الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الكاتب: محمد رشيد رضا
التقريظ
(كتاب دلائل التوحيد)
لقد مَنَّ الله تعالى على دمشق الشام بالشيخ محمد جمال الدين القاسمي؛ ليكون
فيها واسطة من وسائط الانتقال، وحلقة من حلقات الاتصال، بين الماضي الذي قد
تدهور فيه المسلمون من عدة قرون، وبين المستقبل الذي ينشده المتبصرون،
ويسعى إليه المصلحون، فهو بصير في العلوم الإسلامية المتداولة في العصر،
متطلع إلى ما يتجدد من المطبوعات العربية في كل مصر، مجيد في الانتقاء من
رديئها والانتقاء من جيدها حريص على الاستفادة منها والإفادة بها، وهو يدرس
ويطالع وينسخ ويصحح ويصنف وينشر.
وآخر ما وصل إلينا من مؤلفاته المطبوعة كتاب (دلائل التوحيد) في الكلام،
ألفه في سنة 1325 وطبع في سنة 1326، وهو في أسلوبه ومباحثه مصدق
لما قلناه آنفًا في وصف مؤلفه، لم يقلد فيه المتكلمين كالسنوسي، وواضعي
الشروح والحواشي لعقائده، ومن حاكاهم من المتأخرين الذين صارت كتبهم
كالمتعبَّد بتلاوتها على علاتها وعدم كفايتها، ولم يستقل بجميع مسائله بنفسه،
ويجعله خلوًا من كلام غيره، بل أورد فيه زبدة مما طالعه في كتب أساطين
المتقدمين من الفلاسفة والمتكلمين: كابن مسكويه والنصير الطوسي والفارابي وابن
رشد والراغب والغزالي والعز بن عبد السلام وابن حزم وابن تيمية وابن
القيم والقاضي عياض والماوردي وجمال الدين الخوارزمي والمرتضى
اليماني صاحب إيثار الحق، والمتأخرين كالأستاذ الإمام، ولكنه لا يذكره
باسمه ولا بهذا اللقب الذي اشتهر به، وإنما يشير إليه بكلمة (حكيم) أو حكيم من
المتأخرين، وقد نقل أيضًا عن المنار ولم يسمه ولا ذكر اسم صاحبه، بل يشير إليه
ببعض الألقاب كما فعل في هذا الهامش بعد سوق الدليل العشرين. وما ذلك
إلا لأن اسم الشيخ محمد عبده أو محمد رضا أو المنار، كانت في زمن السلطان
عبد الحميد تخرب الديار، وتسوق إلى البوار، أما مقاصد الكتاب بالإجمال فهي
كما كتب المؤلف في طرته:
(الخطبة في فضل إقامة البراهين؛ لتأييد أصول الدين، ثم تمهيدات في سر
معرفة التوحيد، وما يتقاضاه الإيمان من الإيقان، وفي تمثيل انمحاء الباطل لظهور
آية الحق، وفي أن النظر قانون الاستدلال وفي غير ذلك، ثم مطالب الكتاب وهي
أربعة: المطلب الأول في الأدلة الواضحة على (وجود الله تعالى) وهي خمسة
وعشرون دليلاً وفي طيها فوائد جمة، المطلب الثاني في تحقيق مسائل من العلم
الإلهى: كاستحالة اكتناه ذات الخالق تعالى وبطلان الحلول والاتحاد وغيرهما،
المطلب الثالث في المادة، وشبه الماديين وإبطالها جميعها بالحجج القاطعة، وفيه
مقالات من الطبيعيين تقرب من الثلاثين، المطلب الرابع في مسائل من علم
النبوات: كآيات النبوة وإثبات الخوارق علمًا، وبيان المنة على العالمين ببعثة خاتم
النبيين، وكون القرآن أعظم الخوارق، وبيان خصائصه عليه السلام وفضائله
وشرف أخلاقه وشمائله المؤيدة لنبوته والمبرهنة على عموم رسالته، ثم الخاتمة في
فائدتين) اهـ.
