية رخيمة: إذا كانت سهلة الكلام قالذو الرمة فأوضح معناه:

ص: 296

لها بشر مثل الحرير ومنطق

رخيم الحواشي لا هُراءٌ ولا نَزْرُ

فالهراء الكثير، والنَّزْرُ القليل، فأراد أن كلام هذه الجارية محذوف الأطراف، ليس فيه زيادة على ما

يراد، فعمل الخليل باب الترخيم.

وأنشدني بعضُ أشياخي قولابن المعتز وهو من أملح ماقيل في تكرير اللفظ وأحسنه، وفيه ذكر

الترخيم:

لساني لسري كتومٌ كتوم

ودَمعي بحُبي نَمومٌ نَمُومُ

ولي مالكٌ شفَّني حُبُّهُ

بديعُ الجمال وسيمٌ وسيمُ

لهُ مُقْلَتا شادِنٍ أحور

ولفظٌ سحور رخيمٌ رخيمُ

فَدمْعي عليه سجومٌ سجومٌ

وجِسْمي عليه سقيمٌ سقيمُ

ومما يستَحسنُ أيضا من تكرير اللفظ، قول الفقيه أبي غالب منصور بن إسماعيل لكنه في طريق

الزهد، ومقصد أولي التوفيق والرشد، وهو:

إذا كنتَ تَزْعم أن الفراق

فراق الحياة قريبٌ قريبُ

وأن المقدّمَ ما لا يفوت

على ما يفوت معيبٌ معيبُ

وأنَّ المعدَّ جهازَ الرحيل

ليوم الرحيل مصيبٌ مصيبُ

ص: 297

وأنت على ذاكَ لا ترعوي

فأمرك عندي عجيب عجيب

وزاد الهروي محمد بن القاسم من قوله:

وأنَ الموفَّقَ في الحالتين

لقصْدِ السبيل عجيبٌ عجيبُ

وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وجملة من الصحابة، ابن مسعود وغيره (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ)، وتبعهم على

هذه القراءةسليمان ين مهران الأعمش قال أبو الفتح عثمان بن جني هذا منْ أحَقِّ الأشياء بالترخيم،

لأنه موضع قد ذهبت فيه قُوَاهُمْ، ولم ينفعهم شكواهم، فضعُفوا عن تتميم نداء مالك؛ خازن النار وابن

صفوان الذي ذكر أبو العباس، هو خالد بن صفوان، وكان إذا ذكر الغريب من الكلام بحضرته قال

(ليس هو بغريبٍ وإنَّما نحنُ الغُرباء فيه).

وقوله:

إنَّ القوافي ذو تقلُّ لقدره

البيت

جاء به على لغة طيء، لأنها تجعل ذو مكان الذي ولا تغيره عن حاله في جميع الإعراب بل يجيء

به على هيئة واحدة في إفراده وتثنيته وجمعه، وتذكيره وتأنيثه. قال أبو حاتم: وهي لغة كثير من

فصحاء العرب.

ص: 298

وأنشد أبو زيد:

فإنَّ بيتَ تميم ذو سمعْتُ به

فيه تَنَمَّتْ وأرْستْ عزَّها مُضَرُ

ومثله قول الحسن بن هانئ:

حُبُّ المدامة ذو سمعتُ به

لم يُبْقِ فِيَّ لغيره فَضْلا

وقوله: (يا نفس أَمِّى جل من مأموم) معناه اقصدي. يقال منه: أمَّه يؤمُّهُ أَمّاً: إذا قصده. والأمَّةُ

الجماعة من هذا المعنى، لأنها تؤم جهة واحدة، ومنه الأمة: القُدْوَةُ للأنامِ في الخير. كقوله تعالى (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ)

لأنه يُؤتَمُّ به ومنه الأُمَّة: القَامَةُ لأن العين تمتد إليها وتؤُمُّها. ومنه أيضاً الأمة: الاستقامة، لأنها تَؤُمُّ،

أي تقصد على طريقة واحدة خلاف التخليط في المذاهب. ومنه أيضاً الأُمَّةُ: الحين، للجماعة التي تَؤُمُّ

جهة واحدة. ومنه أيضاً الأُمَّة: أَهْلُ المِلَّة الواحدة كقولهم: أُمَّة موسى، وأمة عيسى، وأمةمحمد صلى

الله عليهم وسلم.

