الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الكاتب: محمد رشيد رضا
الأخبار والآراء
(نصيحة لمسلمي بيروت عامةً وفتيانهم الشجعان خاصةً)
إنني في كلامي عن البلاد السورية قد فضلتكم على غيركم، ورجوت منكم
لخير البلاد ما لم أرجُه من سواكم، وإنما كتبت ما اعتقدت، بحسب ما رأيت
واختبرت؛ تنشيطًا للعاملين، وتنبيهًا للخاملين، ذلك بأنني رأيت من احترام الحرية
عندكم، ما لم أر مثله في طرابلس ولا دمشق ولا غيرهما من البلاد، ورأيت فيكم
حركة إلى العلم والتربية، لم أر نظيرها - على ضعفها - في غير بلدكم، فحمدت
الله - تعالى -على ذلك وحمدتكم.
ثم إنني أقمت في بلدكم سبعة أسابيع متصلة بعد تينكم الزيارتين المتعاقبتين،
فرأيت فيه أمرًا استنكرته وحزنت لأجله حزنًا شديدًا، فأحببت أن أنصح لكم فيه
كتابة، كما نصحت فيه لكثير منكم مشافهة وخطابة؛ عسى أن تكون الكتابة أعم
وأنفع، ولا أقول: إن هذا الأمر المنتقد خاص بكم، وإنما أرجو أن ترجعوا عنه
بمجرد النصيحة، وربما بقي عند غيركم إلى أن تتكون الحكومة الجديدة وتستقر،
فترجعهم عنه بالقوة القاهرة، إن لم يرجعوا خوفًا منها.
ذلك الأمر المنكر: هو ما ذكرته في آخر خطاب ألقيته في نادي الجامعة
العثمانية عندكم (ونشرت محصله في هذا الجزء) ؛ وأعني به إزعاج الحرية
الشخصية في بعض الأوقات لا سيما حرية أصحاب الصحف. وقد حمدكم العقلاء؛
لاستنكاركم حادثة الشام، وحملكم على المفسدين الذين أثاروا الفتنة فيها؛ كراهية
لحرية العلم والاستقلال في فهمه ونشره. ولكن جرائد الشام الآن أوسع حرية من
جرائدكم، كما يعلم ذلك جميع القراء منكم، فهل ترضون بهذا الانقلاب؟
كاد يقع الخصام بل الالتحام بين طائفتين منكم؛ لأن شيطانًا من شياطين
الإنس وسوس إلى بعضهم: أن جريدة كذا نشرت آية من القرآن الكريم، ونشر
القرآن في الصحف إهانة له، فيجب أن يهان صاحبها حتى لا يعود إلى ذلك. ذكر
ذلك في مجتمع فيه كثير من العامة والخاصة، فاشتد في الإنكار بعض الشبان،
فانبرى للدفاع عن صاحب الجريدة آخرون من أبناء حيه، فتساهل الأولون،
وانتهى الكلام بانتداب رجلين لسؤال صاحب الجريدة عن حقيقة الأمر، ولما جاءهم
للسؤال كنت عنده، وكان هو قد خرج لحاجة، فراجعنا جريدته أولاً، فلم نجد فيها
شيئًا من القرآن، وأقنعتهما بأن الإهانة لا تكون إلا بالقصد، وأن من يقصد إهانة
القرآن بعمل عمله يصير به مرتدًّا لا عاصيًا فقط، ولا يقع هذا من مسلم، وإنما
يكتب الآيات من يكتبها؛ لأجل أن يكون في كلامه روح ربانية مؤثرة ينفع بها
القارئين. وقلت لهما: إن جميع جرائد المسلمين في مصر وفي بيروت وغيرها من
البلاد تزين بعض كلامها بالآيات الكريمة وتناولت من جرائد كانت بجانبي نسخة من
المؤيد، فأطلعتهما على عدة آيات فيها، بعضها في خطبة لأحد الأساتذة بنظارة
المعارف المصرية، ومازلت بهما حتى خرجا مقتنعين بأن من من حرك هذه
الفتنة لم يكن مخلصًا في قوله، وقبَّلا يدي بعد أن كان حديثهما معي حديث الخصم
مع الخصم، فدل ذلك على حسن نيتهما.
ثم إن صاحب جريدة أخرى كتب في جريدته أن المسلمين مقصرون فيما
يجب عليهم من العناية بالتربية والتعليم، وما تقتضيه حال العصر من سعة الثروة،
وأن جيرانهم وخلطاءهم من النصارى قد سبقوهم في هذا المضمار. فوسوس شيطان
التفريق إلى بعض الفتيان المتحمسين قال: إن صاحب جريدة كذا قد أهان المسلمين
وفضل النصارى عليهم، فاضطربوا وغضبوا، وأخذ بعضهم نسخًا من بائع تلك
الجريدة فمزقها، وحاول طائفة منهم إهانة الكاتب بل أهانه بعضهم بالفعل، وطاف
آخرون على بعض المشتركين بالجريدة، فرغبوا إليهم أن يقطعوا اشتراكهم فيها.