وصفحات الكتاب مائتان بل تزيد، ولم يتيسر لنا إلا مطالعة القليل منه؛
فعسى أن يكون مزلزلاً لتقليد المقلدين، ومرقاة لاستقلال المستعدين، وثمن النسخة
منه ثمانية قروش.
***
(العقائد الدينية للناشئة الإسلامية)
كتيب وجيز للشيخ محمد عبد اللطيف خضير من علماء دمياط طبعه في هذا
العام، وأهدانا نسخة منه، ورغب إلينا فيه شيئًا من المعنى الذي أشرنا إليه في
تقريظ الكتاب الذي قبله؛ من حيث عدم التزام أسلوب وترتيب العقائد المتداولة:
كسرد الصفات العشرين (التي جعل السنوسي مدار عقيدته عليها) ونحو ذلك، ولكنه
على عدم التزام ذلك لم يخرج عنه بالمرة، راعى السهولة فيما استقل فيه، فسدد
وقارب، وجاء ببعض مسائل ودلائل نظرية تعلو على أفهام الناشئين الذين وضعه
لهم، ولولا رجوعه في ذلك إلى بعض الكتب المتداولة لكان يسهل عليه أن يأتي بما
هو أسهل منها وأنفع، أو ليت اقتباسه من كتب المتقدمين كان كله: كاقتباسه من
رسالة التوحيد، وجملة القول: إنه من أحسن ما كتب لتعليم المبتدئين، وثمن النسخة
منه قرش واحد، وهو يطلب من المكتبة العمومية بدمياط؛ فعسى أن ينال ما
يستحقه من الرواج والانتشار.
***
(تحفة الأنام في مختصر تاريخ الإسلام)
ألف هذا التاريخ في أواخر حياته الشيخ عبد الباسط الفاخوري مفتي بيروت
رحمه الله، تعالى. وهو يشتمل على مقدمة وجيزة في أصل العرب وجزيرتها
وظهور النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى أربعة أبواب في الخلفاء الراشدين، وفي
الأمويين والعباسيين والعثمانيين، وفي الكلام على سلطنة محمود الثاني يذكر حادثة
إبراهيم باشا المصري وغيرها من الحوادث الكبيرة ومسألة الوهابية، كما يذكر في
أخبار سلطنة عبد المجيد حرب القرم، وحادثة جدة، وحادثة لبنان، وهو مختصر
ليس في الأيدي مثله ولا ما يغني عنه، فعسى أن يعم نشره، ويباع في مصر
بمكتبة المنار مجلدًا تجليدًا بيروتيًّا بثمانية قروش مصرية، ومن أراد عددًا كثيرًا
منه فليطلبه من المكتبة الأهلية ببيروت.
وإننا ننقل ههنا كلامه في الوهابية، قال رحمه الله تعالى ما نصه:
(ثم في غضون ذلك ظهرت الطائفة الوهابية في بلاد نجد، واستولوا على
مكة المكرمة والمدينة المنورة وباقي بلاد الحجاز، حتى قاربوا بلاد الشام من جهة
دمشق.
وهم قوم كثيرون من عرب نجد؛ اتبعوا طريقة الشيخ عبد الوهاب (؟) وهو
رجل ولد في الدرعية بأرض العرب من بلاد الحجاز، طلب أولاً العلم على مذهب
أبى حنيفة في بلاده، ثم سافر إلى أصفهان وأخذ من علمائها، حتى اتسعت
معلوماته في فروع الشريعة وتفسير القرآن الكريم، ثم عاد إلى بلاده سنة
(1170)
، ثم أدته ألمعيته إلى الاجتهاد، فأنشأ مذهبًا مستقلاًّ وقرره لتلامذته،
وشاع أمره في (نجد) و (الإحساء) و (القطيف) و (عمان) و (بني عتبة)
من أرض (اليمن) ، ولم يزل أمرهم شائعًا، ومذهبهم متزايدًا، وجماعتهم تكثر،
إلى أن صدرت الإرادة السنية إلى محمد علي باشا عزيز مصر بقتال وردع هذه
الطائفة؛ خوفًا من انتشار شرهم في البلاد الإسلامية، فأطفأ سراجهم، وبدد شملهم،
وأخفى ذكرهم، وقد توفي زعيمهم سعود سنة (1229) فساد الأمن في طريق
الحج، وبهذه السنة حج محمد علي باشا بعد أن لم يكن أحد يتمكن من أداء هذه
الفريضة.