ذكر معنى هذا كله أبو عبيدة معمر بن المثنى. والمأمومُ:

المقصود إليه، والمأْموم: المصلي خلف الإمام. والمأْمُومُ الذي شُجَّ مَأْمُومُه، وهي من الجراح التي

تبلغ أمَّ الدماغ، وأمُّ الدماغ هي الجلدة التي قد جمعته.

قال ذو الرمة:

ص: 299

كأنَّهُ بين شرْخَيْ رَحْلِ ساهِمَةٍ

حَرْفٍ إذا ما استرقَّ الليل مأمومُ

أي مشجوج. ورجلٌ مَمُومٌ: إذا أصابَه المُومُ.

وقوله: (ورجوتُ خدمَته ليَخْدُمني الورى) البيت، من قول أبي تمام في أبي سعيد محمد بن يوسف

الثغري:

ومنْ خَدَمَ الأقوامَ يَرْجو نوالهم

فإني لم أخْدُمْكَ إلا لأخْدما

ومثله أيضا قول أبي جعفر محمد بن عبد الملك في الحسن بن سهل من قصيدة له:

لم أمْتَدِحْكَ رجاءَ المال أطلبه

لكنْ لتُلبِسني التحجيل والغُرَرَا

ومن مدائح الأديب أبي العباس قوله:

اللَّهُ أكْبَرُهذا وَجْهُ إسْحاقا

هَذَا الهِلَالُ وهذا الشمس إِشْراقَا

هَذَا الإمامُ الذي طَابَتْ مَخَابِرُهُ

وَطَابَ نَفْساً وأغْصاناً وَأَوْرَاقَا

هذا الَّذي جِيدَت الدنيا بنائلِهِ

وَأَوْرَقَ الصَّخْر مِنْ جَدْوَاهُ إيرَاقَا

هذا الّذي أَمِنَ الفجّ العميق بهِ

وطَيَّر الرومَ وَالصُّلْبَانَ إِشْفَاقَا

هذا الذي هَجَرَ الأوطانَ مُحْتِسِباً

في طَاعةِ اللَّهِ يُفْنِي العُمْرَ إِنْفَاقَا

ص: 300

يا فَرْحَةَ الثَّغْرِ بِالمَلْكِ المؤَيَّد بَلْ

يافرحةَ الدِّين وَالدُّنْيا بإسْحَاقَا

لمَّا تَجَلَّى رَأتْهُ عَيْنُ طَاعتنَا

جَمراً فَأَعْضَاؤُنا قَدْ صِرْنَ أَحْدَاقَا

لَكِنَّمَا مُقْلَةُ الإِذْفُنْشِ قَدْ شَخَصتْ

فَمَا تُدِيرمن الإِطْرَاقِ حِمْلَاقَا

في قَلْبِهِ مِنكَ نِيرَانٌ مُسَعَّرَةٌ

تُفْنِي الجَوَانِحَ إِلْهَاباً وَإِحْرَاقَا

نَزْلُ الجَحِيمِ أَتَاهُ قَبَلَ مَهْلَكهِ

فإِنْ تَمَادَى بِهِ كُفْرٌ فَقَدْ ذَاقَا

في أبيات غير هذه، وفي قصائده انطباع وتطويل، يشهدان له بالتقديم والتفضيل. وقد أثبت من

كلامه في هذا الديوان ما يعذُبُ سماعُه، ويحسن استطلاعه.

وكتب أبو النصر:

أطال الله بقاء الأمير الأجل صفوة المجد الصميم، وغُرَّةِ الزَّمَنِ البهيم الذي استظهرتِ المعالي بعُلياه،

وفَخَرَتِ الأواخر على الأوائل بِلُقْياه، للملك يُبْرئُه من أوْصابِه ويُبْقيه في قِصابه، ويَقيه من استلابه

واغتصابِه.

قد تحولت الرئاسة، أيدك الله، إذْ تحولت عنها حِوَلاً، وعاثَتْ فيها الأيامُ، وكانت لها خَوَلاً، فعادتْ

كالأفْقِ غابت شمسه، والجسد ذهبتْ نفسه، والأنامل عَدِمَتْ ظُفْراً، والدِّيارِ الأوائل أصبح أهلها سفر

المُحَصِّبِ غداة النَّفْر، أوْ كنصيبِ بَعْلِ ليلى بالجَفْرِ فهي تبدو كالمعصم فارقه السوار، والكِمام تساقَطَ

عنه النُّوَّارُ. لا تتحركُ من سكونها، ولا تَأوي طيرُ الآمال إلى وكونها. وكيف

ص: 301

ينبسط انْقباضُها؟ ويرتَفِعَ بَعْدَكَ انْخِفاضُها، وكنتَ لها بدْراً فهَجَرْتَ مطلعها، وفُؤاداً فأقْفَرْتَ أضْلُعَها. وكمْ راقتْ بكَ

صفْحَتُها، وهَبَّتْ بأذكى من المسكِ نفْحَتُها، حتى كأنَّ الشبيبَةَ حَشْوُ لِوائها، أو الغزالَةَ بعض أضوائها.