وقد رأيت شابًّا يتأثر صاحب هذه الجريدة في بعض الشوارع، فلما رآني
استوقفته وتحدثت معه، ثم تركته تبعني، وسألني عما كتبه عن المسلمين فقلت له:
كتب كيت وكيت؛ ليحث المسلمين على إنشاء المدارس والعناية بتربية أولادهم،
حتى يكونوا أرقى الأمم وأعلمها، وعلى تحصيل الثروة؛ ليكونوا من أغنى الناس
وأعزهم. وأقنعته بأنه لا يعقل أن يكون قصد إهانة أهل دينه الذين يهان بهوانهم،
ويعتز بعزتهم، ويشرف بشرفهم، من غير أن يكون له فائدة في ذلك، ولا مجال
للقول بأن له فائدة أو ربحًا من الإهانة، ثم ذكرت له شيئًا من مفاسد هذا الشقاق
الذي يلقبه بعض أهل الأهواء بين المسلمين، وهو أضر عليهم لا سيما في هذا
الوقت من كل ما يتصور أن يضرهم. فانثنى مقتنعًا شاكرًا.
هذا ما تركت عليه بيروت يوم سافرت منها، وقد دخلت القاهرة ليلة الخميس
وفي اليوم الثاني من وصولي إليها صليت الجمعة في أحد المساجد، فإذا بالخطيب
فيه يصدع الناس بوعظ يقول فيه ما معناه: إنكم قد تركتم الإسلام، وأين الدليل
على إسلامكم وأنت تعملون كذا وكذا، حتى قال: وتشبهت نساؤكن بالعاهرات،
فقلت في نفسي: لو كان هذا الخطيب في بيروت لأنزلوه عن المنبر بالقوة، ومنعوه
من إتمام الخطبة.
مع هذا كله أقول الآن كما قلت من قبل: إن مسلمي بيروت أقرب إلى الخير
والاستعداد للترقي من غيرهم، وأبعد عن الفتن التي تحول دون الأعمال النافعة،
وأكثر ما ينتقد عليهم مما ذكر يقع منهم بحسن النية غالبًا، لا أعرف فيهم رجلاً واحدًا
يحب إثارة الفتن بسوء نية، ولعلة يندر أن يوجد له أقتال ونظراء في ذلك.
فالذي ننصح به لهم ولغيرهم هو: أن يعلموا أنه لا شيء أضر على الأمم من
التفرق والشقاق لأجل الخلاف في الفهم والرأي، سواء كان في أمر الدين أو أمر
الدنيا، فضرر أكبر الكبائر - كالقتل والزنا وشهادة الزور - هو دون ضرر التفرق
والشقاق في الأمة؛ لأن هذا الجرم هو المانع من وحدة الأمة وعزتها وقوتها، وهي
متى قويت تقدر على منع سائر الجرائم، ومتى كانت ضعيفة بالتخاذل لا تقدر على
منع شيء من المفاسد، ولا على إقامة شيء من المصالح. ولذلك توعد الله - تعالى-
على التفرق والخلاف بما لم يتوعد على غيره، بل جعل المتفرقين في الدين براء
من النبي صلى الله عليه وسلم ومن دينه فقال {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً
لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} (الأنعام: 159) وأنزل يوم تلاحى نفر من الأوس
والخزرج، وذكروا ما كان من مشاقة بعضهم لبعض يوم بعاث {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ
اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ
فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ
آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ
عَنِ المُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا
جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (آل عمران: 103-105) .
فالمتدبر للقرآن يرى أنه تعالى ينهانا ويحظر علينا التفرق والخلاف، ويحتم
علينا أن نكون إخوة متحابين، ويفرض علينا مع ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر، ومن أهان أخاه واحتقره أو آذاه؛ لأنه قال أو كتب ما يخالف رأيه، لا
يكون آمرًا بالمعروف، وهل يوجد أحد من الناس يقول: إن الإهانة والإيذاء من
المعروف؟ ؟ وإذا كان الله تعالى قد أمر نبيه بأن يجادل المشركين بالتي هي
أحسن، فهل يرضى منا أن نجادل إخواننا المؤمنين بالتي هي أسوأ وأقبح؟ أما ما
قال الله عز وجل {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم
بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (النحل: 125) أما قال مع ذلك: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن
كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً} (الأحزاب: 21) .
إن الله تعالى ما ذكر فرضية الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر مع النهي عن التفرق والاختلاف؛ إلا لأن هذه الفريضة هي سياج وحدة
الأمة وحفاظها، فإقامتها تمنع التفرق، كما قال الأستاذ الإمام: فإذا جعلنا الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر سببًا للتفريق والخلاف والعداوة بين المسلمين، نكون
قد قلبنا مقصد الدين، ونقضنا ميثاقه، وقطعنا ما أمر الله به أن يوصل، وأفسدنا
في الأرض {وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن
يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} (الرعد: 25) .