وهاك رسالة من كلامهم تدل على مذهبهم واعتقادهم:
اعلموا - رحمكم الله - أن الحنيفية ملة إبراهيم: أن تعبد الله مخلصًا له الدين،
وبذلك أمر الله جميع الناس وخلقهم له، كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ
وَالإِنسَ إِلَاّ لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات: 56) فإذا عرفت أن الله - تعالى - خلق العباد
للعبادة، فاعلم أن العبادة لا تسمى عبادة إلا مع التوحيد؛ كما أن الصلاة لا تسمى
صلاة إلا مع الطهارة، كما قال تعالى: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ
شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ} (التوبة:
17) . فمن دعا غير الله؛ طالبًا منه ما لا يقدر عليه إلا الله من جلب خير أو دفع
ضر، فقد أشرك في العبادة، كما قال تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ
مَن لَاّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا
لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ} (الأحقاف: 5-6) وقال تعالى: {وَالَّذِينَ
تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ * إِن تَدْعُوَهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا
مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ القِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} (فاطر: 13-
14) فأخبر تبارك وتعالى: أن دعاء غير الله شرك، فمن قال يا رسول الله، أو يا
ابن عباس، أو يا عبد القادر؛ زاعمًا أنه باب حاجته إلى الله، وشفيعه عنده،
ووسيلته إليه - فهو المشرك الذي يهدر دمه وماله إلى أن يتوب من ذلك، وكذلك
الذين يحلفون بغير الله أو الذي يتوكل على غير الله، أو يستعين بغير الله فيما لا
يقدر عليه إلا الله، فهو أيضًا مشرك، وما ذكرنا من أنواع الشرك؛ هو الذي
قاتل رسول الله المشركين عليه، وأمرهم بإخلاص العبادة كلها لله تعالى، ويصح ذلك
أي: التشنيع عليهم بمعرفة أربع قواعد ذكرها الله في كتابه.
(أولها) أن يعلم أن الكفار الذين قاتلهم رسول الله يقرون أن الله هو:
الخالق الرازق المحيي المميت المدبر لجميع الأمور؛ والدليل على ذلك قوله
تعالى: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَن
يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَيُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ
أَفَلَا تَتَّقُونَ} (يونس: 31)، وقوله تعالى: {قُل لِّمَنِ الأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ
تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ العَرْشِ
العَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا
يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} (المؤمنون: 84-
89) إذا عرفت هذه القاعدة وأشكل عليك الأمر، فاعلم أنهم بهذا أقروا، ثم توجهوا
إلى غير الله يدعونه من دون الله فأشركوا.
(القاعدة الثانية) أنهم يقولون: ما نرجوهم إلا لطلب الشفاعة عند الله،
نريد من الله لا منهم، ولكن بشفاعتهم. وهو شرك، والدليل على ذلك قول الله
تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا
عِندَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا
يُشْرِكُونَ} (يونس: 18) وقال الله تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا
نَعْبُدُهُمْ إِلَاّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ
لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} (الزمر: 3) وإذا عرفت هذه القاعدة فاعرف:
(القاعدة الثالثة) وهي أن منهم من طلب الشفاعة من الأصنام، ومنهم من
تبرأ من الأصنام وتعلق بالصالحين مثل: عيسى وأمه والملائكة والدليل على ذلك
قوله تعالى: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ
رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً} (الإسراء: 57) ورسول
الله لم يفرق بين من عبد الأصنام ومن عبد الصالحين في كفر الكل، وقاتلهم حتى
يكون الدين كله لله، وإذا عرفت هذه القاعدة فاعرف.
