الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حَق التَأليف
للأستاذ حكمة الساطي
لم يكن حق التأليف معتبراً من الحقوق في العصور القديمة، ولم يظهر بصورة عملية وواضحة إلا في أواخر القرن الثامن عشر.
وقد اختلف الفقهاء والمشرعون في طبيعة هذا الحق القانونية، وفي نطاق أي نوع من أنواع الحقوق يمكن إدخاله. فاتجهت الآراء واتفقت وجهات النظر، في أواخر القرن الثامن عشر على اعتباره في نطاق حق الملكية. وقد وجد بعض العلماء، إن اعتبار حق التأليف حق ملكية، لا ينطبق تمام الانطباق على الواقع، لأن حق الملكية حق يتصف بصفة الديمومة، بينما حق التأليف موقوت لمدة معينة، يعود لمؤلفه ولورثته من بعده، حيناً من الزمن محدوداً، ثم يخرج عن ملكيتهم ليصبح حراً للناس أجمعين. ولذا اعتبره بعضهم امتيازاً للمؤلفين، نالوه مكافأة على ما أسدوه من عمل، وما أنتجته أقلامهم وما الفته أفكارهم. على أن أفكارهم بعضهم اتجهت أخيراً إلى أن اعتبار هذا الحق امتيازاً لا يتفق واعتباره حقاً للمؤلف، كما إن الامتيازات لا يقتضي ما يقتضيه الحق من صيانة ورعاية.
وقد ظهرت آراء معتدلة بين هذه الاختلافات العنيفة، تقضي بأن حق التأليف هو حق، وإن حمايته هي حماية لنشاط الفكر الإنساني، الذي يظهر فيما يبتكره من مؤلفات فنية أو أدبية أو علمية. تجول في فكره وتختمر على الأيام في نفسه، فيخرجها قطعة من قلبه، ويضعها في متناول يد الجميع.
وقد فاز هذا الرأي المتوسط فوزاً مبيناً في الأعوام الأخيرة، في أكثر التشريعات الأوربية.
على أن الدول لم تتفق على الأسلوب الذي تبني عليه حماية حق المؤلف. فهل يعتبر المؤلف حقاً للمؤلف يستغله بالشكل وبالصورة التي يريدها؟ أم إن للجماعة حقاً على التأليف لا تتنازل عنه؟ أم أنه حق للمؤلف يحميه القانون بقدر ما فيه من مصلحة الجماعة؟
إن الدول التي تأخذ بالمبادئ الفردية تعتبر، في حماية حق المؤلف، إن التأليف مظهر من مظاهر الشخصية الإنسانية، فتضمن للمؤلف أن يبقى سيد إنتاجه الفكري يستثمره ويستغله بالشكل والوجه الذي يريده ويبتغيه.
ولكن المبادئ الفردية تراجعت أمام المبادئ الاجتماعية، التي ظهر أثرها في التشريع
الأوربي بصورة خاصة، فقيدت القوانين الأوربية حق التأليف، بالنظر لما للجماعة من حقوق على المؤلف سواء أكانت معنوية أم مادية.
أما في سورية فإن حق التأليف هو حق ملكية للمؤلفين. وبذلك نرى إن الآراء والأفكار التي سادت في أواخر القرن الثامن عشر لا تزال ماثلة في أواسط القرن العشرين ومعمولا بها.
ويجري حق التأليف في سورية على جميع منتوجات أفكار المؤلفين وأقلامهم كالكتب والرسوم واللوحات والخرائط الجغرافية والمعمارية والموسيقا سواء من ناحية النظم أم من ناحية الألحان، وسواها. كما يشمل جميع دروس التسلية والروايات التمثيلية والمسرحية جزءاً أو كلاُ، والتربية والتعليم والوعظ، وكما يشمل أيضاً العنوان والاسم سواء أكان الاسم اسم جريدة أو مجلة أو كتاب.
هذا ويتضمن حق التأليف حقوقاً ثلاثة وهي حق الطبع والنشر والترجمة.
على إن التشريع المعمول به في سورية يورد شرطاً لحفظ هذا الحق للمؤلف، وهو أن تذيل الحقوق التي يراد حفظها بعبارة (الحقوق محفوظة)، حتى إذا لم يذكر مثل هذا القيد، كانت المقالات والرسوم وسواها غير خاضعة لهذا الحق، شريطة أن يذكر الناقل أو المنتحل مأخذها واصلها.