للأمر بالمعرف والنهي عن المنكر شروط وآداب، فصلناها في التفسير
المنشور في الجزئين الثامن والتاسع من مجلد المنار العاشر، ولا يصلح لها على
الإطلاق إلا أهل العلم والعرفان فأي إفساد في الدين والدنيا شر من إغراء العامة
بالافتيات على أهل العلم، وحملة الأقلام، والتصدي لأمرهم ونهيهم. بل وجد من
شياطين الإفساد والتفريق من إغراء العامة بمنع بعض خطباء المساجد من خطبة
الجمعة! ! حدثني بذلك بعض شبان بيروت، فقلت له: إن الخطبة فريضة دينية
كالصلاة، فهل يجوز لنا أن نمنع مسلمًا من أداء الصلاة؛ لأننا غضبنا منه بحق أو
بباطل؟ إذا جاز لنا هذا، جاز لنا أن نمنع كل من أذنب ذنبًا من أداء الصلاة
والصيام والزكاة والحج، وأن نشترط العصمة في كل طاعة من الطاعات. ولا
يبيح لنا ديننا أن نقول بعصمة أحد بعد الأنبياء، وقد ختم الله تعالى ببعثة نبينا
صلى الله عليه وعليهم أجمعين وسلم، ولم يقل أحد من المسلمين الذين يعتد أحد من
بعده؛ إلا ما قاله الإمامية من الشيعة في الأئمة الاثني عشر من آل بيت النبي
بإسلامهم بعصمة عليه وعليهم السلام.
فعلم مما بيناه: أن التصدي لإهانة الناس الذين يظن أو يعلم أنهم أخطأوا هو
من المفاسد المحرمة شرعًا، والقبيحة عقلاً، وكل من يغري بها شيطان رجيم يجب
عصيانه، والبعد عنه، والاستعاذة بالله من شره. والاجتماع لأجل هذه الجريمة
والتعاون عليها يزيد في قبحها وإثمها قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا
تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ} (المائدة: 2) .
بعد هذا كله، أقول لفتيان بيروت الذين يعرفون بلقب (الأبضايات) : إنكم
أيها الشجعان البواسل، قد عطَّرتم الأرجاء بمحمدة عظيمة، ظهرت منكم في أيام
إعلان الدستور، ولا تزالون تحافظون عليها، حتى أثنى عليكم العقلاء في غير
بلادكم، بما لم يثنوا به على سواكم؛ ألا وهي محاسنة خلطائكم وعشرائكم في وطنكم
من المشاركين لكم فيما عدا الدين من شؤون الحياة. فهل يليق بكم بعد فضيلة
مسالمة هؤلاء أن تتلوثوا برذيلة معاداة من يشاركم في كل شيء حتى في الدين،
فتكونوا كمن نزل فيه قوله تعالى: {بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَاّ يَعْقِلُونَ} (الحشر: 14) ؟ حاشاكم أن ترضوا بذلك عالمين به،
وإنما يغشكم الغاشون، فلا تكونوا آلة لهم في أهوائهم.
لا أقول: إنه ينبغي أن تخدموا بلدكم بإتقان كل واحد منهم لعمله فقط، فإنكم
تستطيعون أكثر من ذلك. إنكم تستطيعون أن تتعاونوا دائمًا على منع العدوان،
حتى يصير نادرًا، وتتعاونوا على إصلاح ذات البين عندما يقع شقاق أو خصام بين
اثنين أو جماعتين. ولكنكم لا تقدرون على الهيمنة على العلماء والسياسيين،
والمراقبة على الخطباء والمحررين، ونفع الأمة بإيقاف هؤلاء عند حدود لا
يتعدونها. وإنكم إذا تصديتم لذلك تضرون الأمة ضررًا عظيمًا. ولا تستقلوا ما قلت:
إنكم لا تستطيعونه؛ فإنه أمر عظيم مقدم على كل أمر؛ لأنه يتعلق بالأمن
والراحة العمومية، وهو أول شيء تطالب به الحكومة، فإذا قمتم في بيروت بعمل
لا تزال الحكومة مقصرة فيه في كثير من البلاد، فإنكم تستحقون من الناس الثناء
الجميل، ومن الله الثواب الجزيل.
_________
الكاتب: محمد رشيد رضا
رحلة صاحب المجلة في سورية
(4)
حمص وحالها الاجتماعي:
سافرت في اليوم الثاني من شوال من بعلبك إلى حمص، والمسافة بينهما في
القطار الحديدي ثلاث ساعات، وقد وصل القطار إلى محطة حمص الساعة 8.45
دقيقة مساء، فإذا بالصديق الكريم والولي الحميم السيد عبد الحميد أفندي الزهراوي
ينتظرني فيها مع طائفة من أهل العلم وكرام البلد في مقدمتهم الشيخ أحمد نبهان
الذي حببه إلينا على البعد ما نمي إلينا من عقله وحبه للإصلاح مع علمه وحسن
سيرته.
أقمت في حمص أربع ليال وثلاثة أيام في دار الزهراوي، ولقيت فيها أكثر
أهل العلم والمكانة من المسلمين والنصارى، إذ كانت الدارغاصَّة بهم ليلاً ونهارًا،
وقد رأيت في هذه البلد من الوفاق بين الفريقين وحسن الألفة، ما لم أر له نظيرًا
في سائر البلاد السورية ولا بيروت، فإن جل ما مدحناه من أهل بيروت هو ترك
التقاتل والتسافك، ولا يزال كل فريق بعيدًا عن الآخر في المعاشرة والمعاملة إلا ما
لا يخلو منه مكان بحكم طبيعة الاجتماع وحاجة بعض الناس إلى بعض، حتى إنني
قلت لكثيرين منهم: إنني أرى الوفاق الذي حمدناه لكم على البعد سلبيًّا لا إيجابيًّا،
وصرحت بذلك في نادي الجامعة العثمانية، ودعوت الناس في خطبة خطبتها في
ذلك إلى التزاور والتعامل وغير ذلك من أعمال الوفاق الإيجابي.