(القاعدة الرابعة) وهي أنهم يخلصون لله في الشدائد وينسون ما يشركون،
والدليل عليه قوله تعالى: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا
نَجَّاهُمْ إِلَى البَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} (العنكبوت: 65) ، وأهل زماننا يخلصون
الدعاء في الشدائد لغير الله، فإذا عرفت هذا فاعرف أن المشركين في زمان النبي
أخف شركًا من عقلاء مشركي زماننا؛ لأن أولئك يخلصون لله في الشدائد، وهؤلاء
يدعون مشايخهم في الشدائد والرخاء، والله أعلم بالصواب اهـ.
وهذه الرسالة والقواعد التي أسسها ذلك الشيخ لا شبهة فيها؛ لأن هذا هو
الدين الذي جاء به النبي والأنبياء من قبله صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين
لكن هذا الشيخ لم يتحقق ولم يحقق هذه المسألة، واتبعه قومه من بعده؛ فأفرطوا
وفرطوا وقصروا، حتى تولد منهم بسبب هذه القواعد تنقيص وتحقير ما عظمه الله
وأمرنا بتعظيمه ومحبته وتوقيره، وقاسوا المسلمين المخلصين في التوحيد
بالمشركين، حتى قاتلوا المسلمين في أفضل البقاع، واستحلوا دماءهم وأموالهم،
كما وأن أكثر العوام من جهلة المسلمين قد تغالوا وأفرطوا وابتدعوا بدعًا تخالف
المشروع في الدين القويم، فصاروا يعتمدون على الأولياء الأحياء منهم والأموات،
معتقدين أن لهم التصرف، وبأيديهم النفع والضر، ويخاطبونهم بخطاب الربوبية،
وهذا غلو في الدين القويم وخروج عن الصراط المستقيم، وقد ورد في الحديث
المرفوع: (دين الله تعالى بين المغالي والمقصر) .
وهنا شيء لا بد لك من معرفته؛ وهو أن الحب لله وفي الله، والحب مع الله
بينهما فرق من أهم الفروق، وعنه تعلم جهل وخطأ الوهابية وشيخهم، فإن الحب
لله وفي الله هو من كمال الإيمان في الله، والحب مع الله هو الشرك المنهي عنه،
وقاتلهم عليه النبي صلوات الله وسلامه عليه، والفرق بينهما أن الحب في الله ولله
تابع لما يحبه الله: كحب الرسل والملائكة والأولياء والعلماء والكعبة والمدينة وبيت
المقدس؛ لأن الله يحبهم ويحب من يحبهم ويعظمهم، والحب مع الله على نوعين:
نوع يقدح في أصل التوحيد وهو شرك: كعبادة الأوثان والأصنام والأنداد من
المشركين؛ لأنهم عظموا وأحبوا مع الله ما يبغضه الله، والنوع الثاني يقدح في
كمال الإخلاص والتوحيد ومحبة الله، ولا يخرجه عن الإسلام: كمحبة ما زينه الله
للنفوس في النساء والبنين والذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث؛ فإن
محبتها طبيعية ومحبة شهوة: كمحبة الجائع للطعام، والظمآن للماء، فإن أحبها لله
ليتوصل بها إليه، واستعانته على مرضاته وطاعته كانت من قسم الحب لله، وفي
الحديث: (حبب إليَّ من دنياكم النساء والطيب) ، وإن أحبهما لموافقة طبعه
وشهوته وهواه كانت من المباحات. لكن ينقص من كمال محبته لله والمحبة فيه.
وإن كان حبه لها مراده ومقصوده، وقدمها على ما يحبه الله ورضاه منه كان ظالمًا
لنفسه متبعًا لهواه، فالأول محبة السابقين، والثانية محبة المقتصدين والثالثة محبة
الظالمين، فتأمل ذلك وما فيه، فإنه معترك النفس الأمارة والمطمئنة والله تعالى
يوفقنا وإياك والسلام اهـ، ولم يذكر مثالاً للحب مع الله، وكأنه اكتفى بما عزاه
منه إلى أكثر عوام المسلمين من الغلو في الصالحين وحبهم لهم: كحب الله، وهو
عين ما ينكره الوهابية، وما أظن أنهم كانوا يتهمون بذلك جميع أفراد المسلمين وإلا
كانوا مجانين.
