الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أهداكها، فنعم ما أهداكا
…
لكنني أخذتها فتكاكا
فهي فدائي
…
وأنا فداكا
ثم ألقيت البطاقة بين يديه وأوفضت وأنا أتلفت إليه. فنجوت من بنانه، ولم أنج من لسانه.
المقامة السادسة والعشرون وتعرف باللغزية
حدث سهيل بن عباد قال: أدنفني هم ناصب، بليت منه بعيش شاصب، وعزاب واصب. فأجلت القداح في استخارة البراح. وخرجت أعدو الرهقى على فرسٍ زهقى توجعلت أعتست على
غير هدى، لعلي أجلو بعض الصدا. فلما تمادى السفر، وأنس ما كان قد نفر نزعت نفس إلى معاودة الحي، ولكن أعيت اللهنة علي. فأخذت أتفقد المشاهد جلاء يومي، لعلي أظفر بما أطرف به قومي. إلى أن سقطت على محفلٍ حافل، يستوقف النعام الجافل. فجلست في أخريات الناس، كأنني طفيل الأعراس، وأجلت طرف طرفي بين الجلاس. وإذا شيخ قد اشتمل الصماء واعتم الميلاء. والقوم قد كاوسوا حول مجثمه حتى حلوا دون توسمه. وبينما هم يتداولون أطراف الأسانيد، ويتناولون ألطاف الأناشيد. إذ دخل غلام أشهل الأحداق كأنه من رهط
شنقناق. فألقى رقعة بها كخط ابن مقلة وقال: لا ينبت البقلة، إلا الحقلة. فتصفح الرقعة قاريها، وإذا فيها:
ما اسم ثلاثي به اجتمعت
…
كل المقاطع غير ذي جسم
مهما تقلبت الحروف به
…
يأتي بمعنى صادق الرسم
وإذا نظرت إليه منتبهاً
…
فجميع ذاك تراه في الحلم
فطفق القوم يصوغون ويكسرون، ويردون ثم يصدرون من
حيث لا يشعرون. حتى صفرت الوطاب، واختلط الليل بالتراب. فقالوا قد ابتلانا الخبيث بأحر من دمع الصب، وأعقد من ذنب الضب. فلو أن لنا من يقوم بحلة لعرفنا فضل محله. فبرز ذلك الشيخ المحجب، وقال: أنا عذيقها المرجب. وأنشد:
قد فسر الكاتب في نظمه
…
وقصر القارئ في فهمه
لو فطنوا للحلم في قوله
…
لعرفوا اللغز على رغمه
فلما رأوا ما خامرهم من تورية الغشاء، وكبروا وقالوا: إن الله يهدي
من يشاء، ويضل من يشاء. فاهتز الشيخ عجباً وقال: إنها لإحدى الهنات الهينات! ولو شئت لجئت بما فوق ذلك من الحسنات المحصنات. قالوا: ذاك لك وإليك وفيه منة علينا وعليك. فشمخ بأنفه كأنه ملكٌ أو ملك، وأنشد ملغزاً في الفلك:
ما عدمٌ في الحق لكن ترى
…
منه وجوداً حيثما استقبلك
ذلك لله بإجماله
…
فإن قطعنا رأسه فهو لك
ثم حدج القوم بالبصر وأنشد ملغزاً في القمر:
ومولود بدون أب وأمٍ
…
بلا قوتٍ يعيش ولا يموت
له وجهٌ وليس له لسانٌ
…
فيخبرنا ويلزمه السكوت
ثم قال: دونكم يا بني الخالة وأنشد ملغزاً في الهالة:
ما قولكم في محيز حسنٍ
…
ليس له أول ولا آخر
في قلبه نقطةٌ مشكلةٌ
…
قد جانسته بشكلها الظاهر
ثم أشار إلى بعض الصحاب وأنشد ملغزاً في قوس السحاب:
ماذا ترى، يا ابن الكرامة،
…
في قوسٍ بلا سهمٍ ولا وتر
تلقاه في بعض النهار ولا
…
يبقى له في الليل من أثر
ثم جعل ينضنض كالأيم، وأنشد ملغزاً في الغيم:
حلل بلا صبغ ملونةٌ
…
ترتد عنها كيف لامسها
مرفوءة الأذيال بالية
…
في البرد تعرق دون لابسها
ثم رفع طرفه إلى السماء وأنشد ملغزاً في الماء:
يميت ويحيي وهو ميتٌ بنفسه
…
ويمشي بلا رجل إلى كل جانب
يرى في حضيص الأرض طوراً، وتارةً
…
نراه تسامى فوق طور السحائب
ثم قال: وهذه خاتمة الأسرار، وأنشد ملغزاً في النار:
أي صغير ينمو على عجلٍ
…
يعيش بالريح وهي تهلكه
يغلب أقوى جسمٍ، ويغلبه
…
أضعف جسم بحيث يدركه
قال: فلما فرغ من جلائل الألغاز وألقى عليهم دلائل الإعجاز.
تأبط عصاً له كالحفض ثم نهض من حيث ربص. فتعلقوا به وقالوا: نراك تزيد أن تجرح وتسرح فهيهات أن تبرح حتى تشرح! فحولق واستتب على ثفناته، وأفاض في شرح نفثاته. فلما كشف الغطاء، مالوا عليه بالعطاء. قال سهيلٌ: وكنت إذ برز لصحيفة الغلام قد عرفت أنه شيخنا ابن الخذام. فهممت بالجنوح إليه، فنهاني برمز شفتيه، ونهنهني عن التسليم عليه. فلما قضى الإبانة، واقتضى اللبانة. أشار إلي وقال: إني لأرى عليك سمة الغريب وكل غريب للغريب نسيب. فخذ هذا الدينار الساعة واشكر نعمة الجماعة. فغلب على القوم الحياء، وتداولوني بالحباء. حتى إذا اجتنينا الفرصاد خرجنا فإذا الغلام بالمرصاد. فوثب إليه