فأجْفانُها عليكَ باكية، وإليكَ بَمَضََضِ الثَّكل شاكية. تتفجَّع على ملِكِ كانَ لها جَمالاً، وتتوجَّعُ على سِيَرٍ

غَدَتْ لها يميناً وشمالاً. ولئن فارقت منها معهداً مألوفاً، ومشهداً بالكتائبِ محفوفاً، بما يبدو منها سِنَانٌ

لامِعٌ، ولا يَغْدو لها مُطيعُ ولا سامِعٌ. وكيف يُؤلفُ جسمُ بغير فؤاد؟ ومَنَ يَرْكَبُ نُمُوراً بعد جواد؟ وما

تركتها إلا بعد أنْ ألْحفْتَها بالبهاء، وأَجْرَيْتها إلى أمد الانْتِهاء. وقد تُهجَرُ نفائس الأعْلاقِ، وتبلى

المليحة بالطلاق.

ولم تُحَطَّ - أيدك الله - إنّما الملك حطَّ من فلكه، وعُطِّل منْ حُلى مُلْكِه. فالنُّجومُ إذا غارت أوْرَثتِ

المطالع ارْتِداداً، وكستْها بعد الإنارة تعداداً. والتاج تضربه المفارقُ، ويَهُونُ بعده المفرقُ المُفارقُ،

والشمس تتَهاداها المغارِبُ والمشارقُ.

وله في المعنى وضمنها شكية.

أطال الله بقاء أمير المسلمين، وناصِر الدين، الذي أشرق به الإسلام وأنار، ولاح به للعدل علم

ومنار، للحقائق يجلو ظلامَها، ويُزيلُ عنْ يد الباطل زمامها.

قد أوْلَاني - أيَّده الله - من إسْعافه، ووطَّأني من أكْنافه، وثنى إليَّ من عدله وإنصافه، ما عصم حالي

من اختلالها، وشفاها من اعتلالها، فما تألَّمْتُ من حادث إلاّ شَفاه، ولا شَكَوْتُ من أمر كارثٍ إلا كفاه،

والله يقارضُهُ بثوابٍ يعدو لديه حاملاً، ويجعله في الحشر كالئاً وكَافِلاً، بمنِّه.

ص: 302

ووقع - أدام الله تأييدَه - أمرٌ فزِعْتُ إليه في وقْعه، ورجوتُ إليه جبرَ صدعه، وذلك أنَّ فُلاناً، وفَّقه

الله فيما جُعِلَ إليه، وأوضحَ له مُشْكِل ما يقع بين يديه، لم يَقْنَعْ منِّي مُنْذُ وليَ إلا بالتَّحَيُّفِ والاهْتضَامِ،

والمثول بين يديه في المحاكمة والاِخْتِصَام، ولم يرض بوكيل يكون عِوضاً، وأجعلُ أمري إليه

مفوَّضاً، فعدلتُ - أيدكَ الله - أحكامي عنه، وأَزَلْتُها منه، وآليْتُ أنْ أصرفها إلى منْ يُزيلُ تخْييلها،

ويسْلُكُ بها سبيلها.

وقد كان خاطبه القاضي فلان - وفَّقه الله - بعقودٍ، أَثَارَتْها غَوائِلُ وحُقُود، لَيس بها على مُثْبِتِها،

ولَيْس عليه قبل تَثَبُّتِها. فلما أعادَ نظرها، وأجاد تدبرها، بان لديه تَدْليسُها، واستبانَ إليه تَلْبيسُها،

فشاوَرَ، الفقهاء بالأندلس والعدوة، واتخذهم قادة وهو القدوة، فأجْمَعُوا على تَقْطيعِها، والتَّنْكيل لمُشيعِها

ومُذيعِها. ونفذَتْ بذلك فتاويهم، واتفق عليها قاضيهم، فتلوَّمَ فلان المذكور في ذلك واشتمل عليها

واحتوى، ثم زعم أنها ضاعت من مُسْتَوْدَعِه، وأُخِذَتْ من مرْفَعِه. وأنا أضْرعُ إلى أمير المسلمين -

أيده الله - في مُخاطَبَتي بإِسْلامِها إليَّ، وصرفها عليَّ، والله تعالى يُبْقيه للعدل سِرَاجاً وهَّاجاً، ولا يُبقي

به منَ الأمور اعوِجاجاً.