_________
الكاتب: محمد رشيد رضا
رسالة المحجوب
(من باب الانتقاد على المنار)
أرسل إلينا بعض علماء تونس رسالة، كان كتبها رجل اسمه السيد عمر
المحجوب التونسي في الرد على الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي في زمنه،
وطلب منا أن نبين رأينا فيها، فتصفحناها هي وما ألحق بها في نحو من نصف
ساعة، فلم نجد فيها شيئًا يزيد على ما تلوكه العامة في هذه المسائل، وعلمنا من
الذيل الذي ألحق بها أنها طبعت معه بعد الحادثة التي وقعت معنا بدمشق في آخر
رمضان من السنة الماضية؛ لتكون ردًّا علينا فيما شاع من أن سبب تلك الفتنة
تأييدنا لمذهب الوهابية، فيارحمتا لهؤلاء الجهلاء المساكين الضعفاء الذين تهيجهم
الأكاذيب إلى إظهار جهلهم، وطاعة انفعالاتهم العدائية لمن هو لهم صديق غير عدو،
وإن كانوا لا يميزون.
قد علم الخاص والعام أن حادثة الشام لم تكن مقاومة لمذهب الوهابية ولا
انتصارًا للسنة السنية، وإنما كانت انتصارًا للاستبداد على الدستور، وإيثارًا
للظلمات على النور، وإن خطيبي فتنتها الشيخ عبد القادر الخطيب والشيخ صالحًا
التونسي قد حاولا مع رؤسائهما من مدبري تلك الفتنة إثارة فتنة أعظم منها باسم
الإسلام؛ إذ نشروا تلك الجمعية الفسادية التي أطلق عليها (تمويهًا وخداعًا) اسم
الجمعية المحمدية؛ لذلك اختفيا عن الأنظار ووليا الأدبار لما نصر الله الدستور،
وخذل الغرور، وأنشأت الدولة العلية تحاكم زعماء الفتنة الذين كانوا يحرضون
على الثورة، ثم ظهر الخطيب فاستنطق ورفع أمره إلى الآستانة. ومعلوم أن
صالحًا التونسي من دعاة أبي الهدى دجال عبد الحميد اللذين كفى الله المسلمين
شرهما (والعاقبة للمتقين) .
وإننا ندعو صاحب الذيل الطويل لتلك الرسالة، هو وجميع من على رأيه من
علماء تونس إلى المناظرة جهرًا فيما يزعمون أن المنار أخطأ فيه، بأن يذكروا
المسألة التي يزعمون أنها خطأ والدليل من الكتاب والسنة، وكذا الإجماع والقياس
على ذلك، مع التصريح بأسمائهم، ونحن نجيب عن أقوالهم ونجعل أهل العلم
والفهم في المشرق والمغرب حكمًا بيننا وبينهم. وإنما نشترط أن يصرحوا بأسمائهم
لتعلم قيمة المحق منهم والمبطل في الحال، ويحفظ التاريخ ذلك لأعقابهم في
الاستقبال.
على أن صاحب الذيل المشار إليه لم يذكر وراء مسألة الاجتهاد من خطأ
المنار إلا مسألة طهارة العطر الإفرنجي والكحول، وكذا ما سماه تحليل مفتولة
العنق، والمضروبة على الرأس، ولبس القبعة الإفرنجية. المسائل الثلاث التي
كانت موضوع فتوى الأستاذ الإمام منذ سنين، فإن فرضنا أن ما كتبه المنار فيها
كان خطأ؛ فليدلونا على كتاب من كتب الفقه أو الحديث أو التفسير ليس فيه مسائل
كثيرة منتقدة؛ لمخالفتها للكتاب أو السنة، أو لما رجحه العلماء الآخرون المخالفون
لأولئك المؤلفين لها في اجتهادهم أو فهمهم.