وقد كنا توهمنا ونحن بمصر أن الشقاق بين مسلمي حمص ونصاراها شديد؛
لحادثة جرت في الاحتفال بعيد الحرية كبرتها الجرائد، فوجدنا الأمر على ضد ما
كتب في ذلك. فإنني ما رأيت في بيت من بيوت طرابلس ولا بيروت مثلما رأيت
في بيت الزهراوي من اجتماع الفريقين كل ليلة من ليالي الشتاء للسمر ومبادلة
الآراء.
ثم إنني لم أر في حمص ما رأيت في غيرها من الاضطراب والاعتصاب
والافتيات على الحكام، والتبرم من جمعية الاتحاد والترقي. ومن أسباب ذلك أن
أعضاء لجنة الجمعية المركزية كانت مؤلفة من أناس مؤتلفين متعارفين، لا ينقم
الناس منهم شيئًا، ولا يشكون منهم إهانة ولا شذوذًا، وقلما اتفق هذا للجنة أخرى
كما يعلم مما نكتبه بعد عن الجمعية.
نعم إنه ينتقد على أهل حمص ما ينتقد على أهل طرابلس من الخمول
والسكون، فهم لم يشرعوا في عمل مفيد للبلاد ، وقد حثثت طائفة من الوجهاء على
تأليف جمعية خيرية إسلامية؛ لأجل إنشاء المدارس الأهلية، ومساعدة الفقراء على
تربية أولادهم وتعليمهم، فألفيت منهم ارتياحًا واستحسانًا، وقد مرت الشهور ولم
يشرعوا في العمل. ولكننا لم نيأس من همتهم وغيرتهم، فعسى أن يسمع منهم عن
قريب ما تقر به العين.
هذا وإن عمران حمص ينمو نموًّا عظيمًا، والزراعة والصناعة تتقدم فيها
تقدمًا مبينًا. ولكنها متخلفة عن طرابلس في ترف الحضارة، وإن كانت سابقة لها
في مضمار العمران، بل هي وسط من التأنق في الأطعمة بين مثل طرابلس
وبيروت ودمشق، وبين القرى الكبيرة التي يوجد فيها أغنياء يعيشون في بلهنية،
فالظاهر أن التأنق في حمص خاص ببعض أهل السعة والبيوت المطروقة، وإن
الفقير في طرابلس ليتنوق في طعامه ما لا يتنوق الأغنياء في كثير من المدن.
وإني لأعلم أن المصري المقيم في القاهرة نفسها الذي يزيد دخله في الشهر على
دخل الطرابلسي في السنة، لا يأكل من الحلوى في السنة كلها بقدر ما يأكل
الطرابلسي منها في شهر واحد، فقلة التنوق في الأطعمة بحمص محمدة لها عندي
إذا كانت تحفظ ثروتها من التلف في غير ذلك من ضروب السرف، وتجعل حظًّا
منها عظيمًا للتعليم والتربية.
طرابلس أيضًا
سافرنا من حمص قبيل الفجر من يوم السبت سادس شوال (31اكتوبر) في
مركبة من مركبات (شركة الشوسة) فوصلنا إلى طرابلس بعد العصر، وطفقت
أتهيأ للسفر إلى مصر، وكنت عازمًا على السفر في يوم السبت التالي لهذا السبت
(13 شوال و7 نوفمبر) . ولكن عرض ما حال دون ذلك.
جمعية خيرية إسلامية بطرابلس
وفي يوم الأربعاء (10 شوال) رغبت إلى مفتي طرابلس أن يقوم بتأليف
جمعية خيرية إسلامية كالجمعية التي بمصر، وذكرت له موضوعها وأعمالها
ووجوه الحاجة إلى مثلها في طرابلس، وأهمها إنشاء المدارس لتعليم أولاد الفقراء
على نفقة الجمعية، وأولاد الأغنياء بالأجرة. فأجاب بأنه مستعد لذلك بماله وحاله
واستحسن أن أدعو الوجهاء والأغنياء إلى ذلك، فقلت له: أنت كبير البلد وزعيمها
وأنا قد صرت غريبًا أو كالغريب؛ لأنني مسافر بعد ثلاث، فإذا لم تقم أنت بهذا
العمل لا ينجح. ثم رضي بأن يكون هو الداعي لهم إلى الاجتماع، على أنهم متى
اجتمعوا أخطبُ فيهم، فإن أجابوا الدعوة التي أوضِّحُها لهم، أُبَيِّن وجه الحاجة إليها
كان هو أول العاملين والمساعدين في التنفيذ.
وأقول ههنا: إن رشيد أفندي كرمي مفتي طرابلس على كونه سيد بلده،
وأوسع أهلها ثروة وجاهًا؛ هو أقرب وجهائها وأغنيائها إلى الخير، وأبعدهم عن
كل شر، وأطيبهم نفسًا، وأبسطهم مع القصد والروية يدًا، كما يظهر ذلك لمن
يعاشره، وخلافًا لما عليه أكثر الأغنياء في بلادنا، فهو لا يدع لطالب الإصلاح في
العلم أو العمل حجة عليه، بل يجيب كل داعٍ إلى خير كعبد الرحمن باشا اليوسفي
في دمشق. ولكن لا يقدم واحد منهم على ابتكار العمل والنهوض به، بل يقولان
مثلما كان يقول هنا حسن باشا عاصم - رحمه الله تعالى -: أوجدوا العمل وطالبوني
بالمساعدة أجبكم إليها. وإنما كان هذا يساعد بالعمل، وذانك يساعدان بالمال فهما
خير أغنياء بلادهم.