وله في مثل ذلك:

أطال اللَّهُ بقاءَ الأمير الأجل، ناصر الدولة، ومحي الملة، الحميد الشِّيِم، البعيد مناطَ الهمم خافقة،

وآياتِ الأمل نافقة، لديه سنياتُ الأعمال، لو أنَّ النجومَ - أيدك الله - عن أفْلاكِها مُنْتَقِلَةٌ، وبمنازلها

مسْتَبْدِلة، لَمَا اتَّضحت إلا في جَبِينِكَ، ولا ارتاحتْ إلا إلى يمينك. هذا ومنها الثُّريَّا والسِّماك، ومَطالعها

بروجٌ وأفْلاك.

فكيف لا تَحْتَشِدُ لديك الهمم، وتَرِدُ موارِدَ نداكَ الأممُ، ومَكَانها

ص: 303

حضيض، وليس لها إشْراقٌ ولا وميض. وإنِّي وإنْ كُنْتُ منْ هذا الصِّنْفِ الأرضي، والجِنْسِ البشري،

فلي نفسٌ لا تقْنَعُ بمكانِها، ولا تقِرُّ إلا في مرفعِ كيوانها. فهي لا تُعَرِّجُ إلا على السُّها،

ولا تتفرَّجُ إلا في سدرة المنْتَهَى ولذلك لم تُبد

الابْتِسامَ إلا إلى مُلْكِك، ولم أرَ الانتظام إلا في سلكك، وقدْ سرتُ مسير الشمس، ولم يبقَ لي غَيْرُكَ من

ملوكِ الإنس، فما استسغْتُ عند ملِكٍ لهم جيشاً، ولا وجَدْتُ رقيقَهم إِلَاّ خَيْشاً، فعَلِمْتُ أنّي في فنائك

أستقر، وأنَّ عَيْني باجتلاء عينك تقر، فقوضتُ إليك رَحْلي، وبَشَّرْتُ بخِصبكَ مَحْلي، وجَعَلْتُ أخُبُّ

وأخِذ، ولا ألْوي على منْ أجد، إلى أنْ فَرَغْتُ من الأرض وصحوتُ منْ سراها، وقُرِّبَتْ لي الفُلْكُ

فقلتُ: (بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا) وما زلتُ بين قوادمها وخوافِيها، ألاحِظُ المنايا حيناً وحيناً أُوافيها، حتى حطَّ لي في جانِبِ

حضرتِكَ الشراعُ والسَّفينُ، وآويتُ منها (إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ) فقلت (ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ) وقَدَّمْتُ كتابي بين يدي لقائي، وجعلتُه طليعة رجائي،

ورَأْيُهُ - أيده الله - فيما يراه منْ تنويه الوصول، والتوجيه المأمولِ. إن شاء الله.

ص: 304

قال أبو إسحاق:

لم يذكر أبو نصر في جوازِ البحر إلا ثلاثَ كلمات، وأعْرَضَ عن ذلك إعْراضَ الخاشع عن

الملْهيات، وأمْسَكَ عنه إمساكَ الزّاهد عن الشهوات، وأيْنَ هو من قول أبي الوليد بن حزم طود الذكاء

والفهم في أبي العلاء بن زهر حيث يقول:

يا بن زُهرٍ طإِ الثريا عبيراً

وحصى البيد لُؤلؤاً وعقيقَا

وتلقَّ الهواء وهو طليق

كمحياك حين تلقى الصديقا

ما ترى الريح كيف هبتْ رخاء

لك بعد الهبوب ريحاً خَرِيقَا

وضحى البحر هيبةً لك لمَّا

جئته سالكاً عليه طريقا

غمَرَتْه من راحتيك بحارٌ

صاح من وجهها الغريق الغريقا

فَرِقَ اللج منه حين استطارت

منه أحشاؤه فريقاً فريقا

جُزْهُ ياابن الكرام أرضاً ذلولا

أو فَقُدْه إنْ شئتَ طِرفاً عتيقا

وانتض الحزمَ حيثُ كنتَ حساماً

واصحب النُّجْحَ حيث كنت رفيقا

ص: 305

وتفيأ عُلاكَ ظِلاًّ ظليلا

وتنشَّق ذكراكَ مسكاً فتيقا

ومنْ قولالرُّصافي أبي عبد الله المنزه عن التعقيد والاستكراه، حيث يقول في هذا المعنى من قصيد