إذا كان صالح التونسي وعبد القادر الخطيب الدمشقي قد تصديا للفتنة بدمشق
بباعث السياسة، وهما يعلمان أنهما باغيان مخطئان، فيحتمل أن يكون أحمد جمال
الدين صاحب ذيل هذه الرسالة حسن النية له شيء من العذر بجهله، وهل يرجى من
مثله أن يفهم دقائق مباحث المنار الاجتهادية، وهو إلى اليوم لم يفهم معنى العبادة،
بل اتبع فيها الشيخ المحجوب الذي لم يعرف كيف كان أساس دعوة الإسلام النهي
عن عبادة غير الله تعالى إلى عبادته وحده، كما نبينه قريبا؟ فكيف يتكلم في مثل
شيخ الإسلام ابن تيمية الذي لم يسمح الزمان له بنظير. أما رسالة الشيخ المحجوب
فليس فيها شيء إلا وقد سبق لنا تحريره في المنار، ولا يفهم العامة ورؤساؤهم من
أصحاب العمائم من إعادة القول في بيان مواضع الخطأ فيها إلا أن المنار ينتصر
للوهابية، على ذلك الشيخ الذي ينتسب إلى ما لا يفهمه من السنة السنية، وما كان
لينتصر لمذهب من المذاهب أو يتعصب لفئة الفئات، إنما يؤيد الكتاب والسنة
ويحكمهما في أقوال المتقدمين والمتأخرين. وأما أمثال هذا المعترض المسكين فإن
قصارى علمه أن يحفظ كلمات من بعض شيوخه المعاصرين أو المؤلفين المتأخرين
الذين ليس لأكثرهم من العلم إلا نسخ كتب القدماء؛ مع زيادات يستميلون ببعضها
العامة وببعضها الآخر الملوك والأمراء،
يظهر أن الشيخ المحجوب كان ممن يعبر عنهم بالأدباء، ولم يكن من العلماء،
فقد ظهر في رسالته تشميره في الهجاء والشتم، وقصوره في مسائل الدين والعلم،
وهو لم يذكر في رسالته كلام خصمه، فيوازن بينه وبين رده، فنكتفي إذًا
بالإشارة إلى بعض خطئه وضعفه؛ ليعلم أنه لا يوثق بعلمه مع عدم التعرض لخطأ
خصمه وصوابه.
قال في (ص4) في رد إنكار خصمه ما تفعله العامة عند قبورالأولياء
والصالحين من: الاستغاثة والتوسل والتعظيم (معاذ الله أن يعبد مسلم تلك المشاهد
أو أن يأتي إليها معظمًا لها تعظيم العابد، أو أن يخضع لها خضوع الجاهلية
للأصنام، وأن يعبدها بركوع أو سجود أو صيام) ونقول: إن هذا القول يدل على
أن المحجوب لم يكن يعرف الواقع الذي عليه الجمع الغفير من العامة، أو أنه يعرفه
ويقول غير ما يعلم، وأنه لا يفهم معنى العبادة، بل يتوهم أنها عبارة عن الصلاة
والصيام وسائر التكاليف الشرعية فقط، كما قال صاحب الذيل في (ص19) في
تقوية رده: (وما درى - أي ابن عبد الوهاب - أن العبادة الشرعية هي التكاليف
التي اشتملت عليها الشريعة، سواء كانت معقولة المعنى أو تعبدية) وقد جهل
صاحب الذيل كصاحب الأصل: أن أول شيء دعا إليه النبي صلى اله عليه وسلم
هو أن يعبد الله وحده وأن لا يعبد سواه، دعا إلى ذلك قبل أن تشرع التكاليف
العملية من: الصلاة والزكاة والصيام، فهل يصح أن يقال: إن المراد بالنهي عن
عبادة غير الله تعالى هو أن تكون التكاليف التي ستشرع بالتدريج خاصة بالله تعالى؟
هل يصح أن يكون معنى العبادة شيئًا لم يكن معروفًا ولا مشروعًا؟ ؟ يا حسرة
على المسلمين الذين ابتلوا بأمثال هؤلاء المؤلفين.