وكان عذر حسن باشا عاصم في عدم الإقدام على الابتكار وإيجاد
(المشروعات) : هو عدم الثقة بإجابة الناس وثباتهم على العمل. ولابن اليوسف في
دمشق وابن كرامي في طرابلس مع مثل هذا العذر أعذار أخرى؛ ككثرة
أعمالهما، وما لا حاجة إلى بيانه الآن من حال البلاد وغير ذلك.
ذهبت في ذلك اليوم (الأربعاء) إلى القلمون، فهيأت ثيابي وحاجي
وأرسلتها إلى الميناء في يوم الجمعة، وعدت إلى طرابلس مع كثرة الأمطار مساء؛
لأن المفتي كان وعدني بجمع الوجهاء ليلة السبت؛ لأجل تأسيس الجمعية الخيرية،
فألفيته قد أرجأ دعوتهم؛ للاشتغال بانتخاب المبعوث عن طرابلس؛ لأن الولاية
أمرت بإتمام الانتخاب يوم السبت، ولكثرة الأمطار التي كان يظن أنها تحول دون
عودتي من القلمون على قرب المسافة، وقال: إن أقرب وقت يمكن أن يجتمعوا
فيه، إذا نحن دعوناهم بعد انتخاب المبعوث غدًا هو ليلة الثلاثاء، فرأيت أن أرجئ
السفر أسبوعًا؛ لأجل إتمام هذا العمل الشريف.
ملخص خطبته
وفي ليلة الثلاثاء اجتمع في دار عمر باشا المحمدي نحو من عشرين رجلاً؛
إجابة لدعوة المفتي، وهم من وجهاء لواء طرابلس لا المدينة نفسها فقط. فخطبت
فيهم خطبة بينت فيها فوائد الجمعيات وأنواعها وتأثيرها في ترقية البشر في العلوم
والأعمال الدينية والدنيوية، وكون الخيرية منها من الضروريات التي لا يخلو منها
بلد من البلاد المرتقية، حتى إن الرجل الإفرنجي إذا مر في سياحته على بلد وأراد
أن يبذل شيئًا من ماله لمساعده فقراء أهله، فإنه إنما يرسله إلى الجمعية الخيرية في
ذلك البلد، وربما وضع أحدهم حوالة مالية في كتاب وكتب عليه (الجمعية الخيرية)
ووضعه في صندوق البريد؛ من غير أن يسأل هل يوجد في هذا البلد جمعية
خيرية أم لا؟ كأن الجمعيات الخيرية من الأمور الضرورية التي لا يمكن أن يخلو
بلد منها. وذكرت ذلك المشعوذ الذي جاء القاهرة، وأراد بعد أن ربح بألعابه فيها
ربحًا عظيمًا؛ أن يخصص ليلة يجعل دخلها للجمعية الخيرية الإسلامية فيها، فكان
ذلك سبب تأسيس الجمعية الخيرية الإسلامية.
ثم قلت: أيها السادة، إن حكومتكم قد دخلت في طور جديد، فصارت
ديمقراطية أمرها بيد الشعب بعد أن كانت استبدادية شبه الأرستقراطية؛ بما
للأغنياء والشرفاء من النفوذ فيها. واعلموا أن كثيرًا من الأحرار الذين انقلبت
السلطة الاستبدادية بسعيهم متطرفون في الديمقراطية، وأن معظم الأحكام ستكون
في أيديهم عاجلاً أو آجلاً، وأن الشعب سيشعر بهذا، فندب إليه كراهية الكبراء
والأغنياء فيكرههم، وتنفخ فيه روح الاشتراكية فيهيج عليهم بالفعل، فإذا جاء
طرابلس متصرف متطرف من الديمقراطيين الذين أشرت إليهم، وكان والي الولاية
منهم أيضًا، فاعلموا أن ما تعودتموه من الجاه والكرامة في وطنكم لا يبقى لكم؛ إلا
إذا كان الشعب يحبكم بتحببكم إليه قبل ذلك، وإلا دهوركم أسقطكم كما فعلت قبله
الشعوب الإفرنجية بأولئك النبلاء الذين كانوا يملكون أوروبا؛ ويتصرفون فيها
تصرفًا لم تصلوا إلى مثله من كونت ودوق ومركيز، ثم يقوم من طبقات الشعب
الدنيا من يتولى الزعامة في البلاد بحق أو بغير حق. وما أظن أن صدوركم تنشرح
لتلك الحال، ولا أن أعينكم تبتهج برؤيته. وإنني أحب أن تكونوا أنتم زعماء بلدكم
في زمن الحرية وتحت ظل الدستور؛ بأن تتحببوا إلى الشعب مذ اليوم بنشر
التربية والتعليم فيه، ومواساة الفقراء والمساكين من أهله.