هذا وأن حق التأليف وإن يكن حق ملكية للمؤلفين على جميع ما أنتجته أفكارهم وما خطته أقلامهم، فإن هذا الحق لا يتصف بصفة الديمومة. فهو يعود للمؤلف مادام حياً، ويعود لورثته مدة ثلاثين سنة بعد وفاته. ويستثنى من شرط المدة، الألواح والمخطوطات والرسوم والخرائط الجغرافية والمعمارية. إذ يبقى حق تأليفها بعد وفاة صاحبها مدة ثماني عشرة سنة فقط. كما تستثنى المؤلفات المترجمة، إذ يبقى حق ترجمتها بعد وفاة المترجم خمس عشرة سنة فحسب.
أما الورثة: 1) أولاده وأزواجه 2) آباؤه وأمهاته3) أحفاده على السواء فطل طبقة من هذه الطبقات تحجب التي تليها، ويكون التوزيع بالتساوي فيما بينها. ولا يحق لغير المؤلف أو ورثته، في خلال المدة المذكورة آنفاً، أن يطبع شيئاً من المؤلفات أو يقوم بنشرها أو ترجمتها.
هذا، وإذا اشترك عدة أشخاص في تأليف كتاب ما أو ترجمته كتاب من الكتب، دون أن تكون مقاولة بينهم على عدد السهام التي تصيب كل واحد منهم من التأليف، كان حق التأليف أو حق الترجمة عائداً لهم جميعاً على السواء. حتى إذا مات أحدهم انتقل إلى ورثته حق الاستفادة من الأجزاء التي نشرت ومن آخر شريك منهم. أما إذا كانت هناك مقاولة ما بينهم فتجري أحكامها بينهم وتطبق عليه. لأن الشرط قانون الطرفين، والعقد شريعة المتعاقدين.
وإذا مضت مدة حق التأليف فيمكن لكل شخص أن يطبع أو ينشر أي مؤلف من المؤلفات أصبح بدون مالك.
إلا أن لوزارة المعارف أن تقرر نشر مؤلف قد نفذت نسخة أو لم يتمكن الورثة بعد وفاة الموروث من إعادة نشره، مع احترامها لحقوق الورثة في التأليف.
ولما كان حق التأليف، حق ملكية للمؤلف وللمترجم، كان لكل منهما ولورثتهما من بعدهما أن يبيعوا هذا الحق لغيرهم بموجب اتفاقية، أما بصورة دائمة أو لمدة معينة تنتهي بوقت محدود.
أما المؤيدات لهذه الأحكام، ولحفظ حقوق المؤلفين على مؤلفاتهم من التقليد فثلاثة:
1_
يغرم بالجزاء النقدي من خمس وعشرين ليرة ذهبية إلى مئة ليرة ذهبية أو ما يعادلها بالورق السوري حسب التسعيرة الرسمية.
2_
ويحبس من أسبوع إلى شهرين في السجن
3_
وتضبط الآثار التي طبعها وتعطى لصاحبها. شريطة أن يقدم المؤلف أو الورثة شكوى شخصية على تلك الجريمة.
فحق التأليف، باعتباره حق ملكية للمؤلفين، كما جاء في التشريع المعمول به في سورية، يختلف عن حق الملكية العقارية وملكية المنقول من وجوه منها:
1_
حق التأليف حق يعود لمؤلفه مدة حياته ولورثته بعد وفاته مدة محدودة من الزمن. بينما حق الملكية العقارية وملكية الأموال المنقولة يعود لمالكه مدة حياته ولورثته بصورة دائمة.
2_
حق التأليف يمكن بيعه من قبل المؤلف لمدة معينة من الزمن بموجب اتفاقية، ثم استعادته بعد مضي المدة، بينما حق الملكية العقارية والأموال غير المنقولة لا يمكن التنازل
عنها لمدة معينة بطريق البيع.
3ت حق التأليف يعود لورثة محصورين في القانون بعد وفاة المؤلف على التساوي بينما حق الملكية العقارية والأموال المنقولة يعود المورثة الشرعيين حسب الفريضة الشرعية.
4_
حق التأليف يعتبر حقاً منقولاً، ينقل ويتنازل عنه وفقاً لقواعد الحقوق المدنية، إلا أنه لا يمكن الحجز على هذا الحق. بينما حق الملكية المنقول وغير المنقول يمكن الحجز عليه.
وقد قدم مشروع لجامعة الدول العربية لتوحيد حماية حق المؤلف في تشاريعها فتصبغ بذلك حماية حق المؤلف صبغة دولية. وذلك بالنظر لعدم وجود قوانين متنافرة ومتباينة في دول الجامعة العربية، وبالنظر لوجود هذه الدول بدرجة متقاربة أدبياً وفنياً، فضلا عن وحدة اللغة والتقارب الظاهر بالتفكير. ولا يزال المشروع موضوع دراسة ومناقشة، وسوف لا تمضي مدة من الزمن، حتى تتزلل الصعوبات الدولية التي تعترض وجود تشريع موحد في دول الجامعة العربية
حكمة الساطي