فريد له في ملك متواضع أوَّاه:

تسنَّم الفلكَ في شط البحار وقد

نودين ياخير أفلاك العلا سيري

فسرنَ يحملن أمر الله من مَلِكٍ

بالله منتصرٍ بالله منصور

تومي له بسجودٍ كلّ مَحْرَكة

منها ويوليه حمداً كلّ تصدير

لما تسابقن في بحر الزُّقاقِ به

غادرن شطيه في شك وتَحيير

أهزَّ منْ موجه أثناء مَسرور

أم خاض من لُجِّه أحشاء مذعور

كأنَّه سالك منه على وشلٍ

في الأرض منْ مُهَجِ الأسياف مقطور

من السيوف التي ذابت بسطوته

وقد رمى نار هَيْجاها بتسعير

ذو المنشآت الجواري في أجرَّتها

شكلُ الغدائر من شكلٍ وتضْفير

من كل عَذْراء حُبْلى في ترائبها

ردْعانَ منْ عَنْبَرٍ وردٍ وكافور

تخالُها بين أيدٍ منْ مجاذِفِها

يَغْرَقْنَ في مثل ماء الورد مَبْخُورِ

ص: 306

ورُبَّما خاضَتِ التيارَ طائرُهُ

بمثل أجْنِحة الفَتْحِ الكواسير

كأنَّما عبَرَتْ تحْتالُ عائمَةً

في زاخرٍ منْ ندى يُمْناهُ معْصورِ

حتى رمتْ جَبَلَ الفَتْحَيْنِ منْ كَثَبٍ

بساطعٍ منْ سناهُ غير مبْهور

والقصيد طويل مستعذب في الأسماع والعقول.

وكتب أبو النصر أيضاً:

أطال الله بقاء الأمير الأجل شِهاب الرئاسة المُسْتَنارة، وحُسامها الماضي القرار، معْتلياً على أسلاكها،

مُغْتدياً بين فرْقَدِها وسماكِها.

كتبتُ، أيَّده الله، وقد حَلَلْتُ هذا الجَناب، ونزَلْتُ عن مُتُون الرِّكابِ، صادِراً عنْ قَلْعة حماد، وَمُسْرعاً

إسراعَ الجيادِ إلى الآمَادِ. وعندي من التطلُّعِ إلى علائهما ما لو كانَ بجفنٍ ما رمَقَ، أوْ بلسانِ ما نَطَقَ،

أوْ بنجمٍ ما ظهرَ، أو بفجر ما اشتهر. وقد كُنْتُ واليْت مطالعته منْ كلِّ أرضٍ، وقضيتُ منه كل سُنَّةٍ

وفرْضٍ، وأعْلنْتُ بإشعاره إعلاني بالإيمان، وكَلِفْتُ بشِيَمِه الطاهرة كلَفي بطاعة الرحمن. وما زالتِ

الأيامُ تعدُ لمفاوضَته وَتُمنِّي، وتُبْعِدُ سببَ مُداخَلَته وتُدْني، حتى قَرَّبْتُهُ تقريبَ اللفظ من المعنى،

وصرتُ منه قابَ قوسين أوْ أَدنى، فَعَصَفَ قَدَرٌ أجْرانِي بحكمه وقضائه، وعداني عن اقتداء ذلك الحظ

واقتدائه،

ص: 307

فأصْبحتُ في ديارِ بَكْرِ بْنِ وَائِل

ونُزِعْتُ عنْ تلكَ الرُّبا والخَمائل.

والآن أرْجو تقريب ذلك الوعدِ؛ إذْ كُنْتَ باقِياً على العهد. والأميرُ الأجلُّ يُحلُّني من اعْتِنائه مَحَلاًّ

رفيعاً، ويَشْفَعُ الوِدُّ الذي اتَّخَذتُهُ بينَ يدَيْهِ شفيعاً. إنْ شاء الله.

ص: 308