إنني لا أحب الأرستقراطية وإن كنت من بيت شريف، وإنني مازلت من
دعاة الديمقراطية بلسان السياسة ولسان الدين، وإنما أميل إلى بقاء زعامة وطني
في وجهائه وإياكم أعني؛ لاعتقادي أنه لا يوجد في دهمائه من يصلح للزعامة كما
وجد في فرنسا عندما صارت ديمقراطية.
الفرق بيننا وبين فرنسا بعيد، إن فرنسا كانت قبل ثورتها المشهورة قد
استعدت ما لم نستعد بمثله نحن اليوم، حتى نبغ فيها من دهماء الشعب من
يصلحون للزعامة: بعلومهم وأعمالهم وآرائهم وأخلاقهم.
إنني لعلمي بهذا الفرق، ولما رأيت في بلاد مصر التي تمتعت بالحرية قبل
بلادنا من العبر وهبوط قوم وصعود آخرين، أقول ما أقول عن خبرة وبصيرة
وأحب أن نعتبر نحن العثمانيين بحال الأمة الإنكليزية التي هي أعرق الأمم في
الحرية وأكثرهن استفادة منها، فهي الأمة التي حافظت على كرامة النبلاء وحرمة
البيوتات فيها بعد الديمقراطية الراسخة، واستفادت من ذلك كثيرًا. ورأى أن إسقاط
الشعب لكرامة أصحاب البيوتات منا، وتسلق أفراد الطبقات الدنيا للزعامة فينا مع
ما هم عليه من الجهل يقف في طريق نهضتنا، وإن عناية وجهائنا بحفظ كرامتهم
وحرصهم على أن يكونوا هم زعماء الشعب، يكون أسرع في تقدمه إذا هم أتوا
البيوت من أبوابها، فإنهم في الغالب على شيء من الأخلاق والعلم أو الاختبار.
ثم قلت: إن خدمة الأمة والتحبب إليها، إنما يكونان بالتعاون على تربية
أولادها، وتعليمهم ما به قوام حياتهم، ومواساة المنكوبين والمعوزين من فقرائها،
وذلك لا يتيسر إلا بتأليف جمعية خيرية، يجعل معظم ريعها لإنشاء المدارس وباقية
لإعانة المنكوبين والمعوزين، وهذا ما أدعوكم إلى الاكتتاب له بلسان فضيلة المفتي
الحريص على هذا العمل المبرور، الراغب في هذا السعي المشكور، وسيجمعكم
في ليلة أخرى؛ لأجل المذاكرة في القانون الذي يوضع لذلك، وانتخاب الأعضاء
العاملين. ثم شرعنا في الاكتتاب، وافتتحه المفتي في ورقة كتبت في أعلاها ما
نصه:
بسم الله الرحمن الرحيم
{وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى} (المائدة: 2) .
هذا بيان ما تبرع به الذوات المذكورة أسماؤهم بخطوطهم أدناه؛ لتأسيس
جمعية خيرية إسلامية في طرابلس الشام؛ لنشر التعليم الديني والدنيوي على
الطريقة العصرية؛ ولإعانة المصابين والمنكوبين المعوزين بمقتضى قانون يجري
العمل بموجبه بعد إقرار المكتتبين له في اجتماع خاص، وقد جرى هذا في ليلة 16
شوال سنة 1326 للهجرة الشريفة.
أسماء المكتتبين لتأسيس جمعية خيرية إسلامية بطرابلس الشام
ونذكر أسماء المكتتبين مع الألقاب، وهم كتبوها مجردة كما هي العادة،
ونرتبها على حسب قيمة الاكتتاب.
ليرة عثمانية
100 مفتي اللواء رشيد أفندي كرامي.
100 عمر باشا المحمد من أعيان اللواء.
030 عثمان باشا المحمد.
020 علي باشا المحمد.
020 مصطفى أفندي عز الدين من كبار التجار.
010 عبد القادر باشا الملا رئيس شركة الترام والشوسي.
005 إبراهيم بك الأحمد من الأعيان.
ليرة عثمانية
005 أحمد أفندي سلطان وكيل الدعاوى (المحامي) .
005 خير الدين بك عدره من كبار التجار.
005 عبد الحي أفندي الملك من الوجهاء.
005 عبد القادر أفندي القباني البيروتي الشهير (وكان في طرابلس) .
005 عبد القادر أفندي الذوق من كبار التجار.
005 محمد فؤاد أفندي الذوق.
005 محمد سعيد بك (مميز قلم متكوبجي الولاية) الذي كان وكيل
المتصرف يومئذ.
005 محمد كامل بك البحيري صاحب جريدة طرابلس.
003 عبد اللطيف أفندي الغلاييني وكيل الدعاوى.
003 محمود أفندي الحداد من التجار.
002 الشيخ إسماعيل أفندي الحافظ رئيس كتاب المحكمة الشرعية.
002 صبحي بك شريف.
001 عبد الرحمن أفندي أديب من التجار.
336 المجموع
وقد وعدني بعض هؤلاء بأن يدفعوا أكثر مما كتبوا، منهم مصطفى أفندي
عز الدين، والشيخ إسماعيل أفندي الحافظ، كما وعد بعض من حضر وكتب اسمه
ولم يعين مبلغًا كعبد الله أفندي الثمين من كبار الوجهاء أصحاب النفوذ الأدبي في
اللواء وعضو مجلس الإدارة الآن.