على أن أمثال هؤلاء الضعفاء يعذرون إذا جهلوا معنى العبادة؛ لأن من كانوا
يستطيعون تحديد الحقائق من العلماء عدوا معنى العبادة من البديهيات، فلم يهتموا
ببيانه؛ ولذلك لم يشتهر عنهم نقل في تحديده. وأما الأقوال المشهورة فيه عن
اللغويين وغيرهم فليست حدودًا، بل لا يبلغ بعضها أن تكون رسومًا تامةً أو ناقصةً
ذلك مرات كثيرة، ومنه أن أعظم مظاهر العبادة الدعاء، وفي حديث البراء عند
أحمد وابن أبي شيبة وأصحاب السنن (الدعاء هو العبادة) وفي رواية ضعيفة
للترمذي من حديث أنس (الدعاء مخ العبادة) وهل يكابر أحد في دعاء الألوف
والملايين من عامتنا للموتى من الصالحين، إلا إذا كان لا يخجل من إنكار
المحسوسات؟ ألا إنهم لا ينكرونه ولكنهم يؤولونه لهم: بأنهم لا يقصدون به العبادة،
وإنما يقصدون التوسل! ! ألفاظ يلوكونها ولا يفهمونها، الرسول صلى الله عليه
وسلم يقول: الدعاء هو العبادة أي: هو الفرد الأعظم من أفرادها، والركن الأكمل
من أركانها، كقوله:(الحج عرفة) فتجويز دعاء غير الله؛ كتجويز الصلاة لغير الله
بدعوى عدم قصد العبادة، وتسميتها توسلاً أو ما يشاء أهل التأويل من الأسماء،
قال المحجوب (ص4) : (دوامًا ما جنحت إليه، وعولت في التفكير عليه من
التوجه إلى الموتى، وسؤالهم النصر على العدا، وقضاء الحاجات، وتفريج
الكربات، التي لا يقدر عليها إلا رب الأرضين والسماوات، إلى آخر ما ذكرته
مواقدًا به نيران الفرقة والشتات، فقد أخطأت فيه خطأ مبينًا، وابتغيت فيه غير
الإسلام دينًا، فإن التوسل بالمخلوق مشروع ووارد في السنة القويمة، ليس
بمحظور ولا ممنوع، ومشارع الحديث الشريف بذلك مفعمة، وأدلته كثيرة محكمة
تضيق المهارق عن استقصائها، ويكل اليراع إذا كلف بإحصائها) ثم ذكر أثر
استسقاء عمر بالعباس رضي الله عنهما، وحديث طلب عمر الدعاء من أويس
القرني، ومسألة الشفاعة، والوهابية لا ينكرون أثر الاستسقاء، ولا الدعاء، ولا
الشفاعة، وكتب ابن تيمية التي هي عمدتهم في هذا الباب مثبتة لهذه المسائل مبينة
لها أتم بيان، وهم يحتجون بها على الذين يدعون أصحاب القبور، فيقولون: إن
عمر والصحابة لم يدعوا العباس أن يسقيهم الغيث، كما يدعو جمهور عامتنا
الأموات: أن يقضوا لهم حاجاتهم، وإنما كان توسلهم بالعباس هو جعله إمامًا لهم
في الاستسقاء، فصلى بهم ودعا وهم أمنوا على دعائه، ويقولون: إنه ورد فيه أن
عمر رضي الله عنه قال: (اللهم، إنا كنا نتوسل إليك بنبينا، وإنا نتوسل إليك بعم
نبينا فاسقنا) وهذا دليل على أن الميت لا يتوسل به وإن كان حيًّا عند الله تعالى.
وأقول: إن المسألة ليست من باب ما يسمونه اليوم بالتوسل؛ وهو أن يدعو غير
الله - تعالى - ويطلب منه شيئًا ما، وإنما هو استسقاء كما تقدم، ويحتجون به من
وجه آخر، وهو دعاء العباس الذي ذكره الحافظ ابن حجر في الفتح وهو: (اللهم،
إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب ولم يكشف إلا بتوبة) وهو نص في أن كشف الضر لا
يكون بسبب الأشخاص؛ وإنما يكون بالتوبة إلى الله والرجوع إليه وحده، وفي
الحديث روايات لا تصح.
((يتبع بمقال تالٍ))
_________