هذا وإن الذين أجابوا الدعوة وحضروا الاجتماع هم زهاء خُمْس من دعاهم
المفتي ، وقد أَبَى حضورها بعض المفتخرين بالمجد التليد الذين يرون أنهم
يستغنون به عن المجد الطريف، ومنهم من صار يسعى بعد ذلك في إبطال العمل
ويثبط عنه، وكان لسعيهم هذا تأثير أوقف التنفيذ إلى أجل، ولولا ذلك لما ذكرت
من أمر هذه الجمعية إلا أن جماعة من أهل الفضل في طرابلس أسسوا جمعية
خيرية إسلامية، فلهم الشكر والثناء.
يوجد في كل بلد أفراد مجردون من حب الخير، ويرون أنهم أهل لأن
يوصفوا بكل خير، ويؤلمهم منظر الخير في غيرهم؛ لأنه بعمله تحلى بما أعوزهم
وأعجزهم، فهم يقعدون بكل طريق من طرق الخير يصدون عنها ويبغونها عوجًا.
لأجل هؤلاء أحب مفتي طرابلس أن لا تؤسس الجمعية الخيرية إلا بعد دعوة جميع
الوجهاء، حتى لا يعتذر بعد ذلك أعداء الخير بأنهم لا يساعدون هذا العمل؛ لأنهم
لم يدعوا إليه عند التأسيس، ونِعْم ما أحب وما رأى.
على أن بعض من دُعِي ولم يجب ممن ذكرنا وصفهم، انتدبوا لإحباط العمل
والتثبيط عنه، حتى إن منهم من لم يستح من مخاطبة المفتي نفسه بذلك، ولما لم
يجد وجهًا وجيهًا للتثبيط قال له: إنه لا ينبغي لسماحتكم أن تقوموا بهذه الجمعية عن
دعوة فلان، فأجابه المفتي جواب العاقل الفاضل، فقال أولاً: إن هذا العمل خير لا
ريب في نفعه وفائدته، فسواء كان من دعاني إليه دوني أو مثلي أو فوقي لا فرق
في ذلك، وثانيًا: أن الداعي إلى ذلك هو واحد منا، ومن أهل العلم والشرف فينا،
وليس له منفعة شخصية ولا غرض ذاتي حمله عليه، ولا هو يريد الإقامة في هذه
البلاد، فنقول: إنه ينفرد بشرف العمل فيه حبًّا بالشهرة
…
إلخ.
إنني لما علمت بمثل هذا القول الذي قيل للمفتي ولغيره، كففت عن السعي
فيما كنت آخذًا فيه من تأليف لجنة مؤقتة؛ لإدارة العمل والدعوة إليه إلى أن يشترك
في الجمعية عدد كثير تتألف منه الجمعية العمومية التي تنظر في القانون؛ وتنتخب
من أفرادها أعضاء الإدارة. وكنت أسعى إلى من أظن فيهم الخير في بيوتهم
ومحال عملهم. وإنما كففت لأرى ماذا يصنع المعذرون أو المثبطون، هل يتفقون
مع المفتي وينهضون لعمل أم يرتاحون إلى السكوت عنه؛ لأنه هو المقصود لهم
بالذات؟ فتبين بعد ذلك أنهم لا يريدون إلا إحباط العمل؛ لأنهم لا يعلمون الخير،
ولا يحبون أن يعمله غيرهم.
وقد كتبت في مذكرتي في أوائل شهر ذي القعدة ما نصه: ذكر لي غير واحد
من الوجهاء أن نجاح الجمعية الخيرية الإسلامية بطرابلس لا يرجى، وأن الذين
اكتتبوا إنما استحيوا مني، وهم لا يعتقدون أنهم يدفعون شيئًا، بل قالوا: إن المفتي
نفسه يسايرني مسايرة بأن سيبذل جهده؛ وهو يعتقد أن التقصير سيظهر من غيره.
وألح عليَّ (فلان) بأن أترك التشبث بالجمعية. وظهر لي أنه يرى أن ذلك
ينفر القوم مني؛ من حيث لا أستفيد مما أريد شيئًا
…
إلخ ما كتبته في شأن أفراد
معينين، من قائل ومقول فيه.
أكتب هذا ليعلم أصحاب النية الصالحة في طرابلس كالمفتي وغيره السبب
في اكتفائي بعد ذلك بانتقاء نفر ممن يرجى نجدتهم لإدارة الجمعية موقتًا، وإيذان
المفتي بذلك في يوم الأربعاء 23 ذي القعدة (16 ديسمبر. ك1) بعد دعوة كل
واحد منهم على حدته ووعده لي ببذل الجهد في ذلك إلا واحدًا منهم (وهو محمود
أفندي الملا) ، قال: إنه لا يدخل في العمل إلا بعد أن يشرعوا فيه بالفعل. وإن
لي رجاء قويًّا في همة المفتي وغيرته وهمة أولئك الأنجاد؛ بأن ينهضوا بهذه
الجمعية نهضة صالحة بعد هدوء الاضطراب الذي أحدثه ضعف الحكومة الجديدة
والاستواء على حال ثابتة. وإنني أساعدهم بالقلم من هنا، وأكون عونًا لهم على
اليائسين الذين لم أكتب ما كتبت الآن؛ إلا ليعلموا أن كيدهم في تضليل {وَاللَّهُ
يَقُولُ الحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ} (الأحزاب: 4) .
حقوقنا المهضومة ونائب طرابلس الشرعي:
لقد علم القاصي والداني من عثماني وغير عثماني؛ أن حكومة الاستبداد
الماضية، قد أسرفت في الجور على بيتنا وظلم أهلينا؛ انتقامًا مني (راجع فاتحة
السنة الثانية عشرة في الجزء الماضي) ، وكان من ذلك الظلم أنه لما توفي والدنا
تغمده الله برحمته، صرت أنا المستحق بعده للتولي على جامع القلمون الذي جدده
فيها جدنا الثالث؛ بحسب نظام التوجيهات الناطق وفاقًا للشرع بأن يوجه ما ينحل
عن الوالد من الوظائف المتعلقة بالأوقاف إلى أكبر أولاده. ولكن حكومة الرشوة
والاستبداد وجهت تولية مسجدنا على رجل آخر اسمه عثمان النصري، واشتهر أنه
أعطى القاضي (نوري أفندي) على ذلك أربعين ليرة، ثم أعطاه رجل آخر اسمه
الشيخ محمود حسن - على ما شاع وذاع - سبعين أو ثمانين ليرة، فعزل عثمان
النصري بعد دعوى ملفقة، ووجه التولية على محمود حسن.
فلما أردت السفر من طرابلس إلى مصر، قدمت دعوى إلى المحكمة
الشرعية ملخصها؛ أن تولية محمود حسن على جامع القلمون غير صحيحة، وإنني
أنا صاحب الحق في هذه التولية، فأطلب توجيهها عليَّ عملاً بالنظام، وإذا فرضنا
أن توليته صحيحة، فإنني أثبت خيانته بترك معاهد الوقف عرضة للخراب وترك
عمارة ما خرب منها في زمن توليته، والزيادة في النفقات والنقص من الريع.
ووكلت عني وكيلين شرعيين ثم تهيأت للسفر، فحدث ما ذكر آنفًا من التشبث
بتأسيس جمعية خيرية، ثم جاء نبأ برقي بأن نيابة طرابلس (أي قضاءها الشرعي)
وجهت إلى عبد المجيد أفندي الجعفري وأنه سيسافر من الآستانة قاصدًا طرابلس،
ثم لم يلبث أن حضر.
عرضت الدعوى على هذا النائب فقال لي: إنني أقول لك وإن كان لا ينبغي
للقاضي أن يصرح برأيه قبل الحكم: إن حقك ظاهر، وإنني سأعيده لك بعد
استيفاء المعاملة الشرعية ولما كنت على ثقة من ظهور هذا الحق، اعتقدت أن
الدعوى تنتهي في أسبوع أو أسبوعين، فأجلت السفر وتابعت سير الدعوى بنفسي،
وأنا أظن في كل أسبوع أنني أفرغ فيه من الدعوى، وأسافر في الذي بعده، وكنت
عازمًا على الإقامة في سورية خمسة أسابيع فقط؛ لكثرة شغلي في مصر، فأقمت
ستة أشهر والدعوى على حالها، يزيدها النائب كل يوم تعقيدًا.
إنني لم أكد أجالس هذا القاضي مرتين أو ثلاثًا؛ إلا وقد جزمت بأنه سيهان
في طرابلس إهانة لم يسبق لها نظير، فكنت حريصًا على إنجاز قضيتي قبل ظهور
حقيقة حاله التي تقتضي ما توقعته بالفراسة، وكاشفت به غير واحد. ولكن هذا
القاضي لا ينجز عملاً لمن يعتمد مثلي في نيل حقه على أنه محق وقادر على إثبات
حقه.
أنشأ هذا القاضي يؤجل جلسات الدعوى، ويحث وكيلي الخصمين على كتابة
ما شاءا في جريدتها، ويماطل في قراءة ما كتبنا، وقد ثبت لديه أن تولية المدعى
عليه غير صحيحة، وأنه خائن تارك للعمارة الواجبة شرعًا، كما تبين بالكشف من
قبل المحكمة وشهادة الشهود، ومع هذا لم يحكم بشيء حتى آن الأوان وضج
الألوف من الناس بالشكوى منه، واجتمعوا عند المحكمة وهم ألوف ينادون فليسقط
القاضي الخائن المرتكب، وشكوا أمره للمشيخة الإسلامية فأمرت بالتحقيق وهم
يشكون منه أمورًا كثيرة ذكرت في جريدة لسان الحال وغيرها، منها التطويل في
المرافعات وعدم الحكم فيها بعد انتهائها كما حدث معنا، حتى امتنع الوكلاء
(المحامون) عن المجيء إلى المحكمة، ومنها أنه قد يحكم ثم يرجع بحكمه بعد
كتابته، ومنها كراهته للحكومة الدستورية، واعتزازه بكونه من جمعية (فدا كاران
ملت) ، وقد علمنا بعد ذلك أنه كان نائبًا في صيدا فأحدث فيها فتنة حتي هرب منها
ليلاً، وإن ذلك شأنه في كل بلد كان فيها حاكمًا.
لها بقية
_________